يقول: إنما المعنى في قوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ مكة. وكان لا يجيز لمن نحر هديه في الحرم إلا أن ينحره بمكة. وقال الشافعي، وأبو حنيفة: إن نحره في غير مكة من الحرم أجزأه. وقال الطبري: يجوز نحو الهدي حيث شاء المهدي، إلا هدي القران، وجزاء الصيد، فإنهما لا ينحران إلا بالحرم.
وبالجملة فالنحر بمنى إجماع من العلماء، وفي العمرة بمكة إلا ما اختلفوا فيه من نحر المحصر. وعند مالك إن نحر للحج بمكة، والعمرة بمنى أجزأه، وحجة مالك في أنه لا يجوز النحر بالحرم إلا بمكة قوله ﷺ : "وكل فجاج مكة وطرقها منحر" (١). واستثنى مالك من ذلك هدي الفدية، فأجاز ذبحه بغير مكة.
وأما متى ينحر؟، فإن مالكا قال: إن ذبح هدي التمتع، أو التطوع قبل يوم النحر لم يجزه، وجوّزه أبو حنيفة في التطوع، وقال الشافعي: يجوز في كليهما قبل يوم النحر، ولا خلاف عند الجمهور أن ما عُدل من الهدي بالصيام أنه يجوز حيث شاء؛ لأنه لا منفعة في ذلك، لا لأهل الحرم ولا لأهل مكة، وإنما اختلفوا في الصدقة المعدولة عن الهدي، فجمهور العلماء على أنها لمساكين مكة والحرم؛ لأنها بدل من جزاء الصيد الذي هو لهم، وقال مالك: الإطعام كالصيام يجوز بغير مكة.
وأما صفة النحر فالجمهور مجمعون على أن التسمية مستحبة فيها؛ لأنها ذكاة، ومنهم من استحب مع التسمية التكبير.
وشمتحب للمهدي أن يلي نحو هديه بيده، وإن استخلف جاز، وكذلك فعل رسول اللَّه ﷺ في هديه، ومن سنتها أن تُنحَر قياما؛ لقوله : ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحجّ: ٣٦].
وأما ما يجوز لصاحب الهدي من الانتفاع به وبلحمه، فإن في ذلك مسائل مشهورة: (أحدها): هل يجوز له ركوب الهدي الواجب أو التطوع، فذهب أهل الظاهر إلى أن ركوبه جائز، من ضرورة ومن غير ضرورة، وبعضهم أوجب ذلك، وكره جمهور فقهاء الأمصار ركوبها من غير ضرورة، والحجة للجمهور ما أخرجه أبو داود (٢) عن جابر ﵁، وقد سئل عن ركوب الهدي، فقال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "اركبها بالمعروف، إذا أُلجئت إليها حتى تجد ظهرا"، ومن طريق المعنى أن الانتفاع بما قُصد به القربة إلى اللَّه تعالى منعه مفهوم من الشريعة، وحجة أهل الظاهر ما رواه مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه ﷺ ، رأى رجلا يسوق بدنة،
стр. 12777
فقال: "اركبها"، فقال: يا رسول اللَّه إنها هدي، فقال: "اركبها ويلك" في الثانية، أو الثالثة.
وأجمعوا على أن هدي التطوع إذا بلغ محله أنه يأكل منه صاحبه كسائر الناس، وأنه إذا عطب قبل أن يبلغ محله خَلَّى بينه وبين الناس، ولم يأكل منه، وزاد داود: ولا يطعم منه شيئًا أهل رفقته؛ لما ثبت أن رسول اللَّه ﷺ ، بعث بالهدي مع ناجية الأسلمي، وقال له: إن عَطِب منها شيء، فانحره، ثم اصبُغْ نعليه في دمه، وخل بينه وبين الناس" (١)، ورُوي عن ابن عباس هذا الحديثُ، فزاد فيه: "ولا تأكل منه أنت، ولا أهل رفقتك"، وقال بهذه الزيادة داود، وأبو ثور.
واختلفوا فيما يجب على من أكل منه، فقال مالك: إن أكل منه وجب عليه بدله، وقال الشافعيّ، وأبو حنيفة، والثوري، وأحمد، وابن حبيب من أصحاب مالك: عليه قيمة ما أكل، أو أمر بأكله، طعاما يتصدق به، ورُوي ذلك عن علي، وابن مسعود، وابن عباس، وجماعة من التابعين.
وما عطب في الحرم قبل أن يصل مكة، فهل بلغ محله أم لا؟ فيه الخلاف مبني على الخلاف المتقدم، هل المحل هو مكة، أو الحرم؟.
وأما الهدي الواجب، إذا عطب قبل محله، فإن لصاحبه أن يأكل منه؛ لأن عليه بدله، ومنهم من أجاز له بيع لحمه، وأن يستعين به في البدل، وكَرِه ذلك مالك. واختلفوا في الأكل من الهدي الواجب إذا بلغ محله، فقال الشافعي: لا يُؤكل من الهدي الواجب كُلَّ، ولحمُهُ كُلُّهُ للمساكين، وكذلك جُلُّه إن كان مُجَلَّلا، والنعل الذي قلد به، وقال مالك: يؤكل من كل الهدي الواجب إلا جزاء الصيد، ونذر المساكين، وفدية الأذى، وقال أبو حنيفة: لا يؤكل من الهدي الواجب إلا هدي المتعة، وهدي القران.
وعمدة الشافعي تشبيه جميع أصناف الهدي الواجب بالكفارة، وأما من فرق، فلأنه يظهر في الهدي معنيان: أحدهما: أنه عبادة مبتدأة، والثاني: أنه كفارة، وأحد المعنيين في بعضها أظهر، فمن غَلَّب شبهه بالعبادة على شبهه بالكفارة في نوع من أنواع الهدي، كهدي القران، وهدي التمتع، وبخاصة عند من يقول: إن التمتع والقران أفضل، لم يشترط أن لا يأكل؛ لأن هذا الهدي عنده هو فضيدة، لا كفارة تدفع العقوبة، ومن غَلَّب شبهه بالكفارة قال: لا يأكله؛ لاتفاقهم على أنه لا يأكل صاحب الكفارة من الكفارة.
стр. 12778
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن الرأي الأول هو الأقرب؛ لظهور مُتمسّكه، واللَّه تعالى أعلم.
قال: ولَمّا كان هدي جزاء الصيد، وفدية الأذى ظاهر من أمرهما أنهما كفارة، لم يختلف هؤلاء الفقهاء في أنه لا يأكل منهما. انتهى المقصود من كلام العلامة ابن رُشد -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بحث نفيس يجمع أقوال أهل العلم في موضع واحد بحيث يمكنني الإحالة عليه فيما بعدُ، إن شاء اللَّه تعالى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٧٢ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: أَنْبَأَنَا وَكِيعٌ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ, عَنِ الْقَاسِمِ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , أَشْعَرَ بُدْنَهُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"أفلح بن حُميد" بن نافع الأنصاريّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، يقال له: ابن صُفيراء، ثقة [٦] ١٩/ ٢٦٥٣.
وقولها: "أشعر بدنه" بضمتين، أو بضم، فسكون جمع بدنة بفتحتين، سيأتي تفسيرها في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى.
والحديث متّفقٌ عليه، وسيأتي تمام البحث فيه، وتخريجه بعد بابين، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٦٣ - (أَيُّ الشِّقَّيْنِ يُشْعَرُ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أيّ" استفهامية مبتدأ، خبره جملة "يُشعَر"، وهو بالبناء للمفعول، والمعنى: أي جانب من جانبي الهدي يستحبّ إشعاره؟، وإنما أورد الترجمة بالاستفهام، للاختلاف في ذلك، وإن كان الظاهر أنه يرجّح قول من قال باستحباب اليمين، حيث أورد دليله، وهو حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وبه يقول جمهور العلماء، وهو الراجح، كما سيأتي في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه
стр. 12779
تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٧٧٣ - (أَخْبَرَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى, عَنْ هُشَيْمٍ, عَنْ شُعْبَةَ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ أَبِي حَسَّانَ الأَعْرَجِ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَشْعَرَ بُدْنَهُ, مِنَ الْجَانِبِ الأَيْمَنِ, وَسَلَتَ الدَّمَ عَنْهَا, وَأَشْعَرَهَا").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مجاهد بن موسى) الْخُوَارَزميّ الْخُتَّليّ، أبو عليّ، نزيل بغداد ثقة [١٠] ٨٥/ ١٠٢.
٢ - (هُشيم) بن بَشِير بن القاسم بن دينار السلميّ، أبو معاوية ابن أبي خازم الواسطيّ، ثقة ثبت، لكنه كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] ٨٨/ ١٠٩.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٧. .
٤ - (قتادة) بن دِعامة السدودسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقة ثبت يُدلّس [٤] ٣٠/ ٣٤.
٥ - (أبو حسّان الأعرج) مسلم بن عبد اللَّه البصريّ، مشهور بكنيته، صدوق رُمي برأي الخوارج [٤] ١٤/ ٤٧٣.
٦ - (ابن عبّاس) عبد اللَّه البحر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين من شعبة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ: قتادة، عن أبي حسّان، وهو من رواية الأقران أيضًا، وفيه ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَشْعَرَ بُدْنَهُ) بضمتين، أو بضم، فسكون جمع بَدَنَة.
قال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: البدَنَة قالوا: هي ناقة، أو بقرة. وزاد الأزهريّ: أو بعير ذَكَرٌ، قال: ولا تقع البدنة على الشاة. وقال بعض الأئمة: البدنة هي الإبل خاصّة، ويدلّ عليه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ الآية [الحجّ: ٣٦]. سميت بذلك لِعِظَم بدنها، وإنما أُلحقت البقرة بالإبل بالسنّة، وهو قوله ﷺ : "تجُزىء البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة"، ففرّق الحديث بينهما بالعطف، إذ لو كانت البدنة في الوضع تُطلق
стр. 12780
على البقرة لما ساغ عطفها؛ لأن المعطوف غير المعطوف عليه. وفي الحديث ما يدلّ عليه، قال: "اشتركنا مع رسول اللَّه ﷺ في الحجّ، والعمرة، سبعة منا في بدنة، فقال رجل لجابر: أنشترك في البقرة ما نشترك في الجزور؟، فقال: ما هي إلا من البدن". والمعنى في الحكم، إذ لو كانت البقرة من جنس البدن لما جهلها أهل اللسان، ولَفُهِمَت عند الإطلاق أيضًا.
والجمع بَدَنَات، مثل قَصَبَة وقصَبَات، وبُدُن، أيضًا بضمتين، وإسكانُ الدال تخفيفٌ، وكأن البُدُن جمع بَدِين تقديرًا، مثل نذير ونُذُر، قالوا: وإذا أُطلقت البدنة في الفروع، فالمراد البعير ذكراً كان، أو أنثى انتهى كلام الفيّومي (١).
(مِنَ الْجَانِبِ الأَيْمَنِ) وفي الرواية الآتية في الباب التالي: فأشعر في سنامها من الشقّ الأيمن"، وفي -٦٧/ ٢٧٨٢ - : "أشعر الهدي في جانب السنام الأيمن". وفي رواية مسلم: "فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن".
و"الصفحة": الجانب، و"السنام": أعلى ظهر البعير، و"الأيمن" صفة "صفحة"، وذكّره لمجاورته لـ"سنام"، وهو مذكّر، أو على تأويل "صفحة" بجانب. وبه جزم النوويّ، حيث قال: وصف لمعنى صفحة، لا للفظها. ثم قال: وأما محلّ الإشعار، فمذهبنا، ومذهب جماهير العلماء من السلف والخلف أنه يستحبّ الإشعار في صفحة السنام اليمنى. وقال مالك: في اليسرى. وهذا الحديث يردّ عليه انتهى كلام النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- (٢).
(وَسَلَتَ) بمهملة، ولام، ثم مثناة (الدَّمَ عَنْهَا) أي مسحه، وأماطه، وأزاله عن صفحة سنامها. زاد في رواية أبي داود: "بيده". وفي أخرى عنده: "بأصبعه". قال الخطابيّ -رحمه اللَّه تعالى-: سلت الدم بيده: أي أماطه بإصبعه، وأصل السلت: القطع، يقال: سلت اللَّه أنف فلان -أي من باب قتل-: أي جدعه انتهى (وَأَشْعَرَهَا) هكذا نسخ المجتبى" "وأشعرها"، والذي في "الكبرى": "وقلّدها". والظاهر أن الذي في "المجتبى" خطأٌ، والصواب ما في "الكبرى"؛ لأمرين:
[أحدهما]: أنه مكرّر مع قوله: "أشعر بدنه"، فلا فائدة فيه.
