وموضع الاستدلال منه قولها: "لا نرى إلا الحج"، ووجهه أنهم كانوا معتقدين إفراد الحجّ، ثم قال لهم النبيّ ﷺ : "من شاء أن يهُلّ بحج، فليهلّ به"، فأباح لهم الإهلال بالحجّ المفرد، إن أرادوا ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب"
…
٤٩ - (الْقِرَانُ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -:، "القران" -بكسر القاف، وتخفيف الراء-: لغةً الجمع، يقال: قَرَن بين الحجّ والعمرة، من باب قتل، وفي لغة من باب ضرب: إذا جمع بينهما في الإحرام، والاسم القِرَان -بالكسر-، كأنه مأخوذ من قرَنَ الشخصُ للسائل: إذا جمع له بعيرين في قِرَانِ، وهو الحَبْلُ، والقَرَنُ لغة فيه. أفاده الفيّوميّ.
قال في "الفتح": وصورته الإهلال بالحجّ والعمرة معًا، وهذا لا خلاف في جوازه، أو الإهلال بالعمرة، ثم يدخل عليها الحجّ، أو عكسه. وهذا مختلف فيه انتهى (١).
وقال المحبّ الطبريّ -رحمه اللَّه تعالى-: للقران ثلاث صور: [الأولى]: أن يُهلّ بهما جميعًا، وعليه دلّ ظواهر الأحاديث [الثانية]: أن يُهلّ بالعمرة، ثم يُخل عليها الحجّ قبل الطواف، وعليه دلّ حديث ابن عبّاس، وابن عمر، وعائشة، وحفصة ﵃. [الثالثة]: عكسه، وفيه قولان للشافعيّ: أحدهما: لا يجوز، وبه قال مالك، وهو الأصحّ. والثاني: يجوز، وبه قال أبو حنيفة. والأول أصحّ، ويؤيده ما روي عن عليّ أنه سأله أبو نضرة، فقال: قد أهللت بالحجّ، فهل أستطيع أن أُضيف إليه عمرة؟ قال: لا، ذاك لو كنت بدأت بالعمرة. وبأن أفعال العمرة استُحقّت بالإحرام بالحجّ، فلم يبق في إدخالها فائدة، بخلاف العكس انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي رجحه المحبّ الطبريّ من عدم جواز إدخال العمرة على الحجّ فيه نظر لا يخفى، بل الصواب جوازه؛ لما صحّ أن رسول اللَّه ﷺ بدأ بالحجّ، ثم أدخل عليه العمرة، وأما الاحتجاج بأثر عليّ ﵁، فإنه احتجاج بالموقوف في معارضة المرفوع، وكذا الذي ذكره بعده، فإنه احتجاج بالقياس في مقابلة
стр. 12637
النصّ، وكلاهما غير صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٧١٩ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ أَبِي وَائِلٍ, قَالَ: قَالَ: الصُّبَيُّ بْنُ مَعْبَدٍ, كُنْتُ أَعْرَابِيًّا نَصْرَانِيًّا, فَأَسْلَمْتُ, فَكُنْتُ حَرِيصًا عَلَى الْجِهَادِ, فَوَجَدْتُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ, مَكْتُوبَيْنِ عَلَيَّ, فَأَتَيْتُ رَجُلاً مِنْ عَشِيرَتِي, يُقَالُ لَهُ: هُذَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, فَسَأَلْتُهُ؟ فَقَالَ: اجْمَعْهُمَا, ثُمَّ اذْبَحْ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ, فَأَهْلَلْتُ بِهِمَا, فَلَمَّا أَتَيْتُ الْعُذَيْبَ, لَقِيَنِي سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ, وَزَيْدُ بْنُ صُوحَانَ, وَأَنَا أُهِلُّ بِهِمَا, فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلآخَرِ: مَا هَذَا بِأَفْقَهَ مِنْ بَعِيرِهِ؟ , فَأَتَيْتُ عُمَرَ, فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ, إِنِّي أَسْلَمْتُ, وَأَنَا حَرِيصٌ عَلَى الْجِهَادِ, وَإِنِّي وَجَدْتُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ, مَكْتُوبَيْنِ عَلَيَّ, فَأَتَيْتُ هُذَيْمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ, فَقُلْتُ يَا هَنَّاهُ, إِنِّي وَجَدْتُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ, مَكْتُوبَيْنِ عَلَيَّ, فَقَالَ: اجْمَعْهُمَا, ثُمَّ اذْبَحْ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ, فَأَهْلَلْتُ بِهِمَا, فَلَمَّا أَتَيْنَا الْعُذَيْبَ, لَقِيَنِي سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ, وَزَيْدُ بْنُ صُوحَانَ, فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلآخَرِ: مَا هَذَا بِأَفْقَهَ مِنْ بَعِيرِهِ, فَقَالَ عُمَرُ: "هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ ﷺ ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) المعروف بابن راهويهْ المروزي، ثم النيسابوريُّ، ثقة ثبت إمام [١٠] ٢/ ٢.
٢ - (جرير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبي الكوفي، نزيل الري وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب [٨] ٢/ ٢.
٣ - (منصور) بن المعتمر، أبو عَتَّاب الكوفي، ثقة ثبت فاضل [٦] ٢/ ٢. والباقون يأتون قريبًا. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وأن رجاله رجال الصحيح غير الصُّبَي، كما سيأتي، وأن فيه رواية تابعي عن تابعي، وهو من رواية الأقران، وأن صحابيه أحد الخلفاء الأربعة، والعشرة المبشرين بالجنة - رضي اللَّه تعالى عنهم - أجمعين. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة الأسديّ المخضرم الكوفيّ الثقة الفقيه، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة، تقدّمت ترجمته في ٢/ ٢، أنه (قَالَ: قَالَ الصُّبَيُّ) -بضم الصاد المهملة، مصغرًا-، ووقع في "الكبرى" الضبيّ" بالضاد
стр. 12638
المعجمة، وهو تصحيف، فليُتنبّه (بنُ مَعْبَدٍ) -بفتح الميم، وسكون المهملة، وفتح الموحّدة- التغلبيّ- بالمثنّاة، والغين المعجمة، وكسر اللام- مخضرم نزل الكوفة، روى عن عمر حديث الباب فقط. وعنه أبو وائل، ومسروق، وأبو إسحاق السبيعيّ، وزِرّ بن حُبَيش، والشعبيّ، وإبراهيم النخعيّ. ذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال مسلمة بن قاسم: تابعي ثقة، رأى عمر بن الخطّاب، وعامّة أصحاب النبيّ ﷺ . وفي "التقريب": ثقة من [٢]. روى له أبو داود، والمصنّف، وابن ماجه حديث الباب فقط.
(كُنْتُ أَعْرَابِيًّا) بالفتح واحد الأعراب بالفتح أيضًا، وهم أهل البدو من العرب، يكون صاحب نُجْعة، وارتياد للكلأ، سواء كانوا من العرب، أو من مواليهم، فمن نزل البادية، وجاور البادتين، وظَعَن بظَعْنهم، فهم أعراب، ومن نزل بلاد الرّيف، واستوطن المُدُن، والقُرَى العربيّة، وغيرها ممن ينتمي إلى العرب، فهم عرب، وإن لم يكونوا فُصحاء. أفاده في "المصباح" (نَصْرَانِيًّا) واحد النصارى. قال البيضاويّ في "تفسيره": والنصارى جمع نصران، كالندامى، والياء في نصرانيّ للمبالغة، كما في أحمريّ، سمّوا بذلك لأنهم نصروا المسيح ﵇، أو لأنهم كانوا معه في قرية يقال لها: نصران، أو ناصرة، فسمّوا باسمها، أو من اسمها انتهى. وقال الشهاب في "حاشيته": والياء للمبالغة، كما يقال للأحمر أحمريّ، إشارة إلى أنه عَرِيق في وصفه. وقيل: إنها للفرق بين الواحد، والجمع، كزنج وزنجيّ، وروم وروميّ انتهى (١).
(فَأَسْلَمْتُ، فَكُنْتُ حَرِيصًا عَلَى الْجِهَادِ، فَوَجَدْتُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، مَكْتُوبَينِ عَلَيَّ) أي مفروضين عليّ (فَأَتيْتُ رَجُلاً مِنْ عَشِيرَتِي) بفتح المهملة، وكسر المعجمة: القبيلة، ولا واحد لها من لفظها، والجمع عَشِيرات، وعشائر. قاله في "المصباح" (يُقَالُ لَهُ: هُرَيْمُ ابْنُ عَبدِ اللَّهِ) هكذا في معظم نسخ "المجتبى" بالراء، ووقع في بعضها "هُديم" بالدال المهملة بدل الراء، ووقع مثله في نسخة "التاريخ الكبير" للبخاري ٨/ ٢٥٠ - والذي في "السنن الكبرى" للمصنّف: "هُذيم بن عبد اللَّه" بالذال المعجمة، بدل المهملة، والراء، وهو الذي في "تهذيب الكمال" - ٣٠/ ١٦٠ - و"تهذيب التهذيب" -٤/ ٢٦٤ - و"تقريب التهذيب" ص ١٠١٩ - نسخة أبي الأشبال، وعبارته: (د س) هُذَيم بن عبد اللَّه التغلبيّ - بفتح المثتاة، وسكون المعجمة، وكسر اللام- ويقال: اسم أبيه: ثُرمُلة -بضم المثلّثة، والميم، بينهما راء ساكنة- وربّما قيل له هو: أُذَيم، تبدل الهاء همزة، مخضرم، مقبول، من الثانية انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن ما وقع في معظم نسخ "المجتبى" بالراء
стр. 12639
تصحيف، والصواب ما في "الكبرى"، وهو "هذَيْم" بالذال المعجمة؛ لأنه الذي وقع في كتب الرجال، ويؤيّد ذلك أنه لم يُنبّه منهم أحد على أنه يضبط بالراء بدل الدال، فليُتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(فَسَاَلْتُهُ؟) أي عن كيفيّة أداء الحجّ والعمرة (فَقَالَ: اجْمَعْهُمَا) أي أهلّ بهما جميعًا حتى تكون قارنًا، فهذا يدلّ على أن هذيم بن عبد اللَّه له عدم بكيفيّة الحجّ والعمرة، وبجواز القرآن (ثمَّ اذْبَحْ مَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) وأدناه شاة عند الجمهور، وفيه أن القارن عليه الهدي، واختلف فيه، والراجح الوجوب عليه (فَأَهْلَلْتُ بِهمَا) أي قرنت بينهما، وقلت لبيك اللَّهم بحجة وعمرة (فَلَمَّا أَتَيْتُ العُذَيْبَ) بالعين المهملة، مصغّر عذب: اسم ماء لبني تميم، على مرحلة من الكوفة. وقيل: سمي به؛ لأنه طرف أرض العرب، من العذَبَة، وهي طرف الشيء (١) (لَقِيَنِي سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ) بن يزيد بن عمرو بن سهم بن ثعلبة الباهليّ، أبو عبد اللَّه، وهو سلمان الخيل، يقال: إن له صحبة. روى عن النبيّ ﷺ ، وعن عمر. وعنه سُويد بن غَفَلَة، والصُّبيّ بن معبد، وأبو ائل، وغيرهم. وشهد فتوح الشام مع أبي أُمامة، ثم سكن العراق، وولاّه عمر قضاء الكوفة، ثم ولي غزوة أرمينية في زمن عثمان، فقتل ببَلَنْجَر سنة (٢٥) وقيل: سنة (٣٠) وقيل: سنة (٣١). ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الكوفة، وقال: كان ثقة قليل الحديث. وقال العجليّ: كوفي ثقة، من كبار التابعين. وقال الآجريّ عن أبي داود: روى عن النبيّ ﷺ ، وما أقلّ ما روى. روى له مسلم حديثًا واحدًا عن عمر في آخره: "أو يبخّلوني، فلستُ بباخل". وقال سلمة بن كهيل، عن سُويد بن غفلة: وجدت سوطًا، فأخذته، فعاب عليّ زيد بن صُوحان، وسلمان بن ربيعة، فذكرته لأبي، فقال: أحسنت، وأصبت السنّة. وقال ابن عبد البرّ في "الاستيعاب": ذكره أبو حاتم، والعُقيليّ في الصحابة. وإنما قيل له: سلمان الخيل؛ لأنه كان يلي الخيول في خلافة عمر، وهو أول من فرّق بين العتاق والهُجُن (٢) فيما قيل. ذكره ابن حبّان في "الثقات" في التابعين، وقال: كان رجلاً صالحًا يَحُجّ كلّ سنّة، وهو أول قاض استُقضي بالكوفة.
(وَزَيْدُ بْنُ صُوحَانَ) -بضمّ الصاد المهملة، وسكون الواو، بعدها حاء مهملة- ابن حُجر بن الحارث العبديّ، أبو سليمان. قال في "الإصابة": قال ابن الكلبيّ: أدرك النبيّ ﷺ ، وصحبه. وتعقّبه ابن عبد البرّ، فقال: لا أعلم له صحبة، وإنما أدرك زمن
стр. 12640
النبيّ ﷺ ، وكان سيّدًا فاضلاً، حكى معمر بن المثنّى أن له وِفادة، ويؤيّده ما رواه عبد الرحمن بن مسعود العبديّ، قال: سعمت عليًّا ﵁ يقول: قال رسول اللَّه- ﷺ : "من سرّه أن ينظر إلى من يسبقه بعض أعضائه إلى الجنّة، فلينظر إلى زيد بن صُوحان". أخرجه أبو يعلى، وابن منده (١). قُطعت يده يوم القادسيّة، وقُتل يوم الجمل، فقال: ادفنوني في ثيابي، فإني مخاصم. له ترجمة في "الإصابة" في القسم الثالث، من حرف الزاي (٢).
(وَأَنَا أُهِلُّ بِهمَا) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (فَقَالَ: أَحَدُهُمَا لِلآخَرِ: مَا هَذَا بِأفْقَهَ مِنْ بَعِيرِهِ؟) أي ليس بأكثر علمًا من بعيره. والمعنى: أن الصُّبَيّ بن معبد، وبعيره الذي ركبه سواء في عدم معرفة السنة، وذلك أن السنة في زعهما الإفراد بالحجّ.
