← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 12741–12780 · переход к 12746.

стр. 12741

فَقَالَ: "انْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي) أي سرّحي شعرك بالمشط. ذهب الجمهور إلى أن معنى الحديث: أنه أمرها أن تترك أعمال العمرة، من الطواف، والسعي، والتقصير، وأن تُدخل الحجّ على العمرة، فتكون قارنة، وليس المراد بترك العمرة إبطالها جملة، وإنما المراد ترك أعمالها، وإرادف الحجّ عليها، حتى تصير قارنة، وتندرج أفعال العمرة في أفعال الحجّ. وذهب الحنفية إلى أن معنى الحديث: أنه أمرها بأن تخرج من إحرام العمرة، وتتركها باستباحة المحظورات من التمشيط، وغيره؛ لعدم القدرة على الإتيان بأفعالها بسبب الحيض. والراجح ما ذهب إليه الجمهور؛ إذ لا يلزم من التمشيط وغيره الخروج من الإحرام، وإبطال العمرة. قال النوويّ: ولا يلزم منه إبطال العمرة؛ لأن نقض الشعر، والامتشاط جائزان في الإحرام على الراجح، بحيث لا ينتف شعرًا. ولكن يكره الامتشاط إلا لعذر، وتأول العلماء فعل عائشة هذا على أنها كانت معذروة بأن كان في رأسها أذى، فأباح لها الامتشاط كما أباح لكعب بن عجرة الحلق للأذي. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: كون امتشاط عائشة للعذر يحتاج إلى دليل، والظاهر أنه يجوز بدون عذر، واللَّه تعالى أعلم. وقيل: ليس المراد بالامتشاط هنا حقيقة الامتشاط بالمشط، بل تسريح الشعر بالأصابع للغسل لإحرامها بالحجّ، لا سيما إن كانت لبّدت رأسها كما هو السنّة، وكما فعله النبيّ ﷺ ، فلا يصحّ غسلها إلا بإيصال الماء إلى جميع شعرها، ويلزم من هذا نقضه انتهى (١). وقال العلامة ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-: أما قوله: "وانقضي رأسك، وامتشطي" فهذا مما أعضل على الناس، ولهم فيها أربعة مسالك: [أحدها]: أنه دليل على رفض العمرة، كما قالت الحنفية. [المسلك الثاني]: أنه دليل على أنه يجوز للمحرم أن يمشي رأسه، ولا دليل من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع على منعه من ذلك، ولا تحريمه. وهذا قول ابن حزم وغيره.

стр. 12742

[المسلك الثالث]: تعليل هذه اللفظة، وردّها بأن عروة انفرد بها، وخالف بها سائر الرواة، وقد روى حديثها طاوس، والقاسم، والأسود، وغيرهم، فلم يذكر أحد منهم هذه اللفظة. [المسلك الرابع]: أن قوله: "دعي العمرة" أي دعيها بحالها, لا تخرجي منها, وليس المراد تركها، قالوا: ويدلّ عليه وجهان: أحدهما: قوله: "يسعك طوافك لحجك، وعمرتك". الثاني: قوله: "كوني في عمرتك"، قالوا: وهذا أولى من حمله على رفضها لسلامته من التناقض انتهى. (وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ، وَدَعيِ الْعُمْرَةَ") أي اتركي أعمالها؛ لدخولها في عمل الحجّ، حيث كانت قارنة. وقال القرطبيّ: هذا محمول على ترك عملها, لا على رفضها، والخروج منها؛ بدليل قوله في الرواية الأخرى: "وأمسكي" مكان "ودعي" وهو ظاهر في استدامتها حكم العمرة التي أحرمت بها، وبدليل قوله ﷺ : "يسعك طوافك لحجك، وعمرتك"، وهذا نصّ على أن حكم عمرتها باق عليها انتهى (١). (فَفَعَلْتُ، فَلَمِّا قَضَيتُ الْحَجَّ) أي أديته بإتمام أعماله (أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) الصديق القرشيّ التيميّ، يكنى أبا عبد اللَّه. وقيل: أبا محمد. وقيل: أبا عثمان، أمه أم رُومان والدة عائشة، فهو شقيقها، وكان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة. وقيل: عبد العزّى، فغيّره النبيّ ﷺ ، وتأخر إسلامه إلى أيام الهدنة، فأسلم، وحسن إسلامه. وقيل: إنما أسلم يوم الفتح هو ومعاوية في وقت واحد. ويقال: إنه شهد بدرًا مع المشركين، ودعا إلى البراز، فقام إليه أبوه ليبارزه، فذكر أن رسول اللَّه ﷺ قال له: متّعنا بنفسك، ثم أسلم، وحسن إسلامه، وصحب النبيّ ﷺ في هدنة الحديبية، وكان أسنّ ولد أبي بكر. قال الزبير بن بكار: كان رجلاً صالحًا، وكانت فيه دُعابة. وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيّب في حديث ذكره أن عبد الرحمن بن أبي بكر لم يجرّب عليه كذبة قط. وقال ابن عبد البرّ: كان من أشجع رجال قريش، وأرماهم بسهم، وحضر اليمامة مع خالد بن الوليد، فقتل سبعة من كبارهم، منهم مُحَكّمَ اليمامة ابن طفيل، رماه بسهم في نحوه، فقتله. وأخرج الزبير عن عبد اللَّه بن نافع، قال: خطب معاوية، فدعا الناس إلى بيعة يزيد، فكلمه الحسين بن عليّ، وابن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر، فقال له

стр. 12743

عبد الرحمن: أهرقلية، كلما مات قيصر كان قيصر مكانه؟ لا نفعل واللَّه أبدًا، وبعث إليه معاوية بعد ذلك بمائة ألف درهم، فردّها، وقال: لا أبيع ديني بدنياي، وخرج إلى مكة، فمات بها قبل أن تتمّ البيعة ليزيد، وكان موته فجأة من نومة نامها بمكان على عشرة أميال من مكة. وقيل: توفي بحبشيّ، وهو على اثني عشر ميلاً من مكة، فحمل إلى مكة، فدفن بها, ولما بلغ عائشة خبره، خرجت حاجة، فوقفت على قبره، وأنشدت أبيات متمم بن نويرة في أخيه مالك: وَكنَّا كَنَدْمَانَي جُذَيمَةَ حِقْبَةً … مِنَ الدَّهْرِ حَتَّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعَا فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا كَأنَّي وَمَالِكَا … بِطُولِ اجْتِمَاعٍ لَمْ نَبِتْ لَيلَةً مَعَا ثم قالت: لو حضرت دفنتك حيث متّ. روى عبد الرحمن عن النبيّ ﷺ أحاديث، منها في "الصحيح"، وعن أبيه، وروى عنه ابنه عبد اللَّه، وحفصة، وابن أخيه القاسم ابن محمد، وغيرهم. قال الخزرجيّ: له ثمانية أحاديث، اتفقا على ثلاثة. مات سنة (٥٣) قاله ابن سعد. وقيل: بعد ذلك (١). (إِلَى التَّنْعِيم، فَاعْتَمَرْتُ) أي أحرمت بها، وأديت أعمالها (قَالَ: هَذِهِ مَكَانُ عُمْرَتِكِ) قال الزركشي: المشهور رفع "مكان" على الخبر: أي عوض عمرتك التي تركتها لأجل حيضك، ويجوز النصب على الظرف. وقال بعضهم: لا يجوز غيره، والعامل محذوف، تقديره: هذه كائنة مكانَ عمرتك، أو مجعولة مكانها انتهى (٢). قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: إنما قال لها هذا؛ لأنها لم تطب نفسًا بالعمرة التي أردفت عليها؛ لأنها طافت طوافًا واحدًا، وسعت سعيًا واحدًا، كما جاء عنها من حديث جابر: أنها قال: يا رسول اللَّه إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت، فقال لعبد الرحمن: أعمرها من التنعيم، فلما فرغت منها، قال لها هذه المقالة تطييبًا لقلبها؛ ألا ترى أنه قد حكم بصحّة العمرة الْمُرْدَف عليها، وعلى هذا فلا يكون فيه حجة لمن يقول: إنها رفضت العمرة المتقدّمة، وهذه قضاء لتلك المرفوضة، لما قررناه، فتدبّره، وأنصّ ما يدلّ على صحة ما قلناه قولها: وأمرني أن أعتمر من التنعيم مكان عمرتي التي أدركني الحجّ، ولبم أحلل منها. انتهى (٣). (فَطَافَ) أي طواف العمرة (الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ) وحدها، تعني الذين أفردوا العمرة

стр. 12744

عن الحجّ (بِالْبَيْتِ) متعلق بـ "طاف" (وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) أي سعوا بينهما. قال القاري: الطواف يراد به الدور الذي يشمل السعي، فصحّ العطف، ولم يحتج إلى تقدير عامل، وجعله نظير "علفتها تبنًا وماء باردا" (ثُمَّ حَلُّوا) أي خرجوا من العمرة بالحلق، أو التقصير، ثم أحرموا بالحج من مكة (ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ) أي للحج يوم النحر، وهو طواف الإفاضة (بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى) أي إلى مكة، وقد سقط عنهم طواف القدوم إجماعًا لأنهم صاروا في حكم أهل مكة، والمكيّ لا طواف عليه للقدوم، إلا ما حُكي عن الإمام أحمد أن المتمتع يطوف يوم النحر أولا للقدوم، ثم يطوف طوافًا آخر للحج، وخالفه الجمهور، وهو الصواب؛ إذ لم ينقل عن النبيّ ﷺ ، ولا عن أصحابه الذين تمتعوا معه ﷺ في حجة الوداع أنهم طافوا الطواف المذكور. واللَّه تعالى أعلم (لِحَجَّهِمْ) فيه أن المتمتّع عليه طواف لعمرته، وطواف لحجه بعد رجوعه من منى (وَأَمَّا الذينَ جمًعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ) أي ابتداء، أو إدخالا لأحدهما على الآخر (فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا) تعني أن الذين قرنوا بينهما اكتفوا بطواف واحد؛ لأن أفعال العمرة تندرج في أفعال الحجّ، وبهذا قال الجمهور، وهو الحقّ، وقال الحنفيّة: إن القارن عليه طوافان، وسعيان، وسيأتي تحقيق القول في ذلك في باب "طواف القارن" -١٤٤/ ٢٩٣٢ - إن شاء اللَّه تعالى. [تنبيه]: قيل: هذا الحديث بظاهره مشكل على الجميع؛ لأنه يدلّ على اكتفائهم بطواف واحد، وقد ثبت بالأحاديث الصحيحة أنهم طافوا ثلاثة أطوفة: الأول طواف القدوم. والثاني: طواف الإفاضة. والثالث: طواف الوداع. وقد أجابوا عن ذلك، وأحسن ما رأيت في ذلك ما كتبه السنديّ في "حاشيته على البخاريّ": حيث قال: ظاهر الحديث أنهم إنما اقتصروا من الطوافين الذين طافهما السابقون على أحدهما، إما الأول، وإما الثاني، وليس الأمر كذلك، بل هم أيضًا طافوا الطوافين، الأول، والثاني جميعًا، وذلك مما لا خلاف فيه، وقد جاء صريحًا عن ابن عمر، ففي "صحيح مسلم" عنه، و"بدأ رسول اللَّه ﷺ ، فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحجّ"، إلى أن قال: "وطاف رسول اللَّه ﷺ حين قدم مكة"، إلى أن قال: "ونحر هديه يوم النحر، وأفاض، وطاف بالبيت، وفعل مثل ما فعل رسول اللَّه ﷺ من أهدى، وساق الهدي من الناس". ثم ذكر حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - أنها أخبرت بمثل ذلك، قال: فالمراد كما سبق أنهم طافوا للركن طوافًا واحدًا، والسابقون طافوا للركن طوافين. وقال أيضًا: قولها: "وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافًا

стр. 12745

واحدًا": أي ما طافوا طواف الفرض إلا طوافًا واحدًا، هو طواف الإفاضة، والذي طافوا أولاً كان طواف القدوم الذي هو من السنن, لا من الفرائض، بخلاف الذين حلّوا، فإنهم طافوا أوّلاً فرض العمرة، ثم فرض الحجّ، فطافوا طوافين للفرض، ولم ترد أن الذين جمعوا ما طافوا أوّلاً حين القدوم، أو ما طافوا آخرًا بعد الرجوع من منى، كما يفيده ظاهر الكلام، كيف والنبيّ ﷺ كان من الذين جمعوا على التحقيق، وعلى مقتضى هذا الحديث؛ لأنه كان معه الهدي البتّة، وقد ثبت أنه طاف أوّلاً حين قدم، وطاف ثانيًا طواف الافاضة، حين رجع من منى، بل لعله ما ثبت أن أحدًا ترك الطواف عند القدوم، ولا طواف الإفاضة، فلا فرق بين الطائفتين، إلا بصفة الافتراض، فطواف من حلّ كان مرَّتين فرضًا، وطواف من لم يحلّ كان مرّة فرضًا. واللَّه أعلم. والحاصل أن إحدى الطائفتين طافوا طوافين للنسكين، والثانية طافوا لهما واحدًا انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا التأويل الذي قاله السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- في معنى حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - المذكور تأويل نفيسٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم في -١٦/ ٢٦٥٠ - وتقدّم تخريجه هناك، فراجعه، تستفد، ونذكر هنا بعض الفوائد التي اشتمل عليها: (فمنها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان أن المرأة المعتمرة إذا حاضت، وخافت فوت الحجّ أدخلت الحج على عمرتها، فصارت قارنة. (ومنها): مشروعيّة حجّ الرجل مع زوجته. (ومنها): أن من ساق الهدي لا يتحلل حتى يبلغ الهدي محله. (ومنها): أن الحائض تنقض ضفر رأسها، وتمتشط، وتغتسل للإهلال بالحجّ. (ومنها): أن من كان بمكة، وأراد العمرة فلا بدّ من خروجه إلى الحلّ، وأدناه التنعيم. (ومنها): أن المتمتّع لا بدّ له من طوافين، وسعيين. (ومنها): أن القارن يطوف طوافًا واحدًا، وسعيًا واحدًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 12746

