← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 12811–12850 · переход к 12816.

стр. 12811

بالعارية. وحكى ابن المنذر عن الشافعيّ أنه قال: له أن يحمل المعيي، والمضطرّ على هديه. ونقل القاضي عياض الإجماع على منع إجارتها؛ لأنها بيع للمنافع. (ومنها): أن بعضهم ألحق بالهدايا في ذلك الضحايا، فله أن يركبها إذا احتاج إلى ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم ركوب الهدايا: اختلفوا في هذا على مذاهب: (أحدها): الجواز مطلقًا. حكاه ابن المنذر عن عروة بن الزبير، وأحمد، وإسحاق. وكذا حكاه النوويّ في "شرحي مسلم، والمهذب" عنهم، وعن مالك في رواية, وعن أهل الظاهر. وحكاه الخطابيّ عن أحمد، وإسحاق، وصرّح عنهما بأنهما لم يشترطا منه حاجة إليه. وهذا هو الذي جزم به الرافعيّ، والنوويّ في "الروضة" في "كتاب الضحايا". وحكاه النوويّ في "شرح المهذّب" عن الماورديّ، والقفال. (الثاني): الجواز بشرط الاحتياج لذلك، ولا يركبها من غير حاجة. قال النوويّ في "شرح مسلم": إنه مذهب الشافعيّ، ونقله في "شرح المهذّب" عن تصريح الشيخ أبي حامد، والبندنيجيّ، والمتولّي، وصاحب "البيان"، وآخرين، قال: وهو ظاهر نصّ الشافعيّ، فإنه قال: يركب الهدي إذا اضطرّ إليه. وتقييد الجواز بشرط الحاجة هو المشهور من مذهب مالك، وأحمد. وجزم المجد ابن تيمية في "المحرّر" بجواز ركوبها مع الحاجة ما لم يضر بها، وبهذا قال ابن المنذر، وجماعة، ورواه ابن أبي شيبة عن الحسن البصريّ، وعروة بن الزبير، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد، وحكاه الترمذيّ عن الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق. (الثالث): الجواز بشرط الاضطرار لذلك، نقله ابن المنذر عن الشافعيّ، فقال: وقال الشافعيّ: يركبها إذا اضطرّ ركوبًا، غير قادح، ولا يركبها إلا من ضرورة. وكذا حكى الخطابيّ عن الشافعيّ، ورواه مالك في "الموطإ" عن عروة بن الزبير. وقال ابن المنذر في "الإشراف": وقال أصحاب الرأي: لا يركبها، وإن احتاج، ولم يجد منه بدًّا حمل عليه، وركبه. وروى ابن أبي شيبة عن الشعبيّ، قال: لا يركب البدنة، ولا يحمل عليها إلا مِنْ أَمْرٍ لا يجد منه بدًّا. وحكاه الخطابيّ عن الثوريّ. وقال ابن عبد البرّ: الذي ذهب إليه مالك، وأبو حنيفة، والشافعيّ، وأصحابهم، وأكثر الفقهاء كراهية ركوب الهدي من غير ضرورة انتهى. (الرابع): منع ركوبها مطلقًا. قال ابن المنذر: وقال الثوريّ في قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ قال: الولد، واللبن، والركوب، فإذا سُمِّيت بدنًا ذهبت المنافع. وروى ابن أبي

стр. 12812

شيبة عن مجاهد: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قال: في ألبانها، وظهورها، وأوبارها حتى تسمّى بدنًا، فإذا سميت بدنًا فمحلها إلى البيت العتيق. (الخامس): وجوب ركوبها، حكاه القاضي عياض، وابن عبد البرّ عن بعض أهل الظاهر؛ تمسكًا بظاهر الأمر، ولخالفة ما كانوا عليه في الجاهلية من البحيرة، والسائبة. قال الحافظ وليّ الدين: فمن قال بالجواز مطلقًا تمسّك بظاهر هذا الحديث، فإنه ﷺ أمر بذلك، والأمر هنا للإباحة، ولم يقيّد ذلك بشيء، ومن قيّد الجواز بالحاجة، أو الضرورة قال: هذه واقعة محتملة، وقد دلّت رواية أخرى على أن هذا الرجل كان محتاجا للركوب، أو مضطرًّا له. روى النسائيّ عن أنس ﵁ أن النبيّ ﷺ رأى رجلاً يسوق بدنة، وقد جهده المشي قال: "اركبها … " الحديث (١)، وفي "صحيح مسلم" عن أبي الزبير، قال: سمعت جابر بن عبد اللَّه سئل عن ركوب الهدي، فقال: سمعت النبيّ ﷺ يقول: "اركبها بالمعروف، إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرًا" (٢). ورواه مسلم أيضًا من هذا الوجه بدون قوله: "إذا ألجئت إليها". ومن منع مطلقًا، فهذا الحديث حجة عليه، ولعله لم يبلغه، ولعل أحدًا لم يقل بهذا المذهب، ويكون معنى قول الثوريّ: ذهبت المنافع، أي بالملك، وإن بقيت بالارتفاق. ومن أوجب فإنه حمل الأمر على الوجوب، ووجهه أيضًا مخالفة ما كانت الجاهليّة عليه من إكرام البَحِير، والسائبة، والوصيلة، والحامي، وإهمالها بلا ركوب. ودليل الجمهور أنه ﷺ أهدى، ولم يركب هدية، ولم يأمر الناس بركوب الهدايا. انتهى كلام وليّ الدين ببعض تصرّف (٣). قال الحافظ: وفيه نظر؛ لما تقدّم من حديث عليّ ﵁، وله شاهد مرسل عند سعيد بن منصور بإسناد صحيح، ورواه أبو داود في "المراسيل" عن عطاء: "كان النبيّ ﷺ يأمر بالبدنة إذا احتاج إليها سيدها أن يحمل عليها، ويركبها غير منهكها، قلت: ماذا؟ قال: الرجل الراجل، والمتبع السير، فإن نُتجت حمل عليها ولدها". ولا يمتنع القول بوجوبه إذا تعيّن طريقًا إلى إنقاذ مهجة إنسان من الهلاك. انتهى كلام الحافظ.

стр. 12813

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- من وجوب الركوب عند شدة الحاجة حسنٌ جدًّا. والحاصل أن ركوب الهدي بالمعروف جائز عند الاضطرار حتى تزول الضرورة، والدليل على اعتبار هذه القيود حديث جابر ﵁ عند مسلم، والآتي للمصنّف بعد باب: "اركبها بالمعروف إذ أُلجئت إليها حتى تجد ظهرًا"، فإن مفهومه أنه يركبها بلا إلحاق ضرر بها، إذا كان هو مضطرًّا لركوبها، وأنه إذا وجد غيرها تركها. ثم إنه إذا كان يخاف على نفسه إن لم يركب كان ركوبها واجبًا عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: قال في "الفتح": واختلف المجيزون، هل يحمل عليها متاعه؟ فمنعه مالك، وأجازه الجمهور. وهل يحمل عليها غيره؟ أجازه الجمهور أيضًا على التفصيل المتقدّم. ونقل القاضي عياض الإجماع على أنه لا يؤجرها. وقال الطحاويّ في "اختلاف العلماء": قال أصحابنا، والشافعيّ: إن احتلب منها شيئًا تصدّق به، فإن أكله تصدّق بثمنه، ويركب إذا احتاج، فإن نقصه ذلك ضمن. وقال مالك: لا يشرب من لبنه، فإن شرب لم يَغرَم، ولا يركب إلا عند الحاجة، فإن ركب لم يغرم. وقال الثوريّ: لا يركب إلا إذا اضطرّ. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ٢٨٠٠ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (٢) عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ أَنَسٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , رَأَى رَجُلاً يَسُوقُ بَدَنَةً, فَقَالَ: «ارْكَبْهَا» , قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ, قَالَ: «ارْكَبْهَا» , قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ, قَالَ فِي الرَّابِعَةِ: «ارْكَبْهَا وَيْلَكَ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"إسحاق بن إبراهيم": هو ابن راهويه. و"عبدة": هو ابن سليمان. و"سعيد": هو ابن أبي عروبة. والحديث متفق عليه، أخرجه المصنف هنا -٧٤/ ٢٨٠٠ و ٧٥/ ٢٨٠١ - وفي "الكبرى" ٧٣/ ٣٧٨٢ و ٧٤/ ٣٧٨٣. وأخرجه (خ) في ١٦٩٥ "الحجّ" و ٢٧٥٤ "الوصايا" و"الأدب" ٦١٥٩ (م) في "الحج" ١٣٢٢، وشرحه يعلم من شرح حديث أبي هريرة ﵁ الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 12814

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٧٥ - (رُكُوبُ الْبَدَنَةِ لِمَنْ جَهَدَهُ الْمَشْيُ) ٢٨٠١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى,, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ,, قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ, عَنْ ثَابِتٍ, عَنْ أَنَسٍ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , رَأَى رَجُلاً يَسُوقُ بَدَنَةً, وَقَدْ جَهَدَهُ الْمَشْيُ, قَالَ: «ارْكَبْهَا» , قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ, قَالَ: «ارْكَبْهَا, وَإِنْ كَانَتْ بَدَنَةً»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال الإسناد عندهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"خالد": هو ابن الحارث الهجيميّ البصريّ. و"حميد": هو الطويل البصريّ. و"ثابت": هو البنانيّ البصريّ. والسند مسلسل بالبصريين، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أنس بن مالك ﵁، أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) من الأحاديث، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، مات سنة (١) أو (٢) أو (٩٣)، وقد جاوز مائة سنة. واللَّه تعالى أعلم. والحديث متّفق عليه، وشرحه يعلم من شرح حديث أبي هريرة ﵁ الماضي. وقوله: "وقد جهده المشي": أي شقّ عليه، وأضرّ به. يقال: جهده الأمر، والمرض، من باب نَفَع جَهْدًا: إذا بلغ منه المشقّة، ومنه جهد البلاء. قاله الفيّوميّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٧٦ - (رُكُوبُ الْبَدَنَةِ بِالْمَعرُوفِ) ٢٨٠٢ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ, قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ, يُسْأَلُ عَنْ رُكُوبِ الْبَدَنَةِ, فَقَالَ:

стр. 12815

سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: "ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ، إِذَا أُلْجِئْتَ إِلَيهَا، حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عمرو بن عليّ) الفلاّس الصيرفيّ، أبو حفص البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/ ٤. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطّان، أبو سعيد البصريّ، ثقة ثبت إمام [٩] ٤/ ٤. ٣ - (ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، نسب لجدّ، الأمويّ مولاهم، أبو الوليد، وأبو خالد المكيّ، ثقة فقيه فاضل، يدلس، ويرسل [٦] ٢٨/ ٣٢. ٤ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] ٣١/ ٣٥. ٥ - (جابر بن عبد اللَّه) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٣١/ ٣٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، غير شيخه، ويحيى، فبصريان. (ومنها): أن فيه جابر بن عبد اللَّه ﵄ من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث عن أبي الزبير -رحمه اللَّه تعالى-، أنه (قال: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) - رضي اللَّه تعالى - عنهما (يُسْأَلُ عَنْ رُكُوبِ الْبَدَنَةِ) ببناء الفعل للمفعول، وفي رواية لمسلم: "عن أبي الزبير، قال: سألت جابرًا عنَ ركوب الهدي … " الحديث. فتبيّن أن السائل المبهم في رواية المصنّف هو أبو الزبير نفسه (فَقَالَ) جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ ، يَقُولُ: (ارْكَبْهَا بِالْمَعرُوفِ) أي بالخير، والرفق، والإحسان. قال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: يعني بالرفق في الركوب، والسير على الوجه المعروف، من غير عنف، ولا إفحاش. انتهى (١) (إِذَا أُلْجِئْتَ إِلَيْهَا) بالبناء للمفعول، يقال: ألجأته إلى كذا, ولَجَّأته بالهمزة، والتضعيف: اضطررته، وأكرهته. أفاده الفيّوميّ. والمعنى هنا: أي إذا اضطُرِرت إلى ركوبها (حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا) قال ابن الأثير: الظهر: الإبل التي يُحمل عليها، وتركب، يقال: عند فلان ظهر: أي إبلٌ، وتُجمع على ظُهران بالضمّ انتهى (٢). وفي "اللسان": الظهر: الرِّكاب التي تحمل الأثقال في السفر؛ لحملها إياها على ظُهُورها انتهى.

