← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 12706–12745 · переход к 12711.

стр. 12706

وهذه بطرفيها لنفي الشركة النديّة، والمثليّة في الذات والصفات انتهى (١) (إِنَّ الْحَمْدَ) روي بكسر الهمزة على الاستئناف، وفتحها على التعليل، وجهان مشهوران لأهل الحديث واللغة. قال الجمهور: والكسر أجود. وحكاه الزمخشريّ عن أبي حنيفة، وابن قُدامة عن أحمد بن حنبل. وحكاه ابن عبد البرّ عن اختيار أهل العربيّة. وقال الخطابيّ: الفتح رواية العامّة. وحكاه الزمخشريّ عن الشافعيّ. وقال ثعلب: الاختيار الكسر، وهو أجود في المعنى من الفتح؛ لأن من كسر جعل معناه: إن الحمد، والنعمة لك على كلّ حال، ومن فتح قال: معناه: لبيك لهذا السبب. وكذا رجّح الكسر ابن دقيق العيد، والنوويّ، قال ابن دقيق العيد: لأنه يقتضي أن تكون الإجابة مطلقة غير معلّلة، وأن الحمد، والنعمة للَّه على كلّ حال، والفتح يدلّ على التعليل، فكأنه يقول: أجبتك لهذا السبب، والأول أعمّ، وأكثر فائدة. وقال ابن الهمام: الكسر أوجه، ويجوز الفتح، أما الكسر فهو على استئناف الثناء، وتكون التلبية للذات، والفتح على أنه تعليل للتلبية، أي لبيك؛ لأن الحمد والنعمة لك. ومال الباجيّ إلى أنه لا مزيّة لأحد الوجهين على الآخر. وقال ابن عبد البرّ: المعنى عندي واحد, لأنه يحتمل أن يكون من فتح الهمزة أراد لبيك لأن الحمد على كلّ حال، والملك لك، والنعمة وحدك، دون غيرك، حقيقة، لا شريك لك. وتعقّب بأن التقييد ليس في الحمد، وإنما هو في التلبية، فمعنى الفتح تلبيته بسبب أن له الحمد، ومعنى الكسر تلبيته مطلقًا، غير معلّل، ولا مقيّد، فهو أبلغ في الاستجابة للَّه. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن هذا التعقّب فيه نظر؛ لأن التقييد والإطلاق هنا سواء في المعنى؛ لأن ما قُيّد بما لا حصر له، ولا نهاية، مثل الإطلاق، ولا فرق، فثبوت الحمد للَّه تعالى لا نهاية، ولا حصر له، فالتلبية المقيدة به، كالتلبية المطلقة في المعنى، فما قاله ابن عبد البرّ لا غبار عليه. والحاصل أنه لا فرق في الحقيقة هنا بين الكسر، والفتح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (وَالنَّعْمَةَ لَكَ) المشهور فيه النصب. قال عياضك ويجوز الرفع على الابتداء، ويكون الخبر محذوفًا والتقدير: إن الحمد لك، والنعمةُ مستقرّة لك. قال ابن الأنباريّ: إن شئت جعلت خبر "إنّ" محذوفًا، والموجود خبر المبتدإ تقديره: إن الحمد لك، والنعمة

стр. 12707

مستقرّة لك (وَالْمُلْكَ) بالنصب أيضًا على المشهور، ويجوز الرفع، وتقديره: والملك كذلك. قاله الحافظ. وقال الحافظ وليّ الدين: فيه وجهان أيضًا، أشهرهما النصب عطفًا على اسم "إنّ"، والثاني الرفع على الابتداء، والخبر محذوف؛ لدلالة الخبر المتقدم عليه. ويحتمل أن تقديره: والملك كذلك. وقال القاري: بالنصب عطف على "الحمد"، ولذا يستحبّ الوقف عند قوله: "والملك". قال ابن المنيّر: قرن الحمد والنعمة، وأفرد "الملك"؛ لأن الحمد متعلَّق النعمة، ولهذا يقال: الحمد للَّه على نعمه، فيجمع بينهما، كأنه قال: لا حمد إلا لك؛ لأنه لا نعمة إلا لك، وأما الملك فهو معنى مستقلّ بنفسه، ذُكر لتحقيق أن النعمة كلها للَّه؛ لأنه صاحب الملك. قال القاري: ولا مانع من أن يكون "الملك" مرفوعًا، وخبره قول (لَا شَرِيكَ لَكَ) أي فيه. (وَأَنَّ) بفتح همزة "أنّ" لكونه معطوفًا على "أنّ أباه"، أي وأخبرني أن (عَبْدَ اللَّه بْنَ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (كَانَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللُّهِ ﷺ ، يَرْكَعُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ) أي يصلي ركعتين، والظاهر أنهما صلاة الظهر. قال العلامة اين القيّم -رحمه اللَّه تعالى-: لم يُنقل عنه ﷺ أنه صلى للإحرام ركعتين غير فرض الظهر. وقال: المحفوظ أنه إنما أهلّ بعد صلاة الظهر، وقال أيضًا: قد قال ابن عمر: "ما أهلّ رسول اللَّه ﷺ إلا من عند الشجرة حين قام به بعيره. وقد قال أنس: إنه صلى الظهر، ثم ركب. والحديثان في "الصحيح"، فإذا جمعت أحدهما إلى الآخر تبيّن أنه إنما أهلّ بعد صلاة الظهر انتهى مخلصًا. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه اللَّه تعالى- في "مناسكه": يستحبّ أن يُحرم عقب صلاة، إما فرض، وإما تطوّع، إن كان وقت تطوّع، في أحد القولين، وفي الآخر: إن كان يصلّي فرضًا أحرم عقبه، وإلا فليس للإحرام صلاة تخصّه، وهذا أرجح انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما رجّحه شيخ الإسلام -رحمه اللَّه تعالى- هو الذي يظهر لي. واللَّه تعالى أعلم. (ثمَّ، إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ النَّاقةُ قَائِمَةً) أي اعتدلت قائمة من بروكها (عِنْدَ مَسْجدِ ذِي الخلَيْفَةِ، أَهَلَّ) أي رفع صوته (بِهؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ) أي بكلمات التلبية السابقة. واللهَ تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد اللَّه بن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفق عليه.

стр. 12708

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٤/ ٢٧٤٧ و ٢٧٤٨ و ٢٧٤٩ و ٢٧٥٠ - وفي "الكبرى" ٥٤/ ٣٧٢٨ و ٣٧٢٩ و ٣٧٣٥ و ٣٧٣١. وأخرجه (خ) في "الحجّ" ١٥٤٩ و"اللباس" ٥٩١٥ (م) ١١٨٤ في "الحجّ" (د) في "المناسك" ١٨١٢ (ت) في "الحج" ٨٢٥ (ق) في "المناسك" ٢٩١٨ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٤٤٤٣ و ٤٨٠٦ و ٤٨٧٧ و ٤٩٧٧ و ٤٩٩٩ و ٥٠٥١ و ٥٠٦٧ و ٥١٣٢ و ٥٤٨٤ و ٥٩٨٥ و ٦١١١ (الموطأ) في "الحج" ٧٣٨ (الدارمي) في "المناسك" ١٨٠٨. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان كيفية التلبية. (ومنها): أن فيه دلالة على أن مشروعيّة الحجّ لإظهار الفاقة، والتضرع إلى اللَّه تعالى، والابتهال، والثناء، والتوحيد، والتمجيد. (ومنها): استحباب الإحرام بعد أداء ركعتين؛ لأنه ﷺ أحرم بعدهما. (ومنها): أن وقت الإهلال حينما يركب دابته، أو سيارته، أو نحو ذلك. (ومنها): أن الإحرام يكون عند الميقات المحدّد، لا قبله، ولا بعده؛ إذ لم ينقل عنه ﷺ التقديم عليه، ولا التأخير عنه، فما قاله بعض أهل العلم من استحباب الإهلال من دُويرة أهله مخالف للسنة قولاً، وفعلاً. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف العلماء في حكم الزيادة على التلبية المذكورة: قال الإمام أبو جعفر الطحاويّ -رحمه اللَّه تعالى- بعد أن أخرج أحاديث التلبية من حديث ابن عمر، وابن مسعود، وعائشة، وجابر، وعمرو بن معديكرب: أجمع المسلمون على هذه التلبية، غير أن قوماً قالوا: لا بأس أن يزيد فيها من الذكر للَّه ما أحبّ، وهو قول محمد، والثوريّ، والأوزاعيّ، واحتجّوا بحديث أبي هريرة - يعني الذي أخرجه النسائيّ، وابن ماجه، وصححه ابن حبّان، والحاكم- قال: "كان من تلبية رسول اللَّه ﷺ لبيك إله الحقّ لبيك" (١) وبزيادة ابن عمر الآتي برقم - ٢٧٥٠ - . وخالفهم آخرون، فقالوا: لا ينبغي ان يزاد على ما علمه رسول اللَّه ﷺ الناس، كما في حديث عمرو بن معديكرب، ثم فعله هو، ولم يقل: لبّوا بما شئتم مما هو من جنس هذا، بل علّمهم كما علّمهم التكبير في الصلاة، فكذا لا ينبغي أن يتعدّى في ذلك شيئًا

стр. 12709

مما علّمه. ثم أخرج حديث عامر بن سعد بن أبي وقّاص، عن أبيه، أنه سمع رجلاً يقول: "لبيك ذا المعارج"، فقال: إنه لذو المعارج، وما هكذا كنا نلبّي على عهد رسول اللَّه ﷺ . قال: فهذا سعد قد كره الزيادة في التلبية، وبه نأخذ انتهى. قال الحافظ: ويدلّ على الجواز ما وقع عند النسائيّ من طريق عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود ﵁ قال: "كان من تلبية النبيّ ﷺ … "، فذكره. ففيه دلالة على أنه قد كان يلبّي بغير ذلك، وما رواه مسلم عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: "كان عمر يُهلّ بهذا -يعني تلبية النبيّ ﷺ المذكور في الباب- ويزيد: لبيك اللَّهم لبيك، وسعديك، والخير كله في يديك، والرغباء إليك، والعمل". وروى سعيد بن منصور، من طريق الأسود بن يزيد، أنه كان يقول: "لبيك غفار الذنوب". وفي حديث جابر الطويل في صفة حجة النبيّ ﷺ : "حتى إذا استوت به ناقته على البيداء أهلّ بالتوحيد، لبيك اللَّهم لبيك الخ"، قال: "وأهلّ الناس بهذا الذي يهُلّون به، فلم يردّ عليهم شيئًا منه، ولزم تلبيته". وأخرجه أبو داود من الوجه الذي أخرجه مسلم، قال: "والناس يزيدون: ذا المعاج، ونحوه من الكلام، والشعبي ﷺ يسمع، فلا يقول لهم شيئًا". وفي رواية البيهقيّ: "ذا المعارج، وذا الفواضل". وهذا يدلّ على أن الاقتصار على التلبية المرفوعة أفضل لمداومته هو ﷺ عليها، وأنه لا بأس بالزيادة؛ لكونه لم يردّها عليهم، وأقرّهم عليها. وهو قول الجمهور، وبه صرّح أشهب. وحكى ابن عبد البرّ عن مالك الكراهة، قال: وهو أحد قولي الشافعيّ. وقال الشيخ أبو حامد: حكى أهل العراق عن الشافعيّ -يعني في القديم- أنه كره الزيادة على المرفوع، وغلطوا، بل لا يكره، ولا يستحبّ. وحكى الترمذيّ عن الشافعيّ، قال: فإن زاد في التلبية شيئًا من تعظيم اللَّه فلا بأس، وأحبُّ إليّ أن يقتصر على تلبية رسول اللَّه ﷺ ، وذلك أن ابن عمر حفظ التلبية عنه، ثم زاد من قبله زيادة. ونصب البيهقيّ الخلاف بين أبي حنيفة، والشافعيّ، فقال: الاقتصار على المرفوع أحبّ، ولا ضيق على أحد أن يزيد عليها. قال: وقال أبو حنيفة: إن زاد فحسن. وحكى في "المعرفة" عن الشافعيّ قال: ولا ضيق على أحد في قول ما جاء عن ابن عمر، وغيره، من تعظيم اللَّه، ودعائه، غير أن الاختيار عندي أن يفرد ما روي عن النبيّ ﷺ في ذلك انتهى. وهذا أعدل الوجوه، فيفرد ما جاء مرفوعًا، وإذا اختار قول ما جاء موقوفًا، أو أنشأه

