الأسلميّ، أبو حرملة المدنيّ، صدوق ربما أخطأ [٦].
قال يحيى بن سعيد: كنت سيء الحفظ، فرخّص لي سعيد في الكتابة. قال يحيى بن سعيد: محمد بن عمرو أحبّ إليّ من ابن حرملة، وكان ابن حرملة يُلقّن. وقال ابن خلاّد الباهليّ: سألت القطّان عنه، فضعّفه، ولم يدفعه. وقال إسحاق، عن ابن معين: صالح. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، ولا يُحتجّ به. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: يُخطىء. وقال ابن سعد: توفي سنة (١٤٥)، قال محمد بن عمر: وكان ثقة كثير الحديث. وقال الساجيّ: صدوق يهم في الحديث. وقال ابن عديّ: لم أر في حديثه حديثًا منكرًا. ونقل ابن خلفون عن ابن نمير أنه وثّقه. وقال الطحاويّ: لا يُعرف له سماع من أبي عليّ الهمدانيّ. روى له الجماعة سوى البخاريّ. روى له مسلم حديثًا واحدًا متابعة في القنوت. وروى له المصنّف حديث الباب فقط.
وقوله: "فلما كلنا ببعض الطريق الخ". وفي "صحيح البخاري"، من طريق عمرو بن مرّة، عن سعيد ابن المسيّب، أن اختلافهما كان بعُسْفان.
قال الفيّوميّ: عُسْفَان: موضع بين مكة والمدينة، ويُذكّر، ويؤنّث، وُيسمّى في زماننا مَدْرَج عثمان، وبينه وبين مكة نحو ثلاث مراحل، ونونه زائدة انتهى.
وقوله: "إذا رأيتموه قد ارتحل فارتحلوا" أي ارتحلوا معه، ملتين بالعمرة؛ ليعلم أنكم قدّمتم السنة على قوله، وأنه لا طاعة له في مقابلة السنّة. قاله السنديّ.
وقوله: "فلم ينههم عثمان" أي بعد أن سبق بينه وبين عليّ ما سبق، وعَلِم أن عليًّا، وأصحابه ما انتهوا عن ذلك بقوله. وقيل: هذا رجوع من عثمان عن النهي عن المتعة. ولكن يبعده آخر الحديث.
وفيه أن نهي عثمان عن التمتّع ليس نهي تحريم، وإنما هو من باب الأفضلية، إذ لولا ذلك لما سكت عن نهيهم، بل ألزمهم أن يرفضوا تمتّعهم.
وقوله: "ألم أُخبر" بضم الهمزة على بناء الفعل للمفعول، وكان عليًّا أراد أن يعيد معه الكلام ليرجع عن النهي.
والحاصل أن عمر وعثمان - رضي اللَّه تعالى عنهما - كانا يريان أن التمتّع في وقته ﷺ كان بسبب من الأسباب، وتركه أفضل، وعليّ - رضي اللَّه تعالى عنه - كان يرى أنه السنّة، وأنه الأفضل، وهو الصواب. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث متفق عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في ٤٩/ ٢٧٢٢. ودلالته على ما ترجم له، وهو مشروعية التمتّع واضحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 12672
٢٧٣٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, عَنْ مَالِكٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ, أَنَّهُ حَدَّثَهُ, أَنَّهُ سَمِعَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ, وَالضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ, عَامَ حَجَّ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ, وَهُمَا يَذْكُرَانِ التَّمَتُّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ, فَقَالَ: الضَّحَّاكُ: لَا يَصْنَعُ ذَلِكَ, إِلاَّ مَنْ جَهِلَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى,
فَقَالَ سَعْدٌ: بِئْسَمَا قُلْتَ, يَا ابْنَ أَخِي, قَالَ الضَّحَّاكُ: فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ نَهَى عَنْ ذَلِكَ, قَالَ سَعْدٌ: "قَدْ صَنَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَصَنَعْنَاهَا مَعَهُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي أبو رجاء البغلاني، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الحجة الفقيه [٧] ٧/ ٧.
٣ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهريّ المدنيّ الإمام الحجة الثبت [٤] ١/ ١.
٤ - (محمد بن عبد اللَّه بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب) الهاشميّ النوفليّ المدنيّ، مقبول [٣].
روى عن سعد بن أبي وقّاص، وأسامة بن زيد، ومعاوية، والضحّاك بن سفيان، وغيرهم. وعنه عمر بن عبد العزيز، والزهريّ. ذكره ابن حبّان في "الثقات". وجزم ابن عبد البرّ بأن الزهريّ تفرّد بالرواية عنه، قال: ولا يُعرف إلا برواية الزهريّ عنه. روى له الترمذيّ، والمصنّف، وله عندهما هذا الحديث فقط.
٥ - (سعد بن أبي وقّاص) مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب الزهريّ، أبو إسحاق، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأول من رَمَى بسهم في سبيل اللَّه، ومناقبه كثيرة، مات ﵁ بالعقيق سنة (٥٥) على المشهور، تقدّم في ١٠٠/ ٢٠٣٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنّف ﵀، وأن رجاله رجال الصحيح غير محمد بن عبد اللَّه كما مر آنفًا، وانه مسلسل بالمدنيين غير قتيبة فبغلاني، وأن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وأن صحابيه أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأول من رمى بسهم في سبيل اللَّه، وآخر من مات من العشرة ﵃. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) الهاشميّ النوفليّ (أنَّهُ حَدَّثهُ) الضمير، اسم "أنّ" الأول لمحمد بن عبد اللَّه، والضمير المفعول
стр. 12673
لابن شهاب (أَنَّهُ سَمِعَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ) ﵀ (وَالضحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ) بن خالد بن وهب الفهريّ، أبا أنيس الأمير المشهور، "صحابيّ صغير، قُتل - رضي اللَّه تعالى عنه - في وقعة مرج راهط سنة (٦٤) تقدّمت ترجمته في ١٠٠/ ٢٠٣٢ (عَامَ حَجَّ مُعَاوِيَةُ بنُ أَبِي سُفْيَانَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -. وذكر أبو جعفر الطحاويّ -رحمه اللَّه تعالى- أن أول حجة حجها معاوية بعد أن استُخلف كانت في سنة أربع وأربعين، وآخر حجة حجها سنة سبع وخمسين. قاله في "الفتح" (١) (وَهُمَا) أي سعد، والضحاك (يَذْكُرَانِ التَّمَتُّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجَّ) أي يذكران حكمه، وجملة "وهما يذكران الخ" في محلّ نصب على الحال من فاعل "سمع" (فَقَالَ: الضَّحَّاكُ) بن قيس ﵁ (لَا يَصْنَعُ ذَلِكَ) أي التمتع المذكور (إِلاَّ مَنْ جَهِلَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى) أي حكمه، وشرعه؛ لأن اللَّه تعالى يقول: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، فأمره بالإتمام يقتضي استمرار الإحرام، إلى فراغ الحجّ، ومنع التحلّل، والتمتّعُ فيه تحلّل. ويحتمل أنه قال ذلك اعتمادًا على نهي عمر ﵁، حيث إنه لا ينهى إلا عن غير المشروع، ويؤيد هذ قوله: "فإن عمر قد نهى عن ذلك" (فَقَالَ: سَعْدٌ) بن أبي قّاص ﵁ (بِئْسَمَا قُلْتَ، يَا ابْنَ أَخِي) ناداه به تلطّفًا، وترقّقًا (قَالَ الضَّحَّاكُ) ﵁ ذاكرًا حجته على ما قال (فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (نَهَى عَنْ ذَلِكَ) أي ونهيه لا يكون إلا عن خلاف السنّة، وخلاف حكم الشرع.
قال الباجيّ: إنما نهى عنه لأنه رأى الإفراد أفضل منها, ولم ينه عنه تحريمًا. وقال عياض: إنه نهى عن الفسخ، ولهذا كان يضرب الناس عليها، كما في "مسلم"، بناء على معتقده أن الفسخ خاصّ بتلك السنة. وقال النوويّ: والمختار أن عمر، وعثمان، وغيرهما إنما نهوا عن المتعة المعروفة التي هي الاعتمار في أشهر الحجّ، ثم الحجّ في عامه، وهو على التنزيه للترغيب، ثم انعقد الإجماع على جواز التمتع من غير كراهة، وبقي الخلاف في الأفضل انتهى.
(قَالَ: سَعْدٌ) ﵁ (قَدْ صَنَعَهَا) أي المتعة، فتأنيث الضمير مع أنه يعود إلى "التمتع" بتأويله بالمتعة (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أراد بذلك التمتّع الذي هو القرآن؛ إذ التمتّع يطلق على القران، كما سبق، وقد صحّ أنه ﷺ كان قارنًا، لا متمتعًا (وَصَنَعْنَاهَا مَعَهُ) أي تمتعنا مع رسول اللَّه ﷺ ، والتمتّع الذي كان للصحابة فهو التمتع الحقيقيّ، لمن لم يسق الهدي، وأما من ساق الهدي، فالتمتع في حقّه هو التمتع بمعنى القران، كما سبق. وأراد سعد - رضي اللَّه تعالى عنه - بذلك أن التمتع مما ثبت عن رسول اللَّه ﷺ قولاً، وفعلاً، فلا
стр. 12674
يُلتفت إلى نهي من الناس عمر، أوغيره؛ حيث إن السنة هي الحجة، لا غيرها من آراء الناس كائنًا من كان. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سعد بن أبي وقّاص - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
[فإن قلت]: في سنده محمد بن عبد اللَّه بن الحارث قال عنه في "التقريب": مقبول، أي يحتاج إلى من يُتابعه، فكيف يكون صحيحًا؟.
[قلت]: حديث سعد بن أبي وقّاص ﵁ في المتعة أخرجه مسلم، في "صحيحه" دون ذكر قصّة الضحاك، -١٢٢٥ - من طريق سليمان التيمي، عن غنيم بن قيس، قال: سألت سعد بن أبي وقاص ﵁، عن المتعة؟،- وفي رواية عن المتعة في الحجّ؟ - فقال: فعلناها، وهذا يومئذ كافر بالعُرُش -يعني بيوت مكة-. وقال في روايته: يعني معاوية.
وأيضًا فإن محمد بن عبد اللَّه بن الحارث قد رَوَى عنه الزهريّ، وعمر بن عبد العزيز، كما تقدّم، فارتفعت عنه جهالة العين، وأما ما تقدم من جزم ابن عبد البرّ بأنه لم يرو عنه غير الزهريّ فغير مقبول، فقد ذكر البخاريّ في "التاريخ الكبير" أنه روى عنه عمر بن عبد العزيز، راجع "التاريخ" - ١/ ١٢٥ - ١٢٦ - . وقد وثقه ابن حبّان.
ولأن لحديثه أيضًا شواهدَ من حديث عمران ابن حصين، وأبي موسى الأشعريّ، وابن عمر، وغيرهم - رضي اللَّه تعالى عنهم -.
والحاصل أن حديثه هذا صحيح. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٠/ ٢٧٣٤ - وفي "الكبرى" ٥٠/ ٣٧١٤. وأخرجه (ت) في "الحجّ" ٨٢٣ (أحمد) في "مسند العشرة" ١٥٠٦ (الموطأ) في "الحجّ" ٧٧١ (الدارميّ) في "المناسك" ١٨١٤. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مشروعية المتعة.
(ومنها): ما كان عليه السلف من المناقشة العلميّة، وإبداء كلّ دليله الذي يستند إليه.
(ومنها): أن السنة هي الحجة بنفسها, ولا يضرّها مخالفة من خالفها بتأويل، وأن من خالفها يُعتذر عنه بأنه ما خالفها إلا لاجتهاد أداه إلى ذلك، ولذا لم يعنّف سعد، ولم
стр. 12675
يذمّ عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - بأنه خالف السنة عمدًا، بل تركه ورأيه، وأظهر السنة، ودعا إليها، وهكذا واجب كلّ عالم، ألا ينتقص من أهل العلم أحدًا بمجرد مخالفته لبعض النصوص تأويلاً، ولا ينصب العداوة معه، بل يعتذر عنه بما استطاع من الأعذار، ويظهر الحقّ، ويدعو إلى السنة. (ومنها): أن في إنكار سعد على الضحاك قولَه دليلاً على أن العالم يلزمه إنكار ما سمعه من كلّ قول يُضاف به إلى العلم ما ليس بعلم إنكارًا فيه رفق، وتؤَدَة، ألا ترى قول سعد ﵁ له: "ليس ما قلت يا ابن أخي"، فلما أخبره الضحاك أن عمر ﵁ نهى عنها لم ير ذلك حجة؛ لما كان عنده حجة من السنة، وقال: صنعها رسول اللَّه ﷺ ، وصنعناها معه. قاله أبو عمر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٣٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ -وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنِ الْحَكَمِ, عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي مُوسَى, عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي بِالْمُتْعَةِ, فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: رُوَيْدَكَ بِبَعْضِ فُتْيَاكَ, فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي, مَا أَحْدَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي النُّسُكِ بَعْدُ, حَتَّى لَقِيتُهُ, فَسَأَلْتُهُ؟ , فَقَالَ عُمَرُ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَدْ فَعَلَهُ, وَلَكِنْ كَرِهْتُ أَنْ يَظَلُّوا مُعَرِّسِينَ بِهِنَّ, فِي الأَرَاكِ, ثُمَّ يَرُوحُوا بِالْحَجِّ, تَقْطُرُ رُءُوسُهُمْ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (محمد بن المثنى) أبو موسى العَنَزِيّ البصري، ثقة حافظ [١٠] ٦٤/ ٨٠.
٢ - (محمد بن بشار) بُنْدَار العبديّ البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٢٤/ ٢٧.
٣ - (محمد) بن جعفر غُنْدَر البصري، ثقة صحيح الكتاب [٩] ٢١/ ٢٢.
٤ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور [٧] ٢٤/ ٤٧.
٥ - (الحكم) بن عُتْبَة الكندي، أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت ربما دلس [٥] ٨٦/ ١٠٤.
٦ - (عمارة بن عمير) التيمي الكوفي، ثقة ثبت [٤] ٤٩/ ٦٠٨.
٧ - (إبراهيم بن أبي موسى) الأشعريّ، وُلد في حياة النبيّ ﷺ ، فسماه، وحنّكه بتمرة، ودعا له بالبركة، عِداده في أهل الكوفة. قال ابن حبان في الصحابة: لم يسمع
стр. 12676
من النبيّ ﷺ . وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة. وذكره جماعة في لصحابة على عادتهم فيمن له إدراك.
روى له مسلم، والمصنّف، وابن ماجه، له عندهم حديث الباب فقط. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، وأن شيخيه من التسعة الذين روى عنهم الأئمة الستة بلا واسطة، وبالكوفيين بعده، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الحكم عن عمارة عن إبراهيم، وفيه رواية الابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد اللَّه بن قيس بن سُليم بن حضّار الأشعريّ الصحابي الشهير، أمّره عمر، ثم عثمان، وهو أحد الحَكَمين بصفين، مات - رضي اللَّه تعالى عنه - سنة (٥٠) وقيل: بعدها تقدمت ترجمته في ٣/ ٣ (أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي بِالمتْعَةِ) أي بجواز التمتّع، وستأتي القصة مطوّلة بعد حديثين (فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: رُوَيدَكَ بِبَعْضِ فُتْيَاكَ) أي تمهّل عن بعض الأحكام التي تفتي الناس بها.