وفي الرواية التالية: "فقال أحدهما: لأنت أضلّ من جملك هذا، فقال الصّبيّ: فلم تزل في نفسي حتى لقيت عمر بن الخطاب … "، وفي رواية أبي داود: "فكأنما أُلقي عليّ جبل". وفي رواية لأحمد: "فكأنما حُمِل عليّ بكلمتهما جبل" (فَأَتَيْتُ عُمَرَ) بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنه - (فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي أَسْلَمْتُ، وَأَنَا حَرِيصٌ عَلَى الجِهَادِ، وَإِنِي وَجَدْتُ الحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، مَكْتُوبَيْنِ عَلَيَّ، فَأَتَيْتُ هُرَيمَ بْنَ عَبدِ اللَّهِ) تقدم أن الصَواب هذيم بن عبد اللَّه بالذال المعجمة، كما هو في "الكبرى" (فَقُلتُ: يَا هَنَاهْ) أي يا هذا، وأصله هن، أُلحقت الهاء لبيان الحركة، فصار يا هنة، وأشبعت الحركة، فصارت ألفًا، فقيل: يا هناه، بسكون الهاء، ولك ضمّ الهاء. قال الجوهريّ: هذه اللفظة تختصّ بالنداء. ذكره ابن الأثير (٣) (إِنَّي وَجَدْتُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، مَكْتُوبَيْنِ عَلَيَّ، فَقَالَ: اجْمَعْهُمَا، ثُمَّ اذْبَحْ مَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، فَأَهْلَلْتُ بِهمَا، فَلَمَّا أَتَيْنَا العُذَيْبَ، لَقِيَنِي سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَزَيْدُ بْنُ صُوحَانَ، فَقَالَ: أَحَدُهُمَا لِلآخَرِ: مَا هَذَا بِأَفْقَهَ مِنْ بَعِيرِهِ، فَقَالَ: عُمَرُ) - رضي اللَّه تعالى عنه - ("هُدِيتَ") بالبناء للمفعول: أي هداك اللَّه تعالى بواسطة من أفتاك (لِسُنَّةِ نَبِيكَ ﷺ ) أي لمعرفتها والعمل بها.
والمعنى: أنك لست أجهل من بعيرك، بل أنت أعلم منهما، حيث هُديت لسنّة نبيّك ﷺ ، وجهلاها.
وفي رواية لأحمد: "فقَدِمتُ على عمر ﵁، فأخبرته، فأقبل عليهما، فلامهما، وأقبل عليّ، فقال هُدِيت لسنة النبي ﷺ ، هديت لسنة نبيك ﷺ " (٤). وفي لفظ: "وُفّقت
стр. 12641
لسنة نبيّك".
وفيه أن عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - كان من مذهبه جواز القران، وإنما كان يكره التمتّع، وينهى عنه، كما سيأتي، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث الصُّبيّ بن معبد عن عمر بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٤٩/ ٢٧١٩ و ٢٧٢٠ و ٢٧٢١ - وفي "الكبرى" ٤٩/ ٣٦٩٩ و ٣٧٠٠ و ٣٧٠١. وأخرجه (د) في "المناسك" ١٧٩٨ (ق) في "المناسك" ٢٩٧٠ (أحمد) في "مسند العشرة" ٨٤ و ١٧٠ و ٢٢٨ و ٢٥٦ و ٢٨١. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو جواز القران. (ومنها): ما كان عليه الصُّبيّ بن معبد من الفضل، حيث كان شديد الحرص على الخير والرغبة، والجدّ في عمل الخير. (ومنها): أن القارن عليه الهدي، وفيه خلاف، والراجح الوجوب، كما سبق. (ومنها): أنه ينبغي لمن لا يعلم أحكام دينه أن يسأل أهل العلم؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧]. (ومنها): أن الحجّ والعمرة فريضتان، حيث إن عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - أقرّه لما قال: "وإني وجدت الحجّ والعمرة مكتوبين". (ومنها): أن مذهب عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - مشروعيّة القرآن، وإنما كان ينهى عن التمتّع. (ومنها): أن قول الصحابيّ: من السنة كذا له حكم الرفع، وهو المشهور عند المحدثين، ولذا احتجّ المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بقول عمر ﵁: "هديت لسنة نبيّك ﷺ " على مشروعيّة القران. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٢٠ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ, عَنْ زَائِدَةَ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ شَقِيقٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا الصُّبَيُّ … فَذَكَرَ مِثْلَهُ, قَالَ: فَأَتَيْتُ عُمَرَ, فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ, إِلاَّ قَوْلَهُ يَا هَنَّاهُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح غير الصُّبَيِّ كما سبق بيانه، و"إسحاق": هو ابن راهويه.
و"مصعب بن المقدام" الخثعميّ مولاهم، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، صدوق، له أوهام [٩].
стр. 12642
قال الغلابيّ، عن ابن معين: ثقة. وقال إبراهيم بن الجنيد، عن ابن معين: ما أرى به بأسًا. وقال أبو داود: لا بأس به. وقال أبو حاتم: صالح. وقال عبد اللَّه بن المدينيّ، عن أبيه: ضعيف. وقال ابن المنادي: كتبت عنه أيام ابن زُبيدة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال عليّ بن حكيم الأوديّ، عنه: كنت أرى رأي الإرجاء، فرأيت في المنام كأن في عنقي صَلِيبًا، فتركته. وقال العجليّ: كوفيّ متعبّد. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال يحيى بن معين: صالح. وقال ابن قانع: كوفيّ صالح. وقال الساجيّ: ضعيف الحديث، كان من العبّاد. قال أحمد بن حنبل: كان رجلاً صالحًا رأيت له كتابًا، فإذا هو كثير الخطإ، ثم نظرت في حديثه، فإذا أحاديثه متقاربة عن الثوريّ. قال محمد بن عبد اللَّه الحضرميّ وغيره: مات سنة (٢٠٣). روى له الجماعة، سوى البخاريّ، وأبي داود. وأخرج له المصنّف في خمسة مواضع برقم - ٢٧١٩ و ٣٠٢٧ و ٣٦٢٢ و ٤٤١٧ و ٤٨٢٧.
و"زائدة": هو ابن قُدامة.
وقوله: "فذكر مثله" الضمير في "ذكر" لزائدة، وفي "مثله" للحديث الماضي.
والحديث صحيح كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٢١ - (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ يَزِيدَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعَيْبٌ -يَعْنِي ابْنَ إِسْحَاقَ- قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) ابْنُ جُرَيْجٍ ح وَأَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ, قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي حَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ, عَنْ مُجَاهِدٍ, وَغَيْرِهِ, عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ, يُقَالُ لَهُ: شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ, أَبُو وَائِلٍ, أَنَّ رَجُلاً مِنْ بَنِي تَغْلِبَ, يُقَالُ لَهُ: الصُّبَيُّ بْنُ مَعْبَدٍ, وَكَانَ نَصْرَانِيًّا, فَأَسْلَمَ, فَأَقْبَلَ فِي أَوَّلِ مَا حَجَّ, فَلَبَّى بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ جَمِيعًا, فَهُوَ كَذَلِكَ, يُلَبِّى بِهِمَا جَمِيعًا, فَمَرَّ عَلَى سَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ, وَزَيْدِ بْنِ صُوحَانَ, فَقَالَ أَحَدُهُمَا: لأَنْتَ أَضَلُّ مِنْ جَمَلِكَ هَذَا, فَقَالَ الصُّبَيُّ: فَلَمْ يَزَلْ فِي نَفْسِي, حَتَّى لَقِيتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ, فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ, فَقَالَ: "هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ ﷺ ".
قَالَ: شَقِيقٌ وَكُنْتُ أَخْتَلِفُ أَنَا, وَمَسْرُوقُ بْنُ الأَجْدَعِ, إِلَى الصُّبَيِّ بْنِ مَعْبَدٍ, نَسْتَذْكِرُهُ, فَلَقَدِ اخْتَلَفْنَا إِلَيْهِ مِرَارًا, أَنَا وَمَسْرُوقُ بْنُ الأَجْدَعِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح غير شيخيه فإنهما من أفراده و"عمران بن يزيد": هو عمران بن خالد بن يزيد الطائيّ الدمشقيّ، صدوق [١١].
стр. 12643
و"شعيب بن إسحاق": هو البصريّ، ثم الدمشقيّ، ثقة رمي بالإرجاء، من كبار [٩].
و"إبراهيم بن الحسن": هو الخثعميّ، أبو إسحاق المقسميّ الثقة [١١].
و"حجاج": هو ابن محمد الأعور الحافظ [٩]. و"حسن بن مسلم " بن يَنّاق المكيّ الثقة [٥].
وقوله: "وكنت اختلف": أي أتردد. وإنما أكثر التردّد في هذا الحديث لأنه وقع النهي عن ذلك من بعض الصحابة، كعثمان - رضي اللَّه تعالى عنه -، كما يأتي بعد هذا، فأعجبهما هذا الحديث، وحرصا على التأكد منه لذلك. وفيه ما كان عليه شقيق ومسروق من شدة الحرص في طلب العلم، ومراجعة أهله مراراً للتأكد. والحديث صحيح، كما سبق بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعمِ الوكيل.
٢٧٢٢ - (أَخْبَرَنِي عِمْرَانُ بْنُ يَزِيدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى -وَهُوَ ابْنُ يُونُسَ- قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ, عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ, عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ, عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ, قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ عُثْمَانَ, فَسَمِعَ عَلِيًّا يُلَبِّي بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ, فَقَالَ: أَلَمْ تَكُنْ تُنْهَى عَنْ هَذَا؟ , قَالَ: بَلَى, وَلَكِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يُلَبِّي بِهِمَا جَمِيعًا, فَلَمْ أَدَعْ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِقَوْلِكَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عمران بن يزيد) المذكور في السند الماضي.
٢ - (عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي نزل الشام مرابطًا، ثقة مأمون [٨] ٨/ ٨.
٣ - (الأعمش) سليمان بن مِهْران الكوفي، ثقة ثبت يدلس [٥] ١٧/ ١٨.
[تنبيه]: قوله: "حدثنا الأعمش" هكذا في النسخة الهندية، و"الكبرى"-٢/ ٣٤٥ - و"تحفة الأشراف" -٧/ ٤٤٦ - وهو الصواب، ووقع في النسختين المطبوعتين من "المجتبى": "الأشعث"، وهو تصحيف، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
٥ - (مسلم البَطين) هو: مسلم بن عمران، أبو عبد اللَّه الكوفيّ الثقة [٦] ٢٦/ ٩١٥.
٦ - (عليّ بن حسين) بن علي بن أبي طالب المدنيّ المعروف بزين العابدين الثقة المثبت العابد الفقيه الفاضل المشهور، قال ابن عيينة، عن الزهريّ: ما رأيت قرشيًّا أفضل منه [٣] ٧٨/ ٩٥.
٦ - (مروان بن الحكم) بن أبي العاص الأموي، أبو عبد الملك المدني، ثقة [٢]
стр. 12644
١١٨/ ١٦٣.
٧ - (عليّ) بن أبي طالب أبو الحسن الخليفة الراشد ﵁ ٧٤/ ٩١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وأن رجاله رجال الصحيح غير شيخه، فمن أفراده، وأن فيه رواية تابعي عن تابعي: علي عن مروان، وأن رواية الأعمش عن مسلم من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأن الأعمش من الطبقة الخامسة، ومسلم من السادسة، وأن صحابيه أحد الخلفاء الأربعة والعشرة المبشرين بالجنة - رضي اللَّه تعالى عنهم -، وابن عم المصطفى ﷺ ، وزوج ابنته فاطمة ﵂، وأول من آمن من الصبيان، وأنه مات سنة أربعين، وهو يومئذ أفضل الأحياء من بني آدم في الأرض بإجماع أهل السنة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ) أنه (قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ عُثْمَانَ) بن عفّان - رضي اللَّه تعالى - عنه في خلافته، وقد ثبت في "صحيح البخاريّ" من رواية سعيد بن المسيّب أن اختلافهما كان بعُسفان، ولفظه: "قال: اختلف عليّ وعثمان - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وهما بعُسفان في المتعة، فقال عليّ: ما تريد إلى أن تنهى عن أمر فعله النبيّ ﷺ ، قال: فلما رأى ذلك عليّ، أهلّ بهما جميعًا" (فَسَمِعَ عَلِيًّا) أي ابن أبي طالب - رضي اللَّه تعالى عنه - (يُلَبِّي بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ) أي قارنًا بينهما (فَقَالَ: أَلَمْ تكُنْ تُنْهَى عَنْ هَذَا؟) ببناء الفعل للمفعول، والخطاب لعليّ ﵁، وأراد عثمان ﵁ نهيه الناس عن ذلك، ومن جملتهم عليّ ﵁. وفي بعض النسخ: "ألم نكن نَنْهَى عن هذا؟ بنون المتكلم، وعليه فالفعل مبنيّ للفاعل.
وقال السنديّ: قوله: "ألم تكن تُنهى" على صيغة الخطاب، و"تنهى" على بناء المفعول، أي أني أنهى الناس جميعًا عن الجمع، كما كان عمر ينهاهم، وأنت، فكيف لك أن تفعل، وتخالف أمر الخليفة، فأشار عليّ إلى أنه لا طاعة لأحد فيما يخالف سنة رسول اللَّه ﷺ لمن علم بها انتهى.
وفي الرواية التالية: "أن عثمان نهى عن المتعة، وأن يجمع الرجل بين الحجّ والعمرة". قال في "الفتح": قوله: "وأن يجمع بينهما" يحتمل أن تكون الواو عاطفة، فيكون نهى عن التمتّع والقران معًا. ويحتمل أن يكون عطفًا تفسيريًا، وهو على ما تقدّم
стр. 12645
أن السلف كانوا يطلقون على القرآن تمتّعًا، ووجهه أن القارن يتمتّع بترك النَّصَبِ بالسفر مرّتين، فيكون المراد أن يجمع بينهما قرانًا، أو إيقاعًا لهما في سنة واحدة بتقديم العمرة على الحجّ. وقد رواه النسائيّ من طريق عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيّب بلفظ: "نهى عثمان عن التمتّع"، وزاد فيه: "فلبّى عليّ، وأصحابه بالعمرة، فلم ينههم عثمان، فقال له عليّ: ألم تسمع رسول اللَّه ﷺ تمتّع؟، قال: بلى"، وله من وجه آخر: "سمعت رسول اللَّه ﷺ يلبّي بهما جميعًا"، زاد مسلم من طريق عبد اللَّه بن شقيق، عن عثمان، قال: "أجل، ولكنا كنّا خائفين".
قال النوويّ: لعله أشار إلى عمرة القضيّة سنة سبع، لكن لم يكن في تلك السنة حقيقة تمتّع، إنما كان عمرة وحدها.
قال الحافظ: هي رواية شاذّة، فقد روى الحديث مروان بن الحكم، وسعيد بن المسيّب، وهما أعلم من عبد اللَّه بن شقيق، فلم يقولا ذلك، والتمتّع إنما كان في حجة الوداع، وقد قال ابن مسعود -كما ثبت عنه في "الصحيحين" -: "كنّا آمن ما يكون الناس".
وقال القرطبيّ: قوله: "كنا خائفين" أي من أن يكون أجر من أفرد أعظم من أجر من تمتّع. كذا قال، وهو جمع حسن، ولكن لا يخفى بُعده.