стр. 12710

هو من قبل نفسه، مما يليق قاله على انفراده حتى لا يختلط بالمرفوع، وهو شبيه بحال الدعاء في التشهد، فإنه قال فيه: "ثم ليتخير من المسألة، والثناء ما شاء"، أي بعد أن يفرغ من المرفوع، كما تقدّم ذلك في موضعه انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله الحافظ تبعًا للإمام الشافعيّ -رحمهما اللَّه تعالى- تحقيق نفيسٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حقيقة الإحرام في الحجّ والعمرة، وحكمه: (اعلم): أن الإحرام لغة هو الدخول في التحريم، يقال: أحرم الشخص: نوى الدخول في شيء حرُم عليه به ما كان حلالاً له، وهذا كما يقال: أنجد: إذا أتى نجدًا، وأتهم: إذا أتى تهامة. قاله الفيّوميّ. وشرعًا: نية الدخول في النسك مع التلبية، أو سوق الهدي، لا نية أن يحجّ، أو يعتمر، فإن ذلك لا يسمى إحرامًا، وكذا التجرّد، وترك سائر المحظورات لكونه محرما بدونها. قال شيخ الإسلام ابن تيميّة -رحمه اللَّه تعالى-: لا يكون الرجل محرمًا بمجرّد ما في قلبه من قصد الحجّ ونيته، فإن القصد ما زال في القلب منذ خرج من بلده، بل لا بدّ من قول، أو عمل يصير به محرمًا، هذا هو الصحيح من القولين انتهى (١). وقال العلامة ابن دقيق العيد -رحمه اللَّه تعالى-: الإحرام: الدخول في أحد النسكين، والتشاغل بأعمالهما، وقد كان شيخنا العلامة أبو محمد بن عبد السلام يستشكل معرفة حقيقة الإحرام جدًّا، ويبحث فيه كثيرًا، وإذا قيل: إنه النيّة اعترض عليه بأن النية شرط في الحجّ الذي الإحرام ركنه، وشرط الشيء غيره، ويعترض على أنه التلبية بأنها ليست بركن، والإحرام ركن، هذا أو قريب منه، وكان يحرم على تعيين فعل تتعلق به النية في الابتداء انتهى. وقال العلامة الشوكاني -رحمه اللَّه تعالى- عند قول صاحب "حدائق الأزهار": وإنما ينعقد -أي الإحرام- بالنية مقارنة لتلبيد، أو تقليد: ما نصّه: أقول: الإحرام هو مصير الشخص من الحالة التي كان يحلّ له فيها ما يحرم عليه بعدها إلى الحالة التي يحرم عليه فيها ما كان يحلّ له فيها, ولو لم يكن إلا مجرّد الكفّ عن محظورات الإحرام لكان ذلك معنى معقولاً لكلّ عاقل، كالصوم فإنه ليس إلا الكفّ عن تناول المفطرات، فمن قال: إنه لا يعقل معنى الإحرام، وإنه ليس هناك إلا مجرّد النية، وإن النية لا تُنوى، وإلا لزم التسلسل، فقد أخطأ خطأ بيّنًا، ومعلوم أن الشريعة

стр. 12711

المطهرة بعضها أوامر، وبعضها نواهٍ، والتعبّد في النواهي ليس إلا بالكفّ، فيلزمه أن يطرد هذا التشكيك الركيك في شطر الشريعة. وأما إيجاب النيّة فقد عرّفناك غير مرّة أن كلّ عمل يحتاج إلى النيّة، والعمل يشمل الفعل، والترك، والقول، والفعل، وعرّفناك أن ظاهر الأدلة يقتضي أن النية شرط في جميع ما تقدّم من العبادات؛ لدلالة أدلّتها على أن عدمها يؤثّر في العدم، وهذا هو معنى الشرط عند أهل الأصول. وأما كون النية تقارن التلبية، فقد ثبت عن رسول اللَّه ﷺ في دواوين الإسلام من غير وجه أنه أهلّ ملبيًّا، وقد قدّمنا لك أن أفعاله، وأقواله في الحجّ محمولة على الوجوب لأنها بيان لمجمل القرآن، وامتثال لأمره ﷺ لأمته أن يأخذوا عنه مناسكهم، فمن ادعى في شيء منها أنه غير واجب، فلا يقبل منه ذلك إلا بدّليل. وأما كونها تقارن التلبيد، فلما ثبت عنه ﷺ في عام الحديبية "أنه لما كان بذي الحليفة قلّد الهدي، وأشعره، وأحرم بالعمرة" انتهى (١). وقال العلامة ابن رشد -رحمه اللَّه تعالى-: اتفقوا على أن الإحرام لا يكون إلا بنية، واختلفوا هل تجزئ النية فيه من غير تلبية؟ فقال مالك، والشافعيُّ: تجزئ النية من غير تلبية. وقال أبو حنيفة: التلبية في الحجّ كالتكبيرة في الإحرام بالصلاة، إلا أنه يجزئ عنده كلّ لفظ يقوم مقام التلبية، كما في افتتاح الصلاة عنده انتهى. وقال العلامة ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى-: يستحبّ للإنسان النطق بما أحرم به؛ ليزول الالتباس، فإن لم ينطق بشيء، واقتصر على مجرّد النية كفاه في قول إمامنا، ومالك، والشافعيّ. وقال أبو حنيفة: لا ينعقد بمجرد النية حتى ينضاف إليها التلبية، أو سوق الهدي؛ لحديث خلاّد بن السائب الأنصاري، عن أبيه، عن رسول اللَّه ﷺ ، قال: "أتاني جبريل، فقال: يا محمد مر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية". رواه المصنّف في الباب التالي وقال الترمذيّ: حديث حسن صحيح. انتهى (٢). وقال صاحب "المرعاة": قد تواترت الروايات المصرّحة بأنه ﷺ أحرم من ذي الحليفة، وسمى، وعيّن ما أحرم به، من إفراد، أو قران، أو تمتّع، واتفقت على تعيين النسك في التلبية الأولى التي تكون عند عقد الإحرام، وإن اختلفت في نوعه، وصرّحت أيضًا بأنه ﷺ لبّى عند ذلك، كما ورد في الروايات، وقال: "خذوا عني مناسككم"، فعلينا أن نأخذ عنه من مناسكنا الإحرام، والتلبية، والتسمية، وهذا القدر

стр. 12712

هو الذي قام عليه الدليل، أما كون الإحرام شرطًا، أو ركنًا، وكون التلبية مسنونة، أو مستحبّة،، أو واجبة يصحّ الحجّ بدونها، وتجبر بدم، وكذا كون الذكر الدالّ على تعظيم اللَّه سوى التلبية مجزئًا، والتلقظ بالنيّة، بأن يقول: نويت العمرة، أو نويت الحجّ، أو نويت العمرة، والحجّ، أو اللَّهم إنى أريد العمرة، أو الحجّ، أو اللَّهم إني أهلّ، أو أحرم بكذا، فكلّ ذلك لم يرد فيه دليلٌ خاصّ، والخير كله في اتباعه ﷺ ، فعلى كل من وصل إلى ميقاته، ممن يريد الحج، أو العمرة أن يُحرم، وينوي بقلبه الدخول في النسك الذي يريده، ويعزم عليه بقلبه؛ لقول النبيّ ﷺ : "إنما الأعمال بالنيّات، وإنما لكلّ امرئ ما نوى"، وُيشرع التلفظ بما نوى كما نقل، فإن كانت نية العمرة، قال: لبيك عمرة، أو اللَّهم لبيك عمرة، وإن كانت نية الحج قال: لبيك حجًا، أو اللَّهم لبيك حجًا؛ لأن النبيّ ﷺ فعل ذلك، ولا يشرع التلفظ بما نوى إلا في الإحرام خاصّة؛ لوروده عن النبيّ ﷺ وأما الصلاة، والطواف، والصيام، وغير ذلك من العبادات، فلا ينبغي له أن يتلفّظ بشيء منها بالنية؛ لأن ذلك لم يثبت، ولو كان التلفظ بالنية مشروعًا لبينه الرسول ﷺ ، وأوضحه للأمة بفعله، أو قوله، ولَسَبَق إليه السلف الصالح. هذا انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله صاحب "المرعاة" -رحمه اللَّه تعالى- تحقيق نفيسٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في حكم التلبية: قال في "الفتح": وفيها مذاهب أربعة، يمكن توصيلها إلى عشرة: (الأول): أنها سنة من السنن, لا يجب بتركها شيء. وهو قول الشافعيّ، وأحمد. (ثانيها): واجبة، ويجب بتركها دم. حكاه الماورديّ، عن ابن أبي هريرة، من الشافعيّة، وقال: إنه وجد للشافعيّ نصًّا يدلّ عليه. وحكاه ابن قدامة عن بعض المالكيّة، والخطابيّ عن مالك، وأبي حنيفة. وأغرب النوويّ، فحكى عن مالك أنها سنة، ويجب بتركها دم، ولا يُعرف ذلك عندهم، إلا أن ابن الجلّاب قال: التلبية في الحجّ مسنونة، غير مفروضة. وقال ابن التين: يريد أنها ليست من أركان الحجّ، وإلا فهي واجبة، ولذلك يجب بتركها الدم، ولو لم تكن واجبة لم يجب. وحكى ابن العربيّ أنه يجب عندهم بترك تكرارها دم، وهذا قدر زائد على أصل الوجوب. (ثالثها): واجبة، لكن يقوم مقامها فعل يتعلّق بالحجّ، كالتوجّه على الطريق، وبهذا صدّر ابن شاس، من المالكيّة كلامه في "الجواهر" له. وحكى صاحب "الهداية" من الحنفيّة مثله، لكن زاد القول الذي يقوم مقام التلبية من الذكر، كما في مذهبهم من أنه لا يجب لفظ معيّن. وقال ابن المنذر: قال أصحاب الرأي: إن كبّر، أو هلّل، أو سبّح،

стр. 12713

ينوي بذلك الإحرام فهو محرم. (رابعها): أنها ركن في الإحرام، لا ينعقد بدونها، حكاه ابن عبد البرّ عن الثوريّ، وأبي حنيفة، وابن حبيب من المالكيّة، والزبيريّ من الشافعيّة، وأهل الظاهر، قالوا: هي نظير تكبيرة الإحرام للصلاة. ويقوّيه ما تقدّم من بحث ابن عبد السلام عن حقيقة الإحرام، وهو قول عطاء، أخرجه سعيد بن منصور، بإسناد صحيح عنه، قال: التلبية فرض الحجّ. وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر، وطاوس، وعكرمة. وحكى النوويّ عن داود أنه لا بدّ من رفع الصوت بها، وهذا قدر زائد على أصل كونها ركنًا انتهى ما في "الفتح" (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أرجح الأقوال عندي قول من قال بوجوب التلبية في الحجّ، أو العمرة مع ركع الصوت؛ لحديث خلاّد بن السائب، عن أبيه ﵁ الآتي في الباب التالي، عن رسول اللَّه ﷺ ، قال: جاءني جبريل، فقال: يا محمد مُر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية". وهو حديث صحيح، والأمر للوجوب. ثم إن هذا الوجوب يحصل بمرة واحدة عند الإحرام، فما زاد على ذلك يكون سنة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٧٤٨ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدًا, وَأَبَا بَكْرٍ: ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ, أَنَّهُمَا سَمِعَا نَافِعًا, يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ, إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ, لَا شَرِيكَ لَكَ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا، غير: ١ - (أبي بكر بن محمد بن زيد) بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب العدويّ المدنيّ، ثقة، من كبار [٧]. روى عن عن أبيه، وعم أبيه سالم، ونافع مولى ابن عمر. وعنه أخوه عمر، وابن أخيه عثمان بن واقد، وشعبة، وعطّاف بن خالد. قال أبو حاتم: ثقة لا بأس به، لا يسمّى. قال الواقديّ: مات بعد خروج محمد بن عبد اللَّه بن حسن. وقيل: سنة (١٥٠). تفرّد به المصنّف بحديث الباب فقط. والحديث متفق عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى وليّ

стр. 12714

التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٧٤٩ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, بْنُ سَعِيدٍ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ نَافِعٍ,, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, قَالَ: تَلْبِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ, لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ, إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ, لَا شَرِيكَ لَكَ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وهو أصحّ الأسانيد مطلقًا على ما نقل عن الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى-، وإذا روى أحمد، عن الشافعيّ، عن مالك به يسمّى سلسلة الذهب، وهو أعلى الأسانيد للمصنّف؛ لأنه من رباعياته، وهو (١٤٢) من رباعيات الكتاب. وقوله: "تلبية الخ" مبتدأ، خبره قوله: "لبيك الخ" لقصد لفظه، ويجوز العكس. والحديث متّفق عليه، وقد سبق البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٧٥٠ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ, قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو بِشْرٍ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: كَانَتْ تَلْبِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ, لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ, إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ, لَا شَرِيكَ لَكَ» , وَزَادَ فِيهِ ابْنُ عُمَرَ: "لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ, وَسَعْدَيْكَ, وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ, وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ, وَالْعَمَلُ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا، وشيخه أحد شيوخ الأئمة الستة دون واسطة، و"أبو بشر": هو جعفر بن أبي وحشية إياس. وقوله: "والرغباء إليك" فيه ثلاثة أوجه: فتح الراء، والمدّ، وهو أشهرها. وضمّ الراء مع القصر، وهو مشهور أيضًا. وفتح الراء، مع القصر، وهو غريب. حكاه أبو عليّ الجبائيّ، وغيره، ونظير الوجهين الأولين العلياء، والعليا، والنعماء، والنعمى، ومعنى اللفظة: الطلب، والمسألة، أي إنه تعالى هو المطلوب المسؤول منه، فبيده جميع الأمور. قال شمر: رَغَبُ النفس: سَعَة الأمل، وطلب الكثير. ذكره وليّ الدين (١). وقوله: "والعمل": أي إن العمل كله للَّه تعالى؛ لأنه المستحقّ للعبادة وحده، وفيه حذف يحتمل أن يقدر كالذي قبله: أي والعمل إليك، إي إليك القصد به، والانتهاء به إليك؛ لتجازي عليه. ويحتمل أن يقدّر: والعمل لك. والحديث متفق عليه، وقد تقدم تمام البحث فيه، وفي مسائله قريبًا. واللَّه تعالى