٥٩ - (الاشْتِرَاطُ فِي الْحَجِّ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المراد اشتراط التحلل عن الإحرام عند حصول ما يمنع من المضي في النسك، وقد اختلف فيه العلماء، والراجح مشروعيته، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٧٦٥ - (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَبِيبٌ, عَنْ عَمْرِو بْنِ هَرِمٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, وَعِكْرِمَةُ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ ضُبَاعَةَ أَرَادَتِ الْحَجَّ, فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَشْتَرِطَ, فَفَعَلَتْ عَنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (هارون بن عبد اللَّه) بن مروان الحمّال البزّاز، أبو موسى البغداديّ، ثقة [١٠] ٥٠/ ٦٢. ٢ - (أبو داود) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، ثقة حافظ [٩] ١٣/ ٣٤٣. ٣ - (حبيب) بن أبي حبيب الجرميّ، واسم أبيه يزيد البصريّ الأنماطيّ، صدوق يخطئ [٧] ٤٤/ ٥٩٠. ٤ - (عمرو بن هَرِم) الأزديّ البصريّ، ثقة [٦] ٤٤/ ٥٩٠. ٥ - (سعيد بن جُبير) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقة فقيه فاضل [٣] ٢٨/ ٤٣٦. ٦ - (عكرمة) مولى ابن عباس المدنيّ بربريّ الأصل، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢١/ ٣٢٥. ٧ - (ابن عباس) عبد اللَّه البحر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح، فقد أخرجه مسلم بهذا السند في "صحيحه". (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فبغداديّ، وسعيد، فكوفيّ، وعكرمة، فمدنيّ كما مرّ آنفًا. (ومنها): أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ ضُبَاعَةَ) -بضم الضاد المعجمة، بعدها باء موحّدة، مخفّفة، وبعد الألف عين مهملة- بنت الزبير بن عبد المطّلب الهاشميّة، بنت عمّ النبيّ ﷺ ، تزوّجها المقداد بن عمرو، فولدت له عبد اللَّه، وكريمة، فقتل عبد اللَّه يوم الجمل مع عائشة. روت ضباعة عن النبيّ ﷺ ، وعن زوجها المقداد.

стр. 12747

وعنها ابنتها كريمة بنت المقداد، وابن عباس، وعائشة، وابن المسيب، وعروة، وغيرهم. قال ابن عبد البرّ: لضباعة عن النبيّ ﷺ أحاديث: منها الاشتراط في الحجّ. قال الزبير بن بكّار: لم يكن للزبير بن عبد المطلب عقب إلا من بنتيه: ضباعة، وأختها أم الحكم. [تنبيه]: قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: وأما قوله في رواية ابن ماجه من حديث أسماء، أو سعدى: "دخل على ضباعة بنت عبد المطلب"، فهو وَهَمٌ، لا يتأوّل بما قاله والدي -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح الترمذيّ" من أنه نسبة إلى جدّها كقوله ﷺ : "أنا ابن عبد المطّلب", لأنه عَقَّبَ ذلك بقوله: فقال: "ما يمنعك يا عمّتاه من الحجّ"؛ فدلّ على أنه بني على أنها بنت عبد المطّلب حقيقة حتى تكون عمته ﷺ ، وهو وَهَمٌ. قال الزبير بن بكار. وليس للزبير بقية إلا من بنتيه أم الحكم، وضباعة انتهى. وكانت تحت المقداد ابن الأسود، كما هو مصرّح به في رواية "الصحيحين" وبسبب ذلك أورد البخاريّ هذا الحديث في "كتاب النكاح" في "باب الأكفاء في الدين" يشير إلى تزوجها بالمقداد، وليس كفؤًا لها من حيث النسب، فإنه كنديّ، وليس كندة أكفاء لقريش، فضلاً عن بني هاشم، عند من يعتبر الكفاءة في النسب من العلماء، وإنما هو كفؤ لها في الدين فقط. ووقع في كلام إمام الحرمين، والغزاليّ أنها ضباعة الأسلمية، وهو غلط فاحش، كما قال النوويّ، وغيره، والصواب الهاشمية، وليس في الصحابة أخرى يقال لها: ضباعة الأسلميّة، ولكنهما وَهِما في نسبتها، نعم في الصحابة أخرى تسمى ضباعة بنت الحارث أنصارية، وهي أخت أم عطية انتهى كلام وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى- (١). (أَرَادَتِ الْحَجَّ) وفي رواية هلال بن خبّاب، عن سعيد بن جبير الآتية: "أن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أتت النبيّ ﷺ ، فقالت: يا رسول اللَّه، إني أريد الحجّ، فكيف أقول … ؟ ". وفي رواية أبي الزبير، عن طاوس، وعكرمة: "فقالت: يا رسول اللَّه، إني امرأة ثقيلة، وإني أريد الحج، فكيف تأمرني؟ … ". وفي حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - الآتي: "دخل رسول اللَّه ﷺ على ضُباعة، فقالت: يا رسول اللَّه إني شاكية، وإني أريد الحجّ … ". قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: قولها: "إني أريد الحجّ" قد يقتضي ظاهره أنها قالت له ذلك ابتداء، وفي "صحيح البخاريّ": "لعلك أردت الحجّ"، وفي "صحيح

стр. 12748

مسلم" من ذلك الوجه: "أردت الحجّ". ولا منافاة، فقد تكون إنما قالت: إني أريد الحجّ في جواب استفهامه لها, وليس اللفظ صريحًا في أنها قالت ذلك ابتداء، وكذا قوله في رواية ابن ماجه من حديث ضباعة أنه ﷺ قال لها: "أما تريدين الحجّ العام؟ "، ومن رواية أسماء، أو سعدى: "ما يمنعك من الحجّ؟ "، كلّ ذلك يقتضي أن كلامها كان جوابًا لسؤاله، لكن في حديث ابن عباس عند مسلم، وأصحاب السنن الأربعة: "أن ضباعة أتت رسول اللَّه ﷺ ، فقالت … "، وهذا قد ينافي قوله في حديث عائشة: "دخل على ضباعة … ". وقد يُجمع بينهما بأنها أتت رسول اللَّه ﷺ ، ولم يكن إذ ذاك في منزله، ثم جاء، فدخل عليها، وهي في منزله. وفي حديث ابن عباس عند أبي داود، والترمذيّ: أنها قالت له: إني أريد الحجّ، فأشترط؟، فقال لها: "نعم"، وهذا يقتضي أن أمره بالاشتراط ما كان إلا بعد استئذانها انتهىَ كلام وليّ الدين (١). (فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَشْتَرِطَ) وفي رواية هلال، عن سعيد: "قال: قولي: لبيك اللَّهم لبيك، ومحلّي من الأرض حيث تحبسني، فإن لك على ربك ما استثنيت" (فَفَعَلَتْ عَنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أي فاشترطت من أجل أمر رسول اللَّه ﷺ لها بذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٩/ ٢٧٦٥ و ٦٠/ ٢٧٦٦ و ٢٧٦٧ - وفي "الكبرى" ٥٩/ ٥٨/ ٣٧٤٦ و ٣٧٤٧ و ٥٩/ ٣٧٣٩. وأخرجه (م) في "الحج" ١٢٠٨ (د) في "المناسك" ١٧٧٦ (ت) في "الحجّ" ٩٤١ (ق) في "المناسك" ٢٩٣٨ (أحمد) في "مسند بني هاشم" ٣١٠٧ و ٣٢٩٢ (الدارميّ) في "المناسك" ١٨١١. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: حديث قصّة ضُباعة - رضي اللَّه تعالى عنها - أخرجه الشيخان، وأصحاب السنن, وغيرهم، وروه الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى- عن ابن عيينة، عن هشام، عن أبيه، مرسلاً، وقال: لو ثبت حديث عروة، عن النبيّ ﷺ في الاستثناء لم أَعْدُهُ إلى غيره؛ لأنه لا يحلّ عندي خلاف ما ثبت عن رسول اللَّه ﷺ .

стр. 12749

قال البيهقيّ: أما حديث ابن عيينة، فقد رواه عنه عبد الجبّار بن العلاء موصولاً بذكر عائشة فيه. وثبت وصله أيضًا من جهة أبي أسامة حماد بن أسامة، أخرجه البخاريّ، ومسلم. وثبت عن معمر، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة، وعن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أخرجه مسلم. وعن عطاء، وسعيد بن جبير، وطاوس، وعكرمة، عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ ، وهو مخرّج في "صحيح مسلم" انتهى. وأخرج حديث ابن عباس أيضًا أصحاب السنن الأربعة، ورواه ابن حبّان في "صحيحه"، والدارقطنيّ من رواية عبيد اللَّه بن عمر، عن القاسم بن محمد، عن عائشة. وقال ابن حزم: وقال الشافعيّ: إن صحّ الخبر قلت به. قال: قد صحّ الخبر، وبالغ في الصحّة، فهو قوله، وهو قول أحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأبي سليمان -يعني داود -. وفي الباب أيضًا عن أسماء بنت أبي بكر، أو سعدى بنت عوف. رواه ابن ماجه على الشكّ هكذا، وجابر، رواه البيهقيّ. وقال ابن حزم في "المحلّى" بعد ذكر هذه الأحاديث سوى حديث أسماء، أو سعدى، فهذه آثار متظاهرة، متواترة، لا يسع أحدًا الخروج عنها. وقال النسائيّ: لا أعلم أحدًا أسنده عن الزهريّ، غير معمر. وقال في موضع آخر: لم يسنده عن معمر غير عبد الرزاق فيما أعلم. وأشار القاضي عياض إلى تضعيف الحديث، فانه قال: قال الأصيليّ: لا يثبت في الاشتراط إسناد صحيح. وقال: قال النسائيّ: لا أعلم أسنده عن الزهريّ غير معمر. قال النوويّ في "شرح مسلم": وهذا الذي عرّض به القاضي، وقاله الأصيليّ من تضعيف الحديث غلط فاحش جدًّا، نبهت عليه لئلا يغترّ به؛ لأن هذا الحديث مشهور في صحيحي البخاريّ، ومسلم، وسنن أبي داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وسائر كتب الحديث المعتمدة من طُرُق متعدّدة بأسانيد كثيرة عن جماعة من الصحابة، وفيما ذكره مسلم من تنويع طرقه أبلغ كفاية. وقال الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذيّ": والنسائيّ، لم يقل بانفراد معمر به مطلقًا، بل بانفراده به عن الزهريّ، ولا يلزم من الانفراد المقيّد، الانفراد المطلق، فقد أسنده معمر، وأبو أسامة، وسفيان بن عيينة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، وأسنده القاسم عنها, ولو انفرد به معمر مطلقًا لم يضره، وكم في "الصحيحين" من الانفراد، ولا يضرّ إرسال الشافعيّ له، فالحكم لمن وصل. هذا معنى كلامه. ذكر الحافظ وليّ الدين -رحمه

стр. 12750

اللَّه تعالى (١) وهو بحث نفيس جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في الفوائد التي اشتمل عليها حديث ضباعة برواياته المختلفة (٢): (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو مشروعية الاشتراط في الحجّ. (ومنها): أن دخوله ﷺ على ضباعة - رضي اللَّه تعالى عنها - عيادة، أو زيارة، وصلة، فإنها قريبته، كما تقدّم، وفيه بيان تواضعه ﷺ ، وصلته لرحمه، وتفقده، وهو محمول على أن الخلوة هناك كانت منتفية، فإنه ﷺ لم يكن يخلو بالأجنبيات، ولا يصافحهنّ، وإن كان لو فعل ذلك لم يلزم منه مفسدة؛ لعصمته، لكنهم لم يعدّوا ذلك من خصائصه ﷺ ، فهو في ذلك كغيره في التحريم. ذكره وليّ الدين (٣). (ومنها): أن الحديث ورد في الحجّ، ولكن العمرة في معناه، فلو أحرم بعمرة، فشرط التحلّل منها عند المرض كان كذلك. قال وليّ الدين: ولا خلاف في هذا بين المجوّزين للاشتراط فيما أعلم، ولعلّ العمرة داخلة في قوله في رواية النسائيّ من حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - الآتية: "فإن لكِ على ربّك ما استثنيت". وقد عزى ابن قدامة في "المغني" هذا الحديث لمسلم، وفيه هذه الزيادة، وليسست عند مسلم انتهى (٤). (ومنها): أنه قد يستدلّ به على أن المشترط لذلك يحلّ بمجرّد المرض والعجز، ولا يحتاج إلى إحلال. وقد قال الشافعية: إن اشترط التحلّل بذلك، فلا يحلّ إلا بالتحلّل، وإن قال: إذا مرضت، فأنا حلال، فهل يحتاج في هذه الصورة إلى تحلل، أو يصير حلالاً بنفس المرض، فيه وجهان لهم، الذي نصّ عليه الشافعيّ أنه يصير حلالاً بنفس المرض. قال وليّ الدين: ودلالة الحديث محتملة، فإن قوله: "محلّي" يحتمل أن يكون معناه موضع حلي، ويحتمل أن يكون معناه موضع إحلالي. انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي الاحتمال الأول هو الظاهر، فما نصّ عليه الشافعي هو الأرجح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (ومنها): أن المراد بالتحلل أن يصير نفسه حلالاً، فلو شرط أن ينقلب حجه عمرة عند المرض، فذكر الشافعيّة أنه أولى بالصحّة من شرط التحلل، ونصّ عليه الشافعي،