[والثاني]: أن الذي في "الكبرى" موافق لما في الباب التالي، ولما يأتي في ٦٧/ ٢٧٨٢ - ، وهو الموافق لما في "صحيح مسلم"، ففي كلها: "وقلّدها نعلين". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 12781
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٦٣/ ٢٧٧٣ و ٦٤/ ٢٧٧٤ و ٦٧/ ٢٧٧٢ و ٧٠/ ٢٧٩١ - وفي "الكبرى" ٦٢/ ٣٧٥٤ و ٦٤/ ٣٧٥٥ و ٦٦/ ٣٧٦٣. وأخرجه (م) في "الحجّ" ١٢٤٣ (د) في "المناسك" ١٧٥٢ (ت) ٩٠٦ (ق) في "المناسك" ٢٠٩٧ (أحمد) في "مسند بني هاشم" ١٨٥٨ و ٢٢٩٦ و ٢٥٢٤ و ٣١٣٩ و ٣١٩٦ و ٣٢٣٤ و ٣٥١٥ (الدارميّ) ١٩١٢. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في محل الإشعار:
قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: مذهبنا، ومذهب جماهير العلماء من السلف والخلف أنه يستحبّ الإشعار في صفحة السنام اليمنى. وقال مالك في اليسرى، وهذا الحديث يردّ عليه انتهى.
وقال ابن قدامة: السنة الإشعار في صفحاتها اليمنى، وبهذا قال الشافعيّ، وأبو ثور، وقال مالك، وأبو يوسف: بل تُشعر في صفحاتها اليسرى. وعن أحمد مثله؛ لأن ابن عمر فعله. ولنا ما روى ابن عباس أن النبيّ ﷺ صلى بذي الحليفة، ثم دعا ببدنة، وأشعرها من صفحة سنامها الأيمن … الحديث. رواه مسلم.
وأما ابن عمر فقد روى عنه كمذهبنا رواه البخاريّ، معلّقًا، ثم فعل النبي ﷺ أولى من قول ابن عمر، وفعله بلا خلاف؛ ولأن النبيّ ﷺ : "كان يعجبه التيمن في شأنه كله". انتهى.
وقال البخاريّ في صدر "باب من أشعر، وقلّد بذي الحليفة، ثم أحرم": وقال نافع كان ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - إذا أهدى من المدينة قلّده، وأشعره بذي الحليفة، يطعن في شقّ سنامه الأيمن بالشفرة، ووَجْهُهَا قِبَل القبلة، باركةً.
قال الحافظ: وصله مالك في "الموطإ"، قال: عن نافع، عن عبد اللَّه بن عمر أنه كان إذا أهدى هديًا من المدينة -على ساكنها الصلاة، والسلام - قلّده، وأشعره بذي الحليفة، يقلّده قبل أن يشعره، وذلك في مكان واحد، وهو موجّه للقبلة، يقلّده بنعلين، ويشعره من الشقّ الأيسر، ثم يُساق معه حتى يوقف به مع الناس بعرفة، ثم يدفع به معهم إذا دفعوا، فإذا قدم منى غداة النحر نحره. وعن نافع، عن ابن عمر، كان إذا طعن في سنام هديه، وهو يشعره، قال: "بسم اللَّه، واللَّه أكبر". وأخرج البيهقيّ -
стр. 12782
٥/ ٢٣٢ - من طريق ابن وهب، عن مالك، وعبد اللَّه بن عمر، عن نافع، أن عبد اللَّه ابن عمر كان يشعر بدنه من الشقّ الأيسر، إلا أن تكون صعابًا، فإذا لم يستطع أن يُدخل بينها أشعر من الشقّ الأيمن، وإذا أراد أن يشعرها وجهها إلى القبلة.
وتبيّن بهذا أن ابن عمر كان يطعن في الأيمن تارة، وفي الأيسر أخرى بحسب ما يتهيّأ له ذلك. انتهى كلام الحافظ (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما تقدّم من التحقيقات أن الأرجح أن السنة الإشعار في الصفحة اليمنى؛ لحديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -, ولا حجة في فعل ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - مع صحة المرفوع. فتبصّر بالإنصاف، ولا تتهوَّر بتقليد ذوي الاعتساف، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٦٤ - (بَابُ سَلْتِ الدَّم عَنِ الْبُدْنِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "السَّلت" -بفتح السين المهملة، وسكون اللام، آخره تاء مثنّاة-: هو التنحية والإزالة، يقال: سَلَتت المرأةُ خِضَابها من يدها سَلْتًا من باب نصر: إذا نَحَّتهُ وأزالته. أفاده الفيّوميّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٧٧٤ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ أَبِي حَسَّانَ الأَعْرَجِ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , لَمَّا كَانَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ, أَمَرَ بِبَدَنَتِهِ, فَأُشْعِرَ فِي سَنَامِهَا, مِنَ الشِّقِّ الأَيْمَنِ, ثُمَّ سَلَتَ عَنْهَا, وَقَلَّدَهَا نَعْلَيْنِ, فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ").
قال الَجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"عمرو بن عليّ": هو الفلاّس. و"يحيى": هو القطّان.
وقوله: "ثم سَلَت" من باب نصر: أي أزاله بإصبعه.
وقوله: "فلما استوت به" أي راحلته، وهي غير التي أشعرها. والحديث أخرجه
стр. 12783
مسلم، ودلالته على الترجمة واضحة، تقدّم تمام البحث فيه في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٦٥ - (فَتْلُ الْقَلَائدِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الفتل" -بفتح، فسكون-: مصدر فَتَلَ الحبل وغيره، من باب ضرب: إذا لواه، فهو مفتول، وفَتِيل. أفاده في "القاموس".
و"القلائد": جمع قلادة، وهي ما يُجعل في العنق، يكون للإنسان، والفرس، والكلب، والبدنة التي تُهدَى، ونحوها. أفاده في "اللسان". واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٧٧٥ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ عُرْوَةَ, وَعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّهَا قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , يُهْدِى مِنَ الْمَدِينَةِ, فَأَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِهِ, ثُمَّ لَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا, مِمَّا يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قتيبة) بن سعيد البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (الليث) بن سعد الإمام الحجة الثبت المصريّ [٧] ٣١/ ٣٥.
٣ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهريّ تقدّم قريبًا.
٤ - (عروة) بن الزبير المتقدّم قريبًا.
٥ - (عمرة) بنت عبد الرحمن الأنصاريّ المدنيّة، ثقة [٣] ١٣٤/ ٢٠٣.
٦ - (عائشة) - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من ابن شهاب. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وتابعية. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 12784
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (أَنَّها قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يهُدِي) بضم أوله، من الإهداء رباعيّا، يقال: أهديت للرجل كذا بالألف: بعثتُ به إليه إكرامًا، فهو هديّة بالتثقيل، لا غير، وأهديت الهدي إلى الحرم: سقتُهُ. قاله الفيّوميّ (مِنَ الْمَدِينَةِ، فَأَفْتِلُ) من باب ضرب، يقال: فَتَله: لواه، كفتّله بالتشديد (قَلَاِئدَ هَدْيِهِ) جمع قلادة: وهو ما يجعل في العنق (ثُمَّ لَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا، مِمَّا يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُ) من محظورات الإحرام، تعني أنه ﷺ كان يبعث هديًا إلى مكة، مقلّدة، ثم يقيم بالمدينة حلالاً، لا يجتنب شيئًا مما يجتنبه المحرم، وأرادت بذلك الردّ على ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وغيره حيث إنهم يرون ذلك، كما سيأتي بيانه، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسأله الأولى): في درجته:
حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٦٥/ ٢٧٧٥ و ٢٧٧٦ و ٢٧٧٧ و ٢٧٧٨ و ٢٧٧٩ و ٦٦/ ٢٧٨٠ و ٦٨/ ٢٧٨٤٢٧٨٣ و ٦٩/ ٢٧٨٥ و ٢٧٨٦ و ٢٧٨٧ و ٢٧٨٨ و ٢٧٨٩ و ٢٧٩٠ و ٧٢/ ٢٧٩٣ و ٢٧٩٤ و ٢٧٩٥ و ٢٧٩٦ و ٢٧٩٧ - وفي "الكبرى" ٦٤/ ٣٧٥٦ و ٣٧٥٧ و ٣٧٥٨ و ٣٧٥٩ و ٣٧٦٠ و ٦٥/ ٣٧٦١ و ٦٧/ ٣٧٦٤ و ٣٧٦٥ و ٦٨/ ٣٧٦٦ و ٣٧٦٧ و ٣٧٦٨ و ٣٧٦٩ و ٣٧٧٠ و ٣٧٧١ و ٧١/ ٣٧٧٤ و ٣٧٧٥ و ٣٧٧٦ و ٣٧٧٧ و ٣٧٧٨ و ٣٧٧٩. وأخرجه (خ) في "الحجّ" ١٦٩٦ و ١٦٩٨ و ١٦٩٩ و ١٧٠٠ و ١٧٠١ و ١٧٠٢ و ١٧٠٣ و ١٧٠٤ و ١٧٠٥ و"الوكالة" ٢٣١٧ و"الأضاحي" ٥٥٦٦ (م) في "الحج" ١٣٢١ (د) في "المناسك" ١٧٥٥ و ١٧٥٧ و ١٧٥٨ و ١٧٥٩ (ت) في "الحجّ" ٩٠٩ (ق) في "المناسك" ٣٠٩٤ و ٣٠٩٥ و ٣٠٩٦ و ٣٠٩٨ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٣٥٤ و ٢٣٥٦٤ و ٢٣٨٧١ و ٢٤٠٠٣ و ٢٤٠٣٦ و ٢٤٠٨٢ و ٢٤١٨٩ و ٢٤٤٣٥ و ٢٤٨٨٣ و ٢٤٩٣٧ و ٢٥٠٤٩ و ٢٥١٣ و ٢٥٢٠٨ و ٢٥٢٤٧ و ٢٥٢٨٩ و ٢٥٣٠٤ و ٢٥٣٤٤ و ٢٥٣٤٦ و ٢٥٣٥٩ و ٢٥٤٦٠ (الدارميّ) في "المناسك" ١٩١١ و ١٩٣٥ و ١٩٣٦. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
стр. 12785
(منها): مشروعيّة فتل القلائد (ومنها): استحباب تقليد الهدي، وهو أن يُجعل في عنقه ما يُستدلّ به على أنه هديٌ، وهو متفق عليه في الإبل، والبقر، واختلفوا في تقليد الغنم، وسيأتي تحقيق الخلاف في ٦٩/ ٢٧٨٥ - إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): استحباب بعث الهدي إلى الحرم، وإن لم يسافر معه مرسله، ولا أحرم في تلك السنة.
قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: [فإن قلت]: قولها - رضي اللَّه تعالى عنها -، من رواية مسروق، عنها: "فَتَلت لهدي النبيّ ﷺ -يعني القلائد- قبل أن يحرم., يقتضي أنه أحرم بعد ذلك، وهذا اللفظ في "صحيح البخاريّ".
[قلت]: يحتمل أن مرادها قبل السنة التي أحرم فيها. ويحتمل أنها أخبرت في هذه الرواية عن حاله في سنة إحرامه. وفي الرواية الأخرى عن حاله في سنة أخرى، ويصرّح بأنه فعل ذلك في السنة التي لم يحرم فيها قولها - رضي اللَّه تعالى عنها - من رواية عمرة، عنها "ثم بعث بها مع أبي (١) "، وهو في "الصحيحين"، والمراد أنه بعث بها مع أبيها، أبي بكر الصدّيق - رضي اللَّه تعالى عنه - في حجته سنة تسع. وفي "الصحيح" أيضًا: "ثم بعث بها إلى البيت، وأقام بالمدينة"، وهي صريحة فيما ذكرناه. واللَّه أعلم. انتهى.