стр. 12715

أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٧٥١ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ, عَنْ أَبَانَ بْنِ تَغْلِبَ, عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ, قَالَ: كَانَ مِنْ تَلْبِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ, إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدموا غير: ١ - (أبا بن تغلب) -بفتح المثنّاة، وسكون المعجمة، وكسر اللام- الرَّبَعِيّ، أبي سَعد الكوفي، ثقة تُكلّم فيه للتشيّع [٧]. قال أحمد، ويحيى، والنسائيّ: ثقة. وزاد أبو حاتم: صالح. وقال ابن عجلان: حدثنا أبان بن تغلب، رجل من أهل العراق، من النسّاك ثقة. ولما خرّج الحاكم حديث أبان في "مستدركه" قال: كان قاصّ الشيعة، وهو ثقة. ومدحه ابن عيينة بالفصاحة والبيان. وقال العقيليّ: سمعت أبا عبد اللَّه يذكر عنه عقلاً وأدبًا، وصحّة حديث، إلا أنه كان غاليًا في التشيّع. وقال ابن سعد: كان ثقة. وقال الأزديّ: كان غاليًا في التشيّع، وما أعلم به في الحديث بأسًا. وقال الجوزجانيّ: زائغ مذموم المذهب، مجاهر. وقال ابن عديّ: له نسخ عامتها مستقيمة، إذا روى عنه ثقة، وهو من أهل الصدق في الروايات، وإن كان مذهبه مذهب الشيعة، وهو في الرواية صالح، لا بأس به. قال الحافظ: هذا قول منصف، وأما الْجُوزَجانيّ، فلا عبرة بحطّه على الكوفيين، فالتشيّع في عرف المتقدّمين هو اعتقاد تفضيل عليّ على عثمان، وأن عليًّا كان مصيبًا في حروبه، وأن مخالفه مخطئ، مع تقديم الشيخين، وتفضيلهما، وربما اعتقد بعضهم أن عليًّا أفضل الخلق بعد رسول اللَّه ﷺ ، وإذا كان معتقد ذلك ورعًا، ديّنًا، صادقًا، مجتهدًا، فلا تردّ روايته بهذا، لا سيما إن كان غير داعية. وأما التشيع في عرف المتأخّرين، فهو الرفض المحض، فلا تقبل رواية الرافضيّ الغالي، ولا كرامة انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي ذكره الحافظ من التفصيل فيمن يطعن بالتشيع حسن جدًّا. واللَّه تعالى أعلم. وذكره ابن حبّان في "الثقات" وأرخ وفاته سنة (١٤١) وكذا ابن منجويه. وقال أبو نعيم في "تاريخه": مات سنة (١٤٠) وكان غاية من الغايات. وقال أحمد بن سيّار: مات بعد سنة (١٤١). روى له الجماعة سوى البخاريّ، وله عند المصنّف حديث الباب فقط. و"أبو إسحاق": هو السبيعيّ. وشرح الحديث يُعلم مما سبق، وهو صحيح، ولا يضرّه عنعنة أبي إسحاق؛ لأنه

стр. 12716

يشهد له ما تقدّم، وانفرد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- من بين أصحاب الأصول، أخرجه هنا -٥٤/ ٢٧٥١ - وفي "الكبرى" ٥٤/ ٣٧٣٢. وأخرجه (أحمد) في "مسند المكثرين" ٣٨٨٨٧. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٧٥٢ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ, عَنِ الأَعْرَجِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: كَانَ مِنْ تَلْبِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَبَّيْكَ إِلَهَ الْحَقِّ». قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَسْنَدَ هَذَا, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ, إِلاَّ عَبْدَ الْعَزِيزِ, رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ عَنْ الأعرجِ (١) مُرْسَلاً). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير: ١ - (عبد اللَّه بن الفضل) بن العبّاس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطّلب بن هاشم الهاشميّ المدنيّ، ثقة [٤]. قال حرب عن أحمد: لا بأس به. وقال ابن معين، وأبو حاتم، وابن المدينيّ، والنسائيّ، والعجليّ، وابن البرقيّ: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يروي عن ابن عمر، وأنس، إن كان سمع منهما. قال الحافظ: كذا قال، وقد صرّح بالسماع من أنس عند البخاريّ في "سورة المنافقين". وقال ابن عبد البرّ: لم يسمع من عبيد اللَّه ابن أبي رافع. روى له الجماعة. وله عند المصنف في خمسة مواضع برقم -٢٧٥٢ و ٣٢٦٠ و ٣٢٦١ و ٣٢٦٢ و ٣٢٦٤. و"حميد بن عبد الرحمن": هو الرؤاسيّ الكوفيّ. و"عبد العزيز بن أبي سلمة": هو الماجشون. وقوله: "إله الحقّ" يحتمل أن يكون منادى حذف منه حرف النداء، أي يا إله الحقّ. ويحتمل أن يكون منصوبًا على الاختصاص، أي أخصّ إله الحقّ. والحديث صحيح، أخرجه المصنّف هنا-٥٤/ ٢٧٥٢ - وفي "الكبرى" ٥٤/ ٣٧٣٣. وأخرجه (ق) في "المناسك" ٢٩٢٠ (أحمد) في "باقى مسند المكثرين" ٨٤١٥ و ٩٨١٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب". …

стр. 12717

٥٥ - (رَفْعُ الصَّوتِ بِالإِهْلَالِ) ٢٧٥٣ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ, عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ, عَنْ خَلاَّدِ بْنِ السَّائِبِ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «جَاءَنِي جِبْرِيلُ, فَقَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ, مُرْ أَصْحَابَكَ, أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) بن رهويه المروزي نزيل نيسابور، ثقة ثبت إمام [١٠] ٢/ ٢. ٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت المكي [٨] ١/ ١. ٣ - (عبد اللَّه بن أبي بكر) بن محمد ابن عمرو بن حزم الأنصاريّ المدنيّ القاضي الثقة [٥] ١١٨/ ١٦٣. ٤ - عبد الملك بن أبي بكر) بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزوميّ المدنيّ، ثقة [٥] ١٢٢/ ١٧٩. ٥ - (خلاد بن السائب) بن خلاّد بن سُويد الأنصاريّ الخزجيّ، ثقة [٣]. ذكره جماعة في الصحابة، منهم ابن حبَّان، ولم يرفع نسبه، وقال: له صحبة، ثم أعاده في التابعين. وذكره ابن منده، وأبو نعيم، وغيرهما، وشبهتهم في ذلك الحديث الذي رواه عنه عبد الملك بن أبي بكر، فقال: عن خلاد، عن أبيه، رفعه. وقيل: خلاد ابن السائب، عن النبيّ ﷺ وقال الترمذيّ: والسائب بن خلاد أصحّ. وقال ابن عبد البرّ: مختلف في صحبته. وقال ابن أبي حاتم: خلاد بن السائب بن خلاد بن سويد له صحبة. وقال بعضهم: السائب بن خلاد. وقال العجليّ: خلاد بن السائب مدني ما نعرفه. وفي "التقريب": ووهم من ذكره في الصحابة. روى له الأربعة، وله عند المصنّف حديث الباب فقط. ٦ - (أبوه) السائب بن خلاد بن سُويد بن ثعلبة بن عمرو بن حارثة بن امرئ القيس الخزرجيّ، أبو سهلة المدنيّ. روى عن النبيّ ﷺ . وعنه ابنه خلاّد، وصالح بن خَيْوان، وعطاء بن يسار، ومحمد بن كعب القُرَظيّ، وعبد الرحمن بن الحارث بن أبي صَعْصَعة، وعبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، على اختلاف فيهما. وقيل: إنهما اثنان، وإن والد خلاّد ما روى عنه سوى ابنه. قال ابن عبد البرّ: لم يرو عنه

стр. 12718

غير ابنه خلاّد فيما علمت، وحديثه في رفع الصوت بالتلبية مختلف فيه، استعمله عمر على اليمن. وقال أبو نعيم: السائب بن خلاد بن سُويد أبو سهلة توفي سنة (٧١) فيما قال الواقديّ. وقال أبو عبيد: شهد بدرًا، وولي اليمن لمعاوية. وقال قبل ذلك: السائب بن خلاّد الجهنيّ والد خلاد حدّث عنه ابنه. وقال البخاريّ: السائب بن خلاد، أبو سهلة بن بلحارث بن الخزرج. قاله مالك، وابن جريج، وابن عُيينة، عن عبد اللَّه بن أبي بكر، عن عبد الملك بن أبي بكر، عن خلاد بن السائب بن خلاد بن سويد، عن أبيه. ثم قال: السائب الجهنيّ. قال لي هُدبة عن حماد بن الجعد، عن قتادة، عن خلاد ابن السائب الجهنيّ، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ : "الاستنجاء بثلاثة أحجار". قال الحافظ: وكذا فرّق بينهما جماعة من المصنّفين. واللَّه أعلم. روى له الأربعة، وله عند المصنف في هذا الكتاب حديث الباب فقط. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀، وأن رجاله رجال الصحيح إلى عبد الملك، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: عبد اللَّه عن عبد الملك عن خلاد، ورواية الابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ خَلاَّدِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ) السائب بن خلاد بن سُويد - رضي اللَّه تعالى عنه - (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أنه (قَالَ: جَاءَنِي جِبْرِيلُ) ﵇. وفي رواية الترمذيّ: "أتاني جبريل، فأمرني أن آمر أصحابي … " الحديث (فَقَالَ: لِي: يَا مُحَمَّدُ، مُرْ) بضم الميم، سكون الراء، فعل أمر من أمر يأمر، من باب قتل، والأصل اؤمر، فخفّف بالحذف؛ لكثرة الاستعمال، وقد يستعمل أيضًا على الأصل إذا تقدّمه عاطف، كقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ الآية، ومثله في الحذف المذكوركلمة "خُذ"، أمر من الأخذ، و"كُلْ"، أمر من الأكل، وإلى هذا أشار ابن مالك في "لاميّته" حيث قال: وَشَذَّ بِالحَذْفِ مُرْ وَخُذْ وَكُلْ وَفَشَا … وَأْمُرْ وَمُسْتنْدَرٌ تَتْمِيمُ خُذْ وَكُلَا (أَصْحَابَكَ) بالنصب على المفعولية. واستدلّ بهذا من قال: إن المرأة لا ترفع صوتها بالتلبية؛ لأن الأمر خاصّ بالصحابة، فلم تدخل الصحابيات، وهو قول الجمهور، وروي عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -: لا ترفع المرأة صوتها بالتلبية. وعن ابن

стр. 12719

عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -: ليس على النساء أن يرفعن أصواتهنّ بالتلبية (١). وقال مالك: ترفع المرأة صوتها قدر ما تسمع نفسها. وخالف فيه ابن حزم، فأوجب عليها رفع الصوت كالرجل؛ لدخولها في هذا الحديث، وسيأتي ترجيح ما ذهب إليه في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى .. (أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بالتَّلْبيَةِ) إظهارًا لشعار الإحرام، وتعليمًا للجاهل ما يُستحبّ له في ذلك المقام. واللَّه تعَالىَ أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث السائب بن خلاّد - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. [تنبيه]: قال الإمام الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وروى بعضهم هذا الحديث عن خالد ابن السائب، عن زيد بن خالد، عن النبيّ ﷺ ، ولا يصحّ، والصحيح هو خلاد بن السائب، عن أبيه، وهو خلاد بن السائب بن خلاد بن سُوَيد الأنصاريّ. انتهى. وقال ابن عبد البرّ: هذا حديث اختُلِفَ في إسناده اختلافًا كثيرًا، وأرجو أن تكون رواية مالك أصح، يعني عن خلاد بن السائب، عن أبيه. وذكر الحافظ في "الفتح" هذا الحديث في رواية خالد بن السائب، عن أبيه، وذكر من أخرجه، وصححه، ثم قال: ورجاله ثقات، إلا أنه اختلف على التابعي في صحابيه. انتهى. وقال في "التلخيص الحبير" بعد ذكر تصحيح الترمذي، ونقل كلامه: وقال البيهقي أيضًا: الأول، أي خلاد بن السائب عن أبيه هو الصحيح، وأما بن حبان فصححهما، وتبعه الحاكم، وزاد رواية ثالثة من طريق المطلب بن عبد اللَّه، عن أبي هريرة انتهى (٢). وقال الحاكم ١/ ٤٥٠ بعد رواية الحديث من طريق عبد الملك، عن خلاد، عن أبيه، ومن طريق المطّلب بن عبد اللَّه، عن خلاد، عن زيد، ومن طريق المطلب بن عبد اللَّه بسماعه، عن أبي هريرة ﵁: ما لفظه: وهذه الأسانيد كلها صحيحة، وليس يُعَلَّل واحد منها الآخرَ، فإن السلف ﵃ كان يجتمع عندهم الأسانيد لمتن واحد، كما يجتمع عندنا الآن. انتهى، ووافقه الذهبي. قال الجامع - عفا اللَّه عنه -: قد تبين بما ذُكِرَ أن حديث الباب صحيح، لا تؤثر فيه الاختلافات المذكورة، إما لترجيح رواية خلاد، عن أبيه التي أخرجها المصنف هنا،

