← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 12846–12885 · переход к 12851.

стр. 12846

القاثلة. (ومنها): ذكر الْحُكْم مع الحكمة، حيث قال ﷺ : "إنما هي طعمة أطعمكوها اللَّه". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في حكم الصيد للمحرم: قال العلامة ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى-: يحل للمحرم صيد البحر، اصطياده، وأكله، وبيعه، وشراؤه، وصيد البحر: الحيوان الذي يعيش في الماء، ويبيض فيه، ويفرخ فيه، كالسمك، والسلحفاة، والسرطان، ونحو ذلك، فإن كان جنس من الحيوان نوع منه في البحر، ونوع في البرّ، كالسلحفاة، فلكلّ نوع حكم نفسه، كالبقر منها الوحشيّ محرم، والأهليّ مباح انتهى. وأما صيد البرّ فقد أجمع العلماء على منعه للمحرم بحجّ، أو عمرة، وهذا الإجماع في مأكول اللحم الوحشيّ، كالظبي، والغزال، ونحو ذلك، وتحرم عليه الإشارة إلى الصيد، والدلالة عليه؛ لحديث أبي قتادة المذكور في الباب. قال ابن قدامة: لا خلاف بين أهل العلم في تحريم قتل الصيد، واصطياده على المحرم، وقد نصّ اللَّه تعالى عليه في كتابه، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، وقال تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، وتحرم عليه الإشارة إلى الصيد، والدلالة عليه. قال: ولا تحلّ له الإعانة عليه بشيء. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم أكل لحم الصيد للمحرم: (اعلم): أنهم اختلفوا في هذه المسألة على ثلاثة مذهب: (الأول): أنه لا يجوز له الأكل مطلقًا، وهو قول عليّ، وابن عباس، وابن عمر، والليث بن سعد، والثوريّ، وإسحاق بن راهويه، وطاوس، وجابر بن زيد. واحتجّ لهم بعموم قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ بناء على أن المراد بالصيد الحيوان المصيد، وبحديث الصعب بن جثّامة - رضي اللَّه تعالى عنه - الآتي في الباب التالي، وبحديث زيد بن أرقم ﵁ الآتي أن النبيّ ﷺ أُهدي له عضو من لحم صيد، فرده، وقال: "إنا لا نأكله، إنا حرم". وبما أخرجه أبو داود، وغيره من حديث عليّ ﵁: أنه قال لناس من أشجع: أتعلمون أن رسول اللَّه ﷺ أُهدي له رجل حمار وحشٍ، وهو محرم، فأبى أن يأكله؟، قالوا: نعم. (الثاني): أنه يجوز له الأكل مطلقًا، أي وإن صيد لأجله، إذالم يكن بإذنه وإعانته، أو دلالته، وإشارته. وإليه ذهب أبو حنيفة، وحكي ذلك عن عمر بن الخطاب،

стр. 12847

وأبي هريرة، والزبير بن العوّام، وعائشة، وطلحة بن عبيداللَه، وكعب الأحبار، ومجاهد، وسعيد بن جبير. واحجّ لهم بحديث أبي قتاد المذكور هنا، وحديث طلحة بن عبيد اللَّه، وحديث البهزيّ الآتيين بعد هذا. (الثالث): التفصيل بين ما صاده الحلال لأجل المحرم، وما صاده لا لأجله، فيمنع الأول، دون الثاني، وهو مذهب الجمهور، منهم الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعيّ، وأحمد، وحكي ذلك عن عثمان بن عفان، وعطاء، وأبي ثور، وإسحاق في رواية. وهذا المذهب هو الراحج، كما يأتي قريبًا. (الرابع): ما نُقِل عن مالك، وهو التفصيل بين ما صيد للمحرم قبل إحرامه يجوز له الأكل منه، أو بعد إحرامه فلا. (الخامس): ما نُقل عن عثمان، وهو التفصيل بين ما يصاد لأجله من المحرمين، فيمتنع عليه، ولا يمتنع على محرم آخر. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أرجح المذاهب عندي هو التفصيل الذي تقدم عن الجمهور، وهو أنه إن صاده الحلال لأجل المحرم، مُنِعَ، وما صاده لا لأجله، لم يُمنَع؛ لأن فيه الجمع بين الأحاديث المختلفة في الباب. قال في "الفتح": جمع الجمهور بين ما اختلف من هذه الأحاديث، بأن أحاديث القبول محمولة على ما يصيده الحلال لنفسه، ثم يهدي منه للمحرم، وأحاديث الردّ محمولة على ما صاده الحلال لأجل المحرم. قالوا: والسبب في الاقتصار على الإحرام عند الاعتذار للصعب أن الصيد لا يحرم على المرء إذا صيد له إلا إذا كان محرمًا، فبين الشرط الأصليّ، وسكت عما عداه، فلم يدلّ على نفيه، وقد بيّنه في الأحاديث الأُخر. قال الحافظ: ويؤيّد هذا الجمع حديث جابر ﵁، الآتي بعد بابين، مرفوعًا: "صَيدُ البرّ لكم حلال ما لم تصيدوه، أو يصاد لكم". أخرجه الترمذيّ، وابن خزيمة، وسيأتي الكلام عليه هناك، إن شاء اللَّه تعالى. وفي رواية للمصنّف في حديث الصعب ﵁ الآتي: "إنا حرم، لا نأكل الصيد"، فبيّن العلتين جميعًا. قاله في "الفتح" (١). والحاصل أن الأرجح تحريم لحم الصيد للمحرم إذا صاده الحلال له، وجوازه إذا لم يصده له. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 12848

[تكملة]: لا يجوز للمحرم قتل الصيد إلا إن صال عليه، فقتله دفعًا، فيجوز، ولا ضمان عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨١٧ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ, عَنْ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّيْمِيِّ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: كُنَّا مَعَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ, وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ, فَأُهْدِيَ لَهُ طَيْرٌ, وَهُوَ رَاقِدٌ, فَأَكَلَ بَعْضُنَا, وَتَوَرَّعَ بَعْضُنَا, فَاسْتَيْقَظَ طَلْحَةُ, فَوَفَّقَ مَنْ أَكَلَهُ, وَقَالَ: أَكَلْنَاهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عمرو بن عليّ) الفلاّس الصيرفيّ، أبو حفص البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٤/ ٤. ٢ - (يحيى بن سعيد) القطّان، أبو سعيد البصريّ، ثقة ثبت حجة [٩] ٤/ ٤. ٣ - (ابن جريج) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل، يدلس ويرسل [٦] ٢٨/ ٣٢. ٤ - (محمد بن المنكدر) بن عبد اللَّه بن الْهُدَير التيميّ المدنيّ، ثقة فاضل [٣] ١٠٣/ ١٣٨. ٥ - (معاذ بن عبد الرحمن) التيميّ المدنيّ، صدوق [٣] ٥٢/ ٨٥٦. ٦ - (عبد الرحمن بن عثمان) بن عبيد اللَّه بن عثمان بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة التيميّ، أسلم يوم الحديبية. وقيل: يوم الفتح. وكان يقاله: شارب الذهب. روى عن النبيّ ﷺ ، وعن عمه طلحة بن عبيد اللَّه، وعثمان بن عفان. وعنه ابناه: عثمان، ومعاذ، والسائب بن يزيد، وابن المسيب، ومحمد بن إبراهيم التيميّ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وغيرهم. قُتل مع عبد اللَّه بن الزبير، ودُفن بالْحَزَوَّرَة، فلما زيد في المسجد دخل قبره في المسجد الحرام. روى له مسلم، وأبو داود، والمصنّف، وله عنه في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم ٢٨١٧ و ٤٣٥٥. واللَّه تعالى أعلم. ٧ - (طلحة بن عُبيد اللَّه) بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة التيميّ، أبو محمد المدنيّ، أحد العشرة المبشّرين بالجنّة ﵃، استُشْهِد يوم الْجَمَل سنة (٣٦) وهو ابن (٦٣) تقدم في ٤/ ٤٥٨. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيّات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة. أنه مسلسل بالمدنيين، من ابن المنكدر. (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، وتابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 12849