стр. 12816

والمعنى اركب البدنة إلى أن تجد راحلة ليست هديًا، فتركبَها بدلاً عن ركوب هديك. واللَّه تعالى أعلم. قال السنديّ: وهل بعد أن ركب اضطرارًا له المداومة على الركوب، أو لا بدّ من النزول إذا رأى قوّة على المشي، قولان. وقد يؤخذ من قوله: "حتى تجد ظهرًا" ترجيح القول الأول، وقد يُمنَعُ ذلك بأنها ليست غاية لمداومة البركوب عليها، بل هي غاية لجواز الركوب كلما أُلجىء إليه، أي له أن يركب كلما ألجىء إلى أن يجد ظهرًا، فليتأمّل انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث جابر بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٧٦/ ٢٨٠٢ - وفي "الكبرى" ٧٥/ ٣٧٨٤. وأخرجه (م) في "الحجّ" ١٣٢٤ (د) في "المناسك" ١٧٦١. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٧٧ - (إِبَاحَةُ فَسْخِ الْحَجِّ بِعُمْرَةٍ لِمَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: معنى فسخ الحجّ هو أن من أحرم بالحجّ مفردًا، أو قارنا, ولم يسق الهدي، وطاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة قبل الوقوف بعرفة يفسخ نيته بالحج، وينوي عمرة مفردة، فيقصّر، ويحلّ من إحرامه، ثم يحجّ؛ ليصير متمتعًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٨٠٣ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ, عَنْ جَرِيرٍ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنِ

стр. 12817

الأَسْوَدِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وَلَا نُرَى إِلاَّ الْحَجَّ, فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ, طُفْنَا بِالْبَيْتِ, أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ, أَنْ يَحِلَّ, فَحَلَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ, وَنِسَاؤُهُ لَمْ يَسُقْنَ, فَأَحْلَلْنَ, قَالَتْ عَائِشَةُ: فَحِضْتُ, فَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ, فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ, قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, يَرْجِعُ النَّاسُ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ, وَأَرْجِعُ أَنَا بِحَجَّةٍ, قَالَ: «أَوَمَا كُنْتِ طُفْتِ لَيَالِيَ قَدِمْنَا مَكَّةَ؟» , قُلْتُ: لَا, قَالَ: «فَاذْهَبِي مَعَ أَخِيكِ إِلَى التَّنْعِيمِ, فَأَهِلِّي بِعُمْرَةٍ, ثُمَّ مَوْعِدُكِ مَكَانُ كَذَا وَكَذَا»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن قُدامة) بن أعين الهاشميّ مولاهم المصّيصيّ، ثقة [١٠] ١٣٧/ ٢١٤. ٢ - (جرير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبّيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب، قيل: كان يَهِم من حفظه [٨] ٢/ ٢. ٣ - (منصور) بن المعتمر السلميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقة ثبت [٦] ٢/ ٢. ٤ - (إبراهيم) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقة فقيه، يرسل كثيرًا [٥] ٢٩/ ٣٣. ٥ - (الأسود) بن يزيد النخعيّ، أبو عمرو الكوفيّ، مخضرم ثقة مكثر فقيه [٢] ٢٩/ ٣٣. ٦ - (عائشة) بنت الصدّيق - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو، وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فمصّيصيّ، وعائشة ﵂ فمدنية. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه رواية الراوي عن خاله، فالأسود خال لإبراهيم، فإن أمه مليكة بنت يزيد، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) من الأحاديث. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: خَرَجْنَا) أي من المدينة (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) وتقدم في -١٦/ ٢٦٥٠ - أنها قالت: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ لخمس بقين من ذي القعدة … " (وَلَا نُرَى إِلاَّ الْحَجَّ) بضم النون، ألا نظنّ، وبفتحها، وهو أقرب، أي لا نعزم، ولا ننوي (فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ، طُفْنَا بالْبَيْتِ) المراد طواف الصحابة غيرها، وإلا فهي حائض، لم تطف، كما يأتي قريبًا. وجمَلة "طفنا" جواب "لمّّا" (أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ

стр. 12818

- ﷺ ) هكذا نسخ "المجتبى" بدون عاطف، والجملة مستأنفة جوابًا لسؤال مقدر، كأن سائلاً قال: فبماذا أمر رسول اللَّه ﷺ ، فأجابت بقولها: "أمر رسول اللَّه ﷺ الخ". وفي "الكبرى": "فأمر رسول اللَّه ﷺ " بالفاء العاطفة، وهو واضح. (مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ، أَنْ يَحِلَّ) بضم أوله، من الإحلال، أو من الحلّ، ويؤيّد الثاني قوله (فَحَلَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ) أي تحلّل الذين لم يسوقوا الهدي بعمل العمرة، وهذا محلّ الترجمة، ففيه إباحة فسخ الحجّ بعمل العمرة لمن لم يسق الهدي، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسألة الآتية، إن شاء اللَّه تعالى (وَنِسَاؤُهُ لَمْ يَسُقْنَ) أي الهدي (فَأحْلَلْنَ) أي بعمل العمرة، وعائشة منهن، لكنها لم تحلل من أجل حيضها، كما أوضحه قولها: "فلم أطف بالبيت" (قَالَتْ عَائِشَةُ: فَحِضْتُ) أي بسرف، كما تقدم (فَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ) أي لنهي النبيّ ﷺ لها عن ذلك حتى تطهر (فَلَمَّا كَانَتْ لَيلَةُ الْحَصْبَةِ) بفتح الحاء، وسكون الصاد المهملتين: هي الليلة التي بعد أيام التشريق، وسميت بذلك لأنهم نفروا من منى، فنزلوا في المحصّب، وباتوا به. قاله النوويّ (١) (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَرْجِعُ النَّاسُ بعُمْرَة وَحَجَّةٍ) أي بعمرة مفردة، وحجة مفردة (وَأَرْجِعُ أَنَا بِحَجَّةٍ) هي الحجة التي أدخلتهَا على عمرتها قبل أن تحلل لأجل حيضها، فصارت قارنة، ودخلت أفعال العمرة في الحجة، فأرادت أن تعتمر عمرة مفردة كسائر أمهات المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنهنّ - (قَالَ) ﷺ (أَوَ مَا كُنْتِ طُفْتِ لَيَالِيَ قَدِمْنا مَكَّةَ؟) لعله ﷺ نسي كونها حائضًا، وإلا فقد أخبرته في أول حيضتها، فأمر أن تبقى على إحرامها غير أن لا تطوف بالبيت (قُلْتُ: لَا) أي لم أطف لأجل الحيض (قَالَ) ﷺ (فَاذْهَبِي مَعَ أَخِيكِ) عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق، شقيقها - رضي اللَّه تعالى عنهم - (إِلَى التَّنْعِيمِ) بفتح المثناة، وسكون النون، وكسر المهملة: موضع معروف خارج مكة، وهو على أربعة أميال من مكة إلى جهة المدينة، كما نقله الفاكهيّ. وقال المحبّ الطبريّ: التنعيم أبعد من أدنى الحلّ إلى مكة بقليل، وليس بطرف الحلّ، بل بينهما نحو من ميل، ومن أطلق عليه أدنى الحلّ، فقد تجوّز. قال الحافظ: أو أراد بالنسبة إلى بقية الجهات. وروى الفاكهيّ من طريق عبيد بن عمير، قال: إنما سمي التنعيم لأن الجبل الذي عن يمين الداخل يقال له: ناعم، والذي عن اليسار يقال له: منعم، والوادي نعمان. وروى الأزرقي من طريق ابن جريج، قال: رأيت عطاء يصف الموضع الذي اعتمرت منه عائشة، قال: فأشار إلى الموضع الذي ابتنى فيه محمد بن عليّ بن شافع المسجد الذي

стр. 12819

وراء الأكمة، وهو المسجد الخرب. ونقل الفاكهيّ عن ابن جريج وغيره أن ثَمَّ مسجدين يزعم أهل مكة أن الخرب الأدنى من الحرم هو الذي اعتمرت منه عائشة. وقيل: هو المسجد الأبعد على الأكمة الحمراء. ورجحه المحبّ الطبريّ. وقال الفاكهيّ: لا أعلم إلا أني سمعت ابن أبي عمر يذكر عن أشياخه أن الأول هو الصحيح عندهم. قاله في "الفتح" (١) (فَأهِلَّي بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ مَوْعِدُكِ) أي محلّ الوعد للقاء (مَكَانُ كَذَا وَكَذَا) هو المحصّب الذي تقدّم ذكره، ففي رواية البخاريّ من طريق القاسم، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "فنزلنا المحصّب، فدعا عبد الرحمن، فقال: "اخرج بأختك الحرم، فلتهلّ بعمرة، ثم افرغا من طوافكما، أنتظركما ههنا … " الحديث. فدلّ على أن الموعد هو المحصّب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدّم في -١٦/ ٢٦٥٠ - وتقدم بيان مسائله هناك، وقد بقي هنا الكلام فيما ترجم له المصنّف ﵀ تَعَالَي-، فأقول: [مسألة]: في بيان اختلاف أهل العلم في حكم فسخ الحج بعمل العمرة لمن لم يسق الهدي: اختلفوا في هذا الفسخ، هل هو خاصّ بالصحابة تلك السنة، أم عامّ لهم ولغيرهم إلى يوم القيامة؟. فذهب أحمد، والظاهريّة، وعامّة أهل الحديث إلى أنه ليس خاصًّا، بل هو باق إلى يوم القيامة، فيجوز لكلّ من أحرم بحجّ مفردًا، أو قارنًا, وليس معه هديٌ أن يقلب إحرامه عمرة، ويتحلّل بأعمالها. وذهب مالك، والشافعيّ، وأبو حنيفة، وجماهير العلماء، من السلف والخلف إلى أنه مختصّ بهم في تلك السنة، لا يجوز بعدها، وإنما أمروا به تلك السنة ليخالفوا ما كانت عليه الجاهليّة، من تحريم العمرة في أشهر الحجّ. واستدلّ للجمهور بحديث أبي ذرّ ﵁ عند مسلم: "قال: كانت المتعة في الحجّ لأصحاب محمد ﷺ خاصّة"، وفي رواية: "قال: كانت لنا رخصة" يعني المتعة في الحجّ، ومراد أبي ذرّ ﵁ بالمتعة المذكورة المتعة التي أمر النبيّ ﷺ بها أصحابه، وهي فسخ الحج إلى العمرة، واستدلوا على أن الفسخ المذكور هو مراد أبي ذرّ ﵁

стр. 12820

بما رواه أبو داود بسنده أن أبا ذرّ ﵁ كان يقول فيمن حجّ، ثم فسخها بعمرة: لم يكن ذلك إلا للركب الذين كانوا مع رسول اللَّه ﷺ ، قالوا: فهذه الرواية فيها التصريح من أبي ذرّ بفسخ الحجّ بالعمرة، وهي تفسير مراده بالمتعة في رواية مسلم. وردّ عليهم بأن هذه الرواية ضعيفة؛ لأن في سندها محمد بن إسحاق، وهو مدلس، وقد رواه بالعنعنة. واستدلوا أيضًا بما رواه أحمد، وأبو داود، والنسائيّ (١)، وابن ماجه، والدارميّ من طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن الحارث بن بلال بن الحارث، عن أبيه، قال: قلت: يا رسول اللَّه، فسخ الحجّ لنا خاصّة، أم للناس عامة؟، قال: "بل لكم خاصّة". وردّ عليهم بأنه ضعيف أيضًا لجهالة الحارث بن بلال. وقال أحمد -رحمه اللَّه تعالى-: حديث بلال بن الحارث عندي ليس يثبت، ولا أقول به، ولا يُعرف هذا الرجل -يعني الحارث بن بلال- قال: وقد روى فسخ الحجّ إلى العمرة أحد عشر صحابيًّا، أين يقع الحارث بن بلال منهم؟. وأيضا حديث أبي ذرّ ﵁ موقوف عليه، وليس بمرفوع، وللاجتهاد فيه مجال، فلا يصلح لمعارضة الأحاديث المرفوعة الصحيحة الصريحة في ذلك. والحاصل أن أدلّة القائلين بمشروعية الفسخ قويّة صريحة لا تحتمل التأويل، فوجب القول بها، فالحقّ أنه مشروع إلى يوم القيامة. واللَّه تعالى أعلم. ثم اختلف القائلون بالفسخ في حكمه، هل هو واجب، أم مستحبّ؟: فذهب الإمام أحمد إلى أنه مستحبّ، ومال فريق إلى أنه واجب، وبه قال ابن حزم، وابن القيّم، قال ابن حزم: وهو قول ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وإسحاق. واستدلّوا بما رواه أحمد، وابن ماجه، وأبو يعلى، واللفظ لأحمد -١٨٠٥٢ - من حديث البراء بن عازب - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: خرج رسول اللَّه ﷺ وأصحابه، قال: فأحرمنا بالحج، فلما قدمنا مكة، قال: "اجعلوا حجكم عمرة"، قال: فقال الناس: يا رسول اللَّه، قد أحرمنا بالحج، فكيف نجعلها عمرة؟، قال: "انظروا ما آمركم به، فافعلوا"، فردوا عليه القول، فغضب، ثم انطلق، حتى دخل على عائشة غضبان، فرأت الغضب في وجهه، فقالت: من أغضبك؟، أغضبه اللَّه، قال: "وما لي لا أغضب، وأنا آمر بالأمر، فلا أتبع". قال ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-: ونحن نشهد اللَّه علينا، أنا لو أحرمنا بحجّ لرأينا

стр. 12821

فرضًا علينا فسخه إلى عمرة، تفاديا من غضب رسول اللَّه ﷺ ، واتباعًا لأمره، فواللَّه ما نسخ هذا في حياته، ولا بعده، ولا صحّ حرف واحد يعارضه، ولا خصّ به أصحابه، دون من بعدهم، بل أجرى اللَّه على لسان سراقة أن سأله هل ذلك مختصّ بهم؟، فأجابه بأن ذلك كائن لأبد الأبد، فما ندري ما يقدم على هذه الأحاديث، وهذا الأمر المؤكّد الذي غضب رسول اللَّه ﷺ على من خالفه. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد أطال ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى- في "الهدي" نفسه في تحقيق هذا المقام، وإيضاحه أتم إيضاح بما لا تراه في كتاب غيره، فعليك بمراجعته ٢/ ١٨٠ - ٢٢٣. والحاصل أن الأرجح وجوب فسخ الحجّ بعمل العمرة لمن لم يسق الهدي ممن أحرم بالحجّ مفردًا، أو قارنًا؛ وإنما ملتُ إلى ترجيح الوجوب لتأكيد النبيّ ﷺ أمره، حيث غضب على الصحابة في توقفهم، كما تقدّم في حديث البراء - رضي اللَّه تعالى - عنه، فلو كان الأمر للندب لكان الصحابة مخيّرين بين فعله وتركه، ولما كان ﷺ يغضب عليهم عند مخالفتهم له؛ لأنه لا يغضب إلا حيث تُنتهك حرمات اللَّه تعالى، لا لمجرد مخالفة ما أرشد إليه على جهة الندب، ولا سيّما وقد قالوا له: قد أحرمنا بالحجّ، فكيف نجعلها عمرة؟، فقال لهم: "انظروا ما آمركم به، فافعلوا"، فإن ظاهر هذا أن ذلك الأمر حتم لازم؛ إذ لو كان لبيان الأفضل، أو لقصد الترخيص لهم لبيّن لهم بعد هذه المراجعة، بأن يقول لهم: إن ما أمرتكم به هو الأفضل، أو قال لهم: إني أردت الترخيص لكم، والتخفيف عنكم. وخلاصة الأمر أن من لم يسق الهدي عليه أن يتحلل بعمل العمرة، ثم ينشىء الحجّ يوم التروية من مكة، كما أمر النبيّ ﷺ بذلك أمرًا مبرمًا جازمًا مطلقًا عامًّا إلى يوم القيامة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨٠٤ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ يَحْيَى, عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , لَا نُرَى إِلاَّ أَنَّهُ الْحَجُّ, فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ, أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ, أَنْ يُقِيمَ عَلَى إِحْرَامِهِ, وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ أَنْ يَحِلَّ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"يحيى" الأول هو القطّان، والثاني هو الأنصاريّ.