стр. 12751

وإذا أجاز إبطال العبادة للعجز، فنقلها إلى عبادة أخرى أولى بالجواز. وروى ابن خزيمة في "صحيحه"، والبيهقيّ في "سننه" من رواية يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيّب، عن ضُباعة، قالت: قلت: يا رسول اللَّه، إني أريد الحجّ، فكيف أهلّ بالحجّ؟ قال: "قولي: اللَّهم إني أُهلّ بالحجّ إن أذنت لي به، وأعنتني عليه، ويسّرته لي، وإن حبستني فعمرة، وإن حبستني عنهما جميعًا، فمجلّي حيث حبستني". قال الحافظ وليّ الدين: وهذه زيادة حسنة، يجب الأخذ بها، ويقال: ينبغي أن لا يجوز للحاجّ شرط التحلل منه مطلقًا، إلا مع العجز عنه، وعن العمرة، فمع القدرة على العمرة لا ينتقل للتحلّل المطلق انتهى (١). (ومنها): أنّ سبب الحديث إنما هو في التحلل بالمرض لكن قوله: "حبستني" يصدق بالحبس بالمرض، وبغيره من الأعذار كذهاب النفقة، وفراغها، وضلال الطريق، والخطإ في العدد. وقد صرّح الشافعيّة، والحنابلة بأن هذه الأعذار كالمرض في جواز شرط التحلّل بها، ومن الشافعية من خالف فيه. (ومنها): أن ظاهر الحديث أنه لا يجب عليه عند التحلُّل بالشرط دم، إذ لو وجب لذكره ﷺ ، فإنه وقت الاحتياج إليه، وبهذا صرّح الحنابلة، والظاهريّة، وهو الأصحّ عند الشافعيّة. ومحلّ الخلاف عندهم في حالة الإطلاق، فلو شرط التحلّل بالهدي لزمه قطعًا، وإن شرطه بلا هدي لم يلزمه قطعًا (٢). واللَّه تعالى أعلم. (ومنها): أن الحنابلة ذكروا أن هذا الشرط يؤثّر في إسقاط الدم فيما إذا حبسه عدوّ. وقالت الشافعية: لا يسقط دم الإحصار بهذا الشرط؛ لأن التحلل بالإحصار جائز بلا شرط، فشرطه لاغٍ. ومنهم من حكى فيه خلافًا. واللَّه تعالى أعلم. (ومنها): أنه استَدلّ به الجمهور على أنه لا يجوز التحلل بالإحصار بالمرض من غير شرط، إذ لو جاز التحلل به لم يكن لاشتراطه معنى. (ومنها): أنه لا يجب القضاء عند التحلل بشرط، وبه صرّح الشافعية، وغيرهم. (ومنها): أن المفهوم من لفظ الشرط أنه لا بدّ من مقارنته للإحرام، فإنه متى سبقه، أو تأخر عنه لم يكن شرطًا، وقد صرّح بذلك في قوله في حديث ابن عباس: "اشترطي عند إحرامك"، وهو بهذا اللفظ في "مصنّف ابن أبي شيبة". (ومنها): أن ظاهر الحديث أنه لا بدّ من التلفظ بهذا الشرط كغيره من الشروط، وهو ظاهر كلام الشافعية، وذكر فيه ابن قدامة احتمالين: أحدهما: هذا، قال: ويدلّ عليه ظاهر قوله ﷺ في حديث ابن عباس: "قولي: محلّي من الأرض حيث

стр. 12752

تحبسني"، وكذا في حديث عائشة في "الصحيحين". و"قولي: اللَّهم محلي حيث حبستني". والثاني: أنه تكفي فيه النية، ووجهه بأنه تبع لعقد الإحرام، والإحرام ينعقد بالنيّة. واللَّه تعالى أعلم. (ومنها): أنه لا يتعيّن في الاشتراط اللفظ المذكور في الحديث، بل كلّ ما يؤدّي معناه يقوم مقامه في ذلك. قال ابن قُدامة: وغير هذا اللفظ مما يؤدي معناه يقوم مقامه لأن المقصود المعنى، والعبارة إنما يعتبر لتأدية المعنى، ثم استشهد بقول علقمة: اللَّهم إني أريد العمرة إن تيسرت، وإلا فلا حرج عليّ. وبقول شريح: اللَّهم قد عرفت نيتي، وما أريد، فإن كان أمرا تتمه، فهو أحبّ إليّ، وإلا فلا حرج عليّ. ونحوه عن الأسود. وقالت عائشة لعروة: قل: اللَّهم إني أريد الحج، وإياه نويت، فإن تيسر، وإلا فعمرة. ونحوه عن عميرة بن زياد. واللَّه تعالى أعلم. (ومنها): أن قوله: "محلّي حيث حبستني" يدلّ على أن المحصر يحلّ حيث يحبس، وهناك ينحر هديه، ولو كان في الحلّ، وبه قال الشافعيّ، وأحمد. وقال أبو حنيفة: لا ينحر هديه إلا في الحرم. والأول أصحّ. واللَّه تعالى أعلم. (ومنها): أنه خرج بقوله: "حيث حبستي ما إذا شرط التحلّل بلا عذر، بأن قال في إحرامه: متى شئت، أو كسلت خرجت، فإن هذا لا يعتبر اتفاقًا (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الاشتراط في الإحرام: اختلفوا في ذلك على مذاهب: (المذهب الأول): جوازه، وهو مذهب جمهور أهل العلم من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم. وهو المشهور من مذهب الشافعيّ، فإنه نصّ عليه في القديم، وعلّق القول به في الجديد على صحة الحديث، وقد صحّ، كما تقدم. وقد روى ابن أبي شيبة فعله عن عليّ، وعلقمة، والأسود، وشُريح، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث. والأمر به عن عائشة، وعبد اللَّه بن مسعود. وعن عثمان أنه رأى رجلاً واقفا بعرفة، فقال له: أشارطت؟، فقال: نعم. وعن الحسن، وعطاء في المحرم قالا: له شرطه. وروى البيهقيّ الأمر به عن أم سلمة. وقال ابن المنذر: ممن روينا عنه أنه رأى الاشتراط عند الإحرام عمر بن الخطاب، وعليّ بن أبي طالب، وعبد اللَّه بن مسعود، وعمار بن ياسر، وهو مذهب عَبيدة السلمانيّ، والأسود بن يزيد، وعلقمة، وشُريح، وسعيد بن المسيّب، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة، وعطاء بن يسار، وأحمد، وإسحاق، وأبي

стр. 12753

ثور، وبه قال الشافعيّ إذ هو بالعراق، ثم وقف عنه بمصر، وبالأول أقول. وحكاه ابن حزم عن جمهور الصحابة. وحكاه الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذيّ " عن جمهور الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم. (المذهب الثاني): استحبابه، وهو مذهب الإمام أحمد، فإن ابن قدامة جزم به في "المغني"، وهو المفهوم من قول الخرقيّ، والمجد ابن تيمية في "مختصريهما" عند ذكر الإحرام. (المذهب الثالث): إيجابه، وإليه ذهب ابن حزم الظاهريّ، تمسّكًا بالأمر. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا عزا وليّ الدين الوجوب إلى الظاهرية، وكذا الحافظ في "الفتح" (١) والذي ذكره ابن حزم في "المحلّى" ٧/ ٩٩ - الاستحباب، فليحرّر. واللَّه تعالى أعلم. (المذهب الرابع): إنكاره، وهذا مذهب الحنفية، والمالكيّة. وروى ابن أبي شيبة عن هشام بن عروة، قال: كان أبي لا يرى الاشتراط في الحجّ شيئًا. وعن إبراهيم النخعيّ: كانوا لا يشترطون، ولا يرون الشرط شيئًا. وعن طاوس، والحكم، وحماد: الاشتراط في الحجّ ليس بشيء. وعن سعيد بن جبير: إنما الاشتراط في الحجّ فيما بين الناس، وعنه أيضًا: المستثني، وغير المستثني سواء. وعن إبراهيم التيميّ: كان علقمة يشترط في الحجّ، ولا يراه شيئًا. وروى الترمذيّ، وصححه، والنسائيّ عن ابن عمر أنه كان ينكر الاشتراط في الحجّ، ويقول: أليس حسبكم سنة نبيّكم ﷺ "، زاد النسائيّ في روايته: أنه لم يشترط. أي النبيّ ﷺ ، وهو في "صحيح البخاريّ" بدون أوله، ولفظه: "أليس حسبكم سنة رسول اللَّه ﷺ ، إن حُبس أحدكم عن الحجّ طاف بالبيت، وبالصفا والمروة، ثم حلّ من كلّ شيء حتى يحج عامًا قابلا، فيهدي، أويُطعم، إن لم يجد هديًا". وحكى ابن المنذر إنكاره عن الزهريّ أيضًا. وحكاه ابن عبد البرّ عن سفيان الثوريّ. وحكاه المحبّ الطبريّ عن أحمد، وهو غلط، فالمعروف عنه ما قدمناه. قال ابن قدامة: وعن أبي حنيفة أن الاشتراط يفيد إسقاط الدم، فأما التحلل فهو ثابت عنده بكل إحصار. وقال ابن حزم: روينا عن إبراهيم: كانوا يستحبّون أن يشترطوا، وكانوا لا يرون الشرط شيئًا لو أن الرجل ابتلي. وروينا عنه: كانوا يكرهون أن يشترطوا في الحجّ. قال ابن حزم: هذا تناقض مرّة كانوا يستحبّون، ومرّة كانوا يكرهون، فأقل ما في هذا ترك

стр. 12754

رواية إبراهيم لاضطرابها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في بيان مُتمسَّك كلّ مذهب من هذه المذاهب: قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: من قال بالجواز تمسّك بهذا الحديث، ورأى أن الأمر به ترخيص، وتوسعة، وتخفيف، ورفق، وأنه يتعلّق بمصلحة دنيوية، وهي ما يحصل لها من المشقّة بمصابرة الإحرام مع المرض. ومن قال بالاستحباب رأى المصلحة فيه دينيّة، وهو الاحتياط للعبادة، فإنها بتقدير عدمه قد يعرض لها مرض يُشَعّث العبادة، ويوقع فيها الخلل، وهذا بعيد. ومن قال بالوجوب حمل الأمر على حقيقته، وهو أبعد من الذي قبله، ولو كان واجبًا لما أخلّ النبيّ ﷺ بفعله، ولا الصحابة ﵃، ولو فعلوا ذلك في حجة النبيّ ﷺ لنقل، وقد صرّح ابن عمر بأنه لم يشترط، كما تقدّم ذكره، ولما لم يأمر به إلا هذه المرأة الواحدة بعد شكايتها له علمنا أن ذلك ترخيص حرّك ذكره هذا السبب، وهو شكواها. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول بالوجوب يحتاج إلى ثبوته، كما أسلفته. واللَّه تعالى أعلم. ومن قال بالإنكار منهم من ضعّف الحديث كما تقدّم ذكره، ورده. ومنهم من أوله، وفي تأويله أوجه: (أحدها): أنه خاصّ بضباعة، حكاه الخطّابيّ عن بعضهم، قال: وقال: يشبه أن يكون بها مرض، أو حال كان غالب ظنها أنه يعوقها عن إتمام الحجّ، وهذا كما أذن لأصحابه في رفض الحجّ، وليس ذلك لغيرهم. وقال النوويّ في "شرح مسلم" بعد ذكره هذا المذهب: وحملوا الحديث على أنها قضية عين، وأنه مخصوص بضباعة، وحكاه في "شرح المهذّب" عن الرويانيّ من الشافعيّة، ثمِ قال: وهذا تأويل باطلٌ، ومخالف لنصّ الشافعيّ، فإنه إنما قال: لو صحّ الحديث لم أعْدُهُ، ولم يتأوله، ولم يخصّه. (الثاني): أن معناه: محلي حيث حبستني بالموت، أي إذا أدركتني الوفاة انقطع إحرامي. حكاه النوويّ في "شرح المهذّب" عن إمام الحرمين، ثم قال: وهذا تأويل ظاهر الفساد، وعجبت من جلالة الإمام كيف قاله؟. (الثالث): أن المراد التحلل بعمرة، لا مطلقًا، حكاه المحبّ الطبريّ عن بعضهم. ويردّه حديث ضباعة المتقدّم، حيث قال لها: "قولي: اللَّهم إني أريد الحجّ إن أذنت لي به، وأعنتني عليه، ويسرته لي، وإن حبستني، فعمرة، وإن حبستني عنهما جميعًا،