стр. 12720

كما هو رأي الترمذي، والبيهقي، وغيرهما، وهو الراجح عندي، أو لتصحيح كلّ الطرق، كما ذهب إليه ابن حبان، والحاكم. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٥/ ٢٧٥٤ - وفي "الكبرى" ٥٥/ ٣٧٣٤. وأخرجه (ت) في "الحجّ" ٨٢٩ (ق) في "المناسك" ٢٩٢٢ (أحمد) في "مسند المدنيين" ١٦١٢٢ و ١٦١٣١ (الموطأ) في "الحجّ" ٧٤٤ (الدارمي) في "المناسك" ١٨٠٩. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم رفع الصوت بالتلبية: ذهب الجمهور إلى أن رفع الصوت بالتلبية مستحب، وليس بواجب، وذهب الظاهرية إلى أنه واجب؛ لظاهر الأمر، وهو الحقّ؛ لما ثبت في الأصول من أن الأمر يقتضي الوجوب إلا لدليل صارف عنه، وليس هنا صارف، قال العلامة الشوكاني ﵀: وهو ظاهر قوله: "فأمرني أن آحر أصحابي"، ولا سيما وأفعال الحج، وأقواله بيان لمجمل واجب هو قول اللَّه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ الآية، وقوله ﷺ : "خذوا عني مناسككم" (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأرجح عندي ما ذهب إليه الظاهرية من أن رفع الصوت بالتلبية من واجبات الحج والعمرة؛ لظاهر حديث الباب؛ إذ ورد بصيغة الأمر، وهي للوجوب إذا لم يوجد صارف، ولا صارف هنا، بل النصوص تؤيده كما في الآية والحديث المذكورين في كلام الشوكاني ﵀. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في رفع المرأة صوتها بالتلبية: ذهب بعضهم إلى أن المرأة لا ترفع صوتها بالتلبية، قال النووي في "شرح المهذب": ولا تجهر المرأة، بل تقتصر على سماع نفسها، قال الروياني: فإن رفعت صوتها لم يحرم؛ لأنه ليس بعورة على الصحيح، وكذا قال غيره: لا يحرم، لكن يكره صرح به الدارميّ، والقاضي أبو الطيب، والبندنيجي. انتهى (٢). وقال أبو محمد ابن حزم: وبرفع الرجل والمرأة صوتهما بها, ولابدّ، وهو فرض ولو مرّة. قال: وقال بعض الناس: يكره رفع الصوت، وهذا خلاف للسنة، وقال بعضهم: لا ترفع المرأة، هذا خطأ، وتخصيص بلا دليل، وقد كان الناس يسمعون كلام أمهات

стр. 12721

المؤمنين، ولا حرج في ذلك. ثم أخرج من طريق ابن أبي شيبة، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد، عن أبيه، قال: خرج معاوية ليلة النفر، فسمع صوت تلبية، فقال: من هذا؟ قيل: عائشة أم المؤمنين اعتمرت من التنعيم، فذكر ذلك لعائشة، فقالت: لو سألني لأخبرته، فهذه أم المؤمنين ترفع صوتها حتى يسمعها معاوية في حاله التي كان فيها. [فإن قيل]: قد رُوِيَ عن ابن عباس. لا ترفع المرأة صوتها بالتلبية، وعن ابن عمر: ليس على النساء أن يرفعن أصواتهنّ بالتلبية. [قلنا]: رواية ابن عمر هي من طريق عيسى بن أبي عيسى الخياط، وهو ضعيف، ورواية ابن عباس هي من طريق إبراهيم بن أبي حبيبة، وهو ضعيف، ولو صحتا لكانت رواية عائشة موافقة للنص. انتهى كلام ابن حزم ﵀ (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما قاله ابن حزم ﵀ هو الأرجح؛ لظواهر النصوص. فأما القائلون: لا ترفع المرأة صوتها فلم يأتوا بحجة مُقنِعة، وأما دعوى بعضهم الإجماع على أنها لا ترفع صوتها بالتلبية فغير صحيحة؛ إذ ليس فيها إجماع كما سمعته في كلام النووي، وابن حزم، فتبصّر بالإنصاف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في رفع الصوت بالتلبية في المساجد: قال المحب الطبري ﵀: رفع الصوت بالتلبية عند الشافعية مشروع في المساجد وغيرها، وقال مالك: لا يرفع صوته بها في مساجر الجماعة، بل يُسمِع نفسه ومن يليه، إلا في مسجد مني، والمسجد الحرام، فإنه يرفع صوته بها، وهو قول قديم للشافعي، وزاد مسجد عرفة؛ لأن هذه المساجد تختص بالنسك. انتهى. وقال ابن قدامة ﵀: لا يستحب رفع الصوت في الأمصار، ولا في مساجدها إلا مكة ومسجد الحرام، وهو قول مالك، وقال الشافعي: يلبي في المساجد كلها. انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه الشافعي ﵀ هو الأرجح؛ لإطلاق النصّ من غير تفريق بين مكان ومكان، لكن إن كان هناك من يتضرر برفع الصوت، كمصل ونحوه لا يرفع؛ لحديث: "لا ضرر ولا ضرار" (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 12722

٥٦ - (الْعَمَلُ فِي الإِهْلَالِ) ٢٧٥٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ, عَنْ خُصَيْفٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , أَهَلَّ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (عبد السلام) بن حَرْب بن سَلْم النَّهْديّ -بالنون- الْمُلَائيّ -بضم الميم، وتخفيف اللام- أبو بكر الكوفيّ، بصريّ الأصل، ثقة حافظ، له مناكير، من صغار [٨]. قال الحسن بن عيسى: سألت عبد اللَّه بن المبارك عنه؟ فقال: قد عرفته. وكان إذا قال: قد عرفته، فقد أهلكه. وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: كنا ننكر من عبد السلام شيئًا، كان لا يقول: حدثنا، إلا في حديث واحد، أو حديثين. وقال أحمد: وقيل لابن المبارك في عبد السلام بن حرب، فقال: ما تحملني رِجْلِي إليه. وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين: صدوق. وقال غيره، عن يحيى: ليس به بأس، يُكتب حديثه. وقال أبو حاتم: ثقة صدوق. وقال الترمذيّ: ثقة حافظ. وقال النسائيّ في "التمييز": ليس به بأس. وقال الدارقطنيّ: ثقة حجة. وقال العجليّ: قدم الكوفة يوم مات أبو إسحاق السبيعيّ، وهو عند الكوفيين ثقة ثبت، والبغداديون يستنكرون بعض حديثه، والكوفيون أعلم به. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة في حديثه لين. وقال ابن سعد: كان به ضعف في الحديث، وكان عَسِرًا. وذكره الدارقطنيّ، والحاكم، وأبو إسحاق الحبّال، وغير واحد في أفراد البخاريّ، وحديثه في مسلم قليل. قال محمد بن الحجّاج الضبّيّ: ولد سنة (٩١) ومات سنة (١٨٧) وفيها أرّخه ابن نمير، وغيره. روى له الجماعة. وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان فقط برقم ٢٧٥٤ و ٢٨٧٩. ٣ - (خُصَيف) بن عبد الرحمن الجزريّ، أبو عون صدوق، سيء الحفظ، خلط بآخره، ورمي بالإرجاء [٥] ٥٩/ ١٣٥٣. ٤ - (سعيد بن جُبير) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه فاضل [٣] ٢٨/ ٤٣٦. ٥ - (ابن عباس) عبد اللَّه البحر الحبر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال

стр. 12723

الصحيح، غير خصيف، وهو ضعيف. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - أحد العبادلة الأربعة المجموعين في قول السيوطيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "ألفية الحديث": وَالْبَحْرُ وَابْنَا عُمَرٍ وَعَمْرِ … وَابْنُ الزبَيرِ فِي اشْتِهَار يَجْرِي دُونَ ابْنِ مَسعود لَهُمْ عَبَادِلَهْ … وَغَلَّطُوا مَنْ غَيْرَ هَذَا مَالَ لَهْ وهو أحد المكثرين السبعة المجموعين في قول بعضهم: إِذَا قِيلَ مَنْ في الْعِلْمِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ … مَقَالَتُهُمْ لَيسَتْ عَنِ الْحَقَّ خَارِجَهْ فَقُلْ هُمْ عُبَيدُ اللَّه عُرْوَةُ قَاسِمٌ … سَعِيدٌ أَبُو بَكْرٍ سُلَيْمَانُ خَارِجَهْ وقد تقدّم هذا كلّه، وإنما أعدته تذكيرًا لطول العهد به. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، أَهَلَّ) أي رفع صوته بالتلبية (فِي دُبُرِ الصَّلاةِ) بضم الدال المهملة، والموحّدة أيضًا: أي عقبها. والحديث يدلّ على استحباب الإهل. عقب الصلاة. قال الإمام الترمذيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بعد أن أخرج الحديث: وهو الذي يستحبّه أهل العلم أن يُحرم الرجل في دُبُر الصلاة انتهى. وبهذا أخذ الحنفية، فقالوا: المستحبّ أن يحرم عقب الصلاة، وهو جالس قبل ركوب دابته، وقبل قيامه، وهو قول ضعيف للشافعيّ. واحتجّوا بحديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا، لكنه ضعيف؛ كما سيأتي. وذهب مالك، والشافعيّ، والجمهور إلى أن الأفضل أن يحرم إذا انبعثت به راحلته؛ لما في "الصحيحين"، وغيرهما من حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -: "أنه ﷺ أهلّ حين استوت به راحلته". وفي لفظ لمسلم: "كان ﷺ إذا وضع رجله في الغرز، وانبعثت به راحلته قائمة أهلّ". وفي لفظ: "لم أره يهُلّ حتى تنبعث به راحلته". وللبخاريّ من حديث أنس ﵁: "فلما ركب راحلته، واستوت به أهلّ". وله من حديث جابر ﵁: "إن إهلال رسول اللَّه ﷺ من ذي الحليفة حين استوت به راحلته". ولمسلم من حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -: "ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء أهلّ". وقد تقدم ما يجمع بين هذه الأحاديث من حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - عند أحمد، وأبي داود، والحاكم، قال الحافظ: لو ثبت لرجح ابتداء الإهلال عقب الصلاة، إلا أنه من رواية خُصيف بن عبد الرحمن الجزريّ، وفيه

стр. 12724

ضعف. قال: وقد اتفق فقهاء الأمصار على جواز جميع ذلك، وإنما الخلاف في الأفضل انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - ضعيف؛ لأن في سنده خصيف بن عبد الرحمن الجزريّ، وهو سيء الحفظ مختلط. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان موضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٥٦/ ٢٧٥٤ - وفي "الكبرى" ٥٦/ ٣٧٣٥. وأخرجه (ت) في "الحجّ" ٨١٩ (الدارمي) في "المناسك" ١٨٠٦. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٧٥٥ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, أَنْبَأَنَا النَّضْرُ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَشْعَثُ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ أَنَسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ بِالْبَيْدَاءِ, ثُمَّ رَكِبَ, وَصَعِدَ جَبَلَ الْبَيْدَاءِ, وَأَهَلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ, حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، و"النضر": هو ابن شُميل. و"أشعث": هو ابن عبد الملك الْحُمْرَانيّ. و"الحسن": هو ابن أبي الحسن يسار البصريّ. والحديث ضعيفٌ؛ لأن الحسن مدلّسٌ، وقد عنعنه، وقد تقدّم سندًا ومتنًا في ٢٥/ ٢٦٦٢ - وتقدم شرحه، والكلام على مسائله هناك، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٧٥٦ - (أَخْبَرَنِي عِمْرَانُ بْنُ يَزِيدَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعَيْبٌ, قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ, قَالَ: سَمِعْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ, يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَابِرٍ, فِي حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ : "فَلَمَّا أَتَى ذَا الْحُلَيْفَةِ صَلَّى, وَهُوَ صَامِتٌ, حَتَّى أَتَى الْبَيْدَاءَ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، وهو طرف من حديث جابر ﵁ الطويل، وقد تقدّم طرف منه في ٥١/ ٢٧٤٠ - وتقدّم تخريجه والكلام على بعض مسائله هناك، واستدلّ به هنا على ابتداء وقت الإهلال، وهو موافق لحديث أنس الذي قبله في أن أول الإهلال على البيداء، لكن حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - فيه زيادة على حديثهما، فإنه يدلّ على أن أول الإهلال حين تنبعث به راحلته، والزيادة من الثقة مقبولة، فيكون العمل عليه، كما تقدّم تمام البحث فيه.

стр. 12725

و"شعيب": هو ابن إسحاق بن عبد الرحمن الأمويّ الدمشقيّ. وقوله: "وهو صامت حتى أتى البيداء": يعني أنه لم يهُلّ بعد الصلاة، بل سكت إلى أن أتى البيداء، فأهلّ هناك. وهذا محمول على علم جابر ﵁، وإلا فقد صحّ أن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى - عنهما في أحاديثه الآتية بعدُ، وتقدّمت أيضًا أثبت الإهلال قبل البيداء عند مسجد ذي الحليفة، حينما انبعثت به راحلته، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٧٥٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, عَنْ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ, عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ, عَنْ سَالِمٍ, أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ, يَقُولُ: بَيْدَاؤُكُمْ هَذِهِ, الَّتِي تَكْذِبُونَ فِيهَا, عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , إِلاَّ مِنْ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيبة) بن سعيد المذكور قريبًا. ٢ - (حاتم بن إسماعيل) الحارثيّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، كوفيّ الأصل، صدوق يهم، صحيح الكتاب [٨] ٢٤/ ٥٤٣. ٣ - (موسى بن عُقبة) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم، ثقة فقيه، إمام في المغازي [٥] ٩٦/ ١٢٢. ٤ - (سالم) بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب العدوي المدنيّ، ثقة ثبت فقيه عابدًا [٣] ٢٣/ ٤٩٠. ٥ - (أبوه) عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، والظاهر أنه دخلها للأخذ عن أهلها. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وفيه سالم من الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سَالِمٍ) ابن عبد اللَّه (أنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ) عبد اللَّه بن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -

стр. 12726

(يَقُولُ: بَيدَاؤُكُمْ هَذِهِ، الَّتِي تَكْذِبُونَ فِيهَا) ووقع في "شرح السنديّ" "الذي تكذبون فيها" قال السنديّ: هكذا في النسخة التي كانت عندي بتذكير الموصول، وكأنه لاعتبار أنه المكان، وأما التأنيث، فهو الأصل، ثم رأيت أن التأنيث في غالب النسخ، فلعه المعتمد. ومعنى "تكذبون فيها": في شأنها، ونسبة الإحرام إليها بأنه كان من عندها انتهى (١). وفي رواية مسلم: "كان ابن عمر إذا قيل له: الإحرام من البيداء، قال: البيداء التي تكذبون فيها … " (عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، مَا أَهَلَّ) أي ما رفع صوته بالتلبية (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، إِلاَّ مِنْ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ) أي حين ركب، لا حين فرغ من الركعتين، فإن ابن عمر كان يرى الإهلال عند الركوب. وفي رواية مسلم: "من عند الشجرة حين قام به بعيره". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٥٦/ ٢٧٥٧ و ٢٧٥٨ و ٢٧٥٩ و ٢٧٦٠ - وفي "الكبرى" ٥٦/ ٣٧٣٨ و ٣٧٣٩ و ٣٧٤٠ و ٣٧٤١. وأخرجه (خ) في "الوضوء" ١٦٦ و"الحجّ" ١٥٤١ و"الجهاد والسير" ٢٨٦٥ (م) ١١٨٦ و ١١٨٧ (د) في "المناسك" ١٧٧١ و ١٧٧٢ و ١٨٠٥ (ت) في "الحجّ" ٨١٨ (ق) في "المناسك" ٢٩١٦ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٤٨٢٧ و ٥٨٥٨ (الموطأ) ٧٤٠ و ٧٤١. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٧٥٨ - (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ, عَنِ ابْنِ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ, أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ, قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَرْكَبُ رَاحِلَتَهُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ, ثُمَّ يُهِلُّ, حِينَ تَسْتَوِي بِهِ قَائِمَةً). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه عيسى ابن إبراهيم بن عيسى بن مَثْرُود الغافقيّ المصريّ، فقد انفرد به هو، وأبو داود. وقوله: "قائمة" نصب على الحال. والحديث متّفق عليه، وشرحه واضح، وتقدم تمام البحث فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 12727

٢٧٥٩ - (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ يَزِيدَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعَيْبٌ, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ح وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ -يَعْنِي ابْنَ يُوسُفَ- عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ, عَنْ نَافِعٍ,, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, أَنَّهُ كَانَ يُخْبِرُ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَهَلَّ, حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "شعيب": هو ابن إسحاق. و"محمد بن إسماعيل": هو المعروف أبو بابن عليّة. و"إسحاق بن يوسف": هو الأزرق الواسطيّ الحافظ. والحديث متّفق عليه، وشرحه واضح، وقد سبق الكلام عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٧٦٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ, وَابْنِ جُرَيْجٍ, وَابْنِ إِسْحَاقَ, وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ, عَنِ الْمَقْبُرِيِّ, عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ, قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عُمَرَ: رَأَيْتُكَ تُهِلُّ إِذَا اسْتَوَتْ بِكَ نَاقَتُكَ, قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , كَانَ يُهِلُّ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ, وَانْبَعَثَتْ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"محمد ابن العلاء": هو أبو كريب، أحد مشايخ الأئمة الستة دون واسطة. و"ابن إدريس": هو عبد اللَّه الأوديّ الكوفيّ. و"عبيد اللَّه": هو ابن عمر العمريّ المدنيّ الثبت. و"ابن إسحاق": هو محمد المطلبيّ صاحب المغازيّ. و"المقبريّ": هو سعيد بن كيسان. و"عبيد بن جُريج": هو التيميّ مولاهم المدنيّ الثقة. [٣] ٩٥/ ١١٧. وقوله: "وابن جريج الخ" بالجرّ عطفًا على عبيد اللَّه، فابن إدريس يروي عن الأربعة: عبيد اللَّه، وابن جريج، وابن إسحاق، ومالك، وكلهم يروون عن سعيد المقبريّ، وما وقع في النسخ المطوعة من "المجتبى" من ضبطه بالقلم برفع "ابن جريج"، وما بعده، فغلط فاحش، فليتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: "ابن جريج" هذا غير "عبيد بن جريج" المذكور بعده، واسمه عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم المكي، وإنما نبهت عليه وإن كان واضحًا؛ لأن بعض من لا إلمام له بعلم الرجال ربما لبّس عليه. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "انبعثت" أي سارت، ومضت ذاهبة. والحديث متّفقٌ عليه، وأخرجه المصنّف من طريق ابن جريج مقطّعًا في مواضع، وقد ساقه البخاريّ في "صحيحه" مطولاً، فقال: ١٦٦ - حدثنا عبد اللَّه بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن سعيد المقبري، عن عبيد ابن جريج، أنه قال لعبد اللَّه بن عمر: يا أبا عبد الرحمن، رأيتك تصنع أربعا، لم أر

стр. 12728

أحدا، من أصحابك يصنعها، قال: وما هي، يا ابن جريج، قال: رأيتك لا تمس من الأركان، إلا اليمانيين، ورأيتك تلبس النعال السبتية، ورأيتك تصبغ بالصفرة، ورأيتك إذا كنت بمكة، أهلّ الناس إذا رأوا الهلال، ولم تهلّ أنت حتى كان يوم التروية، قال عبد اللَّه: "أما الأركان، فإنى لم أر رسول اللَّه ﷺ ، يمس إلا اليمانيين، وأما النعال السبتية، فإني رأيت رسول اللَّه ﷺ ، يلبس النعل التي ليس فيها شعر، ويتوضأ فيها، فأنا أحبّ أن ألبسها، وأما الصفرة، فإني رأيت رسول اللَّه ﷺ ، يصبغ بها، فأنا أحبّ أن أصبغ بها، وأما الإهلال، فإني لم أر رسول اللَّه ﷺ ، يهلّ حتى تنبعث به راحلته" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٥٧ - (إِهْلَالُ النُّفَسَاءِ) ٢٧٦١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ, عَنْ شُعَيْبٍ, أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ, عَنِ ابْنِ الْهَادِ, عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , تِسْعَ سِنِينَ, لَمْ يَحُجَّ, ثُمَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ, فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ, يَقْدِرُ أَنْ يَأْتِيَ رَاكِبًا, أَوْ رَاجِلاً, إِلاَّ قَدِمَ فَتَدَارَكَ النَّاسُ, لِيَخْرُجُوا مَعَهُ, حَتَّى جَاءَ ذَا الْحُلَيْفَةِ, فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ, مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ, فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَ: «اغْتَسِلِي, وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ, ثُمَّ أَهِلِّي» , فَفَعَلَتْ, مُخْتَصَرٌ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو مصريّ، فقيه ثقة. "وشعيب": هو ابن الليث بن سعد المصريّ الفقيه الثقة. و"ابن الهاد": هو يزيد بن عبد اللَّه بن أسامة بن الهاد الليثيّ المدنيّ الفقيه الثقة. وقوله: "أقام رسول اللَّه ﷺ " أي بالمدينة بعد الهجرة. وقوله: "فتدارك الناس": أي لَحِق آخرهم أولهم، يعني أنهم اجتمعوا في المدينة حتى يحجوا معه ﷺ . وقوله: "واستثفري بثوب": أي شُدِّي محلّ الدم بثوب. وقوله: "مختصر": خبر لمحذوف: أي هذا الحديث مختصر من حديث جابر الطويل، وقد ذكرته بطوله في هذا الشرح في باب "ترك التسمية" -٥١/ ٢٧٤٠ - من رواية مسلم في "صحيحه"، وكذلك تقدّم تخريج الحديث هناك، فراجعه تستفد.

стр. 12729

والحديث يدلّ على ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو جواز إهلال النفساء بالحجّ والعمرة، وأن النَّفَاسَ ليس من موانعهما، بخلاف الصلاة، والصوم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٧٦٢ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ -وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَابِرٍ ﵁, قَالَ: نَفَسَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ, مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ, فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , تَسْأَلُهُ كَيْفَ تَفْعَلُ؟ , فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ, وَتَسْتَثْفِرَ بِثَوْبِهَا, وَتُهِلَّ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح. وقوله: "نفست": من باب سَمِعَ، وعُنِي: ولدت، وحاضت، والكسر فيه أكثر. أفاده في "القاموس". وقال الفيّوميّ: ونُفِست المرأةُ بالبناء للمفعول، فهي نُفَسَاء، والجمع نِفَاس بالكسر، ومثله عُشَراء، وعِشَار، وبعض العرب يقول: نَفِسَت تَنْفَسُ، من باب تعب، فهي نافس، مثل حائض، والولد منفوس، والنفاس بالكسر أيضًا اسم من ذلك، ونَفِست تَنْفَس، من باب تَعِب: حاضت. ونُقل عن الأصمعيّ: نُفست بالبناء للمفعول أيضًا، وليس بالمشهور في الكتب في الحيض، ولا يقال في الحيض: نُفِست بالبناء للمفعول، وهو من النَّفْس، وهو الدم، ومنه قولهم: لا نَفْسَ له سائلة، أي لا دم له يجري، وسمي الدم نَفْسًا؛ لأن النفس التي هي اسم لجملة الحيوان قوامها بالدم، والنفساء من هذا انتهى كلام الفيّومي. والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدم الكلام عليه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٥٨ - (فِي الْمُهِلَّةِ بِالْعُمْرَةِ تَحِيضُ، وَتَخَافُ فَوْتَ الْحَجِّ) أي هذا باب في ذكر الأحاديث الدالة على حكم المرأة التي أهلّت بالعمرة، ثم حاضت، وخافت أن يفوتها الحجّ، وحكمها أنها تهلّ بالحج، فتكون قارنَةً، ثم تفعل

стр. 12730

أعمال الحجّ كلها، إلا الطواف بالبيت، فإنها تؤخره حتى تطهر، كما فعلت عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - عام حجة الوداع؛ لأمر النبيّ ﷺ لها بذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٧٦٣ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ, عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: أَقْبَلْنَا مُهِلِّينَ, مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , بِحَجٍّ مُفْرَدٍ, وَأَقْبَلَتْ عَائِشَةُ مُهِلَّةً بِعُمْرَةٍ, حَتَّى إِذَا كُنَّا بِسَرِفَ عَرَكَتْ, حَتَّى إِذَا قَدِمْنَا, طُفْنَا بِالْكَعْبَةِ, وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ, فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , أَنْ يَحِلَّ مِنَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ, قَالَ: فَقُلْنَا: حِلُّ مَاذَا؟ , قَالَ: «الْحِلُّ كُلُّهُ» , فَوَاقَعْنَا النِّسَاءَ, وَتَطَيَّبْنَا بِالطِّيبِ, وَلَبِسْنَا ثِيَابَنَا, وَلَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ, إِلاَّ أَرْبَعُ لَيَالٍ, ثُمَّ أَهْلَلْنَا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ, ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى عَائِشَةَ, فَوَجَدَهَا تَبْكِي, فَقَالَ: «مَا شَأْنُكِ؟» , فَقَالَتْ: شَأْنِي أَنِّي قَدْ حِضْتُ, وَقَدْ حَلَّ النَّاسُ, وَلَمْ أُحْلِلْ, وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ, وَالنَّاسُ يَذْهَبُونَ إِلَى الْحَجِّ الآنَ, فَقَالَ: «إِنَّ هَذَا أَمْرٌ, كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ, فَاغْتَسِلِي, ثُمَّ أَهِلِّي بِالْحَجِّ» , فَفَعَلَتْ, وَوَقَفَتِ الْمَوِاقِفَ, حَتَّى إِذَا طَهُرَتْ, طَافَتْ بِالْكَعْبَةِ, وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ, ثُمَّ قَالَ: «قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجَّتِكِ وَعُمْرَتِكِ جَمِيعًا» , فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنِّي أَجِدُ فِي نَفْسِي, أَنِّي لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ, حَتَّى حَجَجْتُ, قَالَ: «فَاذْهَبْ بِهَا يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ, فَأَعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ» , وَذَلِكَ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (الليث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي المصريّ الإمام الحافظ الحجة [٧] ٣١/ ٣٥. ٣ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] ٣١/ ٣٥. ٤ - (جابر بن عبد اللَّه) بن عمرو بن حَرَام السِّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٣١/ ٣٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٤٣) من رباعيّات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه مصريين، ومكيّين. (ومنها): أن فيه جابر بن عبد الفَه - رضي اللَّه تعالى عنهما - أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 12731