стр. 12822

وقولها: "إلا أنه الحجّ" الضمير للنسك الذي أهلّوا به. واللَّه تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم البحث فيه مستوفًى في الحديث الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨٠٥ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ, عَنْ جَابِرٍ, قَالَ: أَهْلَلْنَا أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْحَجِّ, خَالِصًا, لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ, خَالِصًا وَحْدَهُ, فَقَدِمْنَا مَكَّةَ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ, مَضَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ, فَأَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ , فَقَالَ: «أَحِلُّوا, وَاجْعَلُوهَا عُمْرَةً» , فَبَلَغَهُ عَنَّا أَنَّا نَقُولُ: لَمَّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ, إِلاَّ خَمْسٌ, أَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ فَنَرُوحَ إِلَى مِنًى, وَمَذَاكِيرُنَا تَقْطُرُ مِنَ الْمَنِيِّ, فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ , فَخَطَبَنَا, فَقَالَ: «قَدْ بَلَغَنِي الَّذِي قُلْتُمْ, وَإِنِّي لأَبَرُّكُمْ, وَأَتْقَاكُمْ, وَلَوْلَا الْهَدْيُ لَحَلَلْتُ, وَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي, مَا اسْتَدْبَرْتُ, مَا أَهْدَيْتُ» , قَالَ: وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ, فَقَالَ: «بِمَا أَهْلَلْتَ؟» , قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ , قَالَ: «فَأَهْدِ, وَامْكُثْ حَرَامًا, كَمَا أَنْتَ» , قَالَ: وَقَالَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَرَأَيْتَ عُمْرَتَنَا هَذِهِ, لِعَامِنَا هَذَا, أَوْ لِلأَبَدِ؟ , قَالَ: «هِيَ لِلأَبَدِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يعقوب بن إبراهيم) بن كثير الدَّوْرقيّ، أبو يوسف البغداديّ، ثقة حافظ [١٠] ٢١/ ٢٢. ٢ - (ابن عليّة) هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسم، أبو بشر البصريّ، ثقة ثبت [٨] ١٨/ ١٩. ٣ - (عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة فقيه فاضل، كثر الإرسال [٣] ١١٢/ ١٥٤، والباقيان تقدّما قبل باب. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين من ابن جريج. (ومنها): أن فيه جابرًا - رضي اللَّه تعالى عنه - من المكثرين السبعة روى (١٥٤٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ جَابِر) بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: أَهْلَلْنَا) أي رفعنا أصواتنا بالتلبية (أَصْحَابَ النَّبِيَّ ﷺ ) بالنصب على الاختصاص، وتقدّم أنه بالنظر للغالب، أو بالنظر لأول الأمر، فلا تنافي بينه، وبين حديث: "فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحجة

стр. 12823

وعمرة، ومنا من أهل بالحج … الحديث (بالْحَجِّ خَالِصًا، لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ) هذا بيان لمعنى "خالصًا". وقوله (خَالِصًا وَحْدَهُ) مؤكّد لما قَبله (فقَدِمْنَا مَكَّةَ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ، مَضَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ) يعني أنهم وصلوا إلى مكة صباح الليلة الرابعة التي مضت من شهر ذي الحجة، وتلك الصبيحة صبيحة يوم الأحد (فَأمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: "أَحِلُّوا، وَاجْعَلُوهَا عُمرَةً) أي اجعلوا الحجة التي قدمتم بها عمرة، بأن تطوفوا، وتسعوا، وتقصروا، وتتحللوا (فَبَلَغَهُ عَنَّا أَنّا نَقُولُ: لَمَّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ، إِلَّا خَمْسٌ) أي خمس ليال، وهي ليالي: الاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، الجمعة (أَمَرَنَا أَنْ نَحِلِّ) بضم أوله، وفتحه (فَنَرُوحَ إِلَى مِنًى، وَمَذَاكِيرُنَا تَقْطُرُ مِنَ الْمَنِيِّ) هذا كناية عن قرب جماع النساء (فَقَامَ النبيُّ ﷺ ، فَخَطَبَنَا، فَقَالَ: قَدْ بَلَغَنِي الَّذِي قُلْتُمْ) أي من قولهم: لما لم يكن الخ (وَإِنِّي لأبَرُّكُمْ) أي أطوعكم للَّه تعالى (وَأَتْقَاكم) له سبحانه (وَلَوْلا الْهَدْيُ لَحَلَلْتُ) أي لولا سوقي الهدي معي من المدينة (وَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي، مَا استَدْبَرْتُ) أي لو علمت في ابتداء شروعي ما علمته الآن من لحوق المشقّة بكم بانفرادكم بالفسخ، حتى توقفتم، وترددتم، وراجعتموني في ذلك (مَا أَهدَيْتُ") جواب "لولا"، أي ما سقت الهدي معي، بل أهللت بحج، ثم فسخت معكم، وهذا قاله ﷺ تشجيعًا لهم على امتثال أمره. (قَالَ) جابر ﵁ (وَقَدِمَ عَليِّ) ابن أبي طالب ﵁ (مِنَ الْيَمَنِ، فَقَالَ) له النبيّ ﷺ ("بِمَا أَهْلَلْتَ؟ ") "ما" استفهامية، وثبتت ألفها مع الجارّ على قلّة. [فائدة]: القاعدة في "ما" الاستفهاميّة عند الجمهور وجوب حذف ألفها إذا كانت مجرورة، كما في قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾، قال ابن مالك -رحمه اللَّه تعالى- في "الخلاصة": و"مَا" فِي الاسْتِفْهَامِ إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ … أَلِفُهَا وَأَوْلِهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ وقد تثبت بقلة، كما في قول الشاعر: عَلَى مَا قَامَ يَشْتِمُنِي لَئِيمٌ … كخِنْزِيرٍ تَمَرَّغَ فِي الرَّمَادِ وحكاه الأخفش لغة -رحمه اللَّه تعالى-، (١)، وإليه ذهب الفرّاء -رحمه اللَّه تعالى- في كتابه "معاني القرآن"، حيث أعرب "ما" في قوله تعالى: ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ استفهاميّة، قال: وقد أتمّها الشاعر، وهي استفهاميّة، فقال [من البسيط]: إِنَّا قَتَلْنَا بِقَتْلَانَا سَرَاتَكُمْ … أَهْلَ اللَّوَاءِ فَفِيمَا يَكْثُرُ الْقِيلُ (٢)

стр. 12824

واللَّه تعالى أعلم. (قَالَ) عليّ ﵁ (بمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ) "ما" هنا موصولة، أي بمثل الإهلال الذي أهلّ به رسول اللَّه ﷺ . وفيه جواز تعليق الإحرام بإحرام غيره، كأن يقول: أهللت بما أهلّ به فلان، وقد تقدم البحث عنه مستوفًى (قَالَ) ﷺ (فَأَهْدِ) أي انحر هديًا؛ لأنه واجب عليك، لكونك قارنا، وفيه وجوب الهدي على القارن، وفيه ردّ على ابن حزم، حيث قال: لا يجب الهدي على القارن، وإنما هو على المتمتّع؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ الآية. والظاهر أنه ما انتبه لهذه الرواية, وإلا لما قال ذلك. واللَّه تعالى أعلم. (وَامْكُثْ حَرَامًا) منصوب على الحال، أي حالي كونك محرمًا (كَمَا أَنْتَ) أي على ما أنت عليه، فالكاف بمعنى "على"، أو هي للتشبيه، كن في مستقبلك مثل حالك فيما مضى وقد تقدم تمام البحث في هذا (قَالَ) جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - (وَقَالَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ) بن مالك بن عمرو بن تيم بن مُدلج ابن مرّة بن عبد مناة بن كنانة الكنانيّ المدلجيّ، وقد ينسب إلى جده، يكنى أبا سفيان، كان ينزل قُدَيدًا. روى البخاريّ قصّته في إدراكه النبيّ ﷺ لَمّا هاجر إلى المدينة، ودعا النبيّ عليه حتى ساخت رجلا فرسه، ثم إنه طلب منه الخلاص، وأنه لا يدلّ عليه، ففعل، وكتب له أمانًا، وأسلم يوم الفتح، ورواها أيضًا من طريق البراء بن عازب، عن أبي بكر الصدّيق ﵁. وفي قصّة سراقة مع النبيّ ﷺ يقول سراقة مخاطبًا لأبي جهل [من الطويل]: أَبَا حَكَمٍ وَاللَّهِ لَوْ كُنْتَ شَاهِدًا … لأَمْرِ جَوَادِي إِذْ تَسُوخُ قَوَائِمُهْ عَلِمْتَ وَلَمْ تَشْكُكْ بِأنَّ مُحَمَّدًا … رَسُولٌ بِبُرْهَانٍ فَمَنْ ذَا يُقَاوِمُهْ وقال ابن عيينة، عن إسرائيل أبي موسى، عن الحسن: أن رسول اللَّه ﷺ قال لسراقة ابن مالك: "كيف بك إذا لبست سِوَارَيْ كسرى؟ "، قال: فلما أُتي عمر بسواري كسرى، ومنطقته، وتاجه، دعا سراقة، فألبسه، وكان رجلاً أزبّ (١)، كثير شعر الساعدين، فقال له: ارفع يديك، قل: اللَّه أكبر، الحمد للَّه الذي سلبهما كسرى بن هُرْمُز، وألبسهما سراقة الأعرابيّ. وروى ذلك عنه ابن أخيه عبد الرحمن بن مالك بن جعشم. وروى عنه أيضًا ابن عباس، وجابر، وسعيد ابن المسيّب، وطاوس. قال أبو عمر: مات في خلاف عثمان سنة (٢٤) وقتل من بعده عثمان (٢).

стр. 12825

(يَا رَسُولَ اللَّه، أَرَأَيْتَ) أي أخبرني (عُمْرَتَنَا هَذِهِ، لِعَامِنَا هَذَا، أَوْ لِلأَبَدِ؟) معناه: هل جواز فسخ الحجّ إلى العمرة لعامنا هذا خاصة، أم للأمة عامة إلى يوم القيامة (قَالَ) ﷺ (هِيَ لِلأَبَدِ) وفي رواية: "بل لأبد أبد" بإضافة الأول إلى الثاني، و"الأبد": الدهر، أي هذا لآخر الدهر، أو بغير الإضافة، وكرره للتأكيد. وزاد في رواية ابن الجارود، وأحمد: "ثلاث مرات". يعني أن ذلك جائز في كلّ عام، لا يختصّ بعام، دون آخر إلى يوم القيامة، وكرر ذلك ثلاثاً للتأكيد. وفي رواية لمسلم: فقام سراقة، فقال: يا رسول اللَّه، ألعامنا هذا، أم للأبد؟، فشبك أصابعه واحدة في الأخرى، وقال: "دخلت العمرة في الحجّ مرتين، لا، بل للأبد أبدًا". فتشبيكه ﷺ أصابعه إشارة إلى اشتراك كلّ الأعوام في ذلك بدون اختصاص أحدها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: قد اختَلَفَ العلماء في معنى سؤال سراقة، فقال الجمهور: معناه أن العمرة يجوز فعلها في أشهر الحجّ، إبطالاً لما كان عليه الجاهلية. وقيل: معناه جواز القران، أي دخلت أفعال العمرة في أفعال الحجّ. وقيل: معناه سقوط وجوب العمرة. قال الحافظ: وهذا ضعيف؛ لأنه يقتضي النسخ بغير دليل، وقال النوويّ: وسياق الحديث يقتضي بطلان هذا التأويل. وقال آخرون: معناه فسخ الحجّ إلى العمرة. وهذا هو الذي يؤيّده سياق الحديث، وهو الراجح. وأما قول النوويّ: إنه ضعيف، فقد رُدَّ عليه، قال الحافظ: وتُعقّب -أي كلام النوويّ- بأن سياق السؤال يقوّي هذا التأويل، بل الظاهر أن السؤال وقع عن الفسخ، والجواب وقع عما هو أعمّ من ذلك حتى يتناول التأويلات المذكورة، إلا الثالث انتهى (١). والحاصل أن الصواب أن سؤال سراقة عن فسخ الحجّ إلى العمرة، وجواب النبيّ ﷺ له واضح في ذلك كما ترى؛ لأن الجواب مطابق للسؤال. وحديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه، وقد تقدّم بيان مسائله في ٥١/ ٢٧٤٠ - واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨٠٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ, عَنْ طَاوُسٍ, عَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ, أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَرَأَيْتَ عُمْرَتَنَا هَذِهِ, لِعَامِنَا, أَمْ لأَبَدٍ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هِيَ لأَبَدٍ»).