وفي "لسان العرب" نقلاً عن الأزهريّ -رحمه اللَّه تعالى-: اعلم أن رويدًا تلحقها الكاف، وهي في موضع أَفْعِلْ، وذلك قولك: رُويدَك زيدًا، ورويدَكم زيدًا، فهذه الكاف التي ألحقت لتبيين المخاطب في رويدًا, ولا موضع لها من الإعراب؛ لأنها ليست باسم، ورُويد غيرُ مضاف إليها، وهو متعدّ إلى زيد؛ لأنه اسم سمّي به الفعلُ، يعمل عمل الأفعال، وتفسير رُويدَ: مَهْلاً، وتفسير رويدَكَ: أمْهِلْ؛ لأن الكاف إنما تدخله إذا كان بمعنى أَفْعِلْ، دون غيره، وإنما حُرّكت الدال لالتقاء الساكنين، فنُصب نصبّ المصادر، وهو مصغّر، مأمور به؛ لأنه تصغير الترخيم من إرواد، وهو مصدر أرود يُروِدُ، وله أربعة أوجه: اسم فعل، وصفة، وحال، ومصدر، فالاسم نحو قولك: رُويدَ عمرًا، أي أرود عمرًا، بمعنى أمهله، والصفة نحو قولك: ساروا سيرًا رُويدًا.
والحال نحو قولك: سار القوم رُويدًا، لَمَّا اتصل بالمعرفة صار حالاً لها. والمصدر نحو قولك: رُويدَ عمرو بالإضافة، كقوله تعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾، وفي حديث أنجشة ﵁: "رُويدك رفقًا بالقوارير": أي أمهل، وتَأَنَّ، وارفُق انتهى ما في "اللسان".
стр. 12677
وإلى بعض ما ذُكر أشار ابن مالك -رحمه اللَّه تعالى- في "الخلاصة" بقوله:
كَذَا رُويدَ بَلْهَ نَاصِبَيْنِ … وَيَعْمَلَانِ الْخَفْضَ مَصْدَرَيْنِ
ثم علّل ذلك الرجل أمره لأبي موسى بالتمهّل عن بعض فتياه بقوله (فَإِنَّكَ) الفاء تعليلية، أي لأنك (لَا تَدْرِي، مَا أَحْدَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ) عمر بن الخطّاب ﵁ (في النُّسُكِ) أي شأن النسك (بَعْدُ) بالضم، من الظروف المبنيّة على الضمّ؛ لقطعه عن الإضافة، ونيّة معناها: أي بعد ما كنت تعرفه من جواز التمتّع.
(حَتَّى لَقِيتُهُ) أي أمير المؤمنين ﵁ (فَسَأَلْتُهُ؟) وفي الرواية الآتية بعد حديثين: "فلما قدم قلت: يا أمير المؤمنين، ما هذا الذي أحدثت في شأن النسك؟ (فَقَالَ عُمَرُ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَدْ فَعَلَهُ) أي التمتّع، بمعنى القران، أو المراد التمتع المعروف، ومعناه أمر بفعله. وقال السنديّ: أي فلا نهي عنه لذاته، بل لأن الناس لا يؤدّون حقّ الحجّ لأجله انتهى (وَلَكِنْ كَرِهْتُ أَنْ يَظَلُّوا) بفتح التحتانيّة، والظاء، وتشديد اللام. قال الفيّوميّ: وظلّ يفعل كذا، من باب تَعِبَ ظُلُولاً: إذا فعله نهارًا. قال الخليل: لا تقول العرب: ظَلَّ إلا لعمل يكون بالنهار انتهى (مُعْرِسِينَ بِهنَّ) اسم فاعل من الإعراس، لا من التعريس، قال الفيّوميّ: وأعرس بامرأته بالألف: دخل بها، وأعرس عَمِلَ عُرْسًا، وأما عرّسَ بامرأته بالتثقيل على معنى الدخول، فقالوا: هو خطأ، وإنما يقال: عرّس: إذا نزل المسافر ليستريح نزلةً، ثم يرتحل. قال أبو زيد: وقالوا: عرّس القوم في المنزل تعريسًا: إذا نزلوا أيَّ وقت كان من ليل أو نهار، فالإعراس: دخول الرجل بامرأته، والتعريس: نزول المسافر ليستريح. انتهى. وضمير "بهنّ" للنساء بقرينة المقام، وإن لم يذكرن.
وقال القرطبي: ولا يصحّ أن يكون من التعريس؛ لأن الرواية بتخفيف العين والراء؛ ولأن التعريس إنما هو النزول من آخر الليل، كما تقدّم، ويناقضه قوله: "يظلون"، و"يرحون"، فإنهما إنما يقالان على عمل النهار انتهى (١).
وأراد عمر ﵁ وطأ النساء بعد التحلل من عمل العمرة. وقوله (في الأرَاكِ) متعلّق بقوله: "معرسين"، وهو بفتح الهمزة: شجر معروف ((ثُمَّ يَرُوحُوا بِالْحَجَّ) أي يذهبوا ملبين بالحجّ إلى مني، وعرفات (تَقْطُرُ رُءُوسُهُمْ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل.
وأراد بذلك أن الأفضل للحاجّ أن يتفرّق شعره، ويتغيّر حاله، والتمتع في حقّ غالب
стр. 12678
الناس صار مؤديًا إلى خلافه، فنهاهم لذلك.
وقال النوويّ: معناه كرهت التمتع؛ لأنه يقتضي التحلل ووطء النساء إلى حين الخروج إلى عرفات.
وقال الحافظ: وفي هذه الرواية تبيين عمر العلة التي لأجلها كره التمتع، وكان من رأي عمر ﵁ عدم الترفّه للحجّ بكلّ طريق، فكره لهم قرب عهدهم بالنساء؛ لئلا يستمرّ الميل إلى ذلك بخلاف من بَعُدَ عهده به، ومن يُفطم ينفطم. وقد أخرج مسلم من حديث جابر ﵁ أن عمر قال: "افصلوا حجكم من عمرتكم، فإنه أتمّ لحجكم، وأتمّ لعمرتكم". وفي رواية: "إن اللَّه يُحلّ لرسوله ما شاء، فأتموا الحجّ والعمرة كما أمركم اللَّه". انتهى كلام الحافظ.
ومال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- إلى أن ما كرهه عمر ﵁ هو فسخ الحجّ بعمل العمرة، ونصّه عند قوله: "كرهت أن يظلّوا بهنّ معرسين": يعني أنه كره أن يحلّوا من حجهم بالفسخ المذكور، فيطؤون نساءهم قبل تمام الحجّ الذي كانوا أحرموا به. ولا يظنّ بمثل عمر ﵁ الذي جعل اللَّه الحقّ على لسانه وقلبه أنه منع ما جوّزه رسول اللَّه ﷺ بالرأي والمصلحة، فإن ذلك ظنُّ من لم يعرف عمر، ولا فهم استدلاله المذكور في الحديث. وإنما تمسك بقول اللَّه : ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، ففهم أن من تلبّس بشيء منهما وجب عليه إتمامه، ثم ظهر له أن ما أمر به النبيّ ﷺ أصحابه قضيّة مخصوصة على ما ذكرناه فيما تقدّم، فقضى بخصوصيّة ذلك لأولئك، ثم إنه أطلق الكراهية، وهو يريد بها التحريم، وتجنّب لفظ التحريم؛ لأنه مما أدّاه إليه اجتهاده، وهذه طريقة كبراء الأئمة، كمالك، والشافعيّ، وكثيرًا ما يقولون: أكره كذا، وهم يريدون التحريم، وهذا منهم تحرّزٌ، وحَذَرٌ من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ الآية [النحل: ١١٦]. انتهى كلام القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: تحقيق حسنٌ، ويؤيّده ما ثبت من أن عمر ﵁ كان يضرب الناس على هذا، فلولا أنه كان يرى تحريمه لما ضرب الناس عليه.
والحاصل أن تأويل ما ثبت عن عمر ﵁ بما ذكر حسنٌ، ولكنه اجتهاد، خالفه فيه جلّ الصحابة، حيث خالف النصّ الصحيح الصريح، فلا يعوّل عليه، وإن اعتُذر عنه بما ذُكر ففسخ الحجّ بعمل العمرة مشروع مستمرّ، ينبغي العمل به، كما ذهب إليه المحققون. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 12679
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي موسى الأشريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.
(المسأله الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٥٠/ ٢٧٣٥ - و ٢٧٣٨ و ٥٢/ ٢٧٤٢ - وفي "الكبرى" ٥٠/ ٣٧١٥ و ٣٧١٨ و ٥٢/ ٣٧٢٢. وأخرجه (خ) في "الحجّ" ١٥٥٩ و ١٥٦٥ و ١٧٢٤ و ١٧٩٥ و"المغازي" ٤٣٤٦ و ٤٣٩٧ (م) في "الحجّ" ١٢٢١ و ١٢٢٢ (ق) في "المناسك" ٢٩٧٩ (أحمد) في "مسند العشرة" ٢٧٥٥ و ٣٥٣ و"مسند الكوفيين" ١٩٠١١ و ١٩٠٤٠ و ١٩٠٥٤ و ١٩١٧ (الدارمي) في "المناسك" ١٨١٥. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف، وهو مشروعية التمتع (ومنها): ما كان عليه الصحابة ﵃ من نشر السنة. (ومنها): أن المجتهد ربما يخالف بعض السنن, مع علمه بها لتأويل يراه، ولا لوم عليه في ذلك، وإنما يذكّر لعله يتذكّر. (ومنها): أن العلة التي كره عمر ﵁ التمتع من أجلها هي كون حال المتمتع مخالفًا لحال الحاجّ من كونه أشعث، أغبر، لكن مثل هذا الرأي المخالف لصريح السنة، وإن كان صاحبه يُعذر باجتهاده لا يُلتفت إليه. (ومنها): ما كان عليه الصحابة من تعظيم ولاة الأمور، فإن أبا مسى ﵁ ترك فتياه لما بلغه منع عمر ﵁ عن التمتع حتى استفسره. (ومنها): أن المجتهد ينبغي له إذا بلغه من غيره خلاف ما يعتقده أن يتأنى حتى يعرف دليل ذلك المخالف، فلعل عنده حجة أقوى من حجته، فيرجع إليها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٣٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبِي, قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو حَمْزَةَ, عَنْ مُطَرِّفٍ, عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ, عَنْ طَاوُسٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ, يَقُولُ: وَاللَّهِ إِنِّي لأَنْهَاكُمْ عَنِ الْمُتْعَةِ, وَإِنَّهَا لَفِى كِتَابِ اللَّهِ, وَلَقَدْ فَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , يَعْنِي الْعُمْرَةَ فِي الْحَجِّ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه "محمد بن عليّ بن الحسن بن شقيق" المروزيّ، فإنه من أفراده هو والترمذيّ، وهو ثقة صاحب حديث.
و"أبوه": عليّ بن الحسن بن شقيق بن دينار، أبو عبد الرحمن المروزيّ الثقة الحافظ، من رجال الجماعة.
стр. 12680
و"أبو حمزة": محمد بن ميمون السكّريّ المروزيّ الثقة الفاضل. و"مطرّف": هو ابن طريف، أبو بكر، أو أبو عبد الرحمن الكوفيّ الثقة الفاضل، من صغار [٦] ٢/ ٣٢٧. و"سلمة بن كُهيل": أبو يحيى الكوفيّ الثقة. و"طاوس": هو ابن كيسان.
وقوله: "وإنها لفي كتاب اللَّه الخ" أي في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ الآية.
وأراد بذلك أن المتعة، وإن كانت في كتاب اللَّه تعالى، وسنة رسول اللَّه ﷺ ، إلا أنه يعلم من تأيلهما ما لا يعلمه غيره، فلذا نهاهم عنها متأوّلاً، لا قصدًا لمخالفتهما، إذ لا يُظنّ به - رضي اللَّه تعالى عنه - أنه يقصد مخالفتهما، حاشا، وكلاّ، وقد تقدّم بيان ذلك قريبًا. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث صحيح الإسناد، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا - ٥٠/ ٢٧٣٦ - وفي "الكبرى" ٥٠/ ٣٧١٦. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٣٧ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ, عَنْ طَاوُسٍ, قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: أَعَلِمْتَ أَنِّي قَصَّرْتُ مِنْ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , عِنْدَ الْمَرْوَةِ, قَالَ: لَا, يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذَا مُعَاوِيَةُ, يَنْهَى النَّاسَ عَنِ الْمُتْعَةِ, وَقَدْ تَمَتَّعَ النَّبِيُّ ﷺ ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن) بن المسور بن مخرمة الزهري البصري، صدوق، من صغار [١٠] ٤٢/ ٤٨.
٢ - (سفيان) بن عيينة المكي الحجة الثبت [٨] ١/ ١.
٣ - (هشام بن حُجَيْر) المكي، صدوق له أوهام [٦] ١٩/ ٢٦٥٣.
٤ - (طاوس) بن كيسان الحميري مولاهم اليماني، ثقة فقيه فاضل [٣] ٢٧/ ٣١.
٥ - (معاوية) بن أبي سفيان الخليفة ﵄ ٢٨٦/ ٢٩٤. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ طَاوُسٍ) بن كيسان اليمانيّ، أنه (قَالَ: قَالَ مُعَاوَيةُ) بن أبي سفيان الخليفة
стр. 12681
المشهور ﵁ (لابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَعَلِمْتَ أَنِّي قَصَّرْتُ) بتشديد الصاد، من التقصير. وفي نسخة: "قد قصرت" بزيادة "قد" (مِنْ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أي أخذت من شعر رأسه ﷺ (عِنْدَ الْمَرْوَةِ) أي عند المكان المعروف بهذا الاسم، وهو في الأصل واحدة المرو، وهي الحجارة البيض، ثم سمي به الجبل المعروف بمكة.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وهذا يشعر بأن ذلك كان في نسك، إما حج، أو عمرة، وقد ثبت أنه حلق في حجته، فتعيّن أن يكون في عمرة، ولا سيما وقد روى مسلم في هذا الحديث أن ذلك كان بالمروة، ولفظه: "قصّرت عن رسول اللَّه ﷺ بمشقص على المرة"، أو "رأيته يُقَصَّر عنه بمقشقص، وهو على المروة".
وهذا يحتمل أن يكون في عمرة القضيّة، أو الجعرانة، لكن وقع عند مسلم من طريق أخرى عن طاوس بلفظ: "أما علمت أني قصّرت عن رسول اللَّه ﷺ بمشقص، وهو على المروة، فقلت له: لا أعلم هذه إلا حجة عليك"، وبين المراد من ذلك في رواية النسائيّ، فقال بدل قوله: "فقلت له: لا الخ": يقول ابن عباس: "وهذه (١) على معاوية أن ينهى الناس عن المتعة، وقد تمتّع رسول اللَّه ﷺ "، ولأحمد من وجه آخر عن طاوس عن ابن عباس، قال: "تمتع رسول اللَّه ﷺ حتى مات " الحديث. وقال: أول من نهى عنها معاوية، قال ابن عباس: فعجبت منه، وقد حدثني أنه قصّر عن رسول اللَّه ﷺ بمشقص انتهى.