ويحتمل أن يكون عثمان أشار إلى أن الأصل في اختياره ﷺ فسخ الحجّ إلى العمرة في حجة الوداع دفع اعتقاد قريش منع العمرة في أشهر الحجّ، وكان ابتداء ذلك بالحديبية؛ لأن إحرامهم بالعمرة كان في ذي القعدة، وهو من أشهر الحجّ، وهناك يصحّ إطلاق كونهم خائفين، أي من وقوع القتال بينهم وبين المشركين، وكان المشركون صدّوهم عن الوصول إلى البيت، فتحلّلوا من عمرتهم، وكانت أول عمرة وقعت في أشهر الحجّ، ثم جاءت عمرة القضيّة في ذي القعدة أيضًا، ثم أراد ﷺ تأكيد ذلك بالمبالغة فيه، حتى أمرهم بفسخ الحجّ إلى العمرة انتهى كلام الحافظ (١).
(قَالَ) عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه - (بَلَى) هي حرف إيجاب، فإذا قيل: ما قام زيد، وقلت في الجواب: بلى، فمعناه: إثبات، وإذا قيل: أليس كان كذا، وقلت: بلى، فمعناه التقرير، والإثبات، ولا تكون إلا بعد نفي، فهو أبدًا يرفع حكم النفي، ويوجب نقيضه، وهو الإثبات. أفاده في "المصباح". والمعنى هنا: بلى كنت نهيت عن هذا (وَلَكِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يُلَبِّي بِهمَا جَمِيعًا) وهذا موضع الترجمة، حيث إنه يدلّ
стр. 12646
على جواز القران، وقد تقدّم أن إهلال النبيّ- ﷺ بهما جميعًا، كان في نهاية الأمر، وإلا فإنه بدأ بالحجّ، إلا أنه أدخل عليه العمرة، فصار قارنًا (فَلَمْ أَدع قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِقَوْلِكَ) يعني أنه لا يسعني مخالفة سنته ﷺ لأجل نهيك، لأن طاعة ولاة الأمر لا بدّ أن تكون في حدود الشرع، فإذا خالفوا ذلك، فلا طاعة لهم، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وفي الرواية التالية: "فقال عليّ ﵁: لم أكن لأع سنة رسول اللَّه ﷺ لأحد من الناس". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٤٩/ ٢٧٢٢ و ٢٧٢٣ و ٥٠/ ٢٧٣٣ - وفي "الكبرى" ٤٩/ ٣٧٠٢ و ٣٧٥٣ و ٥٥/ ٣٧١٣. وأخرجه (خ) في "الحج" ١٥٦٣ و ١٥٦٩ (م) في "الحج" ١٢٢٣ (أحمد) في "مسند العشرة" ٧٥٨ و ١١٤٣ و١١٥٠ (الدارمي) في "المناسك" ١٩٢٣. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مشروعية القران، حيث إن النبيّ ﷺ لبّى بهما جميعًا. (ومنها): إشاعة العالم ما عنده من العلم، وإظهاره للناس، ومناظرة ولاة الأمور، وغيرهم في تحقيقه لمن قوي على ذلك؛ لقصد مناصحة المسلمين (ومنها): البيان بالفعل مع القول؛ ليكون أبلغ. (ومنها): جواز الاستنباط من النصّ؛ لأن عثمان لم يخف عليه أن التمتّع والقران جائزان، وإنما نهى عنهما؛ ليُعمل بالأفضل، كما وقع لعمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، لكن خشي عليّ ﵁ أن يحمل غيرُهُ النهيَ على التحريم، فأشاع جواز ذلك، وكلّ منهما مجتهد مأجور. (ومنها): ما ذكره ابن الحاجب، من كون حديث عثمان ﵁ هذا دليلاً لمسألة اتفاق أهل العصر الثاني بعد اختلاف أهل العصر الأول، فقال: وفي "الصحيح" أن عثمان كان نهى عن المتعة. قال البغويّ: ثم صار إجماعًا.
قال الحافظ: وتُعُقّب بأن نهي عثمان عن المتعة إن كان المراد به الاعتمار في أشهر الحجّ قبل الحجّ، فلم يستقرّ الإجماع عليه؛ لأن الحنفيّة يخالفون فيه. وإن كان المراد به
стр. 12647
فسخ الحجّ إلى العمرة، فكذلك الحنابلة يخالفون فيه، ثم وراء ذلك أن رواية النسائيّ السابقة مشعرة بأن عثمان رجع عن النهي، فلا يصحّ التمسّك به.
ولفظ البغويّ بعد أن ساق حديث عثمان في "شرح السنّة": هذا خلاف عليّ، وأكثر الصحابة على الجواز، واتفقت عليه الأئمة بعدُ، فحمله على أن عثمان نهى عن التمتّع المعهود، والظاهر أن عثمان ما كان يبطله، وإنما كان يرى أن الإفراد أفضل منه، وإذا كان كذلك، فلم تتفق الأئمة على ذلك، فإن الخلاف في أيّ الأمور الثلاثة أفضل باق. واللَّه أعلم (١).
(ومنها): أن المجتهد لا يُلزِمُ مجتهدًا آخر بتقليده؛ لعدم إنكار عثمان على عليّ ذلك، مع كون عثمان الإمامَ، إذ ذاك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٢٣ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (٢) أَبُو عَامِرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ,,, عَنِ الْحَكَمِ, قَالَ: سَمِعْتُ عَلِىَّ بْنَ حُسَيْنٍ, يُحَدِّثُ عَنْ مَرْوَانَ, أَنَّ عُثْمَانَ نَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ, وَأَنْ يَجْمَعَ الرَّجُلُ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ, فَقَالَ: عَلِيٌّ: لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ مَعًا, فَقَالَ: عُثْمَانُ: أَتَفْعَلُهَا, وَأَنَا أَنْهَى عَنْهَا؟ , فَقَالَ: عَلِيٌّ: لَمْ أَكُنْ لأَدَعَ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , لأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"إسحاق": هو ابن راهويه. و"أبو عامر": هو عبد الملك بن عمرو العقديّ البصريّ الثقة. و"الحكم": هو ابن عُتيبة الكوفيّ الحافظ. والحديث متّفق عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في الحديث الماضي. وباللَّه تعالى التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٢٤ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا النَّضْرُ, عَنْ شُعْبَةَ,, بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
"النضر": هو شُمَيل المازنيّ النحويّ، أبو الحسن البصريّ، نزيل مرو، الثقة الثبت.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٢٥ - (أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ, عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنِ الْبَرَاءِ, قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ, حِينَ أَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , عَلَى الْيَمَنِ, فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ عَلِيٌّ, فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كَيْفَ صَنَعْتَ؟» , قُلْتُ: أَهْلَلْتُ بِإِهْلَالِكَ, قَالَ: «فَإِنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ, وَقَرَنْتُ» , قَالَ: وَقَالَ ﷺ لأَصْحَابِهِ: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ
стр. 12648
من أَمْرِي، مَا اسْتدْبَرْتُ لَفَعَلْتُ، كَمَا فَعَلْتُمْ، وَلَكِنَّي سُقْتُ الْهَدْيَ، وَقَرَنْتُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (معاوية بن صالح) بن أبي عبيد اللَّه الأشعريّ، أبو عبيد اللَّه الدمشقيّ، صدوق [١١].
قال النسائيّ: لا بأس به. وقال في "أسماء شيوخه": أرجو أن يكون صدوقًا. وكذا قال مسلمة بن قاسم، وقال هو، وابن يونس، والطحاويّ: مات بدمشق سنة (٢٦٣). تفرّد به المصنّف، روى عنه حديث الباب هذا -٢٧٢٥ وحديثا في "كتاب تحريم الدم" برقم ٤٠٧٥ - في قصة غضب أبي بكر على رجل.
٢ - (يحيى بن معين) بن عون الغَطَفَاني مولاهم أبو زكريا البغدادي، ثقة حافظ مشهور، إمام الجرح والتعديل [١٠] ٥/ ٥٠١.
٣ - (حجاج) بن محمد الأعور المصيصي، أبو محمد، ثقة ثبت، اختلط آخرًا لما قَدِمَ بغداد [٩] ٢٨/ ٣٢.
٤ - (يونس) بن أبي إسحاق السبيعي، أبو إسرائيل الكوفي، صدوقِ يَهمُ قليلاً [٥] ١٦/ ٦٥٢.
٥ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد اللَّه السبيعي الكوفي، ثقة عابد اختلط بآخره [٣] ٣٨/ ٤٢.
٦ - (البراء) بن عازب ﵄ تأتي ترجمته قريبًا. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀، وأن رجاله رجال الصحيح غير شيخه، فإنه من أفراده، وأن فيه رواية تابعي عن تابعي، والابن عن أبيه، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ الْبَرَاءِ) بن عازب بن الحارث بن عديّ الأنصاريّ الأوسيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما -، نريل الكوفة، استُصغر يوم بدر، مات سنة (٧٢) تقدّمت ترجمته في ٨٦/ ١٠٥ أنه (قَالَ: كُتتُ مَعَ عَليِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (حِينَ أَمِّرَهُ) بتشديد الميم، من التأمير: أي جعله أميرًا (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَلَى الْيَمَنِ) زاد في رواية أحمد بن محمد بن جعفر، عن ابن معين الآتية -٥٢/ ٢٧٤٥ - : "فأصبت معه أواقي"، وهو جمع أوقيّة، وهي أربعون درهما (فَلَمَّا قَدِمَ) أي عليّ ﵁ (عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ) أي والنبيّ ﷺ في مكة، قدم للحج، عام حجة الوداع (قَالَ: عَليِّ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ
стр. 12649
- ﷺ ) وفي رواية أحمد بن محمد بن جعفر المذكورة: "قال عليّ: وجدت فاطمة قد نضحت البيت بنَضُوح، قال: فتخطّيته، فقالت لي: مالك؟، فإن رسول اللَّه ﷺ قد أمر أصحابه، فأحلّوا، قال: قلت: إني أهللتُ بإهلال النبيّ ﷺ ، قال: فأتيت النبيّ ﷺ ، فقال لي: "كيف صنعتَ؟ … "، و"النضوح" بفتح النون: ضرب من الطيب تفوح رائحته (فَقَالَ: لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَيفَ صَنَعْتَ؟ ") أي في إحرامك، وفي حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه -: "ماذا قلت، حين فرضت الحجّ؟ "، قال: قلت: اللهمّ إني أُهلّ بما أهلّ به رسول اللَّه ﷺ ، قال: "فإن معي الهدي، فلا تحلل … " (قُلْتُ: أَهْلَلْتُ بإِهْلَالِكَ، قَالَ: "فَإنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ، وَقَرَنْتُ") أي جمعت بين الحجّ والعمرة، وقد علّق عَليّ ﵁ إحرامه بإحرامه ﷺ ، فأمره بالبقاء على إحرامه قارنًا، كما بقي النبيّ ﷺ على إحرامه.
وقال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذا وأمثاله من أقوى الأدلّة على أنه كان قارنًا؛ لأنه مستند إلى قوله، والرجوع إلى قوله عند الاختلاف هو الواجب خصوصًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، وعمومًا؛ لأن الكلام إذا كان في حال أحد، وحصل فيه الاختلاف يجب الرجوع فيه إلى قوله؛ لأنه أدرى بحاله، وما أسند أحد ممن قال بخلافه إلى قوله، فتعيّن القران. واللَّه تعالى أعلم انتهى (١).
(قَالَ) البراء - رضي اللَّه تعالى عنه - (وَقَالَ ﷺ لِأَصْحَابِهِ) حين شق عليهم أمره لهم بالتحلل عن إحرام الحجّ بعمل العمرة ("لَوِ اسْتَقبَلْتُ مِنْ أَمْرِي، مَا اسْتَدْبَرْتُ لَفَعَلْتُ، كَمَا فَعَلْتُمْ) أي من عدم سوق الهدي، والتحلل بأداء العمرة (وَلَكِنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ، وَقَرَنْتُ) أي فلا أحلّ حتى يبلغ الهدي محله، وهو يوم النحر بعد أداء الحجّ.
زاد في رواية أبي داود: قال: فقال لي: "انحر من البدن سبعًا وستين، أو ستا وستين، وأمسك لنفسك ثلاثا وثلاثين، أو أربعا وثلاثين، وأمسك لي من كلّ بدنة منها بضعة".
وفي حديث جابر ﵁ المتقدّم: "وكان جماعة الهدي الذي قدم به عليّ من اليمن، والذي أتى به النبيّ ﷺ من المدينة مائة".
وظاهر حديث أبي داود أن عليا ﵁ نحر سبعا وستين، أو ستا وستين، ولكن في حديث جابر ﵁ المتقدّم: "ثم انصرف رسول اللَّه ﷺ إلى المنحر، فنحر بيده ثلاثا وستين، وأمر عليا، فنحر ما غير، يقول: ما بقي".
стр. 12650
قال النوويّ: إن هذا هو الصواب، لا ما وقع في رواية أبي داود، ولذا لم يذكر في رواية النسائيّ، والبيهقيّ قوله: "انحر من البدن سبعًا وستين، أو ستا وستين". وقد جمع بعضهم بأن المراد في حديث أبي داود: "انحر" أي هيئها لي في المنحر لأتولّى نحرها، أو أنه بعد أن أمر عليا بنحرها بدا له ﷺ أن ينحرها بيده، فنحر ثلاثًا وستين، وأمر عليا بنحو الباقي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث البراء - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، ولا يضرّه عنعنعة أبي إسحاق، وإن كان مدلسًا؛ لأن حديث عليّ الماضي يشهد له، وكذا غيره من الأحاديث. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٤٩/ ٢٧٢٥ و ٥٢/ ٢٧٤٥ - وفي "الكبرى" ٤٩/ ٣٧٠٥ و ٥٢/ ٣٧٢٦. وأخرجه (د) في "المناسك" ١٧٩٧ (البيهقيّ) ٥/ ١٥. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو مشروعيّة القران. (ومنها): استحباب التطيّب لمن تحلل من إحرامه. (ومنها): تعليق الشخص إحرامه بإحرام غيره. (ومنها): استحباب سوق الهدي من بلده. (ومنها): جواز قول الإنسان "لو كان كذا كان كذا" تأسفًا على ما فات إذا تعلقت به المصلحة الدينية، والنهي الوارد محمول على الحظوظ الدنيوية، كما تقدّم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعمِ الوكيل.
٢٧٢٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, الصَّنْعَانِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ, قَالَ: سَمِعْتُ مُطَرِّفًا, يَقُولُ: قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ: "جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ, ثُمَّ تُوُفِّيَ قَبْلَ أَنْ يَنْهَى عَنْهَا, وَقَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ الْقُرْآنُ بِتَحْرِيمِهِ").
رجال الإسناد: ستة
١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني ثم البصري، ثقة [١٠] ٥/ ٥.
