من أصحابنا -يعني الشافعيّة- الْحَليمِيُّ، ورخّص فيه جماعة، والسنة أولى بالاتباع انتهى. واللَّه أعلم.
ورخّص مالك في المعصفر، والمزعفر في البيوت، وكرهه في المحافل.
وقال ابن بطّال -رحمه اللَّه تعالى-: أجاز مالك، وجماعة لباس الثوب المزعفر للحلال، وقالوا: إنما وقع النهي عنه للمحرم خاصّة. وحمله الشافعيّ، والكوفيّون على المحرم وغير المحرم.
وحديث ابن عمر ﵄ في الصبغ يدلّ على الجواز، فإن فيه أن النبيّ ﷺ كان يصبغ بالصفرة. وأخرج الحاكم من حديث عبد اللَّه بن جعفر، قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ ، وعليه ثوبان مصبوغان بالزعفران. وفي سنده عبد اللَّه بن مصعب الزبيريّ، وفيه ضعف. وأخرج الطبرانيّ، من حديث أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها - أن رسول اللَّه ﷺ صبغ إزاره، ورداءه بزعفران. وفيه راو مجهول. ومن المستغرب قول ابن العربيّ: لم يرد في الثوب الأصفر حديث، وقد ورد فيه عدّة أحاديث، كما ترى. قال المهلّب: الصفرة أبهج الألوان إلى النفس، وقد أشار إلى ذلك ابن عبّاس ﵁ في قوله تعالى: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾. قاله في "الفتح" (١).
وقال العلاّمة المباركفوريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "تحفة الأحوذيّ": والحديث دليل لأبي حنفية، والشافعيّ، ومن تبعهما في تحريم استعمال الرجل الزعفران في ثوبه، وبدنه، ولهما أحاديث أخر صحيحة.
ومذهب المالكيّة أن الممنوع إنما هو استعماله في البدن، دون الثوب. ودليلهم ما أخرجه أبو داود، عن أبي موسى، مرفوعًا: "لا يقبل اللَّه صلاة رجل في جسده شيء من خلوق". فإن مفهومه أن ما عدا الجسد لا يتناوله الوعيد.
وأجيب عن حديث أبي موسى هذا بأن في سنده أبا جعفر الرازيّ، وهو متكلّم فيه، وأحاديث النهي عن التزعفر مطلقًا أصحّ، وأرجح.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وأيضًا على تقدير صحّته، فاستدلالهم بالمفهوم، وأحاديث النهي منطوقة، فتقدّم عليه. واللَّه أعلم.
قال: فإن قلت: قد ثبت في "الصحيحين" من حديث أنس ﵁ أن عبد الرحمن بن عوف جاء إلى رسول اللَّه ﷺ ، وبه أثر صفرة، فسأله رسول اللَّه ﷺ ، فأخبره أنه تزوّج امرأة … الحديث، وفي رواية: "وعليه ردع زعفران"، فهذا الحديث يدلّ على جواز
стр. 12602
التزعفر، فإنه ﷺ لم يُنكر على عبد الرحمن بن عوف، فكيف التوفيق بين حديث أنس هذا، وبين حديثه المذكور في الباب، وما في معناه؟.
قلت: أشار البخاريّ إلى الجمع بأن حديث عبد الرحمن للمتزوّج، وأحاديث النهي لغير المتزوّج، حيث ترجم بقوله: "باب الصفرة للمتزوّج".
وقال الحافظ: إن أثر الصفرة التي كانت على عبد الرحمن تعلّقت به من جهة زوجته، فكان ذلك غير مقصود له، قال: ورجّحه النوويّ. وأجيب عن حديث عبد الرحمن بوجوه أخرى ذكرها الحافظ في "الفتح" في "باب الوليمة ولو بشاة"، من "كتاب النكاح".
فإن قلت: روى الشيخان عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -: أن رجلا قال: يا رسول اللَّه ما يلبس المحرم من الثياب؟، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا يلبس القمص … الحديث، وفيه: ولا تلبسوا من الثياب شيئا مسّه زعفران، أو ورس".
فيستفاد من ظاهر هذا الحديث جواز لبس المزعفر لغير الرجل المحرم؛ لأنه قال ذلك في جواب السؤال عما يلبس المحرم، فدلّ على جوازه لغيره.
قلت: قال العراقيّ: الجمع بين الحديثين أنه يُحتمل أن يقال: إن جواب سؤالهم انتهى عند قوله: "أسفل من الكعبين"، ثم استأنف بهذا, ولا تعلّق له بالمسؤول عنه، فقال: "ولا تلبسوا شيئًا من الثياب إلى آخره" انتهى.
قال المباركفوريّ: والأولى في الجواب أن يقال: إن الجواز للحلال مستفاد من حديث ابن عمر بالمفهوم، والنهي ثابت من حديث أنس بالمنطوق، وقد تقرّر أن المنطوق مقدّم على المفهوم.
فإن قلت: روى النسائيّ من طريق عبد اللَّه بن زيد، عن أبيه، عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، كان يصبغ ثيابه بالزعفران، فقيل له؟، فقال: كان رسول اللَّه ﷺ يصبغ. قلت: عبد اللَّه بن زيد صدوق، فيه لين، وأصله في "الصحيح"، وليس فيه ذكر الصفرة انتهى كلام المباركفوريّ -رحمه اللَّه تعالى- (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول بتحريم المزعفر للرجل، محرمًا، أو غير محرم، هو الأرجح عندي؛ لحديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - المذكور في الباب، فإنه نصّ في ذلك، وكذلك حديث عبد اللَّه بن عمرو - رضي اللَّه تعالى عنهما - المتقدّم، فإنه ظاهر فيه، حيث أمره النبيّ ﷺ بحرقه بالنار، ولم يسمح له في غسله، فلو جاز لبسه لما شدّد عليه مثل هذا التشديد، وكذلك حديث عليّ ﵁: "نهاني رسول اللَّه ﷺ عن
стр. 12603
خاتم الذهب، وعن لبوس القسيّ، والمعصفر … " الحديث. وغير ذلك من الأحاديث.
والحاصل أن أحاديث النهي أرجح، فتقدّم على أحاديث الإباحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٠٧ - (أَخْبَرَنِي كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ, عَنْ بَقِيَّةَ, عَنْ شُعْبَةَ,, قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ التَّزَعْفُرِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "كثير بن عُبيد": هو الْمذحِجيّ، أبو الحسن الحمصيّ الحذّاء المقرئ الثقة. و"بقيّة": هو ابن الوليد الحمصيّ، وهو وإن كان صدوقًا، إلا أنه مدلس تدليس التسوية، لكنه تابعه آدم بن أبي إياس عند الترمذيّ في "كتاب الأدب" رقم ٢٨١٥ - ، فرواه عن شعبة، عن إسماعيل به، فالحديث صحيح.
[تنبيه]: رواية شعبة عن إسماعيل بن إبراهيم، وهو ابن عليّة، من رواية الأكابر عن الأصاغر، كما قاله الحافظ (١). واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: أشار في هامش "الهنديّة" أنه يوجد في بعض النسخ "عن سعيد" بدل "عن شعبة" وهو تصحيف بلا شكّ، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٠٨ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ, عَنْ أَنَسٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : "نَهَى عَنِ التَّزَعْفُرِ", قَالَ حَمَّادٌ: يَعْنِي لِلرِّجَالِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح"حماد": هو ابن زيد. والإسناد من رباعيات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٣٩) من رباعيات الكتاب.
وقوله: "يعني للرجال" هكذا هو عند مسلم في "صحيحه",ولعلّ حمادًا -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- لم يتيقن لفظة "للرجال"، فأدخل كلمة "يعني" تورّعًا، وإلا فقد ثبتت اللفظة من رواية إسماعيل ابن عليّة، عن عبد العزيز، عند المصنّف في حديث أول الباب، ومن رواية عبد الوارث بن سعيد، عن عبد العزيز، عن البخاريّ في "صحيحه" رقم ٥٨٤٦ ولفظه: "نهى النبيّ ﷺ أن يتزعفر الرجل". ورواية الترمذيّ من طريق قتيبة، وعبد الرحمن بن مهديّ، كلاهما عن حماد بن زيد ليس فيها كلة "يعني"، ولفظه: "نهى رسول اللَّه ﷺ عن
стр. 12604
التزعفر للرجال". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
٤٤ - (فِي الْخَلُوقِ لِلْمُحْرِمِ)
٢٧٠٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عَمْرٍو, عَنْ عَطَاءٍ, عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى, عَنْ أَبِيهِ, أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ ﷺ , وَقَدْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ, وَعَلَيْهِ مُقَطَّعَاتٌ, وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِخَلُوقٍ, فَقَالَ: أَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ, فَمَا أَصْنَعُ؟ , فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَا كُنْتَ صَانِعًا فِي حَجِّكَ؟ (١)» , قَالَ: كُنْتُ أَتَّقِي هَذَا, وَأَغْسِلُهُ, فَقَالَ: «مَا كُنْتَ صَانِعًا فِي حَجِّكَ, فَاصْنَعْهُ فِي عُمْرَتِكَ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه "محمد بن منصور": وهو الجوّاز المكيّ فإنه من أفراد المصنّف وهو ثقة. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"عمرو": هو ابن دينار. و "عطاء": هو ابن أبي رباح.
وقوله: "وعليه مقطّعات" قال النوويّ: بفتح الطاء المشدّدة، وهي الثياب المخيطة.
وقال في "النهاية": أي ثياب قصار؛ لأنها قطعت عن بلوغ التمام. وقيل: المقطّع من الثياب، كلّ ما يفصل، ويخاط، من قميص، وغيره، وما لا يقطّع منها كالأُزُر، والأردية انتهى (٢).
وقال السنديّ: المقطّع من الثياب المفصّل على البدن، أي الذي يفصّل أوّلاً على البدن، ثم يخاط، من قميص، وغيره (٣).
وقوله: "متضمّخ" بالضاد، والخاء المعجمتين: أي متلطّخ. وقوله: "بخلوق" -بفتح الخاء المعجمة، آخره قاف: طيّب معروف، مركّب، يتّخذ من الزعفران وغيره (٤).
وقوله: "ما كنت صانعًا في حجك؟! الأول استفهام، فلذا أجابه بقوله. "أتقي هذا الخ"، والثاني أمر له بأن يصنع في عمرته ما كان يصنعه في حجه. وهذا يدلّ على أن الرجل كان يعلم محظورات الحجّ، وإنما يجهل محظورات العمرة.
стр. 12605
قال الباجيّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذا يقتضي أنه ﷺ علم من حال السائل أنه عالم بما يفعل في الحجّ، وإلا فلا يصحّ أن يقول له ذلك؛ لأنه إذا لم يعلم ما يفعل الحاجّ لم يمكنه أن يمتثله المعتمر انتهى.
وقال ابن العربيّ -رحمه اللَّه تعالى-: كأنهم كانوا في الجاهليّة يخلعون الثياب، ويجتنبون الطيب في الإحرام، إذا حجّوا، وكانوا يتساهلون في ذلك في العمرة، فأخبر النبيّ ﷺ أن مجراهما واحد انتهى (١).
والحديث متّفق عليه، وتقدم تمام شرحه، وبيان مسائله في باب "الجبّة في الإحرام" -٢٩/ ٢٦٦٨ - فراجعه تستفد، واللَّه تعالى وليّ التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧١٠ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ, يُحَدِّثُ عَنْ عَطَاءٍ, عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ, وَهُوَ بِالْجِعِرَّانَةِ, وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ, وَهُوَ مُصَفِّرٌ لِحْيَتَهُ وَرَأْسَهُ, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنِّي أَحْرَمْتُ بِعُمْرَةٍ, وَأَنَا كَمَا تَرَى, فَقَالَ: «انْزِعْ عَنْكَ الْجُبَّةَ, وَاغْسِلْ عَنْكَ الصُّفْرَةَ, وَمَا كُنْتَ صَانِعًا فِي حَجَّتِكَ, فَاصْنَعْهُ فِي عُمْرَتِكَ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن إسماعيل بن إبراهيم" وهو المعروف أبوه بابن عليّة، دمشقيّ ثقة، فإنه من أفراد المصنّف. و"قيس بن سعد": هو أبو عبد الملك المكيّ الثقة.
وقوله: "وهو مصفّر" بتشديد الفاء المكسورة: أي مستعمل للصفرة في لحيته، وتلك الصفرة هي الخلوق. والحديث متفق عليه، كما سبق بيانه فيما قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
٤٥ - (الْكُحْلُ لِلْمُحْرِمِ)
أي هذا باب في ذكر الحديث الدّالّ على بيان حكم استعمال الكحل للمحرم، وهو المنع، إلا للضرورة كالرَّمَدِ، فيستعمل الصبر، ونحوه من الأدية التي ليس فيها طيب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
стр. 12606
٢٧١١ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ,, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى, عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ, عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فِي الْمُحْرِمِ «إِذَا اشْتَكَى رَأْسَهُ وَعَيْنَيْهِ, أَنْ يُضَمِّدَهُمَا بِصَبِرٍ (١)»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قتيبة) بن سعيد المذكور قبل باب.
٢ - (سفيان) بن عيينة المذكور في الباب الماضي.
٣ - (أيوب بن موسى) الأمويّ المكيّ، ثقة [٦] ١٥٠/ ٢٤١.
٤ - (نُبيه -بضم النون، وفتح الموحّدة، آخره هاء، مصغّرًا- ابن وهب) بن عثمان بن أبي طلحة بن عبد العزّي بن عثمان بن عبد الدار بن قُصيّ العبدريّ المدنيّ، ثقة، من صغار [٣].
قال النسائيّ: ثقة. وحكى ابن عبد البرّ، عن ابن معين: ثقة. وقال ابن سعد: روى عنه نافع، وليس نُبيه بأسنّ منه، توفّي في فتنة الوليد بن يزيد، وكان ثقة قليل الحديث، أحاديثه حسان. وقال ابن أبي عاصم: كان من أشراف بني عبد الدار، معروف الدار، والنسب. وذكره ابن حبّان في "الثقات" في أتباع التابعين، وكأن روايته عنده عن أبي هريرة مرسلة. وقال أبو زرعة: حديثه عن عثمان مرسل. روى له الجماعة، سوى البخاريّ، وروى له المصنّف في ستة مواضع، برقم -٢٧١١ و ٢٨٤٢ و ٢٨٤٣ و ٢٨٤٤ و ٣٢٧٤٥ و ٣٢٧٦.
٥ - (أبا بن عثمان) بن عفّان الأمويّ، وأمه أم عمرو بنت جندب الدوسيّة، أبو سعيد. وقيل: أبو عبد اللَّه، مدنيّ ثقة [٣].