وهذا يدلّ على أن ابن عبّاس حمل ذلك على وقوعه في حجة الوداع لقوله لمعاوية: "إن هذه حجة عليك"، إذ لو كان في العمرة لما كان فيه على معاوية حجة. وأصرح منه ما وقع عند أحمد من طريق في بن سعد، عن عطاء: "أن معاوية حدّث أنه أخذ من أطراف شعر رسول اللَّه ﷺ في أيام العشر بمشقص معي، وهو محرم" (٢). وفي كونه في حجة الوداع نظر؛ لأن النبيّ ﷺ لم يحلّ حتى بلغ الهدي محله، فكيف يقصّر عنه على المروة.
وقد بالغ النوويّ هنا في الردّ على من زعم أن ذلك كان في حجة الوداع، فقال: هذا الحديث محمول على أن معاوية قصّر عن النبيّ ﷺ في عمرة الجعرانة؛ لأن النبيّ ﷺ في حجة الوداع كان قارنًا، وثبت أنه حلق بمنى، وفرّق أبو طلحة شعره بين الناس، فلا يصحّ حمل تقصير معاوية على حجة الوداع، ولا يصحّ حمله أيضًا على عمرة القضاء
стр. 12682
الواقعة سنة سبع؛ لأن معاوية لم يكن يومئذ مسلمًا، إنما أسلم يوم الفتح سنة ثمان. هذا هو الصحيح المشهور. ولا يصحّ قول من حمله على حجة الوداع، وزعم أن النبيّ ﷺ كان متمتّعًا؛ لأن هذا غلط فاحش، فقد تظاهرت الأحاديث في مسلم وغيره أن النبيّ ﷺ قيل له: "ما شأن الناس حلّوا من العمرة، ولم تحلّ أنت من عمرتك؟، فقال: إني لبّدت رأسي، وقلّدت هديي، فلا أحلّ حتى أنحر".
قال الحافظ: ولم يذكر الشيخ هنا ما مرّ في عمرة القضيّة، والذي رجحه من كون معاوية إنما أسلم يوم الفتح صحيح من حيث السند، لكن يمكن الجمع بأنه كان أسلم خفية، وكان يكتم إسلامه، ولم يتمكن من إظهاره إلا يوم الفتح. وقد أخرج ابن عساكر في "تاريخ دمشق" من ترجمة معاوية تصريح معاوية بأنه أسلم بين الحديبية والقضيّة، وأنه كان يُخفي إسلامه خوفًا من أبويه، وكان النبيّ ﷺ لما دخل في عمرة القضيّة مكة خرج أكثر أهلها عنها حتى لا ينظروه وأصحابه يطوفون بالبيت، فلعلّ معاوية كان ممن تخلّف بمكة لسبب اقتضاه، ولا يعارضه أيضًا قول سعد بن أبي وقّاص فيما أخرجه مسلم وغيره: "فعلناها -يعني العمرة- في أشهر الحجّ، وهذا يومئذ كافر بالعُرُش" -بضمّتين- يعني بيوت مكة، يشير إلى معاوية؛ لأنه يحمل على أنه أخبر بما استصحبه من حاله، ولم يطّلع على إسلامه؛ لكونه كان يُخفيه. ويعكر على ما جوّزوه أن تقصيره كان في عمرة الجعرانة أن النبيّ ﷺ ركب من الجعرانة بعد أن أحرم بعمرة، ولم يستصحب أحدًا معه إلا بعض أصحابه المهاجرين، فقدم مكة، فطاف، وسعى، وحلق، ورجع إلى الجعرانة، فأصبح بها كبائت، فخفيت عمرته على كثير من الناس. وكذا أخرجه الترمذيّ وغيره، ولم يعدّ معاوية فيمن صحبه حينئذ، ولا كان معاوية فيمن تخلّف عنه بمكة في غزوة حنين، حتى يقال: لعله وجده بمكة، بل كان مع القوم، وأعطاه مثل ما أعطى أباه من الغنيمة، مع جملة المؤلّفة. وأخرج الحاكم في "الإكليل" في آخر قصّة غزوة حنين أن الذي حلق رأسه ﷺ في عمرته التي اعتمرها من الجعرانة أبو هند عبد بني بياضة.
فإن ثبت هذا، وثبت أن معاوية كان حينئذ معه، أو كان بمكة فقصّر عنه بالمروة أمكن الجمع بأن يكون معاوية قصر عنه أوّلاً، وكان الحلاّق غائبًا في بعض حاجته، ثم
حضر، فأمره أن يكمل إزالة الشعر بالحلق؛ لأنه أفضل، ففعل.
وإن ثبت أن ذلك كان في عمرة القضيّة، وثبت أنه ﷺ حلق فيها جاء هذا الاحتمال بعينه، وحصل التوفيق بين الأخبار كلها.
قال الحافظ: وهذا مما فتح اللَّه عليّ به في هذا الفتح، وللَّه الحمد، ثم للَّه الحمد أبدًا.
стр. 12683
قال صاحب "الهدي": الأحاديث الصحيحة المستفيضة تدلّ على أنه ﷺ لم يحلّ من إحرامه إلى يوم النحر، كما أخبر عن نفسه بقوله: "فلا أحلّ حتى أنحر"، وهو خبر لا يدخله الوهم بخلاف خبر غيره، ثم قال: ولعلّ معاوية قصّر عنه في عمرة الجعرانة، فنسي بعد ذلك، وظنّ أنه كان في حجته انتهى.
قال الحافظ: ولا يعكر على هذا إلا رواية قيس بن سعد المتقدّمة لتصريحه فيها يكون ذلك في أيام العشر، إلا أنها شاذّة، وقد قال قيس بن سعد عقبها: والناس ينكرون ذلك انتهى.
ويعكر عليه قوله في رواية أحمد: "قصّرت عن رسول اللَّه ﷺ عند المروة". أخرجه من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن ابن عباس.
وقال ابن حزم: يحتمل أن يكون معاوية قصّر عن رأس رسول اللَّه ﷺ بقية شعر لم يكن الحلاّق استوفاه يوم النحر. وتعقّبه صاحب "الهدي" بأن الحالق لا يبقي شعرًا يقصر منه، ولا سيّما وقد قسم ﷺ شعره بين الصحابة الشعرة والشعرتين، وأيضًا فهو ﷺ لم يسع بين الصفا والمروة إلا سعيًا واحدًا في أول ما قدم، فماذا يصنع عند المروة في العشر.
قال الحافظ: وفي رواية العشر نظر كما تقدّم. وقد أشار النوويّ إلى ترجيح كونه في الجعرانة، وصوّبه المحبّ الطبريّ، وابن القيّم.
وفيه نظر؛ لأنه جاء أنه حلق في الجعرانة، واستبعاد بعضهم أن معاوية قصّر عنه في عمرة الحديبية لكونه لم يكن أسلم ليس ببعيد انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي ظهر لي مما سبق كله أن الأرجح هو الذي رجحه النوويّ، والمحبّ الطبريّ، وابن القيم من أنه محمول على أنه قصر معاوية عنه ﷺ في الجعرانة، ولا يبعد أن يكون في عمرة القضيّة، ولا يعكر على ذلك ما مرّ عن الحاكم أنه ﷺ حلق فيها, لما تقدم في كلام الحافظ من الجمع، وأما الرواية التي تدلّ على أن ذلك كان في حجة الوداع فهي غلط من بعض الرواة، أو أن معاوية ﵁ نفسه ظن ذلك؛ حيث نسي، كما قاله ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(قَالَ) ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - (لا) أي لا أعلم ذلك (يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسِ: هَذَا مُعَاوِيَةُ، يَنْهَى النَّاسَ عَنِ الْمُتْعَةِ، وَقَدْ تَمَتَّعَ النَّبِيّ) وفي نسخة: "رسول اللَّه" ( ﷺ ) قد تقدّم توضيح معنى تمتّعه ﷺ . وغرض ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - بهذا الإنكارُ
стр. 12684
على معاوية ﵁ في نهيه عن التمتع حيث خالف ما ثبت عن النبيّ ﷺ أنه تمتّع.
ويحتمل أن يكون إنكارًا منه على معاوية - رضي اللَّه تعالى عنهما - في نهيه عن ذلك مع أنه أخبره أنه قصّر عنه ﷺ ، وهذا محمول على أن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - حمل ذلك على حجة الوداع، ولكن الصواب ما تقدّم من أنه ﷺ يتحلّل في حجة الوداع إلا يوم النحر بمنى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث معاوية - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٥٠/ ٢٧٣٧ و ١٨٣/ ٢٩٨٧ و ٢٩٨٨ و ١٨٤/ ٢٩٨٩ - وفي "الكبرى" ٥٠/ ٣٧١٧ و ٣٩٨١/ ١٨١ و ٣٩٨٢ و ١٨٢/ ٣٩٨٣. وأخرجه (خ) في "الحجّ" ١٧٣٠ (م) في "الحجّ" ١٢٤٦ (د) في "المناسك" ١٨٠٢ و ١٨٠٣ (ت) في، "الحجّ" ٨٢٢ (أحمد) في "مسند الشاميين" ١٦٤٢٨ و ١٦٤٤٢ و ١٦٤٥٢. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مشروعيّة التمتّع (ومنها): مشروعيّة التقصير في العمرة. (ومنها): الإنكار على من خالف السنة، وإن كان كبير القوم؛ إذ الحقّ أكبر منه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعمِ الوكيل.
٢٧٣٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ قَيْسٍ -وَهُوَ ابْنُ مُسْلِمٍ- عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ, عَنْ أَبِي مُوسَى, قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وَهُوَ بِالْبَطْحَاءِ, فَقَالَ: «بِمَا أَهْلَلْتَ؟» , قُلْتُ: أَهْلَلْتُ بِإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «هَلْ سُقْتَ مِنْ هَدْيٍ؟» , قُلْتُ: لَا,
قَالَ: «فَطُفْ بِالْبَيْتِ, وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ, ثُمَّ حِلَّ» , فَطُفْتُ بِالْبَيْتِ, وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ, ثُمَّ أَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ قَوْمِي, فَمَشَطَتْنِي, وَغَسَلَتْ رَأْسِي, فَكُنْتُ أُفْتِي النَّاسَ بِذَلِكَ, فِي إِمَارَةِ أَبِي بَكْرٍ, وَإِمَارَةِ عُمَرَ, وَإِنِّي لَقَائِمٌ بِالْمَوْسِمِ, إِذْ جَاءَنِي رَجُلٌ, فَقَالَ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي, مَا أَحْدَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ, فِي شَأْنِ النُّسُكِ, قُلْتُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ كُنَّا أَفْتَيْنَاهُ بِشَيْءٍ, فَلْيَتَّئِدْ, فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ, قَادِمٌ عَلَيْكُمْ, فَائْتَمُّوا بِهِ, فَلَمَّا قَدِمَ, قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ, مَا هَذَا الَّذِي أَحْدَثْتَ فِي شَأْنِ النُّسُكِ؟ , قَالَ: إِنْ نَأْخُذْ بِكِتَابِ اللَّهِ , فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ , وَإِنْ نَأْخُذْ بِسُنَّةِ نَبِيِّنَا ﷺ , فَإِنَّ نَبِيَّنَا ﷺ , لَمْ يَحِلَّ حَتَّى نَحَرَ الْهَدْيَ).
стр. 12685
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن المثنى) المذكور قريبًا.
٢ - (عبد الرحمن) بن مهدي البصري الثقة الثبت [٩] ٤٢/ ٤٩.
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي الحجة الثبت الإمام [٧] ٣٣/ ٣٧.
٤ - (قيس بن مسلم) الْجَدَليّ -بفتح الجيم- العدوانيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة رمي
بالإرجاء [٦].
قال عليّ، عن يحيى: كان مرجئًا، وهو أثبت من أبي قيس. وقال صالح بن أحمد، عن أبيه: ثقة في الحديث. وقال أحمد، عن سفيان: كانوا يقولون: ما رفع رأسه إلى السماء منذ كذا وكذا، تعظيمًا للَّه. وقال ابن معين، وأبو حاتم: ثقة. وقال أبو داود: كان مرجئًا. وقال النسائيّ: ثقة، وكان يرى الإرجاء. وعن أبي داود، عن شعبة أنه ذكره، فجعل يُثبّته. وقال العجليّ: كوفيّ ثقة. وقال يعقوب ابن سفيان: ثقة ثقة، وكان مرجئًا. وذكره ابن حبّان في "الثقات". قال أبو نعيم، والبخاريّ، ومطيّن: مات سنة (١٢٠) وكذا أرخه ابن سعد، وقال: كان ثقة ثبتًا، له حديث صالح. روى له الجماعة. أخرج له المصنّف في سبعة مواضع برقم ٢٧٣٨ و ٢٧٤٢ و ٣٠٠٢ و ٤١٤٣ و ٥٠٠٨ و ٥٠٠٩ و ٥٠١٢.
٥ - (طارق بن شهاب) بن عبد شمس البجليّ الأحمسيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، قال أبو داود: رأى النبيّ ﷺ ، ولم يسمع (١) منه, مات سنة (٢) أو (٨٣) تقدِم في ٢٠٤/ ٣٢٤.
٦ - (أبوموسى) عبد اللَّه بن قيس الأشعري الصحابي المشهور ﵁ تقدم في ٣/ ٣. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، وأن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الأئمة الستة بلا واسطة، وأنه مسلسل بالكوفيين من سفيان، والباقيان بصريان، وأن فيه روايته صحابي عن صحابي. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أي من اليمن، وفي رواية البخاريّ: "بعثني النبيّ ﷺ إلى قومي باليمن … ". (وَهُوَ بالبَطْحَاءِ) وفي رواية شعبة، عن قيس الآتية -٥٢/ ٢٧٤٢ - : "والنبيّ ﷺ منيخ بالبطحاء"، مَن أناخ بعيره: إذا أبركه. أي وهو نازل بالبطحاء، وذلك في ابتداء قدومه إلى مكة.