شرح الحديث (عَنْ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ الرحْمَنِ التَيمِيَّ، عَنْ أَبِيهِ,) عبد الرحمن بن عثمان - رضي اللَّه تعالى - عنه، أنه (قَالَ: كُنَّا مَعَ طَلْحَةَ بْن عُبَيدِ اللَّهِ) رَضي اللَّه تعالى عنه (وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ) جملة في محلّ نصب على الحال (فَأُهْدِيَ لَهُ طَيْرٌ) ببناء الفعل للمفعول (وَهُوَ رَاقِدٌ) جملة حالية، أي والحال أنه نائم (فَأَكَلَ بَعْضُنَا، وَتَوَرَّعَ بَعْضُنَا) أي كفّ بعضهم عن الأكل (فَاسْتَيقَظَ طَلْحَةُ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (فَوَفَّقَ مَنْ أكلَهُ) أي صوّب أكل من أكله، يقال: وفّقه اللَّه توفيقًا: سدّده. قاله الفيّوميّ (وَقَالَ) طلحة - رضي اللَّه تعالى عنه -، مستدلاًّ على تصويبه فعل من أكل (أَكَلْنَاهُ) أي جنس الطير، فليس المراد أنهم أكلوا الذي أهدي له (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أي فهو حلال لكم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان، تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث طلحة بن عبيد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٨٧/ ٢٨١٧ - وفي "الكبرى" ٧٧/ ٣٧٩٩. وأخرجه (م) في "الحجّ" ١١٩٧ (أحمد) في "مسند العشرة" ١٣٨٦ و ١٣٩٥ (الدارمي) في "المناسك" ١٨٢٩. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨١٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ - وَاللَّفْظُ لَهُ- عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ, قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ, عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ, عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ, عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَلَمَةَ الضَّمْرِيِّ, أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنِ الْبَهْزِيِّ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , خَرَجَ يُرِيدُ مَكَّةَ, وَهُوَ مُحْرِمٌ, حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالرَّوْحَاءِ, إِذَا حِمَارُ وَحْشٍ عَقِيرٌ, فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَ: «دَعُوهُ, فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ صَاحِبُهُ» , فَجَاءَ الْبَهْزِيُّ, وَهُوَ صَاحِبُهُ, إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , شَأْنَكُمْ بِهَذَا الْحِمَارِ, فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ, فَقَسَّمَهُ بَيْنَ الرِّفَاقِ, ثُمَّ مَضَى حَتَّى إِذَا كَانَ بِالأُثَايَةِ, بَيْنَ الرُّوَيْثَةِ وَالْعَرْجِ, إِذَا ظَبْيٌ حَاقِفٌ فِي ظِلٍّ, وَفِيهِ سَهْمٌ, فَزَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ رَجُلاً, يَقِفُ عِنْدَهُ, لَا يُرِيبُهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ, حَتَّى يُجَاوِزَهُ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (محمد بن سلمة) بن أبي فاطمة المراديّ الْجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة

стр. 12850

ثبت [١١] ١٩/ ٢٠. ٢ - (الحارث بن مسكين) بن محمد الأمويّ مولاهم، أبو عمرو المصريّ القاضي، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩. ٣ - (ابن القاسم) هو عبد الرحمن الْعُتَقيّ، أبو عبد اللَّه المصريّ الفقيه، صاحب مالك، ثقة، من كبار [١٠] ١٩/ ٢٠. ٤ - (مالك) بن أنس المذكور قبل حديث. ٥ - (يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقة ثبت [٥] ٢٢/ ٢٣. ٦ - (محمد بن إبراهيم بن الحارث) التيميّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة، له أفراد [٤] ٦٠/ ٧٥. ٧ - (عيسى بن طلحة) بن عُبيد اللَّه التيميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقة فاضل، من كبار [٣] ٧٣/ ٩٠. ٨ - (عمير بن سلمة) الضَّمْريّ -بفتح المعجمة، وسكون الميم- صحابيّ يُعدّ في أهل المدينة. روى عن النبيّ ﷺ . وقيل: عن البهزيّ، عنه قصّة الظبي الحاقف. روى عنه عيسى بن طلحة بن عبيد اللَّه. وقال ابن إسحاق: هو عمير بن سلمة بن منتاب بن طلحة بن جُديّ بن ضمرة. قال ابن عبد البرّ: لم يختلفوا في صحبته. وجعل مالك في حديثه: عن عمير بن سليم، عن البهزيّ. والصحيح أنه لعمير بن سلمة، عن النبيّ ﷺ ، والبهزيّ كان صائدًا. ويحتمل أن يكون بين الروايتين اختلاف عن البهزيّ، وإنما أخبر عن قصّة البهزيّ، فحذف المضاف، وبقي المضاف إليه، ولذلك نظائر. وقد جزم بذلك موسى بن هارون فيما نقله عنه الدارقطنيّ في "العلل"، ونبّه ابن عبد البرّ على نظير لذلك في "التمهيد". قال الحافظ: وفي هذا الاعتذار نظر، فقد رواه الداقطنيّ في "العلل" من طريق عبّاد ابن العوّام، ويونس بن راشد، كلاهما عن يحيى بن سعيد، فقال في روايته: إن البهزيّ حدّثه. ويحتمل أن يكون ذلك وهمًا منهما ظنًّا أن قوله: "عن البهزيّ" على سبيل الرواية, فروياه بالمعنى، فقالا: حدّثه. والاعتماد في صحة صحبته على رواية ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن عيسى، عن عمير بن سلمة، قال: بينما نحن مع النبيّ ﷺ . وفي رواية عبد ربّه بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم: خرجت مع النبيّ ﷺ . وإنما قال فيه: "عن البهزيّ" يحيى بن سعيد، عن محمد. واللَّه أعلم. وإنما اختلف فيه على يحيى.

стр. 12851

وفي قوله: لم يختلفوا في صحبته نظر، فقد قال ابن منده: مختلف في صحبته. وذكره ابن حبّان في ثقات التابعين، بعد أن ذكره في الصحابة. تفرّد به المصنّف برواية حديث الباب فقط. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيّات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير الصحابيّ، فإنه من أفراده كما مرّ آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخيه، وابن القاسم، فمصريون. (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، إن قلنا: إنه من مسند البهزيّ، والصحيح أنه من مسند عُمير بن سلمة، وأن قوله: "عن الهزيّ" على حذف مضاف: عن قصّة البهزيّ. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم، عن بعض: يحيى، عن محمد بن إبراهيم، عن عيسى بن طلحة. (ومنها): أن صحابيه من المقلّين من الرواية, فليس له إلا هذا الحديث عند المصنّف فقط. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَلَمَةَ الضَّمْرِيَّ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنِ الْبَهْريِّ) أي عن قصّته، كما أسلفته آنفًا، وهو بفتح الموحدة، وسكون الهاء، بعدها زايٌ: نسبة إلى بهز، وهو اسم حيّ، كما في "القاموس". واسم البهزيّ زيد بن كعب، صحابيّ له هذا الحديث ﵁، على ما قيل، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. [تنبيه]: ظاهر رواية مالك -رحمه اللَّه تعالى- هذه أنه من مسند البهزيّ، لا من مسند عمير بن سلمة. قال الحافظ أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى-: لم يُختَلف على مالك في إسناد هذا الحديث، واختَلَف أصحاب يحيى بن سعيد فيه على يحيى، فرواه جماعة كما رواه مالك. ورواه حماد بن زيد، وهُشيم، ويزيد بن هارون، وعليّ بن مُسهِر، عن يحيى، عن محمد بن إبراهيم، عن عيسى بن طلحة، عن عمير بن سلمة، عن النبيّ ﷺ . والقول عندي قول من جعل الحديث لعمير بن سلمة، عن النبيّ ﷺ -كما قال حماد ابن زيد، ومن تابعه. ومما يدلّ على صحة ذلك أن يزيد بن الهاد، وعبد ربّه بن سعيد رويا هذا الحديث عن محمد بن إبراهيم، عن عيسى بن طلحة، عن عمير بن سلمة الضمريّ، قال: "خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ … ". وفي حديث ابن الهاد: "بينما نحن مع رسول اللَّه ﷺ … ". رواه الليث بن سعد هكذا، عن يزيد بن الهاد. وقال موسى