قال عمرو بن شُعيب: ما رأيت أعلم بحديث ولا فقه منه. وعدّه يحيى القطّان في فقهاء المدينة. وقال العجليّ: ثقة، من كبار التابعين. وقال ابن سعد: مدنيّ تابعيّ ثقة، وله أحاديث، وكان به صَمَمٌ، ووَضَحٌ، وأصابه الفالج قبل أن يموت بسنة. وحكى البخاريّ في "التاريخ" عن مالك أنه كان قد عَلِمَ أشياء من قضاء أبيه، وكان معلّم عبد اللَّه بن أبي بكر. وقال الأثرم: قلت لأحمد: أبان بن عثمان سمع من أبيه؟ قال: لا. قال الحافظ: حديثه في "صحيح مسلم" مصرّح بالسماع من أبيه. قال خليفة: مات في خلافة يزيد بن عبد الملك، ومات يزيد سنة (١٠٥).
روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون، روى له المصنّف في هذا الكتاب في المواضع الستة التي تقدّمت في ترجمة نُبيه بن وهب.
٦ - (أبوه) عثمان بن عفان بن أبي العاص أمير المؤمنين ﵁ تقدم في ٦٨/ ٨٤.
стр. 12607
واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وأن رجاله عندهم رجال الصحيح، وأنه مسلسل بالمدنيين من نُبَيْهٍ، وأن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعي عن تابعي، وهو من رواية الأقران، وأن صحابيه أحد الخلفاء الأربعة، والعشرة المبشرين بالجنة، وأحد السابقين إلى الإسلام، وكان يُلَقَّبُ بذي النورين؛ لأنه تزوج بابنتي النبي ﷺ رُقَيَّة، ثم أم كلثوم - رضي اللَّه تعالى عنهم - جميعًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ) في "أبان" وجهان: الصرف، وعدمه، والصحيح الأشهر الصرف، فمن صرفه قال: وزنه فَعَال، ومن منعه قال: وزنه أفعَل. قاله النوويّ. قال بعضهم: من لم يصرف أبان، فهو أتان.
وأما عثمان فممنوع من الصرف؛ للعلمية، وزيادة الألف والنون. وأما عفّان، ففيه وجهان أيضًا: الصرف، وعدمه، فالصرف على تقدير أن نونه أصلية، من العفن، وعدمه على تقدير زيادتها مع الألف، من العفّة. واللَّه تعالى أعلم.
(عَنْ أَبِيهِ) عثمان بن عفّان الخليفة الراشد - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) وفي نسخة: (قال النبيّ ﷺ ". وفي الحديث قصّة ساقها مسلم -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه"، فقال:
١٢٠٤ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وزهير بن حرب، جميعا عن ابن عيينة، قال أبو بكر: حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا أيوب بن موسى، عن نُبَيه بن وهب، قال: خرجنا مع أبان بن عثمان، حتى إذا كنا بِمَلَلٍ (١)، اشتكى عمر بن عبيد اللَّه عينيه، فلما كنا بالرَّوْحَاء، اشتد وجعه، فأرسل إلى أبان بن عثمان يسأله, فأرسل إليه، أن اضْمِدْهُما بالصبر، فإن عثمان ﵁، حدث عن رسول اللَّه ﷺ ، "في الرجل إذا اشتكى عينيه، وهو محرم، ضَمَّدَهما بالصبر".
(فِي الْمُحْرِمِ) متعلّق بـ "قال"، بمعنى حكم، فإن "قال" تأتي بمعنى "حكم"، كما نقله في "اللسان" عن ابن الأثير، وأقره عليه، أي حكم رسول اللَّه ﷺ على المحرم (إِذَا اشْتَكَى رَأْسَهُ، وَعَيْنَيهِ) لفظ "رأسه" ليس في "صحيح مسلم" (أَنْ يُضَمَّدَهُمَا بِصَبِرِ) بالبناء
стр. 12608
للفاعل: أي يجعل عليهما صبرًا، ويداويهما به. وفي نسخة: "أن يُضمَّد" بالبناء للمفعول. يقال: ضَمَدَ الجرحَ يَضمِده، ويَضمُدُه، من بابي ضرب، ونصر، وضَمَّده بالتشديد: إذا شدّه بالضَّمَادة، وهي بالكسر: العصابة، كالضِّمَاد. أفاده في "القاموس".
وقال ابن الأثير: أصل الضّمْد: الشدّ، يقال: ضمد رأسه، وجُرْحَهُ: إذا شدّه بالضَّمَاد، وهي خرقة يُشدّ بها العضو المَؤُوف (١)، ثم قيل لوضع الدواء على الجرح، وغيره، وإن لم يُشدّ انتهى (٢).
و"الصبر": الدواء المرّ، وقال في "القاموس": عُصَارة شجر مُرّ.
قال الفيّوميّ: هو -بكسر الباء في الأشهر، وسكونها للتخفيف لغةٌ قليلةٌ، ومنهم من قال: لم يُسمع تخفيفه في السَّعَة. وحكى ابن السِّيدِ في "كتاب مثلّث اللغة" جواز التخفيف، كما في نظائره بسكون الباء مع فتح الصاد، وكسرها، فيكون فيه ثلاث لغات انتهى (٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عثمان بن عفّان - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٤٥/ ٢٧١١ - وفي "الكبرى" ٤٥/ ٣٦٩١. وأخرجه (م) في "الحجّ" ١٢٠٤ (د) في "المناسك" ١٨٣٨ (ت) في "الحج" ٩٥٢ (الدارمي) في "المناسك" ١٩٣٠. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم الاكتحال للمحرم:
قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: واتفق العلماء على جواز تضميد العين، وغيرها بالصبر، ونحوه، مما ليس بطيب، ولا فدية في ذلك، فإن احتاج إلى ما فيه طيب، جاز له فعله، وعليه الفدية واتفق العلماء على أن للمحرم أن يكتحل بكحل لا طيب فيه، إذا احتاج إليه، ولا فدية عليه فيه.
وأما الاكتحال للزينة، فمكروه عند الشافعيّ، وآخرين. ومنعه جماعة، منهم: أحمد، وإسحاق، وفي مذهب مالك قولان كالمذهبين، وفي إيجاب الفدية عندهم بذلك خلاف، واللَّه أعلم انتهى كلام النوويّ (٤).
стр. 12609
وقال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: ونَهْيُ أبان بن عثمان للسائل أن يكحل عينيه ليس على إطلاقه، وكأنه إنما نهاه عن أن يكحلها بما فيه طيب، وتضميد العين هو: لطخها، والصبر ليس بطيب. ولا خلاف في جواز مثل هذا مما ليس فيه طيب، ولا زينة، فلو اكتحل المحرم، أو المحرمة بما فيه طيب افتديا. وكذلك المرأة إذا اكتحلت للزينة، وإن لم يكن فيه طيب، فلو اكتحل الرجل للزينة، فأباحه قوم، وكرهه آخرون، وهم: أحمد، وإسحاق، والثوريّ. وعلى القول بالمنع، فهل تجب الفدية، أم لا؟ قولان، وبالثاني قال الشافعيّ، رجلاً كان، أو امرأة. انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأرجح عندي هو ما ذهب إليه أحمد، وإسحاق، من منع الكحل للمحرم، إلا لمرض أصابه، كالرَّمَد، ونحوه، فيكتحل بما ليس فيه طيب، كأن يضمده بالصبر، ونحوه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
٤٦ - (الْكَرَاهِيَةُ فِي الثِّيَابِ الْمُصَبغَةِ لِلْمُحْرِمِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على كراهية لبس الثياب المصبغة للمحرم.
و"المصبغة": بضم الميم، وتشديد الموحّدة، اسم مفعول من التصبيغ، يقال: صبغ الثوب يصبغه، من باب منع، وضرب، ونصر صِبْغًا، وصِبَغًا، كعِنَب: إذا لوّنه. والتضعيف للمبالغة، ويحتمل أن يكون بضم الميم، وتخفيف الموحّدة، اسم مفعول من الإصباغ، كالإسباغ وزنًا، ومعنًى، يقال: أَصْبَغَ اللَّهُ النعمةَ: أسبغها. أفاده في "القاموس". واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٧١٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي, قَالَ: أَتَيْنَا جَابِرًا, فَسَأَلْنَاهُ عَنْ حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ , فَحَدَّثَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ, لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ, وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً, فَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ, فَلْيُحْلِلْ, وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً».
وَقَدِمَ عَلِيٌّ ﵁, مِنَ الْيَمَنِ بِهَدْيٍ, وَسَاقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ هَدْيًا, وَإِذَا
стр. 12610
فَاطِمَةُ, قَدْ لَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا, وَاكْتَحَلَتْ, قَالَ: فَانْطَلَقْتُ مُحَرِّشًا, أَسْتَفْتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنَّ فَاطِمَةَ لَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا, وَاكْتَحَلَتْ, وَقَالَتْ: أَمَرَنِي بِهِ أَبِي, ﷺ , قَالَ: «صَدَقَتْ, صَدَقَتْ, صَدَقَتْ, أَنَا أَمَرْتُهَا»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمد بن المثني) العَنَزيّ، أبو موسى البصري، ثقة حافظ [١٠] ٦٤/ ٨٠.
٢ - (يحيى بن سعيد) القطان البصري، ثقة ثبت حجة [٩] ٤/ ٤.
٣ - (جعفر بن محمد) الصادق المدني يأتي.
٤ - (أبوه) محمد بن علي الباقر يأتي أيضًا.
٥ - (جابر) بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - يأتي أيضًا. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀، وأن رجاله رجال الصحيح، وأن فيه رواية الابن عن أبيه، وأن جابر ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا، وأن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الأئمة الستة دون واسطة، وقد نظمتهم بقولي:
اشْتَرَكَ الأَئِمَّةُ الْهُدَاةُ … ذَوُو الأُصُولِ السَّتَةِ الْوُعَاةُ
فِي تِسْعَةٍ مِنَ الشُوخِ الْمَهَرَهْ … الْحَافِظِينَ النَّاقِدِينَ الْبَرَرَهْ
أُولَئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرِ … نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ وَعَمْروٌ السَّرِي
وَابْنُ الْعَلَاءِ وَابْنُ بَشَّارٍ كَذَا … ابْنُ الْمُثنَّى وَزِيَادٌ يُحْتَذَى
وقد تقدّم هذا كله غير مرّة، وإنما أعدته تذكيرًا لطول العهد. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَعْفَرِ بْنِ محمد) أبي عبد اللَّه الهاشميّ المدنيّ المعروف بالصادق، صدوق فقيه إمام من [٦] تقدّمت ترجمته في ١٢٣/ ١٨، أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي) هو: محمد بن علي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشميّ، أبو جعفر المعروف بالباقر المدنيّ، ثقة فاضل من [٤] تقدّمت ترجمته في ١٢٣/ ١٨٢ أنه (قَالَ: أَتَيْنَا جَابِرًا) أي ابن عبد اللَّه بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ، أبا عبد اللَّه، وقيل: غيره صحابيّ مشهور، غزا تسع عشرة غزوة، ومات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن أربع وتسعين سنة، تقدّمت ترجمته في ٣١/ ٣٥ (فَسَأَلْنَاهُ عَنْ حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ ) أي عن كيفيتها.