стр. 12686
(فَقَالَ) ﷺ (بِمَا أَهْلَلْتَ؟) هكذا بإثبات ألف "ما" الاستفهامية وهي مجرورة، وهو قليل، وفي رواية البخاريّ: "بم أهللت"، بحذفها، وهو الأكثر في الاستعمال. وفي رواية شعبة الآتية: "أحججت؟ "، قلت: نعم، قال: "كيف قلت؟ " (قُلْتُ: أَهْلَلْتُ بِإِهْلالِ النَّبِيِّ ﷺ ) وفي رواية شعبة: "قلت: لبيك بإهلال، كإهلال النبيّ ﷺ "، زاد في رواية للبخاريّ: "قال: أحسنت" (قَالَ: "هَلْ سُقْتَ مِنْ هَدْي؟ "، قُلْتُ: لا، قَالَ: "فَطُفْ بالْبَيتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) أي اسعَ بينهما (ثُمَّ حِلَّ) بكسر الحاء المهملة، وتشديد اللام، أمر من حلّ المحرم يحلّ، من باب ضرب: إذا خرج من إحرامه، وتقدّم أن فيه لغة أخرى، وهي أَحِلّ، من الإحلال رباعيًّا (فَطُفْتُ بالْبَيْتِ، وَبالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ أَتَيْتُ امْرَأَةَ مِنْ قَوْمِي) وفي رواية شعبة عند البخاريّ: "امرأَة من قيس". قال الحافظ: والمتبادر إلى الذهن من هذا الإطلاق أنها من قيس عيلان، وليس بينهم وبين الأشعريين نسبة، لكن في رواية أيوب بن عائذ: "امرأة من نساء بني قيس"، وظهر لي من ذلك أن المراد بقيس قيس بن سليم والد أبي موسى الأشعريّ، وأن المرأة زوج بعض إخوته، وكان لأبي موسى من الإخوة أبو رُهْم، وأبو بردة، قيل: ومحمد. انتهى كلام الحافظ.
(فَمَشَطَتْنِي) بالتخفيف، ويحتمل التشديد، يقال: مشَطتُ الشَّعْرَ مَشْطًا، من بابي قتل، وضرب: سرّحته، والتثقيل مبالغة. قاله الفيّوميّ. والمعنى أنها سرّحت شعر رأس أبي موسى ﵁، وأصلحته (وَغَسَلَتْ رَأْسِي، فَكُنْتُ أُفْتِي النَّاسَ بِذَلِكَ) أي بجواز التمتّع (فِي إِمَارَةِ أَبِي بَكْرٍ) الصدّيق ﵁ (وَإِمَارَةِ عُمَرَ) بن الخطاب ﵁ (وَإنِّي لَقَائِمٌ بِالْمَوْسِمِ) بفتح الميم، وسكون الواو، وكسر السين المهملة: أي في مكان اجتماع الحجّاج. قال الليث: موسم الحجّ، سمي موسمًا لأنه مَعْلَمٌ يُجتمع إليه. وقال ابن السكّيت: كلّ مَجمَع من الناس كثيرٍ هو موسم، ومنه موسم مني. أفاده في "اللسان" (إِذْ جَاءَنِي رَجُلٌ، فَقَالَ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي، مَا أَحْدَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ) عمر بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنه - (فِي شَأْنِ النُّسُكِ، قُلْتُ: يَا أَيُّها النَّاسُ مَنْ كنَّا أَفْتَينَاهُ بشَيءٍ) أي من جواز المتعة (فَلْيَتَّئِدْ) بمثناة فوقية مشدّدة، بعدها همزة، افتعال من التؤدة: أي ليتأنّ، ولا يتعجّل بالمضيّ على فتيانا (فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ) عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - (قَادِمٌ عَلَيْكُمْ، فَأْتَمُّوا بِهِ) أي فاقتدوا به، وخذوا بقوله، واتركوا قولنا، إن خالفه (فَلَمَّا قَدِمَ) عمر ﵁ (قُلتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا هَذَا الذِي أَحْدَثْتَ فِي شَأْنِ النُّسُكِ؟، قَالَ: إِنْ نَأْخُذْ بِكِتَابِ اللَّهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ أي وإتمام كلّ بإتيانه بسفر جديد، أو بإحرام جديد، لا يجعل أحدهما تابعا للآخر.
(وَإِنْ نَأْخُذْ) وفي نسخة: "إن تأخذ" بالتاء المثناة في الموضعين (بِسُنَّةِ نَبِيَّنَا ﷺ ، فَإنَّ نَبِينَا ﷺ ، لَمْ يَحِلَّ حَتَّى نَحَرَ الْهَدْيَ) أي والمتمتّع يتحلّل إذا لم يسق الهدي. والحاصل
стр. 12687
أن الجمع بين القرآن والسنة قد أداه إلى النهي عن التمتّع والقران جميعًا، فيحصل حينئذ الإتمام، والحلّ يوم النحر، لا قبله.
وقال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ومحصّل جواب عمر ﵁ في منعه الناس من التحلّل بالعمرة أن كتاب اللَّه تعالى دالٌ على منع التحلّل؛ لأمره بالإتمام، فيقتضي استمرار الإحرام إلى فراغ الحجّ، وأن سنة رسول اللَّه ﷺ أيضًا دالّة على ذلك؛ لأنه لم يحلّ حتى بلغ الهدي محلّه.
لكن الجواب عن ذلك ما أجاب به هو ﷺ ، حيث قال: "ولولا أن معي الهدي لأحللت"، فدلّ على جواز الإحلال لمن لم يكن معه هدي.
وتبيّن من مجموع ما جاء عن عمر ﵁ في ذلك أنه منع منه سدًّا للذريعة. وقال المازريّ: قيل: إن المتعة التي نهى عنها عمر فسخ الحجّ إلى العمرة. وقيل: العمرة في أشهر الحجّ، ثم الحجّ من عامه، وعلى الثاني إنما نهى عنها ترغيبًا في الإفراد الذي هو أفضل، لا أنه يعتقد بطلانها، وتحريمها. وقال عياض: الظاهر أنه نهى عن الفسخ، ولهذا كان يضرب الناس عليها، كما رواه مسلم، بناء على مُعتقده أن الفسخ كان خاصًّا بتلك السنة.
قال النوويّ: والمختار أنه نهى عن المتعة المعروفة التي هي الاعتمار في أشهر الحجّ، ثم الحجّ من عامه، وهو على التنزيه للترغيب في الإفراد، كما يظهر من كلامه.
ثم انعقد الإجماع على جواز التمتّع من غير كراهة، وبقي الاختلاف في الأفضل.
قال الحافظ: ويمكن أن يتمسّك من يقول بأنه إنما نهى عن الفسخ بقوله في الحديث الذي أشرنا إليه قريبًا من مسلم: "إن اللَّه يُحلّ لرسوله ما شاء". واللَّه أعلم.
وفي قصّة أبي موسى، وعليّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - دلالة على جواز تعليق الإحرام بإحرام الغير مع اختلاف آخر الحديثين في التحلل، وذلك أن أبا موسى لم يكن معه هديٌ، فصار له حكم النبيّ ﷺ لو لم يكن معه هديٌ، وقد قال: "لولا الهدي لأحللت"، أي وفسخت الحجّ إلى العمرة، كما فعله أصحابه بأمره. وأما عليّ، فكان معه هديٌ، فلذلك أمره بالبقاء على إحرامه، وصار مثله قارنًا.
قال النوويّ: هذا هو الصواب، وقد تأوله الخطابيّ، وعياض بتأويلين غير مرضيين انتهى.
قال الحافظ: فأما تأويل الخطابيّ، فإنه قال: فعل أبي موسى يخالف فعل عليّ، وكأنه أراد بقوله: أهللت كإهلال النبيّ ﷺ ، أي كما يبيّنه لي، ويُعيّنه لي من أنواع ما يُحرِم به، فأمره أن يحلّ بعمل عمرة؛ لأنه لم يكن معه هديٌ. وأما تأويل عياض، فقال: المراد بقوله: "فكنت أفتي الناس بالمتعة" أي بفسخ الحجّ إلى العمرة. والحامل لهما على ذلك اعتقادهما أنه ﷺ كان مفردًا، مع قوله: "لولا أن معي الهدي لأحللت"،
стр. 12688
أي فسخت الحجّ، وجعلته عمرة، فلهذا أمر أبا موسى بالتحلّل؛ لأنه لم يكن معه هديٌ، بخلاف عليّ. قال عياض: وجمهور الأئمة على أن فسخ الحجّ إلى العمرة كان خاصًّا بالصحابة انتهى.
وقال ابن المنيّر في "الحاشية": ظاهر كلام عمر التفريق بين ما دلّ عليه الكتاب، ودلّت عليه السنّة، وهذا التأويل يقتضي أنهما يرجعان إلى معنى واحد. ثم أجاب بأنه لعله أراد إبطال وهم من توهّم أنه خالف السنّة، حيث منع من الفسخ، فتبيّن أن الكتاب والسنة متوافقان على الأمر بالإتمام، وأن الفسخ كان خاصًّا بتلك السنة؛ لإبطال اعتقاد الجاهلية أن العمرة لا تصحّ في أشهر الحجّ انتهى.
وأما إذا قلنا: كان قارنا، على ما هو الصحيح المختار، فالمعتمد ما ذكر النوويّ. واللَّه أعلم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تقدّم أن الصواب أن فسخ الحجّ إلى العمرة ليس خاصًا بتلك السنة، بل هو سنة مستمرة إلى يوم القيامة، كما بينه النبيّ ﷺ ، فتنبّه. واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
قال: واستُدِلّ به على جواز الإحرام المبهم، وأن المحرم به يصرفه لما شاء، وهو قول الشافعيّ، وأصحاب الحديث، ومحلّ ذلك ما إذا كان الوقت قابلاً، بناء على أن الحجّ لا ينعقد في غير أشهره. انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-.
وتمام البحث في الحديث تقدّم قبل حديثين. واللَّه تعالى وليّ التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٣٩ - (أَخْبَرَنِي (١) إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ, عَنْ مُطَرِّفٍ, قَالَ: قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ, إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَدْ تَمَتَّعَ, وَتَمَتَّعْنَا مَعَهُ, قَالَ فِيهَا قَائِلٌ بِرَأْيِهِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح غير شيخه "إبراهيم بن يعقوب" وهو الجُوزجانيّ، نزيل دمشق، الحافظ الثبت [١١] ١٢٢/ ١٧٤ فإنه من أفراد المصنّف وأبي داود والترمذي. و"عثمان بن عمر": هو العبديّ البصريّ، بخاريّ الأصل، ثقة [٩] ١٥١/ ١١١٨.
وقوله: "قال فيها" أي في النهي عن المتعة، قائل برأيه، أي فلا عبرة له في مقابلة صريح السنة. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث متّفق عليه، وقد تقدم في ٤٩/ ٢٧٢٦ - وتقدم تمام البحث فيه هناك،
стр. 12689
فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
٥١ - (تَرْكُ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الإِهْلَالِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أشار بهذه الترجمة إلى أن تسمية الحجّ، أو العمرة في أول الإهلال ليست واجبة، ووجه الاستدلال عليه بحديثي الباب أن قوله: "لا ننوي إلا الحجّ" صريح في أنهم حينما أنشأوا الإحرام أنشأوه بنية الحجّ، ثم أمرهم رسول اللَّه ﷺ بفسخه بعمل العمرة، فتحللوا بذلك، فدلّ على أن تسمية النسك المعيّن حال الإحرام غير واجبة؛ لأنه لو كان واجبًا لما جاز أداء العمرة دون أن يسموها في وقت الإهلال، وهو استدلال واضح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٧٤٠ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي, قَالَ: أَتَيْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ, فَسَأَلْنَاهُ عَنْ حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ , فَحَدَّثَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , مَكَثَ بِالْمَدِينَةِ, تِسْعَ حِجَجٍ, ثُمَّ أُذِّنَ فِي النَّاسِ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي حَاجِّ هَذَا الْعَامِ, فَنَزَلَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ, كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ بِرَسُولِ (١) اللَّهِ ﷺ , وَيَفْعَلُ مَا يَفْعَلُ, فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , لِخَمْسٍ بَقِينَ, مِنْ ذِى الْقَعْدَةِ, وَخَرَجْنَا مَعَهُ, قَالَ جَابِرٌ: وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ , بَيْنَ أَظْهُرِنَا, عَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ (٢) , وَهُوَ يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ (٣) , وَمَا عَمِلَ بِهِ, مِنْ شَيْءٍ, عَمِلْنَا, فَخَرَجْنَا لَا نَنْوِي إِلاَّ الْحَجَّ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"يعقوب ابن إبراهيم": هو الدورقيّ. و"يحيى بن سعيد": هو القطّان.
وقوله: "تسع حجج" بكسر الحاء المهملة، وبجيم مكرّرة: أي تسع سنين. وقوله: "ثم أذن" بتشديد الذال المعجمة، من التأذين، وهو الإعلام. أو بمدّ الهمزة، من الإيذان، وهو بمعناه: أي نادى، وأعلم، والمراد أنه أمر بالنداء، فنادى المنادي. ويحتمل أن يكون الفعل بضبطيه السابقين مبنيًّا للمفعول. أي أُعلم بذلك. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "حاجّ في هذا العام"، وفي بعض النسخ: "في حاجّ هذا العام" بإضافة "حاجّ"
стр. 12690
إلى اسم الإشارة، ومعناه: أنه خارج في جملة من يحجّ في هذه السنة.
وقوله: "فنزل المدينة الخ" أي جاء إلى المدينة من خارجها حتى يخرج منها إلى مكة مع رسول اللَّه ﷺ ، يتعلم أحكام النسك منه بالقول والفعل. وفي "الكبرى": "فترك" بالتاء، والراء، والكاف، بدل "نزل"، وهو إن لم يكن تصحيفًا، فمعناه: أن خلقًا كثيرًا من أهل المدينة تركوها خارجين إلى الحجّ معه ﷺ . والظاهر أنه تصحيف.
وقله: "يلتمس" أي يقصد، ويطلب، وإنما أفرد الضمير، باعتبار إفراد لفظة "كلّ". وقوله: "يأتمّ" بتشديد الميم: أي يقتدي به. وقوله: "ويفعل ما يفعل" تفسيرٌ للاقتداء، والمراد يفعل مثل ما يفعله ﷺ ، كما في رواية أبي داود.
وقوله: "ينزل عليه القرآن الخ" هو حثّ على التمسّك بما أخبر به عن فعله ﷺ ، حيث إنه ما يفعل شيئًا إلا عن وحي من اللَّه تعالى.
وقوله: "لا ننوي إلا الحجّ" أي لا نقصد إلا أداء الحجّ. قال السنديّ: أي في أول الأمر وقت الخروج من البيوت، وإلا فقد أحرم بعض بالعمرة، أو هو خبر عما كان عليه غالبهم، أو المراد أن المقصد الأصليّ من الخروج كان الحجّ، وإن نوى بعض العمرة انتهى.
والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان المسائل المتعلّقة به في ٤٦/ ٢٧١٢ - فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعمِ الوكيل.
٢٧٤١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, وَاللَّفْظُ لِمُحَمَّدٍ, قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: خَرَجْنَا لَا نَنْوِي إِلاَّ الْحَجَّ, فَلَمَّا كُنَّا بِسَرِفَ حِضْتُ, فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَأَنَا أَبْكِي, فَقَالَ: «أَحِضْتِ؟» , قُلْتُ: نَعَمْ, قَالَ: «إِنَّ هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ , عَلَى بَنَاتِ آدَمَ, فَاقْضِي مَا يَقْضِي الْمُحْرِمُ, غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن عبد اللَّه بن يزيد": هو الَمقرىء المكيّ. و"سفيان": هو ابن عيينة.
والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم الحديث في "أبواب الطهارة" -١٨٣/ ٢٩٠ - وتقدّم شرحه هناك، وتقدم أيضًا تخريجه في ١٦/ ٢٦٥٠.