(ومنها): جواز استخدام الإنسان زوجته في فتل القلائد، ونحوه من الخدمة التي تقوم بها المرأة. (ومنها): أنه يستحب إذا أرسل الهدي أن يشعره، ويقلّده من بيته، وأما إذا أخذه معه، فيستحبّ أن يؤخر ذلك إلى الميقات حين يُحرم، كما فعل النبيّ ﷺ ، في عمرة الحدبية، وحجة الوداع. (ومنها): ما قاله وليّ الدين: هذا الذي ذكرناه من استحباب تقليد الهدي إنما رأيت أصحابنا -يعني الشافعيّة- ذكروه في الهدي المتطوع به، والمنذور. وقسم المالكية دماء الحجّ إلى هَدْي، ونسك، وقالوا: إن الهدي جزاء الصيد، وما وجب لنقص في حج، أو عمرة، كدم القران، والتمتع، والفساد، والفوات، وغيرها، وقالوا: إن النسك ما وجب لإلقاء التفث، وطلب الرفاهية من المحظور، المنجبر، وجعلوا التقليد من سنة الهدي. وقال الحنفية: إن التقليد إنما يكون في هدي المتعة، والتطوع، والقران، دون دم الإحصار، والجماع، والجنايات. وفرقوا بينها، بأن الأول دم نسك، وفي التقليد إظهاره، وتشهيره، فيليق به. والثاني فإن سببه الجناية، والستر أليق بها. قالوا: ودم الإحصار جائز، فألحق بها. وذكر ابن حزم هذا التفصيل عن أبي حنيفة، ثم قال: وقال مالك، والشافعيّ: يقلّد كلّ هدي، ويشعر.
стр. 12786
قال: وهذا هو الصواب؛ لعموم فعل النبيّ ﷺ ، ونُقِلَ عن أبي حنيفة
وتعقبه وليّ الدين، فقال: وفيما ذكره نظر؛ فإنه لا عموم في فعل النبيّ ﷺ ، والهدي الذي ساقه إنما كان متطوعا به، ولم يكن عن شيء من الدماء الواجبة المذكورة، والدماءُ الواجبة لا تُساق مع الحاجُ من الأول؛ لأنه لا يدري هل يحصل له ما يوجبها، أم لا؟، ولم أر أصحابنا -يعني الشافعيّة- تعرّضوا لذلك كما تقدّم، فينبغي تحقيقه. واللَّه أعلم انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر لي أن التقليد والإشعار إنما نقلا في هدي التطوع، والقران، والتمتع، وأما الجنايات، فلم يُنقَلْ فيها ذلك، فما قاله الحنفيّة أظهر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٧٦ - (أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (٢) يَزِيدُ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (٣) يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ, عَنْ أَبِيهِ,, عَنْ عَائِشَةَ,, قَالَتْ: "كُنْتُ أَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَبْعَثُ بِهَا, ثُمَّ يَأْتِي مَا يَأْتِي الْحَلَالُ, قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"يزيد": هو ابن هارون. و"يحيى بن سعيد": هو الأنصاريّ.
وقولها: "قبل أن يبلغ الهدي محله" التقييد بذلك لكونه محلّ الخلاف، وأما بعد بلوغ الهدي محله، فلا يخالف ابن عباس، ولا غيره ببقاء الحرمة.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدَّم تمام البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجعِ والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٧٧ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَامِرٌ, عَنْ مَسْرُوقٍ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: "إِنْ كُنْتُ لأَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْىِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , ثُمَّ يُقِيمُ, وَلَا يُحْرِمُ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدموا غير مرّة. "عمرو بن علي": هو الفلاس. و"يحيى": هو ابن سعيد القطان. و"إسماعيل": هو ابن أبي خالد البجليّ الكوفيّ. و"عامر": هو ابن شراحيل، أبو عمرو الشعبيّ.
وقولها: "إن كنت الخ" "إن" مخففة من الثقيلة، أي إني كنت الخ. وقولها: "ولا
стр. 12787
يُحرم" بضم أوله، من الإحرام، أي لا يتّصف بصفة المحرم، من اجتناب محظورات الإحرام، بل يبقى حلالاً، كما هو، وهو بمعنى قولها التالي: "لا يجتنب شيئًا مما يجتنبه المحرم".
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تخريجه، وتمام البحث فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٧٨ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الضَّعِيفُ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنِ الأَسْوَدِ, عَنْ عَائِشَةَ,, قَالَتْ: "كُنْتُ أَفْتِلُ الْقَلَائِدَ, لِهَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَيُقَلِّدُ هَدْيَهُ, ثُمَّ يَبْعَثُ بِهَا, ثُمَّ يُقِيمُ, لَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا مِمَّا يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه: عبد اللَّه ابن محمد بن يحيى الطرسوسيّ، أبي محمد المعروف بالضعيف؛ لكثرة عبادته، وقيل: لكونه نحيفًا. وقيل: لشدّة إتقانه، تسمية بالضدّ، وهو ثقة [١٠] ٤٣/ ٢٢٢، فإنه من أفراد المصنّف، وأبي داود.
و"أبو معاوية": هو محمد بن خازم الضرير.
وقولها: "ثم يبعث بها" هكذا نسخ "المجتبى"، والذي في "الكبرى": "ثم يبعث به" بتذكير الضمير، وهو الظاهر؛ لأنه للهدي، والأول أيضًا له وجه صحيح، وهو أن التأنيث باعتبار أنه هديّة. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٧٩ - (أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ, عَنْ عَبِيدَةَ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنِ الأَسْوَدِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: "لَقَدْ رَأَيْتُنِي أَفْتِلُ قَلَائِدَ الْغَنَمِ, لِهَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , ثُمَّ يَمْكُثُ حَلَالاً").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"عَبيدة": -بفتح العين المهملة، وكسر الموحّدة- هو ابن حُميد- مُصَغّرًا- ابن صُهيب، أبو عبد الرحمن المعروف بالحذّاء التيميّ، أو الليثيّ، أو الضبيّ الكوفيّ النحويّ، صدوق، ربما أخطأ [٨] ١٣/ ١٣.
و"منصور": هو ابن المعتمر.
وقولها: "قلائد الغنم" فيه أن الغنم تقلد كالإبل، والبقر، وهو قول جمهور العلماء، وخالف في ذلك مالك، وأبو حنيفة، فقالوا: لا تقلد الغنم، والحديث يردّ عليهم، وسيأتي تحقيق الخلاف فيه في -٦٩/ ٢٧٨٥ - إن شاء اللَّه تعالى.
والحديث متّفق عليه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 12788
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٦٦ - (مَا يُفْتَلُ مِنْهُ الْقَلائِدُ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على الشيء الذي يُفتل منه قلائد البدن، فالفعل مبنيّ للمفعول، من فتل الشيءَ يَفتله، من باب ضرب، كفتّله بالتشديد: إذا لواه، فهو فَتيلٌ، ومفتول. كما مرّ بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٧٨٠ - (أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ -يَعْنِي ابْنَ حَسَنٍ- عَنِ ابْنِ عَوْنٍ, عَنِ الْقَاسِمِ, عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ, قَالَتْ: أَنَا فَتَلْتُ تِلْكَ الْقَلَائِدَ, مِنْ عِهْنٍ, كَانَ عِنْدَنَا, ثُمَّ أَصْبَحَ فِينَا, فَيَأْتِي مَا يَأْتِي الْحَلَالُ مِنْ أَهْلِهِ, وَمَا يَأْتِي الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا، غير:
١ - (الحسين بن الحسن) بن يسار -بتحتانية، ومهملة- ويقال: ابن مالك بن يسار.
ويقال: ابن بشر بن مالك بن يسار، أبو عبد اللَّه البصريّ، من آل مالك بن يسار، ثقة [٨].
قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: الحسين بن الحسن من أصحاب ابن عون، من المعدودين من الثقات، دلّهم عليه ابن مهديّ، كان يحفظ عن ابن عون، وكان حسن الهيئة، ما علمته ثقة (١)، كتبنا عنه. وقال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الساجيّ: ثقة صدوق، مأمون، تكلّم فيه أزهر بن سعد، فلم يُلتَفت إليه، ومثله يُجلّ عن هذا الموضع -يعني كتاب الضعفاء. وقال أبو موسى: مات سنة (١٨٨). روى له البخاريّ، ومسلم، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
و"ابن عون": هو عبد اللَّه بن عون بن أرطبان الحافظ الحجة البصريّ.
و"القاسم": هو ابن محمد بن أبي بكر الصدّيق.
وقولها: "من عِهْن". قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: قد اختُلف في العهن
стр. 12789
-بكسر العين المهملة، وإسكان الهاء- فقيل: هو الصوف. وقيل: الصوف المصبوغ ألوانًا. وزاد في "الفتح": وقيل: هو الأحمر خاصّة.
قال وليّ الدين: وقد ذكر أصحابنا الشافعيّة أن التقليد بالخيوط المفتولة يكون في الغنم، فيقلّدها إما بذلك، وإما بخُرَب القِرَب -بضم الخاء المعجمة- وهي عُراها، وآذانها. وأما الإبل، والبقر، فقالوا: يستحبّ تقليدها بنعلين، من هذه النعال التي تُلبس في الرجلين في الإحرام، ويستحبّ أن يكون لها قيمة، ويتصدّق بهما عند ذبح الهدي.
وقال المالكية: ولو اقتصر على التقليد بنعل واحدة جاز، والأول أفضل. وقال الشافعية: لا تقلد الغنم النعل؛ لثقله عليها، بخلاف الإبل، والبقر، ولم أرهم قالوا: إنه لا تقلد الإبل، والبقر بالخرب، والخيوط، بل استحبّوا أن يكون بالنعال، وسكتوا عما عداها، وهذا الحديث صريح في تقليد الإبل بالخيوط، ولا سيما الرواية: "فتلت قلائد بُدن رسول اللَّه ﷺ ، ثم أشعرها، وقلّدها" (١)، ومن المعلوم أن الإشعار لا يكون في الغنم، وتناوُل لفظِ البدن للإبل متّفق عليه، وإنما الخلاف في إطلاقه على غيرها، كما تقدّم. واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى- (٢).
وقال في "الفتح": وفيه -يعني قولها: "من عهن"- ردّ على من كره القلائد من الأوبار، واختار أن تكون من نبات الأرض، وهو منقول عن ربيعة، ومالك. وقال ابن التين: لعله أراد أنه الأولى، مع القول بجواز كونها من الصوف. واللَّه تعالى أعلم انتهى (٣).
وقولها: "وما يأتي الرجل من أهله" عطف تفسير لقولها: "ما يأتي الحلال من أهله". ويحتمل أن تكون "من" في الأول بمعنى "في"، أي ما يفعله الحلال، وهو في أهله، من الطيب، واللباس، وغيرهما، وعليه يكون قولها: "وما يأتي الرجل من أهله" من عطف الخاصّ على العامّ.
والحديث متّفقٌ عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 12790
٦٧ - (تَقْلِيدُ الْهَدْيِ)
٢٧٨١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ الْقَاسِمِ, حَدَّثَنِي مَالِكٌ, عَنْ نَافِعٍ,, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, عَنْ حَفْصَةَ, زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, مَا شَأْنُ النَّاسِ, قَدْ حَلُّوا بِعُمْرَةٍ, وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ, قَالَ: «إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي, وَقَلَّدْتُ هَدْيِي, فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدموا غير مرّة.
وقولها: "قد حلّوا بعمرة" أي بجعل حجهم عمرة، وتحلّلهم بأعمالها.
وقولها: "ولم تحلل أنت من عمرتك" أي لم تحلل أنت مثلهم بجعل حجك عمرة، وليس المراد أنه كان أهلّ بعمرة في أول أمره، كما تقدّم شرحه مفصّلاً في الباب ٤٠/ ٢٦٨٢.
وقوله: "لبدت رأسي" من التلبيد، وهو أن يجعل المحرم صمغًا، أو غيره في رأسه ليتلبّد شعره، أي يلتصق بعضعه ببعض، فلا يتخللَّه غبار، ولا يصيبه الشعث، ولا القمل، وإنما يفعله من يطول منه الإحرامُ.
والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم في -٤٠/ ٢٦٨٢ - وتقدّم شرحه، والكلام على مسائله هناك، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٨٢ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ أَبِي حَسَّانَ الأَعْرَجِ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ , لَمَّا أَتَى ذَا الْحُلَيْفَةِ, أَشْعَرَ الْهَدْيَ, فِي جَانِبِ السَّنَامِ الأَيْمَنِ, ثُمَّ أَمَاطَ عَنْهُ الدَّمَ, وَقَلَّدَهُ نَعْلَيْنِ, ثُمَّ رَكِبَ نَاقَتَهُ, فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ الْبَيْدَاءَ لَبَّى, وَأَحْرَمَ عِنْدَ الظُّهْرِ, وَأَهَلَّ بِالْحَجِّ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة.