стр. 12826

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"محمد": شيخ ابن بشار هو ابن جعفر، غندر. و"عبد الملك": هو ابن ميسرة الهلاليّ، أبو زيد العامريّ الكوفيّ الزّرّاد، ثقة [٤] ١٠٠/ ١٣٠. وشرح الحديث تقدّم في الذي قبله. وهو حديث صحيح، أخرجه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هنا ٧٧/ ٢٨٠٦ - وفي "الكبرى" ٧٦/ ٣٧٨٨ و ٣٧٨٩. وأخرجه (ق) في "المناسك" ٢٩٧٧ (أحمد) في "مسند الشاميين" ١٧١٣٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨٠٧ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ, عَنْ عَبْدَةَ, عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ, عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ, عَنْ عَطَاءٍ, قَالَ: قَالَ: سُرَاقَةُ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَتَمَتَّعْنَا مَعَهُ, فَقُلْنَا: أَلَنَا خَاصَّةً, أَمْ لأَبَدٍ؟ قَالَ: «بَلْ لأَبَدٍ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عبدة": هو ابن سليمان الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقة ثبت، من صغار [٨] ٧/ ٣٣٩. و"ابن أبي عروبة": هو سعيد. و"مالك بن دينار" الساميّ الناجيّ مولاهم الزاهد، أبو يحيى البصريّ، كان أبوه من سبي سِجِسْتان. وقيل: من كابل. صدوق عابد [٥]. قال النسائيّ: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وقال الأزدي: تَعرِف، وتُنكِر. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: كان يكتب المصاحف بالأجرة، ويتقوّت بأجرته، وكان لا يأكل شيئًا من الطيبات، وكان من المتعبّدة الصُّبْر، والمتقشّفة الْخُشْن. قال السريّ بن يحيى: مات سنة (١٢٧). وقال غيره: سنة (١٢٣). وقال خليفة بن خياط: سنة (١٣٠). وقال ابن حبّان: والصحيح أنه مات قبل الطاعون، وكان الطاعون سنة إحدى وثلاثين. علق له البخاريّ، وأخرج له الأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث برقم ٢٨٠٧ و ٣٧٢٧ و٥٥٥٥. وقوله: "تمتع رسول اللَّه ﷺ " قد سبق أن التمتع بالنسبة إليه ﷺ معناه القرآن؛ لأن التمتع يطلق عليه أيضًا، وأما بالنسبة للصحابة ﵃ فهو التمتع بمعناه المشهور عند الفقهاء. واللَّه تعالى أعلم. والحديث صحيح، وقد سبق البحث فيه مستوفًى قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨٠٨ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) عَبْدُ الْعَزِيزِ -وَهُوَ الدَّرَاوَرْدِيُّ- عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنِ الْحَارِثِ بْنِ بِلَالٍ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ,

стр. 12827

أَفَسْخُ الْحَجَّ لَنَا خَاصَّة، أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّة؟، قَالَ: "بَلْ لَنَا خَاصَّةً"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "إسحاق بن إبراهيم": هو ابن راهويه. و"عبد العزيز": هو ابن محمد الدراورديّ المدنيّ، صدوق، يحدث من كتب غيره، فيخطىء [٨] ٨٤/ ١٠١. و"ربيعة بن أبي عبد الرحمن" فَرُّوخ التيميّ، أبو عثمان المدنيّ المعروف بربيعة الرأي، ثقة فقيه مشهور [٥] ٣٦/ ٧٢٩. و"الحارث بن بلال" بن الحارث المزنيّ المدنيّ، مقبول [٣]. روى عن أبيه. وعنه ربيعة بن أبي عبد الرحمن حديثًا واحدًا في فسخ الحجّ، قال الإمام أحمد: ليس إسناده بالمعروف. روى له أبو داود، والمصنّف، وابن ماجه هذا الحديث فقط. و"بلال بن الحارث" المزنيّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ. روى عن النبيّ ﷺ ، وعن عمر بن الخطاب، وابن مسعود. وعنه ابنه الحارث، وعلقمة بن وقّاص، وعمرو بن عوف -إن كان محفوظًا- والمغيرة بن عبد اللَّه اليشكريّ. ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من المهاجرين. وقال أحمد بن عبد اللَّه بن الْبَرْقيّ: يقال: إن بلال بن الحارث كان أول من قَدِم المدينة من مزينة على النبيّ ﷺ في رجال من مزينة سنة خمس من الهجرة. قال المدائنيّ، وغيره: مات سنة (٦٠) وله (٨٠) سنة. روى له الأربعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. والحديث ضعيف؛ لجهالة الحارث بن بلال، وأخرجه المصنّف هنا -٧٧/ ٢٨٠٨ - وفي "الكبرى" ٧٦/ ٣٧٩٠. وأخرجه (د) في "المناسك" ١٨٠٨ (ق) في "المناسك" ٢٩٨٤ (أحمد) في "مسند المكيين" ٢٥٤٢٦ (الدارميّ) في "المناسك" ١٨٥٥. واللَّه تعالى أعلم. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث لا يعارض الأحاديث الصحيحة الصريحة في كون الفسخ عامًّا للأمة إلى يوم القيامة؛ لما ذكرت آنفًا أنه ضعيف، ولقد أجاد الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى-، وشفى وكفى، فيما ذكره ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى- في "المغني"، فقال: سئل أحمد بن حنبل: يا أبا عبد اللَّه كلّ شيء منك حسنٌ جميل إلا خصلة واحدة، فقال: ما هي؟ قال: تقول بفسخ الحجّ، فقال أحمد: -يعني للسائل-: قد كنت أرى أن لك عقلاً، عندي ثمانية عشر حديثًا صحيحًا جيادًا، كلها في فسخ الحجّ، أتركها لقولك؟ انتهى (١). وقد تقدّم البحث في هذه المسألة مستوفًى قريبًا،

стр. 12828

فارجع إليه تزدد علمًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعمِ الوكيل. ٢٨٠٩ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَزِيدَ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الأَعْمَشِ, وَعَيَّاشٍ الْعَامِرِيِّ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَبِي ذَرٍّ, فِي مُتْعَةِ الْحَجِّ, قَالَ: كَانَتْ لَنَا رُخْصَةً). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه عمرو بن يزيد أبو بُرَيد الجرميّ البصريّ، فإنه من أفراده، وقد وثّقه هو. و"عبد الرحمن": هو ابن مهديّ. و"سفيان": هو الثوريّ. و"عيّاش" بن عمرو العامريّ التميميّ الكوفيّ، ثقة [٥]. قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقة. وكذا قال النسائيّ. وقال أبو حاتم: صالح. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له مسلم، والمصنّف، وله عندهما هذا الحديث فقط. [تنبيه]: قوله: "وعياش العامريّ" بالجرّ عطفًا على "الأعمش"، فسفيان يروي عن الأعمش، وعيّاش كليهما، وهما يرويان عن إبراهيم التيميّ، ولذا يقدّر لفظة "كلاهما" قبل قوله: "عن إبراهيم التيميّ"، فما يوجد في نسخ "المجتبى" المطبوعة مضبوطًا بالقلم برفع "وعياش العامريّ" غلط، فتنبّه. و"إبراهيم التيمي": هو إبراهيم بن يزيد بن شريك التيميّ، أبو أسماء الكوفي العابد الثقة [٥] ١٢١/ ١٧٠. و"يزيد بن شريك" بن طارق التميميّ الكوفيّ، ثقة، أدرك الجاهلية [٢] ٣/ ٦٩٠. و"أبو ذرّ" الغفاريّ الصحابيّ المشهور اختلف في اسمه، واسم أبيه على أقوال، والمشهور جندب بن جُنادة - رضي اللَّه تعالى عنه - ٢٠٣/ ٣٢٢. وقوله: "متعة الحجّ" قال النوويّ عند شرح روايات حديث أبي ذرّ ﵁ التي ساقها مسلم -رحمه اللَّه تعالى-: قال العلماء: معنى هذه الروايات كلها أن فسخ الحجّ إلى العمرة كان للصحابة في تلك السنة، وهي حجة الوداع، ولا يجوز بعد ذلك، وليس مراد أبي ذرّ إبطال التمتع مطلقًا، بل مراده فسخ الحجّ كما ذكرنا انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا قالوا, ولكن الظاهر أن أبا ذرّ لا يقول بمشروعية المتعة مطلقًا، سواء كان التمتع المعروف الذي هو القدوم بالعمرة من الميقات، ثم التحلل، ثم الحج في عامه، أم التمتع الذي هو فسخ الحج إلى العمرة، وقد سبق أن عمر، وعثمان، ومعاوية ﵃، كانوا ينهون عن التمتع مطلقًا، فالظاهر أن مذهب أبي ذرّ ﵁ -

стр. 12829

من نوع مذهب هؤلاء، وليس هناك دليل على أنه يريد الفسخ فقط، والحديث، وإن كان صحيحًا، لكنه موقوف، فلا يعارض المرفوع الثابت عن رسول اللَّه ﷺ من عدّة طرق، فقد تقدّم أن فسخ الحجّ مرويّ عن بضعة عشر صحابيًّا، وقد ثبت أن عمر، وعثمان - رضي اللَّه تعالى عنهما - كانا ينهيان عن التمتّع، ولكن ذلك لم يعارض به ما ثبت عن النبيّ ﷺ ، فكذلك ما قاله أبو ذرّ ﵁ هنا من دعوى الخصوصية بالصحابة لا يعارض المرفوع، بل هذا رأي رآه هو، كما رآى غيره، فيقدّم ما ثبت عن النبيّ ﷺ من أن فسخ الحجّ عامّ لجميع الأمة إلى يوم القيامة، كما تقدّم تحقيق ذلك قريبًا. والحديث موقوفٌ صحيح الإسناد، أخرجه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هنا -٧٧/ ٢٨٠٩ و ٢٨١٠ و ٢٨١١ و ٢٨١٢ - وفي "الكبرى" ٧٦/ ٣٧٩١ و ٣٧٩٢ و ٣٧٩٣ و ٣٧٩٤. وأخرجه (م) في "الحجّ" ١٢٢٤ (ق) في "المناسك" ٢٩٨٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨١٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى,, وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَا:: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ,, قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الْوَارِثِ بْنَ أَبِي حَنِيفَةَ, قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيَّ, يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ,, عَنْ أَبِي ذَرٍّ, قَالَ: فِي مُتْعَةِ الْحَجِّ: لَيْسَتْ لَكُمْ, وَلَسْتُمْ مِنْهَا فِي شَيْءٍ, إِنَّمَا كَانَتْ رُخْصَةً لَنَا, أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيحين، غير: ١ - (عبد الوارث بن أبي حنيفة) ويقال: عبد الأكبر. ويقال: عبد الأكرم الكوفيّ، مقبول [٧]. روى عن أبيه، وإبراهيم التيميّ، والشعبيّ. وعنه شعبة. قال ابن أبي حاتم: عبد الوارث بن أبي حنيفة، ويقال: عبد الأكرم، كوفيّ، سمعت أبي يقول: هو شيخ. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وحكى مسلم أن محمد بن جعفر تفرّد عن شعبة بقوله: عبد الوارث، وأن معاذ بن معاذ قال عن شعبة: عبد الأكبر، وقال باقي أصحاب شعبة: عبد الأكرم، وقال: كلّ ذلك واحد، إلا أنهم اختلفوا انتهى. تفرد به المصنّف بهذا الحديث فقط. والحديث موقوف صحيح (١)، سبق البحث فيه في الحديث الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨١١ - (أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (٢) غُنْدَرٌ, عَنْ شُعْبَةَ, عَنْ سُلَيْمَانَ, عَنْ

стр. 12830

إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ, عَنْ أَبِيهِ,, عَنْ أَبِي ذَرٍّ, قَالَ: كَانَتِ الْمُتْعَةُ رُخْصَةً لَنَا). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا. و"سليمان": هو الأعمش. والحديث موقوف صحيح الإسناد، كما سبق بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨١٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُفَضَّلُ بْنُ مُهَلْهَلٍ, عَنْ بَيَانٍ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ, قَالَ: كُنْتُ مَعَ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ, وَإِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ, فَقُلْتُ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَجْمَعَ الْعَامَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ, فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَوْ كَانَ أَبُوكَ لَمْ يَهُمَّ بِذَلِكَ, قَالَ: وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَبِي ذَرٍّ, قَالَ: إِنَّمَا كَانَتِ الْمُتْعَةُ لَنَا خَاصَّةً). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح. و"بيان": هو ابن بشر الأحمسيّ الكوفيّ الثقة الثبت [٥] ٦٦/ ٩٥٤. و"عبد الرحمن بن أبي الشعثاء" سليم بن الأسود، أخو الأشعث المحاربيّ الكوفيّ، مقبول [٦]. روى عن إبراهيم التيميّ، وإبراهيم النخعيّ. وعنه بيان بن بشر. روى له مسلم، والمصنّف هذا الحديث متابعة فقط. وقوله: "أن أجمع العام الحجّ والعمرة" الظاهر أنه أراد التمتع الذي هو فسخ الحج بعمل العمرة، ثم الحج بعده، لا أنه أراد القران، ويحتمل أنه أراد التمتع المعروف، فيكون رد إبراهيم عليه بناء على مذهب بعض الصحابة الذين تقدم أنهم ينهون عن التمتّع، كما سبق قريبًا. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "فقال إبراهيم" يعني النخعيّ، كما بينه في رواية مسلم. وقوله: "لو كان لم يهم بذلك" بفتح حرف المضارعة، من همّ بالشيء، من باب قتل: إذا أرده، ولم يفعله. قاله الفيّوميّ. يعني أن أبا الشعثاء سُليم الأسود لا يريد ما أراده ولده عبد الرحمن من التمتع، ولعلّ إبراهيم عرف مذهب أبي الشعثاء في ذلك، وأنه كان لا يرى التمتع، كما هو مذهب أبي ذز ﵁. وهذا الذي قاله إبراهيم رأيه، كما هو رأي أبي ذرّ ﵁، وإلا فما هَمَّ به عبد الرحمن هو السنة الثابتة عن رسول اللَّه ﷺ ، فلا يردّ عليه بمثل هذا الردّ. والحديث موقوفٌ صحيح الإسناد، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 12831