стр. 12755

فمحلّي حيث حبستني". فإن هذا فيه التصريح بالتحلل المطلق عن الحجّ والعمرة معًا. وحكى ابن حزم عن بعضهم أن هذا الحديث مخالف لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وعن بعضهم أنه مخالف لقوله ﷺ : "كلّ شرط ليس في كتاب اللَّه، فهو باطل". وعن بعضهم أن هذا الخبر رواه عروة، وعطاء، وسعيد بن جبير، وطاوس، وروي عنهم خلافه. ثم قال ابن حزم: سمعناكم تعتلّون بهذا في الصاحب، فعديتموه إلى التابع، وإن درجتموه بلغ إلينا، وإلى من بعدنا، فصار كلّ من بلغه حديث، فتركه حجة في ردّه، ولئن خالف هؤلاء ما رووا، فقد رواه غيرهم، ولم يخالفه، وأطنب ابن حزم في ردّ هذه المقالات، وهي حقيقة بذلك واللَّه تعالى أعلم. قال وليّ الدين. والظنّ بمن يُعتمد عليه ممن خالف هذا الحديث أنه لم يبلغه، قال البيهقيّ: عندي أن ابن عمر لو بلغه حديث ضباعة في الاشتراط لم ينكره، كما لم ينكره أبوه انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أو يحمل على أنه بلغه، لكن تأوله بشيء من التأويلات السابقة. والحاصل أن الحقّ هو قول الجمهور، وهو جواز الاشتراط، وأنه إذا اشترط، وحصل المانع تحلّل، ولم يلزمه شيء من الدم أو غيره، عملاً بظاهر الحديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٦٠ - (كَيْفَ يَقُولُ إِذَا اشْتَرَطَ) ٢٧٦٦ - (أَخْبَرَنَا (١) إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ, قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ الأَحْوَلُ, قَالَ: حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ خَبَّابٍ, قَالَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ, عَنِ الرَّجُلِ يَحُجُّ يَشْتَرِطُ, قَالَ: الشَّرْطُ بَيْنَ النَّاسِ, فَحَدَّثْتُهُ حَدِيثَهُ -يَعْنِي عِكْرِمَةَ- فَحَدَّثَنِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ ضُبَاعَةَ بِنْتَ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ, أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ, فَكَيْفَ أَقُولُ؟ , قَالَ: «قُولِى لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ, وَمَحِلِّى مِنَ الأَرْضِ,

стр. 12756

حَيْثُ تَحْبِسُنِي, فَإِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ»). قال الجَامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "إبراهيم بن يعقوب": هو الجوزجانيّ الحافظ. و"أبو النعمان": هو محمد بن الفضل الملقّب بعارم. و"ثابت بن يزيد الأحول" أبو زيد البصريّ، ثقة ثبت [٧]. قال ابن معين: ثقة. وقال أبو أبو زرعة: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: أوثق من عبد الأعلى، وأحفظ من عاصم الأحول. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وقال عفّان: دلّنا عليه شعبة. ووثقه أبو داود. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: كان عطارًا بالبصرة. قيل: مات سنة (١٦٩). روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. و"هلال بن خبّاب" العبديّ مولاهم، أبو علاء البصريّ، نزيل المدائن، صدوق تغيّر بآخره [٥] ٨١/ ١٠١٣. وقوله: "الشرط بين الناس" هذا يحتمل وجهين: [أحدهما]: أن الشرط إنما يكون بين الناس، لا بين العبد وربه ، فإنه لا يجوز، وعلى هذا فمراده بذكر الحديث أنه يعلم الحديث، ولكنه تأوله بأنه مخصوص بهذه المرأة، لا يتعداها إلى غيرها. [والثاني]: أنه مثل الشرط بين الناس، فيجوز. والأول هو الظاهر. واللَّه تعالى أعلم. و"محلّي": -بفتح الميم، وكسر الحاء، وتشديد اللام- أي مكان تحلّلي، أو وقت حلولي؛ لأن المحلّ يطلق على المكان، والزمان، لكن المناسب هنا المكان، بدليل قوله: "حيث حبستني من الأرض". واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "حبستني" أي منعتني من السير بسبب ثقل المرض. وقوله: "فإن لك على ربك ما استثنيت" أي إن لك على اللَّه تعالى ما اشترطته من التحلّل عند الحبس بالمرض. والحديث صحيحٌ، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الحديث الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٧٧٩ - (أَخْبَرَنِي (١) عِمْرَانُ بْنُ يَزِيدَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (٢) شُعَيْبٌ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (٣) ابْنُ

стр. 12757

جُرَيْجٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) أَبُو الزُّبَيْرِ, أَنَّهُ سَمِعَ طَاوُسًا, وَعِكْرِمَةَ, يُخْبِرَانِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: جَاءَتْ ضُبَاعَةُ بِنْتُ الزُّبَيْرِ, إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي امْرَأَةٌ ثَقِيلَةٌ, وَإِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ, فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي أَنْ أُهِلَّ, قَالَ: «أَهِلِّي, وَاشْتَرِطِي, إِنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عمران بن يزيد": هو عمران بن خالد بن يزيد الطائيّ الدمشقيّ، صدوق، من أفراد المصنّف. و"شعيب": هو ابن إسحاق بن عبد الرحمن الأمويّ الدمشقيّ الثقة. وقولها: "إني امرأة ثقيلة" أي أثقلني المرض، واشتدّ عليّ. وقوله: "إن محلي الخ" يجوز في "أن" فتح الهمزة، وهو الظاهر المرويّ، وكسرها على أن يكون المعنى: قولي: هذا اللفظ، وهو: "إن محلّي حيث حبستني". والحديث أخرجه مسلم، وزاد في آخره من طريق محمد بن بكر، عن ابن جريج: قال: "فأدركت". ومعناه أن ضباعة أدركت الحجّ، ولم تحلل حتى فرغت منه. قاله النوويّ (٢). وتمام الكلام على الحديث تقدّم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٧٦٨ - (أَخْبَرَنَا (٣) إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (٤) عَبْدُ الرَّزَّاقِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (٥) مَعْمَرٌ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى ضُبَاعَةَ, فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنِّي شَاكِيَةٌ, وَإِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ, فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : «حُجِّي, وَاشْتَرِطِي, إِنَّ مَحِلِّي حَيْثُ تَحْبِسُنِي». قَالَ إِسْحَاقُ: قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّزَّاقِ: كِلَاهُمَا عَنْ عَائِشَةَ: هِشَامٌ, وَالزُّهْرِيُّ؟ , قَالَ: نَعَمْ. قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا, أَسْنَدَ هَذَا الْحَدِيثَ, عَنِ الزُّهْرِيِّ غَيْرَ مَعْمَرٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"إسحاق": هو ابن راهويه. وقوله: "دخل رسول اللَّه ﷺ الخ" تقدم الجمع بينه وبين الرواية السابقة أنها أتت

стр. 12758

النبيّ ﷺ ، فقالت الخ" في شرح الحديث، فلا تنس. واللَّه تعالى وليّ التوفيق. وقولها: "إني شاكية" -بالشين المعجمة-: أي مريضة، والشَّكوُ، كالدَّلْوِ، والشَّكْوَى -بالقصر-، والشَّكْواءُ -بالمدّ، والشَّكَاةُ -بالهاء-، والشَّكَاءُ -بالمدّ-: المرض. أفاده في "القاموس". وقوله: "قلت لعبد الرزاق الخ". يعني أن إسحاق بن راهويه تأكد عن عبد الرزاق كون رواية كلّ من هشام بن عروة، والزهريّ، من حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، لا من حديث غيرها، كابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - مثلاً. وهذا قاله إسحاق من باب التأكّد، لا اتهاما لشيخه عبد الرزاق في روايته. والحديث أخرجه مسلم في "صحيحه" من الطريقين. وقوله: "لا أعلم أحدًا أسنده الخ" يعني أنه انفرد بإسناد هذا الحديث معمر عن الزهريّ. وعبارته في "الكبرى": "لا أعلم أحدًا أسند هذا الحديث، حديثَ الزهريّ غير عبد الرزاق، عن معمر" انتهى (١). وهذا يفيد أيضًا أن عبد الرزاق انفرد عن معمر بإسناده، لكن مثل هذا الانفراد لا يؤثّر في صحة الحديث، فقد أخرجه الشيخان في "صحيحيهما". وقد تقدّم عن الحافظ العراقيّ -رحمه اللَّه تعالى- أنه قال في "شرح الترمذيّ": والنسائيّ لم يقل بانفراد معمر به مطلقًا، بل بانفراده به عن الزهريّ, ولا يلزم من الانفراد المقيّد الانفراد المطلق، فقد أسنده معمر، وأبو أسامة، وسفيان بن عيينة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، وأسنده القاسم عنها. ولو انفرد به معمر مطلقًا لم يضره، وكم في "الصحيحين" من الانفراد. انتهى (٢). وقال في "الفتح": وقول النسائيّ هذا لا يلزم منه تضعيف طريق الزهريّ التي تفرّد بها معمر، فضلاً عن بقية الطرق؛ لأن معمرًا ثقة حافظ، فلا يضرّه التفرّد، كيف؟، وقد وُجد لما رواه شواهد كثيرة انتهى (٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته:

стр. 12759

حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه المصنّف هنا -٦٠/ ٢٧٦٨ - وفي "الكبرى" ٥٨/ ٣٧٤٨. وأخرجه (خ) في "النكاح" ٥٠٨٩ (م) في "الحجّ" ١٢٠٧ (أحمد) في "مسند الأنصار" ٢٤٧٨٠ و ٢٥١٣١. واللَّه تعالى أعلم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٦١ - (مَا يَفْعَلُ مَنْ حُبِسَ عَنِ الْحَجِّ، وَلَمْ يَكُنْ اشْتَرَطَ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "يَفعَل" بالبناء للفاعل، وقوله: "حُبس" بالبناء للمفعول، وأشار -رحمه اللَّه تعالى- بهذه الترجمة إلى بيان حكم من لم يشترط في الإحرام إذا حُبس عن المضيّ في إحرامه، فإنه يختلف عن حكم من اشترط الذي تقدّم في البابين الماضيين، حيث إنه إذا حُبس عن المضيّ يتحلّل بدون شيء من القضاء، والهدي، وأما من لم يشترط، فإنه يجب عليه أن يتحلل بالطواف والسعي، والحلق، أو التقصير، إن تمكن، ثم عليه القضاء من قابل، ويجب عليه الهدي أيضًا، أو الصوم إن لم يجد هديًا، وسيأتي بين اختلاف العلماء في ذلك في -١٠٢/ ٢٨٥٩ - "فيمن أحصر بعدو"، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٧٦٩ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, عَنِ ابْنِ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ سَالِمٍ, قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ, يُنْكِرُ الاِشْتِرَاطَ فِي الْحَجِّ, وَيَقُولُ: أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , إِنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنِ الْحَجِّ, طَافَ بِالْبَيْتِ, وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ, ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ, حَتَّى يَحُجَّ عَامًا قَابِلاً, وَيُهْدِي, وَيَصُومُ, إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أحمد بن عمرو بن السرح) أبو الطاهر المصريّ، ثقة [١٠] ٣٥/ ٣٩.

стр. 12760

٢ - (الحارث بن مسكين) الأمويّ مولاهم، أبو عمرو المصريّ، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩. ٣ - (ابن وهب) عبد اللَّه المصريّ، ثقة ثبت حافظ [٩] ٩/ ٩. ٤ - (يونس) بن يزيد الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ، ثقة [٧] ٩/ ٩. ٥ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهريّ المدنيّ، ثقة ثبت حجة [٤] ١/ ١. ٦ - (سالم) بن عبد اللَّه بن عمر المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت عابد [٣] ٢٣/ ٤٩٠. ٧ - (ابن عمر) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فقد تفرّد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ، والباقون مصريّون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وفيه سالم من الفقهاء السبعة على بعض الأقوال وفيه ابن عمر ﵄ من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سالِمٍ) بن عبد اللَّه، أنه (قَالَ: كانَ ابْنُ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (يُنْكِرُ الاشْتِرَاطَ فِي الْحَجِّ) قال في "الفتح": وأشار ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - بإنكار الاشتراط إلى ما كان يفتي به ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -. قال البيهقيّ: لو بلغ ابن عمر حدثنا ضباعة في الاشتراط لقال به انتهى. ثم إن إنكار ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - يحتمل أن يكون لعدم اطلاعه على قصة ضباعة - رضي اللَّه تعالى عنها -، كما أشار إليه البيهقيّ في كلامه المذكور آنفًا، أو لتأويله بأنه مخصوص بها، كما أوله غيره، وأيا ما كان فالحجة في حديث رسول اللَّه ﷺ ، لا في إنكاره. واللَّه تعالى أعلم. (وَيَقُولُ) وفي نسخة: "فيقول" بالفاء (أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ) أي يكفيكم؛ لأن معنى الحسب الكفاية، ومنه ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، أي كافينا (سُنَّةَ رَسُولِ اللَّه ﷺ ) زاد في الرواية التالية: "إنه لم يشترط". فقوله: "حسبكم" مرفوع على أنه اسم "ليس"، و"سنةَ رسول اللَّه" بالنصب على أنه خبر "ليس"، والجملة الشرطية، وهي قوله: "إن حبس الخ" تفسير للسنة، فمحلها النصب بدلاً عن "سنةَ"، أو الرفع خبرًا لمحذوف، أي هي.