و"عبيد اللَّه بن سعيد": هو أبو قدامة السرخسيّ الحافظ. و"معاذ": هو ابن هشام الدستوائيّ. و"أبوه": هو هشام بن أبي عبد اللَّه سَنْبَر الدستوائيّ البصريّ الحافظ. "وأبو حسان الأعرج": هو مسلم بن عبد اللَّه الأجرد البصريّ.
[تنبيه]: وقع في نسخ "المجتبى" التي بين يديّ بعد قوله: "أخبرنا عبيد اللَّه بن
стр. 12791
سعيد": ما نصّه: "حدثنا محمد"، وهو غلط، فالصواب إسقاطه، كما في "الكبرى" ٢/ ٣٦١ وكما في "تحفة الأشراف" ٥/ ٢٣٩. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "ثم أماط عنه الدم" أي أزاله عنه.
وقوله: "فلما استوت به البيداء" قال السنديّ: هذا يفيد أنه أهلّ حين استواء الراحلة على البيداء، وهذا خلاف ما تقدّم عن ابن عباس أنه أهلّ بعد الصلاة، فلعله تحقّق عنده الأمر بعد هذا، فرجع عنه إلى ما تحقّق عنده. واللَّه تعالى أعلم انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تقدّم أن الراجح في وقت إهلال النبيّ ﷺ هو حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - أنه أهلّ حين استوت به راحلته من عند مسجد ذي الحليفة، وما عدا ذلك من الروايات محمولة على علم الصحابيّ الذي قال ذلك، فإنه أخبر بما سمعه من النبيّ ﷺ من التلبية؛ لأنه كان يكرر التلبية، وبهذا تجتمع الأحاديث المختلفة في الباب.
والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم في -٦٣/ ٢٧٧٣ - وتقدّم شرحه، والكلام على مسائله هناك، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
٦٨ - (تَقْلِيدُ الإِبِلِ)
٢٧٨٣ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا قَاسِمٌ -وَهُوَ ابْنُ يَزِيدَ- قَالَ: حَدَّثَنَا أَفْلَحُ, عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: "فَتَلْتُ قَلَائِدَ بُدْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيَّ, ثُمَّ قَلَّدَهَا, وَأَشْعَرَهَا, وَوَجَّهَهَا إِلَى الْبَيْتِ, وَبَعَثَ بِهَا, وَأَقَامَ, فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ, كَانَ لَهُ حَلَالاً").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه "أحمد بن حرب" الموصليّ، وهو صدوق، فإنه من أفراده، وكذا "القاسم بن يزيد" الجرميّ الموصليّ الثقة العابد، فإنه أيضًا من أفراده.
و"أفلح": هو حُميد الأنصاريّ المدنيّ الثقة.
стр. 12792
وقولها: "ووجهه إلى البيت": أي أهداها إليه، فقولها: "وبعث بها" عطف تفسير لوجّهها.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام البحث فيه قبل بابين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٨٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ,, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ, عَنْ أَبِيهِ,, عَنْ عَائِشَةَ,, قَالَتْ: "فَتَلْتُ قَلَائِدَ بُدْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , ثُمَّ لَمْ يُحْرِمْ, وَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا مِنَ الثِّيَابِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدموا غير مرّة.
وقولها: "ثم لم يُحرم" بضم أوله، من الإحرام رباعيًّا: أي لم يدخل في حكم الإحرام، فقولها: "ولم يترك الخ" بيان له.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٦٩ - (تَقْلِيدُ الْغَنَمِ)
٢٧٨٥ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ مَنْصُورٍ, قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ, عَنِ الأَسْوَدِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: "كُنْتُ أَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَنَمًا").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه "إسماعيل بن مسعود" الجحدريّ البصريّ الثقة، فإنه من أفراده.
و"خالد": هو ابن الحارث الْهُجَيميّ البصريّ الحافظ. و"منصور": هو ابن المعتمر الإمام.
وقولها: "غنما" بالنصب حال من "هدي"، أي حال كون الهدي غَنَمًا، أو منصوب على التمييز. والحديث مُتَّفقٌ عليه، وقد سبق شرحه، والكلام على مسائله قريبًا، فما بقي إلا ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هنا، فلنوضّحه، فنقول:
стр. 12793
[مسالة]: في اختلاف أهل العلم في حكم تقليد الغنم:
قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: واختلفوا في استحباب تقليد الغنم، فقال به الشافعيّ، وأحمد، والجمهور، ورواه ابن أبي شيبة عن عائشة، وعن ابن عباس: "لقد رأيت الغنم يؤتى بها مقلّدة"، وعن أبي جعفر: "رأيت الكباش مقلّدة"، وعن عبد اللَّه بن عبيد بن عمير: "إن الشاة كانت تقلّد"، وعن عطاء: "رأيت أناسًا من أصحاب النبيّ ﷺ يسوقون الغنم مقلّدة". وحكاه ابن المنذر عن إسحاق، وأبي ثور، قال: وبه أقول، وإليه ذهب ابن حبيب من المالكية.
وذهب آخرون إلى أنها لا تُقلّد كما أنها لا تُشعر، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، وحكاه ابن المنذر عن أصحاب الرأي. ورواه ابن أبي شيبة عن ابن عمر، وسعيد بن جبير، ويوافقه كلام البخاريّ، فإنه بوّب على هذا الحديث: "فتل القلائد للبدن والبقر"، فحمل الحديث عليهما, ولم يذكر للغنم. انتهى كلام وليّ الدين باختصار (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله عن البخاريّ غير صحيح، "فقد بوّب البخاريّ بعد بابين لتقليد الغنم، فقال: "باب تقليد الغنم".
وقد ذكر الحافظ كلام وليّ الدين هذا، من غير تصريح باسمه، فقال: أخذ بعض المتأخرين من اقتصار البخاريّ في هذه الترجمة على الإبل، والبقر أنه موافق لمالك، وأبي حنيفة في أن الغنم لا تقلّد، وغفل هذا المتأخر عن أن البخاريّ أفرد ترجمة لتقليد الغنم بعد أبواب يسيرة، كعادته في تفريق الأحكام في التراجم انتهى كلام الحافظ (٢).
وقال في "الفتح": قال ابن المنذر: أنكر مالك، وأصحاب الرأي تقليدها، زاد: وكأنهم لم يبلغهم الحديث، ولم نجد لهم حجة إلا قول بعضهم: إنها تضعف عن التقليد، وهي حجة ضعيفة؛ لأن المقصود من التقليد العلامة، وقد اتفقوا على أنها لا تُشعَر؛ لأنها ضعيفة عنه، فتقلّد بما لا يُضعفها. والحنفيّة في الأصل يقولون: ليست الغنم من الهدي، فالحديث حجة عليهم من جهة أخرى.
وقال ابن عبد البرّ: احتجّ من لم ير بإهداء الغنم بأنّه ﷺ حجّ مرّة واحدة، ولم يهد فيها غنمًا انتهى.
قال الحافظ: وما أدري ما وجه الحجة منه؛ لأن حديث الباب دالّ على أنه أرسل بها، وأقام، وكان ذلك قبل حجته قطعًا، فلا تعارض بين الفعل والترك؛ لأن مجرّد الترك لا يدلّ على نسخ الجواز.
стр. 12794
ثم مَنِ الذي صرّح من الصحابة بأنه لم يكن في هداياه في حجته غنم، حتى يسوغ الاحتجاج بذلك؟، ثم ساق ابن المنذر من طريق عطاء، وعبيد اللَّه بن أبي يزيد، وأبي جعفر محمد بن عليّ، وغيرهم قالوا: رأينا الغنم تقدّم مقلّدة. ولابن أبي شيبة عن ابن عبّاس نحوه.
والمراد بذلك الردّ على من ادعى الإجماع على ترك إهداء الغنم، وتقليدها.
وأعلّ بعض المخالفين حديث الباب بأن الأسود تفرّد عن عائشة بتقليد الغنم، دون بقية الرواة عنها، من أهل بيتها، وغيرهم. قال ابن المنذر وغيره: وليست هذه بعلة؛ لأنه حافظ ثقة، لا يضرّه التفرّد انتهى ما في "الفتح" (١).
وحُكي عن بعضهم أنه تأول هذا الحديثَ على أن معناه أنها فتلت قلائد الهدي من الغنم، أي من صوف الغنم، ورُدّ هذا برواية الأسود، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "أهدى رسول اللَّه ﷺ مرّة إلى البيت غنمًا، فقلّدها"، لفظ مسلم، وفي لفظ له: "كنا نقلّد الشاء، فنرسل بها، ورسول اللَّه ﷺ حلال، لم يحرم منه شيء" (٢). وفي لفظ للبخاريّ: "كنت أفتل قلائد النبيّ ﷺ ، فيقلّد الغنم". ولفظ أبي داود: "إن رسول اللَّه ﷺ أهدى غنمًا مقلّدة".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا التأويل الذي قاله هذا البعض باطل؛ لأن هذه الألفاظ لا تحتمله، واللَّه تعالى المستعان.
وخلاصة الأمر أن الحقّ هو ما عليه الجمهور من استحباب تقليد الغنم، كغيرها من الهدايا؛ لصحة أحاديث الباب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٨٦ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ سُلَيْمَانَ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنِ الأَسْوَدِ, عَنْ عَائِشَةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , كَانَ يُهْدِي الْغَنَمَ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الإسناد هو الإسناد الماضي، لكن بإبدال منصور بسليمان الأعمش. والحديث متّفق عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٨٧ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ, عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنِ الأَسْوَدِ, عَنْ عَائِشَةَ, "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , أَهْدَى مَرَّةً غَنَمًا, وَقَلَّدَهَا").
стр. 12795
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدموا غير مرّة، و"أبو معاوية": هو محمد بن خازم الضرير. والحديث متّفق عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٨٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنِ الأَسْوَدِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: "كُنْتُ أَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْىِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَنَمًا, ثُمَّ لَا يُحْرِمُ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"عبد الرحمن": هو ابن مهديّ. و"سفيان": هو الثوريّ. والحديث متّفقٌ عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٨٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنِ الأَسْوَدِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: "كُنْتُ أَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَنَمًا, ثُمَّ لَا يُحْرِمُ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الإسناد هو الإسناد السابق بإبدال الأعمش بمنصور، والحديث متّفقٌ عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٩٠ - (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عِيسَى ثِقَةٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ ح وَأَنْبَأَنَا (١) عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو مَعْمَرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ, عَنِ الْحَكَمِ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنِ الأَسْوَدِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: "كُنَّا نُقَلِّدُ الشَّاةَ, فَيُرْسِلُ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَلَالاً, لَمْ يُحْرِمْ مِنْ شَيْءٍ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح.
و"الحسين بن عيسى": هو الطائيّ، أبو عليّ البسطاميّ القومسيّ، نزيل نيسابوريّ، صدوق صاحب حديث، وقال المصنف: ثقة [١٠] ٦٩/ ٨٦.
و"عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث" أبو عبيدة البصريّ، صدوق [١١].
قال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائيّ: لا بأس به. وذكره ابن حبّان في "الثقات".
وقال السرّاج: مات سنة (٢٥٢) روى عنه مسلم، والترمذيّ، والمصنف، وابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم ٢٧٩٠ و ٣٣١٥.
стр. 12796
و"أبو معمر": هو عبد اللَّه بن عمرو بن أبي الحجاج ميسرة التيميميّ المنقريّ -بكسر الميم، وسكون النون، وفتح القاف- البصريّ الْمُقْعَد، ثقة ثبت، رمي بالقدر [١٠].
قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة ثبت. وقال ابن الجنيد، عن يحيى: ثقة نبيل عاقل. وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقة ثبتًا، صحيح الكتاب، وكان يقول بالقدر، وكان غالبًا على عبد الوارث. قال عليّ بن المدينيّ: قد كتبتُ كتب عبد الوارث عن عبد الصمد -يعني ابنه- وأنا أشتهي أن أكتبها عن أبي معمر. وقال الآجريّ، عن أبي داود: بلغني عن عليّ أنه قال: أبو معمر في عبد الوارث أحبّ إليّ من عبد الوارث في رجاله. قال أبو داود: سمعت أبا معمر يقول ليحيى بن معين: شيخ كتب عني كتاب الحروف. قال أبو داود: وكان الأزديّ لا يُحدّث عن أبي معمر لأجل القدر، وكان لا يتكلم فيه. قال أبو داود: وأبو معمر أثبت من عبد الصمد مرارًا. وقال العجليّ: ثقة، وكان يرى القدر. وقال أبو حاتم: صدوق متقن، قويّ الحديث، غير أنه لم يكن يحفظ، وكان له قَدْرٌ عند أهل العلم. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم، عن أبي زرعة: كان ثقة حافظًا. قال عبد الرحمن: يعني أنه كان متقنًا. وقال ابن خراش: كان صدوقًا، وكان قدريًّا. وذكره ابن حبّان في "الثقات". قال أبو حسّان الزيادي، والبخاريّ: مات سنة (٢٢٤) روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، و ٤٧٠٦ حديث: "أول قسامة كانت في الجاهليّة … ".