[اعلم]: أن حجة النبيّ ﷺ ، وإن كانت مروية من أحاديث كثير من الصحابة، إلا أنَّ
стр. 12611
أحسنهم، وأتمهم سياقًا هو جابر بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وأتم المحدّثين سوقًا لحديثه هو الإمام مسلم -رحمه اللَّه تعالى-، حيث ساقه مساقًا واحدًا, ولم يقتصر على بعض أجزائه، كما فعل الأئمة الآخرون، كالبخاريّ، والمصنّف، وبقية أصحاب الكتب، فإنهم يسوقون منه محلّ الاحتجاج لما يريدن الاحتجاج به، وحيث كانت رواية مسلم أتمّ أحببت أن أذكرها هنا تميمًا للفائدة، وتكميلاً للعائدة، ولتسهل الإحالة عليه فيما يأتي، إن شاء اللَّه تعالى، قال -رحمه اللَّه تعالى-:
١٢١٨ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وإسحق بن إبراهيم جميعا، عن حاتم، قال أبو بكر: حدثنا حاتم بن إسمعيل المدني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: دخلنا على جابر بن عبد اللَّه، فسأل عن القوم، حتى انتهى إليّ، فقلت: أنا محمد بن علي بن حسين، فأهوى بيده إلى رأسي، فنزع زِرِّي الأعلى، ثم نزع زري الأسفل، ثم وضع كفه بين ثديي، وأنا يومئذ غلام شابّ، فقال: مرحبا بك يا ابن أخي، سل عما شئت، فسألته، وهو أعمى، وحضر وقت الصلاة، فقام في نِسَاجة (١)، ملتحفا بها، كلما وضعها على منكبه، رجع طرفاها إليه، من صغرها، ورداؤه إلى جنبه، على المِشْجَب (٢)، فصلى بنا، فقلت: أخبرني عن حجة رسول اللَّه ﷺ ، فقال بيده، فعقد تسعا، فقال: إن رسول اللَّه ﷺ ، مكث تسع سنين، لم يحجّ، ثم أَذَّنَ في الناس في العاشرة، أن رسول اللَّه ﷺ حاجٌّ، فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس، أن يأتم برسول اللَّه ﷺ ، ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه، حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس، محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول اللَّه ﷺ ، كيف أصنع؟ قال: "اغتسلي، واستثفري بثوب، وأحرمي"، فصلى رسول اللَّه ﷺ في المسجد، ثم ركب القصواء (٣)، حتى إذا استوت به ناقته، على البيداء، نظرتُ إلى مد بصري، بين يديه من راكب، وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول اللَّه ﷺ بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء، عملنا به، فأهل بالتوحيد، "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، لبيك، إن الحمد والنعمة لك، والملك، لا شريك لك"، وأهل الناس بهذا الذي يهلون به، فلم يردّ رسول اللَّه ﷺ عليهم، شيئا منه، ولزم رسول اللَّه ﷺ تلبيته، قال جابر ﵁: لسنا ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة، حتى إذا أتينا البيت معه، استلم الركن، فرمل
стр. 12612
ثلاثاً، ومشي أربعا، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم ﵇، فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فجعل المقام بينه وبين البيت، فكان أبي يقول: ولا أعلمه ذكره، إلا عن النبي ﷺ ، كان يقرأ في الركعتين: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ثم رجع إلى الركن، فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا، قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] أَبْدَأُ بما بدأ اللَّه به، فبدأ بالصفا، فرَقِيَ عليه، حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحد اللَّه، وكبره، وقال: "لا إله إلا اللَّه وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير، لا إله إلا اللَّه وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده"، ثم دعا بين ذلك، قال مثل هذا، ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة، حتى إذا انصبت (١) قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إذا صعدتا مشى، حتى أتى المروة، ففعل على المروة، كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طوافه على المروة، فقال: "لو أني استقبلت، من أمري ما استدبرت، لم أسق الهدي، وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي، فليحل، وليجعلها عمرة"، فقام سراقة بن مالك بن جعشم، فقال: يا رسول اللَّه، ألعامنا هذا، أم لأبد؟، فشبك رسول اللَّه ﷺ أصابعه، واحدة في الأخرى، وقال: "دخلت العمرة في الحج"، مرتين، "لا، بل لأبد أبد"، وقدم عليٌّ من اليمن، ببدن النبيّ ﷺ ، فوجد فاطمة ﵂، ممن حلّ، ولبست ثيابا صبيغا، واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، فقالت: إن أبي أمرني بهذا، قال: فكان عليّ يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول اللَّه ﷺ ، مُحَرِّشًا (٢) على فاطمة، للذي صنعت، مستفتيا لرسول اللَّه ﷺ ، فيما ذكرت عنه، فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها، فقال: "صدقت، صدقت، ماذا قلت، حين فرضت الحج؟ "، قال: قلت: اللَّهم إني أُهِلُّ بما أهل به رسولك، قال: "فإن معي الهدي، فلا تحل"، قال: فكان جماعة الهدي، الذي قدم به علي من اليمن، والذي أتى به النبي ﷺ مائة، قال: فحل الناس كلهم، وقصروا، إلا النبي ﷺ ، ومن كان معه هدي، فلما كان يومٌ التروية، توجهوا إلى منى، فأهلوا بالحج، وركب رسول اللَّه ﷺ ، فصلى بها الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر، ثم مكث قليلا، حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر، تضرب له بنمرة، فسار رسول اللَّه ﷺ ، ولا تشك قريش، إلا أنه واقف عند المشعر الحرام، كما كانت قريش، تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول
стр. 12613
اللَّه ﷺ ، حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس، أمر بالقَصْوَاء، فرُحلت له، فأتى بطن الوادي، فخطب الناس، وقال: "إن دماءكم، وأموالكم، حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كلّ شيء من أمر الجاهلية، تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا، دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعا في بني سعد، فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع، ربانا ربا عباس بن عبد المطّلب، فإنه موضوع كله، فاتقوا اللَّه في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان اللَّه، واستحللتم فروجهن بكلمة اللَّه، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم، أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك، فاضربوهن ضربا، غير مبرح (١)، ولهن عليكم رزقهن، وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم، ما لن تضلوا بعده، إن اعتصمتم به، كتاب اللَّه، وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟ "، قالوا: نشهد أنك قد بلغت، وأديت، ونصحت، فقال بإصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء، وينكتها إلى الناس: "اللَّهم اشهد، اللَّهم اشهد"، ثلاث مرات، ثم أذن، ثم أقام، فصلى الظهر، ثم أقام، فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئًا، ثم ركب رسول اللَّه ﷺ ، حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حَبْلَ (٢) المشاة بين يديه، واستقبل القبلة، فلم يزل واقفا، حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلا، حتى غاب القرص، وأردف أسامة خلفه، ودفع رسول اللَّه ﷺ ، وقد شَنَقَ (٣) للقصواء الزمام، حتى إن رأسها ليصيب مَوْرِكِ (٤) رحله، ويقول بيده اليمنى، "أيها الناس السكينةَ السكينةَ"، كلما أتى حبلا (٥) من الحبال، أرخى لها قليلا، حتى تصعد، حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء، بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئا، ثم اضطجع رسول اللَّه ﷺ ، حتى طلع الفجر، وصلى الفجر، حين تبين له الصبح، بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء، حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعاه، وكبره، وهللَّه، ووحده، فدم يزل واقفا، حتى أسفر جدا، فدفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عباس، وكان رجلا، حسن الشعر، أبيض وسيما، فلما دفع رسول اللَّه ﷺ ، مرّت به ظعن يجرين، فطفق الفضل
стр. 12614
ينظر إليهن، فوضع رسول اللَّه ﷺ ، يده على وجه الفضل، فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر، فحول رسول اللَّه ﷺ يده، من الشق الآخر على وجه الفضل، يصرف وجهه من الشق الآخر ينظر، حتى أتى بطن محسر، فحرك قليلا، ثم سلك الطريق الوسطى، التي تخرج على الجمرة الكبرى, حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها، مثل حصى الخذف، رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثا وستين بيده، ثم أعطى عليا، فنحر ما غَبَرَ (١)، وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قِدْر، فطبخت، فأكلا من لحمها، وشربا من مرقها، ثم ركب رسول اللَّه ﷺ ، فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة الظهر، فأتى بني عبد المطلب، يسقون على زمزم، فقال: "انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم، لنزعت معكم"، فناولوه دلوا، فشرب منه (٢).
قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرحه": حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - حديث عظيم، مشتمل على جُمَل من الفوائد، ونفائس من مهمات القواعد، وهو من أفراد مسلم، لم يروه البخاريّ في "صحيحه"، ورواه أبو داود كرواية مسلم. قال القاضي: وقد تكلّم الناس على ما فيه من الفقه، وأكثروا، وصنّف فيه أبو بكر ابن المنذر جزءًا كبيرًا، وخرّج فيه من الفقه مائة ونيّفًا وخمسين نوعًا, ولو تقصّى لزاد على هذا القدر قريبٌ منه انتهى (٣).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: لم يروه البخاريّ في "صحيحه"، كأنه أراد بهذا السياق مثل رواية مسلم بطوله، من رواية جعفر الصادق، عن أبيه، عنه، وإلا فقد أخرجه البخاريّ في عدة أبواب من "صحيحه"، لكن من رواية عطاء بن أبي رباح، عنه، مقطّعًا، كما سأذكره في المسألة الثانية، إن شاء اللَّه تعالى.
(فحَدَّثَنَا) أي جابر بن عبد اللَّه ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ) حين أمر أصحابه بأن يتحللوا عن إحرامهم بعمل العمرة، وشقّ عليهم ذلك، حيث إنهم توقّفوا، وتردّدوا، وراجعوه (لَوِ اسْتَقْبَلْتُ) أي لو علمت في قُبُلٍ (مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ) أي ما علمته في دُبُر منه، والمعنى لو ظهر لي هذا الأمر الذي ظهر لي الآن لأمرتكم به في أول الأمر، وابتداء خروجي، و (لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ) بضم السين، يعني لما جعلت عليّ هديًا،
стр. 12615
وأشعرته، وقَلَّدته، وسقته بين يديّ، فإنه إذا ساق الهدي لا يحلّ حتى ينحر الهدي، ولا يَنحر إلا يوم النحر، فلا يصحّ له فسخ الحجّ بعمل العمرة، بخلاف من لم يسق الهدي، إذ يشرع له فسخ الحج بعمل العمرة.
وقال العلاّمة ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-: في قوله: "لو استقبلت الخ": يعني أنه لو كان هذا الوقت الذي تكلّم فيه هو وقت إحرامه لكان أحرم بعمرة، ولم يسق الهدي؛ لأن الذي استدبره هو الذي فعله، ومضى، فصار خلفه، والذي استقبله هو الذي لم يفعله بعدُ، بل هو أمامه، فمقتضاه أنه لو كان كذلك لأحرم بالعمرة دون الهدي انتهى.
وقال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: أي لو علمت في ابتداء شروعي ما علمت الآن من لحوق المشقّة بأصحابي، بانفرادهم بالفسخ، حتى توقّفوا، وتردّدوا، وراجعوه لما سُقت الهدي حتى فسخت معهم، قاله حين أمرهم بالفسخ، فتردّدوا انتهى.
وهذا صريح في أنه ﷺ لم يكن متمتعًا. قال الخطّابيّ -رحمه اللَّه تعالى-: إنما قال هذا استطابة لنفوس أصحابه لئلا يجدوا في أنفسهم أنه أمرهم بخلاف ما يفعله في نفسه. وقد يستدلّ بهذا الحديث من يجعل التمتّع أفضل من غيره.
وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: وفي الحديث: دليلٌ على جواز قول "لو" في التأسّف على فوات أمور الدين، ومصالح الشرع، وأما الحديث الصحيح في أنّ "لو" تفتح عمل الشيطان، فمحمول على التأسف على فوات حظوظ الدنيا، ونحوها، وقد كثُرت الأحاديث الصحيحة في استعمال "لو" في غير حظوظ الدنيا، ونحوها، فيجمع بين الأحاديث بما ذكرناه. واللَّه أعلم (١).
(وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً) أي جلت الحجة التي أهللت بها عمرة، أي فسختها بعمل العمرة مثلكم. وقال السنديّ: "وجعلتها" أي النسك، والتأنيث باعتبار المفعول الثاني، أعني "عمرةً"؛ لكونه كالخبر في المعنى، أو لَجَعلت الحجّة انتهى (٢) (فَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ) الفاء فصيحيّة، أي إذا كان الأمر ما ذكرت لكم من أني لا أحلّ لكوني سُقت الهدي، ولا أتحلّل حتى يبلغ الهدي محلّه، فمن لم يكن معه هدي (فَلْيُحْلِلْ) تقدّم ضبطه بضم أوله، وفتحه، من الإحلال، أو الحِلّ. أي لِيَصِرْ حلالاً، وليَخْرُجْ من إحرامه بعد فراغه من أفعال العمرة، إذ قد أُبيح له ما حرم عليه بسبب الإحرام، حتى يستأنف الإحرام للحجّ.
(وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً) أي ليجعل الحجّة التي أتى بها من الميقات عمرة، أي ليحلل بعمل
стр. 12616
العمرة. والواو لمطلق الجمع؛ لأن الجعل مقدّم على الخروج؛ لأن المراد من الجعل الفسخ، وهو أن يفسخ نيّة الحجّ، ويقطع أفعاله، ويجعل إحرامه، وأفعاله للعمرة. أو الواو للععطف التفسيريّ. قاله القاريّ. وفي رواية عطاء، عن جابر: فقال: "أحلّوا من إحرامكم" (١).
(وَقَدِمَ) بكسر الدال، يقال: قدِم البلدَ، من باب تعب، قدومًا: إذا دخلها (عَليٌّ ﵁، مِنَ الْيَمَنِ) وفي رواية عطاء، عن جابر: "فقدم عليّ من سعايته". قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: "السعاية" بكسر السين، قال القاضي عياض: قوله من سعايته: أي من عمله في السعي في الصدقات. قال: وقال بعض علمائنا: الذي في غير هذا الحديث أنه إنما بعث عليًّا ﵁ أميرًا، لا عاملاً على الصدقات، إذ لا يجوز استعمال بني هاشم على الصدقات؛ لقوله ﷺ للفضل بن عباس، وعبد المطّلب بن ربيعة حين سألاه ذلك: "إن الصدقة لا تحلّ لمحمد، ولا لآل محمد"، ولم يستعملهما.
قال القاضي: يحتمل أن عليًّا ﵁ ولي الصدقات، وغيرها احتسابًا، أو أعطي عمالته عليها من غير الصدقة. قال: وهذا أشبه، لقوله: "من سعايته"، والسعاية تختصّ بالصدقة. هذا كلام القاضي.
قال النوويّ: وهذا الذي قاله حسنٌ، إلا قوله: إن السعاية تختصّ بالعمل على الصدقة، فليس كذلك؛ لأنها تستعمل في مطلق الولاية، وان كان أكثر استعمالها في الولاية على الصدقة. ومما يدلّ لما ذكرته حديث حُذيفة ﵁ السابق في "كتاب الإيمان" من "صحيح مسلم"، قال في حديث رفع الأمانة: "ولقد أتى عليّ زمان، وما أبالي أيكم بايعتُ، لئن كان مسلمًا، ليردّنّه عليّ دينه، ولئن كان نصرانيًّا، أو يهوديًّا ليردّنّه عليّ ساعيه". يعني الوالي عليه. واللَّه أعلم انتهى كلام النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (٢).
(بَهدْيٍ) متعلّق بـ "قَدِم"، أي اشترى من اليمن، وأتى به إلى مكة، لا أنه أخذه من السعاية على الصدقة؛ لما تقدّم آنفًا أن عُمَالة الصدقة لا تحلّ لأهل البيت (وَسَاقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ هَدْيًا) وفي حديث عليّ ﵁، قال: "أهدى النبيّ ﷺ مائة بدنة … " الحديث. قال الحافظ: وفيه الندب إلى سوق الهدي من المواقيت، ومن الأماكن البعيدة، وهي من السنن التي أغفلها كثير من الناس انتهى (٣).
стр. 12617
(وَإذا فَاطِمَةُ) "إذا" هنا هي الفجائيّة، أي ففاجأ عليًّا ﵁ كون فاطمة - رضي اللَّه تعالى عنها - الخ (قَدْ لَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا) أي لأنه لا يلبسه من أحرم رجلاً كان، أو امرأة، وهذا محلّ الترجمة، حيث يدلّ عَلى تحريم لبس المصبوغ في حالة الإحرام، ووجه دلالته عليه أن عليًّا ﵁ أنكر على فاطمة - رضي اللَّه تعالى عنها - لبسها الصبيغ، وذكر ذلك للنبيّ ﷺ ، فأقرّه على إنكاره ذلك، إلا أنه بَيَّنَ له جواز ذلك لها، حيث تحللت من إحرامها. واللَّه أعلم.
(وَاكْتَحَلَتْ، قَالَ) عليّ ﵁ (فَانْطَلَقْتُ) أي ذهبت إلى رسول اللَّه ﷺ (مُحَرِّشًا) اسم فاعل من التحريش، وهو الإغراء، والمراد به هنا أن يذكر له ما يقتضي عتابها. وفي رواية مسلم: "محرّشًا على فاطمة للذي صنعتْ" (أَسْتَفْتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) أي أطلب منه الفتيا فيما فعلت فاطمة - رضي اللَّه تعالى عنها -. وفي رواية مسلم: "مستفتيًا لرسول اللَّه ﷺ فيما ذكرت عنه، فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها" (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فَاطِمَةَ لَبسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا) أي مصبوغًا لا يحلّ لها أن تلبسه؛ حيث إنها محرمة (وَاكْتَحَلَتْ) أي اسَتعملت الكحل في عينها، وهو أيضًا لا يحلّ لها لما ذُكر (وَقَالَتْ: أَمَرَنِي بهِ أَبِي ﷺ ) وفي نسخة: "أمرني به رسول اللَّه ﷺ "، وفي أخرى: "أمرني النبيّ ﷺ ".