٢٨١٣ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ وَاصِلِ بْنِ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ, عَنْ وُهَيْبِ بْنِ خَالِدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: كَانُوا يُرَوْنَ أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ, مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ فِي الأَرْضِ, وَيَجْعَلُونَ الْمُحَرَّمَ صَفَرَ, وَيَقُولُونَ: إِذَا بَرَأَ الدَّبَرْ, وَعَفَا الْوَبَرْ, وَانْسَلَخَ صَفَرْ, أَوْ قَالَ: دَخَلَ صَفَرْ, فَقَدْ حَلَّتِ الْعُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرْ, فَقَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ , وَأَصْحَابُهُ, صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ, مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ, فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً, فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ, فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَيُّ الْحِلِّ؟ , قَالَ: «الْحِلُّ كُلُّهُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عبد الأعلى بن واصل بن عبد الأعلى) الأسديّ الكوفيّ، ثقة، من كبار [١٠] ٥٤/ ٦١٨. ٢ - (أبو أسامة) حماد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت، ربما دلّس، وكان بآخره يحدّث من كتب غيره، من كبار [٩] ٤٤/ ٥٢. ٣ - (وُهيب بن خالد) بن عجلان، أبو بكر الباهليّ مولاهم البصريّ، ثقة ثبت، لكنه تغيّر قليلاً بآخره [٧] ٢١/ ٤٢٧. ٤ - (عبد اللَّه بن طاوس) بن كيسان، أبو محمد اليمانيّ، ثقة فاضل عابد [٦] ١١/ ٥١٤. ٥ - (أبوه) طاوس بن كيسان الْحِمْيريّ مولاهم الفارسيّ، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، يقال: اسمه ذكوان، وطاوس لقبه، ثقة فقيه فاضل [٣] ٢٧/ ٣١. ٦ - (ابن عبّاس) عبد اللَّه البحر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو، وأبو داود. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. (ومنها): أن فيه ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابن عَبَّاسِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: كَانُوا يرَوْنَ) بفتح أوله: أي يعتقدون، والمراد أهل الجاهلية. ولابن حبّان من طريق أخرى عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: "واللَّه ما أعمر رسول اللَّه ﷺ عائشة في ذي الحجة، إلا ليقطع

стр. 12832

بذلك أمر أهل الشرك، فإن هذا الحيّ من قُريش، ومن دان دينهم كانوا يقولون … "، فذكر نحوه، قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: فعرف بهذا تعيين القائلين انتهى (أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجَّ، مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ فِي الْأَرْضِ) أي من أفحش الفواحش. والفجور الانبعاث في المعاصي، يقال: فجر فجورًا، من باب نصر (١). وهذا من تحكماتهم الباطلة المأخوذة عن غير أصل (وَيَجْعَلُونَ الْمُحَرَّمَ صَفَرَ) هكذا في نسخ "المجتبى" "صفر" من غير ألف، ووقع في "الكبرى" "صفرًا" بألف، وهو الأكثر. والذي في "المجتبى"، وهو الذي وقع في جميع الأصول من "الصحيحين". قال النوويّ: كان ينبغي أن يكتب بالألف، ولكن على تقدير حذفها لا بدّ من قراءته منصوبًا؛ لأنه مصروف بلا خلاف. يعني والمشهور عن اللغة الربيعية كتابة المنصوب بغير ألف، فلا يلزم من كتابته بغير ألف أن لا يُصرف، فيقرأ بالألف، وسبقه عياض إلى نفي الخلاف فيه، لكن في "المحكم" كان أبو عبيدة لا يصرفه، فقيل له: إنه لا يمتنع الصرف حتى يجتمع علتان، فما هما؟، قال: المعرفة والساعة. وفسّره المطرّزيّ بأن مراده بالساعة أن الأزمنة ساعات، والساعة مؤنثة انتهى. قال في "الفتح": وحديث ابن عباس هذا حجة لأبي عبيدة. ونقل بعضهم أن في "صحيح مسلم" "صفرًا" بالألف. وأما جعلهم ذلك، فقال النوويّ: قال العلماء: المراد الإخبار عن النسيء الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، فكانوا يسمون المحرّم صفرًا، ويُحلّونه، ويؤخّرون تحريم المحرّم إلى نفس صفر؛ لئلا تتوالى عليهم ثلاثة أشهر محرّمة، فيضيق عليهم فيها ما اعتادوه من المقاتلة، والغارة بعضهم على بعض، فضلّلهم اللَّه في ذلك، فقال: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [التوبة: ٣٧]. وقال القرطبيّ: قوله: "ويجعلون المحرم صفَر" أي يسمونه به، وينسبون تحريمه إليه؛ لئلا يتوالى عليهم ثلاثة أشهُر حُرُم، فتضيق عليهم بذلك أحوالهم. وحاصله أنهم كانوا يُحلّون من الأشهر الحرم ما احتاجوا إليه، ويُحرّمون مكان ذلك غيره، وكان الذين يفعلون ذلك يُسمَّون النَّسَأَة، وكانوا أشرافَهُم، وفي ذلك يقول شاعرهم [من الوافر]: أَلَسْنَا النَّاسِئِينَ عَلَى مَعَدَّ … شُهُورَ الحِلَّ نَجْعَلُهَا حَرَامًا فردّ اللَّه كلّ ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ الآية [التوبة: ٣٧] (٢).

стр. 12833

وقال في "الفتح" في "سورة التوبة"، عند شرح حديث: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللَّه السماوات، والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرّم، ورجب مضر، الذي بين جمادى وشعبان": ما حاصله: وفيه إشارة إلى إبطال ما كانوا يفعلونه في الجاهلية، من تأخير الأشهر الحرم، فقيل: كانوا يجعلون المحرم صفرًا، ويجعلون صفرًا المحرّم؛ لئلا يتوالى عليهم ثلاثة أشهر، لا يتعاطون فيها القتال، فلذلك قال: "متواليات"، وكانوا في الجاهلية على أنحاء: منهم من يسمي المحرم صفرًا، فيُحلّ فيه القتال، ويحرم القتال في صفر، ويسميه المحرم. ومنهم من يجعل ذلك سنة، هكذا، وسنة هكذا. ومنهم من يجعله سنتين هكذا، وسنتين هكذا. ومنهم من يؤخّر صفرًا إلى ربيع الأول، وربيعًا إلى ما يليه، وهكذا، إلى أن يصير شوال ذا القعدة، وذو القعدة ذا الحجة، ثم يعود، فيعيد العدد على الأصل. وقال أيضًا: قوله: "ورجب مضر" أضافه إليهم لأنهم كانوا متمسكين بتعظيمه، بخلاف غيرهم، فيقال: إن ربيعة كانوا يجعلون بدله رمضان. وكان من العرب من يجعل في رجب وشعبان ما ذكره في المحرم وصفر، فيحلّلون رجبًا، ويحرّمون شعبان. ووصفه بكونه بين جمادى وشعبان تأكيدًا. وكان أهل الجاهليّة قد نسئوا بعض الأشهر الحرم، أي أخّروها، فيحلون شهرًا حرامًا، ويحرّمون مكانه آخر بدله حتى رُفض تخصيص الأربعة بالتحريم أحيانًا، ووقع تحريم أربعة مطلقة من السنة. فمعنى الحديث: أن الأشهر رجعت إلى ما كانت عليه، وبطل النسيء. وقال الخطابيّ: كانوا يخالفون بين أشهر السنة بالتحليل، والتحريم، والتقديم، والتاخير لأسباب تعرِض لهم، منها استعجال الحرب، فيستحلون الشهر الحرام، ثم يحرمون بدله شهرا غيره، فتتحوّل في ذلك شهور السنة، وتتبدّل، فإذا أتى على ذلك عدّة من السنين استدار الزمان، وعاد الأمر إلى أصله، فاتفق وقوع حجة النبيّ ﷺ عند ذلك انتهى (١). [فائدة]: قال الكلبيّ: أول من نسأ القلمس، واسمه حذيفة بن عبيد الكنانيّ، ثم ابنه عباد، ثم ابنه قلع بن عباد، ثم أمية بن قلع، ثم عوف بن أمية، ثم جنادة بن أمية، وعليه قام الإسلام. وقيل: أول من نسأ نعيم بن ثعلبة، ثم جنادة، وهو الذي أدركه رسول اللَّه ﷺ . وقيل: مالك بن كنانة. وقيل: عمرو بن طيّء.

стр. 12834

وقال ابن دريد: الصفران شهران من السنة، سمي أحدهما في الإسلام المحرم. وفي "المحكم": قال بعضهم: سمي صفرًا؛ لأنهم كانوا يمتارون الطعام فيه من المواضع. وقال بعضهم: سمي بذلك لإصفار مكة من أهلها إذا سافروا. ورَوَى رؤبة أنه قال: سموا الشهر صفرًا لأنهم كانوا يغزون فيه القبائل، فيتركون مَن لَقُوا صفرًا من المتاع، وذلك إذا كان صفر بعد المحرم، فقالوا: صفر الناس منا صفرا، فإذا جمعوه مع المحرّم قالوا: صفران، والجمع أصفار. وقال القزّاز: إنما سموا الشهر صفرًا؛ لأنهم كانوا يُخلون البيوت فيه لخروجهم إلى البلاد، يقال لها: الصفرية، يمتارون منها. وقيل: لأنهم كانوا يخروجون إلى الغارة، فتبقى بيوتهم صفرًا. وفي "العلم المشهور" لأبي الخطاب: العرب تقول: صفر، وصفر ان، وصفارين، وأصفار. قال: وقيل: إن العرب كانوا يزيدون في كل أربع سنين شهرًا يسمونه صفرًا، فتكون السنة ثلاثة عشر شهرًا, ولذلك قال ﷺ : "السنة اثنا عشر شهرًا". وكانوا يتطيّرون به، ويقولون: إن الأمور فيه منغلقة، والآفات فيه واقعة انتهى (١). (وَيَقُولُونَ: إِذَا بَرَأَ) بفتحتين، وآخره همزة، وتخفف بقلبها ألفًا (الدَّبَرْ) بفتح المهملة، والموحّدة: أي زال الجرح الذي كان يحصل بظهور الإبل من الحمل عليها، ومشقّة السفر، فإنه كان يبرأ بعد انصرافهم من الحجّ (وَعَفَا الْوَبَرْ) أي كثر وَبَرُ الإبل الذي قلعته رحال الحجّ. و"الوَبَر" -بفتخين-: للبعير كالصوف للغنم، وهو في الأصل: مصدرٌ، من باب تعب، وبَعِيرٌ وَبِرٌ بالكسر كثير الوَبَر، وناقةٌ وَبِرَةٌ، والجمع أوبار، مثل سبب وأسباب. قاله الفيّوميّ. وفي رواية الشيخين: "وعفا الأثر" بهمزة، ومثلثة مفتوحتين: أي اندرس، وانمحى أثر الإبل، وغيرها في سيرها، فإنه ينمحي لطول مرور الزمان والأيام. هذا هو المشهور. وقال الخطابيّ: المراد أثر الدبر المذكور. وقال القرطبيّ: و"عفا" من الأضداد، يقال: عفا الشيء: كثُر، وقلّ، وظهر، وخفي مثله انتهى (٢) (وَانْسَلَخَ صَفَرْ) أي خرج شهر صفر الذي جعلوه بدل المحرّم (أَوْ قَالَ: دَخَلَ صَفَر) هذا شكّ من الراوي (فَقَدْ حَلَّتِ الْعُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرْ) أي صار الإحرام بالعمرة لمن أراد أن يحرم بها جائزًا. [فائدة]: قال النوويّ: هذه الألفاظ تقرأ كلها ساكنة الآخر، ويوقف عليها؛ لأن مرادهم السجع.

стр. 12835

وقال الكرمانيّ: ما وجه تعلق انسلاخ صفر بالاعتمار في أشهر الحجّ الذي هو المقصود من الحديث، والمحرم، وصفر ليسا من أشهر الحجّ؟. فأجاب بقوله: لما سمّوا المحرم صفرا، وكان من جملة تصرفاتهم جعل السنة ثلاثة عشر شهرًا، صار صفر على هذا التقدير آخر السنة، وآخر أشهر الحجّ، إذ لا برء في أقلّ من هذه المدة غالبًا. وأما ذكر انسلاخ صفر الذي من الأشهر الحرم بزعمهم فلأجل أنه لو وقع قتال في الطريق، وفي مكة لقدروا على المقاتلة، فكأنه قال: إذا انقضى شهر الحجّ، وأثره، والشهر الحرام جاز الاعتمار. أو يراد بالصفر المحرم، ويكون "إذا انسلخ صفر" كالبيان، والبدل لقوله: "إذا برأ الدبر"، فإن الغالب أن البرء من أثر صفر الحجّ لا يحصل إلا في هذه المدة، وهي ما بين أربعين يومًا إلى خمسين ونحوه انتهى (١). (فَقَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَأَصْحَابُهُ) أي دخلوا مكة (صَبيحَةَ رَابِعَةٍ) أي صباح الليلة الرابعة من شهر ذي الحجة، وذلك يوم الأحد (مُهِلَّينَ بالْحَجَّ) منصوب على الحال، أي حال كونهم مهلّين بالحجّ وفي رواية: "وهم يلبّون بالَحجّ"، وهي مفسّرة لقوله: "مهلّين". واحتجّ به من قال: كان حجّ النبيّ ﷺ مُفْرِدًا. وأجاب من قال: كان قارنًا -وهو الصواب- بأنه لا يلزم من إهلاله بالحج أن لا يكون أدخل عليه العمرة (فَأمَرَهُمْ) أي النبيّ ﷺ أصحابه ﵃ (أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً) أي يقلبوا الحجة التي قدموا مهلين بها عمرة، فيتحللوا بأفعال العمرة (فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ) وفي رواية: فكبر ذلك عندهم": أي شقّ عليهم ما أمرهم به؛ لما كانوا يعتقدونه أولاً (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْحِلَّ) كأنهم كانوا يعرفون أن للحجّ تحلّلين، فأرادوا بيان ذلك، فبين لهم النبيّ ﷺ فـ (قَالَ: الْحِلُّ كُلُّهُ) يعني أن المطلوب منهم أن يتحلّلوا كلّ الحلّ، حتى غشيان النساء، وذلك تمام الحلّ؛ لأن العمرة ليس لها إلا تحلّل واحد. ووقع في رواية الطحاويّ: "أيِّ الحلّ نحلّ؟، قال: الحلّ كله". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