و"عبد الصمد بن عبد الوارث" العنبريّ مولاهم أبو سهل التَنُّوريّ البصريّ، صدوق، ثبت في شعبة [٩] ١٢٢/ ١٧٤.
و"عبد الوارث" بن سعيد بن ذكوان العنبريّ مولاهم، أبو عبيدة التنّوريّ البصريّ، ثقة ثبت، رمي بالقدر، ولم يثبت عنه [٨] ٦/ ٦.
و"محمد بن جُحادة" الأوديّ الكوفيّ، ثقة [٥] ٤٨/ ١٧٣٦.
و"الحكم": هو ابن عتيبة الكنديّ، أبو محمد الكوفيّ ثقة ثبت فقيه إلا أنه ربما دلّس [٥] ٨٦/ ١٠٤.
وقولها: "نُقَلَّدُ الشاة" ولمسلم: "نقلّد الشاء" بالهمز، وهو جمع شاة.
وقولها: "لم يُحرم من شيء" بضم حرف المضارعة: أي لم يصر محرما من شيء كان حلالاً له. وفي نسخة: "ما يحرم".
وفي "الكبرى": "لم يُحرُم منه شيء"، وعليه فحرف المضارعة مفتوح، والراء مضمومة، من حرم الشيء يحرم، من باب كرم: ضدّ حلّ، أي لم يصر على النبيّ ﷺ شيء من الحلال حرامًا، بل بقي كما كان قبل إرسال الهدي.
стр. 12797
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٧٠ - (تَقْلِيدُ الْهَدْيِ نَعْلَيْنِ)
٢٧٩١ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ, عَنْ قَتَادَةَ,, عَنْ أَبِي حَسَّانَ الأَعْرَجِ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا أَتَى ذَا الْحُلَيْفَةِ, أَشْعَرَ الْهَدْيَ مِنْ جَانِبِ السَّنَامِ الأَيْمَنِ, ثُمَّ أَمَاطَ عَنْهُ الدَّمَ, ثُمَّ قَلَّدَهُ نَعْلَيْنِ, ثُمَّ رَكِبَ نَاقَتَهُ, فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ الْبَيْدَاءَ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ, وَأَحْرَمَ عِنْدَ الظُّهْرِ, وَأَهَلَّ بِالْحَجِّ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة، و"يعقوب بن إبراهيم": هو الدورقيّ. و"أبو حسان الأعرج": هو مسلم بن عبد اللَّه البصريّ. والحديث أخرجه مسلم وقد تقدّم تمام البحث فيه في - ٦٣/ ٢٧٧٣ - .
وقوله: "فلما استوت به البيداء الخ" البيداء منصوب على الظرفية. وتقدم أن الأرجح أن إهلاله ﷺ كان حيثما انبعثت به ناقته عند مسجد ذي الحليفة.
وقوله: "وأحرم عند الظهر" أي إن إحرامه ﷺ كان وقت الظهر، أي بعد صلاتها. وقوله: (وأهلّ بالحجّ" يعني أن إهلاله ﷺ في أول الأمر كان بالحج، ثم أدخل عليه العمرة، وهذا هو الأرجح، كما تقدّم البحث عنه مستوفًى في -٤٨/ ٢٧١٥ - . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٧١ - (هَلْ يُحْرِمُ إِذَا قَلَّدَ)
٢٧٩٢ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ, عَنْ جَابِرٍ, أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا كَانُوا حَاضِرِينَ, مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ, بَعَثَ بِالْهَدْيِ, فَمَنْ شَاءَ أَحْرَمَ, وَمَنْ شَاءَ تَرَكَ").
стр. 12798
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (الليث) بن سعد المصريّ الإمام الحجة المشهور [٧] ٣١/ ٣٥.
٣ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوقٌ، يدلّس [٤] ٣١/ ٣٥.
٤ - (جابر) بن عبد اللَّه بن عمرو بن حَرَام الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى - عنهما ٣١/ ٣٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من رباعيّات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٤٤) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه مصريين، ومكيّين. (ومنها): أن فيه جابرًا - رضي اللَّه تعالى عنه - من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَابِرٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّهُمْ كانُوا) أي الصحابة ﵃ (إِذَا كَانُوا حَاضِرِينَ، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، بَعَثَ بِالْهَدْيِ) أي بعث أحدهم بالهدي، فالفاعل مقدّر دلّ عليه السياق (فَمَنْ شَاءَ أَحْرَمَ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَ) هذا يدلّ على أن الذي يبعث بالهدي مخيّرٌ بين أن يصير محرمًا، وبين أن يبقى حلالاً، وهذا مخالف لأحاديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - المتقدّمة.
ولكن هذا وإن كان فيه معنى الرفع، حيث يحتمل علمه ﷺ له، وتقريره لهم، ليس كالمرفوع الصريح، وهو حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، حيث إنه لم يصرّح فيه أنه بأمر النبيّ ﷺ ، ولا بتقريره، فلا يعارض الأحاديث المرفوعة صريحًا، فتقدّم عليه.
وشرح الحديث ولي الدين -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح التقريب" بمعنى آخر، فقال: ولعله إنما ورد فيمن عَزْمُهُ الحجّ تلك السنة، وأن الذين يصحبون الهدي معهم، منهم من يُحرم بمجرّد بعثه، ومنهم من يترك الإحرام في ذلك الوقت، ويؤخّره إلى المقات.
قال: ويدلّ لذلك أن ابن حبّان لَمّا أخرجه في "صحيحه" بوّب عليه "ذكر الإباحة للحاجّ بعث الهدي، وسوقها من المدينة"، فلما عبّر في تبويبه بالحاجّ علمنا أنه فهمِ أن بعث الهدي المذكور كان ممن عَزْمُهُ الحجّ واللَّه أعلم انتهى كلام وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى- (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا قال، ولكن لا يخفى بُعْدُهُ عن سياق الحديث،
стр. 12799
فالوجه ما قدّمناه، فتأمله بإنصاف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
وحديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح الإسناد، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، لم يخرجه غيره من أصحاب الأصول، أخرجه هنا -٧١/ ٢٧٩٢ - وفي "الكبرى" ٧٠/ ٣٧٧٣. وأخرجه (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١٤٣٦٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٧٢ - (هَلْ يُوجِبُ تَقْلِيدُ الْهَدْي إِحْرَامًا)
٢٧٩٣ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ, عَنْ عَمْرَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: "كُنْتُ أَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْىِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيَّ, ثُمَّ يُقَلِّدُهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ, ثُمَّ يَبْعَثُ بِهَا مَعَ أَبِي, فَلَا يَدَعُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا, أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ, حَتَّى يَنْحَرَ الْهَدْيَ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح. و"إسحاق بن منصور": هو الكوسج المروزيّ الحافظ. و"عبد الرحمن": هو ابن مهديّ. "ومالك": هو ابن أنس الإمام المدنيّ. و "عبد اللَّه بن أبي بكر" هو: ابن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ المدني القاضي الثقة. و"عمرة": هي بنت عبد الرحمن الأنصارية المدنية الثقة.
وقولها: "بيديّ" بصيغة التثنية، ويحتمل أن بصيغة الإفراد؛ لأنه مفرد مضاف، فيعمّ. وفيه رفع مجاز أن تكون أرادت أنها فتلت بأمرها.
وقولها: "بيده" بالإفراد، وهو مفرد مضاف، فيعم اليدين، وفي رواية البخاريّ: "بيديه" بالتثنية. قال ابن التين: يحتمل أن يكون قول عائشة: "ثم قلدها بيده" بيانًا لحفظها للأمر، ومعرفتها به. ويحتمل أن تكون أرادت أنه ﷺ تناول ذلك بنفسه، وعلم وقت التقليد، ومع ذلك فلم يمتنع من شيء يمتنع منه المحرم؛ لئلا يظنّ أحد أنه استباح ذلك قبل أن يعلم بتقليد الهدي انتهى (١).
стр. 12800
وقولها: "مع أبي" بالإضافة إلى ياء المتكلم، تريد أباها أبا بكر الصدّيق - رضي اللَّه تعالى عنهما -.
واستفيد من ذلك وقت البعث، وأنه كان في سنة تسع، عام حجّ أبو بكر بالناس. قال ابن التين: أرادت عائشة بذلك علمها بجميع القصّة. ويحتمل أن تريد أنه آخر فعل النبيّ ﷺ لأنه حج في العام الذي يليه حجة الوداع؛ لئلا يظنّ ظانّ أن ذلك كان في أول الإسلام، ثم نسخ، فأرادت إزالة هذا اللبس، وأكملت ذلك بقولها: "فلم يحرم عليه شيء، كان له حلالاً حتى نحو الهدي"، أي وانقضى أمره ولم يُحرِم، وتَركُ إحرامه بعد ذلك أحرى، وأولى؛ لأنه إذا انتفى في وقت الشبهة، فلأن ينتفي عند انتفاء الشبهة أولى.
وقولها: "حتى ينحر الهدي" ببناء الفعل للمفعول، ويحتمل أن يكون بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير أبيها.
[تنبيه]: سبب حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا هو ما أخرجه الشيخان، واللفظ للبخاريّ، من طريق مالك، عن عبد اللَّه بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن عمرة بنت عبد الرحمن، أنها أخبرته أن زياد بن أبي سفيان، كتب إلى عائشة ﵂، إن عبد اللَّه بن عباس ﵄ قال: من أهدى هديا، حرم عليه ما يحرم على الحاج، حتى يُنحَر هديُهُ، قالت عمرة: فقالت عائشة ﵂: ليس كما قال ابن عباس، "أنا فتلت قلائد هدي رسول اللَّه ﷺ بيديّ، ثم قلدها رسول اللَّه ﷺ بيديه، ثم بعث بها مع أبي، فلم يَحرُم على رسول اللَّه ﷺ شيء، أحله اللَّه له، حتى نُحِرَ الهدي".
وأخرج من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن مسروق، أنه أتى عائشة، فقال لها: يا أم المؤمنين، إن رجلا (١) يبعث بالهدي إلى الكعبة، ويجلس في العصر، فيوصي أن تُقَلَّد بدنته، فلا يزال من ذلك اليوم محرما، حتى يحل الناس، قال: فسمعت تصفيقها (٢) من وراء الحجاب، فقالت: "لقد كنت أفتل قلائد هدي رسول اللَّه ﷺ ، فيبعث هديه إلى الكعبة، فما يحرم عليه، مما حل للرجال من أهله، حتى يرجع الناس".
قال في "الفتح": وحاصل اعتراض عائشة على ابن عباس أنه ذهب إلى ما أفتى به قياسًا للتولية في أمر الهدي على المباشرة له، فبينت عائشة أن هذا القياس لا اعتبار له
стр. 12801
في مقابلة هذه السنة الظاهرة.
وفي الحديث من الفوائد تناول الكبير الشيء بنفسه، وإن كان له من يكفيه، إذا كان مما يُهتمّ به، ولا سيما ما كان من إقامة الشرائع، وأمور الدين. وفيه تعقّب بعض العلماء على بعض، وردّ الاجتهاد بالنصّ، وأن الأصل في أفعاله ﷺ التأسّي به حتى تثبت الخصوصيّة انتهى (١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدم شرحه، والكلام على مسائله، فما بقي إلا الكلام على ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، فنقول:
[مسألة]: في اختلاف أهل العلم في أن تقليد الهدي، وإرساله هل يوجب إحرامًا، أم لا؟:
ذهب جمهور العلماء من السلف، والخلف، ومنهم الأئمة الأربعة إلى أن من أرسل هديًا إلى الكعبة لا يصير محرمًا بمجرّد ذلك، ولا يجري عليه حكم الإحرام، ولا يلزمه أن يجتنب شيئًا مما يجتنبه المحرم، وسواء قلّد هديه، أم لم يقلّده.
وذهبت طائفة إلى أنه يصير محرمًا بذلك. قال ابن المنذر: كان ابن عمر يقول: إن قلّد هديه، فقد أحرم، وبه قال النخعيّ، والشعبيّ، وقال عطاء: سمعنا ذلك. وقال الثوريّ، وأحمد، وإسحاق: إذا قلّد هديه، فقد أحرم، وبه قال النخعيّ، والشعبيّ، وقال عطاء: وجب عليه، وبه قال أصحاب الرأي انتهى.