وقوله: "بسرف" بفتح، فكسر: موضع قريب من مكة، ممنوع من الصرف، وقد يُصرف، وهو الموضع الذي تزوّج به رسول اللَّه ﷺ ميمونة بنت الحارث - رضي اللَّه تعالى عنها -، وبه توفيت، ودنت.
وقوله: "غير أن لا تطوفي بالبيت" بنصب "غير" على الاستثناء، و"أن" يجوز أن تكون مخففة من الثقيلة، وفيه ضمير الشأن، و"تطوفي" مجزوم بـ "لا" الناهية. والمعنى
стр. 12691
لا تطوفي ما دمت حائضًا. ويجوز أن تكون "أن" ناصبة، و"لا" زائدة، والفعل منصوب بـ "أن"، وهو مؤول بالمصدر، أي غير طوافك.
وقال السنديّ: كلمة "لا" زائدة، أو هو استثناء مما يُفهم، أي لا فرق بينك، وبين المحرم غير أن لا تطوفي انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
٥٢ - (الْحَجُّ بِغَيْرِ نِيَّةٍ (٢) يَقْصِدُهُ الْمُحْرِمُ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن المصنّف أشار بهذه الترجمة إلى جواز تعليق نية الحجّ بنيّة غيره.
ووجه الاستدلال بالأحاديث الآتية أن أبا موسى وعليّا - رضي اللَّه تعالى عنهما - أهل كلّ منهما بما أهلّ به رسول اللَّه ﷺ ، فانعقد إحرامهما بذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٧٤٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, قَالَ: أَخْبَرَنِي قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ, قَالَ: سَمِعْتُ طَارِقَ بْنَ شِهَابٍ, قَالَ: قَالَ أَبُو مُوسَى: أَقْبَلْتُ مِنَ الْيَمَنِ, وَالنَّبِيُّ ﷺ , مُنِيخٌ بِالْبَطْحَاءِ, حَيْثُ حَجَّ, فَقَالَ: «أَحَجَجْتَ؟» , قُلْتُ: نَعَمْ, قَالَ: «كَيْفَ قُلْتَ؟» , قَالَ: قُلْتُ: لَبَّيْكَ بِإِهْلَالٍ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «فَطُفْ بِالْبَيْتِ, وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ, وَأَحِلَّ» , فَفَعَلْتُ, ثُمَّ أَتَيْتُ امْرَأَةً, فَفَلَتْ رَأْسِي, فَجَعَلْتُ أُفْتِي النَّاسَ بِذَلِكَ, حَتَّى كَانَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ, فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا مُوسَى, رُوَيْدَكَ بَعْضَ فُتْيَاكَ, فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي, مَا أَحْدَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي النُّسُكِ بَعْدَكَ, قَالَ أَبُو مُوسَى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ, مَنْ كُنَّا أَفْتَيْنَاهُ, فَلْيَتَّئِدْ (٣) , فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَادِمٌ عَلَيْكُمْ, فَائْتَمُّوا بِهِ, وَقَالَ عُمَرُ: إِنْ نَأْخُذْ بِكِتَابِ اللَّهِ, فَإِنَّهُ يَأْمُرُنَا بِالتَّمَامِ, وَإِنْ نَأْخُذْ بِسُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ , فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ , لَمْ يَحِلَّ, حَتَّى بَلَغَ (٤) الْهَدْىُ مَحِلَّهُ").
стр. 12692
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحديث متّفق عليه، وقد تقدّم قبل باب -٥٠/ ٢٧٣٨ - وتقدم البحث فيه مستوفًى هناك، ولنوضّح هنا بعض ما يُستشكلُ:
فـ"خالد": هو ابن الحارث الهجيميّ.
وقوله: "منيخ" اسم فاعل من أناخ: إذا أبرك. وقوله: "حيث حجّ" قال السنديّ: كأنه بمعنى "حين حجّ" من استعارة ظرف المكان للزمان. انتهى.
وقوله: "أحججت" أي أأحرمت بالحجّ؟.
وقوله: "فقلت رأسي" بالتخفيف: أي أخرجت ما فيه من القمل.
وقوله: "حتى كان في خلافة عمر" اسم "كان" ضمير يعود إلى الوقت، والجارّ والمجرور خبرها: أي إلى أن كان الوقت كائنا في خلافة عمر ﵁. وتمام الشرح تقدّم بالرقم المذكور. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٤٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, قَالَ: أَتَيْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ, فَسَأَلْنَاهُ عَنْ حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ , فَحَدَّثَنَا أَنَّ عَلِيًّا, قَدِمَ مِنَ الْيَمَنِ بِهَدْيٍ, وَسَاقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ هَدْيًا, قَالَ لِعَلِيٍّ: «بِمَا أَهْلَلْتَ؟» , قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَمَعِيَ الْهَدْيُ, قَالَ: «فَلَا تَحِلَّ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم في -٤٦/ ٢٧١٢ - وقد استوفيت شرحه، والكلام على مسائله هناك. وموضع الاستدلال هنا قوله: "اللَّهم إني أهلّ بما أهلّ به رسول اللَّه ﷺ "، حيث إنه أهلّ بما نواه غيره، وهو النبيّ ﷺ ، فأداه بذلك، فدلّ على جواز تعليق النية بنية غيره. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٤٤ - (أَخْبَرَنِي (١) عِمْرَانُ بْنُ يَزِيدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابِرٌ: قَدِمَ عَلِيٌّ مِنْ سِعَايَتِهِ, فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «بِمَا أَهْلَلْتَ يَا عَلِيُّ؟» , قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ , قَالَ: «فَاهْدِ, وَامْكُثْ حَرَامًا, كَمَا أَنْتَ» , قَالَ: وَأَهْدَي عَلِيٌّ لَهُ هَدْيًا).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وهو عمران بن خالد بن يزيد، نُسب لجده، فإنه من أفراده، وهو ثقة.
و"شعيب": هو ابن إسحاق بن عبد الرحمن البصريّ، ثم الدمشقيّ.
وقوله: "عن ابن جُريج، قال عطاء الخ" يقدّر قبل قوله: "قال عطاء" "أنه قال"، أي قال ابن جريج: قال عطاء الخ. فجملة "قال عطاء" مقول القول المقدّر. وجملة: "قال
стр. 12693
جابر الخ" مقول "قال عطاء".
وقوله: "من سعايته" بكسر السين، أي من عمله.
وقوله: "وامكث حرامًا كما أنت". قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: أي ابْقَ محرمًا على ما أنت عليه من الإحرام.
قيل: ما فائدة قوله: "كما أنت"، وقوله: "وامكث محرمًا" يغني عنه.
قلت: كأنه صرّح بذلك تنبيهًا على أن ما عليه إحرام ليتبيّن بذلك أن الإحرام المبهم إحرام شرعًا، وهذا مطلوب مهمٌ، فيحتاج إلى زيادة التنبيه. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: ذكر ابن هشام الأنصاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في كتابه "مغني اللبيب" إعراب قوله: "كن كما أنت": قيل: إن المعنى: على ما أنت عليه، وللنحويين في هذا المثال أعاريب:
(أحدها): هذا، وهو أن ما موصولة، وأنت مبتدأ، حُذف خبره. (والثاني): أنها موصولة، وأنت خبر حُذف مبتدؤه، أي كالذي هو أنت، وقد قيل بذلك في قوله تعالى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، أي كالذي هو لهم آلهة. (والثالث): أن "ما" زائدة ملغاة، والكاف أيضًا جارّة، و"أنت" ضمير مرفوع، أُنيب عن المجرور، كما في قولهم: ما أنا كأنت، والمعنى كن فيما يُستقبَلُ مماثلاً لنفسك فيما مضى. (والرابع): أن "ما" كافّة، و"اْنت " مبتدأ، حُذف خبره، أي "عليه"، أو "كائن" انتهى المقصود من كلام ابن هشام -رحمه اللَّه تعالى- (١). والحديث متّفق عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٤٥ - (أَخْبَرَنِي (٢) أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنِ الْبَرَاءِ, قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَلِيٍّ, حِينَ أَمَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْيَمَنِ, فَأَصَبْتُ مَعَهُ, أَوَاقِي, فَلَمَّا قَدِمَ عَلِيٌّ, عَلَى النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ عَلِيٌّ: وَجَدْتُ فَاطِمَةَ, قَدْ نَضَحَتِ الْبَيْتَ بِنَضُوحٍ, قَالَ: فَتَخَطَّيْتُهُ, فَقَالَتْ لِي: مَا لَكَ؟ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَمَرَ أَصْحَابَهُ, فَأَحَلُّوا, قَالَ: قُلْتُ: إِنِّي أَهْلَلْتُ بِإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ , فَقَالَ لِي: «كَيْفَ صَنَعْتَ؟» , قُلْتُ: إِنِّي أَهْلَلْتُ بِمَا أَهْلَلْتَ, قَالَ: «فَإِنِّي قَدْ سُقْتُ الْهَدْيَ, وَقَرَنْتُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن محمد بن جعفر" الطَّرَسُوسيّ، صدوق [١٢]. روى عن يحيى بن معين، وعاصم بن النضر الأحول. روى عنه المصنّف حديث
стр. 12694
الباب فقط، وجاء عنه منسوبًا في "الكبرى"، فقال: "طرسوسي". وقال ابن عساكر: إنما هو محمد بن أحمد بن جعفر الوكيعيّ، فقد ذكره النسائيّ في جملة شيوخه. وسماه مسلمة بن قاسم أحمد أيضًا، ووثقه. قال الحافظ: وهو وهم، ولم يذكر ابن يونس إلا محمد بن أحمد انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لم يظهر لي توهيم الحافظ المذكور؛ فإن المصنّف أدرى بمشايخه، وقد سماه هنا، وفي "الكبرى" أحمد بن محمد بن جعفر". فما هو سبب الوهم؟. واللَّه تعالى أعلم.
و"حجاج": هو ابن محمد الأعور المصّيصّي. والحديث صحيح، وقد تقدّم تمام البحث فيه في ٤٩/ ٢٧٢٥.
وقوله: "قد نضحت البيت" أي طيبته. وقوله: "بنضوح" بفتح النون: ضرب من الطيب، تفوح رائحته.
وقوله: "فتخطيته": أي تجاوزته، وإنما تخطّاه؛ لئلا يتلطخ به، وهو محرم.
وقوله: "فقالت لي: مالك؟ " أي قالت فاطمة - رضي اللَّه تعالى عنها -: أي شيء دعاك لتخطيه، وإنما قالت له ذلك لظنها أنه ممن تحلّل كغيره ممن لم يُهد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٥٣ - (إِذَا أَهَلَّ بِعمْرَةِ هَلْ يَجْعَل مَعَهَا حَجًّا)
٢٧٤٦ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ نَافِعٍ, أَنَّ ابْنَ عُمَرَ, أَرَادَ الْحَجَّ, عَامَ نَزَلَ الْحَجَّاجُ بِابْنِ الزُّبَيْرِ, فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ كَائِنٌ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ, وَأَنَا أَخَافُ (١) أَنْ يَصُدُّوكَ, قَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ , إِذًا أَصْنَعَ, كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , إِنِّي أُشْهِدُكُمْ, أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ عُمْرَةً, ثُمَّ خَرَجَ, حَتَّى إِذَا كَانَ بِظَاهِرِ الْبَيْدَاءِ, قَالَ: مَا شَأْنُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ, إِلاَّ وَاحِدٌ, أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ حَجًّا, مَعَ عُمْرَتِي, وَأَهْدَى هَدْيًا, اشْتَرَاهُ بِقُدَيْدٍ, ثُمَّ انْطَلَقَ يُهِلُّ بِهِمَا جَمِيعًا, حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ, فَطَافَ بِالْبَيْتِ, وَبِالصَّفَا
стр. 12695
وَالْمَرْوَةِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ, وَلَمْ يَنْحَرْ, وَلَمْ يَحْلِقْ, وَلَمْ يُقَصِّرْ, وَلَمْ يَحِلَّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ, حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ, فَنَحَرَ, وَحَلَقَ, فَرَأَى أَنْ قَدْ قَضَى طَوَافَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ, بِطَوَافِهِ الأَوَّلِ, وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي الثقة الثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (الليث) بن سعد الإمام الحجة الثبت المصري [٧] ٣١/ ٣٥.
٣ - (نافع) العدوي مولى ابن عمر المدني الفقيه، ثقة ثبت [٣] ١٢/ ١٢.
٤ - (ابن عمر) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من رباعيات المصنف ﵀، وهو (١٤١) من رباعيات الكتاب، وفيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ نَافِعٍ) العدويّ ﵀ (أَنَّ ابْنَ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -.
هذا السياق يُشعر بأن الحديث عن نافع، عن ابن عمر بغير واسطة، لكن رواية جويرية الآتية في -١٠٢/ ٢٨٥٩ - تقتضي أن نافعًا حمل ذلك عن عبد اللَّه، وسالم ابني عبد اللَّه بن عمر، عن أبيهما، حيث قال فيها: عن جويرية، عن نافع، أن عبد اللَّه بن عبد اللَّه، وسالم بن عبد اللَّه أخبراه أنهما كلما عبد اللَّه بن عمر … فذكر القصّة، والحديث.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: هكذا قال البخاريّ عن عبد اللَّه بن محمد بن أسماء، ووافقه الحسن بن سفيان، وأبو يعلى عن عبد اللَّه، أخرجه الإسماعيليّ عنهما، وتابعهم معاذ بن المثنّى، عن عبد اللَّه بن محمد بن أسماء. أخرجه البيهقيّ. لكن في رواية موسى بن إسماعيل، عن جُويرية، عن نافع أن بعض بني عبد اللَّه بن عمر، قال له … فذكر الحديث. وظاهره أنه لنافع عن ابن عمر بغير واسطة. وقد عقّب البخاريّ رواية عبد اللَّه برواية موسى لينبّه على الاختلاف في ذلك، واقتصر في رواية موسى هنا على الإسناد، وساقه في "المغازي" بتمامه.
وقد رواه يحيى القطّان عن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، كذلك، ولفظه: "أن عبد اللَّه ابن عبد اللَّه، وسالم بن عبد اللَّه كلّما عبد اللَّه"، فذكر الحديث. أخرجه مسلم. وقد أخرجه البخاريّ في "المغازي" عن مسدّد، عن يحيى، مختصرًا، قال فيه: عن نافع،
стр. 12696
عن ابن عمر، أنه أهلّ، فذكر بعض الحديث. وفي قوله: عن نافع، عن ابن عمر دلالة على أنه لا واسطة بين نافع، وابن عمر فيه، كما هو ظاهر سياق مسلم. وأخرجه البخاريّ من طريق عمر بن محمد، عن نافع، مثل سياق يحيى، عن عبيد اللَّه سواء.
وأخرجه من طريق فُليح من طريق أيوب، والليث، كلهم عن نافع. وأعرض مسلم عن تخريج طريق جويرية، ووافق على طريق تخريج الليث، وأيوب، عن عبيد اللَّه بن عمر. وكذا أخرجه النسائيّ من طريق أيوب بن موسى، وإسماعيل بن أُميّة كلهم عن نافع، عن ابن عمر بغير واسطة.