تعني أنه أمرها ﷺ بما فعلت من لبس الصبيغ، والاكتحال، حين أمر أصحابه بالإحلال بعمل العمرة، حيث قال لهم حين قالوا: أيّ الحلّ؟، قال: "الحلّ كلّه" (قَالَ) ﷺ (صَدَقَتْ، صَدَقَتْ، صَدَقَتْ) كرّره ثلاثًا للتوكيد، وهي رواية مسلم تكراره مرَّتين (أَنَا أَمَرْتُهَا) بما فعلت، هكذا اختصر المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- حديث جابر، وقد سقته من رواية مسلم فيما تقدّم -وللَّه الحمد-، وسيذكره المصنّف مقطّعًا في أبواب كثيرة، وسأشرح ما لم يُشرح ههنا في مواضعه، تكميلاً للفائدة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٦/ ٢٦٧١٢ و ٥١/ ٢٧٤٠ و ٥٢/ ٢٧٤٣ و ٢٧٤٤ و ٥٣/ ٢٧٤٦ و ٥٦/ ٢٧٥٦ و ٥٨/ ٢٧٦٣ و ٧٣/ ٢٧٩٨ و ٧٧/ ٢٨٠٥ و ١٠٨/ ٢٨٧٢ و ١٤٩/ ٢٩٣٩ و ١٥٤/ ٢٩٤٤ و ١٦٣/ ٢٩٦١ و ٢٩٦٢ و ١٦٤/ ٢٩٦٣ و ١٦٨/ ٢٩٦٩ و ٢٩٧٠ و ١٦٩/ ٢٩٧١ و ١٧٠/ ٢٩٧٢ و ١٧١/ ٢٩٧٣ و ١٧٢/ ٢٩٧٤ و ١٧٣/ ٢٩٧٥ و ١٧٨/ ٢٩٨١ و ٢٩٨٢
стр. 12618
و ٢٩٨٣ و ١٨٠/ ٢٩٨٤ و ١٨١/ ٢٩٨٥ و ١٨٢/ ٢٩٨٦ و ٢٠٢/ ٣٠١٥ و ٢٠٤/ ٣٠٢١ و ٣٠٢٢ و ٢١١/ ٣٠٤٥ و ٢١٥/ ٣٠٥٣ و ٣٠٥٤ و ٢٢٠/ ٣٠٦٢ و ٢٢١/ ٣٠٦٣ و ٢٢٦/ ٣٠٧٤ و ٣٠٧٥ و ٢٢٧/ ٣٠٧٦ - وفي "الكبرى" ٤٦/ ٣٦٩٢ و ٥١/ ٣٧٢٠ و ٥٢/ ٣٧٢٣ و ٣٧٢٤ و ٥٦/ ٣٧٤٢ و ٥٧/ ٣٧٤٤ و ٧٦/ ٣٧٨٦ و ١٠٧/ ٣٨٥٢ و ١٥٣/ ٣٩٣٦ و ١٦٣/ ٣٩٥٤ و ١٦٤/ ٣٩٥٥ و ١٦٨/ ٣٩٦٢ و ١٦٩/ ٣٩٦٤ و ١٧٠/ ٣٩٦٥ و ١٧١/ ٣٩٦٦ و ١٧٢/ ٣٩٦٧ و ١٧٣/ ٣٩٦٨ و ١٧٤/ ٣٩٦٩ و ١٧٨/ ٣٩٧٧ و ٣٩٧٨ و ١٧٩/ ٣٩٧٩ و ١٨٠/ ٣٩٨٠ و ١٨٤/ ٣٩٨٥ و ١٩٠/ ٣٩٩٤ و ١٩٦/ ٤٠٠١ و ١٩٨/ ٤٠٠٤ و ٢٠٠/ ٤٠٠٦ و ٢٠١/ ٤٠٠٨ و ٢٠٣/ ٤٠١٦ و ٢١٢/ ٤٠٥١ و ٢١٣/ ٤٠٥٢ و ٢١٨/ ٤٠٥٨ و ٢١٩/ ٤٠٥٩ و ٢٢٥/ ٤٠٦٨ و ٢٢٦/ ٤٠٦٩ و ٢٣١/ ٤٠٨٠ و ٤٠٨١ و ٢٣٢/ ٤٠٨٢ و ٢٥٢/ ٤١١٩ و ٤١٢٠ و ٤١٢١ و ٤١٢٢ و ٢٥٩/ ٤١٣٨ و ٢٦٠/ ٤١٣٩ و ٤١٤٠ و ٢٦١/ ٤١٤١ و ٢٦٧/ ٤١٥٤ و ٤١٥٥ و ٢٦٩/ ٤١٦٧ و ٢٧١/ ٤١٧١ و ٤١٧٦.
وأخرجه (خ) في "الحجّ" ١٥٥٧ و ١٥٦٨ و ١٥٧٠ و ١٦٥١ و ١٧٨٥ وفي "الشركة" ٢٥٠٦ و"المغازي" ٤٣٥٢ و"التمنّي" ٧٢٣٠ و"الاعتصام بالكتاب والسنة" ٧٣٦٧ (م) في "الحجّ" ١٢٤٥ (د) في "المناسك"٢٩٨٠ و ١٧٨٨ (ت) في "الحجّ" ٨١٧ (ق) في "الصلاة" ١٠٧٤ و"المناسك" ٢٩٨٠ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١٣٧٠٢ و ١٣٨٠١ و ١٣٨٢٦ و ١٣٩٠٥ و ١٣٩٦١ و ١٣٩٧١ و ١٤٠٠ و ١٤٤٨٤ و ١٤٥٠٦ و ١٤٥٢٥ و ١٤٦٢١ و ١٤٧٣٥ و ١٤٧٦٠ و ١٤٨٢١ (الدارمي) في "المناسك" ١٨٠٥. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان تحريم لبس الثوب المصبوغ في الإحرام، وتقدّم وجه الاستدلال به. (ومنها): ما كان عليه السلف من سؤال أهل العلم عن السنن النبويّة حتى يعملوا بها، وشدّة حرصهم لذلك. (ومنها): جواز قول الإنسان لو كان كذا كان كذا، تأسفًا على فوات أمر دينيّ، والنهي الوارد في ذلك، وهو ما أخرجه مسلم في "كتاب القدر" من "صحيحه"-٢٦٦٤ - من حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه -، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "المؤمن القوي خير، وأحب إلى اللَّه، من المؤمن الضعيف، وفي كلّ خير، احرِصْ على ما ينفعك، واستعن باللَّه، ولا تعجز، وإن أصابك شيء، فلا تقل: لو أني فعلتُ كان كذا وكذا, ولكن قل: قدر اللَّه، وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان"، فإنه محمول على الأمور الدنيويّة. (ومنها): مشروعيّة فسخ الحج بعمل العمرة لمن لم يسق الهدي على الأرجح، وسيأتي اختلاف
стр. 12619
أهل العلم فيه. (ومنها): أن من ساق هديًّا لا يحلّ من إحرامه، حتى يبلغ الهدي محلّه، وهو منحره يوم النحر. (ومنها): إنكار الرجل على امرأته إذا رأى منها ما يخالف الشرع، ولو كان لها تأويل، حتى يتبيّن له وجه تأويلها. (ومنها): مشروعيّة الهدي إلى مكة من الأماكن البعيدة. (ومنها): جواز لبس المصبوغ للنساء إذا لم تكن محرمة. (ومنها): جواز الاكتحال لها كذلك. وقد تقدّم أن حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا مشتمل على فوائد جمّة، لا يستقصيها إلا مؤلّف خاصّ به. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
٤٧ - (تَخْمِيرُ الْمُحْرِمِ وَجْهَهُ وَرَأْسَهُ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أشار بهذه الترجمة إلى بيان تحريم تغطية وجه المحرم ورأسه، وهو وإن كان مخالفًا لما عليه كثير من الفقهاء، من عدم تحريم تغطية الوجه، إلا أن الدليل ساقه إلى القول به. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٧١٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بِشْرٍ, يُحَدِّثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ رَجُلاً وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ, فَأَقْعَصَتْهُ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ, وَيُكَفَّنُ فِي ثَوْبَيْنِ, خَارِجًا رَأْسُهُ, وَوَجْهُهُ, فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا (١)»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدّم للمصنّف برقم ٤١/ ١٩٠٤ - وتقدّم شرحه، والكلام على مسائله هناك، فما بقي إلا بيان بعض ما يستشكل منه، وبيان ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-.
فـ"محمد" شخ ابن بشّار هو ابن جعفر المعروف بغندر. و"أبو بشر": هو ابن أبي وَحْشيّة جعفر بن إياس.
стр. 12620
وقوله: "أن رجلاً" قال الحافظ: لم أقف في شيء من طرق هذا الحديث على تسمية المحرم المذكور. وقد وهم بعض المتأخّرين، فزعم أن اسمه واقد بن عبد اللَّه، وعزاه لابن قتيبة في ترجمة عمر، من كتاب المغازي، وسبب الوهم أن ابن قتيبة لما ذكر ترجمة عمر، ذكر أولاده، ومنهم عبد اللَّه بن عمر، ثم ذكر أولاد عبد اللَّه بن عمر، فذكر فيهم واقد بن عبد اللَّه بن عمر، فقال: وقع عن بعيره، وهو محرم، فهلك، فظنّ هذا المتأخّر أن لواقد بن عبد اللَّه بن عمر صحبة، وأنه صاحب القصّة التي وقعت في زمن النبيّ ﷺ ، وليس كما ظنّ، فإن واقدًا المذكور لا صحبة له، فإن أمه صفيّة بنت أبي عُبيد، إنما تزوّجها أبوه في خلافة أبيه عمر، واختُلف في صحبتها. وذكره العجليّ، وغيره في التابعين، ووجدت في الصحابة واقد بن عبد اللَّه آخر، لكن لم أر في شيء من الأخبار أنه وقع عن بعيره، فهلك، بل ذكر غير واحد، منهم ابن سعد أنه مات في خلافة عمر، فبطل تفسير المبهم بأنه واقد بن عبد اللَّه من كلّ وجه انتهى كلام الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (١).
وقوله: "وقع عن راحلته" كان وقوعه عند الصخرات من عرفة. وفي الحديث إطلاق الواقف على الراكب. كما قاله في "الفتح".
وقوله: "فأقعصته": أي قتلته الراحلة قتلاً سريعًا، يقال: قعصه، كمنعه: قتله مكانه، كأقعصه. قاله في "القاموس".
وقوله: "اغسلوه بماء وسدر" فيه جواز غسل المحرم بالسدر ونحوه مما لا يُعدّ طيبًا. وحكى المزنيّ عن الشافعيّ أنه استدلّ على جواز قطع سدر الحرم بهذا الحديث، لقوله فيه: "واغسلوه بماء وسدر" واللَّه أعلم. قاله في "الفتح".
وقوله: "خارجًا رأسه، ووجهه" هذا هو محلّ الترجمة, لأنه يدلّ على تحريم تغطية وجه المحرم، وليس الميت خاصًّا بهذا، بل هو عامٌ لكلّ محرم.
قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: قيل: كشف الوجه ليس لمراعاة الإحرام، وإنما هو لصيانة الرأس من التغطية. كذا ذكره النوويّ، وزعم أن هذا التأويل لازم عند الكل.
قال السنديّ: ظاهر الحديث يفيد أن المحرم يجب عليه كشف وجهه أيضًا، وأن الأمر بكشف وجه الميت لمراعاة الإحرام. نعم من لا يقول بمراعاة إحرام الميت يحمل الحديث على الخصوص، ولا يلزم منه أن يؤول الحديث، كما قال النوويّ. واللَّه أعلم.
стр. 12621
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: دعوى الخصوصية مما لا دليل عليها، فالحقّ أنه عام لكلّ ميت، أنه يبعث محرمًا ملبيًا، كما دلّ عليه صريح هذا الحديث. واللَّه تعالى
أعلم.
وقوله: "يبعث يوم القيامة ملبيّا" أي على هيئته التي مات عليها، ومعه علامة لحجه، وهي دلالة لفضيلته، كما يجيىء الشهيد يوم القيامة، وأوداجه تشخب دمًا. قاله النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: واستدلّ بذلك على بقاء إحرامه؛ خلافًا للمالكيّة، والحنفيّة، وقد تمسّكوا من هذا الحديث بلفظة اختُلف في ثبوتها، وهي قوله: "ولا تخمّروا وجهه"، فقالوا: لا يجوز للمحرم تغطية وجهه، مع أنهم لا يقولون بظاهر هذا الحديث فيمن مات محرمًا. وأما الجمهور، فأخذوا بظاهر الحديث، وقالوا: إن في ثبوت ذكر الوجه مقالاً، وتردّد ابن المنذر في صحّته. وقال البيهقيّ: ذكر الوجه غريبٌ، وهو وَهَمٌ من بعض رواته.
وفي كلّ ذلك نظر، فإن الحديث ظاهره الصحّة، ولفظه عند مسلم من طريق إسرائيل، عن منصور، وأبي الزبير، كلاهما عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، فذكر الحديث، قال منصور: "ولا تغطوا وجهه". وقال أبو الزبير: "ولا تكشفوا وجهه". وأخرجه النسائيّ، من طريق عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير بلفظ: "ولا يُمسّ طيبًا خارج رأسه"، قال شعبة: ثم حدثني به بعد ذلك، فقال: "خارج رأسه ووجهه" انتهى. وهذه الرواية تتعلق بالتطيب، لا بالكشف، والتغطية، وشعبة أحفظ من كلّ من روى هذا الحديث، فلعلّ بعض رواته انتقل ذهنه من التطيب إلى التغطية.
وقال أهل الظاهر: يجوز للمحرم الحيّ تغطية وجهه، ولا يجوز للمحرم الذي يموت، عملاً بالظاهر في الموضعين.
وقال آخرون: هي واقعة عين، لا عموم لها؛ لأنه علّل ذلك بقوله: "فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا"، وهذا الأمر لا يتحقّق وجوده في غيره، فيكون خاصًّا بذلك الرجل، ولو استمر بقاؤه على إحرامه لأَمَرَ بقضاء مناسكه.
وقال أبو الحسن ابن القصّار: لو أريد تعميم هذا الحكم في كلّ محرم لقال: "فإن المحرم"، كما جاء: "أن الشهيد يبعث، وجرحه يثعب دمًا".
وأجيب بأن ظاهر الحديث ظاهر في أن العلّة في الأمر المذكور كونه كان في النسك، وهي عامة في كلّ محرم، والأصل أن كلّ ما ثبت لواحد في زمن النبيّ ﷺ ثبت لغيره،
стр. 12622
حتى يتّضح التخصيص. انتهى المقصود من كلام الحافظ (١).