٢ - (خالد) بن الحارث الْهُجَيميُّ، أبو عثمان البصري، ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الشهير [٧] ٢٤/ ٢٧.
стр. 12651
٤ - (حميد بن هلال) العدوي، أبو نصر البصري، ثقة فقيه [٣] ٤/ ٤.
٥ - (مُطَرِّف) بن عبد اللَّه تأتي ترجمته قريبًا.
٦ - (عمران بن حصين) ﵄ يأتي قريبًا أيضًا. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، وأنه مسلسل بالبصريين، وفيه رواية تابعي عن تابعي، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن حميد بن هلال أنه (قال: سَمِعْتُ مُطَرِّفًا) هو ابن عبد اللَّه بن الشِّخِّير العامريّ الْحَرَشيّ، أبو عبد اللَّه البصريّ التابعيّ الكبير الثقة العابد الفاضل المشهور، من [٢] تقدّمت ترجمته في ٥٣/ ٦٧ (يَقُولُ: قَالَ: لِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ) بن عُبيد بن خَلَف الْخُزَاعيّ، أبو نُجَيد، أسلم عام خيبر، وصَحِب النبيّ ﷺ ، وكان فاضلاً، وقضى بالكوفة، ومات ﵁ سنة (٥٢) بالبصرة، تقدّمت ترجمته في ٢٠١/ ٣٢١. وفي رواية لمسلم من طريق قتادة، عن مطرّف، قال: بعث إليّ عمران بن حُصين في مرضه الذي توفّي فيه، فقال: إني كنت محدّثك بأحاديث لعلّ اللَّه أن ينفعك بعدي، فإن عشتُ فاكتم عنّي، وإن من، فحدّث بها إن شئت، إنه قد سُلّم عليّ، واعلم أن نبيّ اللَّه ﷺ قد جمع بين حجّ وعمرة، ثم لم ينزل فيها كتاب اللَّه … " فذكر الحديث. وفي رواية حميد ابن هلال، عن مطرّف: "وقد كان يسلم عليّ حتى اكتويتُ، فتُرِكتُ، ثم تَرَكْتُ الكيّ، فعاد".
ومعنى قول عمران بن حصين - رضي اللَّه تعالى عنهما -: "قد كان يُسلّم عليّ الخ": أنه كانت به بواسير، فكان يصبر على ألمها، وكانت الملائكة تسلّم عليه، فاكتوى، فانقطع سلامهم عليه، ثم ترك الكيّ، فعاد سلامهم عليه. قاله النوويّ.
وقوله: "فاكتم عني الخ" أراد به الإخبار بالسلام عليه؛ لأنه كره أن يشاع عنه ذلك في حياته؛ لما فيه من التعرّض للفتنة، بخلاف ما بعد الموت. قاله النوويّ أيضًا (١).
(جمًعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ حَجِّ وَعُمْرَةٍ) أي قرن بينهما. وفي رواية محمد بن واسع، عن مطرف الآتية: "تمتّعنا مع رسول اللَّه ﷺ ". والتمتّع يشمل القران، والتمتع
стр. 12652
المعروف، ولذا أورده المصنّف احتجاجًا به على مشروعية القران، فالنبيّ ﷺ قرن، والصحابة الذين لم يسوقوا الهدي تمتّعوا، فلا تنافي بين قوله: " جمع رسول اللَّه ﷺ "، وقوله: "تمتّعنا" (ثُمَّ تُوُفَّيَ) ﷺ (قَبْلَ أَنْ يَنْهَى عَنْهَا) أنث الضمير باعتبار الخصلة، أي مات قبل أن ينهى عن هذه الخصلة بسنته (وَقَبْلَ أَنَّ يَنْزِلَ) وفي نسخة: "أن نزل" (الْقُرْآنُ بِتَحْرِيمِهِ) ذكر الضمير هنا باعتبار الفعل، أي قبل أن ينزل القرآن بتحريم هذا الفعل، وهو القِرَان. وفي الرواية التالية: "ثم لم ينزل فيها كتاب، ولم ينه عنها النبيّ ﷺ قال رجل برأيه ما شاء". وفي رواية البخاريّ: "تمتعنا على عهد رسول اللَّه ﷺ ، ونزل القرآن، قال رجل برأيه ما شاء".
قال في "الفتح": قوله: "ونزل القرآن" أي بجوازه، يشير إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ الآية. وفي رواية للبخاريّ أيضًا في "التفسير من طريق أبي رجاء العطارديّ، عن عمران بلفظ: "أُنزلت آية المتعة في كتاب اللَّه، ففعلناها مع رسول اللَّه ﷺ ، ولم ينزل قرآن بحرمة، فلم ينه عنها حتى مات، قال رجل برأيه ما شاء.
وقوله: "قال رجل برأيه ما شاء". وفي رواية أبي العلاء، عن مطرّف عند مسلم: "ارتأى كلّ امرئ بعدُ ما شاء أن يرتئي". قال الحافظ: قائل ذلك هو عمران بن حصين، ووهم من زعم أنه مطرّف الراوي عنه؛ لثبوت ذلك في رواية أبي رجاء، عن عمران، كما ذكرته قبلُ. وحكى الحميديّ أنه وقع في رواية أبي رجاء، عن عمران: قال البخاريّ: يقال: إنه عمر. أي الرجل الذي عناه عمران بن حصين.
قال الحافظ: لم أر هذا في شيء من الطرق التي اتصلت لنا من البخاريّ، لكن نقله الإسماعيليّ، عن البخاريّ كذلك، فهو عمدة الحميديّ في ذلك. وبهذا جزم القرطبيّ، والنوويّ، وغيرهما. وكأن البخاريّ أشار بذلك إلى رواية الجُرَيريّ، عن مطرّف، فقال في آخره: "ارتأى رجل برأيه ما شاء" يعني عمر. كذا في الأصل، أخرجه مسلم عن محمد بن حاتم، عن وكيع، عن الثوريّ، عنه.
وقال ابن التين: يحتمل أن يريد عمر، أو عثمان. وأغرب الكرمانيّ، فقال: ظاهر سياق كتاب البخاريّ أن المراد به عثمان. وكأنه لقرب عهده بقصّة عثمان مع عليّ جزم بذلك، وذلك غير لازم، فقد سبقت قصّة عمر مع أبي موسى في ذلك، ووقعت لمعاوية أيضًا مع سعد بن أبي وقاص في "صحيح مسلم" قصّة في ذلك.
قال الحافظ: والأولى أن يفسّر بعمر؛ فإنه أول من نهى عنها، وكأن من بعده كان تابعًا له في ذلك. وفي "صحيح مسلم" أيضًا أن ابن الزبير كان ينهى عنها، وابن عباس يأمر بها، فسألوا جابرًا، فأشار إلى أن أول من نهى عنها عمر.
стр. 12653
ثم في حديث عمران ما يعكُرُ على عياض، وغيره في جزمهم أن المتعة التي نهى عنها عمر، وعثمان، هي فسخ الحجّ إلى العمرة، لا العمرة التي يحجّ بعدها، فإن في بعض طرقه عند مسلم التصريح بكونها متعة الحجّ، وفي رواية له أيضًا: "أن رسول اللَّه ﷺ أعمر بعض أهله في العشر"، وفي رواية له: "جمع بين حجّ وعمرة"، ومراده التمتّع المذكور، وهو الجمع بينهما في عام واحد انتهى المقصود من كلام الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (١).
وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: وهذه الروايات كلها متفقة على أن مراد عمران أن التمتّع بالعمرة إلى الحجّ جائز، وكذلك القران، وفيه التصريح بإنكاره على عمر بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنه - منع التمتّع. وقد سبق تأويل فعل عمر أنه لم يرد إبطال التمتّع، بل ترجيح الإفراد عليه.
وقال قبل ذلك: المختار أن المتعة التي نهى عنها عثمان هي التمتّع المعروف في الحجّ، وكان عمر وعثمان ينهيان عنها نهيّ تنزيه، لا تحريم، وإنما نهيا عنها؛ لأن الإفراد أفضل، فكان عمر، وعثمان يأمران بالإفراد؛ لأنه أفضل، وينهيان عن التمتّع نهي تنزيه؛ لاْنهما مأمور بصلاح رعيّتهما، وكانا يريان الأمر بالإفراد من جملة صلاحهم. انتهى كلام النوويّ بتصرّف (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أن الأظهر أن الرجل الذي أشار إليه عمران ﵁ في كلامه السابق هو عمر بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنه -؛ لأن غيره تابع له في ذلك، وأن المتعة التي قال عنها عمران ﵁: "تمتّعنا مع رسول اللَّه ﷺ " هي التمتّع المعروف الذي هو الاعتمار في أشهر الحج، ثم الحجّ بعده، ثم إن محمل نهي عمر وعثمان - رضي اللَّه تعالى عنهما - من ذلك هو الذي ذكره النووي، من أنهما رأيا ذلك أصلح، لكن الرأي يصيب، ويخطىء، فما صحّ عن رسول اللَّه ﵁ أحقّ أن يتّبع، لا ما رأياه، فإنه ﷺ هو الحجة على من سواه، وليس لأحد قولٌ، ولا فعلٌ، مع قوله، وفعله، قال اللَّه تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ الآية [النور: ٥٤]، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ الآية [الحشر: ٧]، وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 12654
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عمران بن حُصين - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٤٩/ ٢٧٢٦ و ٢٧٢٧ و ٢٧٢٨ و ٥٠/ ٢٧٣٩ - وفي "الكبرى" ٤٩/ ٣٧٠٦ و ٣٧٠٧ و ٣٧٠٨ و ٥٠/ ٣٧١٩. وأخرجه (خ) في "الحجّ" ١٥٧١ وفي "التفسير" ٤٥١٨ (م) في "الحجّ" ١٢٢٦ (ق) في "المناسك" ٢٩٧٨ (أحمد) في "مسند البصريين" ١٩٣٣٢ و ١٩٣٤٠ و ١٩٤٣٨ (الدارمي) في "المناسك" ١٨١٣. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان جواز القران، وهو واضح في قوله: "أن رسول اللَّه ﷺ جمع بين حجّ وعمرة". (ومنها): ما قاله في "الفتح" (١): فيه جواز نسخ القرآن بالقرآن، ولا خلاف فيه، وجواز نسخه بالسنة، وفيه اختلاف شهير، ووجه الدلالة منه قوله: "ولم ينه عنها رسول اللَّه ﷺ "، فإن مفهومه أنه لو نهى عنها لامتنعت، ويستلزم رفع الحكم، ومقتضاه جواز النسخ. وقد يؤخذ منه أن الإجماع لا يُنسَخ به؛ لكونه حصر وجوه المنع في نزول آية، أو نهي من النبيّ ﷺ . (ومنها): وقوع الاجتهاد في الأحكام بين الصحابة ﵃، وإنكار بعض المجتهدين على بعض بالنصّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٢٨ - (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ, عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ: "تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ, ثَلَاثَةٌ: هَذَا أَحَدُهُمْ, لَا بَأْسَ بِهِ, وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ شَيْخٌ, يَرْوِي عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ, لَا بَأْسَ بِهِ, وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ, يَرْوِى عَنِ الزُّهْرِيِّ, وَالْحَسَنِ, مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أبو داود": هو سليمان بن سيف الْحَرَّانيّ الحافظ الثقة، من أفراد المصنّف.
و"مسلم بن إبراهيم": هو الأزديّ الْفَرَاهيديّ، أبو عمرو البصريّ الثقة المأمون
стр. 12655
المكثر، من صغار [٩] ٦٢/ ٢٣١٥. روى له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في خمس مواضع، برقم -٢٣١٥ و ٢٧٢٨ و ٤٠٠٨ و ٤٨٥٨ و ٤٩٢٢.
و"إسماعيل بن مسلم" العبديّ، أبو محمد البصريّ القاضي، ثقة [٦].
قال أحمد: ليس به بأس، ثقة. وقال ابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقة.، زاد أبو حاتم: صالح الحديث. وقال أبو حاتم، عن مسلم بن إبراهيم: كان شعبة يقول: اذهبوا إلى إسماعيل بن مسلم العبديّ. وقال الدارقطنيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات".
روى له مسلم، والترمذيّ، والمصنّف، أخرج له في خمسة مواضع، برقم -٢٧٢٨ و ٢٧٣٩ و ٥٥٦٨ و ٥٥٦٩ و ٥٥٧١.
و"محمد بن واسع" بن جابر بن الأخنس بن عائذ بن خارجة بن زياد بن شمس الأزديّ، أبو بكر، ويقال: أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقة، عابد، كثير المناقب [٥].
قال ابن المدينيّ: ما أعلمه سمع من أحد من الصحابة. وقال العجليّ: عابد ثقة، رجل صالح. وقال أبو حاتم: روى عن سالم، عن ابن عمر حديثًا منكرًا، وهو رجل صالحٌ من العبّاد. وقال الدارقطنيّ: عابدٌ ثقة، ولكن بُلي برواة ضعفاء. وقال سلّام بن أبي مطيع: حدّث رجل أيوب يومًا بحديث، فقال أيوب: من حدّثك بهذا؟ قال: محمد ابن واسع، قال: بخ. وقال ضمرة، عن ابن شَوْذب: لم يكن لمحمد بن واسع عبادة ظاهرة، وكان فتيا الناس إلى غيره، وإذا قيل: من أفضل أهل البصرة؟ قيل: محمد بن واسع. وقال مالك بن دينار: القرّاء ثلاثة: فقارىء للدينار، وقارىء للرحمن، وقارىء للملوك، وأبناء الدنيا، وإن محمد بن واسع من قرّاء الرحمن. وقال الأصمعيّ، عن سليمان التيميّ: ما أحدٌ أحبّ إليّ أن ألقى اللَّه تعالى بمثل صحيفته إلا محمد بن واسع. وقال مخلد بن الحسين، عن هشام: دعا مالكُ بن المنذر -وكان على شرطة البصرة- محمدَ بنَ واسع، فقال: اجلس على القضاء، فأبى. وقال موسى بن هارون: كان ناسكًا، عابدًا، وَرِعًا، رَفِيعًا، جليلاً، ثقةً، عالمًا، جمع الخير. وقال ابن حبّان في "الثقات": كان من العبّاد المتقشّفة، والزهّاد المتجرّدين للعبادة، وكان قد خرج إلى خراسان غازيًا، وفضائله ومناقبه كثيرة جدًّا. قال ابن سعد: مات بعد الحسن بعشر سنين. وقال جعفر بن سليمان: مات هو وثابت، ومالك بن دينار سنة (١٢٣) وقال خليفة: مات سنة (١٢٧).
روى له الجماعة، سوى البخاريّ، وابن ماجه، وله عند مسلم، والمصنّف حديث واحدٌ حديث الباب فقط، إلا أن المصنّف أخرجه في موضعين هنا ٤٩/ ٢٧٢٨، وفي
стр. 12656
٥٠/ ٢٧٣٩.