قال: والذي يترجّح في نقدي أن ابني عبد اللَّه أخبرا نافعًا بما كلّما به أباهما، وأشارا عليه به من التأخّير ذلك العام، وأما بقيّة الفضّة فشاهدها نافع، وسمعها من ابن عمر؛ لملازمته إياه، فالمقصود من الحديث موصول، وعلى تقدير أن يكون نافع لم يسمع شيئًا من ذلك من ابن عمر، فقد عُرف الواسطة بينهما، وهي ولدا عبد اللَّه بن عمر، سالم، وعبد اللَّه، وهما ثقتان، لا مطعن فيهما. ولم أر من نبّه على ذلك من شُرّاح البخاريّ.
ووقع في رواية جويرية المذكورة عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بالتصغير، وفي رواية يحيى القطّان المذكورة عبد اللَّه بالتكبير، وكذا في رواية عمر بن محمد، عن نافع، قال البيهقيّ: عبد اللَّه -يعني مكبرًا- أصحّ.
قال الحافظ: وليس بمستبعد أن يكون كلّ منهما كلّم أباه في ذلك، ولعلّ نافعًا حضر كلام عبد اللَّه المكبّر مع أخيه سالم، ودم يحضر كلام عبيد اللَّه المصغّر مع أخيه سالم أيضًا، بل أخبراه بذلك، فقصّ عن كلّ ما انتهى إليه علمه انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "ووقع في رواية جويرية عبيد اللَّه مصغرًا الخ" هكذا في رواية البخاريّ من رواية محمد بن عبد اللَّه بن أسماء، عن جويرية، وإلا فرواية جويرية عند النسائيّ من طريق عبد اللَّه بن يزيد المقرئ عنه "عبد اللَّه بن عبد اللَّه" مكبرًا. وهذا الاختلاف يدلّ على أن المكبر أصحّ كما قاله البيهقيّ. واللَّه تعالى أعلم.
(أَرَادَ الْحَجَّ) وفي رواية البخاريّ من طريق مالك عن نافع: "أن عبد اللَّه بن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - حين خرج إلى مكة معتمرًا … ". قال الحافظ: لا اختلاف بينهما، فإنه خرج أوّلاً يريد الحجّ، فلما ذكروا له أمر الفتنة أحرم بالعمرة، ثم قال: ما شأنهما إلا واحدًا، فأضاف إليها الحجّ، فصار قارنًا انتهى (٢).
(عَامَ نَزَلَ الْحَجَّاجُ بِابْنِ الزُّبَيْرِ) أي جاء ليقاتله من قبل مروان بن الحكم. وفي رواية
стр. 12697
جويرية الآتية: "لما نزل الجيش بابن الزبير قبل أن يُقتل". وفي رواية للبخاريّ: "ليالي نزل الجيش بابن الزبير"، وفي رواية له: "في الفتنة"، وفي رواية له: "أراد ابن عمر الحجّ عام حجّ الحروريّة". قال الحافظ: قوله في هذه الرواية: "عام حجة الحرورية"، وفي رواية الكشميهني: "حجّ الحرورية في عهد ابن الزبير" مغايل لقوله في "باب طواف القارن" من رواية الليث، عن نافع: "عام نزل الحجاج بابن الزبير"؛ لأن حجة الحرورية كانت في السنة التي مات فيها يزيد بن معاوية، سنة أربع وستين، وذلك قبل أن يتسمّى ابن الزبير بالخلافة، ونزول الحجاج بابن الزبير كان في سنة ثلاث وسبعين, وذلك في آخر أيام ابن الزبير، فإما أن يُحمل على أن الراوي أطلق على الحجاج، وأتباعه حرورية؛ لجامع ما بينهم من الخروج على أئمة الحقّ، وإما أن يُحمل على تعدّد القصّة. انتهى (١).
وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وكان من شأن الزبير أنه لما مات معاوية بن يزيد ابن معاوية، ولم يستخلف، بقي الناس لا خليفة لهم جمادين، وأيامًا، من رجب، من سنة أربع وستين، فاجتمع من كان بمكة من أهل الحلّ والعقد، فبايعوا عبد اللَّه بن الزبير لتسع ليال بقين من رجب من السنة المذكورة، واستوسق له سلطان الجحاز، والعراق، وخراسان، وأعمال المشرق، وبايع أهل الشام، ومصر مروان بن الحكم في شهر رجب المذكور، ثم لم يزل أمرهما كذلك إلى أن توفّي مروان، وولي ابنه عبد الملك، فمنع الناس من الحجّ لئلا يبايعوا ابن الزبير، ثم إنه جيّش الجيوش إلى الحجاز، وأمّر عليهم الحجّاج، فقاتل أهل مكة، وحاصرهم إلى أن تغلّب عليهم، وقتل ابن الزبير، وصلبه، وذلك يوم الثلاثاء، لثلاث ليال، وقيل: لثلاث عشرة بقيت من جمادى الآخرة، سنة ثلاث وسبعين انتهى (٢).
(فَقِيلَ لَهُ) أي لابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -. وقع في رواية البخاريّ من طريق أيوب، عن نافع، أن القائل هو ولده عبد اللَّه بن عبد اللَّه، ولفظه: "قال عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر ﵄ لأبيه: أقم، فإني لا آمن أن ستُصدّ عن البيت … ". وفي رواية جويرية، عن نافع: أن عبد اللَّه بن عبد اللَّه، وسالم بن عبد اللَّه أخبراه أنهما كلما عبد اللَّه بن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ليالي نزل الجيش بابن الزبير، فقالا: لا يضرّك أن لا تحجّ العام، إنا نخاف أن يحال بينك وبين البيت … (إِنَّهُ كَائِنٌ بَيْنَهُمْ) أي بين جيش ابن الزبير وجيش الحجاج (قِتَالٌ) بالرفع على أنه فاعل "كائن" (وَأَنَا أَخَافُ أَنْ يَصُدُّوكَ) أي يمنعوك عن الوصول إلى البيت، وأداء نسكك (قَالَ) ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - (﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾) بضم الهمزة، وكسرها، وقد
стр. 12698
قرئ بهما في الآية
المذكورة. قاله القرطبيّ. أي قدوة حسنة (إِذًا أَصْنَعَ) بالنصب بـ "إذن"؛ لوجود شروط عملها التي أشار إليها ابن في "الخلاصة" بقوله:
وَنَصَبُوا بِـ "إِذَنٍ" الْمُسْتَقْبَلا … إِنْ صُدَّرَتْ وَالْفِعْلُ بَعْدُ مُوصَلَا
أَوْ قَبْلَهُ الْيَمِينُ وَانْصِبْ وَارْفَعَا … إِذَا "إِذَنْ" مِنْ بَعْدِ عَطْفٍ وَقَعَا
(كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّه ﷺ ) "ما" اسم موصول، أي كالذي صنعه ﷺ ، أو حرف مصدريّ، أي كصنعه ﷺ ، يعني أنه إن صُدّ عن البيت حلّ من إحرامه، كما حلّ رسول اللَّه ﷺ ، حين أُحصر بالحديبية؛ إذ صدّه المشركون عن البيت.
وقال النوويّ: وأما قوله: "صنعنا كما صنعنا مع رسول اللَّه ﷺ الخ": فالصواب في معناه أنه أراد إن صددت، وحُصرت تحللت كما تحللنا عام الحديبية مع النبيّ ﷺ . وقال القاضي: يحتمل أنه أراد أُهِلّ بعمرة كما أَهلّ النبيّ ﷺ بعمرة في العام الذي أُحصر.
قال: ويحتمل أنه أراد الأمرين، قال: وهو الأظهر. وليس بظاهر كما ادعاه، بل الصحيح الذي يقتضيه سياق كلامه ما قدّمناه انتهى.
وفي رواية جويرية: "فقال: "خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ ، فحال كفّار قريش دون البيت، فنحر رسول اللَّه ﷺ هديه، وحدق رأسه، وأُشهدكم أني قد أوجبت العمرة إن شاء اللَّه، أنطلق، فإن خُلّي بيني وبين البيت طُفت، وإن حِيل بيني وبين البيت فعلت ما فعل رسول اللَّه ﷺ ، وأنا معه … ".
(إِنّي) بكسر الهمزة (أُشْهِدُكمْ، أَنَّي قَدْ أَوْجَبْتُ عُمْرَةً) أي ألزمت نفسي ذلك، والإيجاب هنا معناه الإلزام، وإنما قال ذلك لتعليم من أراو الاقتداء به، فإن الإشهاد في مثل هذا لا يحتاج إليه، ولا التلفظ بذلك، والنية كافية في صحة الإحرام. قاله وليّ الدين.
وفي رواية جويرية عند البخاريّ: "فأهلّ بالعمرة من ذي الحليفة"، وفي رواية أيوب: "فأهل بالعمرة من الدار". والمراد بالدار المنزل الذي نزله بذي الحليفة.
ويحتمل أن يُحمل على الدار التي بالمدينة، ويُجمع بأنه أهلّ بالعمرة من داخل بيته، ثم أعلن بها، وأظهرها بعد أن استقرّ بذي الحليفة. قاله في "الفتح".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الاحتمال الثاني ضعيف، بل باطل, لأن رواية المصنّف الآتية ١٤٤/ ٢٩٣٣ من طريق أيوب السختياني، وأيوب بن موسى، وعبيد اللَّه كلهم، عن نافع، مصرّحة بما يزده، ولفظه: "قال: خرج عبد اللَّه بن عمر، فلما أتى ذا الحليفة، أهلّ بالعمرة، فسار قليلاً … "، فظهر بهذا أن الاحتمال الذي ذكروه في تفسير
стр. 12699
الدار بداره في المدينة غير صحيح، بل الصواب أنه المنزل الذي نزله بذي الحليفة.
ولأن ابن عمر ﵄ معروف بشدة اتباعه للنبيّ ﷺ فلا يمكن أن يخالفه في الإحرام قبل الميقات الذي حدّده ﷺ قولاً وفعلاً، وقد قدّمنا أن الأرجح أنه لا يجوز الإحرام قبل الميقات، فالمعنى الأول هو المتعيّن هنا. فتبصّر. واللَّه تعالى أعلم.
(ثُمَّ خَرَجَ) أي من المدينة (حَتَّى إِذَا كَانَ بِظَاهِرِ الْبَيْدَاءِ) وفي رواية جويرية: "ثم سار ساعة، ثم قال: إنما شأنهما واحد … "، قال الحافظ: وهو يؤيّد الاحتمال الأول الماضي في أن المراد بالدار المنزل الذي نزله بذي الحليفة. وقال أيضًا: ولو كان إيجابه العمرة من داره التي بالمدينة لكان ما بينها وبين ظاهر البيداء أكثر من ساعة انتهى.
(قَالَ) ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - (مَا شَأْنُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، إِلاَّ وَاحِدٌ) أي فيما يتعلّق بالإحصار، والإحلال. وقال القرطبيّ: أي في حكم الصدّ، يعني أنه من صُدّ عن البيت بعدوّ، فله أن يحلّ من إحرامه، سواء كان محرمًا بحجّ، أو عمرة، وإن كان النبيّ ﷺ إنما صُدّ عن عمرة؛ لكن لما كان الإحرام بالحجّ مساويًا للإحرام بالعمرة في الحكم حمله عليه انتهى.
وقال النووي: فيه صحة القياس، والعمل به، وأن الصحابة ﵃ كانوا يستعملونه، فلهذا قاس الحجّ على العمرة؛ لأن النبيّ ﷺ إنما تحلّل من الإحصار بعمرة عام الحديبية من إحرامه بعمرة وحدها انتهى (١).
قال الحافظ وليّ الدين: ما ذكره في معنى كلام ابن عمر لا يتعيّن، فقد يكون معناه: ما أمرهما إلا واحد في إمكان الإحصار عن كلّ منهما، فكأنه كان أولاً رأى الإحصار عن الحجّ أقرب من الإحصار عن العمرة لطول زمن الحجّ، وكثرة أعماله، بخلاف العمرة، ويدلّ لهذا قوله في رواية عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع بعد قوله: "ما أمرهما إلا واحد": "إن حيل بيني وبين العمرة حيل بيني وبين الحجّ"، وهو في "الصحيح" انتهى (٢).
(أُشْهِدُكُمْ أَنَّي قَدْ أَوْجَبْتُ حَجًّا، مَعَ عُمْرَتِي) يعني أنه أدرف الحجّ على عمرته المتقدّمة، فصار قارنا. وفيه حجة على جواز إدخال الحج على العمرة، وهو مذهب الجمهور (وَأَهْدَى) بفتح الهمزة، فعل ماض من الإهداء (هَدْيًّا، اشْتَرَاهُ بِقُدَيْدٍ) بضم القاف مصغّرًا: موضع بين مكة والمدينة. يعني أنه قلّده هناك، وأشعره، ويعني به الهدي الذي وجب عليه لأجل قرانه.
стр. 12700
وروى علي بن عبد العزيز، عن القعنبيّ، عن مالك في هذا الحديث: "وأهدى شاة"، فزاد ذكر الشاة، قال ابن عبد البرّ: وهو غير محفوظ عن ابن عمر، والدليل على غلطه أن ابن عمر كان مذهبه فيما استيسر من الهدي بقرة دون بقرة، أو بدنة دون بدنة.
ذكره عبد الرزّاق عن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عنه. وروى مالك، عن نافع، عن ابن عمر، قال: ما استيسر من الهدي: البدنة، والبقرة. وروي عن عمر، وابن عبّاس، وعليّ، وغيرهم: ما استيسر من الهدي شاة، وعليه العلماء انتهى (١).
(ثُمَّ انْطَلَقَ يُهِلُّ بِهمَا جَمِيعًا) أي ذهب إلى البيت يرفع صوته بالحج والعمرة معًا (حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَطَافَ بالْبَيْتِ) يعني طواف القدوم، فقد حصل له ما أراده، ولم يقع له شيء مما توهّمه من الصَدّ (وَبالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) أي سعى بينهما (وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَنْحَرْ) هديه (وَلَمْ يَحْلِقْ) رأسهَ (وَلَمْ يُقَصَّرْ، وَلَمْ يَحِلَّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ) "كان" هنا تامّة، ولذا اكتفت بمرفوعها: أي حتى جاء يوم النحر (فنَحَرَ، وَحَلَقَ، فَرَأَى أَنْ قَدْ قَضَى طَوَافَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةِ، بِطَوَافِهِ الأَوَّلِ) قال القرطبيّ: يعني الطواف بين الصفا والمروة، وأما الطواف بالبيت، فلا يصحّ أن يقال فيه: إنه اكتفى بطواف القدوم عن طواف الإفاضة؛ لأنه هو الركن الذي لا بدّ منه للمفرد، والقارن، ولا قائل بأن طواف القدوم يُجزىء عن طواف الإفاضة بوجه انتهى (٢).