وقد أجاد المحدّث الكبيرالشيخ الألباني -حفظه اللَّه- في كتابه "إرواء الغليل"، حيث حقّق صحّة زيادة ذكر الوجه في هذا الحديث خلاف ما قاله البيهقيّ وغيره من أن ذكره غريب، وحاصل ما قاله الشيخ بعد ما خرّج الحديث:
وفي رواية منصور، عن سعيد بن جبير بلفظ: "ولا تغطوا وجهه"، بدل "ولا تخمّروا رأسه". رواه مسلم، وأبو عوانة، وابن الجارود، والبيهقيّ ٣/ ٢٩٣ - وكذلك رواه جماعة عن عمرو بن دينار، عن ابن جبير. أخرجه الطبرانيّ، والدارقطنيّ. وجمع بينهما سفيان، وهو الثوريّ، عن عمرو بن دينار بلفظ: "ولا تخمّروا رأسه، ولا وجهه".
أخرجه مسلم، وابن ماجه، والبيهقيّ، من طريقين عن وكيع، عن سفيان به. وتابع وكيعًا أبو داود الْحَفَريّ، عن سفيان به. أخرجه النسائيّ بسند صحيح. -يعني الحديث الآتي بعد هذا.
وتابعه أشعث بن سوّار، وهو ضعيف، وأبو مريم، وأظنه عبد الغفّار بن قاسم الأنصاريّ رافضيّ ليس بثقة، كلاهما عن عمرو بن دينار به. أخرجه الطبرانيّ. وفي رواية أبي الزبير، عن سعيد بن جبير بلفظ: "وأن يكشفوا وجهه -حسبته قال: ورأسه". أخرجه مسلم، وأبو عوانة، والبيهقيّ تعليقًا، وقال: وذكر الوجه فيه غريب، ورواية الجماعة الذين لم يشكوا، وساقوا المتن، أحسن سياقة أولى بأن تكون محفوظة.
ويرد عليه ما سبق من الطرق، والمتابعات التي لا شكّ فيها أصلاً، ولهذا تعقّبه ابن التركمانيّ.
قلت: قد صحّ النهي عن تغطيتهما، فجمعهما بعضهم، وأفرد بعضهم الرأس، وبعضهم الوجه، والكلّ صحيح، ولا وهم في شيء منه في متنه، وهذا أولى من تغليط مسلم. يعني في إخراجه للروايةِ التي فيها ذكر الوجه، وهو كما قال، فإنه يبعد جدًّا أن يجتمع أولئك الثقات على ذكر هذه الزيادة في الحديث خطأ منهم جميعًا، فهي زيادة محفوظة، إن شاء اللَّه تعالى.
وقد جاءت من طريق آخر عن سعيد بن جبير، يرويه شعبة، قال: سمعت أبا بشر يحدّث، عن سعيد بن جبير … فذكر الحديث بلفظ: " … وأن يكفّن في ثوبين، ولا يمسّ طيبًا، خارجٌ رأسُهُ، قال شعبة: ثم حدثني به بعد ذلك: خارج رأسه ووجهه". أخرجه مسلم، وأبو نعيم، والبيهقيّ. وأخرجه النسائيّ رقم ٩٨/ ٢٨٥٤ - بلفظ:
стр. 12623
"وكفّنوه في ثوبين، ثم قال على أثره: خارجًا رأسه، قال: ولا تمسّوه طيبًا، فإنه يُبعث يوم القيامة ملبيًا، قال شعبة: فسألته بعد عشر سنين، فجاء بالحديث كما كان يجيء به إلا أنه قال: ولا تخمّروا وجهه ورأسه". أخرجه من طريق خالد: حدّثنا شعبة به.
وأخرجه ابن حبّان في "صحيحه" من طريق أبي أسامة، عن شعبة بهذا اللفظ: "ولا تخمّروا وجهه ورأسه" كما في "الجوهر النقي". ثم أخرجه النسائيّ -١٠٠/ ٢٨٥٧ - من طريق خلف بن خليفة، عن أبي بشر بلفظ: "ولا يغطّى رأسه ووجهه". وإسناده على شرط مسلم، إلا أن خلفًا هذا كان اختلط في الآخر، ومن طريقه رواه ابن حزم في "حجة الوداع"، كما في "الجوهر النقي"، وعزاه إليه وحده، وهو قصور.
وأما قول الحافظ في "الفتح" ٤/ ٤٧ بعد أن ذكر رواية شعبة هذه من طريق مسلم: "وهذه الرواية تتعلّق بالتطيب، لا بالكشف والتغطية، وشعبة أحفظ كلّ من روى هذا الحديث، فلعلّ بعض رواته انتقل ذهنه من التطيّب إلى التغطية".
قلت: وهذا من الحافظ أمر عجيب، فإن الطرق كلها تدلّ أن الرواية إنما تتعلّق بالكشف، لا بالتطيب، على خلاف ما حملها عليه الحافظ، وإنما غرّه رواية مسلم، وفيها تقديم، وتأخير، كما دلّ على ذلك رواية النسائيّ وغيره، فقوله: "خارج رأسه" عند مسلم جملة حالية لقوله: "وأن يكفّن في ثوبين"، لا لقوله: "ولا يمسّ طيبًا" كما توهّم الحافظ، ويؤيّد ذلك رواية شعبة نفسه فضلاً عن غيره: "ولا تخمّروا وجهه ورأسه"، فإنها صريحة فيما ذكرنا.
وجملة القول أن زيادة الوجه في الحديث ثابتة محفوظة عن سعيد بن جبير من طرق عنه، فيجب على الشافعيّة أن يأخذوا بها كما أخذ بها الإمام أحمد في رواية عنه، كما يجب على الحنفيّة أن يأخذوا بالحديث، ولا يتأوله بالتأويلات البعيدة توفيقًا بينه وبين مذهب إمامهم انتهى كلام الشيخ الألباني، وهو تحقيقٌ نفيس جدًّا.
والحاصل أن زيادة "وجهه"صحيحة، فيجب العمل بها، فيحرم على المحرم تغطية وجهه، ورأسه، كما هو ظاهر مذهب المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧١٤ - (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ -يَعْنِي الْحَفَرِيَّ- عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: مَاتَ رَجُلٌ, فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ, وَكَفِّنُوهُ فِي ثِيَابِهِ, وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ, وَرَأْسَهُ, فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح "عبدة بن
стр. 12624
عبد اللَّه الصفِّار": الخزاعيّ، أبو سهل البصريّ، كوفيّ الأصل الثقة. و"أبو داود الْحَفَريّ" -بفتحتين-: عُمَر بن سَعْد الثقة العابد الكوفيّ. و"سفيان": هو الثوريّ.
وقوله: "يبعث يوم القيامة ملبيًّا" فيه استحباب دوام التلبية في الإحرام، وأنها لا تنقطع بالتوجّه إلى عرفة (١). والحديث متّفق عليه، وقد تقدم تمام البحث فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
٤٨ - (إِفْرَادُ الْحَجِّ (٢))
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: معنى إفراد الحجّ: هو الإهلال بالحجّ وحده في أشهره عند الجميع، وفي غير أشهره أيضًا عند مجيزيه، والاعتمار بعد الفراغ من الحجّ لمن شاء. قاله في "الفتح".
ومعنى قوله: "عند مجيزيه" أن الإحرام بالحجّ قبل أشهره مختلف فيه. قال ابن قُدامة: لا ينبغي أن يحرم بالحجّ قبل أشهره، هذا هو الأولى، فإن الإحرام بالحجّ قبل أشهره مكروه؛ لكونه إحرامًا به قبل وقته، فأشبه الإحرام به قبل ميقاته؛ ولأن في صحته اختلافًا، فإن أحرم به قبل أشهره صحّ، وإذا بقي على إحرامه إلى وقت الحجّ جاز، نصّ عليه أحمد، وهو قول مالك، والثوريّ، وأبي حنيفة، وإسحاق. وقال عطاء، وطاوس، ومجاهد، والشافعيّ: يجعله عمرة؛ لقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] تقديره: وقت الحجّ أشهر، أو أشهر الحجّ أشهر معلومات، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، ومتى ثبت أنه وقته لم يجز تقديم إحرامه عليه، كأوقات الصلوات.
قال: ولنا قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] فدلّ على أن جميع الأشهر ميقات انتهى كلام ابن قدامة.
وتعقّبه بعضهم: بأنه لو صحّ ذلك لجاز صيام رمضان في شهر آخر، فإن قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ لا يختلف عن تعيين شهر رمضان باسمه، فإن قوله:
стр. 12625
﴿مَعْلُومَاتٌ﴾ كتسميتها سواء انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه القائلون بعدم جواز تقديم إحرام الحجّ عن أشهره هو الصواب عندي؛ لصريح قوْل تعالى: ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ فقد عينها وبين أن الحجّ يقع فيها, لا في غيرها من الأشهر، ولا تخالف بين هذه الآية، وآية ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ فإن هذه محمولة على الأولى، فالمراد بالأهلة التي هي مواقيت للحجّ أهلّة أشهر الحجّ، لا مطلق الأهلّة، بدليل تعيين وقت أداء الحجّ، فإنه لا يجوز إيقاع الحجّ في رمضان مثلاً، بالإجماع، والإحرام جزء منه، فلا يجوز تقديم جزئه، كما لا يجوز تقديم كلّه، وهذا واضح لا خفاء فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٧١٥ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ, وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , أَفْرَدَ الْحَجَّ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عبيد اللَّه بن سعيد) أبو قُدَامة السرخسي، ثقة ثبت [١٠] ١٥/ ١٥.
٢ - (إسحاق بن منصور) الكوسج، أبو يعقوب المروزي، ثقة ثبت [١١] ٧٢/ ٨٨.
٣ - (عبد الرحمن) بن مهدي، أبو سعيد البصري الإمام الحجة الثبت [٩] ٤٢/ ٤٧.
٤ - (مالك) بن أنس الإمام الحجة الفقيه المدني [٧] ٧/ ٧. والباقون تقدموا قريبًا.
واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، وأنه مسلسل بالمدنيين من مالك، وفيه رواية الابن عن أبيه وفيه القاسم بن محمد بن أبي بكر من الفقهاء السبعة، وفيه عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، أَفْرَدَ الْحَجَّ) أي أحرم بالحجّ وحده. واحتجّ به من قال: كان حجه ﷺ مفردًا، وهم عامّة الشافعيّة والمالكيّة، وحمله المحقّقون منهم كالقاضي عياض، والنوويّ، والحافظ، وغيرهم على أن فيه بيان ابتداء الحال، ثم صار قارنًا، فإنه لا يلزم من إهلاله بالحجّ أن لا يكون أدخل عليه العمرة. وحمله الحنفيّة، والحنابلة القائلون بكونه ﷺ قارنًا ابتداء على أن
стр. 12626
عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - سمعت تلبيته بالحجّ فقط، وللقارن أن يُلبّي بأيهما شاء، فيقول تارةً: لبيك بحجة، وتارة لبيك بعمرة، وتارة لبيك بحجة وعمرة، فحكت عائشة ما سمعت، فلا يخالف قولُها من حكى أنه لبّى بهما جميعًا، وكان قارنًا من الابتداء، وسيأتي بيان اختلاف العلماء في صفة إحرامه ﷺ ، في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى.
[اعلم]: أن الحجّ على ثلاثة أنواع: إفراد، وتمتّع، وقران، ويخيّر مريد الإحرام بين هذه الأنواع الثلاثة.
قال العلامة ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: إن الإحرام يقع بالنسك من وجوه ثلاثة: تمتع، وإفراد، وقران، وأجمع أهل العلم على جواز الإحرام بأيّ الأنساك الثلاثة شاء، وكذا حكى النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح المهذّب"، و"شرح مسلم" الإجماع على جواز الأنواع الثلاثة، وتأول ما ورد من النهي عن التمتّع عن بعض الصحابة.
وقال الحافظ وليّ الدين العراقيّ في "طرح التثريب": أجمعت الأمة على جواز تأدية نسكي الحجّ والعمرة بكل من هذه الأنواع الثلاثة: الإفراد، والتمتّع، والقران انتهى.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه مسلم (١).
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٨/ ٢٧١٥ و ٢٧١٦ - وفي "الكبرى" ٤٨/ ٣٦٩٥ و ٣٦٩٦. وأخرجه (م) في "الحجّ" ١٢١١ (د) في "المناسك" ١٧٧٧ (ت) في "الحجّ" ٨٢٥ (ق) في "المناسك" ٢٩٦٤ و ٢٦٩٥ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٣٥٥٧ و ٢٥٥٣٢ (الموطأ) في "الحجّ" ٧٤٥ و ٨٤٨ (الدارمي) في "المناسك" ١٨١٢. واللَّه تعالي أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في صفة حجة النبيّ ﷺ :
(اعلم): أنه اختلفت روايات الصحابة ﵃ في حجة ﷺ حجة الوداع، هل كان مفردًا، أو قارنًا، أو متمتّعًا، ورُوي كلّ منها في "الصحيحين"، وغيرهما، واختلف الناس في ذلك، وفي إحرامه على أقوال:
стр. 12627
(أحدها): أنه حجّ مفردًا، لم يعتمر معه. حُكي هذا عن الإمام الشافعيّ وغيره. قال القسطلّاني في "المواهب": والذي ذهب إليه الشافعيّ في جماعة أنه ﷺ حجّ مفردًا. وحكاه الزرقانيّ في "شرح المواهب" عن الإمام مالك. وحكي عن الشافعيّ وغيره أن نسبة القرآن والتمتّع إليه ﷺ على سبيل الاتساع؛ لكونه أمر بهما انتهى. وبه جزم الخطابيّ، حيث قال: اختلفت الروايات فيما كان النبيّ ﷺ به محرمًا. والجواب عن ذلك أن كلّ راو أضاف إليه ما أمر به اتساعًا، ثم رجّح أنه كان أفرد الحجّ. قال الحافظ في "الفتح": هذا هو المشهور عند الشافعيّة، والمالكيّة، وقد بسط الشافعيّ القول فيه في اختلاف الحديث وغيره انتهى.
(القول الثاني): أنه لبّى بالعمرة وحدها، واستمرّ عليها حتى فرغ منها، ثم أحرم بعد ذلك بالحجّ، فكان متمتّعًا، وكان حجه حجّ تمتّع. قاله القاضي أبو يعلى وغيره.
(القول الثالث): أنه حجّ متمتّعًا تمتّعًا لم يحلّ فيه لأجل سوق الهدي، ولم يكن قارنًا. حكاه ابن القيّم عن صاحب "المغني" وغيره.