стр. 12836

أخرجه المصنّف هنا -٧٧/ ٢٨١٣ و ٢٨١٤ و ٢٨١٥ و ١٠٨/ ٢٨٧٠ و ٢٨٧١ - وفي "الكبرى" ٧٦/ ٣٧٩٥ و ٣٧٩٦ و ٣٧٩٧ و ١٠٨/ ٣٨٥٣ و ٣٨٥٤. وأخرجه (خ) في "الجمعة" ١٠٨٥ و"الحجّ" ١٥٦٤ و"المناقب" ٣٨٣٢ (م) في "الحجّ" ١٢٣٩ و ١٢٤٠ و ١٢٤١ (د) في "المناسك" ١٧٩٠ و ١٧٩١ و ١٧٩٢ (أحمد) في "مسند بني هاشم" ٢١١٦ و ٢١٥٣ و ٢٢٧٤ و ٣١٦٢ (الدارمي) في "المناسك" ١٨٥٦. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مشروعيّة فسخ الحجّ بأعمال العمرة. (ومنها): استحباب دخول مكة نهارًا. وهو المرويّ عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وبه قال عطاء، والنخعيّ، وإسحاق، وابن المنذر، وهو أصحّ الوجهين لأصحاب الشافعيّ. والوجه الثاني أن دخولها ليلًا أو نهارًا سواء، لا فضيلة لأحدهما على الآخر، وهو قول طاوس، والثوريّ. وعن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، وسعيد بن جبير، وعمر بن عبد العزيز دخولها ليلاً أفضل من النهار. وقال مالك: يستحب دخولها نهارًا، فمن جاء ليلاً فلا بأس به. قال: وكان عمر بن عبد العزيز يدخلها لطواف الزيارة ليلاً. (ومنها): أن فيه حجة لمن قال: إنه ﷺ حجّ مفردًا، والصحيح -كما تقدّم- أنه حجّ قارنًا، وتأويل حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أنه أخبر بأول أمر النبيّ ﷺ ، فإنه أفرد أوّلاً، ثم جاءه الملك، فأمره بإدخال العمرة على الحجّ، وقال له: "قل: عمرة في حجة". (ومنها): بيان ما كان عليه الجاهلية من اتباع الهوى، وتشريع ما لم يأذن به اللَّه، فيحلون ما حرم اللَّه، ويحرمين ما أحلّ اللَّه، فلذلك عنفهم، وضللَّهم، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٣٧]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعمِ الوكيل. ٢٨١٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ مُسْلِمٍ -وَهُوَ الْقُرِّيُّ- قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ, يَقُولُ: أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْعُمْرَةِ, وَأَهَلَّ أَصْحَابُهُ بِالْحَجِّ, وَأَمَرَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ الْهَدْيُ أَنْ يَحِلَّ, وَكَانَ فِيمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ الْهَدْيُ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ, وَرَجُلٌ آخَرُ, فَأَحَلاَّ).

стр. 12837

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح. و"محمد" شيخ ابن بشار: هو ابن جعفر، غندر. و"مسلم القُرّيّ": هو مسلم بن مخراق العبديّ الْقُرّيّ -بضمّ القاف، وتشديد الراء- مولى بني قُرّة، ويقال: المازنيّ الْعُرْيانيّ، أبو الأسود البصريّ العطّار، ويقال: إنهما اثنان، صدوق [٤]. قال عبد اللَّه بن أحمد: سمعت أبي ذُكِرَ مسلمٌ القرّيّ، فقال: ما أرى به بأسًا. وقال أبو حاتم: شيخ. وقال النسائيّ: ثقة. وقال العجليّ: تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، ولكنه فرّق بين مولى بني قُرَّة المكنيّ أبا الأسود، وبذلك جزم أبو عليّ الجيّانيّ في "تقييد المهمل". روى له مسلم، وأبوداود، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. وقوله: "أهلّ رسول اللَّه ﷺ بالعمرة" معناه أنه أدخلها على الحجّ، وليس المراد أنه أنشأ الإحرام بها؛ لأن الأحاديث الصحيحة الكثيرة دلّت على ذلك، كما تقدم بيان ذلك مفصلاً. وقال البيهقيّ -بعد أن ذكر اختلاف الرواة في كونه ﷺ أهل بعمرة، أو بحج في حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما --: وقول من قال: إنه أهلّ بالحجّ لعله أشبه لموافقته رواية أبي العالية البرَّاء، وأبي حسّان الأعرج، عن ابن عباس في إهلال النبيّ ﷺ بالحجّ واللَّه أعلم انتهى (١). وقوله: "أهلّ أصحابه بالحجّ" المراد غالبهم، أو بالنظر لأول أحوالهم، فإنهم ما كانوا يرون في أشهر الحجّ إلا الحجّ، حتى أمرهم النبيّ ﷺ بالتحلل بعمل العمرة. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "وكان فيمن لم يكن معه الهدي طلحة بن عبيد اللَّه" هكذا هو في رواية المصنّف، ومسلم في "صحيحه" من طريق غندر، عن شعبة، أن طلحة كان فيمن لم يسق الهدي، وتابعه عليه روح بن عبادة، عن شعبة، عند البيهقيّ، فقال: "وكان ممن لم يكن معه الهدي طلحة بن عبيد اللَّه، ورجل آخر، فأحلاّ". وخالفهما معاذُ بنُ معاذ، عن شعبة، فجعل طلحة بن عبيد اللَّه فيمن ساق الهدي، فلم يحلّ، أخرجه مسلم أيضًا من رواية عبيد اللَّه بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة، وتابعه عليه أبو داود الطيالسيّ، عن شعبة، عند البيهقيّ أيضًا (٢)، فقال: " وكان رسول اللَّه

стр. 12838

- ﷺ ، وطلحة ممن كان معهما الهدي". قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الصحيح في هذا رواية معاذ بن معاذ، وأبي داود الطيالسي، أن طلحة ممن ساق الهدي، والدليل على ذلك حديث جابر ﵁ عند البخاريّ من طريق عطاء، عن جابر ﵁، قال: "أهلّ النبيّ ﷺ ، هو وأصحابه بالحجّ، وليس مع أحد منهم هديٌ غير النبيّ ﷺ وصلحة … ". فهذا موافق لرواية معاذ، وأبي داود، فتترجح على رواية غندر، وروح. والحاصل أن طلحة بن عبيد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنه - ممن أهدى، فلم يحلّ حتى بلغ الهدي محله. واللَّه تعالى أعلم. [فإن قلت]: حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا مخالف لما رواه أحمد، ومسلم، وغيرهما من طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "أن الهدي كان مع النبيّ ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، وذوي يسار". وفي رواية للبخاريّ من طريق أفلح، عن القاسم، بلفظ: "ورجال من أصحابه ذوي قوّة". ولمسلم من حديث أسماء بنت أبي بكر أن الزبير كان ممن كان معه الهدي. [قلت]: يجمع بينها بأن كلاّ منهم ذكر من اطلع عليه، ممن كان معه الهدي، ذكر نحو هذا الحافظ في "الفتح" (١). والحاصل أن الذين كان معهم الهدي جماعة، كهؤلاء المذكورين، لكنهم بالنسبة لمن لم يكن معه قلّة. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "ورجل آخر" لم يسمّ ذلك الرجل، فاللَّه تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم الكلام في تخريجه في الذي قبده. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨١٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنِ الْحَكَمِ, عَنْ مُجَاهِدٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «هَذِهِ عُمْرَةٌ, اسْتَمْتَعْنَاهَا, فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ هَدْيٌ, فَلْيَحِلَّ الْحِلَّ كُلَّهُ, فَقَدْ دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وهم المذكورون في السند الماضي، غير الحكم بن عتيبة، ومجاهد بن جبر. وقوله: "دخلت العمرة في الحجّ". أي في جواز فسخ الحجّ بالعمرة (٢)، يعني أن نية العمرة دخلت في نية الحجّ، بحيث أن من نوى الحجّ شُرع له الفراغ منه بعمل العمرة. وهذا هو المعنى الراجح للحديث، ولذا أورده المصنّف محتجًّا به على مشروعية الفسخ.

стр. 12839

ومن لا يرى الفسخ يقول: معناه حلّت العمرة في أشهر الحجّ، وصحّت بمعنى دخلت في وقت الحجّ، وشهوره، وبطل ما كان عليه أهل الجاهلية من عدم حل العمرة في أشهر الحجّ. وهذا المعنى بعيد عن مقصود الحديث؛ لأن جواز العمرة بينه النبيّ ﷺ قولا وفعلاً، وأبطل ما تعتقده الجاهلية قبل هذا حيث اعتمر عمره الثلاث في أشهر الحج، فقد اعتمر، عمرة الحديبية في ذي القعدة، وكذا عمرة القضية، وعمرة الجعرانة، فكلها في ذي القعدة، وهو من أشهر الحرم، ثم قرن الرابعة مع حجته، فكيف يقال: إن الصحابة لم يعلموا جواز العمرة في أشهر الحج حتى أمرهم بالفسخ، وقد شاهدوا هذه العمر كلها، ثم إنه قال لهم عند الميقات: "من شاء أن يهلّ بعمرة، وحجة فليفعل"، فجوز لهم الاعتمار في أشهر الحجّ عند الميقات (١)، فأي معنى لكون الفسخ حتى يعلموا جواز العمرة في أشهر الحج؟، إن هذا لشيء بعيد. وأيضًا لا معنى لسؤال سراقة بقوله: "عمرتنا هذه ألعامنا هذا، أو للأبد؟ "، مشيرًا إلى العمرة التي فسحْوا بها الحجّ، ثم يجيبه ﷺ بقوله: "لا، بل للأبد". واللَّه تعالى أعلم. وتأوله بعضهم على أن أفعال العمرة دخلت في أفعال الحجّ، فلا يجب على القارن إلا إحرام واحد، وطواف واحد، وهكذا. وهذا أيضًا بعيد، فإن النبيّ ﷺ قاله مجيبًا لسؤالهم ألعامنا هذا، أم للأبد، فلا تقارب بينه وبين هذا التأويل. وتأوله القائلون بعدم وجوب العمرة بأن المراد أنه سقط افتراضها بالحجّ، فكأنها دخلت فيه. وهذا أبعد من الذي قبله، بل هو باطل. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 12840

٧٨ - (مَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَكْلُهُ مِنَ الصَّيْدِ) قال الجامع - عفا اللَّه عنه -: عبارة "الكبرى" "أبواب أحكام المحرم -ما يجوز للمحرم أكله من الصيد". ٢٨١٦ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ أَبِي النَّضْرِ, عَنْ نَافِعٍ, مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ, عَنْ أَبِي قَتَادَةَ, أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , حَتَّى إِذَا كَانَ بِبَعْضِ طَرِيقِ مَكَّةَ, تَخَلَّفَ مَعَ أَصْحَابٍ لَهُ مُحْرِمِينَ, وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ, وَرَأَى حِمَارًا وَحْشِيًّا, فَاسْتَوَى عَلَى فَرَسِهِ, ثُمَّ سَأَلَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطَهُ, فَأَبَوْا, فَسَأَلَهُمْ رُمْحَهُ, فَأَبَوْا, فَأَخَذَهُ, ثُمَّ شَدَّ عَلَى الْحِمَارِ, فَقَتَلَهُ, فَأَكَلَ مِنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ , وَأَبَى بَعْضُهُمْ, فَأَدْرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , فَسَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ, فَقَالَ: «إِنَّمَا هِيَ طُعْمَةٌ, أَطْعَمَكُمُوهَا اللَّهُ »). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الحجة الثبت [٧] ٧/ ٧. ٣ - (أبو النضر) سالم بن أبي أمية، مولى عمر بن عبيد اللَّه المدنيّ، ثقة ثبت [٥] ٩٨/ ١٢١. ٤ - (نافع مولى أبي قتادة) هو نافع بن عبّاس -بموحدة، ومهملة، أو تحتانيّة، ومعجمة- الأقرع، أبو محمد المدنيّ، قيل له: مولى أبي قتادة للزومه إياه، وكان مولى عَقِيلة الغفارية، ويقال: إنهما اثنان، ثقة [٣]. قال النسائيّ: ثقة. وقال ابن سعد في الطبقة الثانية: كان قليل الحديث. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال أحمد بن حنبل: معروف. وقال ابن حبان في "الثقات": نافع مولى عَقِيلة بنت طلق الغفاريّة، وهو الذي يقال له: نافع مولى أبي قتادة، نسب إليه، ولم يكن مولاه. ويؤيّد قول ابن حنان ما وقع عند أحمد من طريق مغفّل بن إبراهيم: سمعت رجلاً، يقال له: مولى أبي قتادة، ولم يكن مولاه، يحدّث عن أبي قتادة، فذكر حديث الحمار الوحشي. وفي رواية ابن إسحاق، عن عبد اللَّه بن أبي سلمة، أن نافعا الأقرع، مولى بني غفار حدثه أن أبا قتادة حدّثه، فذكر هذا الحديث. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٥ - (أبو قتادة) الحارث بن رِبْعيّ بن بُلْدُمة، وقيل: غير ذلك، السَّلَميّ المدنيّ

стр. 12841

الصحابيّ الشهير، شهد أحدًا، وما بعدها، ولم يصحّ شهوده بدرًا، مات - رضي اللَّه تعالى عنه - سنة (٥٤) على الأصح، تقدّم في ٣٢/ ٢٤. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن نافعًا ليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فإنه بغلانيّ، إلا أن الظاهر أنه ممن دخل المدينة للأخذ عن مشايخها. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ نَافِع، مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ) وفي رواية البخاريّ من طريق سفيان بن عيينة، عن صالح ابن كيسان، عن أبي محمد، ولمسلم من طريق سفيان أيضًا عن صالح، "سمعت أبا محمد، مولى أبي قتادة"، ولأحمد من طريق سعد بن إبراهيم، "سمعت رجلاً، كان يقال له: مولى أبي قتادة، ولم يكن مولى"، أي لأبي قتادة، وفي رواية ابن أبي إسحاق، عن عبد اللَّه بن أبي سلمة، أن نافعًا مولى بني غفار. قال الحافظ: فتحصّل من ذلك أنه لم يكن مولى لأبي قتادة حقيقةً، وقد صرّح بذلك ابن حبّان، فقال: هو مولى عقيلة بنت طلق الغفارية، وكان يقال له: مولى أبي قتادة، نُسب إليه، ولم يكن مولاه. فيحتمل أنه نسب إليه لكونه كان زوج مولاته، أو للزومه إياه، أو نحو ذلك، كما وقع لمقسم مولى ابن عباس. واللَّه أعلم انتهى (١). (عَنْ أبِي قَتَادَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، (أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) وفي رواية عبد اللَّه ابن أبي قتادة الآتية بعد باب أن ذلك كان عام الحديبية. وروى الواقديّ أن ذلك كان في عمرة القضية. والأول أصحّ. وفي رواية للبخاريّ من طريق عثمان بن موهَب، عن عبد اللَّه بن أبي قتادة، أن أباه أخبره، أن رسول اللَّه ﷺ خرج حاجًّا، فخرجوا معه … ". فقال الإسماعيليّ: هذا غلط، فإن القصّة كانت في عمرة، وأما الخروج إلى الحجّ فكان في خلق كثير، وكان كلهم على الجادّة، لا على ساحل البحر، ولعل الراوي أراد خرج محرمًا، فعبّر عن الإحرام بالحج غلطًا. قال الحافظ: لا غلط في ذلك، بل هو من المجاز السائغ، وأيضًا فالحجّ في الأصل قصد البيت، فكأنه قال: خرج، قاصدًا للبيت، ولهذا يقال للعمرة: الحجّ الأصغر. ثم وجدت الحديث من رواية محمد بن أبي بكر المقدّميّ عن أبي عوانة، بلفظ: "خرج