شرح الحديث (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: أَقْبَلْنَا مُهِلَّينَ، مَعَ رَسُولِ اللَّه ﷺ ، بِحَجَّ مُفْرَدٍ) هذا باعتبار أغلبهم، وإلا فبعضهم قرن، كالنبيّ ﷺ (وَأَقْبَلَتْ عَائِشَةُ مُهِلَّة بعُمْرَةٍ) أي باعتبار آخر أمرها، وإلا فإنما أهلوا في الميقات بالحجّ، لكن لما أمر خيرهم النبيّ ﷺ في الطريق أن يجعلوها عمرة، فمنهم من جعلها عمرة، ومنهم من استمرّ على حجه حتى عزم الأمر عند المروة، ففرض عليهم أن يتحللوا بالعمرة، فصاروا كلهم معتمرين (حَتَّى إِذَا كنَّا بِسَرِفَ) بفتح المهملة، وكسر الراء، بعدها فاء: موضع قريبٌ من مكة بينهما نحو من عشرة أميال، وهو ممنوع من الصرف، وقد يصرف. قاله في "الفتح" (١) (عَرَكَتْ) أي حاضت عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -. يقال: عَرَكت تعرُك عُرُوكًا، من باب قعد: إذا حاضت (حَتَّى إِذَا قَدِمْنَا، طُفْنَا بالْكَعْبَةِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) أي وسعينا بينهما (فَأمَرَنَا رَسُولُ اللَّه ﷺ ، أَنْ يَحِلَّ مِنَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، قَالَ: فَقُلْنَا: حِلُّ مَاذَا؟) أي أيّ نوع من الحلّ؟، فإن الإحرام يحصل به حُرُم متعدّدة (قَالَ) ﷺ ("الْحِلُّ كُلُّهُ") مبتدأ خبره محذوف، أي جائز، أو فاعل لفعل مقدّر، أي يجوز الحلّ، و"كله" توكيد. يعني أن كلّ الأشياء التي منعت بسبب الإحرام تحل (فَوَاقَعْنَا النَّسَاءَ) أي جامعناهنّ (وَتَطَيَّبْنَا بِالطَّيبِ، وَلَبِسْنَا ثِيَابَنَا) أي الثياب الممنوع لبسها في الإحرام (وَلَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ، إِلاَّ أَرْبَعُ لَيَالٍ) يعني أنه لم يبق للوقوف بعرفة إلا أربع ليال، وذلك لأنهم دخلوا مكة لأربع ليال مضين من ذي الحجة، فطافوا، وتحللوا، فلم يبق بينهم وبين عرفة إلا ليلة الخامس، والسادس، والسابع، والثامن (ثُمَّ أَهْلَلْنَا يَوْمَ الترْوِيَةِ) أي أحرمنا بالحجّ يوم التروية، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، وسمي بذلك؛ لأن الماء كان قليلاً بمنى، فكانوا يرتوون من الماء لما بَعْدُ. قاله الفيّوميّ. قال النوويّ: وفيه دليل لمذهب الشافعيّ، وموافقيه أن من كان بمكة، وأراد الإحرام بالحجّ استُحبّ له أن يُحرم يوم التروية، ولا يقدّمه عليه انتهى (ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (فَوَجَدَهَا تَبْكِي، فَقَالَ: "مَا شَأْنُكِ؟ "، فَقَالَتْ: شَأْنِي أَنِّي قَدْ حِضْتُ، وَقَدْ حَلَّ النَّاسُ) أي من إحرامهم بالحجّ بعمل العمرة (وَلَمْ أُحْلِلْ) بضم أوله، وفتحه كما مرّ غير مرّة، ثم ذكرت سبب عدم إحلالها بقولها (وَلَمْ أطُفْ بِالْبَيْتِ) أي لكونها حائضًا (وَالنَّاسُ يَذْهَبُونَ إِلَى الْحَجِّ الآنَ، فَقَالَ) ﷺ (إِنَّ هَذَا) إشارة إلى الحيض الذي حلّ بها، فمنعها من الطواف بالبيت (أَمْرٌ، كَتَبَهُ اللَّهُ) أي قدّره من غير

стр. 12732

اختيار العبد فيه، فلا عتب على العبد به (عَلَى بَنَاتِ آدَمَ) قال النوويّ: هذا تسلية لها، وتخفيف لهمها، ومعناه أنك لست مختصّة به، بل كلّ بنات آدم يكون منهنّ هذا، كما يكون منهنّ، ومن الرجال البول والغائط، وغيرهما. وقد استدلّ البخاريّ في "صحيحه" في "كتاب الحيض" بعموم هذا الحديث على أن الحيض كان في جميع بنات آدم، وأنكر به على من قال: إن الحيض أول ما أرسل، ووقع في بني إسرائيل انتهى. ولفظ البخاريّ: "باب كيف كان بدء الحيض، وقول النبيّ: "هذا شيء كتبه اللَّه على بنات آدم". وقال بعضهم: كان أول ما أرسل الحيض على بني إسرائيل. قال أبو عبد اللَّه: وحديث النبيّ ﷺ أكثر انتهى. والذي أشار إليه البخاريّ هو ما أخرجه عبد الرزاق عن ابن مسعود بإسناد صحيح، قال: "كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يصلّون جميعًا، فكانت المرأة تتشرّف للرجل، فألقى اللَّه عليهنّ الحيض، ومنعهنّ المساجد". وعنده عن عائشة نحوه. قال الداوديّ ليس بينهما مخالفة، فإن نساء بني إسرائيل من بنات آدم، فعلى هذا فقوله: "بنات آدم عام أريد به الخصوص. قال الحافظ: ويمكن أن يجمع بينهما مع القول بتعميمه بأن الذي أرسل على نساء بني إسرائيل طول مكثه بهنّ عقوبة لهنّ، لا ابتداء وجوده. وقد روى الطبريّ، وغيره عن ابن عباس وغيره أن قوله تعالى في قصّة إبراهيم: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ الآية [هود: ١٧] أي حاضت، والقصّة متقدّمة على بني إسرائيل بلا ريب. وروى الحاكم، وابن المنذر بإسناد صحيح، عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -: "أن ابتداء الحيض كان على حواء بعد أن أُهبطت من الجنّة". وإذا كان كذلك، فبنات آدم بناتها. واللَّه أعلم (١). (فَاغتَسِلي) قال النووي: هذا الغسل هو الغسل للإحرام، وقد سبق بيانه، وأنه يستحبّ لكلّ من أراد الإحرام بحجّ، أو عمرة، سواء الحائض، وغيرها انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد سبق أن الراجح وجوبه على الحائض والنفساء؛ لظاهر الأمر. واللَّه تعالى أعلم. (ثُمَّ أَهِلَّي بِالْحَجِّ"، فَفَعَلَتْ، وَوَقَفَتِ الْمَوَاقِفَ) أي عرفة، ومزدلفة، ومنى (حَتَّى إِذَا طَهَرَت) بفتح الطاء، وضمها، والفتح أفصح. واعلم أن طهر عائشة هذا المذكور كان يوم السبت، وهو يوم النحر في حجة الوداع، وكان ابتداء حيضها هذا يوم السبت أيضًا لثلاث خلون من ذي الحجة سنة عشر. ذكره

стр. 12733

أبو محمد ابن حزم في "كتاب حجة الوداع" (١). (طَافَتْ بِالْكعْبَةِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) أي سعت بينهما (ثُمَّ قَالَ: "قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجَّتِكِ وَعُمْرَتِكِ جَمِيعًا) هذا صريح في أن عمرتها لم تبطل، ولم تخرج منها، وأن قوله ﷺ في الرواية الأخرى: "ارفضي عمرتك"، و"دعي عمرتك" ليس معناه إبطالها بالكلية، والخروج منها، فإن العمرة، والحجّ لا يصحّ الخروج منهما بعد الإحرام بنية الخروج، وإنما يُخرج منهما بالتحلل بعد فراغهما، فيكون معناه: ارفضي العمل فيها، وإتمام أفعالها التي هي الطواف، والسعي، وتقصير شعر الرأس، فأمرها ﷺ بالإعراض عن أفعال العمرة، وأن تحرم بالحجّ، فتصير قارنة، وتقف بعرفات، وتفعل المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، فتؤخّره حتى تطهر، وكذلك فعلت عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -. فقوله ﷺ هنا: "قد حللت من حجتك، وعمرتك جميعًا" يوضح هذا التأويل. قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: يستنبط منه -أي من قوله: "قد حللت من حجتك، وعمرتك جميعا" - ثلاث مسائل: [إحداها]: أن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - كانت قارنة، ولم تبطل عمرتها، وأن الرفض المذكور متأول كما سبق. [والثانية]: أن القارن يكفيه طواف واحد، وسعي واحد، وهو مذهب الشافعيّ، والجمهور، وقال أبو حنيفة، وطائفة: يلزمه طوافان وسعيان. [والثالثة]: أن السعي بين الصفا والمروة يشترط وقوعه بعد طواف صحيح، وموضع الدلالة أن رسول اللَّه ﷺ أمرها أن تصنع ما يصنع الحاجّ، غير الطواف بالبيت، ولم تسع كما لم تطف، فلو لم يكن السعي متوقّفًا على تقدم الطواف عليه لما أخرته انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في هذا الاستدلال نظر لا يخفى، فإن حديث "سعيت قبل أن أطوف، قال: طف ولا حرج" يردّ عليه فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِني أَجِدُ فِي نَفْسِي) أي حيث لم أعتمر عمرة مستقلّة، كسائر أمهات المؤمنين (أنِّي لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، حَتَّى حَجَجْتُ) أي انتهيت من الحجّ (قَالَ: "فَاذْهَبْ بِهَا يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَأعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ"، وَذَلِكَ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ) بفتح الحاء، وسكون الصاد المهملتين: أي ليلة المبيت بالمحصّب بعد النفر من منى. قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وهي الليلة التي ينزل الناس فيها المحصّب عند انصرافهم من مني إلى مكة. والتحصيب: إقامتهم بالمحصّب، وهو الشِّعْب الذي

стр. 12734

مخرجه إلى الأبطح، وهو منزل النبيّ ﷺ حين انصرف من حجته، وهو خيف بني كنانة الذي تقاسمت فيه في الصحيفة التي كتبوها بمقاطعة بني هاشم، وهو بين مكة ومنى، وربما يُسمّى الأبطح، والبطحاء؛ لقربه منه، ونُزُولُهُ بعد النفر من منى، والإقامة به إلى أن يصلي الظهر، والعصر، والعشاءين، ويخرج منه ليلًا سنةٌ عند مالك، والشافعيٌ، وبعض السلف؛ اقتداء بالنبيّ ﷺ ، ولم يره بعضهم. انتهى كلام القرطبيّ (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم، وقد تقدّم في -٤٦/ ٢٧١٢ - وتقدم شرحه، وبيان مسائله هناك -وللَّه الحمد والمنة- فلم يبق هنا إلا إيضاح بعض مسائله التي لم تذكر هناك: (المسألة الأولى): في اختلاف أهل العلم في اشتراط الطهارة للطواف بالبيت: قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى- عند قوله: "غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري": فيه نهي الحائض عن الطواف حتى ينقطع دمها، وتغتسل، والنهي في العبادات يقتضي الفساد، وذلك يقتضي بطلان الطواف لو فعلته، وفي معناه الجنابة، وكذا سائر الأحداث، وهذا يدلّ على اشتراط الطهارة في صحّة الطواف. وقد ذكر هذا الاستدلال ابن المنذر، وغيره. ويدلّ له أيضًا ما رواه البيهقيّ وغيره من حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - أن النبيّ ﷺ قال: "الطواف بالبيت صلاة، إلا أن اللَّه أباح فيه الكلام". لكن الصحيح وقفه على ابن عبّاس، كما ذكره البيهقيّ وغيره. وقد يقال: إنه مرفوع حكمًا، وإن لم يكن مرفوعًا لفظًا؛ لأن مثله لا يقال من قبل الرأي. ويدلّ له أيضًا ما رواه البخاريّ، ومسلم عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "أن النبيّ ﷺ أول شيء بدأ به حين قدم مكة أن توضأ، ثم طاف بالبيت"، مع قوله ﷺ : "خذوا عني مناسككم". وبهذا قال مالك، والشافعيّ، وأحمد، وأكثر العلماء من السلف والخلف. وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر، والحسن بن عليّ، وأبي العالية، ومالك، والثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وحكاه الخطابيّ عن عامة أهل العلم، وحكاه النوويّ في "شرح المهذّب" عن عامة العلماء، قال: وانفرد أبو حنيفة، فقال: الطهارة ليست بشرط للطواف، فلو طاف، وعليه نجاسة، أو محدثًا، أو جنبًا صحّ

стр. 12735

طوافه، واختلف أصحابه في كون الطهارة واجبة مع اتفاقهم على أنها ليست شرطًا، فمن أوجبها منهم قال: إن طاف محدثًا لزمه شاة، وإن طاف جنبًا لزمه بدنة، قالوا: ويعيد ما دام بمكة. وعن أحمد روايتان: إحداهما: كمذهبنا -يعني الشافعيّة-. والثانية: إن أقام بمكة أعاده، وإن رجع إلى بلده جبره بدم. وقال داود: الطهارة للطواف واجبة، فإن طاف محدثًا أجزأه، إلا الحائض. وقال المنصوريّ من أصحاب داود: الطهارة شرط كمذهبنا انتهى. قال وليّ الدين: وفيما ذكره من انفراد أبي حنيفة بذلك نظر، فقد روى ابن أبي شيبة في "مصنّفه" عن غندر، عن شعبة، قال: سألت الحكم، وحمادًا، ومنصورًا، وسليمان، عن الرجل يطوف بالبيت على غير طهارة، فلم يروا به بأسًا. وروى ابن أبي شيبة أيضًا عن عطاء، قال: إذا طافت المرأة ثلاثة أطواف، فصاعدًا، ثم حاضت أجزأ عنها. وذكر ابن حزم في "المحلّى" عن عطاء، قال: حاضت امرأة، وهي تطوف مع عائشة أم المؤمنين، فأتمّت بها عائشة بقية طوافها، قال ابن حزم: فهذه أم المؤمنين لم تر الطهارة من شروط الطواف انتهى. وفي تقييد هذه الرواية عن أحمد بالعود إلى بلده نظر، فقد حكى المجد ابن تيمية في "المحرّر" رواية عن أحمد أن الطهارة واجبة تُجبر بالدم، ولم يقيّد ذلك بشيء. وعند المالكية قول يوافق هذا فحكى ابن شاس في "الجواهر" عن المغيرة أنه إن طاف غير متطهّر أعاد ما دام بمكة، فإن أصاب النساء، وخرج إلى بلده أجزأه. وقال ابن حزم من أهل الظاهر: الطواف بالبيت على غير طهارة جائز للننفساء، ولا يحرم إلا على الحائض فقط؛ للنهي فيه. وهذا جمود عجيب، وقد تقدّم في حديث ابن عباس ذكر النفساء مع الحائض، وسكت عليه أبو داود، وحسّنه الترمذيّ انتهى كلام وليّ الدين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يترجّح عندي قول الجمهور من أن الطهارة واجبة للطواف؛ لظاهر قوله ﷺ "حتى تطهري"، فعلق حلّ الطواف بالطهارة، فلولا أنها شرط فيه لما علق حله بها, ولحديث: "الطواف بالبيت صلاة … " الحديث، فإنه وإن قيل بوقفه، إلا أن له حكم الرفع، كما تقدّم، وسيأتي أنه صحيح مرفوعًا في -١٣٦/ ٢٩٢٢ - فيفيد وجوب الطهارة مثل الصلاة، وبأنه ﷺ توضأ، ثم طاف بالبيت، وقد