(القول الرابع): أنه لبّى بالحجّ وحده، وحج مفردًا، واعتمر بعده من التنعيم. قال الإمام ابن تيميّة: وهذا غلط، لم يقله أحد من الصحابة، ولا التابعين، ولا الأئمة الأربعة، ولا أحد من أهل الحديث انتهى. وقال الإمام ابن القيّم: الذين قالوا: إنه حجّ مفردًا، واعتمر عقبه من التنعيم، لا يُعلم لهم عذر البتّة، إلا أنهم سمعوا أنه ﷺ أفرد الحجّ، وأن عادة المفردين أن يعتمروا من التنعيم، فتوهموا أنه فعل كذلك.
(القول الخامس): أنه لبّى بالحجّ مفردًا، ثم أدخل عليه العمرة، وصار قارنًا، فكان مفردًا ابتداءً، وقارنًا انتهاءً. وبه جزم عامة محققي الشافعيّة، وبعض المالكيّة.
قال النوويّ في "شرح المهذّب": والصواب الذي نعتقده أنه ﷺ أحرم بالحجّ أوّلاً مفردًا، ثم أدخل عليه العمرة، فصار قارنًا، وإدخال العمرة على الحجّ جائز على أحد القولين عندنا، وعلى الأصحّ لا يجوز لنا، وجاز للنبيّ ﷺ تلك السنة للحاجة انتهى.
واختاره القاضي عياض، إذ قال: أما إحرامه ﷺ بنفسه، فأخذ بالأفضل، فأحرم مفردًا للحجّ، تضافرت به الروايات "الصحيحة" وأما رواية من روى أنه كان متمتّعًا، فمعناه أمر به. وأما رواية من روى القران، فهو إخبار عن آخر أحواله، لا عن ابتداء إحرامه؛ لأنه أدخل العمرة على الحجّ لَمّا جاء إلى الوادي، وقيل له: "قل عمرة في حجة" انتهى.
قال الحافظ: وهذا الجمع هو المعتمد، وقد سبق إليه قديمًا ابن المنذر، ومهّده المحبّ الطبريّ تمهيدًا بالغًا، يطول ذكره، ومحصّله: أن كلّ من روى عنه الإفراد حمل
стр. 12628
على ما أهلّ به في أول الحال، وكلّ من روى عنه التمتّع أراد ما أمر به أصحابه، وكلّ من روى عنه القران أراد ما استقرّ عليه أمره.
(القول السادس): أنه لبّى بالعمرة وحدها، ثم لم يتحلّل منها إلى أن أدخل عليها الحجّ يوم التروية، فصار قارنًا. حكاه الحافظ عن الطحاويّ، وابن حبّان.
(القول السابع): أنه أحرم إحرامًا مطلقًا لم يُعيّن فيه نسكًا، ثم عيّنه بعدُ. رجحه الشافعيّ في "اختلاف الحديث"، كما قال الحافظ في "الفتح". وقال وليّ الدين العراقيّ: قال القاضي: وقال بعض علمائنا: إنه أحرم إحرمًا مطلقًا منتظرًا ما يؤمر به، من إفراد، أو تمتّع، أو قران، ثم أمر بالحجّ، ثم أمر بالعمرة في وادي العقيق بقوله: "صلّ في هذا الوادي، وقيل: عمرة في حجة". ثم قال القاضي في موضع آخر بعد ذلك: لا يصحّ قول من قال: أحرم النبيّ ﷺ مطلقًا مبهمًا؛ لأن رواية جابر وغيره من الصحابة في الأحاديث الصحيحة تردّه، وهي مصرّحة بخلافه انتهى.
(القول الثامن): أنه لبّى بالحجّ والعمرة معًا، وكان قارنًا من أول الأمر. وحقّق هذا القول ابن الهمام في "شرح الهداية"، وابن القيّم في "الهدي"، وأجابا عن كلّ ما خالفه.
قال ابن القيّم: والصواب أنه أحرم بالحجّ والعمرة معًا من حيث أنشأ الإحرام، ولم يحلّ حتى حلّ منهما جميعًا، كما دلّت عليه النصوص المستفيضة التي تواترت تواترًا يعلمه أهل الحديث انتهى. وإليه مال ابن حزم في كتابه "حجة الوداع"، وتأول باقي الأحاديث إليه، كما حكاه النوويّ، والوليّ العراقيّ.
وقال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: والذي تجتمع به الروايات أنه ﷺ كان قارنا بمعنى أنه أدخل العمرة على الحجّ بعد أن أهلّ به مفردًا، لا أنه أول ما أهلّ أحرم بالحجّ والعمرة معًا، وقد تقدّم حديث عمر مرفوعًا: "وقل: عمرة في حجة". وحديث أنس: "ثم أهلّ بحجّ وعمرة". ولمسلم من حيث عمران حصين: "جمع بين حج وعمرة". ولأبي داود، والنسائيّ من حديث البراء مرفوعًا: "إني سقت الهدي، وقرنت". وللنسائيّ من حديث عليّ مثله. ولأحمد من حديث سُراقة: "أن النبيّ ﷺ قرن في حجة الوداع". وله من حديث أبي طلحة: " جمع بين الحجّ والعمرة". وللدارقطنيّ من حديث أبي سعيد، وأبي قتادة، والبزّار من حديث ابن أبي أوفى، ثلاثتهم مرفوعًا مثله.
وأجاب البيهقيّ عن هذه الأحاديث، وغيرها نصرة لمن قال: إنه ﷺ كان مفردًا، فنقل عن سليمان بن حرب أن رواية أبي قلابة، عن أنس: "أنه سمعهم يصرخون بهما جميعًا"، أثبت من رواية من روى عنه أنه ﷺ جمع بين الحجّ والعمرة.
ثم تعقّبه بأن قتادة وغيره من الحفّاظ رووه عن أنس كذلك، فالاختلاف فيه على أنس
стр. 12629
نفسه، قال: فلعلّه سمع النبيّ ﷺ يعلّم غيره كيف يهلّ بالقران، فظنّ أنه أهلّ عن نفسه. وأجاب عن حديث حفصة بما نُقل عن الشافعيّ أن معنى قولها: "ولم تحلّ أنت من عمرتك"، أي من إحرامك كما تقدّم. وعن حديث عمر بأن جماعة رووه بلفظ: "صلّ في هذا الوادي، وقال: عمرة في حجة"، قال: وهؤلاء أكثر عددًا ممن رواه: "وقل: عمرة في حجة"، فيكون إذنًا في القرآن، لا أمرًا للنبيّ ﷺ في حال نفسه. وعن حديث عمران بأن المراد بذلك إذنه لأصحابه في القران بدليل روايته الأخرى: أنه ﷺ أعمر بعض أهله في العشر، وروايته الأخرى أنه تمتّع، فإن مراده بكلّ ذلك إذنه في ذلك. وعن حديث البراء بأنه ساقه في قصّة عليّ، وقد رواها أنس، كما عند البخاريّ، وجابر، كما أخرجه مسلم، وليس فيها لفظ: "وقرنت"، وأخرج حديث مجاهد عن عائشة، قال: "لقد علم ابن عمر أن النبيّ ﷺ قد اعتمر ثلاثًا، سوى التي قرنها في حجته"، أخرجه أبو داود. وقال البيهقيّ: تفرد أبو إسحاق عن مجاهد بهذا. وقد رواه منصور، عن مجاهد بلفظ: "فقالت: ما اعتمر في رجب قط". وقال: هذا هو المحفوظ. - ثم أشار إلى أنه اختلف فيه على أبي إسحاق، فرواه زهير بن معاوية عنه هكذا، وقال زكريا، عن أبي إسحاق، عن البراء. ثم روى حديث جابر: "أن النبيّ ﷺ حجّ حجّتين قبل أن يهاجر، وحجة قرن معها عمرة"، يعني بعد ما هاجر، وحكي عن البخاريّ أنه أعلّه؛ لأنه من رواية زيد بن الحباب، عن الثوريّ، عن جعفر، عن أبيه، عنه. وزيد ربّما يهم في الشيء، والمحفوظ عن الثوريّ مرسل، والمعروف عن جابر أن النبيّ ﷺ أهلّ بالحجّ خالصًا. ثم روى حديث ابن عبّاس نحو حديث مجاهد، عن عائشة، وأعلّه بداود العطّار، وقال: إنه تفرّد بوصله عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، ورواه ابن عيينة عن عمرو، فأرسله، ولم يذكر ابن عباس. ثم روى حديث الصُّبَيّ بن معبد أنه أهلّ بالحجّ والعمرة معًا، فأنكر عليه، فقال له عمر: "هديت لسنة نبيّك" الحديث، وهو في السنن" وفيه قصّة (١)، وأجاب عنه بأنه يدلّ على جواز القران؛ لأن النبيّ ﷺ كان قارنًا.
قال الحافظ: ولا يخفى ما في هذه الأجوبة من التعسّف.
وقال النوويّ: الصواب الذي نعتقده أن النبيّ ﷺ كان قارنًا، ويؤيّده أنه ﷺ لم يعتمر في تلك السنة بعد الحجّ، ولا شكّ أن القران أفضل من الإفراد الذي لا يعتمر في سنته عندنا, ولم ينقل أحد أن الحجّ وحده أفضل من القرآن. كذا قال، والخلاف ثابت قديمًا
стр. 12630
وحديثًا، أما قديمًا فالثابت عن عمر أنه قال: "إن أتمّ لحجكم وعمرتكم أن تنشؤوا لكلّ منهما سفرًا"، وعن ابن مسعود نحوه. أخرجه ابن أبي شيبة وغيره. وأما حديثًا فقد صرّح القاضي حسين، والمتولّي بترجيح الإفراد، ولو لم يعتمر في تلك السنة. وقال صاحب "الهداية" من الحنفيّة: الخلاف بيننا وبين الشافعيّ مبنيّ على أن القارن يطوف طوافًا واحدًا، وسعيًا واحدًا، فبهذا قال: إن الإفراد أفضل، ونحن عندنا أن القارن يطوف طوافين، وسعيين، فهو أفضل؛ لكونه أكثر عملاً.
وقال الخطّابيّ: اختلفت الرواية فيما كان النبيّ ﷺ به محرمًا. والجواب عن ذلك بأن كلّ راو أضاف إليه ما أمر به اتساعًا، ثم رجّح بأنه كان أفرد الحجّ، وهذا هو المشهور عند المالكيّة، والشافعيّة، وقد بسط الشافعيّ القول فيه في "اختلاف الحديث" وغيره، ورجّح أنه ﷺ أحرم مطلقًا ينتظر ما يؤمر به، فنزل عليه الحكم بذلك، وهو على الصفا. ورجحوا الإفراد أيضًا بأن الخلفاء الراشدين واظبوا عليه، ولا يُظنّ بهم المواظبة على ترك الأفضل، وبأنه لم ينقل عن أحد منهم أنه كره الإفراد، وقد نقل عنهم كراهية التمتع، والجمع بينهما حتى فعله عليّ لبيان الجواز، وبأن الإفراد لا يجب فيه دم بالإجماع، بخلاف التمتع، والقران انتهى.
وهذا ينبني على أن دم القرآن دم جبران، وقد منعه من رجّح القرآن، وقال: إنه دم فضل وثواب، كالأضحيّة، ولو كان دم نقص لما قام الصيام مقامه، ولأنه يؤكل منه، ودم النقص لا يؤكل منه، كدم الجزاء. قاله الطحاويّ.
وقال عياض نحو ما قال الخطابيّ، وزاد: وأما إحرامه هو فقد تضافرت الروايات الصحيحة بأنه كان مفردًا. وأما رواية من روى متمتّعًا، فمعناه أمر به؛ لأنه صرّح بقوله: "ولولا أن معي الهدي لأحللت"، فصحّ أنه لم يتحلّل. وأما رواية من روى القران فهو إخبار عن آخر أحواله؛ لأنه أدخل العمرة على الحجّ لمّا جاء إلى الوادي، وقيل له: "قل: عمرة في حجة" انتهى.
قال الحافظ: وهذا الجمع هو المعتمد، وقد سبق إليه قديما ابن المنذر، وبيّنه ابن حزم في "حجة الوداع" بيانًا شافيًا، ومهّده المحبّ الطبريّ تمهيدًا بالغًا يطول ذكره، ومحصّله: أن كلّ روى عنه الإفراد حمل على ما أهلّ به في أول الحال، وكلّ من روى عنه التمتّع أراد ما أمر به أصحابه، وكل من روى عن القران أراد ما استقرّ عليه أمره، ويرجّح رواية من روى القرآن بأمور:
(منها): أن معه زيادة علم على من روى الإفراد وغيره. وبأن من روى الإفراد والتمتّع اختلف عليه في ذلك، فأشهر من روي عنه الإفراد عائشة، وقد ثبت عنها أنه
стр. 12631
اعتمر مع حجته، كما تقدّم، وابن عمر، وقد ثبت عنه أنه ﷺ بدأ بالعمرة، ثم أهلّ بالحجّ، وثبت عنه أنه جمع بين حج وعمرة، ثم حدّث أن النبيّ ﷺ فعل ذلك، وجابر، وقد ثبت قوله: إنه اعتمر مع حجته أيضًا، وروى القران عنه جماعة من الصحابة، لم يختلف عليهم فيه، وبأنه لم يقع في شيء من الروايات النقل عنه من لفظه أنه قال: أفردت، ولا تمتّعت، بل صحّ عنه أنه قال: "قرنت"، وصحّ عنه أنه قال: "لولا أن معي الهدي لأحللت"، وأيضًا فإن من روى عنه القران لا يحتمل حديثه التأويل إلا بتعسّف، بخلاف من روى الإفراد، فإنه محمول على أول الحال، وينتفي التعارض، ويؤيّده أن من جاء عنه الإفراد جاء عنه صورة القران، كما تقدّم، ومن روى عنه التمتّع فإنه محمول على الاقتصار على سفر واحد للنسكين، ويؤيّده أن من جاء عنه التمتع لما وصفه وصفه بصورة القران؛ لأنهم اتفقوا على أنه لم يحلّ من عمرته حتى أتمّ عمل جميع الحجّ، وهذه إحدى صور القران، وأيضًا فإن رواية القرآن جاءت عن بضعة عشر صحابيًا بأسانيد جياد، بخلاف روايتي الإفراد، والتمتّع، وهذا يقتضي رفع الشكّ عن ذلك، والمصير إلى أنه كان قارنًا.