وقال ابن عبد البرّ: فيه حجة لمالك في قوله: إن طواف القدوم إذا وُصل بالسعي يُجزىء عن طواف الإفاضة لمن تركه جاهلاً، أو نسيه، حتى رجع إلى بلده، وعليه الهدي، قال: ولا أعلم أحدًا قاله غيره، وغير أصحابه. انتهى (٣).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الصواب ما قاله القرطبيّ، من أن المراد بالطواف السعي، لا الطواف بالبيت، فإنه لا يكفى الطواف الأول عن الإفاضة، بدليل حديث جابر ﵁ الصحيح، قال: "لم يطف النبيّ ﷺ ، ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا، طوافه الأول". فإن هذا صريح في كون المراد بالطواف الأول في حديث ابن عمر المذكور هو السعي بين الصفا والمروة، لا الطواف بالبيت، فإن جابرًا، وغيره قد نصّوا على أنه ﷺ ، وأصحابه أفاضوا يوم النحر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
وأما ما أطال به السنديّ نفسه، فلا أرى لنقله هنا وَجْهًا؛ لأن ما سبق يغني عنه، وأما استبعاده إطلاق الطواف على السعي، فعجيب منه، فإن هذا الحديث نفسه يُبطل ذلك،
стр. 12701
فإنه قال: "فطاف بالبيت، وبالصفا والمروة"، وما أكثر مثل هذه العبارة في الأحاديث. فتبصّر، ولا تتحيّر، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) يعني أنه اكتفى بالطواف بين الصفا والمروة حين طاف للقدوم، ولم يُعِد السعي. وفيه حجة للجمهور على أبي حنيفة: إذ قال: إن القارن لا يكتفي بعمل واحد، بل لا بدّ من عمل كلّ واحد من الحجّ والعمرة، وسيأتي تحقيق القول في ذلك في محله، باب "طواف القارن" -١٤٤/ ٢٩٣٢ - إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٣/ ٢٧٤٦ و ١٠٢/ ٢٨٥٥ و ١٤٤/ ٢٩٣٢ و ٢٩٣٣ - وفي "الكبرى" ٥٣/ ٣٧٢٧ و ١٠١/ ٣٨٤٢ و ١٣٩/ ٣٩١٣ و ٣٩١٤. وأخرجه (خ) في "الحج" ١٦٣٩ و ١٦٤٠ و ١٦٩٣ و ١٧٠٨ و ١٧٢٦ و ١٧٣٢ و ١٨٠٦ و ١٨٠٨ و ١٨١٠ و ١٨١٢ و ١٨١٣ و"المغازي" ٤١٨٣ و ٤١٨٤ و ٤١٨٥ (م) في "الحج" ١٢٣٠ و ١٣٠١ و ١٣٠٤ (ت) في "الحج" ٩١٣ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٤٤٦٦ و ٤٥٨١ و ٤٥٨٢ و ٤٩٤٤ و ٥١٤٣ و ٥٢٧٦ و ٥١٣٠٠ و ٦١٨٨ و ٦٢٣٢ و ٦٣٥٥ (الموطأ) في "الحجّ" ٨٠٨ (الدارمي) في "المناسك" ١٨٩٣. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو جواز إدخال الحجّ على العمرة. (ومنها): أن من أحصره العدوّ، أي منعه عن المضيّ في نسكه، سواء كان حجًا أو عمرة، جاز له التحلّل بأن ينحر هديه، ويحلق رأسه، أو يقصّر. والتحلّل بإحصار العدوّ مجمع عليه في الجملة، حكاه ابن المنذر عن كلّ من يُحفظ عنه من أهل العلم، وبه قالت الأئمة الأربعة، وإن اختلفوا في تفاصيل، وتفاريع، سيأتي توضيحها في مَحَلّها، باب "فيمن أُحصر بعدو" -١٠٢/ ٢٨٥٩ - إن شاء اللَّه تعالى.
(ومنها): أنه يجوز للحاج أن يخرج في الطريق المخوف إذا لم يتيقّن بالسوء، ورجى السلامة، وليس ذلك من إلقاء النفس إلى التهلكة. (ومنها): أن القارن يقتصر على طواف واحد، وسعي واحد، وبه قال الجمهور، وخالف الحنفية في ذلك، فأوجبوا
стр. 12702
عليه طوافين، وسعيين، وسيأتي تحقيق فيه في محله إن شاء اللَّه تعالى.
(ومنها): أن القارن يهدي كالمتمتع، وبه قال العلماء، من فضّل منهم القران على غيره، ومن جعله مرجوحًا، ومن قال بإتيان القارن بأعمال النسكين، ومن قال بالاقتصار على عمل واحد. وخالف في ذلك ابن حزم، فقال: لا هدي على القارن. والراجح قول الجمهور, لأن التمتع والقران معناهما واحد في اللغة، وعرف السلف، فتشلمهما آية ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في مذاهب أهل العلم في إدخال الحجّ على العمرة، وعكسه:
ذهب جمهور السلف والخلف إلى جواز إدخال الحجّ على العمرة، وهو قول الأئمة الأربعة، لكن شرطه عند أكثرهم أن يكون قبل طواف العمرة، ثم اختلفوا، فقالت الشافعيّة، والحنابلة: الشرط في صحّته أن يكون قبل الشروع في الطواف، وبه قال أشهب من المالكيّة، وصوّبه ابن عبد البرّ.
وقالت الحنفيّة: الشرط أن يكون قبل مضيّ أكثر الطواف، فمتى كان إدخاله الحجّ على العمرة بعد مضيّ أربعة أشواط لم يصحّ. وقال ابن القاسم: يصحّ ما لم يكمل الطواف. وعنه رواية أخرى ما لم يركع ركعتي الطواف. وقال القاضي أبو محمد من المالكيّة: يصحّ ما لم يكمل السعي. فهذا مع ما تقدّم عن أشهب أربعة أقوال عند المالكيّة. وشذّ بعض الناس فمنع إدخال الحجّ على العمرة، وقال: لا يُدخَل إحرام على إحرام، كما لا تُدخل صلاة على صلاة. وحكاه ابن عبد البرّ عن أبي ثور، ثم نقل الإجماع على خلافه.
وأما إدخال العمرة على الحجّ فمنعه الجمهور، وهو قول مالك، والشافعيّ، وأحمد. وجوّزه أبو حنيفة، وهو قول قديم للشافعيّ. قاله وليّ الدين (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة -رحمه اللَّه تعالى- من جواز إدخال الحجّ على العمرة هو الحقّ عندي؛ لأن النبيّ ﷺ فعله، ولم يرد نصّ يمنع عنه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
стр. 12703
٥٤ - (كَيْفَيَّةُ التَّلْبِيَةِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "التلبية": مصدر لَبّى: إذا قال: لبيك. قال الفيّوميّ: وألبّ بالمكان إلبابًا: أقام، ولبّ لبًّا، من باب قتل لغة فيه، وثُنّي هذا المصدر، مضافًا إلى كاف المخاطب، وقيل: لبيك، وسعديك: أي أنا ملازم طاعتك لزومًا بعد لُزوم. وعن الخليل أنهم ثنّوه على جهة التأكيد، وقال: اللبّ: الإقامة، وأصل لبيك: لبين لك، فحُذفت النون للإضافة. وعن يونس أنه غير مثنى، بل اسم مفرد، يتّصل به الضمير بمنزلة "على"، و"لدى"، إذا اتّصل به الضمير. وأنكره سيبويه، وقال: لو كان مثل "على"، و"لدى" ثبتت الياء مع المضمر، وبقيت الألف مع الظاهر، وحكي من كلامهم: "لبّيْ زيد" بالياء مع الإضافة إلى الظاهر، فثبوت الياء مع الإضافة إلى الظاهر يدلّ على أنه ليس مثل "على"، و"لدى". ولبّى الرجل تلبية: إذا قال: لبيك، ولبّى بالحجّ كذلك. قال ابن السكّيت: وقالت العرب: لبَأْتُ بالحجّ بالهمز، وليس أصله الهمز، بل الياء. وقال الفرّاء: وربّما خرجت بهم فصاحتهم حتى هَمَزُوا ما ليس بمهموز، فقالوا: لبّأْتُ بالحجّ، ورثأتُ الميت، ونحو ذلك، كما يتركون الهمز إلى غيره فصاحة، وبلاغة انتهى كلام الفيّوميّ (١).
وقال في "الفتح": "التلبية: مصدر لبّى: أي قال: لبيك، ولا يكون عامله إلا مضمرًا. وهو لفظ مثنى عند سيبويه، ومن تبعه. وقال يونس بن حبيب: هو اسم مفرد، وألفه إنما انقلبت ياء لاتصالها بالضمير، كـ"لديّ"، و"عليّ". ورد بأنها تقلب ياء مع المظهر. وعن الفرّاء: هو منصوب على المصدر، وأصله لبًّا لك، فثُنّي على التأكيد، أي إلبابًا بعد إلباب، وهذه التثنية ليست حقيقية، بل هي للتكثير، أو المبالغة، ومعناه: إجابة بعد إجابة، أو إجابةً لازمةً. قال ابن الأنباريّ: ثنّوا "لبيك" كما ثنّوا "حَنَانيك"، أي تحتنًا بعد تحنّن. وقيل: معنى "لبيك": اتجاهي، وقصدي إليك، مأخوذ من قولهم: داري تلب دارك، أي تواجهها. وقيل: معناها: مَحَبَّتِي لك، مأخوذ من قولهم: امرأة لبّة: إذا كانت محبّةً ولدها، عاطفة عليه. وقيل: معناها: إخلاصي لك، مأخوذ من قولهم: حسبٌ لباب، إذا كان خالصًا محضًا، ومن ذلك لبّ الطعام، ولُبابه. وقيل: معناها: أنا مقيم على طاعتك، وإجابتك، مأخوذ من قولهم: لبّ الرجلُ بالمكان،
стр. 12704
وألبّ: إذا أقام فيه، ولزمه. قال ابن الأنباريّ: وبهذا قال الخليل، والأحمر، وقال إبراهيم الحربيّ: معنى "لبيك" قربًا منك، وطاعة، والإلباب: القرب. وقال أبو نصر: معناه: أنا مُلبّ بين يديك، أي خاضع. حكى هذه الأقوال القاضي عياض، وغيره.
قال الزمخشريّ في "الفائق": وهو منصوب على المصدر، للتكثير، ولا يكون عامله إلا مضمرًا، كأنه قال: أُلِبُّ إلبابًا بعد إلباب.
قال ابن عبد البرّ: ومعنى "التلبية": إجابة اللَّه فيما فرض عليهم من حجّ بيته، والإقامة على طاعته، فالمحرم بتلبيته مستجيب لدعاء اللَّه إياه في إيجاب الحجّ عليه، ومن أجل الاستجابة -واللَّه أعلم- لبّى؛ لأن من دُعي، فقال: لبيك، فقد استجاب. ثم قال: وقال جماعة، من أهل العلم: إن معنى التلبية إجابة إبراهيم ﵇ حين أذّن في الناس بالحجّ. وقال القاضي عياض: قيل: وهذه الإجابة لقوله تعالى لإبراهيم ﵇: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ انتهى.
قال الحافظ: وهذا أخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم بأسانيدهم في "تفاسيرهم" عن ابن عبّاس، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، وقتادة، وغير واحد، والأسانيد إليهم قويّة، وأقوى ما فيه عن ابن عباس ما أخرجه أحمد بن منيع في "مسنده"، وابن أبي حاتم من طريق قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عنه، قال: "لما فرغ إبراهيم ﵇ من بناء البيت، قيل له: أذّن في الناس بالحجّ، قال: ربّ، وما يبلغ صوتي؟، قال: أذّن، وعلي البلاغ، قال: فنادى إبراهيم: يا أيها الناس كتب عليكم الحجّ إلى البيت العتيق، فسمعه من بين السماء والأرض، أفلا ترون أن الناس يجيئون من أقصى الأرض، يُلبّون".
ومن طريق ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عبّاس، وفيه: "فأجابوه بالتلبية في أصلاب الرجال، وأرحام النساء، وأول من أجاب أهل اليمن، فليس حاجّ يحجّ من يومئذ إلى أن تقوم الساعة إلا من كان أجاب إبراهيم يومئذ".
قال ابن المنيّر في "الحاشية": وفي مشروعيّة التلبية تنبيه على إكرام اللَّه تعالى لعباده بأن وفودهم على بيته إنما كان باستدعاء منه انتهى ما في "الفتح" بزيادة من "طرح التثريب" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٧٤٧ - (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, قَالَ: إِنَّ سَالِمًا أَخْبَرَنِي, أَنَّ أَبَاهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُهِلُّ, يَقُولُ:
стр. 12705
«لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ, لَبَّيْكَ, لَا شَرِيكَ لَكَ, لَبَّيْكَ, إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ, وَالْمُلْكَ, لَا شَرِيكَ لَكَ» , وَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ, كَانَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , يَرْكَعُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ, ثُمَّ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ النَّاقَةُ قَائِمَةً, عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ, أَهَلَّ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عيسى بن إبراهيم) ابن عيسى بن مَثْرود، أبو موسى المصري، ثقة من صغار [١٠] ٣١/ ٨١٩.
٢ - (ابن وهب) عبد اللَّه، أبو محمد المصري ثقة ثبت [٩] ٩/ ٩.
٣ - (يونس) بن يزيد الأيلي، ثقة [٧] ٩/ ٩.
٤ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري المدني الحجة الثبت [٤] ١/ ١.
٥ - (سالم) بن عبد اللَّه بن عمر المدني الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٢٣/ ٤٩٠.
٦ - (أبوه) عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀، وأن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده وأبي داود، والترمذي، وأن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، والثاني بالمدنيين، وفيه رواية تابعي عن تابعي، والابن عن أبيه، وفيه سالم أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه ابن عمر ﵄ من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، أنه (قَالَ: إِنَّ سَالِمًا أَخْبَرَنِي، أَنَّ أَبَاهُ) عبد اللَّه بن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُهِلُّ) بضمّ أوله، من الإهلال، أي يرفع صوته (يَقُولُ) بدل من "يُهلّ"، أو في محلّ نصب حال من الفاعل (لَبَّيْكَ) تقد الكلام في اشتقاقها، ومعناها قريبًا (اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ) أي يا اللَّه أنا مقيم ببابك إقامة بعد إقامة، ومجيب نداءك إجابة بعد إجابة، فتثنية "لبيك" تفيد التكرار والتأكيد، كما قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ الآية [الملك: ٤] أي كرات كثيرة، وتكرار "لبيك" لزيادة التأكيد، كما أن دخول جملة "اللَّهم" بين المؤكَّد والمؤكَّد لذلك أيضًا (لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، لَبَّيْكَ) قيل: إنه استئناف، فيستحسن الوقف على "لبيك" الثانية، كما يستحسن على الرابعة. قال القاري: التلبية الأولى المؤكدة بالثانية لإثبات الألوهيّة،
стр. 12706
وهذه بطرفيها لنفي الشركة النديّة، والمثليّة في الذات والصفات انتهى (١)
(إِنَّ الْحَمْدَ) روي بكسر الهمزة على الاستئناف، وفتحها على التعليل، وجهان مشهوران لأهل الحديث واللغة. قال الجمهور: والكسر أجود. وحكاه الزمخشريّ عن أبي حنيفة، وابن قُدامة عن أحمد بن حنبل. وحكاه ابن عبد البرّ عن اختيار أهل العربيّة. وقال الخطابيّ: الفتح رواية العامّة. وحكاه الزمخشريّ عن الشافعيّ. وقال ثعلب: الاختيار الكسر، وهو أجود في المعنى من الفتح؛ لأن من كسر جعل معناه: إن الحمد، والنعمة لك على كلّ حال، ومن فتح قال: معناه: لبيك لهذا السبب. وكذا رجّح الكسر ابن دقيق العيد، والنوويّ، قال ابن دقيق العيد: لأنه يقتضي أن تكون الإجابة مطلقة غير معلّلة، وأن الحمد، والنعمة للَّه على كلّ حال، والفتح يدلّ على التعليل، فكأنه يقول: أجبتك لهذا السبب، والأول أعمّ، وأكثر فائدة. وقال ابن الهمام: الكسر أوجه، ويجوز الفتح، أما الكسر فهو على استئناف الثناء، وتكون التلبية للذات، والفتح على أنه تعليل للتلبية، أي لبيك؛ لأن الحمد والنعمة لك. ومال الباجيّ إلى أنه لا مزيّة لأحد الوجهين على الآخر. وقال ابن عبد البرّ: المعنى عندي واحد, لأنه يحتمل أن يكون من فتح الهمزة أراد لبيك لأن الحمد على كلّ حال، والملك لك، والنعمة وحدك، دون غيرك، حقيقة، لا شريك لك.