стр. 12761

وقال القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى-: ضبطنا "سنةَ" بالنصب على الاختصاص، أو على إضمار فعل: أي تمسّكوا، ونحوه. وقال السيهيليّ -رحمه اللَّه تعالى-: من نصب "سنة" فهو بإضمار الأمر، كأنه قال: الزموا سنة رسول اللَّه ﷺ . ويمكن أن يقال: خبر "ليس" على قول عياض، والسهيليّ جملة قوله: "طاف بالبيت الخ". قال العينيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وهو أيضًا سدّ مسدّ جواب الشرط. قال الطبريّ: قوله: "حسبكم سنة رسول اللَّه ﷺ " فيه إشعار بالتسوية بين حصر العَدُوّ والمرض، فإن معنى قوله: "حسبكم سنة رسول اللَّه ﷺ " أي في التحلّل بهذا العذر، دون اشتراط (١). (إِنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنِ الْحَجَّ) ببناء الفعل للمفعول: أي مُنِعَ عن ركن الحجّ الأعظم، وهو الوقوف بعرفة بسبب من الأسباب، كالمرض، أو العدوّ (طَافَ بِالْبَيْتِ) أي إذا أمكنه ذلك، وفي رواية عبد الرزاق: إن حَبس أحدًا منكم حابس عن البيت، فإذا وصل إليه طاف به … الحديث (وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) أي سعى بينهما، زاد في الرواية التالية: "ثم ليحلق، أو يقصّر" (ثُمَّ حَلِّ) أي بالحلق والذبح (مِنْ كلِّ شَيءٍ) حرُم عليه بالإحرام (حَتَّى يَحُجِّ عَامًا) ظرف متعلّق بما قبله (قَابِلاً) صفة لـ"عاما" (وَيُهْدِي) بضم أوله، من الإهداء، أي يذبح شاة؛ إذ التحلّل لا يحصل إلا بنية التحلّل، والذبح، والحلق. قاله الكرمانيّ (وَيَصُومُ، إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا) أي حيث شاء. وفي قوله: "حتى يحجّ عامًا قابلاً" دلالة على وجوب الحجّ من القابل على من أحصر، وفيه اختلاف بين أهل العلم في ذلك، سيأتي بيانه في -١٠٢/ ٢٨٥٩ - إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٦١/ ٢٧٦٩ و ٢٧٧٠ - وفي "الكبرى" ٦٠/ ٣٧٥٠ و ٣٧٥١. وأخرجه (خ) في "كتاب المحصر" ١٨١٠ (ت) في "الحجّ" ٩٤٢ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٤٤٦٦ و ٤٥٨٢ و ٥١٤٣. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 12762

(المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم من لم يشترط في إحرامه، وهو أنه يتحلّل بالطواف، والسعي، والحلق، أو التقصير، ثم يقضى من قابل، وعليه الهدي في ذلك، أو الصوم. (ومنها): الحثّ على التأسى بسنة رسول اللَّه ﷺ . (ومنها): أن من حبسه حابس، وهو يقدر على الطواف بالبيت وبيت الصفا والمروة، لا يجوز له أن يتحلل بدون ذلك. (ومنها): وجوب القضاء على من حُصر بعدوّ، أو نحوه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٧٧٠ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ سَالِمٍ, عَنْ أَبِيهِ, أَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُ الاِشْتِرَاطَ فِي الْحَجِّ, وَيَقُولُ: مَا حَسْبُكُمْ, سُنَّةُ نَبِيِّكُمْ ﷺ , إِنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ, فَإِنْ حَبَسَ أَحَدَكُمْ حَابِسٌ, فَلْيَأْتِ الْبَيْتَ, فَلْيَطُفْ بِهِ, وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ, ثُمَّ لْيَحْلِقْ, أَوْ يُقَصِّرْ, ثُمَّ لْيُحْلِلْ, وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. وقوله: "ما حسبكم الخ" بتقدير همزة الاستفهام التقريريّ، فهو بمعنى قوله الماضي: "أليس حسبكم الخ". وقوله: "إنه لم يشترط" بكسر الهمزة، جملة مستأنفة، أو هو بدل من "سنة"، ويحتمل أن يكون بفتح الهمزة، ويكون بدلاً أيضًا، أو خبرًا لمحذوف، أي هي عدم اشراطه. والحديث أخرجه البخاريّ، وقد مرّ الكلام عليه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٦٢ - (إِشْعَارُ الْهَدْيِ) وفي "الكبرى" "أبواب الهدي" - "إشعار الهدي". قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الإشعار": مصدر أشعر، يقال: أشعرت البدنةَ إشعارًا: حَزَزتُ سنامها حتى يسيل الدم، فيُعلَمَ أنها هدي، فهي شعيرة. قاله الفيّوميّ.

стр. 12763

و"الهدي" -بفتح الهاء، وإسكان الدال، وكسرها، مع تشديد الياء، لغتان، والأول أفصح: اسم لما يهُدَى إلى الحرم من النعم، شاة كانت، أو بقرة، أو بعيرًا؛ ليُتقرّب بإراقة دمه في الحرم. قيل: والواحدة هديّة. قال الجوهريّ. الهديُ ما يُهدى إلى الحرم من النعم، والهديّ على فعيل مثله، وقرىء: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] بالتخفيف والتشديد، الواحدة هَدْية، وهَدِيّة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب (١). ٢٧٧١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ, عَنْ مَعْمَرٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ, قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ح وَأَنْبَأَنَا (٢) يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ, وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ, قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ, فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةٍ, مِنْ أَصْحَابِهِ, حَتَّى إِذَا كَانُوا بِذِي الْحُلَيْفَةِ, قَلَّدَ الْهَدْيَ, وَأَشْعَرَ, وَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ … مُخْتَصَرٌ). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعانيّ، ثم البصريّ، ثقة [١٠] ٥/ ٥. ٢ - (محمد بن ثور) الصنعانيّ، أبو عبد اللَّه العابد الثقة [٩] ١٠٢/ ٢٠٣٥. ٣ - (يعقوب بن إبراهيم) الدَّوْرقيّ، أبو يوسف البغداديّ، ثقة حافظ [١٠] ٢١/ ٢٢. ٤ - (يحيى بن سعيد) القطّان البصريّ الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/ ٤. ٥ - (عبد اللَّه بن المبارك) الحنظليّ المروزيّ الإمام الحجة الثبت [٨] ٣٢/ ٣٦. ٦ - (معمر) بن راشد البصريّ، نزيل اليمن، ثقة ثبت [٧] ١٠/ ١٠. ٧ - (الزهريّ) محمد بن مسلم المذكور قريبًا. ٨ - (عروة) بن الزبير المذكور قريبًا أيضًا. ٩ - (المسور بن مخرمة) نوفل بن أُهيب بن عبد مناف بن زُهرة الزهريّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما -، مات سنة (٦٤)، تقدّم في ٣٧/ ٩٣٦.

стр. 12764

١٠ - (مروان بن الحكم) بن أبي العاص بن أميّة، أبو عبد الملك الأمويّ المدنيّ، ليست له صحبة [٢] ١١٨/ ١٦٣. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى- بالنسبة للسند الأول، ومن سباعياته بالنسبة للثاني. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسدسل بالمدنيين من الزهريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَا) قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: هذه الرواية بالنسبة إلى مروان مرسلة لأنه لا صحبة له، وأما المسور فهي بالنسبة إليه أيضًا مرسلة؛ لأنه لم يحضر القصّة. وقد ثبت في رواية البخاريّ من طريق عُقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أنه سمع مروان، والمسور بن مخرمة - رضي اللَّه تعالى عنهما -، يُخبران عن أصحاب رسول اللَّه ﷺ … "، فذكر بعض هذا الحديث، وقد سمع المسور، ومروان من جماعة من الصحابة، شهدوا هذه القصّة، كعمر، وعثمان، وعليّ، والمغيرة بن شعبة، وأم سلمة، وسهل بن حُنيف، وغيرهم. ووقع في نفس هذا الحديث شيء يدلّ على أنه عن عمر ﵁. وقد روى أبو الأسود، عن عروة هذه القصّة، فلم يذكر المسور، ولا مروان، لكن أرسلها، وهي كذلك في "مغازي عروة بن الزبير"، أخرجها ابن عائذ في "المغازي" بطولها. وأخرجها الحاكم في "الإكليل" من طريق أبي الأسود، عن عروة أيضًا، مقطّعة انتهى كلام الحافظ (١). (خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ) تقدّم ضبط الحيبية، وهي بئر سمي المكان بها. وقيل: شجرة حدباء، صُغّرت، وسمي المكان بها. قال المحبّ الطبريّ: الحديبية قرية قريبة من مكة، أكثرها في الحرم. ووقع في رواية ابن إسحاق في "المغازي" عن الزهريّ: "خرج عام الحديبية، يريد زيارة البيت، لا يريد قتالاً". ووقع عند ابن سعد: "أنه خرج يوم الاثنين لهلال ذي القعدة" (فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةً، مِنْ أَصْحَابِهِ) ووقع عند البخاريّ في رواية إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء

стр. 12765

- ﵁: "كنا أربع عشرة مائة"، وفي رواية زهير عنه: "أنهم كانوا ألفًا وأربعمائة، أو أكثر". ووقع في حديث جابر ﵁ من طريق سالم بن أبي الجعد عنه: "أنهم كانوا خمس عشرة مائة"، ومن طريق قتادة: قلت لسعيد بن المسيب: بلغني عن جابر: "أنهم كانوا أربع عشرة مائة"، فقال سعيد: حدثني جابر: "أنهم كانوا خمس عشرة مائة"، ومن طريق عمرو بن دينار، عن جابر: "كانوا ألفًا وأربعمائة"، ومن طريق عبد اللَّه بن أبي أوفى: "كانوا ألفًا وثلاثمائة". ووقع عند ابن أبي شيبة من حديث مُجمِّع بن جارية: "كانوا ألفًا وخمسمائة". قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: والجمع بين هذا الاختلاف أنهم كانوا أكثر من ألف وأربعمائة، فمن قال: ألفًا وخمسمائة جبر الكسر، ومن قال: ألفا وأربعمائة ألغاه، ويؤيده قوله في حديث البراء: "ألفًا وأربعمائة، أو أكثر"، واعتمد على هذا الجمع النوويّ. وأما البيهقيّ، فمال إلى الترجيح، وقال: إن رواية من قال: "ألفا وأربعمائة" أصحّ، ثم ساقه من طريق أبي الزبير، ومن طريق أبي سفيان، كلاهما عن جابر كذلك، ومن رواية معقل بن يسار, وسلمة بن الأكوع، والبراء بن عازب، ومن طريق قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه. ومعظم هذه الطرق عند مسلم. ووقع عند ابن سعد في حديث معقل بن يسار: "زهاء ألف وأربعمائة"، وهو ظاهر في عدم التحديد. وأما قول عبد اللَّه أبي أوفى: "ألفًا وثلاثمائة"، فيمكن حمله على ما اطلع هو عليه، واطلع غيره على زيادة ناس، لم يطّلع هو عليهم، والزيادة من الثقة مقبولة، أو العدد الذي ذكره جملة من ابتداء الخروج من المدينة، والزائد تلاحقوا بهم بعد ذلك، أو العدد الذي ذكره هو عدد المقاتلة، والزيادة عليها من الأتباع من الخدم، والنساء، والصبيان الذين لم يبلغوا الحلم. وأما قول ابن إسحاق: إنهم كانوا سبعمائة، فلم يوافق عليه؛ لأنه قاله استنباطًا من قول جابر: "نحرنا البدنة عن عشرة"، وكانوا نحروا سبعين بدنة. وهذا لا يدلّ على أنهم لم ينحروا غير البدن، مع أن بعضهم لم يكن أحرم أَصلاً. وجمع الحافظ أيضًا بين رواية الباب بأنهم كانو بضع عشرة مائة، وبين ما تقدّم بأن الذين بايعوا كانوا كما تقدم، وزاد على ذلك كانوا غائبين عنها، كمن توجه مع عثمان إلى مكة، على أن لفظ البضع يصدق على الخمس، والأربع، فلا تخالف. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: التوجيه الأخير هو الأقرب عندي. واللَّه تعالى أعلم