قال: ومن العلماء من جمع بين الأحاديث على نمط آخر مع موافقته على أنه كان قارنًا، كالطحاويّ، وابن حبّان، وغيرهما، فقيل: أهلّ أوّلًا بعمرة، ثم لم يتحلّل منها إلى أن أدخل عليها الحجّ يوم التروية، ومستند هذا القائل حديث ابن عمر بلفظ: "فبدأ رسول اللَّه ﷺ بالعمرة، ثم أهلّ بالحجّ"، وهذا لا ينافي إنكار ابن عمر على أنس كونه نقل أنه ﷺ أهلّ الحجّ والعمرة؛ لاحتمال أن يكون محلّ إنكاره كونه نقل أنه أهلّ بهما معًا، وإنما المعروف عنده أنه أدخل أحد النسكين على الآخر، لكن جزمه بأنه ﷺ بدأ بالعمرة مخالف لما عليه أكثر الأحاديث، فهو مرجوح. وقيل: أهلّ أوّلاً بالحجّ مفردًا، ثم استمرّ على ذلك إلى أن أمر أصحابه بأن يفسخوا حجهم، فيجعلوه عمرة، وفسخ معهم، ومنعه من التحلّل من عمرته المذكورة ما ذكره من سوق الهدي، فاستمرّ معتمرًا إلى أن أدخل عليها الحجّ حتى تحلّل منهما جميعًا، وهذا يستلزم أنه أحرم بالحجّ أوّلاً وآخرًا، وهو محتمل، لكن الجمع الأول أولى.
وقيل: إنه ﷺ أهلّ بالحجّ مفردًا، واستمرّ عليه إلى أن تحلّل منه بمنى، ولم يعتمر في تلك السنة، وهو مقتضى من رجّح أنه كان مفردًا.
قال الحافظ: والذي يظهر لي أن من أنكر القران من الصحابة نفى أن يكون أهلّ بهما في أول الحال، ولا ينفي أن يكون أهلّ بالحجّ مفردًا، ثم أدخل عليه العمرة، فيجتمع
стр. 12632
القولان، كما تقدّم، واللَّه أعلم انتهى المقصود من كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذُكر أن الأرجح في حجة النبيّ ﷺ أنه حجّ قارنًا، وذلك أنه كان أوّلاً مفردًا، ثم أدخل عليه العمرة في وادي العقيق لما قيل له: "قل: عمرة في حجة"، فصار قارنًا، وأما من قال: تمتّع، فمعناه أمر به، وتمناه، وبهذا تجتمع الأحاديث في هذا الباب دون تعارض. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في أيّ الأنساك الثلاثة أفضل:
قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: اختلف العلماء في أفضل وجوه الإحرام بحسب اختلافهم فيما فعله النبيّ ﷺ عام حجة الوداع على أقوال: (أحدها): أن الأفضل الإفراد، وهو مذهب مالك، والشافعيّ، وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر، وجابر، وعائشة، وأبي ثور، وحكاه النوويّ في "شرح المهذّب" عنهم، وعن عمر، وعثمان، وعليّ، وابن مسعود، والأوزاعيّ، وداود، قال المالكيّة، والشافعيّة: ثم الأفضل بعد الإفراد التمتّع، ثم القران.
(الثاني): أن التمتّع أفضل، وهو قول أحمد بن حنبل، قال ابن قُدامة في "المغني": وممن رُوي عنه اختيار التمتع ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وعائشة، والحسن، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وجابر بن زيد، وسالم، والقاسم، وعكرمة، وهو أحد قولي الشافعيّ، وحكاه الترمذيّ عنه، وعن أحمد، وإسحاق، وأهل الحديث، قال الحنابلة: ثم الأفضل بعد التمتع الإفراد، ثم القران.
(الثالث): أن القرآن أفضل، وهذا قول أبي حنيفة، وحكاه ابن المنذر عن سفيان الثوريّ، وإسحاق ابن راهويه، ثم قال: لا شكّ أنه ﷺ كان قارنًا انتهى.
وهو قول للشافعيّ، وقال به من أصحاب الشافعيّ المزنيّ، وأبو إسحاق المروزيّ، وإليه ذهب ابن حزم الظاهريّ، كما تقدّم، والمشهور عند الحنفيّة أن الأفضل بعد القران التمتّع، ثم الإفراد، وعن أبي حنيفة أن الإفراد أفضل من التمتّع.
(الرابع): أنه إن ساق الهدي فالقران أفضل، وإن لم يسقه فالتمتّع أفضل. حكاه المروزيّ عن أحمد بن حنبل.
(الخامس): أن الأنواع الثلاثة سواء في الفضيلة، لا فضيلة لبعضها على بعض. حكاه القاضي عياض عن بعض العلماء.
стр. 12633
(السادس): أن التمتّع والقران سواء، وهما أفضل من الإفراد. حكي عن أبي يوسف. ثم ذكر وليّ الدين أدلة ترجيح الشافعي الإفراد على غيره، وطوّل في ذلك. (١).
وقال الحافظ- بعد أن ذكر أدلّة كونه ﷺ قارنًا-: ومقتضى ذلك أن يكون القران أفضل من الإفراد والتمتّع، وهو قول جماعة من الصحابة، والتابعين، وبه قال الثوريّ، وأبو حنيفة، وإسحاق ابن راهويه، واختاره من الشافعية المزنيّ، وابن المنذر، وأبو إسحاق المروزيّ، ومن المتأخرين تقيّ الدين السبكيّ، وبحث مع النوويّ في اختياره أنه ﷺ كان قارنًا، وأن الإفراد مع ذلك أفضل، مستندًا إلى أنه ﷺ اختار الإفراد أوّلاً، ثم أدخل عليه العمرة؛ لبيان جواز الاعتمار في أشهر الحجّ؛ لكونهم كانوا يعتقدونه من أفجر الفجور، وملخّص ما يُتعقّب به كلامه أن البيان قد سبق منه ﷺ في عُمَره الثلاث، فإنه أحرم بكل منها في ذي القعدة، عمرة الحديبية التي صُدّ عن البيت فيها، وعمرة القضية التي بعدها، وعمرة الجعرانة، ولو كان أراد باعتماره عمرة حجته بيان الجواز فقط، مع أن الأفضل خلافه لاكتفَى في ذلك باْمره أصحابه أن يفسخوا حجهم إلى العمرة.
وذهب جماعة من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم إلى أن التمتع أفضل؛ لكونه ﷺ تمنّاه، فقال: "لولا أني سُقت الهدي لأحللت"، ولا يتمنّى إلا الأفضل. وهو قول أحمد بن حنبل في المشهور عنه.
وأجيب بأنه إنما تمنّاه تطييبًا لقلوب أصحابه؛ لحزنهم على ذوات موافقته، وإلا فالأفضل ما اختاره اللَّه له، واستمرّ عليه.
وقال ابن قدامة: يترجّح التمتع بأن الذي يفرد إن اعتمر بعدها، فهي مختلف في إجزائها عن عمرة الإسلام، بخلاف عمرة التمتّع فهي مجزئة بلا خلاف، فيترجّح التمتّع على الإفراد، ويليه القران.
وقال من رجح القران: هو أشقّ من التمتع، وعمرته مجزئة بلا خلاف، فيكون أفضل منهما. وحكى عياض عن بعض العلماء أن الصور الثلاث في الفضل سواء، وهو مقتضى تصرّف ابن خزيمة في "صحيحه". وعن أبي يوسف القران، والتمتع في الفضل سواء، وهما أفضل من الإفراد. وعن أحمد: من ساق الهدي فالقران أفضل له؛ ليوافق فعل النبيّ ﷺ ، ومن لم يسق الهدي فالتمتّع أفضل له؛ ليوافق ما تمناه، وأمر به
стр. 12634
أصحابه. زاد بعض أتباعه: ومن أراد أن ينشىء لعمرته من بلده سفرًا فالإفراد أفضل له. قال: وهذا أعدل المذاهب، وأشبهها بموافقة الأحاديث الصحيحة, فمن قال: الإفراد أفضل فعلى هذا؛ لأن أعمال سفرين للنسكين أكثر مشقّة، فيكون أعظم أجرًا, ولتُجزيء عنه عمرته من غير نقص، ولا اختلاف انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يترجّح لديّ بعد النظر في هذه الأقوال، وأدلتها أن القرآن أفضل لمن ساق الهدي موافقة لفعل النبيّ ﷺ ، والتمتع أفضل لمن لم يسق الهدي عملاً بأمر النبيّء ﷺ أصحابه الكرام - رضي اللَّه تعالى عنهم -.
وهذا هو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه اللَّه تعالى-، فإنه قال: وأما إذا أراد أن يجمع بين النسكين بسفرة واحدة، ويسوق الهدي، فالقران أفضل، اقتداء برسول اللَّه ﷺ ، حيث قرن، وساق الهدي.
وقال في تفضيل التمتع لمن لم يسق الهدي: فإن أصحاب رسول اللَّه ﷺ الذين حجوا معه، ولم يسوقوا الهدي أمرهم جميعهم أن يحجوا هكذا، أمرهم إذا طافوا بالبيت، وبين الصفا والمروة أن يحفوا من إحرامهم، ويجعلوها متعة، قال: ومعلوم أنهم أفضل الأمة بعده، ولا حجة تكون أفضل من حجة أفضل الأمة، مع أفضل الخلق بأمره، فكيف يكون حج من حج مفردًا، واعتمر عقب ذلك، أو قارنا, ولم يسق الهدي أفضل من حج هؤلاء معه بأمره.
قال: ويقال في الجواب عن الحديث: "لو استقبلت … ": إنه لم يقل هذا لأجل أن الذي فعله مفضول، بل لأن أصحابه شقّ عليهم أن يحلّوا من إحرامهم مع بقائه محرمًا، فكان يختار موافقتهم ليفعلوا ما أُمروا به عن انشراح، أو موافقة. قال: وقد ينتقل من الأفضل للمفضول لما فيه من الموافقة، وائتلاف القلوب.
قال: وعلى هذا التقدير يكون اللَّه قد جمع له بين أن فعل الأفضل، وبين أن أعطاه بما يراه من الموافقة لهم ما في ذلك من الفضل، فاجتمع له الأجران، وهذا هو اللائق بحاله ﷺ انتهى المقصود من كلام ابن تيمية -رحمه اللَّه تعالى- بتصرّف (٢)، وهو كلام نفيس جدًّا.
والحاصل أن من ساق الهدي فالقران له أفضل، ومن لم يسق الهدي فالتمتّع له أفضل. واللَّه أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 12635
٢٧١٦ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ,,, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ, مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ, عَنْ عَائِشَةَ,,, قَالَتْ: "أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْحَجِّ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"محمد ابن عبد الرحمن أبو الأسود": هو المدنيّ المعروف بيتيم عروة الثقة الثبت.
وقوله: "أهلّ بالحجّ" أي رفع صوته بتلبية الحجّ. والحديث متّفق عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في الحديث الماضي. وباللَّه تعالى التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧١٧ - (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ, عَنْ حَمَّادٍ, عَنْ هِشَامٍ, عَنْ أَبِيهِ,, عَنْ عَائِشَةَ,, قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِى الْحِجَّةِ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ شَاءَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ فَلْيُهِلَّ, وَمَنْ شَاءَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ بِعُمْرَةٍ»).
قال الجامع عفا اللَّه تَعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"حماد": هو ابن زيد. و"هشام": هو ابن عروة.
وقولها: "موافين لهلال ذي الحجة"، أي مقاربين لطلوعه، من أوفى على الشيء: إذ أشرف عليه. وقد تقدّم في -١٦/ ٢٦٥٠ - أنها قالت: "خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ لخمس بقين من ذي القعدة".
والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم البحث فيه مستوفًى في -١٦/ ٢٦٥٠ - فراجعه تستفد. وموضع الاستدلال للترجمة قوله: "من شاء أن يُهلّ بحج فليهلّ"، فإنه صريح في جواز الإفراد بالحجّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧١٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الطَّبَرَانِيُّ أَبُو بَكْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ, وَسُلَيْمَانُ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنِ الأَسْوَدِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , لَا نَرَى إِلاَّ أَنَّهُ الْحَجُّ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير "محمد بن إسماعيل أبي بكر الطبرانيّ" وهو ثقة [١٢] ٣/ ١٦٠٣. فإنه من أفراد المصنّف.
و"يحيى بن سعيد": هو القطّان. و"منصور": هو ابن المعتمر. و"سليمان": هو الأعمش. و"إبراهيم": هو النخعيّ.
وقوله: "لا نرى إلا الحجّ" بفتح النون: أي لا نعتقد. وقيل: بضمّ النون: أي لا نظنّ. والمراد لا ننوي إلا الحجّ؛ لكونه المقصود الأصليّ في الخروج، أو لأن الغالبين فيهم ما نووا إلا الحجّ. أو لأنهم كانوا في الجاهليّة يعتقدون أن العمرة في أشهر الحجّ من أفجر الفجور. والحديث متفق عليه، كما تقدّم الكلام عليه في الذي قبله.
стр. 12636
وموضع الاستدلال منه قولها: "لا نرى إلا الحج"، ووجهه أنهم كانوا معتقدين إفراد الحجّ، ثم قال لهم النبيّ ﷺ : "من شاء أن يهُلّ بحج، فليهلّ به"، فأباح لهم الإهلال بالحجّ المفرد، إن أرادوا ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب"
…
٤٩ - (الْقِرَانُ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -:، "القران" -بكسر القاف، وتخفيف الراء-: لغةً الجمع، يقال: قَرَن بين الحجّ والعمرة، من باب قتل، وفي لغة من باب ضرب: إذا جمع بينهما في الإحرام، والاسم القِرَان -بالكسر-، كأنه مأخوذ من قرَنَ الشخصُ للسائل: إذا جمع له بعيرين في قِرَانِ، وهو الحَبْلُ، والقَرَنُ لغة فيه. أفاده الفيّوميّ.
قال في "الفتح": وصورته الإهلال بالحجّ والعمرة معًا، وهذا لا خلاف في جوازه، أو الإهلال بالعمرة، ثم يدخل عليها الحجّ، أو عكسه. وهذا مختلف فيه انتهى (١).