стр. 12852

ابن هارون: والصحيح عندنا أن هذا الحديث رواه عمير بن سلمة، عن النبي ﷺ ، ليس بينه وبين النبيّ ﷺ فيه أحدٌ. قال: وذلك بين في رواية يزيد بن هارون، وعبد ربه بن سعيد. قال موسى بن هارون: ولم يأت ذلك من مالك؛ لأن جماعة رووه عن يحيى بن سعيد كما رواه مالك، ولكن إنما جاء ذلك من يحيى بن سعيد، كان يرويه أحيانًا، فيقول فيه: عن البهزيّ، وأحيانًا لا يقول فيه: عن البهزيّ، وأظنّ المشيخة الأولى كان ذلك جائزًا عندهم، وليس هو رواية عن فلان، وإنما هو عن قصّة فلان انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أن الصواب رواية من جعله من مسند عمير ابن سلمة، لا من مسند البهزيّ؛ لاتفاق حماد بن زيد، وهشيم، وعليّ بن مسهر، ويزيد بن هارون، كلهم عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن عيسى بن طلحة، عن عمير بن سلمة الضمريّ: أن رسول اللَّه ﷺ أقبل، أو خرج … الحديث. ودليل ترجيح رواية هؤلاء على رواية مالك، أن يزيد بن الهاد، وعبد ربه بن سعيد رويا الحديث عن محمد بن إبراهيم، كروايتهم، وفيه تصريح عمير بقوله: "خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ ، وفي حديث ابن الهاد: "بينما نحن مع رسول اللَّه ﷺ … " فهذا تصريِح من عمير بن سلمة بحضوره القصة. واللَّه تعالى أعلم. (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، خَرَجَ يُرِيدُ مَكَّةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالرَّوْحَاءِ) بفتح الراء، وسكون الواو، بعدها حاء مهملة، بوزن حمراء: موضع بين مكة والمدينة على ثلاثين، أو أربعين ميلاً من المدينة. قاله في "القاموس" (إِذَا حِمَارُ وحْشٍ) "إذا" هنا فجائية، أي ففاجأنا وجود حمار وحش (عَقِيرٌ) أي معقور، يعني أنه مقتول بالجرح (فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) وجود حمار وحش معقور، والظاهر أنهم استأذنوه في أكله بدليل قوله (فَقَالَ: "دَعُوهُ") أي اتركوه، ولا تتصرّفوا فيه بأكل، أو غيره (فَإِنَّهُ يُوشِكُ) أي يقرب (أَنْ يَأتِيَ صَاحِبُهُ) فيتصرّف بالإذن في أكله، أو المنع منه (فَجَاءَ الْبَهْزِيُّ) أي الرجل المنسوب إلى بهز، وهو كما في "القاموس" اسم حيّ (وَهُوَ صَاحِبُهُ) أي صاحب ذلك الحمار المعقور (إِلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَى اللَّه عَلَيْكَ وَسَلَمَ، شَأنكُمْ بَهِذَا الْحِمَارِ) أي تصرّفوا فيه كيف شئتم، وِانتصاب "شأنكم" على مفعول لفعل محذوف، أي افعلوا شأنكم (فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أبا بَكْرٍ) الصدّيق - رضي اللَّه تعالى عنه - بقسمته بين الصحابة ﵃ (فَقَسَّمَهُ بَيْنَ الرَّفَاقِ) بالكسر جمع رُفْقة بضم، فسكون، قال الفيّوميّ: الرفقة: الجماعة الذين تُرافقهم في سفرك، فإذا تفرّقتم زال اسم الرفقة، وهي بضم الراء في لغة بني تميم، والجمع رِفَاق، مثلُ بُرْمَة وبِرَام، وبكسرها في لغة قيس،

стр. 12853

والجمع رِفَقٌ، مثلُ سِدْرة وسِدَر. والرفيق: الذي يُرافقك. قال الخليل: ولا يذهب اسم الرفيق بالتفرّق. انتهى. (ثُمَّ مَضَى) أي ذهب رسول اللَّه ﷺ (حَتَّى إِذَا كَانَ بِالأُثَايَةِ) بضم الهمزة، وحكي كسرها، ومثلّثةٍ: موضع بطريق الجحفة إلى مكة (١). وفي "القاموس": وأُثَايةُ بالضمّ، ويُثلَث: موضع بين الحرمين، فيه مسجد نَبَوِيٌّ، أو بئر، دون الْعَرْجِ، عليها مسجد للنبيّ ﷺ انتهى (بَيْنَ الرُّوَيْثَةِ) بضم الراء مصغّرًا: موضع بين الحرمين. قاله في "القاموس" (وَالْعَرْجِ) بفتح العين المهملة، وسكون الراء، بعدها جيم: قرية جامعة من أعمال الْفُرع، على أيام من المدينة. قاله ابن الأثير (٢) (إِذَا ظَبْيٌ حَاقِفٌ) -بمهملة، ثم قاف، ثم فا- قال أبو عمر: الحاقف: الواقف المنثني، والمنحنى، وكلّ منحنٍ، فهو مُحقوقفٌ. هذا قول الأخفش. وقال غيره من أهل اللغة: الحاقف الذي يلجأ إلى حِقْف، وهو ما انعطف من الرمل، وقال العجاج [من مشطور الرجز]: نَاجٍ طَوَاهُ الأَيْنُ مِمَّا وَجَفَا … طيِّ اللَّيَالِي زُلَفًا فَزُلَفَا سَمَاوَةَ الْهِلَالِ حَتَّى احْقَوْقَفَا (٣) وقال في "اللسان": وَظْبيٌ حاقف: فيه قولان: أحدهما أن معناه صار في حِقف، والآخر أنه رَبَض، واحقوقف ظهره. وقال الأزهريّ: الظبي الحاقف يكون رابضًا في حقف من الرمل، أو منطويًا كالحِقْف. وقال أيضًا: الظبي الحاقف: هو الذي نام، وانحنى، وتثنّى في نومه، ولهذا قيل للرمل إذا كان منحنيًا: حِقفٌ انتهى (فِي ظِلًّ، وَفِيهِ سَهْمٌ) يحتمل أن يكون المراد أن في ذلك الظبي سهمًا متعلقًا به، بأن رماه شخصٌ بسهم، فبقي متعلقًا به، ولم يقتله. ويحتمل أن يكون المراد أن في ذلك الظلّ سهمًا أي حجرًا مهيئًا للاصطياد، فقد ذكر في "القاموس"، و"اللسان" من معاني السهم أنه: حجرٌ يُجعل على باب البيت الذي يُبنى للأسد ليُصاد فيه، فإذا دخله وقع الحجر على الباب، فسدّه. واللَّه تعالى أعلم. (فَزَعَمَ) الظاهر أن الزاعم هو عمير بن سلمة الضمريّ، والزعم يُطلق على القول الحقّ، وهذا منه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ رَجُلاً، يَقِفُ عِنْدهُ) أي عند ذلك الظبي (لَا يُرِيبُهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ) بفتح أوله، وضمه، من رابه يريبه ثلاثيًّا، من باب باع، أو من أرابه يُريبه، رباعيًّا: أي لا يتعرّض له، ولا يُزعجه.