стр. 12766

قال: وجزم موسى بن عقبة بأنهم كانوا ألفاً وستمائة. وفي حديث سلمة بن الأكوع عند ابن أبي شيبة ألفًا وسبعمائة. وحكى ابن سعد أنهم كانوا ألفًا وخمسمائة وخمسة وعشرين. وهذا إن ثبت تحرير بالغ، ثم وجدته موصولاً عن ابن عباس عند ابن مردويه. وفيه ردّ على ابن دحية حيث زعم أن سبب الاختلاف في عددهم أن الذي ذكر عددهم لم يقصد التحديد، وإنما ذكره بالحدس والتخمين واللَّه أعلم انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (١). (حَتَّى إِذَا كَانُوا بِذِي الْحُلَيْفَةِ، قَلَّدَ الْهَدْيَ) قال الفيّوميّ: تقليد الهدي: هو أن يعلّق بعنق البعير قطعة من جلد ليُعلَم أنه هديٌ، فيكفّ الناس عنه انتهى. وسيأتي ما يقلّد به بعد باب (وَأَشْعَرَ) الهدي، وإشعار الهدي: هو أن يفعل فيه علامة يُعلَم بها أنه هدي. قال العينيّ: هو في اللغة: الإعلام، مأخوذ من الشعور، وهو العلم بالشيء، من شعر يشعُر، كنصر ينصر. وقال الراغب: الشعر معروف، قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾ الآية [النحل: ٨٠] ومنه استعيرت شعرت كذا: أي علمت علمًا في الدقّة، كإصابة الشعر، وسمي الشاعر شاعرًا لفطنته، ودقة معرفته ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ الآية [المائدة: ٢] أي ما يُهدى إلى بيت اللَّه، سمي بذلك لأنها تُشعر، أي تعلم بأن تُدمى بشعيرة، أي حديدة انتهى. وفي الشرع: هو أن يشقّ أحد سنامي البدن، وُيطعن فيه حتى يسيل دمها؛ ليُعرف أنها هديٌ، وتتميّز إن خُلطت، وتُعرف إن ضلّت، وَيرتدع عنها السرّاق، ويأكلها الفقراء، إذا ذُبحت في الطريق لخوف الهلاك. (وَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ) وقوله (مُخْتَصَرٌ) خبر لمحذوف: أي هذا الحديث مختصر من الحديث الطويل، وقد ساقه البخاريّ بطوله في "كتاب الشروط، وهو من أطول الأحاديث في البخاريّ، ونصّه: ٢٧٣٤ - حدثني عبد اللَّه بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، قال: أخبرني الزهريّ، قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة، ومروان، يُصَدِّق كل واحد منهما، حديث صاحبه، قالا: خرج رسول اللَّه ﷺ ، زَمَنَ الحديبية، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النبي ﷺ : "إن خالد بن الوليد بالغميم، في خيل لقريش، طَليعة، فخذوا ذات اليمين، فواللَّه ما شعر بهم خالد، حتى إذا هُمْ بِقَتَرَة الجيش، فانطلق يركُض، نذيرا لقريش، وسار النبي ﷺ ، حتى إذا كان بالثنية التي يُهبَط عليهم منها، بَرَكَت به راحلته، فقال الناس: حَلْ حَلْ، فألَحَّت، فقالوا: خَلأت القَصْوَاء،

стр. 12767

خَلأت القصواء، فقال النبيّ ﷺ : "ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بِخُلُق، ولكن حبسها حابس الفيل، ثم قال: والذي نفسي بيده، لا يسألوني خُطّة (١)، يُعَظِّمون فيها حرمات اللَّه، إلا أعطيتهم إياها"، ثم زجرها، فوثبت، قال: فعدل عنهم، حتى نزل بأقصى الحديبية، على ثَمَد (٢)، قليل الماء، يَتَبَرَّضُهُ الناس تَبَرُّضًا (٣)، فلم يُلبثه الناس، حتى نزحوه، وشُكي إلى رسول اللَّه ﷺ العطشُ، فانتزع سهما من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فواللَّه ما زال يَجِيش (٤) لهم بالرَّيّ، حتى صدروا عنه، فبينما هم كذلك، إذ جاء بُديل بن ورقاء الخزاعي، في نفر من قومه، من خزاعة، وكانوا عَيْبَة نصح رسول اللَّه ﷺ (٥)، من أهل تهامة، فقال: إني تركت كعب بن لؤي، وعامر بن لؤي، نزلوا أعداد مياه الحديبية، ومعهم الْعُوذُ المطافيل (٦)، وهم مقاتلوك، وصادّوك عن البيت، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكَتهم الحرب، وأضرت بهم، فإن شاءوا ماددتهم مدة، ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر، فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس، فعلوا، وإلا فقد جموا (٧)، وإن هم أبوا، فوالذي نفسي بيده، لأقاتلنهم على أمري هذا، حتى تنفرد سالفتي، وليُنفذن اللَّه أمره"، فقال بديل: سأبلغهم ما تقول، قال: فانطلق، حتى أتى قريشا، قال: إنا قد جئناكم من هذا الرجل، وسمعناه يقول قولا، فإن شئتم أن نَعرِضه عليكم فعلنا، فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا، أن تخبرنا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول، قال: سمعته يقول: كذا وكذا، فحدثهم بما قال النبي ﷺ ، فقام عروة بن مسعود، فقال: أي قوم، ألستم با لوالد، قالوا: بلى، قال: أولست بالولد، قالوا: بلى، قال: فهل تتهموني، قالوا: لا، قال: ألستم تعلمون، أني استنفرت أهل عكاظ، فلما بَلّحوا عليّ، جئتكم بأهلي وولدي، ومن أطاعني، قالوا: بلى، قال: فإن هذا قد عرض لكم خطة رشد، اقبلوها، ودعوني آتيه، قالوا: ائته، فأتاه، فجعل يكلم النبي ﷺ ، فقال النبيّ ﷺ نحوا من قوله لبديل، فقال عروة عند ذلك: أي محمد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك، هل سمعت بأحد من العرب، اجتاح أهله قبلك وإن تكن الأخرى فإني

стр. 12768

واللَّه لأرى وجوها، وإني لأرى أوشابا من الناس، خليقا أن يفروا، ويدعوك، فقال له أبو بكر الصديق: امصص ببظر اللات، أنحن نفر عنه، وندعه، فقال: من ذا؟، قالوا: أبو بكر، قال: أما والذي نفسي بيده، لولا يد كانت لك عندي، لم أَجزِك بها، لأجبتك، قال: وجعل يكلم النبي ﷺ ، فكلما تكلم أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة، قائم على رأس النبي ﷺ ، ومعه السيف، وعليه الْمِغفَر، فكلما أهوى عروة بيده، إلى لحية النبي ﷺ ، ضرب يده بنعل السيف، وقال له: أخر يدك عن لحية رسول اللَّه ﷺ ، فرفع عروة رأسه، فقال: من هذا؟، قالوا: المغيرة بن شعبة، فقال: أي غُدَر، ألست، أسعى في غدرتك، وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية، فقتلهم، وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي ﷺ : "أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء"، ثم إن عروة، جعل يَرمُقُ أصحاب النبي ﷺ بعينيه، قال: فواللَّه ما تنخم رسول اللَّه ﷺ نخامة، إلا وقعت في كف رجل منهم، فدَلَكَ بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدُّون إليه النظر، تعظيما له، فرجع عروة إلى أصحابه، فقال: أي قوم، واللَّه لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر، وكسرى، والنجاشي، واللَّه إن رأيت ملكا قط، يعظمه أصحابه، ما يعظم أصحاب محمد ﷺ محمدا، واللَّه إن تنخم نخامة، إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحدّون إليه النظر، تعظيما له، وإنه قد عَرَضَ عليكم خُطّة رُشد، فاقبلوها، فقال رجل من بني كنانة: دعوني آتيه، فقالوا: ائته، فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه، قال رسول اللَّه ﷺ : "هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البدن، فابعثوها له"، فبُعِثت له، واستقبله الناس يلبون، فلما رأى ذلك، قال: سبحان اللَّه، ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، فلما رجع إلى أصحابه، قال: رأيت البدن قد قُلَّدَت، وأُشعِرت، فما أرى أن يصدوا عن البيت، فقام رجل منهم، يقال له: مِكْرَز بن حفص، فقال: دعوني آتيه، فقالوا: ائته، فلما أشرف عليهم، قال النبيّ ﷺ : ""هذا مكرز، وهو رجل فاجر"، فجعل يكلم النبي ﷺ ، فبينما هو يكلمه، إذ جاء سهيل بن عمرو، قال معمر: فأخبرني أيوب، عن عكرمة، أنه لما جاء سهيل بن عمرو، قال النبيّ ﷺ : "لقد سهل لكم من أمركم"، قال معمر: قال الزهري في حديثه: فجاء سهيل بن عمرو، فقال: هات، اكتب بيننا وبينكم كتابا، فدعا النبي ﷺ الكاتب، فقال النبي ﷺ : "بسم اللَّه الرحمن الرحيم"، قال سهيل: أما الرحمن فواللَّه، ما أدري ما هو؟، ولكن اكتب، باسمك اللَّهم، كما كنت

стр. 12769

تكتب، فقال المسلمون: واللَّه لا نكتبها، إلا بسم اللَّه الرحمن الرحيم، فقال النبي ﷺ : "اكتب باسمك اللَّهم"، ثم قال: "هذا ما قاضى عليه محمد رسول اللَّه"، فقال سهيل: واللَّه لو كنا نعلمِ أنك رسول اللَّه، ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب، محمد بن عبد اللَّه، فقال النبي ﷺ : "واللَّه إني لرسول اللَّه، وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد اللَّه"، قال الزهري: وذلك لقوله: "لا يسألوني خطة، يعظمون فيها حرمات اللَّه، إلا أعطيتهم إياها"، فقال له النبي ﷺ : "على أن تخلوا بيننا وبين البيت، فنطوف به"، فقال سهيل: واللَّه لا تتحدث العرب، أنا أخذنا ضَغْطَةً، ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب، فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل، وإن كان على دينك، إلا رددته إلينا، قال المسلمون: سبحان اللَّه، كيف يرد إلى المشركين، وقد جاء مسلما، فبينما هم كذلك، إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو، يَرْسُف في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة، حتى رمى بنفسه، بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد، أول ما أقاضيك عليه، أن ترده إليّ، فقال النبي ﷺ : "إنا لم نقض الكتاب بعدُ"، قال: فواللَّه إذًا لم أصالحك على شيء أبدا، قال النبي ﷺ : "فأجزه لي"، قال: ما أنا بمجيزه لك، قال: "بلى فافعل"، قال: ما أنا بفاعل، قال مكرز: بل قد أجزناه لك، قال أبو جندل: أي معشرٍ المسلمين، أُرَدّ إلى المشركين، وقد جئت مسلما، ألا ترون ما قد لقيت، وكان قد عُذِّب عذابا شديدا في اللَّه، قال: فقال عمر بن الخطاب: فأتيت نبي اللَّه ﷺ ، فقلت: ألست نبي اللَّه حقا؟، قال: "بلى"، قلت: ألسنا على الحقّ، وعدونا على الباطل، قال: "بلى"، قلت: فَلِمَ نعطي الدنية في ديننا، إذاً؟، قال: "إني رسول اللَّه، ولست أَعصيه، وهو ناصري"، قلت: أوليس كنت تحدثنا، أنا سنأتي البيت، فنطوف به؟، قال: "بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام؟ "، قال: قلت: لا، قال: "فإنك آتيه، ومطوف به"، قال: فأتيت أبا بكر، فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبي اللَّه حقا؟، قال: بدى، قلت: ألسنا على الحق، وعدونا على الباطل؟، قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟، قال: أيها الرجل، إنه لرسول اللَّه ﷺ ، وليس يعصي ربه، وهو ناصره، فاستمسك بغرزه، فواللَّه إنه على الحق، قلت: أليس كان يحدثنا، أنا سنأتي البيت، ونطوف به؟، قال: بلى، أفأخبرك، أنك تأتيه العام؟، قلت: لا، قال: فإنك آتيه، ومطوف به، قال الزهري: قال عمر: فعملت لذلك أعمالا، قال: فلما فرغ من قضية الكتاب، قال رسول اللَّه ﷺ لأصحابه: "قوموا، فانحروا، ثم احلقوا"، قال: فواللَّه ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد، دخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي اللَّه،

стр. 12770

أتحب ذلك، اخرج، ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة، حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك، فيحلقك، فخرج، فلم يكلم أحدا منهم، حتى فعل ذلك، نحو بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك، قاموا، فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما، ثم جاءه نسوة مؤمنات، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ حتى بلغ ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] فطلق عمر يومئذ امرأتين، كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان ابن أمية، ثم رجع النبي ﷺ إلى المدينة، فجاءه أبو بصير، رجل من قريش، وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين، فقالوا: العهدَ الذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به، حتى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: واللَّه إني لأرى سيفك هذا، يا فلان جيدا، فاستله الآخر، فقال: أجل واللَّه، إنه لجيد، لقد جربت به، ثم جربت، فقال أبو بصير: أرني انظر إليه، فأمكنه منه، فضربه، حتى برد، وفَرّ الآخر، حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو، فقال رسول اللَّه ﷺ حين رآه: "لقد رأى هذا ذُعْرًا"، فلما انتهى إلى النبي ﷺ قال: قُتل واللَّه صاحبي، وإني لمقتول، فجاء أبو بصير، فقال: يا نبي اللَّه، قد واللَّه أوفى اللَّه ذمتك، قد رددتني إليهم، ثم أنجاني اللَّه منهم، قال النبي ﷺ : "ويلُ أمه مِسْعَر حرب، لو كان له أحد"، فلما سمع ذلك، عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر، قال: وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل، فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل، قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فواللَّه ما يسمعون بعير، خرجت لقريش إلى الشأم، إلا اعترضوا لها، فقتلوهم، وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ ، تناشده باللَّه والرحم، لَمّا أرسل، فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبي ﷺ إليهم، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ حتى بلغ ﴿الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٦] وكانت حميتهم أنهم لم يُقِرّوا أنه نبي اللَّه، ولم يقروا ببسم اللَّه الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت، قال أبو عبد اللَّه: ﴿مَعَرَّةٌ﴾ العر الجرب ﴿تَزَيَّلُوا﴾ تميزوا، وحميت القوم: منعتهم حماية، وأحميت الحمى: جعلته حمى، لا يُدخل، وأحميت الحديد، وأحميت الرجل: إذا أغضبته إحماء، وقال عقيل، عن الزهري: قال عروة: فأخبرتني عائشة، أن رسول اللَّه ﷺ ، كان يمتحنهن، وبلغنا أنه لما أنزل اللَّه تعالى أن يَرُدُّوا إلى المشركين ما أنفقوا، على من هاجر من أزواجهم، وحكم على المسلمين، أن لا يمسكوا بعصم الكوافر، أن عمر طلق امرأتين: قُرَيبة بنت أبي أمية، وابنة جرول الخزاعي، فتزوج قريبة