والحديث متفق عليه، وقد تقدم تمام البحث فيه في الحديث الذي قبله.
وقوله (قَالَ أبُو عَبْد الرَّحْمَنِ الخ) غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا بيان أن من يسمى بإسماعيل ابن مسلم ممن يروي الحديث ثلاثة أشخاص:
أما أحدهم فهو هَذَا الذي ذُكِرَ في هذا الإسناد، وقال عنه المصنّف هنا: لَا بَأْسَ بِهِ، وقد ذكرت ترجمته آنفًا، وأن المحدثين كلهم على أنه ثقة، ومنهم المصنّف، كما تقدم، عن "تهذيب الكمال" ٣/ ١٩٦ - ١٩٨، و"تهذيب التهذيب" ٣/ ٧٢٢. و"التقريب" ص ٣٥.
وأما الثاني: فالظاهر أنه المخزوميّ مولاهم المكيّ، فإن المصنّف قال: شَيْخٌ، يَرْوِي عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، لَا بَأْسَ بِهِ. ولم أجد من قيل: إنه يروي عن أبي الطفيل، إلا اثنين:
١ - إسماعيل بن مسلم المكيّ، وهو الذي يأتي بعد هذا, وليس هو المقصود هنا قطعًا, لأن هذا قال عنه المصنّف: لا بأس به، وقال في ذاك متروك الحديث.
٢ - وإسماعيل بن مسلم المخزوميّ، فإن الحافظ الذهبيّ قال في "الميزان" ١/ ٤١٢ - : يروي عن سعيد بن جبير، وأبي الطفيل، صدوق مقلّ. وعنه وكيع، وجماعة. وهذا هو الذي يميل إليه القلب، فقد وثقه ابن معين. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: مكيّ صالح الحديث، قاله في "تهذيب الكمال" (١). وقال في "تهذيب التهذيب": وقال النسائيّ في "التمييز": ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات" (٢). وهو ليس من رجال الكتب الستة، وإنما يُذكر للتمييز.
وأما الثالث: فهو إِسْمَاعيلُ بْنُ مُسْلِمٍ المكيّ، أبو إسحاق البصريّ، سكن مكة، ولكثرة مجاورته قيل له: المكيّ، وكان فقيهًا مفتيًا. يَرْوِي عَنِ الزُّهْرِيَّ، وَالْحَسَنُ، وغيرهما: قال عنه المصنّف: مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ. وعن أحمد: منكر الحديث. وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال ابن المدينيّ: لا يكتب حديثه. وقال الفلاس: كان ضعيفًا في الحديث، يَهِم فيه. وقال الجوزجانيّ: واه جدًّا. وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث مختلط. وقال النسائيّ مرّة: ليس بثقة. إلى غير ذلك من الأقوال المذكورة في "تهذيب الكمال" ٣/ ١٩٨ - ٢٠٤. و"تهذب التهذيب" ١/ ١٦٧ - ١٦٨. وهو من رجال الترمذيّ، وابن ماجه.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: جملة من اسمه إسماعيل بن مسلم، ممن له ذكر في
стр. 12657
كتب الرجال تسعة، وقد ذكرهم الحافظ في "التقريب":
١ - إسماعيل بن مسلم العبديّ المتقدّم، وهو من رجال مسلم، والترمذيّ، والمصنّف.
٢ - إسماعيل بن مسلم المكيّ الضعيف المتقدّم، وهو من رجال الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - إسماعيل بن مسلم السَّكونيّ، أبو الحسن ابن أبي زياد الشاميّ، قاضي الموصل، متروك، كذّبوه من [٨]. من رجال ابن ماجه.
والباقون ذكروا للتمييز، وهم:
١ - إسماعيل بن مسلم الطائيّ مجهول من [٧].
٢ - إسماعيل بن مسلم المخزومي المتقدّم.
٣ - إسماعيل بن مسلم اليشكريّ، مجهول، وقيل: هو السكونيّ.
٤ - إسماعيل بن مسلم بن أبي فُديك، والد محمد، صدوق [٦].
٥ - إسماعيل بن مسلم بن يسار، صدوق [٧].
٦ - إسماعيل ابن مسلم الكوفيّ، صدوق [٦]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٢٩ - (أَخْبَرَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى, عَنْ هُشَيْمٍ, عَنْ يَحْيَى, وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ, وَحُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ح وَأَنْبَأَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا هُشَيْمٌ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ, وَحُمَيْدٌ الطَّوِيلُ, وَيَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ, كُلُّهُمْ عَنْ أَنَسٍ, سَمِعُوهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا, لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مجاهد بن موسى) الْخُوَارَزْمي الْخُتَّليّ، أبو علي نزيل بغداد [١٠] ٨٥/ ١٠٢.
٢ - (يعقوب بن إبراهيم) الدورقي البغدادي، ثقة حافظ [١٠] ٢١/ ٢٢.
٣ - (هشيم) بن بَشِير الواسطي، ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي [٧] ٨٨/ ١٠٩.
٤ - (يحيى) بن أبي إسحاق الحضرمي مولاهم النحوي البصري، صدوق ربما أخطأ [٥] ١/ ١٤٣٨.
٥ - (عبد العزيز بن صهيب) البناني البصري، ثقة [٤] ١٨/ ١٩.
٦ - (حميد الطويل) ابن أبي حميد، أبو عبيدة البصري، ثقة يدلس [٥] ٨٧/ ١٠٨.
٧ - (أنس) بن مالك الصحابي الشهير ﵁ ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٤٠) من رباعيات
стр. 12658
الكتاب، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، وأنه مسلسل بالبصريين غير شيخيه وهشيمًا كما سبق آنفًا، وأن فيه أنسًا ﵁ من المكثرين السبعة روى (٢٢٨٦) حديثًا، وأنه آخر من مات من الصحابة ﵃ بالبصرة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن هشيم بن بشير (أَنْبَأنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) البنانيّ (وَحُمَيْدٌ الطَّوِيلُ) (وَيَحْيَى ابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، كلُّهُمْ عَنْ أَنَسٍ) ابن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنهم (سَمِعُوهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: لَبَّيْكَ) سيأتي بيان اشتقاق التلبية، ومعناها في الباب - ٥٤/ ٢٧٤٧ - إن شاء اللَّه تعالى (عُمْرَة وَحَجًّا) منصوبان بفعل محذوف، تقديره: أريد عمرة وحجا، أو نويت عمرة وجحا. قاله أبو البقاء العكبريّ في "إعراب الحديث" (١) (لَبِّيْكَ عُمْرَة وَحَجَّا) كرره للتأكيد. وهذا من أصرح ما روي في كون النبيّ ﷺ قارنًا، وهو موضع استدلال المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- على الترجمة، ودلالته عليها واضحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٩/ ٢٧٢٩ و ٢٧٣٠ و ٢٧٣١ وفي "الكبرى" ٤٩/ ٣٧٠٩ و ٣٧١٠ و ٣٧١١. وأخرجه (خ) في "الحج" ١٥٥١ و ١٥٥٨ و ١٧١٥ وفي "المغازي" ٤٣٥٤ (م) في "الحج" ١٢٣٢ و ١٢٥١ (د) في "المناسك" ١٧٩٥ و ١٧٩٦ (ت) في "الحج" ٨٢١ (ق) في "المناسك" ٢٩٦٨ و ٢٩٦٩ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٥١٢٥ و ١٣٣٩٥ (الدارمي) في "المناسك" ١٩٢٤. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٣٠ - (أَخْبَرَنَا هَنِّادُ بْنُ السِّرِيِّ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يُلَبِّي بِهمَا).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أبو الأحوص": هو سلاّم بن سُليم الحنفيّ الكوفيّ الثقة الثبت. و"أبو إسحاق": هو عمرو بن عبد اللَّه السبيعيّ الكوفيّ المشهور. و"أبو أسماء" الصيقل -بالصاد المهملة- ويقال: السيقل -بالسين المهملة- مجهول [٥].
стр. 12659
روى عن أنس حديث الباب فقط. وعنه أبو إسحاق السبيعيّ. قال ابن أبي حاتم، عن أبي زرعة: لا أعرف اسمه. وذكره ابن حبّان في "الثقات". تفرّد به المصنّف بحديث الباب فقط.
والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الحديث الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٣١ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ, قَالَ: أَنْبَأَنَا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ, قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يُحَدِّثُ, قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ , يُلَبِّي بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ جَمِيعًا, فَحَدَّثْتُ بِذَلِكَ ابْنَ عُمَرَ, فَقَالَ: لَبَّى بِالْحَجِّ وَحْدَهُ, فَلَقِيتُ أَنَسًا, فَحَدَّثْتُهُ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ, فَقَالَ أَنَسٌ: مَا تَعُدُّونَا إِلاَّ صِبْيَانًا, سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا مَعًا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدموا قبل حديث إلا "بكر بن عبد اللَّه المزنيّ" أبا عبد اللَّه البصريّ الثقة الثبت الجليل [٣] ٨٧/ ١٠٧.
وقوله: "ما تعدّونا إلا صبيانا" أي كأنكم ما تأخذون بقولنا؛ لعدّكم إيانا صبيانًا حينئذ. قال النوويّ: يحتجّ به من يقول بالقران، وقد قدّمنا أن الصحيح المختار في حجة النبيّ ﷺ أنه كان في أول إحرامه مفردًا، ثم أدخل العمرة على الحجّ، فصار قارنًا، وجمعنا بين الأحاديث أحسن جمع، فحديث ابن عمر هنا محمول على أول إحرامه ﷺ ، وحديث أنس محمول على أواخره، وأثنائه، وكأنه لم يسمعه أوّلاً, ولا بدّ من هذا التأويل، أو نحوه؛ لتكون رواية أنس موافقة لرواية الأكثرين، كما سبق. واللَّه أعلم انتهى كلام النوويّ (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "من يقول بالقران". هو الصحيح، وممن احتجّ به في مشروعيّة القرآن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، حيث أورده في "باب القران" محتجًّا به عليه.
وقد قدّمنا أن الأرجح كون القران أفضل لمن ساق الهدي؛ اتَّباعًا لرسول اللَّه ﷺ ، والتمتّع أفضل لمن لم يسق الهدي؛ عملاً بأمره ﷺ .
والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق تمام البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 12660
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
٥٠ - (التَّمَتُعُ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "التمتّع": مصدر تمتّع، قال القاري: التمتّع في اللغة بمعنى التلذّذ، والانتفاع بالشيء، قال: وإنما سمّي متمتّعًا لانتفاعه بالتقرّب إلى اللَّه تعالى بالعبادتين، أو لتمتّعه بمحظورات الإحرام بعد التحلّل من العمرة، أو لانتفاعه بسقوط العودة إلى الميقات، ولا يبعُدُ أن يقال: لتمتعه بالحياة حتى أدرك إحرام الحجّ انتهى.
وقال الفيّوميّ: وتمتّعت به: انتفعت، ومنه تمتِّع بالعمرة إلى الحجّ: إذا أحرم بالعمرة في أشهر الحجّ، وبعد تمامها يُحرم بالحجّ، فإنه بالفراغ من أعمالها يَحلُ له ما كان حرُم عليه، فمن ثمّ يسمّى متمتعًا انتهى.
والتمتّع شرعًا: أن يهلّ بعمرة مفردة من الميقات في أشهر الحجّ، فإذا فرغ منها أحرم بالحجّ من عامه. قال الحافظ: أما التمتّع، فالمعروف أنه الاعتمار في أشهر الحجّ، ثمّ التحلّل من تلك العمرة، والإهلالُ بالحجّ في تلك السنة، ويُطلق التمتّع في عرف السلف على القران أيضًا. قال ابن عبد البرّ: لا خلاف بين العلماء أن التمتّع المراد بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦] أنه الاعتمار في أشهر الحجّ قبل الحجّ. قال: ومن التمتّع أيضًا القران؛ لأنه تمتّع بسقوط سفر للنسك الآخر من بلده، ومن التمتّع أيضًا فسخ الحجّ إلى العمرة انتهى.
وقال ابن قُدامة في "المغني": قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من أهلّ بعمرة في أشهر الحجّ من أهل الآفاق من الميقات، وقدم مكة، ففرغ منها، وأقام بها، وحجّ من عامه أنه متمتّع. وقال أيضًا: لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في أن من اعتمر في غير أشهر الحجّ عمرة، وحلّ منها قبل أشهر الحجّ أنه لا يكون متمتّعًا، إلا قولين شاذّين: أحدهما عن طاوس أنه قال: إذا اعتمرت في غير أشهر الحجّ، ثم أقمت حتى الحجّ، فأنت متمتّع.
والثاني: عن الحسن أنه قال: من اعتمر بعد النحر فهي متمع. قال ابن المنذر: لا نعلم أحدًا قال بواحد من هذين القولين انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٧٣٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْمُخَرِّمِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ
стр. 12661
الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ عُقَيْلٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄, قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ, بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ, وَأَهْدَى, وَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ, وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ, ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ, وَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ, فَكَانَ مِنَ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى, فَسَاقَ الْهَدْيَ, وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ, فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ, قَالَ لِلنَّاسِ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى, فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ, حَتَّى يَقْضِىَ حَجَّهُ, وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْدَى, فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ, وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ, وَلْيُقَصِّرْ, وَلْيَحْلِلْ, ثُمَّ لْيُهِلَّ بِالْحَجِّ, ثُمَّ لْيُهْدِ, وَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا, فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ, وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ». فَطَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ, وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ أَوَّلَ شَيْءٍ, ثُمَّ خَبَّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنَ السَّبْعِ, وَمَشَى أَرْبَعَةَ أَطْوَافٍ, ثُمَّ رَكَعَ حِينَ قَضَى طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ, فَصَلَّى عِنْدَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ, ثُمَّ سَلَّمَ, فَانْصَرَفَ فَأَتَى الصَّفَا, فَطَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ, ثُمَّ لَمْ يَحِلَّ, مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ, حَتَّى قَضَى حَجَّهُ, وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ, وَأَفَاضَ, فَطَافَ بِالْبَيْتِ, ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ, وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ أَهْدَى, وَسَاقَ الْهَدْيَ مِنَ النَّاسِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محمد بن عبد اللَّه بن المبارك) أبو جعفر البغداديّ الحافظ الثقة [١١] ٤٣/ ٥٠.
[تنبيه]، قوله: "المخرميّ" بضم الميم، وفتح المعجمة، وكسر الراء المشدّدة- نسبة إلى مُخرّم كمحدِّثِ: محلّة ببغداد. واللَّه تعالى أعلم.
٢ - (حُجين بن المثنّى) أبو عُمير اليماميّ، سكن بغداد، وولي قضاء خراسان، ثقة [٩] ١٨٠/ ١١٥٠.
٣ - (الليث) بن سعد، أبو الحارث الفهمي المصري الإمام الحجة الثبت [٧] ٣١/ ٣٥.