стр. 12736

قال: "خذوا عني مناسككم"، فهذه الأدلة يستفاد منها وجوب الطهارة للطواف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): الظاهر أن اشتراط الطهارة في الطواف يعم البدن والثوب، والمكان الذي يطؤه في الطواف، وبهذا قال الشافعية، والمالكية، والحنابلة، وغيرهم، لكن اغتفر المالكية ذلك مع النسيان (١). قال النووي في "شرح المهذّب": والذي أطلقه الأصحاب أنه لو لاقى النجاسة ببدنه، أو ثوبه، أو مشى عليها عمدًا، أو سهوًا لم يصحّ طوافه. قال: ومما عمّت به البلوى غلبة النجاسة في موضع الطواف من جهة الطير، وغيره، وقد اختار جماعة من أصحابنا المتأخرين المحققين العفو عنها، وينبغي أن يقال: يُعفى عما يشقّ الاحتراز عنه من ذلك، كنظائره انتهى كلام النوويّ (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله النووي من نجاسة خرء الطير ونحوه مبنيّ على مذهبه، والراجح أن هذه الأشياء ليس بنجس؛ لعدم وجود دليل على ذلك، وقد تقدّم تحقيق ذلك في أوائل هذا الشرح في "أبواب الطهارة"، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في اشتراط الطهارة للسعي بين الصفا والمروة: ذهب إلى عدم اشتراطها جمهور العلماء من السلف والخلف، وحكاه ابن المنذر عن عطاء بن أبي رباح، ومالك، والشافعيّ، وأحمد، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، قال: وكان الحسن البصريّ يقول: إن ذكره قبل أن يحلّ، فليُعد الطواف، وإن ذكره بعد ما حلّ فلا شيء عليه. وقال ابن عبد البرّ: لا أعلم أحدًا اشترط الطهارة فيه إلا الحسن، فإنه قال: إن سعى على غير طهارة، فإن ذكر قبل أن يحلّ فليُعد، وإن ذكر بعد ما حلّ فلا شيء عليه انتهى. قال الحافظ وليّ الدين: وفيه نظر من وجهين: [أحدهما]: أنه كلام متهافت، فإن اشتراط الطهارة ينافي الإجزاء مع فقدها، وما علمت أحدًا نقل عنه الاشتراط، ولعله يقول بالوجوب فقط، بل في "مصنف ابن أبي شيبة" عن الحسن، وابن سيرين أنهما لم يريا بأسًا أن يطوف الرجل بين الصفا والمروة على غير وضوء، وكان الوضوء أحبّ إليهما، وهذا يقتضي أن الحسن إنما يقول باستحباب الطهارة له، كما يقوله غيره من العلماء.

стр. 12737

[ثانيهما]: أن الحسن لم ينفرد بذلك، ففي مصنف ابن أبي شيبة عن أبي العالية أنه قال: لا تقرأ الحائض القرآن، ولا تصلي، ولا تطوف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة، وقال: الطواف بين الصفا والمروة عدل الطواف بالبيت. وعن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -: "تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة". وهو في "الموطإ" عن ابن عمر أيضًا: "لا تطوف بالبيت، ولا تسعى بين الصفا والمروة، ولا تقرب المسجد حتى تطهر". وهو رواية عن أحمد بن حنبل أنه تجب له الطهارة كالطواف، حكاها عن ابن تيمية في "المحرّر". انتهى كلام وليّ الدين (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: جاء في رواية يحيى بن يحيى في "الموطإ" في حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، مرفوعًا: "غير أن لا تطوفي بالبيت، ولا بين الصفا والمروة حتى تطهري". قال ابن عبد البرّ: لم يقله من رواة "الموطإ"، ولا غيرهم إلا يحيى انتهى. وأشار بهذا إلى أنها شاذّة، فإن صحّت هذه الرواية دلّت على وجوب الطهارة للسعي، وإلا فالأصل البقاء على جواز السعي بلا طهارة، لعدم دليل الوجوب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: اختلف في جواز السعي قبل الطواف، فذهب الجمهور -كما قاله في "الفتح" - إلى أنه لا يجوز، وحكي ابن المنذر عن عطاء قولين فيمن بدأ بالسعي قبل الطواف بالبيت، وبالإجزاء قال بعض أهل الحديث، واحتجّ بحديث أسامة بن شريك: "أن رجلاً سأل النبيّ ﷺ ، فقال: سعيت قبل أن أطوف؟، قال: طف، ولا حرج" وهو حديث صحيح. وتأوله الجمهور على من سعى بعد طواف القدوم، وقبل طواف الإفاضة. قاله في "الفتح" (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي ذهب إليه القائلون بجوزا تقديم السعي على الطواف هو الأرجح عندي؛ لحديث أسامة ﵁ المذكور، وما أول به الجمهور فيه نظر؛ إذ لو كان كذلك لاستفصله النبيّ ﷺ هل سعى بعد طواف القدوم أم لا؟، فلما لم يستفصله عُلم أنه على عمومه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٧٦٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ - وَاللَّفْظُ لَهُ- عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ, قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ,

стр. 12738

عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ, فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ, ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ, فَلْيُهْلِلْ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ, ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا» , فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ, فَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ, وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ, فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَ: «انْقُضِي رَأْسَكِ, وَامْتَشِطِي, وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ, وَدَعِي الْعُمْرَةَ» , فَفَعَلْتُ, فَلَمَّا قَضَيْتُ الْحَجَّ, أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ إِلَى التَّنْعِيمِ, فَاعْتَمَرْتُ, قَالَ: «هَذِهِ مَكَانُ عُمْرَتِكِ» , فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ, وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ, ثُمَّ حَلُّوا, ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ, بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى لِحَجِّهِمْ, وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ, فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (محمد بن سلمة) بن أبي فاطمة المراديّ الْجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت [١١] ١٩/ ٢٠. ٢ - (الحارث بن مسكين) بن محمد الأمويّ مولاهم، أبو عمرو المصريّ القاضي، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩. ٣ - (ابن القاسم) هو عبد الرحمن الْعُتَقيّ، أبو عبد اللَّه المصريّ، صاحب مالك، ثقة فقيه، من كبار [١٠] ١٩/ ٢٠. ٤ - (مالك) بن أنس، أبو عبد اللَّه المدنيّ الإمام الحجة المشهور [٧] ٧/ ٧. ٥ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام المدنيّ الحجة الثبت [٤] ١/ ١. ٦ - (عروة بن الزبير) بن العوّام الأسديّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٤٠/ ٤٤. ٧ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فقد تفرّد به هو، وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من مالك، والباقون مصريون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه عروة من الفقهاء السبعة، وعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّه ﷺ ) أي من المدينة (فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) بفتح الواو، وكسرها، أي في عام حجة الوداع،

стр. 12739

وهو السنة العاشرة، أو بسبب أداء حجة الوداع، وقد تقدم سبب تسميته بهذا الاسم (فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ) أي أحرم بعضنا بعمرة، ومنهم عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -كما تقدم في حديث جابر ﵁ المتقدم. قال القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى-: اختلفت الروايات عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - فيما أحرمت به، اختلافا كثيرًا، فذكر مسلم من ذلك ما قدّمناه -يعني قولها: "ولم أهلّ إلا بعمرة"- وفي رواية لمسلم أيضًا عنها "خرجنا لا نرى إلا الحجّ"، وفي رواية القاسم عنها: "خرجنا مهلّين بالحجّ"، وفي رواية: "لا نذكر إلا الحجّ"، وكلّ هذه الروايات صريحة في أنها أحرمت بالحجّ، وفي رواية الأسود عنها: "نلبّي لا نذكر حجًا, ولا عمرة". قال القاضي: واختلف العلماء في الكلام على حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، فقال مالك: ليس العمل على حديث عروة، عن عائشة عندنا قديمًا, ولا حديثًا. وقال بعضهم: يترجّح أنها كانت محرمة بحجّ؛ لأنها رواية عمرة، والأسود، والقاسم، وغلّطوا عروة في العمرة. وممن ذهب إلى هذا القاضي إسماعيل، ورجّحوا رواية غير عروة على روايته؛ لأن عروة قال في رواية حماد بن زيد، عن هشام، عنه: حدّثني غير واحد أن النبيّ ﵁ قال لها: "دعي عمرتك"، فقد بان أنه لم يسمع الحديث منها. قال القاضي -رحمه اللَّه تعالى-: وليس هذا بواضح؛ لأنه يحتمل أنها ممن حدّثه ذلك. قالوا أيضًا: ولأن رواية عمرة، والقاسم نسّقت عمل عائشة في الحجّ من أوله إلى آخره، ولهذا قال القاسم عن رواية عمرة: أنبأتك بالحديث على وجهه. قالوا: ولأن رواية عروة إنما أخبر عن إحرام عائشة، والجمع بين الروايات ممكن، فأحرمت أوّلاً بالحجّ كما صحّ عنها في رواية الأكثرين، وكما هو الأصحّ من فعل النبيّ ﷺ ، وأكثر أصحابِهِ، ثم أحرمت بالعمرة حين أمر النبيّ كتَ أصحابه بفسخ الحجّ إلى العمرة، وهكذا فسّره القاسم في حديثه، فأخبر عروة عنها باعتمارها في آخر الأمر، ولم يذكر أول أمرها. قال القاضي: وقد تعارض هذا بما صحّ عنها في إخبارها عن فعل الصحابة، واختلافهم في الإحرام، وأنها أحرمت هي بعمرة، فالحاصل أنها أحرمت بحجّ، ثم فسخته إلى عمرة حين أُمر الناس بالفسخ، فلما حاضت، وتعذّر عليها إتمام العمرة، والتحلّل منها، وإدراك الإحرام بالحجّ، أمرها النبيّ ﷺ بالإحرام بالحجّ، فأحرمت، فصار مُدخلة للحجّ على العمرة، وقارنة. انتهى كلام القاضي -رحمه اللَّه تعالى- (١).

стр. 12740

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى- تحقيق نفيسٌ جدًّا. وحاصله أن رواية عروة أنها أهلّت بالعمرة صحيحة, لأنها محمولة على آخر أمرها، بعد أمر النبيّ ﷺ بفسخ الحجّ إلى العمرة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَن كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلْيُهْلِلْ بالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ) أي ليصير قارنًا (ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعَا) لأنه ممنوع التحَلل حتى يبلغ الهدي محله. قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذه الرواية مفسّرة للمحذوف من الرواية التي احتجّ بها أبو حنيفة، وأحمد، وموافقوهما -يعني قوله: "ومن أحرم بعمرة، وأهدى فلا يحلّ حتى ينحر هديه" على أن المعتمر، والمتمتّع إذا كان معه هدي، لا يتحلل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر، ومذهب مالك، والشافعيّ، وموافقيهما أنه إذا طاف، وسعى، وحلق، حلّ من عمرته، وحلّ له كلّ شيء فيِ الحال، سواء ساق الهدي، أم لا، واحتجّوا بالقياس على من لم يسق الهدي، وبأنه تَحلَّلَ من نسكه، فوجب أن يحلّ له كل شيء، كما لو تحلّل المحرم بالحجّ. وأجابوا عن هذه الرواية بأنها مختصرة من الروايات التي ذكرها مسلم بعدها، والتي ذكرها قبلها عن عائشة، قالت خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ عام حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول اللَّه ﷺ : "من كان معه هدي، فليُهلّ بالحجّ مع العمرة، ثم لا يحلّ حتى يحلّ منهما جميعًا". فهذه الرواية مفسّرة للمحذوف من الرواية التي احتجوا بها، وتقديرها: ومن أحرم بعمرة، وأهدى، فليهلّ بالحج، ولا يحلّ حتى ينحر هديه، ولا بدّ من هذا التأويل؛ لأن القضيّة واحدة، والراوي واحد، فيتعيّن الجمع بين الروايتين على ما ذكرنا انتهى كلام النوويّ بتصرّف (١). وقال الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى- بعد أن ذكر نحو ما ذكره النوويّ من التأويل: ولا يخفى ما فيه من التعسّف انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أنّ ما ذهب إليه الحنفية، والحنابلة من أن المعتمر إذا ساق الهدي لا يتحلّل حتى ينحر هديه هو الحقّ؛ لصحة الحديث بذلك، وتأويله على خلاف ظاهره تعسّف ظاهر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ) تقدّم أنها حاضت بسرف، وتمادى بها الحيض إلى يوم النحر (فَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) أي لقوله ﷺ لها: "افعلي ما يفعل الحاجّ، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري" (فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ،

стр. 12741

فَقَالَ: "انْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي) أي سرّحي شعرك بالمشط. ذهب الجمهور إلى أن معنى الحديث: أنه أمرها أن تترك أعمال العمرة، من الطواف، والسعي، والتقصير، وأن تُدخل الحجّ على العمرة، فتكون قارنة، وليس المراد بترك العمرة إبطالها جملة، وإنما المراد ترك أعمالها، وإرادف الحجّ عليها، حتى تصير قارنة، وتندرج أفعال العمرة في أفعال الحجّ. وذهب الحنفية إلى أن معنى الحديث: أنه أمرها بأن تخرج من إحرام العمرة، وتتركها باستباحة المحظورات من التمشيط، وغيره؛ لعدم القدرة على الإتيان بأفعالها بسبب الحيض. والراجح ما ذهب إليه الجمهور؛ إذ لا يلزم من التمشيط وغيره الخروج من الإحرام، وإبطال العمرة. قال النوويّ: ولا يلزم منه إبطال العمرة؛ لأن نقض الشعر، والامتشاط جائزان في الإحرام على الراجح، بحيث لا ينتف شعرًا. ولكن يكره الامتشاط إلا لعذر، وتأول العلماء فعل عائشة هذا على أنها كانت معذروة بأن كان في رأسها أذى، فأباح لها الامتشاط كما أباح لكعب بن عجرة الحلق للأذي. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: كون امتشاط عائشة للعذر يحتاج إلى دليل، والظاهر أنه يجوز بدون عذر، واللَّه تعالى أعلم. وقيل: ليس المراد بالامتشاط هنا حقيقة الامتشاط بالمشط، بل تسريح الشعر بالأصابع للغسل لإحرامها بالحجّ، لا سيما إن كانت لبّدت رأسها كما هو السنّة، وكما فعله النبيّ ﷺ ، فلا يصحّ غسلها إلا بإيصال الماء إلى جميع شعرها، ويلزم من هذا نقضه انتهى (١). وقال العلامة ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-: أما قوله: "وانقضي رأسك، وامتشطي" فهذا مما أعضل على الناس، ولهم فيها أربعة مسالك: [أحدها]: أنه دليل على رفض العمرة، كما قالت الحنفية. [المسلك الثاني]: أنه دليل على أنه يجوز للمحرم أن يمشي رأسه، ولا دليل من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع على منعه من ذلك، ولا تحريمه. وهذا قول ابن حزم وغيره.