قال وليّّ الدين: وحاصل كلامه قولان: أحدهما: أن يصير محرما. والثاني: أنه يجب عليه الإحرام، وعدّهما ابن المنذر قولاً واحدًا، فإنه قال بعد ذلك: وفيه قول ثالث، فحكى المذهب المشهور، وكأن مراد الأخيرين وجب عليه حكم الإحرام؛ لأنه قد صار محرمًا، فتتحد المقالتان حينئذ.
وقال الخطاّبيّ عن أصحاب الرأي تفريعًا على ما تقدّم نقله عنهم: فإن لم تكن له نية فهو بالخيار بين حجّ وعمرة.
وروى ابن أبي شيبة أنه إذ قلّد هديّة، فقد أحرم عن ابن عمر، وابن عباس، والشعبيّ، وسعيد بن جبير، وسعد بن قيس، وميمون بن أبي شبيب، وأنه إذا قلّد فقد وجب عليه الإحرام عن ابن عباس، وهذا يدلّ على التأويل الذي قدّمته، وأن المراد بالعبارتين شيء واحد لكونهما معًا عن ابن عباس.
وروى ابن أبي شيبة أنه إذا قلّد، وهو يريد الإحرام، فقد أحرم عن ابن عباس، وأبي
стр. 12802
الشعثاء، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وأنه إذا قلّد، وهو يريد الإحرام، فقد وجب عليه الإحرام عن إبراهيم النخعيّ، وكذا حكى الخطابيّ عن سفيان الثوريّ، وأحمد، وإسحاق أنه إذا أراد الحجّ، وقلّد، فقد وجب عليه، وهذا المذكور آخرًا فيه التقييد بأن يكون يريد الإحرام، فإن لم يحمل الإطلاق الأول على التقييد الثاني، وغايرنا بين الإحرام، وإيجاب الإحرام حصل قولان آخران مع القولين الأولين، ويدلّ على أن ذلك لا يتقيد بإرادة الإحرام في قولٍ ما رواه ابن أبي شيبة عن ربيعة بن عبد اللَّه بن الهُدَير أنه رأى ابن عباس، وهو أمير البصرة، متجرّدًا على منبر البصرة، فسأل الناس عنه، فقالوا: إلْه أمر بهديه أن يقلّد، فلذلك تجرّد، فلقيت ابن الزبير، فذكرت ذلك له، فقال: بدعة، وربّ الكعبة. وروي ابن أبي شيبة أيضًا عن عطاء، وابن أبي الأسود، قالا: ليس له أن يقلّد، ولا يحرم إلا إن شاء يومًا، أو يومين. (وهذا مذهب خامس).
وحاصله أنه بالتقليد يجب عليه الإحرام، وله تأخيره يومًا، أو يومين. وروى ابن أبي شيبة أيضًا عن الحسن البصريّ أنه إن فعل في أشهر الحجّ وجب عليه الحجّ، وإن كان في غير أشهره لم يجب. (وهذا مذهب سادس).
وروى ابن أبي شيبة أيضًا عن سعيد بن المسيّب، والحسن البصريّ أن من بعث بهديه لا يمسك عن شيء مما يمسك عنه المحرم، إلا ليلة جمع، فإنه يمسك عن النساء.
(وهذا مذهب سابع).
وروى ابن أبي شيبة أيضًا عن عمر، وعليّ، وابن عباس، وابن عمر أنه إذا أرسل بدنته، أمسك عما يمسك عنه المحرم، غير أنه لا يلبّي. وهذا (مذهب ثامن)؛ لأنه لم يقيّد ذلك بالتقليد، ولم يقل: إنه محرم، ولا وجب عليه الإحرام، وإنما قال: يمسك عفا يمسك عنه المحرم، وهو الذي في "صحيح مسلم" عن ابن عباس أنه قال: من أهدى هديًا حرم عليه ما يحرم على الحاجّ حتى ينحر الهدي، وهذا أصح ما روي عن ابن عباس في هذا. واللَّه أعلم.
وروى ابن أبي شيبة أيضًا عن جعفر بن محمد أنه إذا أرسل بدنته واعدهم يومًا، فإذا كان ذلك اليوم الذي واعدهم أن يُشعَر أمسك عما يمسك عنه المحرم، غير أنه لا يلبّي، وهذا مثل الذي قبله في الإمساك خاصّة، ويخالف بأنه لا يرتبه على مجرد الإرسال، بل لا بدّ معه من الإشعار، فهو (مذهب تاسع).
وروى ابن أبي شيبة أيضًا عن محمد بن سيرين، قال: إذا بعث الرجل بالهدي أمر الذي يبعث به معه أن يقلّد يوم كذا وكذا من ذلك اليوم، ثم يمسك عن أشياء مما يمسك عنها المحرم، وهذا (مذهب عاشر)؛ لأنه لا يطرد المنع في كلّ ما يجتنبه المحرم، بل
стр. 12803
يثبت ذلك في بعضها، دون جميعها.
واعلم أن كلّ من رتّب هذا الحكم على التقليد رتبه على الإشعار أيضًا، فهو في معناه.
فهذه عشرة مذاهب شاذّة إن لم تؤول، وتردّ إلى مذهب واحد. وكلام النوويّ يقتضي التأويل، فقال في "شرح مسلم" في الكلام على هذا الحديث: فيه أن من بعث هديه لا يصير محرمًا, ولا يحرم عليه شيء مما يحرم على المحرم، وهذا مذهبنا، ومذهب العلماء كافة إلا رواية حكيت عن ابن عباس، وابن عمر، وعطاء، وسعيد بن جبير، وحكاه الخطابيّ عن أصحاب الرأي أيضًا أنه إذا فعله لزمه اجتناب ما يجتنبه المحرم، ولا يصير محرمًا من غير نية الإحرام.
وقال في "شرح المهذب": إذا قلّد هديه، أو أشعره لا يصير محرمًا بذلك، وإنما يصير محرمًا بنية الإحرام، هذا مذهبنا، ومذهب العلماء كافة، ونقل الشيخ أبو حامد عن ابن عباس، وابن عمر أنه يصير محرمًا بمجرد تقليد الهدي، وهذا فيه تساهل، وإنما مذهب ابن عباس أنه إذا قلّد هديه حرم عليه ما يحرم على المحرم حتى يُنحَر هديُهُ، وكذا مذهب ابن عمر إن صحّ عنه في هذه المسألة شيء انتهى. فذكر في "شرح مسلم" بعث الهدي، وفي "شرح المهذب" تقليده. انتهى كلام وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى- (١).
وقال في "الفتح" عند شرح ردّ عائشة على ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -: ما نصّه: قال ابن التين: خالف ابن عباس في هذا جميع الفقهاء، واحتجّت عائشة بفعل النبيّ ﷺ ، وما روته في ذلك يجب أن يصار إليه، ولعل ابن عباس رجع عنه انتهى.
قال الحافظ: وفيه قصور، فإن ابن عباس لم ينفرد بذلك، بل ثبت ذلك عن جماعة من الصحابة، منهم ابن عمر، رواه ابن أبي شيبة، عن ابن عليّة، عن أبوب، وابنُ المنذر من طريق ابن جريج، كلاهما عن نافع: "أن ابن عمر كان إذا بعث بالهدي يمسك عما يمسك عنه المحرم، إلا أنه لا يلبّي". ومنهم قيس بن سعد بن عبادة، أخرج سعيد بن منصور من طريق سعيد بن المسيّب عنه نحو ذلك. وروى ابن أبي شيبة من طريق محمد بن عليّ بن الحسين، عن عمر، وعليّ، أنهما قالا في الرجل يُرسل ببدنته: "إنه يمسك عما يمسك عنه المحرم". وهذا منقطع. وقال ابن المنذر: قال عمر، وعليّ، وقيس بن سعد، وابن عمر، وابن عباس، والنخعيّ، وعطاء، وابن سيرين، وآخرون: من أرسل الهدي، وأقام حَرُم عليه ما يحرم على المحرم.
стр. 12804
وقال ابن مسعود، وعائشة، وأنس، وابن الزبير، وآخرون: لا يصير بذلك محرمًا، وإلى ذلك صار فقهاء الأمصار.
ومن حجة الأولين ما رواه الطحاويّ، وغيره من طريق عبد الملك بن جابر، عن أبيه، قال: كنت جالسًا عند النبيّ ﷺ ، فقدّ قميصه من جيبه، حتى أخرجه من رجليه، وقال: "إني أمرت ببدني التي بعثت بها أن تقلّد اليوم، وتُشعَرَ على مكان كذا وكذا، فلبست قميصي، ونسيت، فلم أكن لأخرج قميصي من رأسي … " الحديث. وهذا لا حجة فيه؛ لضعف إسناده. إلا أن نسبة ابن عباس إلى التفرّد بذلك خطأ.
وقد ذهب سعيد بن المسيّب إلى أنه لا يجتنب شيئًا مما يجتنبه المحرم إلا الجماع ليلة جمع. رواه ابن أبي شيبة عنه بإسناد صحيح.
نعم جاء عن الزهريّ ما يدلّ على أن الأمر استقرّ على خلاف ما قال ابن عباس، ففي نسخة أبي اليمان، عن شعيب، عنه، وأخرجه البيهقيّ من طريقه، قال: أول من كشف العَمَى عن الناس، وبيّن لهم السنة في ذلك عائشةُ. فذكر الحديث عن عروة، وعمرة، عنها، قال: فلما بلغ الناس قول عائشة أخذوا به، وتركوا فتوى ابن عباس.
وذهب جماعة من فقهاء الفتوى إلى أن من أراد النسك صار بمجرّد تقليده الهدي محرما. حكاه ابن المنذر عن الثوريّ، وأحمد، وإسحاق، قال: وقال أصحاب الرأي: من ساق الهدي، وأمّ البيت، ثم قلّد وجب عليه الإحرام. قال: وقال الجمهور: لا يصير بتقليد الهدي محرمًا, ولا يجب عليه شيء. ونقل الخطابيّ عن أصحاب الرأي مثل قول ابن عباس، وهو خطأ عليهم، فالطحاويّ أعلم بهم منه، ولعل الخطابيّ ظنّ التسوية بين المسألتين انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن مما ذُكر من الأقوال، وأدلتها أن أرجح الأقوال قول الجمهور: إن تقليد الهدي لا يوجب الإحرام، ولا يُحَرَّم شيئًا، فمن بعث بالهدي، لا يلزمه إحرام، ولا اجتاب شيء مما يجتبه المحرم؛ لحديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - الصحيح الصريح في ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٩٤ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, وَقُتَيْبَةُ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: "كُنْتُ أَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْىِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , ثُمَّ لَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا, مِمَّا يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُ").
стр. 12805
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"سفيان": هو ابن عيينة.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٩٥ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ, يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ,,, قَالَ: قَالَتْ: عَائِشَةُ: "كُنْتُ أَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْىِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَلَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا, وَلَا نَعْلَمُ الْحَجَّ يُحِلُّهُ, إِلاَّ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ").
قَال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح.
و"عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن" الزهريّ البصريّ، صدوق، من صغار [١٠] ٤٢/ ٤٨.
و"سفيان": هو ابن عيينة.
وقولها: "ولا نعلم الحاجّ يحله" وفي نسخة: "ولا نعلم الحجّ". و"يُحِلُّهُ" بضم أوله، من أحلّ، أي يجعله حلالاً خارجًا عن الإحرام بالكليّة حتى في حقّ النساء.
وقولها: "إلا الطواف بالبيت" أي طواف الإفاضة، وأما نحو الهدي فقط فلا يجعله حلالاً. وأرادت بذلك نفي كون بعث الهدي يوجب إحرامًا؛ لأن الإحرام بالحج لا يحله إلا الطواف بالبيت.
والحديث متّفقٌ عليه، دون قولها: "ولا نعلم الخ". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٩٦ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ,, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ, عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنِ الأَسْوَدِ, عَنْ عَائِشَةَ,, قَالَتْ: "إِنْ كُنْتُ لأَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وَيُخْرَجُ بِالْهَدْيِ مُقَلَّدًا, وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُقِيمٌ, مَا يَمْتَنِعُ مِنْ نِسَائِهِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال الإسناد رجال الصحيح. و"أبو الأحوص": هو سلاّم بن سُليم الحنفيّ الكوفيّ. و"أبو إسحاق": هو عمرو بن عبد اللَّه بن عبيد السبيعيّ الكوفيّ.