٤ - (عُقَيل) بن خالد الأيلي أبو خالد الأموي مولاهم، ثقة ثبت [٦] ١٢٥/ ١٨٧.
٥ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري الإمام الحجة المشهور [٤] ١/ ١.
٦ - (سالم بن عبد اللَّه) بن عمر العدوي المدني الفقيه ثقة ثبت [٣] ٢٣/ ٤٩٠.
٧ - (عبد اللَّه بن عمر) بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، ورواية الابن عن أبيه، وفيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - أحد العبادلة الأربعة، واحد المكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) من الأحاديث. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 12662
شرح الحديث
(عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄، قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) قال القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى-: قوله: "تمتّع" هو محمول على التمتّع اللغويّ، وهو القران، ومعناه أنه ﷺ أحرم أوّلاً بالحجّ مفردًا، ثم أحرم بالعمرة، فصار قارنًا في آخر أمره، والقارن هو متمتّع من حيث اللغة، ومن حيث المعنى؛ لأنه ترفّهَ باتحاد الميقات، والإحرام، والفعل. ويتعيّن هذا التأويل هنا؛ لما قدمناه في الأبواب السابقة من الجمع بين الأحاديث في ذلك، وممن روى إفراد النبيّ ﷺ ابن عمر الراوي هنا، وقد ذكره مسلم بعد هذا انتهى (١).
وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذا الذي رُوي هنا عن ابن عمر من أنه ﷺ تمتّع مخالف لما جاء عنه في الرواية الأخرى من أنه أفرد بالحجّ، واضطراب قوليه يدلّ على أنه لم يكن عنده من تحقيق الأمر ما كان عند من جزم بالأمر، كما فعل أنسٌ على ما تقدّم، حيث قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لبيك بحجة وعمرة".
ثم اعلم أن كلّ الرواة الذين رووا إحرام النبيّ ﷺ ليس منهم من قال: إنه ﷺ حلّ من إحرامه ذلك حتى فرغ من عمل الحجّ، وإن كان قد أطلق عليه لفظ التمتع، بل قد قال ابن عمر في هذا الحديث: إنه ﷺ بدأ بالعمرة، ثم أهلّ بالحجّ، ولم يقل: إنه حلَّ من عمرته، بل قال في آخر الحديث بعد أن فرغ من طواف القدوم، أنه ﷺ لم يَحلُل من شيء حَرُمَ عليه حتى قضى حجّه. وهذا نصّ في أنه لم يكن متمتّعًا، فتعيّن تأويل قوله: تمتّع رسول اللَّه ﷺ ، فيحتمل أن يكون معناه: قَرَنَ؛ لأن القارن يترفّه بإسقاط أحد العملين، وهذا الذي يدلّ عليه قوله بعد هذا، فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحجّ. ويحتمل أن يكون معناه أنه ﷺ لَمّا أذن في التمتّع أضافه إليه، وفيه بُعدٌ انتهى كلام القرطبيّ (٢).
وقال في "الفتح": قوله: "تمتّع رسول اللَّه ﷺ الخ". قال المهلّب: معناه أمر بذلك؛ لأنه كان ينكر على أنس قوله: إنه قرن، ويقول: بل كان مفردًا. وأما قوله: "وبدأ فأهلّ بالعمرة"، فمعناه أمرهم بالتمتع، وهو أن يُهلّوا بالعمرة أوّلاً، ويقدّموها قبل الحجّ، قال: ولا بدّ من هذا التأويل لدفع التناقض عن ابن عمر.
قال الحافظ: لم يتعيّن هذا التأويل المتعسّف، وقد قال ابن المنيّر في "الحاشية": إنّ حَمْلَ قوله: "تمتع" على معنى أَمَرَ من أبعد التأويلات، والاستشهاد عليه بقوله: "رجم"، وإنما أمر بالرجم من أوهن الاستشهادات؛ لأن الرجم من وظيفة الإمام، والذي يتولاّه إنما يتولاّه نيابة عنه، وأما أعمال الحجّ، من إفراد، وقران، وتمتّع، فإنه
стр. 12663
وظيفة كلّ أحد عن نفسه. ثم أجاز تاويلاً آخر، وهو أن الراوي عَهِد أنّ الناس لا يفعلون إلا كفعله، لا سيما مع قوله: "خذوا عني مناسككم"، فلما تحقّق أن الناس تمتّعوا ظنّ أنه ﷺ تمتّع، فأطلق ذلك.
قال الحافظ: ولم يتعين هذا أيضًا، بل يحتمل أن يكون معنى قوله: "تمتع" محمولاً على مدلوله اللغويّ، وهو الانتفاع لاسقاط عمل العمرة، والخروج إلى ميقاتها، وغيرها، بل قال النوويّ: إن هذا هو المتعيّن. قال: وقوله: "بالعمرة إلى الحجّ"، أي بإدخال العمرة على الحجّ، وقد قدّمنا في "باب التمتّع والقران" تقرير هذا التأويل.
وإنما المشكل هنا قوله: "بدأ، فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحجّ"؛ لأن الجمع بين الأحاديث الكثيرة في هذا الباب استقرّ كما تقدّم على أنه بدأ أوّلاً بالحجّ، ثم أدخل عليه العمرة، وهذا بالعكس.
وأجيب عنه بأن المراد به صورة الإهلال، أي لما أدخل العمرة على الحجّ لبّى بهما، فقال: "لبيك بعمرة، وحجة معًا".
وهذا مطابق لحديث أنس ﵁ المتقدّم، لكن قد أنكر ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ذلك على أنس، فيحتمل أن يُحمل إنكار ابن عمر عليه كونه أطلق أنه ﷺ جمع بينهما، أي في ابتداء الأمر. وُيعيّن هذا التأويل قوله في نفس الحديث: "وتمتّع الناس الخ"، فإن الذين تمتّعوا إنما بدؤوا بالحجّ، لكن فسخوا حجهم إلى العمرة حتى حلّوا بعد ذلك بمكة، ثم حجّوا من عامهم انتهى كلام الحافظ (١).
وقال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: اعلم: أن التمتّع عند الصحابة كان شاملاً للقران أيضًا، وإطلاقه على ما يقابل القرآان اصطلاح حادث، وقد جاء أن النبيّ ﷺ كان قارنًا، فالوجه أن يراد بالتمتع ههنا في شأنه ﷺ القران؛ توفيقًا بين الأحاديث. والمعنى انتفع بالعمرة إلى أن حجّ، مع الجمع بينهما في الإحرام. ومعنى قوله: "بدأ بالعمرة" أنه قدّم العمرة ذكراً في التلبية، فقال: "لبيك عمرةً وحجًّا" انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- تحقيق نفيس جدًّا، وهو خلاصة ما تقدّم في كلام العلماء الذين ذكرنا قولهم آنفًا. واللَّه تعالى أعلم.
(فِي حَجَّةِ الْوَدَاع، بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجَّ) أي بإدخال العمرة على الحجّ، حيث بدأ بالحجّ، ثم أدخل عليه العمرَة، فصار قارنًا، فـ"إلى" بمعنى "على" (وَأَهْدَى، وَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ) من عطف المبين على المبيّن (بِذِي الْحُلَيْفَةِ) هكذا نسخ "المجتبى" "بذي الحليفة" بالباء، ولفظ "الكبرى": "من ذي الحليفة"، وهو الذي في "الصحيحين"، وهو واضح، ولما في "المجتبى" أيضًا وجه صحيح، وهو أن الباء فيه بمعنى "من"، كما قول الشاعر:
стр. 12664
شَرِبْنَ بِمَاءِ الْبَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ … مَتَى لُجَجٍ (١) خُضْرٍ لَهُنّ نَئِيجُ
وفيه الندب إلى سوق الهدي من المواقيت، ومن الأماكن البعيدة. قال الحافظ: وهي من السنن التي أغفلها كثير من الناس انتهى.
(وَبَدَأ) بالهمزة، وفي بعض النسخ: "وبدا" بالألف، وهو مخفّف "ابدأ" (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَهَلّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بالْحَجِّ) قد تقدّم قريبًا أن معناه أنه ﷺ في أثناء تلبيته بدأ بالعمرة، ثم أتبعها الحجّ، فقَال: "لبيك عمرة، وحجا"، لا أنه أول ما أحرم أحرم بالعمرة، ثم أدخل عليها الحجّ، فإن هذا خلاف الأحاديث الصحيحة الكثيرة، كما تقدّم، فيتعيّن تأويله هكذا.
قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: هو محمول على التلبية في أثناء الإحرام، وليس المراد أنه أحرم في أول أمره بعمرة، ثم أحرم بحجّ؛ لأنه يفضي إلى مخالفة الأحاديث السابقة، وقد سبق بيان الجمع بين الروايات، فوجب تأويل هذا على موافقتها، ويؤيّد هذا التأويل قوله: "تمتع الناس مع رسول اللَّه ﷺ بالعمرة إلى الحجّ، ومعلوم أن كثيرًا منهم، أو أكثرهم أحرموا بالحجّ أوّلاً مفردًا، وإنما فسخوه إلى العمرة آخرًا، فصاروا متمتعين، فقوله: "وتمتع الناس" يعني في آخر الأمر. انتهى كلام النوويّ (٢).
(وَتَمَتَعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، بِالعُمرَةِ إِلَى الْحَجِّ) معنى تمتّع الناس كما سبق قريبًا أنهم بدءوا بالحجّ، ثم فسخوه بعمل العمرة، فتحلّلوا (فَكَانَ مِنَ النّّاس مَنْ أَهْدَى) أي قدّم الهدي (فَسَاق الْهَدْيَ) من عطف التفسير على المفسّر (وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ) أي قارب دخول مكة؛ لأنه قد جاء أنه قال لهم ذلك بسرف (قَال لِلنَّاسِ: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى) أي سواء كان قارنا، أو معتمرًا، وبهذا أخذ الحنفيّة، والحنبلية، فإن عندهم أن من اعتمر، وأهدى لا يتحلل حتى ينحر هديه يوم النحر، وهو المذهب الصحيح المختار؛ لظواهر الأحاديث.
قال في "الفتح": واستدلّ به على أن من اعتمر، فساق هديًا، لا يتحلّل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر، وقد تقدّم حديث حفصة، نحوه، ويأتي حديث عائشة من طريق عُقيل، عن الزهريّ، عن عروة، عنها بلفظ: "من أحرم بعمرة، فأهدى، فلا يحلّ حتى ينحر".
وتأول ذلك المالكيّة، والشافعيّة على أن معناه: ومن أحرم بعمرة، وأهدى، فليُهلّ بالحجّ، ولا يحلّ حتى ينحر هديه. ولا يخفى ما فيه، فإنه خلاف ظاهر الأحاديث المذكورة. انتهى (٣).
(فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ) تقدّم ضبطه بضم أوله، من الإحلال، وفتحه، من الحِلِّ (مِن شَيْءٍ
стр. 12665
حَرُمَ مِنْهُ) أي منع منه لأجل الإحرام (حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ) أي حتى ينتهي من عمل الحجّ بذبح الهدي يوم النحر
(وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْدَى، فَلْيَطُفْ بالْبَيْتِ) للعمرة (وَبالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) أي وليطف بالصفا والمروة، أي لِيَسْعَ بينهما (وَلْيُقَصَّر) شعر رأسه. قال النوويّ: معناه أنه يفعل الطواف، والسعي، والتقصير، ويصير حلالاً. وهذا دليل على أن الحلق، أو التقصير نسك من مناسك الحجّ، وهذا هو الصحيح في مذهب الشافعيّ، وجماهير العلماء. وقيل: استباحة محظور، وليس بنسك. وهذا ضعيف انتهى.
(وَلْيَحْلِلْ) أمر بمعنى الخبر، أي يصير بالتقصير حلالاً من العمرة، فله فعل ما كان محظورًا عليه في الإحرام، من الطيب، واللباس، وإتيان الحلائل، والصيد، وغير ذلك.
وإنما أمر النبيّ ﷺ بالتقصير دون الحلق، مع أنه أفضل؛ ليبقى للمتمتع شعر يحلقه في الحجّ، فإن الحلق في تحلل الحجّ أفضل منه في تحلّل العمرة. وقيل: إن قوله: "وليحلل" أمر باق على حاله، وهو أمر إباحة.
(ثُمَّ لِيُهِلَّ بالْحَجِّ) أي يحرم بالحجّ في وقت الخروج إلى عرفات، لا أنه يُهلّ به عقب تحللِّه من العمَرة، ولهذا قال: "ثم ليُهلّ"، فأتى بـ "ثمّ" التي هي للتراخي والمهلة. قاله النوويّ (ثُمَّ لِيُهْدِ) وفي نسخة: "ولْيُهْد".
وهذا معنى قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي﴾ الآية [البقرة: ١٩٦]. قال القرطبيّ: ذهب جماعة من السلف إلى أنه شاة، وهو قول مالك. وقال جماعة أخرى: هو بقرة دون بقرة، ووبَدَنَةٌ دُونَ بَدَنَةٍ. وقيل: المراد بدنة، أو بقرة، أو شاة، أو شرك في دم انتهى (١).
وقال النوويّ: المراد به هدي التمتع، فهو واجب بشروط، اتفق أصحابنا على أربعة منها، واختلفوا في ثلاثة، أحد الأربعة: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحجّ. الثاني: أن يحجّ من عامه. الثالث: أن يكون أفقيًا، لا من حاضري المسجد، وحاضروه أهل الحرم، ومن كان منه على مسافة، لا تقصر فيها الصلاة. الرابع: أن لا يعود إلى الميقات لإحرام الحجّ.
وأما الثلاثة، فأحدها: نيّة التمتع. والثاني: كون الحجّ والعمرة في سنة في شهر واحد. والأصحّ أن هذه الثلاثة (٢)، لا تشترط. واللَّه أعلم. انتهى (٣).
стр. 12666
(وَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا) المراد لم يجده هناك، إما لعدم الهدي، وإما لعدم ثمنه، وإما لكونه يباع بأكثر من ثمن المثل، وإما لكونه موجودًا، لكنه لا يبيعه صاحبه، ففي كلّ هذه الصور يكون عادمًا للهدي، فينتقل إلى الصوم، سواء كان واجدًا لثمنه في بلده، أم لا.