стр. 12854

قال الحافظ أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى-: وفي ذلك دليل على أن المحرم لا يجوز له أن ينفّر الصيد، ولا يعين عليه، ألا ترى أن رسول اللَّه ﷺ أمر رجلاً أن يقف عند الظبي الحاقف حتى يُجاوزه الناس لا يريبه أحدٌ؛ يعني لا يمسّه، ولا يُهيجه انتهى (١) (حَتَّى يُجَاوِزَهُ) ضمير الفاعل لأحد، والمفعول للظبي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عمير بن سلمة الضمريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٨٧/ ٢٨١٨ و ٣٢/ ٤٣٤٤ - وفي "الكبرى" ٧٧/ ٣٨٠٠ و ٣٥/ ٤٨٥٦. وأخرجه مالك في (الموطإ) في "الحج" ٧٨٩. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو جواز أكل المحرم لحم صيد اصطاده الحلال، لكن بشرط أن لا يعينه، ولا يشير إليه، ولا يدله عليه، كما تقدم تفصيل الخلاف بين العلماء في ذلك. (ومنها): جواز أكل الصيد إذا غاب عنه صاحبه، أو مات، إذا عرف أنها رميته. وقد اختلف الفقهاء في هذا المسألة، فقال مالك: إذا أدركه الصائد من يومه أكله، في الكلب، والسهم جميعًا، وإن كان ميتًا إذا كان فيه أثر جرحه، وإن كان قد بات عنه لم يأكله. وقال الثوريّ: إذا غاب عنه يوما وليلةً كرهتُ له أكله. وقال أبو حنيفة، وأصحابه: إذا توارى عنه الصيد، وهو في طلبه، فوجده، وقد قتله جاز أكله، فإن ترك الطلب، واشتغل بعمل غيره، ثم ذهب في طلبه، فوجده مقتولاً، والكلب عنده كرهنا أكله. وقال الأوزاعيّ: إذا وجده من الغد ميتاً، ووجد فيه سهمًا، أو أثرًا، فليأكله. وقال الشافعيّ: القياس أن لا يأكله إذا غاب عنه؛ لأنه لا يدرى أمات من رميته، أو من غيرها. وروي عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -: كل ما أصبت، ودع ما أنميت - يريد كل ما عاينت صيده، وموته من سلاحك، أو كلبك، ودع ما غاب عنك. وفي حديث أبي ثعلبة الخشنيّ ﵁ عن النبيّ ﷺ في الذي يدرك صيده بعد ثلاث: يأكله ما لم يُنتن. أخرجه مسلم. وفي حديث عديّ بن حاتم ﵁ أنه سأل رسول اللَّه ﷺ عن

стр. 12855

الصيد يغيب عن صاحبه الليلة، والليلتين؟، فقال: "إذا وجدت فيه سهمك، ولم تجد أثر سبع، وعلمت أن سهمك قتله، فكله". قال الترمذيّ: حسن صحيح، وسيأتي للمصنّف ١٩/ ٤٣٠٠. قال أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى-: وفي حديث الباب ردّ لقول أبي حنيفة، وأصحابه في اشتراطهم التراخي في الطلب؛ لأن رسول اللَّه ﷺ لم يقل للبهزيّ: هل تراخيت في طلبه، وأباح أكله لأصحابه المحرمين، ولم يسأله عن ذلك انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الصحيح قول من أباح أكله، لكن بشرط أن لا يُتن كما شرطه في حديث أبي ثعلبة ﵁، وبشرط أن يترجح أن سهمه هو الذي قتله، وليس فيه أثر لسبع، كما بينه حديث عدي ﵁ واللَّه تعالى أعلم. (ومنها): أنه يدلّ على تحريم تنفير الصيد على المحرم، ولا يعين عليه، ألا ترى أنه ﷺ أمر رجلاً أن يقف عند الظبي الحاقف، ولا يُهيجه أحد. (ومنها): أن الصائد إذا أثبت الصيد برمحه، أو سهمه، وأصاب مقاتله، فقد ملكه بذلك، إذا كان الصيد لا يمتنع من أجل فعله به عن أحد، ألا ترى قوله ﷺ : "يوشك صاحبه أن يأتي"، فجعله ﷺ صاحبه يصحب ملكه له. (ومنها): أن فيه دلالة على جواز هبة المشاع؛ لقوله البهزيّ للجماعة: "شأنكم بهذا الحمار"، ثم قسمه أبو بكر ﵁ بينهم بأمر رسول اللَّه ﷺ . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٧٩ - (مَا لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَكْلُهُ مِنَ الصَّيْدِ) ٢٨١٩ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, بْنُ سَعِيدٍ, عَنْ مَالِكٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ, عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ, أَنَّهُ أَهْدَي لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِمَارَ وَحْشٍ, وَهُوَ بِالأَبْوَاءِ, أَوْ بِوَدَّانَ, فَرَدَّهُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ

стр. 12856

- ﷺ مَا فِي وَجْهِي، قَالَ: "أَمَا، إِنَّهُ لَمْ نَرُدُّهُ عَلَيْكَ، إِلاَّ أنَّا حُرُمٌ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قتيبة) بن سعيد البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (مالك) بن أنس الإمام الحجة الفقيه المدنيّ [٧] ٧/ ٧. ٣ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهريّ المدنيّ الإمام الحجة الحافظ [٤] ١/ ١. ٤ - (عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عُتبة) بن مسعود الْهُذَليّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٤٥/ ٥٦. ٥ - (عبد اللَّه بن عباس) بن عبد المطّلب البحر الحبر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. ٦ - (الصعْب بن جَثْامة) -بفتح الصاد، وسكون العين المهملتين، بعدها باء موحّدة-، وأبوه جثّامة -بفتح الجيم، وتشديد المثلّثة- ابن قيس بن عبد اللَّه بن يعمر ابن الليثيّ الحجازيّ، أخو مُحَلّم. روى عن النبيّ ﷺ . وعنه عبد اللَّه بن عباس. قال أبو حاتم: هاجر إلى النبيّ ﷺ ، وكان ينزل بوَدّان، ومات في خلافة أبي بكر الصّدّيق. قال خليفة: اسم جثّامة وهب، وأمه فاختة بنت حرب بن أُميّة. وقال ابن حبان: مات في آخر ولاية عمر بن الخطاب. وقال ابن منده: كان فيمن شهد فتح فارس انتهى. وفارس كان فتحها زمن عثمان. ويدلّ على ذلك ما رواه ابن السكن من طريق بقية بن الوليد، عن صفوان بن عمرو، حدثني راشد بن سعد، قال: لما فُتحت إصطخر نادى منادٍ ألا إن الدجال قد خرج، فرجع الناس، فلقيهم الصعب بن جثّامة، فقال: لقد سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا يخرج الدجال حتى يذهل الناس عن ذكره، وحتى يترك الأئمة ذكره على المنابر". قال ابن السكن: هذا حديث صالح الإسناد. قال الحافظ: إنما أشار بقوله: صالح الإسناد إلى ثقة رجاله، لكن راشدًا لم يُدرك زمن الصعب، والغرض أنه عاش بعد أبي بكر. ومما يؤيّد ذلك أن يعقوب بن سفيان قال في "تاريخه": حدثنا عمار، عن سلمة، عن ابن إسحاق، حدثني عمر بن عبد اللَّه، عن عروة، قال: لما ركب أهل العراق في الوليد -يعني ابن عقبة- كانوا خمسة منهم الصعب بن جثامة. قال: وقد أخطأ من قال: مات الصعب في خلافة أبي بكر خطأً بيّنًا. انتهى. وقال في "الفتح": وهو من بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وكان ابن أخت أبي سفيان بن حرب، أمه زينب بنت حرب بن أُمية، وكان النبيّ ﷺ آخى بينه وبين عوف بن مالك انتهى. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث ٢٨١٩ فقط، وأعاده بعده برقم ٢٨٢٠. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 12857

لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ. (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، وتابعيّ، عن تابعيّ، وفيه عبيد اللَّه بن عبد اللَّه أحد الفقهاء السبعة المشهورين في المدينة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) قال في "الفتح": لم يُختلف على مالك في سياقه معنعنًا، وأنه من مسند الصعب ﵁، إلا ما وقع في "موطإ ابن وهب"، فإنه قال في روايته: "عن ابن عباس، أن الصعب بن جثّامة أهدى"، فجعله من مسند ابن عبّاس. نبّه على ذلك الدارقطنيّ في "الموطّآت". وكذا أخرجه مسلم من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: "أهدى الصعب"، والمحفوظ في حديث مالك الأول. وللبخاريّ في "كتاب الهبة" من طريق شعيب، عن الزهريّ، قال: "أخبرني عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، أن ابن عباس أخبره، أنه سمع الصعب -وكان من أصحاب النبيّ ﷺ يخبر أنه أهدى … " (عَنْ عُبَيْدِ اللَّه بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْن عُتْبَةَ) بن مسعود (عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَبَّاسِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِمَارَ وَحْشٍ) قال في الفتح": لم تختلف الرواة عن مالك في ذلك، وتابعه عامّة الرواة عن الزهريّ، وخالفهم ابن عيينة، عن الزهريّ، فقال: "لحم حمار وحش". أخرجه مسلم، لكن بين الحميديّ، صاحب سفيان أنه كان يقول في هذا الحديث: "حمار وحش"، ثم صار يقول: "لحم حمار وحش". فدلّ على اضطرابه فيه. وقد توبع على قوله: "لحم حمار وحش" من أوجه فيها مقال، منها: ما أخرجه الطبرانيّ من طريق عمرو بن دينار، عن الزهريّ، لكن إسناده ضعيف. وقال إسحاق في "مسنده": أخبرنا الفضل بن موسى، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن الزهريّ، فقال: "لحم حمار". وقد خالفه الواسطيّ، عن محمد بن عمرو، فقال: "حمار وحش"، كالأكثر. وأخرجه الطبرانيّ من طريق ابن إسحاق، عن الزهريّ، فقال: "رجل حمار وحش". وابن إسحاق حسن الحديث، إلا أنه لا يُحتجّ به إذا خولف. ويدلّ على وهم من قال فيه عن الزهريّ ذلك أن ابن جريج قال: قلت للزهريّ: الحمار عقير؟، قال: لا أدري. أخرجه ابن خزيمة، وأبواعنة في "صحيحيهما". وقد جاء عن ابن عباس من وجه آخر أن الذي أهداه الصعب لحم حمار، فأخرجه مسلم من طريق الحَكَمِ عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: "أهدى الصعب إلى

стр. 12858

النبيّ ﷺ رجل حمار". وفي رواية عنده: عجز حمار وحش، يقطر دمًا". وأخرجه أيضًا من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد، قال تارة: "حمار وحش"، وتارة "شقٌ حمار". ويقوّي ذلك ما أخرجه مسلم أيضًا من طريق طاوس، عن ابن عباس، قال: قدم زيد بن أرقم، فقال له عبد اللَّه بن عباس يستذكره: كيف أخبرتني عن لحم صيد أُهدي لرسول اللَّه ﷺ ، وهو حرام؟، قال: أهدي له عضو من لحم صيد، فردّه، وقال: "إنا لا نأكله، إنا حُرُم". وأخرجه أبو داود، وابن حبان من طريق عطاء، عن ابن عباس، أنه قال: "يا زيد بن أرقم، هل علمت أن رسول اللَّه ﷺ "، فذكره. واتفقت الروايات كلها على أنه ردّه عليه، إلا ما رواه ابن وهب، والبيهقيّ من طريقه بإسناد حسن، من طريق عمرو بن أُميّة: "أن الصعب أهدى للنبيّ ﷺ عجز حمار وحش، وهو بالجحفة، فأكل منه، وأكل القوم". قال البيهقيّ: إن كان هذا محفوظًا، فلعله ردَّ الحيّ، وقبل اللحم. قال الحافظ: وفي هذا الجمع نظر؛ لما بينته، فإن كانت الطرق كلها محفوظة، فلعله ردّه حيًّا؛ لكونه صيد لأجله، وردّ اللحم تارة؛ لذلك، وقبله تارة أخرى، حيث علم أنه لم يصده لأجله. وقد قال الشافعيّ في "الأمّ": إن كان الصعب أهدى له حمارًا حيًّا، فليس للمحرم أن يذبح حمار وحش حيّ، وإن كان أهدى له لحمًا، فقد يحتمل أن يكون علم أنه صيد له. ونقل الترمذيّ عن الشافعيّ أنه رده لظنه أنه صيد من أجله، فتركه على وجه التنزّه. ويحتمل أن يُحمل القبول المذكور في حديث عمرو بن أمية على وقت آخر، وهو حال رجوعه ﷺ من مكة، ويؤيده أنه جازم فيه بوقوع ذلك بالجحفة، وفي غيرها من الروايات بالأبواء، أو بودّان. وقال القرطبيّ: يحتمل أن يكون الصعب أحضر الحمار مذبوحًا، ثم قطع منه عُضْوًا بحضرة النبيّ ﷺ ، فقدّمه له، فمن قال: أهدى حمارًا، أراد بتمامه مذبوحًا، لا حيًّا، ومن قال: لحم حمار، أراد ما قدّمه للنبيّ ﷺ . قال: ويحتمل من قال: حمارًا أطلق، وأراد بعضه مجازًا. قال: ويحتمل أنه أهداه له حيًّا، فلما ردّه عليه ذكّاه، وأتاه بعضو منه، ظانًّا أنه إنما ردّه عليه لمعنى يختصّ بجملته، فأعلمه بامتناعه أن حكم الجزء من الصيد حكم الكلّ. قال: والجمع مهما أمكن أولى من توهيم بعض الروايات. وقال النوويّ: ترجم البخاريّ يكون الحمار حيًّا, وليس في سياق الحديث تصريحٌ بذلك، وكذا نقلوا هذا التأويل عن مالك، وهو باطلٌ؛ لأن الروايات التي ذكرها مسلم