стр. 12771

معاوية، وتزوج الأخرى أبو جهم، فلما أبى الكفار، أن يُقرّوا بأداء ما أنفق المسلمون على أزواجهم، أنزل اللَّه تعالى ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ﴾ [الممتحنة: ١١] والعقب ما يؤدي المسلمون إلى من هاجرت امرأته من الكفار، فأمر أن يعطى من ذهب له زوج، من المسلمين، ما أنفق من صداق نساء الكفار، اللائي هاجرن، وما نعلم أن أحدا من المهاجرات، ارتدت بعد إيمانها، وبلغنا أن أبا بصير بن أسيد الثقفي، قدم على النبي ﷺ مؤمنا، مهاجرا في المدة، فكتب الأخنس بن شَرِيق إلى النبي ﷺ ، يسأله أبا بصير، فذكر الحديث. انتهى واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٦٢/ ٢٧٧١ - وفي "الكبرى" ٦١/ ٣٧٥٢. وأخرجه (خ) في "الحجّ" ١٦٩٥ و ١٨١١ و"الشروط" ٢٧١٣ و ٣٧١٤ و"المغازي" ٥٨٤١ و ٤١٨١ و ٤١٨٢ (د) في "الجهاد" ٢٧٦٥ و ٢٧٦٦ و"السنة" ٤٦٥٥ (أحمد) في "مسند الكوفيين" ١٨٤٣٠ و ١٨٤٤١ و ٨٤٤٥. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مشروعية استحباب إشعار الهدي. (ومنها): أن فائدة الإشعار الإعلام بأنها صارت هديًا؛ ليتبعها من يحتاج إلى ذلك، وحتى لو اختلطت بغيرها تميّزت، أو ضلّت عرفت، أو عطبت عرفها المساكين بالعلامة، فأكلوها، مع ما في ذلك من تعظيم شعار الشرع، وحثّ الغير عليه. قاله الحافظ. وقال الشاه وليّ اللَّه الدهلوي: السرّ في الإشعار التنويه بشعائر اللَّه، وأحكام الملة الحنيفية، يرى ذلك منه الأقاصي والأداني، وأن يكون فعل القلب منضبطًا بفعل ظاهر انتهى. (ومنها): استحباب تقديد الهدي. (ومنها): مشروعية الإحرام بالعمرة المفردة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): دل حديث الباب على أن الإشعار سنة، وبه قال الجمهور، ومنهم

стр. 12772

الأئمة الثلاثة. وذهب أبو حنيفة إلى أن الإشعار بدعة مكروه؛ لأنه مثلة، وتعذيب للحيوان، وهو حرام، وإنما فعله النبيّ ﷺ لأن المشركين لا يمتنعون عن التعرّض للَّهدي إلا بالإشعار. وردّ عليه بأن قوله هذا مخالف للأحاديث الصحيحة الواردة بالإشعار، وليس هو مثلة، بل هو كالفصد، والحجامة، والختان، والكيّ؛ للمصلحة، وأيضًا إن تعرض المشركين في ذلك الوقت بعيد لقوة الإسلام. وقد قيل: إن كراهة أبي حنيفة له إنما كان من أهل زمانه، فإنهم كانوا يبالغون فيه بحيث يُخاف سراية الجراحة، وفساد العضو. كذا في "اللمعات" (١). قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وبمشروعية الإشعار قال الجمهور، من السلف والخلف. وذكر الطحاويّ في "اختلاف العلماء" كراهته عن أبي حنيفة. وذهب غيره إلى استحبابه للاتباع حتى صاحباه أبو يوسف، ومحمد، فقالا: هو حسن. قال: وقال مالك: يختصّ الإشعار بما لها سنام. قال الطحاويّ: ثبت عن عائشة، وابن عباس التخيير في الإشعار وتركه، فدلّ على أنه ليس بنسك، لكنه غير مكروه لثبوت فعله عن النبيّ ﷺ ، قال الحافظ: وأبعد من منع الإشعار، واعتلّ باحتمال أنه كان مشروعًا قبل النهي عن المثلة، فإن النسخ لا يصار إليه بالاحتمال، بل وقع الإشعار في حجة الوداع، وذلك بعد النهي عن المثلة بزمان. وقال الخطابيّ وغيره: اعتلال من كره الإشعار بأنه من المثلة مردود، بل هو باب آخر كالكيّ، وشقّ أذن الحيوان؛ ليصير علامة، وغيرذلك من الوسم، وكالختان، والحجامة، وشفقةُ الإنسان على المال عادةٌ، فلا يخشى ما توهّموه من سريان الجرح حتى يفضي إلى الهلاك، ولو كان ذلك هو الملحوظ لقيّده الذي كرهه به، كأن يقول: الإشعار الذي يفضي بالجرح إلى السراية حتى تهلك البدنة مكروه، فكان قريبًا. وقد كثر تشنيع المتقدّمين على أبي حنيفة في إطلاقه كراهة الإشعار، وانتصر له الطحاويّ في "المعاني"، فقال: لم يكره أبو حنيفة أصل الإشعار، وإنما كره ما يُفعل على وجه يخاف منه هلاك البُدْن، كسراية الجرح، ولا سيما مع الطعن بالشفرة، فأراد سدّ الباب عن العامة؛ لأنهم لا يُراعون الحدّ في ذلك، وأما من كان عارفًا بالسنة في ذلك فلا. وفي هذا تعقّب على الخطابيّ حيث قال: لا أعلم أحدًا كره الإشعار إلا أبا حنيفة،

стр. 12773

وخالفاه صاحباه، فقالا بقول الجماعة انتهى. وروي عن إبراهيم النخعيّ أيضًا أنه كره الإشعار، ذكر ذلك الترمذيّ، قال: سمعت أبا السائب يقول: كنا عند وكيع، فقال له رجل: روي عن إبراهيم النخعيّ أنه قال: الإشعار مثلة، فقال وكيع: أقول لك: أشعر رسول اللَّه ﷺ ، وتقول قال إبراهيم؟ ما أحقّك بأن تحبس انتهى. وفيه تعقّب على ابن حزم في زعمه أنه ليس لأبي حنيفة في ذلك سلف. وقد بالغ ابن حزم في هذا الموضع، ويتعيّن الرجوع إلى ما قال الطحاويّ، فإنه أعلم من غيره بأقوال أصحابه انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن مما تقدّم من الأدلّة أن مشروعية الإشعار هو الحقّ، ومن قال بأنه بدعة، فيعتذر عنه بأنه لم تبلغه السنة، أو بلغته عن طريق غير مرضيّ عنده، أو تأوله بتاويل أخطأ فيه. والحاصل أن الإشعار سنة ثابتة عن رسول اللَّه ﷺ ، وعن أصحابه الكرام رضي اللَّه تعالى عنهم، وعمن تبعهم بإحسان. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه]: قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: اتفق من قال بالإشعار بإلحاق البقر في ذلك بالإبل، إلا سعيد بن جبير، واتفقوا على أن الغنم لا تُشعر؛ لضعفها, ولكون صوفها، أو شعرها يستر موضع الإشعار، وأما على ما نقل عن مالك، فلكونها ليست من ذات أسنمة. واللَّه أعلم انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في ذكر باب جامع لمسائل الهدي: (اعلم): أنه قد عقد العلامة ابن رشد -رحمه اللَّه تعالى- في كتابه "بداية المجتهد، ونهاية المقتصد" بابًا جامعًا لأقوال العلماء فيما يتعلّق بالهدي، أحببت إيراده هنا؛ لكونه يجمع شتات الأقوال التي سأذكر كثيرًا منها في الأبواب الآتية، إن شاء اللَّه تعالى. قال -رحمه اللَّه تعالى-: إن النظر في الهدي يشتمل على معرفة وجوبه، وعلى معرفة جنسه، وعلى معرفة سِنَّهِ، وكيفية سَوْقه، ومن أين يساق؟، وإلى أين يُنتَهَى بسوقه؟ وهو موضع نحوه، وحكم لحمه بعد النحر. فنقول: إنهم قد أجمعوا على أن الهدي المسوق في هذه العبادة منه واجب، ومنه تطوع، فالواجب منه ما هو واجب بالنذر، ومنه ما هو واجب في بعض أنواع هذه العبادة، ومنه ما هو واجب لأنه كفارة.

стр. 12774

فأما ما هو واجب في بعض أنواع هذه العبادة، فهو هدي المتمتع باتفاق، وهدي القارن باختلاف، وأما الذي هو كفارة فهدي القضاء على مذهب من يشترط فيه الهدي، وهدي كفارة الصيد، وهدي إلقاء الأذى والتفث، وما أشبه ذلك من الهدي الذي قاسه الفقهاء في الإخلال بنسك نسك منها على المنصوص عليه. فأما جنس الهدي، فإن العلماء متفقون على أنه لا يكون الهدي إلا من الأزواج الثمانية التي نص اللَّه عليها، وأن الأفضل في الهدايا هي الإبل، ثم البقر، ثم الغنم، ثم المعز، وإنما اختلفوا في الضحايا. وأما الأسنان فإنهم أجمعوا أن الثني فما فوقه يجزي منها، وأنه لا يجزئ الجذع من المعز في الضحايا والهدايا؛ لقوله ﵊ لأبي بردة: "تجزي عنك، ولا تجزي عن أحد بعدك" (١)، واختلفوا في الجذع من الضأن، فأكثر أهل العلم يقولون بجوازه في الهدايا والضحايا، وكان ابن عمر يقول: لا يجزي في الهدايا إلا الثني من كلّ جنس، ولا خلاف في أن الأغلى ثمنا من الهدايا أفضل، وكان الزبير يقول لبنيه: يا بَنِيَّ لا يهُدينّ أحدكم للَّه من الهدي شيئا يستحي أن يهديه لكريمه، فإن اللَّه أكرم الكرماء، وأحق من اختير له، وقال رسول اللَّه ﷺ في الرقاب - وقد قيل له: أيها أفضل؟ - فقال: "أغلاها ثمنا، وأنفسها عند أهلها" (٢). وليس في عدد الهدي حد معلوم، وكان هدي رسول اللَّه ﷺ مائة (٣). وأما كيفية سوق الهدي، فهو التقليد والإشعار بأنه هدي؛ لأن رسول اللَّه ﷺ خرج عام الحديبية، فلما كان بذي الحليفة قَلَّد الهدي، وأشعره وأحرم (٤)، وإذا كان الهدي من الإبل والبقر، فلا خلاف أنه يُقَلَّد نعلا أو نعلين، أو ما أشبه ذلك لمن لم يجد النعال. واختلفوا في تقليد الغنم، فقال مالك وأبو حنيفة: لا تقلد الغنم، وقال الشافعي، وأحمد، وأبو ثور، وداود: تقلد؛ لحديث الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، أن النبيّ ﷺ أهدى إلى البيت مَرّةً غنما، فقلده (٥). واستحبوا توجيهه إلى القبلة في حين تقليده، واستحب مالك الإشعار من الجانب الأيسر؛ لما رواه عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان إذا أهدى هديا من المدينة قلده، وأشعره بذي الحليفة، قلده قبل أن

стр. 12775

يشعره، وذلك في مكان واحد، وهو موجه للقبلة، يقلده بنعلين، ويشعره من الشق الأيسر، ثم يُساق معه حتى يوقف به مع الناس بعرفة، ثم يُدفع به معهم إذا دفعوا، وإذا قَدِم مني غداة النحر نحوه قبل أن يَحلِق أو يقصر، وكان هو ينحر هديه بيده، يَصُفُّهُنّ قياما، ويوجههن للقبلة، ثم يأكل، ويطعم. واستحب الشافعي، وأحمد، وأبو ثور الإشعار من الجانب الأيمن؛ لحديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - أن رسول اللَّه ﷺ ، صلى الظهر بذي الحليفة، ثم دعا ببدنه، فأشعرها من صفحة سنامها الأيمن، ثم سَلَتَ الدم عنها، وقلدها بنعلين، ثم ركب راحلته، فلما استوت على البيداء أهل بالحج (١). وأما من أين يساق الهدي؟ فإن مالكا يرى أن من سنته أن يُساق من الحل، ولذلك ذهب إلى أن من اشترى الهدي بمكة، ولم يُدخله من الحل أن عليه أن يَقِفه بعرفة، وإن لم يفعل فعليه البدل، وأما إن كان أدخله من الحل، فيستحب له أن يَقِفه بعرفة، وهو قول ابن عمر، وبه قال الليث. وقال الشافعي، والثوري، وأبو ثور: وقوف الهدي بعرفة سنة، ولا حرج على من لم يقفه كان داخلا من الحل أو لم يكن. وقال أبو حنيفة: ليس توقيف الهدي بعرفة من السنة. وحجة مالك في إدخال الهدي من الحل إلى الحرم، أن النبي ﵊ كذلك فعل، وقال: "خذوا عني مناسككم". وقال الشافعي: التعريف سنة مثل التقليد. وقال أبو حنيفة: ليس التعريف بسنة، وإنما فعل ذلك رسول اللَّه ﷺ ؛ لأن مسكنه كان خارج الحرم، وروي عن عائشة التخيير في تعريف الهدي أو لا تعريفه. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي الأرجح قول من قال باستحباب التعريف؛ اتباعًا لفعل النبيّ ﷺ ، وأما القول بالوجوب فيحتاج إلى دليل، وليس حديث: "خذوا عنّي مناسككم" دليلاً على الوجوب؛ لأنهم متّفقون في أشياء على أنها مستحبّة مع أن الحديث يشملها. واللَّه تعالى أعلم. وأما محله فهو البيت العتيق، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحجّ: ٣٣]، وقال: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وأجمع العلماء على أن الكعبة لا يجوز لأحد فيها ذبح، وكذلك المسجد الحرام، وأن المعنى في قوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ أنه إنما أراد به النحر بمكة؛ إحسانا منه لمساكينهم وفقرائهم. وكان مالك