وتعقّب بأن التقييد ليس في الحمد، وإنما هو في التلبية، فمعنى الفتح تلبيته بسبب أن له الحمد، ومعنى الكسر تلبيته مطلقًا، غير معلّل، ولا مقيّد، فهو أبلغ في الاستجابة للَّه.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن هذا التعقّب فيه نظر؛ لأن التقييد والإطلاق هنا سواء في المعنى؛ لأن ما قُيّد بما لا حصر له، ولا نهاية، مثل الإطلاق، ولا فرق، فثبوت الحمد للَّه تعالى لا نهاية، ولا حصر له، فالتلبية المقيدة به، كالتلبية المطلقة في المعنى، فما قاله ابن عبد البرّ لا غبار عليه.
والحاصل أنه لا فرق في الحقيقة هنا بين الكسر، والفتح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(وَالنَّعْمَةَ لَكَ) المشهور فيه النصب. قال عياضك ويجوز الرفع على الابتداء، ويكون الخبر محذوفًا والتقدير: إن الحمد لك، والنعمةُ مستقرّة لك. قال ابن الأنباريّ: إن شئت جعلت خبر "إنّ" محذوفًا، والموجود خبر المبتدإ تقديره: إن الحمد لك، والنعمة
стр. 12707
مستقرّة لك (وَالْمُلْكَ) بالنصب أيضًا على المشهور، ويجوز الرفع، وتقديره: والملك كذلك. قاله الحافظ. وقال الحافظ وليّ الدين: فيه وجهان أيضًا، أشهرهما النصب عطفًا على اسم "إنّ"، والثاني الرفع على الابتداء، والخبر محذوف؛ لدلالة الخبر المتقدم عليه. ويحتمل أن تقديره: والملك كذلك. وقال القاري: بالنصب عطف على "الحمد"، ولذا يستحبّ الوقف عند قوله: "والملك".
قال ابن المنيّر: قرن الحمد والنعمة، وأفرد "الملك"؛ لأن الحمد متعلَّق النعمة، ولهذا يقال: الحمد للَّه على نعمه، فيجمع بينهما، كأنه قال: لا حمد إلا لك؛ لأنه لا نعمة إلا لك، وأما الملك فهو معنى مستقلّ بنفسه، ذُكر لتحقيق أن النعمة كلها للَّه؛ لأنه صاحب الملك. قال القاري: ولا مانع من أن يكون "الملك" مرفوعًا، وخبره قول (لَا شَرِيكَ لَكَ) أي فيه.
(وَأَنَّ) بفتح همزة "أنّ" لكونه معطوفًا على "أنّ أباه"، أي وأخبرني أن (عَبْدَ اللَّه بْنَ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (كَانَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللُّهِ ﷺ ، يَرْكَعُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ) أي يصلي ركعتين، والظاهر أنهما صلاة الظهر. قال العلامة اين القيّم -رحمه اللَّه تعالى-: لم يُنقل عنه ﷺ أنه صلى للإحرام ركعتين غير فرض الظهر. وقال: المحفوظ أنه إنما أهلّ بعد صلاة الظهر، وقال أيضًا: قد قال ابن عمر: "ما أهلّ رسول اللَّه ﷺ إلا من عند الشجرة حين قام به بعيره. وقد قال أنس: إنه صلى الظهر، ثم ركب. والحديثان في "الصحيح"، فإذا جمعت أحدهما إلى الآخر تبيّن أنه إنما أهلّ بعد صلاة الظهر انتهى مخلصًا. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه اللَّه تعالى- في "مناسكه": يستحبّ أن يُحرم عقب صلاة، إما فرض، وإما تطوّع، إن كان وقت تطوّع، في أحد القولين، وفي الآخر: إن كان يصلّي فرضًا أحرم عقبه، وإلا فليس للإحرام صلاة تخصّه، وهذا أرجح انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما رجّحه شيخ الإسلام -رحمه اللَّه تعالى- هو الذي يظهر لي. واللَّه تعالى أعلم.
(ثمَّ، إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ النَّاقةُ قَائِمَةً) أي اعتدلت قائمة من بروكها (عِنْدَ مَسْجدِ ذِي الخلَيْفَةِ، أَهَلَّ) أي رفع صوته (بِهؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ) أي بكلمات التلبية السابقة. واللهَ تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد اللَّه بن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفق عليه.
стр. 12708
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٤/ ٢٧٤٧ و ٢٧٤٨ و ٢٧٤٩ و ٢٧٥٠ - وفي "الكبرى" ٥٤/ ٣٧٢٨ و ٣٧٢٩ و ٣٧٣٥ و ٣٧٣١. وأخرجه (خ) في "الحجّ" ١٥٤٩ و"اللباس" ٥٩١٥ (م) ١١٨٤ في "الحجّ" (د) في "المناسك" ١٨١٢ (ت) في "الحج" ٨٢٥ (ق) في "المناسك" ٢٩١٨ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٤٤٤٣ و ٤٨٠٦ و ٤٨٧٧ و ٤٩٧٧ و ٤٩٩٩ و ٥٠٥١ و ٥٠٦٧ و ٥١٣٢ و ٥٤٨٤ و ٥٩٨٥ و ٦١١١ (الموطأ) في "الحج" ٧٣٨ (الدارمي) في "المناسك" ١٨٠٨. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان كيفية التلبية. (ومنها): أن فيه دلالة على أن مشروعيّة الحجّ لإظهار الفاقة، والتضرع إلى اللَّه تعالى، والابتهال، والثناء، والتوحيد، والتمجيد. (ومنها): استحباب الإحرام بعد أداء ركعتين؛ لأنه ﷺ أحرم بعدهما. (ومنها): أن وقت الإهلال حينما يركب دابته، أو سيارته، أو نحو ذلك. (ومنها): أن الإحرام يكون عند الميقات المحدّد، لا قبله، ولا بعده؛ إذ لم ينقل عنه ﷺ التقديم عليه، ولا التأخير عنه، فما قاله بعض أهل العلم من استحباب الإهلال من دُويرة أهله مخالف للسنة قولاً، وفعلاً. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف العلماء في حكم الزيادة على التلبية المذكورة:
قال الإمام أبو جعفر الطحاويّ -رحمه اللَّه تعالى- بعد أن أخرج أحاديث التلبية من حديث ابن عمر، وابن مسعود، وعائشة، وجابر، وعمرو بن معديكرب: أجمع المسلمون على هذه التلبية، غير أن قوماً قالوا: لا بأس أن يزيد فيها من الذكر للَّه ما أحبّ، وهو قول محمد، والثوريّ، والأوزاعيّ، واحتجّوا بحديث أبي هريرة - يعني الذي أخرجه النسائيّ، وابن ماجه، وصححه ابن حبّان، والحاكم- قال: "كان من تلبية رسول اللَّه ﷺ لبيك إله الحقّ لبيك" (١) وبزيادة ابن عمر الآتي برقم - ٢٧٥٠ - .
وخالفهم آخرون، فقالوا: لا ينبغي ان يزاد على ما علمه رسول اللَّه ﷺ الناس، كما في حديث عمرو بن معديكرب، ثم فعله هو، ولم يقل: لبّوا بما شئتم مما هو من جنس هذا، بل علّمهم كما علّمهم التكبير في الصلاة، فكذا لا ينبغي أن يتعدّى في ذلك شيئًا
стр. 12709
مما علّمه. ثم أخرج حديث عامر بن سعد بن أبي وقّاص، عن أبيه، أنه سمع رجلاً يقول: "لبيك ذا المعارج"، فقال: إنه لذو المعارج، وما هكذا كنا نلبّي على عهد رسول اللَّه ﷺ . قال: فهذا سعد قد كره الزيادة في التلبية، وبه نأخذ انتهى.
قال الحافظ: ويدلّ على الجواز ما وقع عند النسائيّ من طريق عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود ﵁ قال: "كان من تلبية النبيّ ﷺ … "، فذكره. ففيه دلالة على أنه قد كان يلبّي بغير ذلك، وما رواه مسلم عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: "كان عمر يُهلّ بهذا -يعني تلبية النبيّ ﷺ المذكور في الباب- ويزيد: لبيك اللَّهم لبيك، وسعديك، والخير كله في يديك، والرغباء إليك، والعمل".
وروى سعيد بن منصور، من طريق الأسود بن يزيد، أنه كان يقول: "لبيك غفار الذنوب".
وفي حديث جابر الطويل في صفة حجة النبيّ ﷺ : "حتى إذا استوت به ناقته على البيداء أهلّ بالتوحيد، لبيك اللَّهم لبيك الخ"، قال: "وأهلّ الناس بهذا الذي يهُلّون به، فلم يردّ عليهم شيئًا منه، ولزم تلبيته".
وأخرجه أبو داود من الوجه الذي أخرجه مسلم، قال: "والناس يزيدون: ذا المعاج، ونحوه من الكلام، والشعبي ﷺ يسمع، فلا يقول لهم شيئًا". وفي رواية البيهقيّ: "ذا المعارج، وذا الفواضل".
وهذا يدلّ على أن الاقتصار على التلبية المرفوعة أفضل لمداومته هو ﷺ عليها، وأنه لا بأس بالزيادة؛ لكونه لم يردّها عليهم، وأقرّهم عليها.
وهو قول الجمهور، وبه صرّح أشهب. وحكى ابن عبد البرّ عن مالك الكراهة، قال: وهو أحد قولي الشافعيّ. وقال الشيخ أبو حامد: حكى أهل العراق عن الشافعيّ -يعني في القديم- أنه كره الزيادة على المرفوع، وغلطوا، بل لا يكره، ولا يستحبّ.
وحكى الترمذيّ عن الشافعيّ، قال: فإن زاد في التلبية شيئًا من تعظيم اللَّه فلا بأس، وأحبُّ إليّ أن يقتصر على تلبية رسول اللَّه ﷺ ، وذلك أن ابن عمر حفظ التلبية عنه، ثم زاد من قبله زيادة. ونصب البيهقيّ الخلاف بين أبي حنيفة، والشافعيّ، فقال: الاقتصار على المرفوع أحبّ، ولا ضيق على أحد أن يزيد عليها. قال: وقال أبو حنيفة: إن زاد فحسن. وحكى في "المعرفة" عن الشافعيّ قال: ولا ضيق على أحد في قول ما جاء عن ابن عمر، وغيره، من تعظيم اللَّه، ودعائه، غير أن الاختيار عندي أن يفرد ما روي عن النبيّ ﷺ في ذلك انتهى.
وهذا أعدل الوجوه، فيفرد ما جاء مرفوعًا، وإذا اختار قول ما جاء موقوفًا، أو أنشأه
стр. 12710
هو من قبل نفسه، مما يليق قاله على انفراده حتى لا يختلط بالمرفوع، وهو شبيه بحال الدعاء في التشهد، فإنه قال فيه: "ثم ليتخير من المسألة، والثناء ما شاء"، أي بعد أن يفرغ من المرفوع، كما تقدّم ذلك في موضعه انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله الحافظ تبعًا للإمام الشافعيّ -رحمهما اللَّه تعالى- تحقيق نفيسٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حقيقة الإحرام في الحجّ والعمرة، وحكمه:
(اعلم): أن الإحرام لغة هو الدخول في التحريم، يقال: أحرم الشخص: نوى الدخول في شيء حرُم عليه به ما كان حلالاً له، وهذا كما يقال: أنجد: إذا أتى نجدًا، وأتهم: إذا أتى تهامة. قاله الفيّوميّ.
وشرعًا: نية الدخول في النسك مع التلبية، أو سوق الهدي، لا نية أن يحجّ، أو يعتمر، فإن ذلك لا يسمى إحرامًا، وكذا التجرّد، وترك سائر المحظورات لكونه محرما بدونها. قال شيخ الإسلام ابن تيميّة -رحمه اللَّه تعالى-: لا يكون الرجل محرمًا بمجرّد ما في قلبه من قصد الحجّ ونيته، فإن القصد ما زال في القلب منذ خرج من بلده، بل لا بدّ من قول، أو عمل يصير به محرمًا، هذا هو الصحيح من القولين انتهى (١).
وقال العلامة ابن دقيق العيد -رحمه اللَّه تعالى-: الإحرام: الدخول في أحد النسكين، والتشاغل بأعمالهما، وقد كان شيخنا العلامة أبو محمد بن عبد السلام يستشكل معرفة حقيقة الإحرام جدًّا، ويبحث فيه كثيرًا، وإذا قيل: إنه النيّة اعترض عليه بأن النية شرط في الحجّ الذي الإحرام ركنه، وشرط الشيء غيره، ويعترض على أنه التلبية بأنها ليست بركن، والإحرام ركن، هذا أو قريب منه، وكان يحرم على تعيين فعل تتعلق به النية في الابتداء انتهى.
وقال العلامة الشوكاني -رحمه اللَّه تعالى- عند قول صاحب "حدائق الأزهار": وإنما ينعقد -أي الإحرام- بالنية مقارنة لتلبيد، أو تقليد: ما نصّه:
أقول: الإحرام هو مصير الشخص من الحالة التي كان يحلّ له فيها ما يحرم عليه بعدها إلى الحالة التي يحرم عليه فيها ما كان يحلّ له فيها, ولو لم يكن إلا مجرّد الكفّ عن محظورات الإحرام لكان ذلك معنى معقولاً لكلّ عاقل، كالصوم فإنه ليس إلا الكفّ عن تناول المفطرات، فمن قال: إنه لا يعقل معنى الإحرام، وإنه ليس هناك إلا مجرّد النية، وإن النية لا تُنوى، وإلا لزم التسلسل، فقد أخطأ خطأ بيّنًا، ومعلوم أن الشريعة