стр. 12859

صريحة في أنه مذبوح انتهى. قال الحافظ: وإذا تأملت ما تقدّم لم يحسن إطلاق بطلان التأويل المذكور، ولا سيما في رواية الزهريّ التي هي عمدة هذا الباب. وقد قال الشافعيّ في "الأم": حديث مالك أن الصعب أهدى حمارًا أثبت من حديث من روى أنه أهدى لحم حمار. وقال الترمذيّ: روى بعض أصحاب الزهريّ في حديث الصعب "لحم حمار وحش"، وهو غير محفوظ. انتهى (١). (وَهُوَ بِالأَبْوَاءِ) جملة في محل نصب على الحال، من الفاعل، أو المفعول. و"الأبواء" -بفتح الهمزة، وسكون الموحّدة، وبالمدّ-: جبل من عمل الْفُرُع -بضم الفاء، وسكون الراء، بعدها مهملة (٢) -. قيل: سمي الأبواء لوبائه على القلب. وقيل: لأن السيول تتبوّؤه: أي تحمله. وقال الفيّوميّ: و"الأبواء" على أفعال -بفتح الهمزة-: منزل بين مكة والمدينة، قريب من الجحفة، من جهة الشمال، دون مرحلة. انتهى. (أَوْ بِوَدَّانَ) شكّ من الراوي، وهو بفتح الواو، وتشديد الدال، آخره نون: موضع بقرب الجحفة. وقد سبق في حديث عمرو بن أُميّة أنه كان بالجحفة، وودّان أقرب إلى الجحفة من الأبواء، فإن من الأبواء إلى الجحفة للآتي من المدينة ثلاثة وعشرين ميلاً، ومن ودّان إلى الجحفة ثمانية أميال. وبالشك جزم أكثر الرواة. وجزم ابن إسحاق، وصالح بن كيسان، عن الزهريّ بودّان. وجزم معمر، وعبد الرحمن بن إسحاق، ومحمد بن عمرو بالأبواء. قال الحافظ: والذي يظهر لي أن الشكّ فيه من ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -؛ لأن الطبرانيّ أخرج الحديث من طريق عطاء عنه على الشكّ أيضًا انتهى. (فَرَدَّهُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي ردّ ذلك الحمار على الصعب بن جثّامة ﵁ (فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا في وَجْهِي) فيه التفات، إذ الظاهر أن يقول: "ما في وجهه". كما هو في رواية البخاريّ عن عبد اللَّه بن يوسف، عن مالك، ولفظه: "فلما رأى ما في وجهه". وفي رواية الليث، عن الزهريّ، عند الترمذيّ: "فلما رأى ما في وجهه من الكراهية"، وكذا لابن خزيمة من طريق ابن جريج المذكورة. (قَالَ) ﷺ (أَمَا) أداة استفتاح، وتنبيه، بمنزلة "ألا" (إِنَّهُ) الضمير للشأن، وفي نسخة: "إنا" وعلى النسختين، فهمزة "إنّ" مكسورة للابتداء (لَمْ نَرُدُّهُ عَلَيْكَ) قال عياض:

стр. 12860

ضبطناه في الروايات "لم نردّه" بفتح الدال، وردّه محقّقو مشايخنا من أهل العربيّة، وقالوا: "لم نردُّهُ" بضم الدال، وهكذا وجدته بخطّ بعض الأشياخ أيضًا، وهو الصواب عندهم، على مذهب سيبويه في مثل هذا في المضاعف، إذا دخله الهاء أن يُضمّ ما قبلها في الأمر، ونحوه من المجزوم، مراعاة للواو التي توجبها له ضمة الهاء بعدها, لخفاء الهاء، فكأن ما قبلها ولي الواو، ولا يكون ما قبل الواو إلا مضمومًا. قال: وليس الفتح بغلط، بل ذكره ثعلب في "الفصيح" ء نعم تعقّبوه عليه بأنه ضعيف، وأوهم صنيعه أنه فصيح. وأجازوا أيضًا الكسر، وهو أضعف الأوجه. هذا في المذكر، وأما في المؤنث، مثل "لم تردها" مفتوح الدال، مراعاة للألف. وقال العينيّ: في مثل هذه الصيغة قبل دخول الهاء عليها أربعة أوجه: الفتح؛ لأنه أخف الحركات. والضمِّ؛ إتباعًا لضمة عين الفعل. والكسر؛ لأنه الأصل في تحريك الساكن. والفكّ. وأما بعد دخول الهاء فيجوز فيه غير الكسر انتهى (١). قال الحافظ: ووقع في رواية الكشميهنيّ بفكّ الإدغام: "لم نردُدْهُ" بضمّ الأولى، وسكون الثانية، ولا إشكال فيه. انتهى (٢). (إِلاَّ أَنَّا حُرُمٌ) همزة "أنا" مفتوحة، على تقدير لام التعليل، أي لأنا. و"حُرُم" بضمتين: جمع حَرَام، أي محرمون. وفي رواية صالح بن كيسان الآتي بعد هذا: "إنا حرم، لا نأكل الصيد". وفي رواية شعيب، وابن جريج عند البخاريّ: "ليس بنا ردّ عليك". وفي رواية عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهريّ، عند الطبرانيّ: "إنا لم نردّه عليك كراهية له، ولكنا حُرُم". وفي رواية سعيد، عن ابن عباس: "لولا أنا محرمون لقبلناه منك". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث الصعب بن جَثّامة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في ببان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٧٩/ ٢٨١٩ و ٢٨٢٠ و ٢٨٢١ و ٢٨٢٢ و ٢٨٢٣ - وفي "الكبرى" ٧٨/ ٣٨٠١ و ٣٨٠٢ و ٣٨٥٣ و ٣٨٠٤ و ٣٨٠٥ و ٣٨٥٦. وأخرجه (خ) في "الحج" ١٨٢٥

стр. 12861

و"الهبة" ٢٥٧٣ و ٢٥٩٦ (م) في "الحجّ" ١١٩٣ و ١١٩٤ (ت) في "الحجّ" ٨٤٩ (ق) في "المناسك" ٣٠٩ (أحمد) في "مسند المدنيين" ١٥٩٨٧ و ١٥٩٨٨ و ١٦٢٢١ و ١٦٢٣٥ و ٢٧٨١٢ (الموطأ) في "الحجّ" ٧٩٣ (الدارمي) في "المناسك" ١٨٢٨. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ما لا يجوز للمِحرم أكله من الصيد، وهو الذي صاده الحلال لأجل المحرم. وبهذا تجمع الأحاديث في هذا الباب، فيحمل حديث أبي قتادة الماضي الدالّ على الإباحة على ما إذا لم يصده الحلال للمحرم، وحديث الصعب هذا على أنه قصد المحرم بصيده، وتحمل الآية الكريمة: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ الآية [المائدة: ٩٦] على الاصطياد، وعلى لحم ما صيد للمحرم، للأحاديث المذكورة المبيّنة للمراد من الآية. وهذا مذهب الشافعيّ، وجماعة، كما تقدّم، وهو الراجح، وقد تقدّم تفاصيل المذاهب في مسائل حديث أبي قتادة - رضي اللَّه تعالى عنه - الماضي. وحمل البخاريّ حديث الصعب على أنه كان حيًّا، حيث ترجم في "الصحيح" بقوله: "باب إذا أهدى للمحرم حمارًا وحشيًّا حيا لم يقبل". لكن روايات حديث الصعب لا تؤيّد هذا التأويل. قال النوويّ: وحكي هذا التأويل أيضًا عن مالك، وغيره، وهو تأويل باطل، وهذه الطرق التي ذكرها مسلم صريحة في أنه مذبوح، وإنما أهدى بعض لحم صيد، لا كله انتهى (١). (ومنها): أن النبيّ ﷺ كان يقبل الهديّة، وإنما الممنوع عليه قبول الصدقة. (ومنها): استحباب قبول الهديّة، إذا لم يكن هناك مانع من قبولها. (ومنها): جواز ردّها بعد القبول لسبب اقتضى ذلك. (ومنها): جواز الحكم بعلامة، لقوله: "فلما رأى ما في وجهي الخ". (ومنها): الاعتذار عن ردّ الهديّة؛ تطييبًا لقلب المهدي. (ومنها): أن الهديّة لا تدخل في الملك إلا بالقبول. (ومنها): تحريم الاصطياد على المحرم. (ومنها): تحريم تملكه، بشراء، أو هدية، أو نحوهما، وفي ملكه إياه بالإرث خلاف. (ومنها): أن المحرم إذا ملك صيدًا وجب عليه إرساله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨٢٠ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ, عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ, عَنْ عُبَيْدِ