стр. 12776

يقول: إنما المعنى في قوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ مكة. وكان لا يجيز لمن نحر هديه في الحرم إلا أن ينحره بمكة. وقال الشافعي، وأبو حنيفة: إن نحره في غير مكة من الحرم أجزأه. وقال الطبري: يجوز نحو الهدي حيث شاء المهدي، إلا هدي القران، وجزاء الصيد، فإنهما لا ينحران إلا بالحرم. وبالجملة فالنحر بمنى إجماع من العلماء، وفي العمرة بمكة إلا ما اختلفوا فيه من نحر المحصر. وعند مالك إن نحر للحج بمكة، والعمرة بمنى أجزأه، وحجة مالك في أنه لا يجوز النحر بالحرم إلا بمكة قوله ﷺ : "وكل فجاج مكة وطرقها منحر" (١). واستثنى مالك من ذلك هدي الفدية، فأجاز ذبحه بغير مكة. وأما متى ينحر؟، فإن مالكا قال: إن ذبح هدي التمتع، أو التطوع قبل يوم النحر لم يجزه، وجوّزه أبو حنيفة في التطوع، وقال الشافعي: يجوز في كليهما قبل يوم النحر، ولا خلاف عند الجمهور أن ما عُدل من الهدي بالصيام أنه يجوز حيث شاء؛ لأنه لا منفعة في ذلك، لا لأهل الحرم ولا لأهل مكة، وإنما اختلفوا في الصدقة المعدولة عن الهدي، فجمهور العلماء على أنها لمساكين مكة والحرم؛ لأنها بدل من جزاء الصيد الذي هو لهم، وقال مالك: الإطعام كالصيام يجوز بغير مكة. وأما صفة النحر فالجمهور مجمعون على أن التسمية مستحبة فيها؛ لأنها ذكاة، ومنهم من استحب مع التسمية التكبير. وشمتحب للمهدي أن يلي نحو هديه بيده، وإن استخلف جاز، وكذلك فعل رسول اللَّه ﷺ في هديه، ومن سنتها أن تُنحَر قياما؛ لقوله : ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحجّ: ٣٦]. وأما ما يجوز لصاحب الهدي من الانتفاع به وبلحمه، فإن في ذلك مسائل مشهورة: (أحدها): هل يجوز له ركوب الهدي الواجب أو التطوع، فذهب أهل الظاهر إلى أن ركوبه جائز، من ضرورة ومن غير ضرورة، وبعضهم أوجب ذلك، وكره جمهور فقهاء الأمصار ركوبها من غير ضرورة، والحجة للجمهور ما أخرجه أبو داود (٢) عن جابر ﵁، وقد سئل عن ركوب الهدي، فقال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "اركبها بالمعروف، إذا أُلجئت إليها حتى تجد ظهرا"، ومن طريق المعنى أن الانتفاع بما قُصد به القربة إلى اللَّه تعالى منعه مفهوم من الشريعة، وحجة أهل الظاهر ما رواه مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه ﷺ ، رأى رجلا يسوق بدنة،

стр. 12777

فقال: "اركبها"، فقال: يا رسول اللَّه إنها هدي، فقال: "اركبها ويلك" في الثانية، أو الثالثة. وأجمعوا على أن هدي التطوع إذا بلغ محله أنه يأكل منه صاحبه كسائر الناس، وأنه إذا عطب قبل أن يبلغ محله خَلَّى بينه وبين الناس، ولم يأكل منه، وزاد داود: ولا يطعم منه شيئًا أهل رفقته؛ لما ثبت أن رسول اللَّه ﷺ ، بعث بالهدي مع ناجية الأسلمي، وقال له: إن عَطِب منها شيء، فانحره، ثم اصبُغْ نعليه في دمه، وخل بينه وبين الناس" (١)، ورُوي عن ابن عباس هذا الحديثُ، فزاد فيه: "ولا تأكل منه أنت، ولا أهل رفقتك"، وقال بهذه الزيادة داود، وأبو ثور. واختلفوا فيما يجب على من أكل منه، فقال مالك: إن أكل منه وجب عليه بدله، وقال الشافعيّ، وأبو حنيفة، والثوري، وأحمد، وابن حبيب من أصحاب مالك: عليه قيمة ما أكل، أو أمر بأكله، طعاما يتصدق به، ورُوي ذلك عن علي، وابن مسعود، وابن عباس، وجماعة من التابعين. وما عطب في الحرم قبل أن يصل مكة، فهل بلغ محله أم لا؟ فيه الخلاف مبني على الخلاف المتقدم، هل المحل هو مكة، أو الحرم؟. وأما الهدي الواجب، إذا عطب قبل محله، فإن لصاحبه أن يأكل منه؛ لأن عليه بدله، ومنهم من أجاز له بيع لحمه، وأن يستعين به في البدل، وكَرِه ذلك مالك. واختلفوا في الأكل من الهدي الواجب إذا بلغ محله، فقال الشافعي: لا يُؤكل من الهدي الواجب كُلَّ، ولحمُهُ كُلُّهُ للمساكين، وكذلك جُلُّه إن كان مُجَلَّلا، والنعل الذي قلد به، وقال مالك: يؤكل من كل الهدي الواجب إلا جزاء الصيد، ونذر المساكين، وفدية الأذى، وقال أبو حنيفة: لا يؤكل من الهدي الواجب إلا هدي المتعة، وهدي القران. وعمدة الشافعي تشبيه جميع أصناف الهدي الواجب بالكفارة، وأما من فرق، فلأنه يظهر في الهدي معنيان: أحدهما: أنه عبادة مبتدأة، والثاني: أنه كفارة، وأحد المعنيين في بعضها أظهر، فمن غَلَّب شبهه بالعبادة على شبهه بالكفارة في نوع من أنواع الهدي، كهدي القران، وهدي التمتع، وبخاصة عند من يقول: إن التمتع والقران أفضل، لم يشترط أن لا يأكل؛ لأن هذا الهدي عنده هو فضيدة، لا كفارة تدفع العقوبة، ومن غَلَّب شبهه بالكفارة قال: لا يأكله؛ لاتفاقهم على أنه لا يأكل صاحب الكفارة من الكفارة.

стр. 12778

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن الرأي الأول هو الأقرب؛ لظهور مُتمسّكه، واللَّه تعالى أعلم. قال: ولَمّا كان هدي جزاء الصيد، وفدية الأذى ظاهر من أمرهما أنهما كفارة، لم يختلف هؤلاء الفقهاء في أنه لا يأكل منهما. انتهى المقصود من كلام العلامة ابن رُشد -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بحث نفيس يجمع أقوال أهل العلم في موضع واحد بحيث يمكنني الإحالة عليه فيما بعدُ، إن شاء اللَّه تعالى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٧٧٢ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: أَنْبَأَنَا وَكِيعٌ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ, عَنِ الْقَاسِمِ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , أَشْعَرَ بُدْنَهُ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"أفلح بن حُميد" بن نافع الأنصاريّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، يقال له: ابن صُفيراء، ثقة [٦] ١٩/ ٢٦٥٣. وقولها: "أشعر بدنه" بضمتين، أو بضم، فسكون جمع بدنة بفتحتين، سيأتي تفسيرها في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى. والحديث متّفقٌ عليه، وسيأتي تمام البحث فيه، وتخريجه بعد بابين، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٦٣ - (أَيُّ الشِّقَّيْنِ يُشْعَرُ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أيّ" استفهامية مبتدأ، خبره جملة "يُشعَر"، وهو بالبناء للمفعول، والمعنى: أي جانب من جانبي الهدي يستحبّ إشعاره؟، وإنما أورد الترجمة بالاستفهام، للاختلاف في ذلك، وإن كان الظاهر أنه يرجّح قول من قال باستحباب اليمين، حيث أورد دليله، وهو حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وبه يقول جمهور العلماء، وهو الراجح، كما سيأتي في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه

стр. 12779

تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٧٧٣ - (أَخْبَرَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى, عَنْ هُشَيْمٍ, عَنْ شُعْبَةَ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ أَبِي حَسَّانَ الأَعْرَجِ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَشْعَرَ بُدْنَهُ, مِنَ الْجَانِبِ الأَيْمَنِ, وَسَلَتَ الدَّمَ عَنْهَا, وَأَشْعَرَهَا"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مجاهد بن موسى) الْخُوَارَزميّ الْخُتَّليّ، أبو عليّ، نزيل بغداد ثقة [١٠] ٨٥/ ١٠٢. ٢ - (هُشيم) بن بَشِير بن القاسم بن دينار السلميّ، أبو معاوية ابن أبي خازم الواسطيّ، ثقة ثبت، لكنه كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] ٨٨/ ١٠٩. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٧. . ٤ - (قتادة) بن دِعامة السدودسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقة ثبت يُدلّس [٤] ٣٠/ ٣٤. ٥ - (أبو حسّان الأعرج) مسلم بن عبد اللَّه البصريّ، مشهور بكنيته، صدوق رُمي برأي الخوارج [٤] ١٤/ ٤٧٣. ٦ - (ابن عبّاس) عبد اللَّه البحر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين من شعبة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ: قتادة، عن أبي حسّان، وهو من رواية الأقران أيضًا، وفيه ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَشْعَرَ بُدْنَهُ) بضمتين، أو بضم، فسكون جمع بَدَنَة. قال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: البدَنَة قالوا: هي ناقة، أو بقرة. وزاد الأزهريّ: أو بعير ذَكَرٌ، قال: ولا تقع البدنة على الشاة. وقال بعض الأئمة: البدنة هي الإبل خاصّة، ويدلّ عليه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ الآية [الحجّ: ٣٦]. سميت بذلك لِعِظَم بدنها، وإنما أُلحقت البقرة بالإبل بالسنّة، وهو قوله ﷺ : "تجُزىء البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة"، ففرّق الحديث بينهما بالعطف، إذ لو كانت البدنة في الوضع تُطلق

стр. 12780

على البقرة لما ساغ عطفها؛ لأن المعطوف غير المعطوف عليه. وفي الحديث ما يدلّ عليه، قال: "اشتركنا مع رسول اللَّه ﷺ في الحجّ، والعمرة، سبعة منا في بدنة، فقال رجل لجابر: أنشترك في البقرة ما نشترك في الجزور؟، فقال: ما هي إلا من البدن". والمعنى في الحكم، إذ لو كانت البقرة من جنس البدن لما جهلها أهل اللسان، ولَفُهِمَت عند الإطلاق أيضًا. والجمع بَدَنَات، مثل قَصَبَة وقصَبَات، وبُدُن، أيضًا بضمتين، وإسكانُ الدال تخفيفٌ، وكأن البُدُن جمع بَدِين تقديرًا، مثل نذير ونُذُر، قالوا: وإذا أُطلقت البدنة في الفروع، فالمراد البعير ذكراً كان، أو أنثى انتهى كلام الفيّومي (١). (مِنَ الْجَانِبِ الأَيْمَنِ) وفي الرواية الآتية في الباب التالي: فأشعر في سنامها من الشقّ الأيمن"، وفي -٦٧/ ٢٧٨٢ - : "أشعر الهدي في جانب السنام الأيمن". وفي رواية مسلم: "فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن". و"الصفحة": الجانب، و"السنام": أعلى ظهر البعير، و"الأيمن" صفة "صفحة"، وذكّره لمجاورته لـ"سنام"، وهو مذكّر، أو على تأويل "صفحة" بجانب. وبه جزم النوويّ، حيث قال: وصف لمعنى صفحة، لا للفظها. ثم قال: وأما محلّ الإشعار، فمذهبنا، ومذهب جماهير العلماء من السلف والخلف أنه يستحبّ الإشعار في صفحة السنام اليمنى. وقال مالك: في اليسرى. وهذا الحديث يردّ عليه انتهى كلام النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- (٢). (وَسَلَتَ) بمهملة، ولام، ثم مثناة (الدَّمَ عَنْهَا) أي مسحه، وأماطه، وأزاله عن صفحة سنامها. زاد في رواية أبي داود: "بيده". وفي أخرى عنده: "بأصبعه". قال الخطابيّ -رحمه اللَّه تعالى-: سلت الدم بيده: أي أماطه بإصبعه، وأصل السلت: القطع، يقال: سلت اللَّه أنف فلان -أي من باب قتل-: أي جدعه انتهى (وَأَشْعَرَهَا) هكذا نسخ المجتبى" "وأشعرها"، والذي في "الكبرى": "وقلّدها". والظاهر أن الذي في "المجتبى" خطأٌ، والصواب ما في "الكبرى"؛ لأمرين: [أحدهما]: أنه مكرّر مع قوله: "أشعر بدنه"، فلا فائدة فيه. [والثاني]: أن الذي في "الكبرى" موافق لما في الباب التالي، ولما يأتي في ٦٧/ ٢٧٨٢ - ، وهو الموافق لما في "صحيح مسلم"، ففي كلها: "وقلّدها نعلين". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
следующие страницы →