стр. 12742

[المسلك الثالث]: تعليل هذه اللفظة، وردّها بأن عروة انفرد بها، وخالف بها سائر الرواة، وقد روى حديثها طاوس، والقاسم، والأسود، وغيرهم، فلم يذكر أحد منهم هذه اللفظة. [المسلك الرابع]: أن قوله: "دعي العمرة" أي دعيها بحالها, لا تخرجي منها, وليس المراد تركها، قالوا: ويدلّ عليه وجهان: أحدهما: قوله: "يسعك طوافك لحجك، وعمرتك". الثاني: قوله: "كوني في عمرتك"، قالوا: وهذا أولى من حمله على رفضها لسلامته من التناقض انتهى. (وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ، وَدَعيِ الْعُمْرَةَ") أي اتركي أعمالها؛ لدخولها في عمل الحجّ، حيث كانت قارنة. وقال القرطبيّ: هذا محمول على ترك عملها, لا على رفضها، والخروج منها؛ بدليل قوله في الرواية الأخرى: "وأمسكي" مكان "ودعي" وهو ظاهر في استدامتها حكم العمرة التي أحرمت بها، وبدليل قوله ﷺ : "يسعك طوافك لحجك، وعمرتك"، وهذا نصّ على أن حكم عمرتها باق عليها انتهى (١). (فَفَعَلْتُ، فَلَمِّا قَضَيتُ الْحَجَّ) أي أديته بإتمام أعماله (أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) الصديق القرشيّ التيميّ، يكنى أبا عبد اللَّه. وقيل: أبا محمد. وقيل: أبا عثمان، أمه أم رُومان والدة عائشة، فهو شقيقها، وكان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة. وقيل: عبد العزّى، فغيّره النبيّ ﷺ ، وتأخر إسلامه إلى أيام الهدنة، فأسلم، وحسن إسلامه. وقيل: إنما أسلم يوم الفتح هو ومعاوية في وقت واحد. ويقال: إنه شهد بدرًا مع المشركين، ودعا إلى البراز، فقام إليه أبوه ليبارزه، فذكر أن رسول اللَّه ﷺ قال له: متّعنا بنفسك، ثم أسلم، وحسن إسلامه، وصحب النبيّ ﷺ في هدنة الحديبية، وكان أسنّ ولد أبي بكر. قال الزبير بن بكار: كان رجلاً صالحًا، وكانت فيه دُعابة. وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيّب في حديث ذكره أن عبد الرحمن بن أبي بكر لم يجرّب عليه كذبة قط. وقال ابن عبد البرّ: كان من أشجع رجال قريش، وأرماهم بسهم، وحضر اليمامة مع خالد بن الوليد، فقتل سبعة من كبارهم، منهم مُحَكّمَ اليمامة ابن طفيل، رماه بسهم في نحوه، فقتله. وأخرج الزبير عن عبد اللَّه بن نافع، قال: خطب معاوية، فدعا الناس إلى بيعة يزيد، فكلمه الحسين بن عليّ، وابن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر، فقال له

стр. 12743

عبد الرحمن: أهرقلية، كلما مات قيصر كان قيصر مكانه؟ لا نفعل واللَّه أبدًا، وبعث إليه معاوية بعد ذلك بمائة ألف درهم، فردّها، وقال: لا أبيع ديني بدنياي، وخرج إلى مكة، فمات بها قبل أن تتمّ البيعة ليزيد، وكان موته فجأة من نومة نامها بمكان على عشرة أميال من مكة. وقيل: توفي بحبشيّ، وهو على اثني عشر ميلاً من مكة، فحمل إلى مكة، فدفن بها, ولما بلغ عائشة خبره، خرجت حاجة، فوقفت على قبره، وأنشدت أبيات متمم بن نويرة في أخيه مالك: وَكنَّا كَنَدْمَانَي جُذَيمَةَ حِقْبَةً … مِنَ الدَّهْرِ حَتَّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعَا فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا كَأنَّي وَمَالِكَا … بِطُولِ اجْتِمَاعٍ لَمْ نَبِتْ لَيلَةً مَعَا ثم قالت: لو حضرت دفنتك حيث متّ. روى عبد الرحمن عن النبيّ ﷺ أحاديث، منها في "الصحيح"، وعن أبيه، وروى عنه ابنه عبد اللَّه، وحفصة، وابن أخيه القاسم ابن محمد، وغيرهم. قال الخزرجيّ: له ثمانية أحاديث، اتفقا على ثلاثة. مات سنة (٥٣) قاله ابن سعد. وقيل: بعد ذلك (١). (إِلَى التَّنْعِيم، فَاعْتَمَرْتُ) أي أحرمت بها، وأديت أعمالها (قَالَ: هَذِهِ مَكَانُ عُمْرَتِكِ) قال الزركشي: المشهور رفع "مكان" على الخبر: أي عوض عمرتك التي تركتها لأجل حيضك، ويجوز النصب على الظرف. وقال بعضهم: لا يجوز غيره، والعامل محذوف، تقديره: هذه كائنة مكانَ عمرتك، أو مجعولة مكانها انتهى (٢). قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: إنما قال لها هذا؛ لأنها لم تطب نفسًا بالعمرة التي أردفت عليها؛ لأنها طافت طوافًا واحدًا، وسعت سعيًا واحدًا، كما جاء عنها من حديث جابر: أنها قال: يا رسول اللَّه إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت، فقال لعبد الرحمن: أعمرها من التنعيم، فلما فرغت منها، قال لها هذه المقالة تطييبًا لقلبها؛ ألا ترى أنه قد حكم بصحّة العمرة الْمُرْدَف عليها، وعلى هذا فلا يكون فيه حجة لمن يقول: إنها رفضت العمرة المتقدّمة، وهذه قضاء لتلك المرفوضة، لما قررناه، فتدبّره، وأنصّ ما يدلّ على صحة ما قلناه قولها: وأمرني أن أعتمر من التنعيم مكان عمرتي التي أدركني الحجّ، ولبم أحلل منها. انتهى (٣). (فَطَافَ) أي طواف العمرة (الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ) وحدها، تعني الذين أفردوا العمرة

стр. 12744

عن الحجّ (بِالْبَيْتِ) متعلق بـ "طاف" (وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) أي سعوا بينهما. قال القاري: الطواف يراد به الدور الذي يشمل السعي، فصحّ العطف، ولم يحتج إلى تقدير عامل، وجعله نظير "علفتها تبنًا وماء باردا" (ثُمَّ حَلُّوا) أي خرجوا من العمرة بالحلق، أو التقصير، ثم أحرموا بالحج من مكة (ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ) أي للحج يوم النحر، وهو طواف الإفاضة (بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى) أي إلى مكة، وقد سقط عنهم طواف القدوم إجماعًا لأنهم صاروا في حكم أهل مكة، والمكيّ لا طواف عليه للقدوم، إلا ما حُكي عن الإمام أحمد أن المتمتع يطوف يوم النحر أولا للقدوم، ثم يطوف طوافًا آخر للحج، وخالفه الجمهور، وهو الصواب؛ إذ لم ينقل عن النبيّ ﷺ ، ولا عن أصحابه الذين تمتعوا معه ﷺ في حجة الوداع أنهم طافوا الطواف المذكور. واللَّه تعالى أعلم (لِحَجَّهِمْ) فيه أن المتمتّع عليه طواف لعمرته، وطواف لحجه بعد رجوعه من منى (وَأَمَّا الذينَ جمًعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ) أي ابتداء، أو إدخالا لأحدهما على الآخر (فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا) تعني أن الذين قرنوا بينهما اكتفوا بطواف واحد؛ لأن أفعال العمرة تندرج في أفعال الحجّ، وبهذا قال الجمهور، وهو الحقّ، وقال الحنفيّة: إن القارن عليه طوافان، وسعيان، وسيأتي تحقيق القول في ذلك في باب "طواف القارن" -١٤٤/ ٢٩٣٢ - إن شاء اللَّه تعالى. [تنبيه]: قيل: هذا الحديث بظاهره مشكل على الجميع؛ لأنه يدلّ على اكتفائهم بطواف واحد، وقد ثبت بالأحاديث الصحيحة أنهم طافوا ثلاثة أطوفة: الأول طواف القدوم. والثاني: طواف الإفاضة. والثالث: طواف الوداع. وقد أجابوا عن ذلك، وأحسن ما رأيت في ذلك ما كتبه السنديّ في "حاشيته على البخاريّ": حيث قال: ظاهر الحديث أنهم إنما اقتصروا من الطوافين الذين طافهما السابقون على أحدهما، إما الأول، وإما الثاني، وليس الأمر كذلك، بل هم أيضًا طافوا الطوافين، الأول، والثاني جميعًا، وذلك مما لا خلاف فيه، وقد جاء صريحًا عن ابن عمر، ففي "صحيح مسلم" عنه، و"بدأ رسول اللَّه ﷺ ، فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحجّ"، إلى أن قال: "وطاف رسول اللَّه ﷺ حين قدم مكة"، إلى أن قال: "ونحر هديه يوم النحر، وأفاض، وطاف بالبيت، وفعل مثل ما فعل رسول اللَّه ﷺ من أهدى، وساق الهدي من الناس". ثم ذكر حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - أنها أخبرت بمثل ذلك، قال: فالمراد كما سبق أنهم طافوا للركن طوافًا واحدًا، والسابقون طافوا للركن طوافين. وقال أيضًا: قولها: "وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافًا

стр. 12745

واحدًا": أي ما طافوا طواف الفرض إلا طوافًا واحدًا، هو طواف الإفاضة، والذي طافوا أولاً كان طواف القدوم الذي هو من السنن, لا من الفرائض، بخلاف الذين حلّوا، فإنهم طافوا أوّلاً فرض العمرة، ثم فرض الحجّ، فطافوا طوافين للفرض، ولم ترد أن الذين جمعوا ما طافوا أوّلاً حين القدوم، أو ما طافوا آخرًا بعد الرجوع من منى، كما يفيده ظاهر الكلام، كيف والنبيّ ﷺ كان من الذين جمعوا على التحقيق، وعلى مقتضى هذا الحديث؛ لأنه كان معه الهدي البتّة، وقد ثبت أنه طاف أوّلاً حين قدم، وطاف ثانيًا طواف الافاضة، حين رجع من منى، بل لعله ما ثبت أن أحدًا ترك الطواف عند القدوم، ولا طواف الإفاضة، فلا فرق بين الطائفتين، إلا بصفة الافتراض، فطواف من حلّ كان مرَّتين فرضًا، وطواف من لم يحلّ كان مرّة فرضًا. واللَّه أعلم. والحاصل أن إحدى الطائفتين طافوا طوافين للنسكين، والثانية طافوا لهما واحدًا انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا التأويل الذي قاله السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- في معنى حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - المذكور تأويل نفيسٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم في -١٦/ ٢٦٥٠ - وتقدّم تخريجه هناك، فراجعه، تستفد، ونذكر هنا بعض الفوائد التي اشتمل عليها: (فمنها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان أن المرأة المعتمرة إذا حاضت، وخافت فوت الحجّ أدخلت الحج على عمرتها، فصارت قارنة. (ومنها): مشروعيّة حجّ الرجل مع زوجته. (ومنها): أن من ساق الهدي لا يتحلل حتى يبلغ الهدي محله. (ومنها): أن الحائض تنقض ضفر رأسها، وتمتشط، وتغتسل للإهلال بالحجّ. (ومنها): أن من كان بمكة، وأراد العمرة فلا بدّ من خروجه إلى الحلّ، وأدناه التنعيم. (ومنها): أن المتمتّع لا بدّ له من طوافين، وسعيين. (ومنها): أن القارن يطوف طوافًا واحدًا، وسعيًا واحدًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
следующие страницы →