(فَلْيَصُمْ ثَلَاَثةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ) أي بعد إحرامه بالحجّ. قال النوويّ: هذا هو الأفضل، فإن صامها قبل الإهلال بالحجّ أجزأه على الصحيح. وأما قبل التحلّل من العمرة فلا، على الصحيح. قاله مالك، وجوّزه الثوريّ، وأصحاب الرأي، وعلى الأول، فمن استحبّ صيام عرفة بعرفة قال: يُحرم يوم السابع ليصوم السابع، والثامن، والتاسع، وإلا فيُحرم وم السادس؛ ليفطر بعرفة، فإن فاته الصوم قضاه. وقيل: يسقط، ويستقرّ الهدي في ذمته، وهو قول الحنفية. وفي صوم أيام التشريق لهذا قولان للشافعية، أظهرهما لا يجوز. قال النوويّ: وأصحهما من حيث الدليل الجواز انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول بالجواز هو الحقّ؛ لما أخرجه البخاريّ من حديث عائشة، وابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهم -، قالا: "لم يُرخّص في أيام التشريق أن يُصمن إلا لمن لم يجد الهدي".
وأخرج عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - أيضًا، قال: "الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحجّ إلى يوم عرفة، فإن لم يجد هديًا, ولم يصم صام أيام منّى". وعن عائشة مثله. والراجح أن مثل هذا له حكم الرفع، كما هو مقرّر في محله. واللَّه تعالى أعلم.
وقال القرطبّي -رحمه اللَّه تعالى-: قوله: "فليصم ثلاثة أيام في الحجّ". ذهب مالك، والشافعيّ إلى أن ذلك لا يكون إلا بعد الإحرام بالحجّ، وهو مقتضى الآية والحديث.
وقال أبو حنيفة، والثوريّ: يصحّ صوم الثلاثة الأيام بعد الإحرام بالعمرة، وقبل الإحرام بالحجّ، ولا يصومها بعد أيام الحجّ، وهو مخالف لنصّ الكتاب والسنّة. والاختيار عندنا تقديم صومها في أول أيام الإحرام، وآخر وقتها آخر أيام التشريق عندنا، وعند الشافعيّ، فمن فاته صومها في هذه الأيام صامها عندنا بعدُ. وقال أبو حنيفة: آخر وقتها يوم عرفة، فمن لم يصمها إلى يوم عرفة، فلا صيام عليه، ووجب عليه الهدي، وقال مثله الثوريّ، إذا ترك صيامها أيام الحجّ، وللشافعيّ قولٌ كقول أبي حنيفة انتهى كلام القرطبيّ (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه مالك، والشافعيّ -رحمهما اللَّه تعالى-
стр. 12667
أرجح عندي لموافقته لظاهر النصّ الصريح. واللَّه تعالى أعلم.
(وَسَبْعَةَ إِذا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ) هذا موافق لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦].
قال النوويّ: وفي المراد بالرجوع خلاف، والصحيح في مذهب الشافعيّ أنه إذا رجع إلى أهله، وهذا هو الصواب؛ لهذا الحديث الصحيح الصريح. والثاني: إذا فرغ من الحجّ، ورجع إلى مكة من مني، وهذان القولان للشافعيّ، ومالك، وبالثاني قال أبو حنيفه.
قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: "إذا رجع إلى أهله" تفسير لقوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾، وفيه أنه ليس المراد إذا فرغتم من النسك، كما قاله علماؤنا, ولا يخفى أن هذا مرفوع، لا من قول ابن عمر انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا إنصاف من السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-، حيث ترك ما عليه أهل مذهبه، لمخالفته النصّ الصريح، وجزاه اللَّه تعالى عن السنة خيرًا، وياليت كلّ أهل مذهب كانوا مثله، فإن السنة هي القاضية على كلّ رأي، ومذهب، وليس لأحد من الناس أن يحكم عليها بما يراه هو، ولا غيره من ذوي الرأي، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾، وقال: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، جعلنا اللَّه تعالى ممن ينصر السنة، ويذبّ عنها، بمنه وكرمه، إنه أرحم الراحمين، وأكرم المسؤولين.
قال النوويّ: ولو لم يصم الثلاثة، ولا السبعة حتى عاد إلى وطنه لزمه صوم عشرة أيام، وفي اشتراط التفريق بين الثلاثة والسبعة، إذا أراد صومها خلاف، قيل: لا يجب، والصحيح أنه يجب التفريق الواقع في الأدا، وهو بأربعة أيام، ومسافة الطريق بين مكة ووطنه. واللَّه أعلم. انتهى (١).
(فَطَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) طواف القدوم (حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ، وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ) أي ركن الحجر الأسود (أَوَّلَ شَيْءٍ) منصوب على الظرفية، متعلّق بما قبله، أي في ابتداء طوافه (ثُمَّ خَبَّ) أي أسرع، يقال: خبّ في الأمر خَبَبًا، من باب طلب: أسرع الأخذ فيه، ومنه الخببُ لضرب من الْعَدْو، وهو خطوٌ فسيح، دون العَنَق (٢). قاله الفيّومي (ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ) أي ثلاثة أشواط (مِنَ السَّبْعِ، وَمَشَى) على هينته بسكينة ووقار (أَرْبَعَةَ أَطْوَافٍ، ثُمَّ رَكَعَ حِينَ قَضَى طَوَافَهُ بِالبَيْتِ) أي فرغ منه (فَصَلَّى عِنْدَ الْمَقَامِ) أي مقام إبراهيم ﵇، وهو حجر كان يقوم عليه إبراهيم ﵇ وقت بناء الكعبة، ففي حديث ابن
стр. 12668
عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - في قصّة إبراهيم وإسماعيل - عليهما الصلاة والسلام -: "قال: -يعني إبراهيم- يا إسماعيل، إن اللَّه أمرني أن أبني ههنا بيتًا، وأشار إلى أَكَمَة مرتفعة على ما حولها، فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر، فوضعه له، فقام عليه، وهو يبني … " الحديث. أخرجه البخاريّ (١).
(رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ) وهما واجبتان عند الحنفية، وهو قول لمالك والشافعيّ؛ للأمر بهما في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ الآية [البقرة: ١٢٥]، ولمواظبته ﷺ عليهما. وقال أحمد: صلاة الطواف سنة، وهو الأصحّ عند الشافعيّة، حملوا الأمر في الآية على الاستحباب.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول بالاستحباب هو المختار؛ لحديث: "خمس صلوات كتبهنّ اللَّه على عباده. . ."الحديث.
ويستحبّ أن يقرأ في الركعة الأولى ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثانية ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؛ لما في "صحيح مسلم" من حديث جابر الطويل: "ثم نفذ إلى مقام إبراهيم ﵇، فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ الآية [البقرة: ١٢٥]، فجعل المقام بينه وبين البيت، فكان أبي (٢) يقول: ولا أعلمه ذكره إلا عن النبيّ ﷺ : كان يقرأ في الركعتين ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾. وسيأتي للمصنّف -١٦٤/ ٢٩٦٣ - بسند صحيح، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما -: أن رسول اللَّه ﷺ لما انتهى إلى مقام إبراهيم، قرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، فصلى ركعتين، فقرأ فاتحة الكتاب، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ثم عاد إلى الركن، فاستلمه، ثم خرج إلى الصفا".
(فَانْصَرَفَ فَأتى الصَّفَا) ظاهره أنه ﷺ توجّه إلى الصفا عقب ركعتي الطواف قبل أن يسلتم الحجر، وأنه لم يستلمه حال الطواف، لكن ثبت في حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - الطويل عند مسلم في صفة حجة النبيّ ﷺ : "ثم رجع إلى البيت، فاستلم الركن، ثم خرج من الباب إلى الصفا"، وسيأتي للمصنّف -١٥٦/ ٢٩٤٧ - في حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -: "أن النبيّ ﷺ كان يستلم الركن اليماني، والحجر في كلّ طواف". ولأبي داوداد: "كان رسول اللَّه ﷺ لا يدع أن يستلم الركن اليماني، والحجر الأسود في كلّ طوفة" (فَطَافَ) أي سعى (بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) أي بينهما (سَبْعَةَ
стр. 12669
أَطْوَافٍ) أي سبعة أشواط، رمل فيها بين الميلين الأخضرين (ثُمَّ لَمْ يَحِلَّ، مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ) أي بقي على إحرامه لم يحلّ له شيء من محظورات الإحرام (حَتَّى قَضَى حَجَّهُ) أي أدّى أكثر أعمال حجه من الوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، ورمي جمرة العقبة يوم النحر، وحلقه رأسه (وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَأَفَاضَ) أي دفع، قال الفيّوميّ: أفاض الناس من عرفات: دفعوا منها، وكلّ دفعة إفاضة، وأفاضوا من مني إلى مكة يوم النحر: رجعوا إليها، ومنه طواف الإفاضة، أي طواف الرجوع من مني إلى مكة انتهى.
(فَطَافَ بِالْبَيْتِ) طواف الإضافة (ثُمّ حَلَّ مِنْ كُلَّ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ) أي مُنع منه، ومنه إتيان الحلائل (وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ أَهْدَى) "مَنْ" اسم موصول في محلّ رفع فاعل "فَعَلَ" مؤخّر، و"مثلَ" مفعول مقدّم، أي فعل الذين ساقوا الهدي من الصحابة ﵃ مثل فعله ﷺ (وَسَاقَ الْهَدْيَ) عطف تفسير لـ"أهدى" (مِنَ النَّاسِ) بيان لمن أهدى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد اللَّه بن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٠/ ٢٧٣٢ و ١٠٣/ ٢٨٦٢ و ١٤٢/ ٢٩٣٠ و ١٥٠/ ٢٩٤٠ و١٥١/ ٢٩٤١ و ١٥٢/ ٢٩٤٢ و ١٥٣/ ٢٩٤٣ و١٥٥/ ٢٩٤٦ و ٢٩٤٧/ ١٥٦ و ٢٩٤٨ و ١٥٧/ ٢٩٤٩ و ١٥٨/ ٢٩٥٠ و ٢٩٥١ و ٢٩٥٢ و ٢٩٥٣ و ١٦٢/ ٢٩٦٠ و ١٦٧/ ٢٩٦٦ و ١٧٤/ ٢٩٧٦ -
وفي "الكبرى" ٥٠/ ٣٧١٢ و ١٠٣/ ٣٨٤٥ و ١٤١/ ٣٩١٧ و ١٥٠/ ٣٩٣٠ و ١٥١/ ٣٩٣١ و ٣٩٣٢ و ٣٩٣٣١٥٣/ ٣٩٣٥ و ١٥٥/ ٣٩٣٨ و ٣٩٣٩.
وأخرجه (خ) في "الوضوء" ١٦٦ و"الصلاة" ٣٩٦ و ٤٩٢ و"الحج" ١٥٤١ و ١٥٧٣ و ١٥٧٤ و ١٦٠٣ و ١٦٠٤١٦١٦ و ١٦١٧ و ١٦٢٤ و ١٦٢٧ و ١٧٤٤ و ١٦٤٦ و ١٦٤٧ و ١٦٩٢ و ١٧٩٤ (م) في "الحج" ١١٨٦ و ١١٨٧ و ١٢٢٧ و ١٢٣٤ و ١٢٥٩ و ١٢٦١ و ١٢٦٨ و ١٢٥٧ و (د) في "المناسك" ١٧٧١ و ١٧٧٢ و ١٨٠٥ و ١٨٦٥ و ١٨٩١ و ١٩٠٤ و "اللباس" ٤٠٦٤١ و"الترجّل" ٤٢١٠ و (ت) في "الحجّ" ٨١٨ و ٨٢٤ و ٨٦١ (ق) في "المناسك" ٢٩١٦ و ٢٩٤٦ و ٢٩٥٠ و ٢٩٥٩ و ٢٩٧٤ و ٢٩٨٨ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٤٤٤٨ و ٤٥٧١ و ٤٦٥٤ و ٤٦١٤ و ٤٩٠٧ و ٤٨٢٩ و ٤٨٧٢ و ٤٩٦٣ و ٥١٧٩ و ٥٢١٦ و ٥٣٧٨ و ٥٤٢١ و ٥٧٠٣ و ٥٧٢٦ و ٥٨٦٠ و ٥٩٠٧ و ٦٠١١ و ٦٢٠٢
стр. 12670
و ٦٣٩٧ و ٥٧٢٦ و٥٨٦٠ و ٥٩٠٧ و ٦٠١١ و ٦٢٠٢ و ٦٣٩٧ و ٦٤٢٧ (الموطأ) في "الحجّ" ٧١٤ و ٧٤٠ و ٧٤٢ و ٨١٧ و ٩٢٣ و (الدارمي) في "المناسك" ١٨٣٨ و ١٨٤١ و ١٨٤٢ و ١٩٢٧ و ١٩٣١. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو مشروعية التمتع، وقد تقدّم أن التمتع يطلق على القران، وحديث الباب يكون دليلاً على التمتعين، فبالنسبة للنبيّ ﷺ ، والصحابة الذين ساقوا الهدي معه فهو قران، وبالنسبة للذين لم يسوقوا الهدي، فتمتّعٌ بالمعنى المعروف عند الفقهاء. (ومنها): مشروعية سوق الهدي من الميقات لمن تيسّر له. (ومنها): أن من تمتع، ولم يسق الهدي، تحلّل بعد الطواف والسعي. (ومنها): أن قوله: "وليقصّر" يدلّ على أن التقصير، أو الحلق نسك من مناسك الحجّ، وبه قال الجمهور، وقيل: إنه يستباح به المحظور، وليس بنسك، وهو ضعيف. (ومنها): استحباب طواف القدوم، واستحباب الرمل في الأشواط الثلاثة منه، والمشي على الهِينة في البواقي. (ومنها): استحباب استلام الحجر الأسود في أول طوافه، وكذا كلما مرّ عليه. (ومنها): استحباب صلاة ركعتي الطواف، عند مقام إبراهيم ﵇. (ومنها): مشروعية السعي بين الصفا والمروة. (ومنها): مشروعية طواف الإفاضة يوم النحر، وأنه يحل به للمحرم كلّ شيء حرم عليه، من محظورات الإحرام، مطلقًا. (ومنها): وجوب الهدي لمن تمتع، فإن لم يجد صام ثلاثة أيام في الحجّ، وسبعة إذا رجع إلى أهله. (ومنها): أن قوله: "ثم لم يحلّ من شيء حرُم منه حتى قضى حجه" يردّ قول من قال: إنه ﷺ كان متمتّعًا بالمعنى المصطلح عليه عند الفقهاء، وهو الإحرام بالعمرة في أشهر الحجّ، والإحلال منها، وإردافها بأعمال الحجّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٣٣ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَرْمَلَةَ, قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ, يَقُولُ: حَجَّ عَلِيٌّ, وَعُثْمَانُ, فَلَمَّا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ, نَهَى عُثْمَانُ عَنِ التَّمَتُّعِ, فَقَالَ عَلِيٌّ: إِذَا رَأَيْتُمُوهُ قَدِ ارْتَحَلَ, فَارْتَحِلُوا, فَلَبَّى عَلِيٌّ, وَأَصْحَابُهُ بِالْعُمْرَةِ, فَلَمْ يَنْهَهُمْ عُثْمَانُ, فَقَالَ عَلِيٌّ: أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَنْهَى عَنِ التَّمَتُّعِ؟ قَالَ: بَلَى, قَالَ لَهُ عَلِيٌّ: أَلَمْ تَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَمَتَّعَ؟ قَالَ: بَلَى").