وقولها: "يُخرَج بالهدي" بالبناء للمفعول، أي يَخرُج من يُبعَث معه الهدي بالهدي.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٩٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنِ الأَسْوَدِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: "لَقَدْ رَأَيْتُنِي أَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْىِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , مِنَ الْغَنَمِ فَيَبْعَثُ بِهَا, ثُمَّ يُقِيمُ فِينَا حَلَالاً").
стр. 12806
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه "محمد بن قدامة" أبي عبد اللَّه المِصَّيصيّ، فإنه من أفراده هو، وأبي داود.
و" جرير": هو ابن عبد الحميد. "ومنصور": هو ابن المعتمر.
وقولها: "من الغنم" بيان للهدي، لا صلة لأفتل، كما تأوله بعضهم، فقال: إن المعنى أنها فتلت من صوف الغنم، وهذا غلط فاحش، كما سبق بيانه، فتنبّه.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٧٣ - (سَوْقُ الْهَدْيِ)
٢٧٩٨ - (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ يَزِيدَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ, عَنْ أَبِيهِ,, سَمِعَهُ يُحَدِّثُ, عَنْ جَابِرٍ, أَنَّهُ سَمِعَهُ يُحَدِّثُ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَاقَ هَدْيًا فِي حَجِّهِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، سوى شيخه عمران بن خالد بن يزيد الطائيّ الدمشقيّ، فإنه من أفراده، وهو ثقة.
والحديث صحيح، تقدّم الكلام عليه في ٥١/ ٢٧٤٠. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٧٤ - (رُكُوبُ الْبَدَنَةِ)
٢٧٩٩ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ أَبِي الزِّنَادِ, عَنِ الأَعْرَجِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , رَأَى رَجُلاً, يَسُوقُ بَدَنَةً, قَالَ: «ارْكَبْهَا» , قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنَّهَا
стр. 12807
بَدَنَةٌ، قَالَ: "ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ"، فِي الثَّانِيَةِ، أَوْ فِي الثَّالِثَةِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس الإمام الأصبحيّ الحجة الثبت [٧] ٧/ ٧.
٣ - (أبو الزناد) عبد اللَّه بن ذكران القرشيّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقة فقيه [٥] ٧/ ٧.
٤ - (الأعرج) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٧/ ٧.
٥ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مما قيل فيه: إنه أصح أسانيد أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى - عنه. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فإنه بغلانيّ، والظاهر أنه دخل المدينة للأخذ عن مالك وغيره. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ من المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ الأَعْرَجِ) قال في "الفتح": لم تختلف الرواة عن مالك، عن أبي الزناد فيه. ورواه ابن عيينة، عن أبي الزناد، فقال: "عن الأعرج، عن أبي هريرة، أو عن أبي الزناد، عن موسى بن أبي عثمان، عن أبيه، عن أبي هريرة". أخرجه سعيد منصور، عنه. وقد رواه الثوريّ، عن أبي الزناد بالإسنادين، مفرّقًا. انتهى (١).
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، رَأَى رَجُلاً) قال الحافظ: لم أقف على اسمه بعد طول البحث (يَسُوقُ بَدَنَةً) كذا في معظم الأحاديث. ووقع لمسلم من طريق بكير بن الأخنس، عن أنس: "مرّ ببدنة، أو هديّة". ولأبي عوانة من هذا الوجه: "أو هدي". وهو مما يوضّح أنه ليس المراد بالبدنة مجرّد مدلولها اللغويّ.
ولمسلم من طريق المغيرة بن شعبة، عن أبي الزناد: "بينا رجل يسوق بدنة مقلّدة". وكذا في طريق همّام، عن أبي هريرة. وللبخاريّ من طريق عكرمة، عن أبي هريرة أنها كانت مُقَلَّدَة نعلاً. وزاد في الباب التالي من رواية ثابت عن أنس: "وقد جهده المشي".
стр. 12808
ولأبي يعلى من طريق الحسن، عن أنس: "حافيًا"، لكنها رواية ضعيفة. قاله في "الفتح" (١) (قَالَ) ﷺ ("ارْكَبْهَا") أي اركب بدنتك التي تسوقها؛ لستريح من تعبك الذي لحقك من مشقّة المشي (قَالَ) الرجل (يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهَا بَدَنَةٌ) هذا ظنَّ من الرجل أن البدنة لا تُركب.
قال وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: المراد بالبدنة هنا، الواحدة من الإبل المهداة إلى البيت الحرام، ويقع هذا اللفظ على الذكر والأنثى بالاتفاق، كما نقله النووي وغيره.
ونقل ابن عبد البرّ قولاً: إنها تختصّ بالأنثى، وردّه. وهل تختصّ في أصل وضعها بالإبل، أم تستعمل فيها، وفي البقر، أم فيها، وفي الغنم، فيه خلاف.
ولو استعملت البدنة هنا في أصل مدلولها لم يحصل الجواب بقوله: "إنها بدنة"، لأن كونها من الإبل مشاهد معلوم، والذي ظنّ أنه خفي من أمرها كونها هديًا، فدلّ بقوله: "إنها بدنة"، على أنها مهداة انتهى كلام وليّ الدين (٢).
(قَالَ) ﷺ (ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ) هذه الكلمة أصلها أنها تقال لمن وقع في هَلَكة، فقيل: لأنه كان محتاجًا، قد وقع في تعب وجهد. وقيل: هي كلمة تجري على اللسان، وتستعمل من غير قصد إلى ما وُضعت له أوّلاً، بل تدعّم بها العرب كلامها، كقولهم: لا أُمّ له، ولا أب له، وتربت يداه، وقاتله اللَّه ما أشجعه، وعقرى، وحلقى، وما أشبه ذلك. قاله النووي.
وقال في "الفتح": قال القرطبيّ: قالها له تأديبًا لأجل مراجعته له مع عدم خفاء الحال عليه. وبهذا جزم ابن عبد البرّ، وابن العربيّ، وبالغ حتى قال: الويل لمن راجع في ذلك بعد هذا، قال: ولولا أنه ﷺ اشترط على ربه ما اشترط لهلك ذلك الرجل، لا محالة. قال القرطبيّ: ويحتمل أن يكون فهم عنه أنه يترك ركوبها على عادة الجاهلية في السائبة، وغيرها، فزجره عن ذلك، فعلى الحالتين هي إنشاء. ورجحه عياض، وغيره، قالوا: والأمر هنا، وإن قلنا: إنه للإرشاد، لكنه استحقّ الذمّ بتوقفه على امتثال الأمر. والذي يظهر أنه ما ترك الامتثال عنادًا. ويحتمل أن يكون ظنّ أنه يلزمه غرم بركوبها، أو إثم، وأن الإذن الصادر له بركوبها إنما هو للشفقة عليه، فتوقّف، فلما أغلظ له بادر إلى الامتثال. وقيل: لأنه كان أشرف على هَلَكَة من الجهد، و"ويل" كلمة تقال لمن وقع في هلكة، فالمعنى: أشرفت على الهلكة، فاركب، فعلى هذا هي إخبار. وقيل: هي كلمة تدعم بها العرب كلامها, ولا تقصد معناها، كقوله: لا أم لك، ويقويّه ما في
стр. 12809
بعض الروايات بلفظ "ويحك" بدل "ويلك". قال الهرويّ: "ويل" يقال لمن وقع في هلكة يستحقّها، و"ويح" لمن وقع في هلكة لا يستحقّها انتهى (١) (فِي الثَّانِيَةِ، أوْ فِي الثَّالِثَةِ) ووقع في رواية همام عند مسلم: "ويلك اركبها، ويلك اركبها". ولأحمد من رواية عبد الرحمن بن إسحاق، والثوريّ، كلاهما عن أبي الزناد، ومن طريق عجلان، عن أبي هريرة، قال: "اركبها ويحك"، قال: إنها بدنة، قال: "اركبها ويحك". زاد أبو يعلى من رواية الحسن: "فركبها"، إلا أنها ضعيفة. وللبخاريّ من طريق عكرمة، عن أبي هريرة ﷺ : "فلقد رأيته راكبها، يساير النبيّ ﷺ ، والنعل في عنقها".
قال الحافظ: وتبيّن بهذه الطرق أنه أطلق البدنة على الواحدة من الإبل المهداة إلى البيت الحرام، ولو كان المراد مدلولها اللغويّ لم يحصل الجواب بقوله: إنها بدنة؛ لأن كونها من الإبل معلوم، فالظاهر أن الرجل ظنّ أنه خفي كونها هديًا، فلذلك قال: إنها بدنة. والحقّ أنه لم يخف ذلك على النبيّ ﷺ لكونها كانت مقلّدة، ولهذا قال له لما زاد في مراجعته: "ويلك" انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٧٤/ ٢٧٩٩ - وفي "الكبرى" ٧٣/ ٣٧٨١. وأخرجه (خ) في "الحجّ" ١٦٨٩ و ١٧٠٦ و"الوصايا" ٢٧٥٥ و"الأدب" ٦١٦٠ (م) في "الحج" في "الحج" ١٣٢٢ (د) في "المناسك" ١٧٦٠ (ق) ٣١٠٣ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٧٤٠٤ و ٧٦٧٩ و ٢٧٣٣٩ و ٩٦٦٣ و ٩٧٧٧ و ٩٨٣٦ و ٩٨٧٣ و ٩٩٤٢ و ١٠١٨٨ (الموطأ) في "الحج" ٨٤٨. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو مشروعية ركوب البدنة، مطلقًا، سواء كان واجبًا، أو متطوعًا به؛ لكونه ﷺ لم يستفصل صاحب الهدي عن ذلك، فدلّ على أن ذلك لا يختلف بذلك. وأصرح من هذا ما أخرجه أحمد من حديث عليّ: "أنه سئل، هل يركب الرجل هديه؟ فقال: لا بأس، قد كان النبيّ ﷺ يمرّ
стр. 12810
بالرجال يمشون، فيأمرهم يركبون هديه"، أي هدي النبيّ ﷺ إسناده صالح. قاله الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (١).
(ومنها): تكرير الفتوى، والندب إلى المبادرة إلى الامتثال الأمر، وزجر من لم يبادر إلى ذلك، وتوبيخه. (ومنها): جواز مسايرة الكبار في السفر. (ومنها): أن الكبير إذا رأى مصلحة للصغير، لا يأنف عن إرشاده إليها. (ومنها): أن البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- استنبط من هذا الحديث جواز انتفاع الواقف بوقفه، حيث بوّب بقوله: "باب هل ينتفع الواقف بوقفه"، قال: وقد اشترط عمر لا جُناح على من وليه أن يأكل، وقد يلي الواقف وغيره، قال: وكذلك من جعل بدنة، أو شيئًا للَّه، فله أن ينتفع بها كما ينتفع غيره، وإن لم يشترط انتهى.
قال وليّ الدين: وقد قال أصحابنا يجوز أن ينتفع الواقف بأوقافه العامة كآحاد الناس كالصلاة في بقعة جعلها مسجدًا، أو الشرب من بئر وقفها، والمطالعة في كتاب وقفه على المسلمين، والشرب من كيزان سبّلها على العموم، والطبخ في قِدر وقفها على العموم أيضًا، والمشهور عندهم منع وقف الإنسان على نفسه، وهو المنصوص للشافعيّ، ومع ذلك، فاختلفوا فيما لو شرط الواقف النظر لنفسه، وشرط أجرة، هل يصحّ هذا الشرط. وقال النوويّ: الأرجح هنا جوازه. قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح، ويتقيد ذلك بأجرة المثل انتهى (٢).
(ومنها): أن جواز ركوب الهدي ما لم يضرّ به الركوب؛ لحديث جابر ﵁ الآتي بعد باب: "اركبها بالمعروف". وهذا متّفق عليه بين العلماء. قال وليّ الدين: قال الشافعيّة، والحنفية: ومتى نقصت بالركوب ضمن النقصان. ومقتضى نقل ابن عبد البرّ عن مالك أنه لا يضمن انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما نقل عن مالك هو ظاهر الحديث. واللَّه تعالى أعلم.
(ومنها): أنه قال الشافعية، والحنفيّة: كما يجوز ركوبها، يجوز الحمل عليها. ورواه ابن أبي شيبة، عن عطاء، وطاوس. ومنع مالك الحمل عليها، وقال: لا يركبها بالمحمل، حكاه ابن المنذر. وظاهر إطلاق الحديث أن له أن يركبها كيف شاء، ما لم يضرّ بها. والحمل مقيس على الركوب. أفاده وليّ الدين.