стр. 12842

حاجا أو معتمرًا"، أخرجه البيهقيّ، فتبيّن بهذا أن الشكّ فيه من أبي عوانة، وقد جزم يحيى بن أبي كثير بأن ذلك كان في عِمرة الحديبية، وهذا هو المعتمد انتهى (١). (حَتَّى إِذَا كانَ بِبَعْضِ طَرِيقِ مَكَةَ، تخَلَّفَ) أي تأخّر أبو قتادة بأمر النبيّ ﷺ له بذلك (مَعَ أَصْحَاب لَهُ مُحْرِمِينَ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ) أي والحال أن أبا قتادة غير محرم. وفي رواية للبخارَيّ من طريق عبد اللَّه بن أبيَ قتادة، عن أبيه: أن رسول اللَّه ﷺ خرج حاجا، فخرجوا معه، فصرف طائفة منهم، فيهم أبو قتادة، فقال: "خذوا ساحل البحر، حتى نلتقي"، فأخذوا ساحل البحر، فلما انصرفوا أحرموا كلهم، إلا أبو قتادة … الحديث. وحاصل القصّة أن النبيّ ﷺ لما خرج في عمرة الحديبية، فبلغ الرَّوْحاء -وهي من ذي الحليفة على أربعة وثلاثين ميلاً- أخبروه بأن عدوًّا من المشركين بوادي غَيقة (٢)، يُخشى منهم أن يقصدوا غرّته، فجهّز طائفة من أصحابه، فيهم أبو قتادة إلى جهتهم ليأمن شرّهم، فلما أمنوا ذلك لحق أبو قتادة، وأصحابه بالنبيّ ﷺ ، فأحرموا، إلا هو، فاستمرّ هو حلالاً؛ لأنه إما لم يجاوز الميقات، وإما لم يقصد العمرة. وبهذا يرتفع الإشكال الذي ذكره الأثرم، قال: كنت أسمع أصحابنا يتعجّبون من هذا الحديث، ويقولون: كيف جاز لأبي قتادة أن يجاوز الميقات، وهو غير محرم؟، ولا يدرون ما وجهه. قال: حتى وجدته في رواية من حديث أبي سعيد، فيها: "خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ ، فأحرمنا، فلما كنا بمكان كذا إذا نحن بأبي قتادة، وكان النبيّ ﷺ بعثه في وجه … " الحديث، قال: فإذًا أبو قتادة إنما جاز له ذلك لأنه لم يخرج يريد مكة. قال الحافظ: وهذه الرواية التي أشار إليها تقتضي أن أبا قتادة لم يخرج مع النبيّ ﷺ من المدينة، وليس كذلك، لما بيّنّاه. ثم وجدت في "صحيح ابن حبّان"، والبزّار من طريق عياض بن عبد اللَّه، عن أبي سعيد، قال: "بعث رسول اللَّه ﷺ أبا قتادة على الصدقة، وخرج رسول اللَّه ﷺ ، وأصحابه، وهم محرمون، حتى نزلوا بعسفان". فهذا سبب آخر، ويحتمل جمعهما. والذي يظهر أن أبا قتادة إنما أخّر الإحرام لأنه لم يتحقّق أنه يدخل مكة، فساغ له التأخير.

стр. 12843

وقد استدلّ بقصّة أبي قتادة على جواز دخول الحرم بغير إحرام لمن لم يرد حجًّا، ولا عمرة. وقيل: كانت هذه القصّة قبل أن يوقّت النبيّ ﷺ المواقيت. وأما قول عياض، ومن تبعه: إن أبا قتادة لم يكن خرج مع النبيّ ﷺ من المدينة، وإنما بعثه أهل المدينة إلى النبيّ ﷺ يعلمونه أن بعض العرب قصدوا الإغارة على المدينة، فهو ضعيف مخالف لما ثبت في هذه الطريق الصحيحة. انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (١). (وَرَأَى حِمَارًا وَحْشِيًّا) وفي رواية عبد اللَّه بن أبي قتادة: "فينما أنا مع أصحابي، يضحك بعضهم إلى بعض، فنظرت، فإذا حمار وحشِ … " (فَاسْتَوَى عَلَى فَرَسِهِ) أي ركبه، واستقرّ على ظهره (ثُمَّ سَأَلَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطَهُ) أي وقد نسيه، كما في رواية. أو سقط منه، كما في أخرى، ويجمع بينهما بأن أريد بالسقوط النسيان، أو العكس تجوّزًا. قاله السنديّ (فَأَبَوْا) أي امتنعوا من مناولته له؛ لكونهم محرمين. ففي رواية أبي عوانة: "فإذا حمار وحشٍ، فركبت فرسي، وأخذت الرمح، والسوط، فقسط منّي السوط، فقلت: ناولوني، فقالوا: ليس نعينك عليه بشيء، إنا محرمون". وفي رواية للبخاريّ: "فحملمت عليه"، وفي رواية: "فقمت إلى الفرس، فأسرجته، ثم ركبت، ونسيت السوط والرمح، فقلت: ناولوني السوط والرمح، فقالوا: لا واللَّه، لا نعينك عليه بشيء، فغضبت، فنزلت، فأخذتهما، ثم ركبت". وفي رواية: "فركب فرسًا يقال له: الجرادة، فسألهم أن يناولوه سوطه، فأبوا، فتناوله". وفي رواية: "وكنت نسيت سوطي، فقلت لهم: ناولوني سوطي، فقالوا: لا نعينك عليه، فنزلت، فأخذته". وعند ابن أبي شيبة: "فاختلس من بعضهم سوطًا". قال الحافظ: والرواية الأولى أقوى، ويمكن الجمع بينهما بأنه رأى في سوط نفسه تقصيرًا، فأخذ سوط غيره، واحتاج إلى اختلاسه؛ لأنه لو طلبه منه اختيارًا لا متنع انتهى (٢). وفيه دلالة على أنهم كانوا قد علموا أنه يحرم على المحرم الإعانة على قتل الصيد. (فَسَألَهُمْ رُمْحَهُ) أي مناولة رمحه من الأرض (فَأَبَوْا، فَأَخَذَهُ) وفي رواية أبي عوانة: "فتناولته بشيء، فأخذته (ثُمَّ شَدَّ عَلَى الْحِمَارِ) أي حمل عليه (فَقَتَلَهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ بَعضُ أَصْحَابِ النَّبِيَّ ﷺ ، وَأَبَى بَعْضُهُمْ) أي امتنعوا عن أكله. وفي رواية: "فأكلنا من لحمه"، وفي روَاية: "فأكلوا، فندموا". وفي رواية: "فوقعوا يأكلون منه، ثم إنهم شكّوا في أكلهم إياه، وهم حُرُم، فرُحْنا، وخبأت العضد معي". وفي رواية: "فجعلوا يشوون

стр. 12844

منه". وفي رواية عند سعيد بن منصور: "فظللنا نأكل منه ما شئنا، طبيخًا، وشواء، ثم تزوّدنا منه". (فَأَدْرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) أي حيث تقدّمهم، وتأخّروا عنه، فطلبوه، فأدركوه. والذي طلبه، فأدركه، وسأله عن حكم أكله، هو أبو قتادة، كما سيأتي بعد باب (فَسَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ) أي حكم اختلافهم في لحم ذلك الصيد، حيث أكل بعضهم، وترك بعضهم. وفي رواية عبد اللَّه بن أبي قتادة الآتية برقم -٢٨٢٤: "فأكلنا من لحمه، وخشينا أن نُقطع، فطلبت رسول اللَّه ﷺ ، أُرَفَّعُ فرسي شأوًا، وأسير شأوًا، فلقيت رجلا من غفار، في جوف الليل، فقلت: أين تركت رسول اللَّه ﷺ ؟، قال: تركته، وهو قائل بالسُّقْيَا، فلحقته، فقلت: يا رسول اللَّه، إن أصحابك يقرءون عليك السلام ورحمة اللَّه، وإنهم قد خَشُوا أن يُقتَطَعوا دونك، فانتظرهم، فانتظرهم، فقلت: يا رسول اللَّه، إني أصبت حمار وحش، وعندي منه، فقال للقوم: "كلوا، وهم محرمون". وفي رواية للبخاريّ: "فرُحنا، وخبأت العضد معي". وفيه: "معكم منه شيء؟، فناولته العضد، فأكلها حتى تعرّقها"، وفي رواية: "قال: معنا رجله، فأخذها، فأكلها"، وفي رواية: "قد رفعنا لك الذراع، فأكل منها". (فَقَالَ) ﷺ (إِنَّمَا هِيَ) أي الأَكْلة التي أكلتموها (طُعْمَةٌ) بضم الطاء، وسكون العين المهملتين: أي طعام (أطْعَمَكُمُوهَا اللَّهُ ) أي رزقكم اللَّه إياها. والمقصود بنسبة الطعام إلى اللَّه تعالى قطع التسبب عنهم، أي فلا إثم عليكم، وإلا فكلّ الطعام مما يُطعم اللَّه تعالى عباده، فافهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي قتادة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنذف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٧٨/ ٢٨١٦ و ٨٠/ ٢٨٢٤ و ٢٨٢٥ و ٨١/ ٢٨٢٦ و"الصيد والذبائح" ٣٢/ ٤٣٤٥ - وفي "الكبرى" ٧٧/ ٣٧٩٨ و ٧٩/ ٣٨٠٧ و ٨٠/ ٣٨٠٩ و"الصيد والذبائج" ٣٥/ ٤٨٥٧. وأخرجه (خ) في "الحج" ١٨٢١ و ١٨٢٢ و ١٨٢٣ و ١٨٢٤ و"الهبة" ٢٥٧٠ و"الجهاد والسير" ٢٨٥٤ و ٢٩١٤ و"المغازي" ٤١٤٩ و"الأطعمة" ٥٤٠٦ و ٥٤٠٧ و"الذبائح والصيد" ٥٤٩١ و ٥٤٩٢ (م) في "الحج" ١١٩٦ و ٨٤٧ (د) في "المناسك" ١٨٥٢ و (ق) في "المناسك" ٣٠٩٣ (أحمد) في باقي مسند الأنصار" ٢٢٠٢٠

стр. 12845

و ٢٢٠٦١ و ٢٢٠٦٨ و ٢٢٠٨٤ و ٢٢٠٩٧ و ٢٢١٠٦ و ٢٢١١٨ (الموطأ) في "الحجّ" ٧٨٦ و ٧٨٨ (الدارمي) في "المناسك" ١٨٢٦. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده (١): (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ما يجوز أكله للمحرم من الصيد، وهو الذي صاده الحلال، دون أن يساعده المحرم عليه بشيء. وهذا يقوّي من حمل الصيد في قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾ الآية [المائدة: ٩٦] على الاصطياد. (ومنها): أن فيه تفريق الإمام أصحابه للمصلحة، واستعمال الطليعة في الغزو. (ومنها): أن تمني المحرم أن يقع من الحلال الصيدُ؛ ليأكل منه لا يقدح في إحرامه. (ومنها): جواز الاجتهاد في زمن النبيّ ﷺ . قال ابن العربيّ -رحمه اللَّه تعالى-: هو اجتهاد بالقرب من النبيّ ﷺ ، لا في حضرته. (ومنها): العمل بما أدّى إليه الاجتهاد، ولو تضادّ المجتهدان، ولا يُعاب واحد منهما على ذلك؛ لقوله: "فلم يَعِب ذلك علينا". وكأن الآكل متمسك بأصل الإباحة، والممتنع نظر إلى الأمر الطارئ. (ومنها): الرجوع إلى النصّ عند تعارض الأدلّة. (ومنها): جواز ركض الفرس في الاصطياد. (ومنها): جواز التصيّد في الأماكن الوعرة، والاستعانة بالفارس. (ومنها): تسمية الفرس، حيث إن فيه "فركب فرسًا، يقال له: الجرادة". وألحق البخاريّ به الحمار، فترجم له في "الجهاد"، وقال ابن العربيّ: قالوا: تجوز التسمية لما لا يعقل، وإن كان لا يتفطن له، ولا يُجيب إذا نودي، مع أن بعض الحيوانات ربما أدمن على ذلك بحيث يصير يميّز اسمه إذا دعي به. (ومنها): حمل الزاد في السفر. (ومنها): إمساك نصيب الرفيق الغائب. (ومنها): تبليغ السلام عن قرب، وعن بعد، وليس فيه دلالة على جواز ترك ردّ السلام ممن بلغه؛ لأنه يحتمل أن يكون وقع، وليس في الخبر ما ينفيه. (ومنها): أن ذكاة الصيد عقره. (ومنها): مشروعية الاستيهاب من الأصدقاء، وقبول الهديّة من الصَّدِيق. وقال القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى-: عندي أن النبيّ ﷺ طلب من أبي قتادة ذلك تطييبًا لقلب من أكل منه؛ بيانًا للجواز بالقول والفعل؛ لإزالة الشبهة التي حصلت لهم. (ومنها): الرفق بالأصحاب، والرفقاء في السير. (ومنها): استعمال الكناية في الفعل كما تستعمل في القول؛ لأنهم استعملوا الضحك في موضع الإشارة؛ لما اعتقدوه من أن الإشارة لا تحلّ. (ومنها): جواز سوق الفرس للحاجة، والرفق به مع ذلك؛ لقوله: "وأسير شأوّا". (ومنها): مشروعيّة نزول المسافر وقت