وقال المحبّ الطبريّ -رحمه اللَّه تعالى-: للقران ثلاث صور: [الأولى]: أن يُهلّ بهما جميعًا، وعليه دلّ ظواهر الأحاديث [الثانية]: أن يُهلّ بالعمرة، ثم يُخل عليها الحجّ قبل الطواف، وعليه دلّ حديث ابن عبّاس، وابن عمر، وعائشة، وحفصة ﵃. [الثالثة]: عكسه، وفيه قولان للشافعيّ: أحدهما: لا يجوز، وبه قال مالك، وهو الأصحّ. والثاني: يجوز، وبه قال أبو حنيفة. والأول أصحّ، ويؤيده ما روي عن عليّ أنه سأله أبو نضرة، فقال: قد أهللت بالحجّ، فهل أستطيع أن أُضيف إليه عمرة؟ قال: لا، ذاك لو كنت بدأت بالعمرة. وبأن أفعال العمرة استُحقّت بالإحرام بالحجّ، فلم يبق في إدخالها فائدة، بخلاف العكس انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي رجحه المحبّ الطبريّ من عدم جواز إدخال العمرة على الحجّ فيه نظر لا يخفى، بل الصواب جوازه؛ لما صحّ أن رسول اللَّه ﷺ بدأ بالحجّ، ثم أدخل عليه العمرة، وأما الاحتجاج بأثر عليّ ﵁، فإنه احتجاج بالموقوف في معارضة المرفوع، وكذا الذي ذكره بعده، فإنه احتجاج بالقياس في مقابلة
стр. 12637
النصّ، وكلاهما غير صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٧١٩ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ أَبِي وَائِلٍ, قَالَ: قَالَ: الصُّبَيُّ بْنُ مَعْبَدٍ, كُنْتُ أَعْرَابِيًّا نَصْرَانِيًّا, فَأَسْلَمْتُ, فَكُنْتُ حَرِيصًا عَلَى الْجِهَادِ, فَوَجَدْتُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ, مَكْتُوبَيْنِ عَلَيَّ, فَأَتَيْتُ رَجُلاً مِنْ عَشِيرَتِي, يُقَالُ لَهُ: هُذَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, فَسَأَلْتُهُ؟ فَقَالَ: اجْمَعْهُمَا, ثُمَّ اذْبَحْ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ, فَأَهْلَلْتُ بِهِمَا, فَلَمَّا أَتَيْتُ الْعُذَيْبَ, لَقِيَنِي سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ, وَزَيْدُ بْنُ صُوحَانَ, وَأَنَا أُهِلُّ بِهِمَا, فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلآخَرِ: مَا هَذَا بِأَفْقَهَ مِنْ بَعِيرِهِ؟ , فَأَتَيْتُ عُمَرَ, فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ, إِنِّي أَسْلَمْتُ, وَأَنَا حَرِيصٌ عَلَى الْجِهَادِ, وَإِنِّي وَجَدْتُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ, مَكْتُوبَيْنِ عَلَيَّ, فَأَتَيْتُ هُذَيْمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ, فَقُلْتُ يَا هَنَّاهُ, إِنِّي وَجَدْتُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ, مَكْتُوبَيْنِ عَلَيَّ, فَقَالَ: اجْمَعْهُمَا, ثُمَّ اذْبَحْ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ, فَأَهْلَلْتُ بِهِمَا, فَلَمَّا أَتَيْنَا الْعُذَيْبَ, لَقِيَنِي سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ, وَزَيْدُ بْنُ صُوحَانَ, فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلآخَرِ: مَا هَذَا بِأَفْقَهَ مِنْ بَعِيرِهِ, فَقَالَ عُمَرُ: "هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ ﷺ ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) المعروف بابن راهويهْ المروزي، ثم النيسابوريُّ، ثقة ثبت إمام [١٠] ٢/ ٢.
٢ - (جرير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبي الكوفي، نزيل الري وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب [٨] ٢/ ٢.
٣ - (منصور) بن المعتمر، أبو عَتَّاب الكوفي، ثقة ثبت فاضل [٦] ٢/ ٢. والباقون يأتون قريبًا. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وأن رجاله رجال الصحيح غير الصُّبَي، كما سيأتي، وأن فيه رواية تابعي عن تابعي، وهو من رواية الأقران، وأن صحابيه أحد الخلفاء الأربعة، والعشرة المبشرين بالجنة - رضي اللَّه تعالى عنهم - أجمعين. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة الأسديّ المخضرم الكوفيّ الثقة الفقيه، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة، تقدّمت ترجمته في ٢/ ٢، أنه (قَالَ: قَالَ الصُّبَيُّ) -بضم الصاد المهملة، مصغرًا-، ووقع في "الكبرى" الضبيّ" بالضاد
стр. 12638
المعجمة، وهو تصحيف، فليُتنبّه (بنُ مَعْبَدٍ) -بفتح الميم، وسكون المهملة، وفتح الموحّدة- التغلبيّ- بالمثنّاة، والغين المعجمة، وكسر اللام- مخضرم نزل الكوفة، روى عن عمر حديث الباب فقط. وعنه أبو وائل، ومسروق، وأبو إسحاق السبيعيّ، وزِرّ بن حُبَيش، والشعبيّ، وإبراهيم النخعيّ. ذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال مسلمة بن قاسم: تابعي ثقة، رأى عمر بن الخطّاب، وعامّة أصحاب النبيّ ﷺ . وفي "التقريب": ثقة من [٢]. روى له أبو داود، والمصنّف، وابن ماجه حديث الباب فقط.
(كُنْتُ أَعْرَابِيًّا) بالفتح واحد الأعراب بالفتح أيضًا، وهم أهل البدو من العرب، يكون صاحب نُجْعة، وارتياد للكلأ، سواء كانوا من العرب، أو من مواليهم، فمن نزل البادية، وجاور البادتين، وظَعَن بظَعْنهم، فهم أعراب، ومن نزل بلاد الرّيف، واستوطن المُدُن، والقُرَى العربيّة، وغيرها ممن ينتمي إلى العرب، فهم عرب، وإن لم يكونوا فُصحاء. أفاده في "المصباح" (نَصْرَانِيًّا) واحد النصارى. قال البيضاويّ في "تفسيره": والنصارى جمع نصران، كالندامى، والياء في نصرانيّ للمبالغة، كما في أحمريّ، سمّوا بذلك لأنهم نصروا المسيح ﵇، أو لأنهم كانوا معه في قرية يقال لها: نصران، أو ناصرة، فسمّوا باسمها، أو من اسمها انتهى. وقال الشهاب في "حاشيته": والياء للمبالغة، كما يقال للأحمر أحمريّ، إشارة إلى أنه عَرِيق في وصفه. وقيل: إنها للفرق بين الواحد، والجمع، كزنج وزنجيّ، وروم وروميّ انتهى (١).
(فَأَسْلَمْتُ، فَكُنْتُ حَرِيصًا عَلَى الْجِهَادِ، فَوَجَدْتُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، مَكْتُوبَينِ عَلَيَّ) أي مفروضين عليّ (فَأَتيْتُ رَجُلاً مِنْ عَشِيرَتِي) بفتح المهملة، وكسر المعجمة: القبيلة، ولا واحد لها من لفظها، والجمع عَشِيرات، وعشائر. قاله في "المصباح" (يُقَالُ لَهُ: هُرَيْمُ ابْنُ عَبدِ اللَّهِ) هكذا في معظم نسخ "المجتبى" بالراء، ووقع في بعضها "هُديم" بالدال المهملة بدل الراء، ووقع مثله في نسخة "التاريخ الكبير" للبخاري ٨/ ٢٥٠ - والذي في "السنن الكبرى" للمصنّف: "هُذيم بن عبد اللَّه" بالذال المعجمة، بدل المهملة، والراء، وهو الذي في "تهذيب الكمال" - ٣٠/ ١٦٠ - و"تهذيب التهذيب" -٤/ ٢٦٤ - و"تقريب التهذيب" ص ١٠١٩ - نسخة أبي الأشبال، وعبارته: (د س) هُذَيم بن عبد اللَّه التغلبيّ - بفتح المثتاة، وسكون المعجمة، وكسر اللام- ويقال: اسم أبيه: ثُرمُلة -بضم المثلّثة، والميم، بينهما راء ساكنة- وربّما قيل له هو: أُذَيم، تبدل الهاء همزة، مخضرم، مقبول، من الثانية انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن ما وقع في معظم نسخ "المجتبى" بالراء
стр. 12639
تصحيف، والصواب ما في "الكبرى"، وهو "هذَيْم" بالذال المعجمة؛ لأنه الذي وقع في كتب الرجال، ويؤيّد ذلك أنه لم يُنبّه منهم أحد على أنه يضبط بالراء بدل الدال، فليُتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(فَسَاَلْتُهُ؟) أي عن كيفيّة أداء الحجّ والعمرة (فَقَالَ: اجْمَعْهُمَا) أي أهلّ بهما جميعًا حتى تكون قارنًا، فهذا يدلّ على أن هذيم بن عبد اللَّه له عدم بكيفيّة الحجّ والعمرة، وبجواز القرآن (ثمَّ اذْبَحْ مَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) وأدناه شاة عند الجمهور، وفيه أن القارن عليه الهدي، واختلف فيه، والراجح الوجوب عليه (فَأَهْلَلْتُ بِهمَا) أي قرنت بينهما، وقلت لبيك اللَّهم بحجة وعمرة (فَلَمَّا أَتَيْتُ العُذَيْبَ) بالعين المهملة، مصغّر عذب: اسم ماء لبني تميم، على مرحلة من الكوفة. وقيل: سمي به؛ لأنه طرف أرض العرب، من العذَبَة، وهي طرف الشيء (١) (لَقِيَنِي سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ) بن يزيد بن عمرو بن سهم بن ثعلبة الباهليّ، أبو عبد اللَّه، وهو سلمان الخيل، يقال: إن له صحبة. روى عن النبيّ ﷺ ، وعن عمر. وعنه سُويد بن غَفَلَة، والصُّبيّ بن معبد، وأبو ائل، وغيرهم. وشهد فتوح الشام مع أبي أُمامة، ثم سكن العراق، وولاّه عمر قضاء الكوفة، ثم ولي غزوة أرمينية في زمن عثمان، فقتل ببَلَنْجَر سنة (٢٥) وقيل: سنة (٣٠) وقيل: سنة (٣١). ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الكوفة، وقال: كان ثقة قليل الحديث. وقال العجليّ: كوفي ثقة، من كبار التابعين. وقال الآجريّ عن أبي داود: روى عن النبيّ ﷺ ، وما أقلّ ما روى. روى له مسلم حديثًا واحدًا عن عمر في آخره: "أو يبخّلوني، فلستُ بباخل". وقال سلمة بن كهيل، عن سُويد بن غفلة: وجدت سوطًا، فأخذته، فعاب عليّ زيد بن صُوحان، وسلمان بن ربيعة، فذكرته لأبي، فقال: أحسنت، وأصبت السنّة. وقال ابن عبد البرّ في "الاستيعاب": ذكره أبو حاتم، والعُقيليّ في الصحابة. وإنما قيل له: سلمان الخيل؛ لأنه كان يلي الخيول في خلافة عمر، وهو أول من فرّق بين العتاق والهُجُن (٢) فيما قيل. ذكره ابن حبّان في "الثقات" في التابعين، وقال: كان رجلاً صالحًا يَحُجّ كلّ سنّة، وهو أول قاض استُقضي بالكوفة.
(وَزَيْدُ بْنُ صُوحَانَ) -بضمّ الصاد المهملة، وسكون الواو، بعدها حاء مهملة- ابن حُجر بن الحارث العبديّ، أبو سليمان. قال في "الإصابة": قال ابن الكلبيّ: أدرك النبيّ ﷺ ، وصحبه. وتعقّبه ابن عبد البرّ، فقال: لا أعلم له صحبة، وإنما أدرك زمن
стр. 12640
النبيّ ﷺ ، وكان سيّدًا فاضلاً، حكى معمر بن المثنّى أن له وِفادة، ويؤيّده ما رواه عبد الرحمن بن مسعود العبديّ، قال: سعمت عليًّا ﵁ يقول: قال رسول اللَّه- ﷺ : "من سرّه أن ينظر إلى من يسبقه بعض أعضائه إلى الجنّة، فلينظر إلى زيد بن صُوحان". أخرجه أبو يعلى، وابن منده (١). قُطعت يده يوم القادسيّة، وقُتل يوم الجمل، فقال: ادفنوني في ثيابي، فإني مخاصم. له ترجمة في "الإصابة" في القسم الثالث، من حرف الزاي (٢).
(وَأَنَا أُهِلُّ بِهمَا) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (فَقَالَ: أَحَدُهُمَا لِلآخَرِ: مَا هَذَا بِأفْقَهَ مِنْ بَعِيرِهِ؟) أي ليس بأكثر علمًا من بعيره. والمعنى: أن الصُّبَيّ بن معبد، وبعيره الذي ركبه سواء في عدم معرفة السنة، وذلك أن السنة في زعهما الإفراد بالحجّ.
وفي الرواية التالية: "فقال أحدهما: لأنت أضلّ من جملك هذا، فقال الصّبيّ: فلم تزل في نفسي حتى لقيت عمر بن الخطاب … "، وفي رواية أبي داود: "فكأنما أُلقي عليّ جبل". وفي رواية لأحمد: "فكأنما حُمِل عليّ بكلمتهما جبل" (فَأَتَيْتُ عُمَرَ) بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنه - (فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي أَسْلَمْتُ، وَأَنَا حَرِيصٌ عَلَى الجِهَادِ، وَإِنِي وَجَدْتُ الحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، مَكْتُوبَيْنِ عَلَيَّ، فَأَتَيْتُ هُرَيمَ بْنَ عَبدِ اللَّهِ) تقدم أن الصَواب هذيم بن عبد اللَّه بالذال المعجمة، كما هو في "الكبرى" (فَقُلتُ: يَا هَنَاهْ) أي يا هذا، وأصله هن، أُلحقت الهاء لبيان الحركة، فصار يا هنة، وأشبعت الحركة، فصارت ألفًا، فقيل: يا هناه، بسكون الهاء، ولك ضمّ الهاء. قال الجوهريّ: هذه اللفظة تختصّ بالنداء. ذكره ابن الأثير (٣) (إِنَّي وَجَدْتُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، مَكْتُوبَيْنِ عَلَيَّ، فَقَالَ: اجْمَعْهُمَا، ثُمَّ اذْبَحْ مَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، فَأَهْلَلْتُ بِهمَا، فَلَمَّا أَتَيْنَا العُذَيْبَ، لَقِيَنِي سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَزَيْدُ بْنُ صُوحَانَ، فَقَالَ: أَحَدُهُمَا لِلآخَرِ: مَا هَذَا بِأَفْقَهَ مِنْ بَعِيرِهِ، فَقَالَ: عُمَرُ) - رضي اللَّه تعالى عنه - ("هُدِيتَ") بالبناء للمفعول: أي هداك اللَّه تعالى بواسطة من أفتاك (لِسُنَّةِ نَبِيكَ ﷺ ) أي لمعرفتها والعمل بها.
والمعنى: أنك لست أجهل من بعيرك، بل أنت أعلم منهما، حيث هُديت لسنّة نبيّك ﷺ ، وجهلاها.
وفي رواية لأحمد: "فقَدِمتُ على عمر ﵁، فأخبرته، فأقبل عليهما، فلامهما، وأقبل عليّ، فقال هُدِيت لسنة النبي ﷺ ، هديت لسنة نبيك ﷺ " (٤). وفي لفظ: "وُفّقت