(ومنها): ما قيل: أنه كما يجوز له الركوب بنفسه يجوز له إقامة غيره في ذلك مقامه
стр. 12811
بالعارية. وحكى ابن المنذر عن الشافعيّ أنه قال: له أن يحمل المعيي، والمضطرّ على هديه. ونقل القاضي عياض الإجماع على منع إجارتها؛ لأنها بيع للمنافع.
(ومنها): أن بعضهم ألحق بالهدايا في ذلك الضحايا، فله أن يركبها إذا احتاج إلى ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم ركوب الهدايا:
اختلفوا في هذا على مذاهب:
(أحدها): الجواز مطلقًا. حكاه ابن المنذر عن عروة بن الزبير، وأحمد، وإسحاق. وكذا حكاه النوويّ في "شرحي مسلم، والمهذب" عنهم، وعن مالك في رواية, وعن أهل الظاهر. وحكاه الخطابيّ عن أحمد، وإسحاق، وصرّح عنهما بأنهما لم يشترطا منه حاجة إليه. وهذا هو الذي جزم به الرافعيّ، والنوويّ في "الروضة" في "كتاب الضحايا". وحكاه النوويّ في "شرح المهذّب" عن الماورديّ، والقفال.
(الثاني): الجواز بشرط الاحتياج لذلك، ولا يركبها من غير حاجة. قال النوويّ في "شرح مسلم": إنه مذهب الشافعيّ، ونقله في "شرح المهذّب" عن تصريح الشيخ أبي حامد، والبندنيجيّ، والمتولّي، وصاحب "البيان"، وآخرين، قال: وهو ظاهر نصّ الشافعيّ، فإنه قال: يركب الهدي إذا اضطرّ إليه.
وتقييد الجواز بشرط الحاجة هو المشهور من مذهب مالك، وأحمد. وجزم المجد ابن تيمية في "المحرّر" بجواز ركوبها مع الحاجة ما لم يضر بها، وبهذا قال ابن المنذر، وجماعة، ورواه ابن أبي شيبة عن الحسن البصريّ، وعروة بن الزبير، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد، وحكاه الترمذيّ عن الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق.
(الثالث): الجواز بشرط الاضطرار لذلك، نقله ابن المنذر عن الشافعيّ، فقال: وقال الشافعيّ: يركبها إذا اضطرّ ركوبًا، غير قادح، ولا يركبها إلا من ضرورة. وكذا حكى الخطابيّ عن الشافعيّ، ورواه مالك في "الموطإ" عن عروة بن الزبير. وقال ابن المنذر في "الإشراف": وقال أصحاب الرأي: لا يركبها، وإن احتاج، ولم يجد منه بدًّا حمل عليه، وركبه. وروى ابن أبي شيبة عن الشعبيّ، قال: لا يركب البدنة، ولا يحمل عليها إلا مِنْ أَمْرٍ لا يجد منه بدًّا. وحكاه الخطابيّ عن الثوريّ. وقال ابن عبد البرّ: الذي ذهب إليه مالك، وأبو حنيفة، والشافعيّ، وأصحابهم، وأكثر الفقهاء كراهية ركوب الهدي من غير ضرورة انتهى.
(الرابع): منع ركوبها مطلقًا. قال ابن المنذر: وقال الثوريّ في قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ قال: الولد، واللبن، والركوب، فإذا سُمِّيت بدنًا ذهبت المنافع. وروى ابن أبي
стр. 12812
شيبة عن مجاهد: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قال: في ألبانها، وظهورها، وأوبارها حتى تسمّى بدنًا، فإذا سميت بدنًا فمحلها إلى البيت العتيق.
(الخامس): وجوب ركوبها، حكاه القاضي عياض، وابن عبد البرّ عن بعض أهل الظاهر؛ تمسكًا بظاهر الأمر، ولخالفة ما كانوا عليه في الجاهلية من البحيرة، والسائبة.
قال الحافظ وليّ الدين: فمن قال بالجواز مطلقًا تمسّك بظاهر هذا الحديث، فإنه ﷺ أمر بذلك، والأمر هنا للإباحة، ولم يقيّد ذلك بشيء، ومن قيّد الجواز بالحاجة، أو الضرورة قال: هذه واقعة محتملة، وقد دلّت رواية أخرى على أن هذا الرجل كان محتاجا للركوب، أو مضطرًّا له.
روى النسائيّ عن أنس ﵁ أن النبيّ ﷺ رأى رجلاً يسوق بدنة، وقد جهده المشي قال: "اركبها … " الحديث (١)، وفي "صحيح مسلم" عن أبي الزبير، قال: سمعت جابر بن عبد اللَّه سئل عن ركوب الهدي، فقال: سمعت النبيّ ﷺ يقول: "اركبها بالمعروف، إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرًا" (٢). ورواه مسلم أيضًا من هذا الوجه بدون قوله: "إذا ألجئت إليها".
ومن منع مطلقًا، فهذا الحديث حجة عليه، ولعله لم يبلغه، ولعل أحدًا لم يقل بهذا المذهب، ويكون معنى قول الثوريّ: ذهبت المنافع، أي بالملك، وإن بقيت بالارتفاق.
ومن أوجب فإنه حمل الأمر على الوجوب، ووجهه أيضًا مخالفة ما كانت الجاهليّة عليه من إكرام البَحِير، والسائبة، والوصيلة، والحامي، وإهمالها بلا ركوب.
ودليل الجمهور أنه ﷺ أهدى، ولم يركب هدية، ولم يأمر الناس بركوب الهدايا. انتهى كلام وليّ الدين ببعض تصرّف (٣).
قال الحافظ: وفيه نظر؛ لما تقدّم من حديث عليّ ﵁، وله شاهد مرسل عند سعيد بن منصور بإسناد صحيح، ورواه أبو داود في "المراسيل" عن عطاء: "كان النبيّ ﷺ يأمر بالبدنة إذا احتاج إليها سيدها أن يحمل عليها، ويركبها غير منهكها، قلت: ماذا؟ قال: الرجل الراجل، والمتبع السير، فإن نُتجت حمل عليها ولدها".
ولا يمتنع القول بوجوبه إذا تعيّن طريقًا إلى إنقاذ مهجة إنسان من الهلاك. انتهى كلام الحافظ.
стр. 12813
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- من وجوب الركوب عند شدة الحاجة حسنٌ جدًّا.
والحاصل أن ركوب الهدي بالمعروف جائز عند الاضطرار حتى تزول الضرورة، والدليل على اعتبار هذه القيود حديث جابر ﵁ عند مسلم، والآتي للمصنّف بعد باب: "اركبها بالمعروف إذ أُلجئت إليها حتى تجد ظهرًا"، فإن مفهومه أنه يركبها بلا إلحاق ضرر بها، إذا كان هو مضطرًّا لركوبها، وأنه إذا وجد غيرها تركها. ثم إنه إذا كان يخاف على نفسه إن لم يركب كان ركوبها واجبًا عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: قال في "الفتح": واختلف المجيزون، هل يحمل عليها متاعه؟ فمنعه مالك، وأجازه الجمهور. وهل يحمل عليها غيره؟ أجازه الجمهور أيضًا على التفصيل المتقدّم. ونقل القاضي عياض الإجماع على أنه لا يؤجرها. وقال الطحاويّ في "اختلاف العلماء": قال أصحابنا، والشافعيّ: إن احتلب منها شيئًا تصدّق به، فإن أكله تصدّق بثمنه، ويركب إذا احتاج، فإن نقصه ذلك ضمن. وقال مالك: لا يشرب من لبنه، فإن شرب لم يَغرَم، ولا يركب إلا عند الحاجة، فإن ركب لم يغرم. وقال الثوريّ: لا يركب إلا إذا اضطرّ. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
٢٨٠٠ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (٢) عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ أَنَسٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , رَأَى رَجُلاً يَسُوقُ بَدَنَةً, فَقَالَ: «ارْكَبْهَا» , قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ, قَالَ: «ارْكَبْهَا» , قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ, قَالَ فِي الرَّابِعَةِ: «ارْكَبْهَا وَيْلَكَ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"إسحاق بن إبراهيم": هو ابن راهويه. و"عبدة": هو ابن سليمان. و"سعيد": هو ابن أبي عروبة.
والحديث متفق عليه، أخرجه المصنف هنا -٧٤/ ٢٨٠٠ و ٧٥/ ٢٨٠١ - وفي "الكبرى" ٧٣/ ٣٧٨٢ و ٧٤/ ٣٧٨٣. وأخرجه (خ) في ١٦٩٥ "الحجّ" و ٢٧٥٤ "الوصايا" و"الأدب" ٦١٥٩ (م) في "الحج" ١٣٢٢، وشرحه يعلم من شرح حديث أبي هريرة ﵁ الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 12814
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٧٥ - (رُكُوبُ الْبَدَنَةِ لِمَنْ جَهَدَهُ الْمَشْيُ)
٢٨٠١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى,, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ,, قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ, عَنْ ثَابِتٍ, عَنْ أَنَسٍ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , رَأَى رَجُلاً يَسُوقُ بَدَنَةً, وَقَدْ جَهَدَهُ الْمَشْيُ, قَالَ: «ارْكَبْهَا» , قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ, قَالَ: «ارْكَبْهَا, وَإِنْ كَانَتْ بَدَنَةً»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال الإسناد عندهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة.
و"خالد": هو ابن الحارث الهجيميّ البصريّ. و"حميد": هو الطويل البصريّ. و"ثابت": هو البنانيّ البصريّ. والسند مسلسل بالبصريين، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أنس بن مالك ﵁، أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) من الأحاديث، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، مات سنة (١) أو (٢) أو (٩٣)، وقد جاوز مائة سنة. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث متّفق عليه، وشرحه يعلم من شرح حديث أبي هريرة ﵁ الماضي. وقوله: "وقد جهده المشي": أي شقّ عليه، وأضرّ به. يقال: جهده الأمر، والمرض، من باب نَفَع جَهْدًا: إذا بلغ منه المشقّة، ومنه جهد البلاء. قاله الفيّوميّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٧٦ - (رُكُوبُ الْبَدَنَةِ بِالْمَعرُوفِ)
٢٨٠٢ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ, قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ, يُسْأَلُ عَنْ رُكُوبِ الْبَدَنَةِ, فَقَالَ:
стр. 12815
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: "ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ، إِذَا أُلْجِئْتَ إِلَيهَا، حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عمرو بن عليّ) الفلاّس الصيرفيّ، أبو حفص البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/ ٤.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطّان، أبو سعيد البصريّ، ثقة ثبت إمام [٩] ٤/ ٤.
٣ - (ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، نسب لجدّ، الأمويّ مولاهم، أبو الوليد، وأبو خالد المكيّ، ثقة فقيه فاضل، يدلس، ويرسل [٦] ٢٨/ ٣٢.
٤ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] ٣١/ ٣٥.
٥ - (جابر بن عبد اللَّه) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٣١/ ٣٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، غير شيخه، ويحيى، فبصريان. (ومنها): أن فيه جابر بن عبد اللَّه ﵄ من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن أبي الزبير -رحمه اللَّه تعالى-، أنه (قال: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) - رضي اللَّه تعالى - عنهما (يُسْأَلُ عَنْ رُكُوبِ الْبَدَنَةِ) ببناء الفعل للمفعول، وفي رواية لمسلم: "عن أبي الزبير، قال: سألت جابرًا عنَ ركوب الهدي … " الحديث. فتبيّن أن السائل المبهم في رواية المصنّف هو أبو الزبير نفسه (فَقَالَ) جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ ، يَقُولُ: (ارْكَبْهَا بِالْمَعرُوفِ) أي بالخير، والرفق، والإحسان. قال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: يعني بالرفق في الركوب، والسير على الوجه المعروف، من غير عنف، ولا إفحاش. انتهى (١) (إِذَا أُلْجِئْتَ إِلَيْهَا) بالبناء للمفعول، يقال: ألجأته إلى كذا, ولَجَّأته بالهمزة، والتضعيف: اضطررته، وأكرهته. أفاده الفيّوميّ. والمعنى هنا: أي إذا اضطُرِرت إلى ركوبها (حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا) قال ابن الأثير: الظهر: الإبل التي يُحمل عليها، وتركب، يقال: عند فلان ظهر: أي إبلٌ، وتُجمع على ظُهران بالضمّ انتهى (٢). وفي "اللسان": الظهر: الرِّكاب التي تحمل الأثقال في السفر؛ لحملها إياها على ظُهُورها انتهى.