стр. 12846

القاثلة. (ومنها): ذكر الْحُكْم مع الحكمة، حيث قال ﷺ : "إنما هي طعمة أطعمكوها اللَّه". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في حكم الصيد للمحرم: قال العلامة ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى-: يحل للمحرم صيد البحر، اصطياده، وأكله، وبيعه، وشراؤه، وصيد البحر: الحيوان الذي يعيش في الماء، ويبيض فيه، ويفرخ فيه، كالسمك، والسلحفاة، والسرطان، ونحو ذلك، فإن كان جنس من الحيوان نوع منه في البحر، ونوع في البرّ، كالسلحفاة، فلكلّ نوع حكم نفسه، كالبقر منها الوحشيّ محرم، والأهليّ مباح انتهى. وأما صيد البرّ فقد أجمع العلماء على منعه للمحرم بحجّ، أو عمرة، وهذا الإجماع في مأكول اللحم الوحشيّ، كالظبي، والغزال، ونحو ذلك، وتحرم عليه الإشارة إلى الصيد، والدلالة عليه؛ لحديث أبي قتادة المذكور في الباب. قال ابن قدامة: لا خلاف بين أهل العلم في تحريم قتل الصيد، واصطياده على المحرم، وقد نصّ اللَّه تعالى عليه في كتابه، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، وقال تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، وتحرم عليه الإشارة إلى الصيد، والدلالة عليه. قال: ولا تحلّ له الإعانة عليه بشيء. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم أكل لحم الصيد للمحرم: (اعلم): أنهم اختلفوا في هذه المسألة على ثلاثة مذهب: (الأول): أنه لا يجوز له الأكل مطلقًا، وهو قول عليّ، وابن عباس، وابن عمر، والليث بن سعد، والثوريّ، وإسحاق بن راهويه، وطاوس، وجابر بن زيد. واحتجّ لهم بعموم قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ بناء على أن المراد بالصيد الحيوان المصيد، وبحديث الصعب بن جثّامة - رضي اللَّه تعالى عنه - الآتي في الباب التالي، وبحديث زيد بن أرقم ﵁ الآتي أن النبيّ ﷺ أُهدي له عضو من لحم صيد، فرده، وقال: "إنا لا نأكله، إنا حرم". وبما أخرجه أبو داود، وغيره من حديث عليّ ﵁: أنه قال لناس من أشجع: أتعلمون أن رسول اللَّه ﷺ أُهدي له رجل حمار وحشٍ، وهو محرم، فأبى أن يأكله؟، قالوا: نعم. (الثاني): أنه يجوز له الأكل مطلقًا، أي وإن صيد لأجله، إذالم يكن بإذنه وإعانته، أو دلالته، وإشارته. وإليه ذهب أبو حنيفة، وحكي ذلك عن عمر بن الخطاب،

стр. 12847

وأبي هريرة، والزبير بن العوّام، وعائشة، وطلحة بن عبيداللَه، وكعب الأحبار، ومجاهد، وسعيد بن جبير. واحجّ لهم بحديث أبي قتاد المذكور هنا، وحديث طلحة بن عبيد اللَّه، وحديث البهزيّ الآتيين بعد هذا. (الثالث): التفصيل بين ما صاده الحلال لأجل المحرم، وما صاده لا لأجله، فيمنع الأول، دون الثاني، وهو مذهب الجمهور، منهم الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعيّ، وأحمد، وحكي ذلك عن عثمان بن عفان، وعطاء، وأبي ثور، وإسحاق في رواية. وهذا المذهب هو الراحج، كما يأتي قريبًا. (الرابع): ما نُقِل عن مالك، وهو التفصيل بين ما صيد للمحرم قبل إحرامه يجوز له الأكل منه، أو بعد إحرامه فلا. (الخامس): ما نُقل عن عثمان، وهو التفصيل بين ما يصاد لأجله من المحرمين، فيمتنع عليه، ولا يمتنع على محرم آخر. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أرجح المذاهب عندي هو التفصيل الذي تقدم عن الجمهور، وهو أنه إن صاده الحلال لأجل المحرم، مُنِعَ، وما صاده لا لأجله، لم يُمنَع؛ لأن فيه الجمع بين الأحاديث المختلفة في الباب. قال في "الفتح": جمع الجمهور بين ما اختلف من هذه الأحاديث، بأن أحاديث القبول محمولة على ما يصيده الحلال لنفسه، ثم يهدي منه للمحرم، وأحاديث الردّ محمولة على ما صاده الحلال لأجل المحرم. قالوا: والسبب في الاقتصار على الإحرام عند الاعتذار للصعب أن الصيد لا يحرم على المرء إذا صيد له إلا إذا كان محرمًا، فبين الشرط الأصليّ، وسكت عما عداه، فلم يدلّ على نفيه، وقد بيّنه في الأحاديث الأُخر. قال الحافظ: ويؤيّد هذا الجمع حديث جابر ﵁، الآتي بعد بابين، مرفوعًا: "صَيدُ البرّ لكم حلال ما لم تصيدوه، أو يصاد لكم". أخرجه الترمذيّ، وابن خزيمة، وسيأتي الكلام عليه هناك، إن شاء اللَّه تعالى. وفي رواية للمصنّف في حديث الصعب ﵁ الآتي: "إنا حرم، لا نأكل الصيد"، فبيّن العلتين جميعًا. قاله في "الفتح" (١). والحاصل أن الأرجح تحريم لحم الصيد للمحرم إذا صاده الحلال له، وجوازه إذا لم يصده له. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 12848

[تكملة]: لا يجوز للمحرم قتل الصيد إلا إن صال عليه، فقتله دفعًا، فيجوز، ولا ضمان عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨١٧ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ, عَنْ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّيْمِيِّ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: كُنَّا مَعَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ, وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ, فَأُهْدِيَ لَهُ طَيْرٌ, وَهُوَ رَاقِدٌ, فَأَكَلَ بَعْضُنَا, وَتَوَرَّعَ بَعْضُنَا, فَاسْتَيْقَظَ طَلْحَةُ, فَوَفَّقَ مَنْ أَكَلَهُ, وَقَالَ: أَكَلْنَاهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عمرو بن عليّ) الفلاّس الصيرفيّ، أبو حفص البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٤/ ٤. ٢ - (يحيى بن سعيد) القطّان، أبو سعيد البصريّ، ثقة ثبت حجة [٩] ٤/ ٤. ٣ - (ابن جريج) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل، يدلس ويرسل [٦] ٢٨/ ٣٢. ٤ - (محمد بن المنكدر) بن عبد اللَّه بن الْهُدَير التيميّ المدنيّ، ثقة فاضل [٣] ١٠٣/ ١٣٨. ٥ - (معاذ بن عبد الرحمن) التيميّ المدنيّ، صدوق [٣] ٥٢/ ٨٥٦. ٦ - (عبد الرحمن بن عثمان) بن عبيد اللَّه بن عثمان بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة التيميّ، أسلم يوم الحديبية. وقيل: يوم الفتح. وكان يقاله: شارب الذهب. روى عن النبيّ ﷺ ، وعن عمه طلحة بن عبيد اللَّه، وعثمان بن عفان. وعنه ابناه: عثمان، ومعاذ، والسائب بن يزيد، وابن المسيب، ومحمد بن إبراهيم التيميّ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وغيرهم. قُتل مع عبد اللَّه بن الزبير، ودُفن بالْحَزَوَّرَة، فلما زيد في المسجد دخل قبره في المسجد الحرام. روى له مسلم، وأبو داود، والمصنّف، وله عنه في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم ٢٨١٧ و ٤٣٥٥. واللَّه تعالى أعلم. ٧ - (طلحة بن عُبيد اللَّه) بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة التيميّ، أبو محمد المدنيّ، أحد العشرة المبشّرين بالجنّة ﵃، استُشْهِد يوم الْجَمَل سنة (٣٦) وهو ابن (٦٣) تقدم في ٤/ ٤٥٨. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيّات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة. أنه مسلسل بالمدنيين، من ابن المنكدر. (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، وتابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 12849

شرح الحديث (عَنْ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ الرحْمَنِ التَيمِيَّ، عَنْ أَبِيهِ,) عبد الرحمن بن عثمان - رضي اللَّه تعالى - عنه، أنه (قَالَ: كُنَّا مَعَ طَلْحَةَ بْن عُبَيدِ اللَّهِ) رَضي اللَّه تعالى عنه (وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ) جملة في محلّ نصب على الحال (فَأُهْدِيَ لَهُ طَيْرٌ) ببناء الفعل للمفعول (وَهُوَ رَاقِدٌ) جملة حالية، أي والحال أنه نائم (فَأَكَلَ بَعْضُنَا، وَتَوَرَّعَ بَعْضُنَا) أي كفّ بعضهم عن الأكل (فَاسْتَيقَظَ طَلْحَةُ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (فَوَفَّقَ مَنْ أكلَهُ) أي صوّب أكل من أكله، يقال: وفّقه اللَّه توفيقًا: سدّده. قاله الفيّوميّ (وَقَالَ) طلحة - رضي اللَّه تعالى عنه -، مستدلاًّ على تصويبه فعل من أكل (أَكَلْنَاهُ) أي جنس الطير، فليس المراد أنهم أكلوا الذي أهدي له (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أي فهو حلال لكم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان، تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث طلحة بن عبيد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٨٧/ ٢٨١٧ - وفي "الكبرى" ٧٧/ ٣٧٩٩. وأخرجه (م) في "الحجّ" ١١٩٧ (أحمد) في "مسند العشرة" ١٣٨٦ و ١٣٩٥ (الدارمي) في "المناسك" ١٨٢٩. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨١٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ - وَاللَّفْظُ لَهُ- عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ, قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ, عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ, عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ, عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَلَمَةَ الضَّمْرِيِّ, أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنِ الْبَهْزِيِّ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , خَرَجَ يُرِيدُ مَكَّةَ, وَهُوَ مُحْرِمٌ, حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالرَّوْحَاءِ, إِذَا حِمَارُ وَحْشٍ عَقِيرٌ, فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَ: «دَعُوهُ, فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ صَاحِبُهُ» , فَجَاءَ الْبَهْزِيُّ, وَهُوَ صَاحِبُهُ, إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , شَأْنَكُمْ بِهَذَا الْحِمَارِ, فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ, فَقَسَّمَهُ بَيْنَ الرِّفَاقِ, ثُمَّ مَضَى حَتَّى إِذَا كَانَ بِالأُثَايَةِ, بَيْنَ الرُّوَيْثَةِ وَالْعَرْجِ, إِذَا ظَبْيٌ حَاقِفٌ فِي ظِلٍّ, وَفِيهِ سَهْمٌ, فَزَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ رَجُلاً, يَقِفُ عِنْدَهُ, لَا يُرِيبُهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ, حَتَّى يُجَاوِزَهُ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (محمد بن سلمة) بن أبي فاطمة المراديّ الْجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة

стр. 12850

ثبت [١١] ١٩/ ٢٠. ٢ - (الحارث بن مسكين) بن محمد الأمويّ مولاهم، أبو عمرو المصريّ القاضي، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩. ٣ - (ابن القاسم) هو عبد الرحمن الْعُتَقيّ، أبو عبد اللَّه المصريّ الفقيه، صاحب مالك، ثقة، من كبار [١٠] ١٩/ ٢٠. ٤ - (مالك) بن أنس المذكور قبل حديث. ٥ - (يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقة ثبت [٥] ٢٢/ ٢٣. ٦ - (محمد بن إبراهيم بن الحارث) التيميّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة، له أفراد [٤] ٦٠/ ٧٥. ٧ - (عيسى بن طلحة) بن عُبيد اللَّه التيميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقة فاضل، من كبار [٣] ٧٣/ ٩٠. ٨ - (عمير بن سلمة) الضَّمْريّ -بفتح المعجمة، وسكون الميم- صحابيّ يُعدّ في أهل المدينة. روى عن النبيّ ﷺ . وقيل: عن البهزيّ، عنه قصّة الظبي الحاقف. روى عنه عيسى بن طلحة بن عبيد اللَّه. وقال ابن إسحاق: هو عمير بن سلمة بن منتاب بن طلحة بن جُديّ بن ضمرة. قال ابن عبد البرّ: لم يختلفوا في صحبته. وجعل مالك في حديثه: عن عمير بن سليم، عن البهزيّ. والصحيح أنه لعمير بن سلمة، عن النبيّ ﷺ ، والبهزيّ كان صائدًا. ويحتمل أن يكون بين الروايتين اختلاف عن البهزيّ، وإنما أخبر عن قصّة البهزيّ، فحذف المضاف، وبقي المضاف إليه، ولذلك نظائر. وقد جزم بذلك موسى بن هارون فيما نقله عنه الدارقطنيّ في "العلل"، ونبّه ابن عبد البرّ على نظير لذلك في "التمهيد". قال الحافظ: وفي هذا الاعتذار نظر، فقد رواه الداقطنيّ في "العلل" من طريق عبّاد ابن العوّام، ويونس بن راشد، كلاهما عن يحيى بن سعيد، فقال في روايته: إن البهزيّ حدّثه. ويحتمل أن يكون ذلك وهمًا منهما ظنًّا أن قوله: "عن البهزيّ" على سبيل الرواية, فروياه بالمعنى، فقالا: حدّثه. والاعتماد في صحة صحبته على رواية ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن عيسى، عن عمير بن سلمة، قال: بينما نحن مع النبيّ ﷺ . وفي رواية عبد ربّه بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم: خرجت مع النبيّ ﷺ . وإنما قال فيه: "عن البهزيّ" يحيى بن سعيد، عن محمد. واللَّه أعلم. وإنما اختلف فيه على يحيى.
следующие страницы →