قاَل الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"عمرو بن عليّ": هو الفلاّس. و"يحيى بن سعيد": هو القطّان.
و"عبد الرحمن بن حرملة" بن عمرو بن سَنَّةَ -بفتح المهملة، وتثقيل النون-
стр. 12671
الأسلميّ، أبو حرملة المدنيّ، صدوق ربما أخطأ [٦].
قال يحيى بن سعيد: كنت سيء الحفظ، فرخّص لي سعيد في الكتابة. قال يحيى بن سعيد: محمد بن عمرو أحبّ إليّ من ابن حرملة، وكان ابن حرملة يُلقّن. وقال ابن خلاّد الباهليّ: سألت القطّان عنه، فضعّفه، ولم يدفعه. وقال إسحاق، عن ابن معين: صالح. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، ولا يُحتجّ به. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: يُخطىء. وقال ابن سعد: توفي سنة (١٤٥)، قال محمد بن عمر: وكان ثقة كثير الحديث. وقال الساجيّ: صدوق يهم في الحديث. وقال ابن عديّ: لم أر في حديثه حديثًا منكرًا. ونقل ابن خلفون عن ابن نمير أنه وثّقه. وقال الطحاويّ: لا يُعرف له سماع من أبي عليّ الهمدانيّ. روى له الجماعة سوى البخاريّ. روى له مسلم حديثًا واحدًا متابعة في القنوت. وروى له المصنّف حديث الباب فقط.
وقوله: "فلما كلنا ببعض الطريق الخ". وفي "صحيح البخاري"، من طريق عمرو بن مرّة، عن سعيد ابن المسيّب، أن اختلافهما كان بعُسْفان.
قال الفيّوميّ: عُسْفَان: موضع بين مكة والمدينة، ويُذكّر، ويؤنّث، وُيسمّى في زماننا مَدْرَج عثمان، وبينه وبين مكة نحو ثلاث مراحل، ونونه زائدة انتهى.
وقوله: "إذا رأيتموه قد ارتحل فارتحلوا" أي ارتحلوا معه، ملتين بالعمرة؛ ليعلم أنكم قدّمتم السنة على قوله، وأنه لا طاعة له في مقابلة السنّة. قاله السنديّ.
وقوله: "فلم ينههم عثمان" أي بعد أن سبق بينه وبين عليّ ما سبق، وعَلِم أن عليًّا، وأصحابه ما انتهوا عن ذلك بقوله. وقيل: هذا رجوع من عثمان عن النهي عن المتعة. ولكن يبعده آخر الحديث.
وفيه أن نهي عثمان عن التمتّع ليس نهي تحريم، وإنما هو من باب الأفضلية، إذ لولا ذلك لما سكت عن نهيهم، بل ألزمهم أن يرفضوا تمتّعهم.
وقوله: "ألم أُخبر" بضم الهمزة على بناء الفعل للمفعول، وكان عليًّا أراد أن يعيد معه الكلام ليرجع عن النهي.
والحاصل أن عمر وعثمان - رضي اللَّه تعالى عنهما - كانا يريان أن التمتّع في وقته ﷺ كان بسبب من الأسباب، وتركه أفضل، وعليّ - رضي اللَّه تعالى عنه - كان يرى أنه السنّة، وأنه الأفضل، وهو الصواب. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث متفق عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في ٤٩/ ٢٧٢٢. ودلالته على ما ترجم له، وهو مشروعية التمتّع واضحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 12672
٢٧٣٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, عَنْ مَالِكٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ, أَنَّهُ حَدَّثَهُ, أَنَّهُ سَمِعَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ, وَالضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ, عَامَ حَجَّ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ, وَهُمَا يَذْكُرَانِ التَّمَتُّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ, فَقَالَ: الضَّحَّاكُ: لَا يَصْنَعُ ذَلِكَ, إِلاَّ مَنْ جَهِلَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى,
فَقَالَ سَعْدٌ: بِئْسَمَا قُلْتَ, يَا ابْنَ أَخِي, قَالَ الضَّحَّاكُ: فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ نَهَى عَنْ ذَلِكَ, قَالَ سَعْدٌ: "قَدْ صَنَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَصَنَعْنَاهَا مَعَهُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي أبو رجاء البغلاني، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الحجة الفقيه [٧] ٧/ ٧.
٣ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهريّ المدنيّ الإمام الحجة الثبت [٤] ١/ ١.
٤ - (محمد بن عبد اللَّه بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب) الهاشميّ النوفليّ المدنيّ، مقبول [٣].
روى عن سعد بن أبي وقّاص، وأسامة بن زيد، ومعاوية، والضحّاك بن سفيان، وغيرهم. وعنه عمر بن عبد العزيز، والزهريّ. ذكره ابن حبّان في "الثقات". وجزم ابن عبد البرّ بأن الزهريّ تفرّد بالرواية عنه، قال: ولا يُعرف إلا برواية الزهريّ عنه. روى له الترمذيّ، والمصنّف، وله عندهما هذا الحديث فقط.
٥ - (سعد بن أبي وقّاص) مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب الزهريّ، أبو إسحاق، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأول من رَمَى بسهم في سبيل اللَّه، ومناقبه كثيرة، مات ﵁ بالعقيق سنة (٥٥) على المشهور، تقدّم في ١٠٠/ ٢٠٣٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنّف ﵀، وأن رجاله رجال الصحيح غير محمد بن عبد اللَّه كما مر آنفًا، وانه مسلسل بالمدنيين غير قتيبة فبغلاني، وأن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وأن صحابيه أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأول من رمى بسهم في سبيل اللَّه، وآخر من مات من العشرة ﵃. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) الهاشميّ النوفليّ (أنَّهُ حَدَّثهُ) الضمير، اسم "أنّ" الأول لمحمد بن عبد اللَّه، والضمير المفعول
стр. 12673
لابن شهاب (أَنَّهُ سَمِعَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ) ﵀ (وَالضحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ) بن خالد بن وهب الفهريّ، أبا أنيس الأمير المشهور، "صحابيّ صغير، قُتل - رضي اللَّه تعالى عنه - في وقعة مرج راهط سنة (٦٤) تقدّمت ترجمته في ١٠٠/ ٢٠٣٢ (عَامَ حَجَّ مُعَاوِيَةُ بنُ أَبِي سُفْيَانَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -. وذكر أبو جعفر الطحاويّ -رحمه اللَّه تعالى- أن أول حجة حجها معاوية بعد أن استُخلف كانت في سنة أربع وأربعين، وآخر حجة حجها سنة سبع وخمسين. قاله في "الفتح" (١) (وَهُمَا) أي سعد، والضحاك (يَذْكُرَانِ التَّمَتُّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجَّ) أي يذكران حكمه، وجملة "وهما يذكران الخ" في محلّ نصب على الحال من فاعل "سمع" (فَقَالَ: الضَّحَّاكُ) بن قيس ﵁ (لَا يَصْنَعُ ذَلِكَ) أي التمتع المذكور (إِلاَّ مَنْ جَهِلَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى) أي حكمه، وشرعه؛ لأن اللَّه تعالى يقول: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، فأمره بالإتمام يقتضي استمرار الإحرام، إلى فراغ الحجّ، ومنع التحلّل، والتمتّعُ فيه تحلّل. ويحتمل أنه قال ذلك اعتمادًا على نهي عمر ﵁، حيث إنه لا ينهى إلا عن غير المشروع، ويؤيد هذ قوله: "فإن عمر قد نهى عن ذلك" (فَقَالَ: سَعْدٌ) بن أبي قّاص ﵁ (بِئْسَمَا قُلْتَ، يَا ابْنَ أَخِي) ناداه به تلطّفًا، وترقّقًا (قَالَ الضَّحَّاكُ) ﵁ ذاكرًا حجته على ما قال (فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (نَهَى عَنْ ذَلِكَ) أي ونهيه لا يكون إلا عن خلاف السنّة، وخلاف حكم الشرع.
قال الباجيّ: إنما نهى عنه لأنه رأى الإفراد أفضل منها, ولم ينه عنه تحريمًا. وقال عياض: إنه نهى عن الفسخ، ولهذا كان يضرب الناس عليها، كما في "مسلم"، بناء على معتقده أن الفسخ خاصّ بتلك السنة. وقال النوويّ: والمختار أن عمر، وعثمان، وغيرهما إنما نهوا عن المتعة المعروفة التي هي الاعتمار في أشهر الحجّ، ثم الحجّ في عامه، وهو على التنزيه للترغيب، ثم انعقد الإجماع على جواز التمتع من غير كراهة، وبقي الخلاف في الأفضل انتهى.
(قَالَ: سَعْدٌ) ﵁ (قَدْ صَنَعَهَا) أي المتعة، فتأنيث الضمير مع أنه يعود إلى "التمتع" بتأويله بالمتعة (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أراد بذلك التمتّع الذي هو القرآن؛ إذ التمتّع يطلق على القران، كما سبق، وقد صحّ أنه ﷺ كان قارنًا، لا متمتعًا (وَصَنَعْنَاهَا مَعَهُ) أي تمتعنا مع رسول اللَّه ﷺ ، والتمتّع الذي كان للصحابة فهو التمتع الحقيقيّ، لمن لم يسق الهدي، وأما من ساق الهدي، فالتمتع في حقّه هو التمتع بمعنى القران، كما سبق. وأراد سعد - رضي اللَّه تعالى عنه - بذلك أن التمتع مما ثبت عن رسول اللَّه ﷺ قولاً، وفعلاً، فلا
стр. 12674
يُلتفت إلى نهي من الناس عمر، أوغيره؛ حيث إن السنة هي الحجة، لا غيرها من آراء الناس كائنًا من كان. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سعد بن أبي وقّاص - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
[فإن قلت]: في سنده محمد بن عبد اللَّه بن الحارث قال عنه في "التقريب": مقبول، أي يحتاج إلى من يُتابعه، فكيف يكون صحيحًا؟.
[قلت]: حديث سعد بن أبي وقّاص ﵁ في المتعة أخرجه مسلم، في "صحيحه" دون ذكر قصّة الضحاك، -١٢٢٥ - من طريق سليمان التيمي، عن غنيم بن قيس، قال: سألت سعد بن أبي وقاص ﵁، عن المتعة؟،- وفي رواية عن المتعة في الحجّ؟ - فقال: فعلناها، وهذا يومئذ كافر بالعُرُش -يعني بيوت مكة-. وقال في روايته: يعني معاوية.
وأيضًا فإن محمد بن عبد اللَّه بن الحارث قد رَوَى عنه الزهريّ، وعمر بن عبد العزيز، كما تقدّم، فارتفعت عنه جهالة العين، وأما ما تقدم من جزم ابن عبد البرّ بأنه لم يرو عنه غير الزهريّ فغير مقبول، فقد ذكر البخاريّ في "التاريخ الكبير" أنه روى عنه عمر بن عبد العزيز، راجع "التاريخ" - ١/ ١٢٥ - ١٢٦ - . وقد وثقه ابن حبّان.
ولأن لحديثه أيضًا شواهدَ من حديث عمران ابن حصين، وأبي موسى الأشعريّ، وابن عمر، وغيرهم - رضي اللَّه تعالى عنهم -.
والحاصل أن حديثه هذا صحيح. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٠/ ٢٧٣٤ - وفي "الكبرى" ٥٠/ ٣٧١٤. وأخرجه (ت) في "الحجّ" ٨٢٣ (أحمد) في "مسند العشرة" ١٥٠٦ (الموطأ) في "الحجّ" ٧٧١ (الدارميّ) في "المناسك" ١٨١٤. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مشروعية المتعة.
(ومنها): ما كان عليه السلف من المناقشة العلميّة، وإبداء كلّ دليله الذي يستند إليه.
(ومنها): أن السنة هي الحجة بنفسها, ولا يضرّها مخالفة من خالفها بتأويل، وأن من خالفها يُعتذر عنه بأنه ما خالفها إلا لاجتهاد أداه إلى ذلك، ولذا لم يعنّف سعد، ولم
стр. 12675
يذمّ عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - بأنه خالف السنة عمدًا، بل تركه ورأيه، وأظهر السنة، ودعا إليها، وهكذا واجب كلّ عالم، ألا ينتقص من أهل العلم أحدًا بمجرد مخالفته لبعض النصوص تأويلاً، ولا ينصب العداوة معه، بل يعتذر عنه بما استطاع من الأعذار، ويظهر الحقّ، ويدعو إلى السنة. (ومنها): أن في إنكار سعد على الضحاك قولَه دليلاً على أن العالم يلزمه إنكار ما سمعه من كلّ قول يُضاف به إلى العلم ما ليس بعلم إنكارًا فيه رفق، وتؤَدَة، ألا ترى قول سعد ﵁ له: "ليس ما قلت يا ابن أخي"، فلما أخبره الضحاك أن عمر ﵁ نهى عنها لم ير ذلك حجة؛ لما كان عنده حجة من السنة، وقال: صنعها رسول اللَّه ﷺ ، وصنعناها معه. قاله أبو عمر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٣٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ -وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنِ الْحَكَمِ, عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي مُوسَى, عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي بِالْمُتْعَةِ, فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: رُوَيْدَكَ بِبَعْضِ فُتْيَاكَ, فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي, مَا أَحْدَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي النُّسُكِ بَعْدُ, حَتَّى لَقِيتُهُ, فَسَأَلْتُهُ؟ , فَقَالَ عُمَرُ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَدْ فَعَلَهُ, وَلَكِنْ كَرِهْتُ أَنْ يَظَلُّوا مُعَرِّسِينَ بِهِنَّ, فِي الأَرَاكِ, ثُمَّ يَرُوحُوا بِالْحَجِّ, تَقْطُرُ رُءُوسُهُمْ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (محمد بن المثنى) أبو موسى العَنَزِيّ البصري، ثقة حافظ [١٠] ٦٤/ ٨٠.
٢ - (محمد بن بشار) بُنْدَار العبديّ البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٢٤/ ٢٧.
٣ - (محمد) بن جعفر غُنْدَر البصري، ثقة صحيح الكتاب [٩] ٢١/ ٢٢.
٤ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور [٧] ٢٤/ ٤٧.
٥ - (الحكم) بن عُتْبَة الكندي، أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت ربما دلس [٥] ٨٦/ ١٠٤.
٦ - (عمارة بن عمير) التيمي الكوفي، ثقة ثبت [٤] ٤٩/ ٦٠٨.
٧ - (إبراهيم بن أبي موسى) الأشعريّ، وُلد في حياة النبيّ ﷺ ، فسماه، وحنّكه بتمرة، ودعا له بالبركة، عِداده في أهل الكوفة. قال ابن حبان في الصحابة: لم يسمع