стр. 12862

اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقْبَلَ, حَتَّى إِذَا كَانَ بِوَدَّانَ, رَأَى حِمَارَ وَحْشٍ, فَرَدَّهُ عَلَيْهِ, وَقَالَ «إِنَّا حُرُمٌ, لَا نَأْكُلُ الصَّيْدَ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح. وقوله: "عن صالح، عن عبيد اللَّه الخ" هكذا في رواية المصنّف من طريق حماد بن زيد، عن صالح. وفي رواية مسلم من طريق يعقوب بن إبراهيم، عن صالح، قال: عن الزهريّ، عن عبيد اللَّه الخ، والظاهر أن صالح بن كيسان يرويه بالطريقين، فلا اختلاف بين الروايتين. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "أقبل" أي من المدينة متوجها إلى مكة. وقوله: "لا نأكل الصيد" أي الصيد الذي صاده محرم، أو حلال لأجله، وبهذا أول المحققون جمعًا بين الأحاديث، كما سبق قريبًا. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨٢١ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ, عَنْ عَطَاءٍ, أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ, قَالَ: لِزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُهْدِيَ لَهُ عُضْوُ صَيْدٍ, وَهُوَ مُحْرِمٌ, فَلَمْ يَقْبَلْهُ؟ , قَالَ: نَعَمْ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أحمد بن سليمان) بن عبد الملك، أبو الحسين الرُّهاويّ، ثقة حافظ [١١] ٣٨/ ٤٢. ٢ - (عفّان) بن مسلم بن عبد اللَّه الباهليّ، أبو عثمان الصفّار البصريّ، ثقة ثبت، ربما وهِم، من كبار [١٠] ٢١/ ٤٢٧. ٣ - (حمّاد بن سلمة) بن دينار البصريّ، أبو سلمة، ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت، وتغيّر حفظه بآخره، من كبار [٨] ١٨١/ ٢٨٨. ٤ - (قيس بن سعد) أبو عبد الملك، أو أبو عبد اللَّه المكيّ، ثقة [٦] ١١٥/ ١٠٦٦. ٥ - (عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة فيقه فاضل، كثير الإرسال [٣] ١١٢/ ١٥٤. ٦ - (زيد بن أقم) بن زيد بن قيس الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ المشهور، نزل الكوفة - رضي اللَّه تعالى عنه -، تقدّم في -١٣/ ١٣. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 12863

شرح الحديث عن عطاء -رحمه اللَّه تعالى- (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (قَالَ: لِزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ظاهر هذا السياق أن عطاء كان حاضرًا حين سأل ابن عباس زيد بن أرقم - رضي اللَّه تعالى عنهم -، وكذا سياق الرواية التالية، لكن قال الحافظ في "النكت الظراف" ٣/ ١٩٧ - : سياق النسائيّ يقتضي أن يكون من رواية عطاء عن ابن عباس، عن زيد. انتهى. ولم يظهر لي وجه استدلاله بسياق المصنّف، فإن ظاهره على العكس، حيث يدلّ على أنه عن عطاء، عن زيد. واللَّه تعالى أعلم. (مَا عَلَمْتَ) بتقدير همزة الاستفهام، أي أما علمت؟ ويدلّ له رواية أبي داود بلفظ: "هل علمت؟ الخ". وفي رواية طاوس الآتيه بعد هذا: "قال: قدم زيد بن أرقم، فقال له ابن عباس، يستذكره، كيف أخبرتني عن لحم صيد، أُهدي لرسول اللَّه ﷺ ، وهو حرام؟، قال: نعم أهدى له رجل عضوًا من لحم صيد، فردّه" (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُهْدِيَ لَهُ) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله قوله (عُضْوُ صَيْدٍ، وَهُوَ مُحْرِمٌ) جملة حالية، أي والحال أنه ﷺ محرم (فَلَمْ يَقبَلْهُ؟) زاد في رواية أبي داود من طريق موسى بن إسماعيل، عن حماد: "وقال: إنا حرم". يعني إنما ردّه لكونه محرما، لا يحلّ له أكل لحم الصيد، لكن تقدّم أن الراجح أنه ذلك الرجل الذي أهداه إنما صاده لأجله ﷺ ، ولأصحابه، وهم محرمون، جمعًا بين الأحاديث، فتنبّه. (قَالَ) زيد - رضي اللَّه تعالى عنه - (نَعَمْ) أي علمتُ ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان، تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث زيد بن أرقم - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان موضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٧٩/ ٢٨٢١ و ٢٨٢٢ - وفي "الكبرى" ٧٨/ ٣٨٠٣ و ٣٨٠٤. وأخرجه (م) في "الحجّ" ١١٩٥ (د) في "المناسك" ١٨٥٠. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨٢٢ - (أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى, وَسَمِعْتُ أَبَا عَاصِمٍ, قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ, عَنْ طَاوُسٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ:

стр. 12864

قَدِمَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ, فَقَالَ: لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ, يَسْتَذْكِرُهُ, كَيْفَ أَخْبَرْتَنِي عَنْ لَحْمِ صَيْدٍ, أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وَهُوَ حَرَامٌ؟ , قَالَ: نَعَمْ, أَهْدَى لَهُ رَجُلٌ, عُضْوًا مِنْ لَحْمِ صَيْدٍ, فَرَدَّهُ, وَقَالَ: «إِنَّا لَا نَأْكُلُ, إِنَّا حُرُمٌ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"عمرو بن عليّ": هو أبو حفص الفلاّس البصريّ. و"يحيى": هو ابن سعيد القطّان. وقوله: "وسمعت أبا عاصم" معطوف على "سمعت يحيى"، فعمرو بن عليّ سمع من كليهما، وكان الأولى أن يعطفه بدون إعادة الفعل؛ لأنه لا حاجة إلى إعادة العامل في مثل هذا. واللَّه تعالى أعلم. و"أبو عاصم": هو الضحاك بن مخلد النبيل. و"الحسن بن مسلم": هو ابن يَنّاق المكيّ الثقة. وقوله: "قدم زيد بن أرقم" بفتح القاف، وكسر الدال المهملة، ولم يظهر لي من أين، وإلى أين قدومه - رضي اللَّه تعالى عنه -، فاللَّه تعالى أعلم. وقوله: "وهو حرام" بالفتح، أي محرم، من إطلاق المصدر، وإرادة اسم المفعول. وقوله: "حُرُم" بضمتين: جمع حرام. والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق تمام البحث فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨٢٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنِ الْحَكَمِ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: أَهْدَى الصَّعْبُ بْنُ جَثَّامَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رِجْلَ حِمَارِ وَحْشٍ, تَقْطُرُ دَمًا, وَهُوَ مُحْرِمٌ, وَهُوَ بِقُدَيْدٍ, فَرَدَّهَا عَلَيْهِ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه محمد ابن قُدامة الهاشميّ المصّيصيّ، فإنه انفرد به هو، وأبو داود، وهو ثقة. و" جرير": هو ابن عبد الحميد. و"منصور": هو ابن المعتمر. و"الحكم": هو ابن عتيبة. [تنبيه]: كان الأولى للمصنّف -رحمه اللَّه تعالى- تقديم هذا الحديث، والذي بعده على حديثي زيد بن أرقم - رضي اللَّه تعالى عنه - الماضيين، لتكون أحاديث الصعب في موضع واحد. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "رِجْل حمار وحش" ولفظ مسلم: "عجز حمار وحش". وقوله: "تقطر دما" بالتاء، وإنما أنثها؛ لأن الرِّجْل مؤنثة، قال الفيّوميّ: رِجْل الإنسان التي يمشي بها من أصل الفخذ إلى القدم، وهي أنثى، وجمعها أرجل، ولا جمع لها غير ذلك انتهى. ووقع في النسخة "الهندية" "يقطر" بالياء التحتانية، وُيوَجَّهُ بأنه إنما ذكرَّه لإضافته إلى مذكر، وهو "حمار"، فاكتسب التذكير منه، كما أشار إليه ابن مالك في "الخلاصة" حيث قال:

стр. 12865

وَرُبَّمَا أَكْسَبَ ثَانِ أَولَا … تَأْنِيثًا أنْ كَانَ لِحّذْفٍ مُوهَلَا أي وتذكيرًا. واللَّه تعالى أعلم. ولا تخالف بين رواية المصنّف بلفظ "رجل" وبين رواية مسلم بلفظ "عجز"؛ لأن العجز هو المؤخّر فمعناهما متقارب. ويحتمل أن يكون معنى الرَّجْل هنا بمعنى "الطائفة"، فإن من معاني "الرِّجْل" في "القاموس": الطائفة من الشيء، فيكون بمعنى قوله: "عجز حمار"، وقوله: "عضو حمار". واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "بقديد" الروايات السابقة بالأبواء، أو بودّان، بالشك، أو بالجزم بأحدهما، كما تقدّم بيانه، ولعله للتقارب، أو نحو ذلك عبر به. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: ظاهر رواية سعيد بن جبير هذه، والتي بعدها أن الحديث من مسند ابن عباس، وتقدّم أن الصحيح أنه من مسند الصعب، لا من مسند ابن عباس، كما هو ظاهر رواية عبيد اللَّه بن عبد اللَّه السابقة. فتنبّه. والحديث صحيح، وقد تقدّم تخريجه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨٢٤ - (أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ الْمَعْنِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ حَبِيبٍ, عَنْ شُعْبَةَ, عَنِ الْحَكَمِ وَحَبِيبٍ -وَهُوَ ابْنُ أَبِي ثَابِتٍ- عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ, أَهْدَى لِلنَّبِيِّ ﷺ حِمَارًا, وَهُوَ مُحْرِمٌ, فَرَدَّهُ عَلَيْهِ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "يوسف بن حماد": هو أبو يعقوب البصريّ، ثقة [١٠] ٢٥/ ١٧٨٣. وقوله: "الْمَعنيّ" -بفتح الميم، وسكون المهملة، بعدها نون-: نسبة إلى مَعْنٍ بطن من الأزد، ومن قيس عَيْلان، ومن طيّء. قاله في "لب اللباب" (١). و"سفيان بن حبيب": هو أبو محمد البزاز البصريّ، ثقة [٩] ٦٧/ ٨٢. وقوله: "وحبيب" بالجرّ عطفًا على الحكم، فشعبة يروي عنهما، وكلاهما يرويان عن سعيد بن جبير، فما وقع في بعد النسخ من ضبطه بالرفع بالقلم فغلط، فلْيُتَنَبهْ. والحديث صحيح تقدّم الكلام عليه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 12866

٨٠ - (إَذَا ضَحِكَ الْمُحْرِمُ، فَفَطِنَ الْحَلَالُ لِلصَّيدِ، فَقَتَلَهُ، أَيَأْكُلُهُ، أَمْ لَا؟) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "أيأكله" الضمير للمحرم، لا للحلال، والمعنى أنه إذا رأى المحرم الصيد، فضحك منه، لا ليدل الحلال عليه، بل تعجّبًا منه حيث ظهر له في وقت لا يستطيع أن يصطاده فيه، فانتبه الحلال، والتفت، فرأى الصيد، فقتله، فهل يأكل ذلك المحرم من ذلك الصيد، أم يحرم عليه أكله؛ لكون الحلال تفطّن له بسبب ضحكه؟، والجواب أنه يجوز أن يأكل منه؛ لحديث قصّة أبي قتادة ﵁ المذكور في الباب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٨٢٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ, عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ, قَالَ: انْطَلَقَ أَبِي, مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ, فَأَحْرَمَ أَصْحَابُهُ, وَلَمْ يُحْرِمْ, فَبَيْنَمَا أَنَا مَعَ أَصْحَابِي, ضَحِكَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ, فَنَظَرْتُ, فَإِذَا حِمَارُ وَحْشٍ, فَطَعَنْتُهُ, فَاسْتَعَنْتُهُمْ, فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُونِي, فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهِ, وَخَشِينَا أَنْ نُقْتَطَعَ, فَطَلَبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , أُرَفِّعُ فَرَسِي شَأْوًا, وَأَسِيرُ شَأْوًا, فَلَقِيتُ رَجُلاً مِنْ غِفَارٍ, فِي جَوْفِ اللَّيْلِ, فَقُلْتُ: أَيْنَ تَرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ , قَالَ: تَرَكْتُهُ, وَهُوَ قَائِلٌ بِالسُّقْيَا, فَلَحِقْتُهُ, فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنَّ أَصْحَابَكَ يَقْرَءُونَ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَرَحْمَةَ اللَّهِ, وَإِنَّهُمْ قَدْ خَشُوا (١) , أَنْ يُقْتَطَعُوا دُونَكَ, فَانْتَظِرْهُمْ, فَانْتَظَرَهُمْ, فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنِّي أَصَبْتُ حِمَارَ وَحْشٍ, وَعِنْدِي مِنْهُ, فَقَالَ لِلْقَوْمِ: «كُلُوا» , وَهُمْ مُحْرِمُونَ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح. و"خالد": هو ابن الحارث الْهُجَيْميّ البصريّ الحافظ الثبت. و"هشام": هو ابن أبي عبد اللَّه الدستوائيّ البصريّ الحافظ الحجة. والسند مسلسل بالبصريين، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، ورواية الابن، عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "انطلق أبي" هكذا ساقه مرسلاً هنا، وقد وصله في الرواية التالية، من طريق معاوية بن سلّام، عن يحيى، فقال: "أخبرني عبد اللَّه بن أبي قتادة، أن أباه أخبره، أنه

стр. 12867

غزا غزوة الحديبية … " الحديث. وقوله: "عام الحديبية" فيه أن ترك أبي قتادة الإحرام، ومجاوزته الميقات بلا إحرام، كان قبل أن تقرّر المواقيت، فإن تقريرها كان عام حجة الوداع سنة عشر، كما تقدم، فلا حاجة إلى الاستشكال بأنه كيف جاز له تأخير الإحرام عن الميقات؟، وقد تقدم غير هذا من التأويلات، وهذا أحسنها. وقوله: "فبينما أنا مع أصحابي الخ" هذا يدلّ على أن عبد اللَّه رواه عن أبيه، كما تقدّم. ولفظ البخاريّ: "فبينا أبي مع أصحابه الخ". وقوله: "ضحك بعضهم إلى بعض" وفي رواية عليّ بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عند البخاريّ: "فبصُر أصحابي بحمار وحش، فجعل بعضهم يضحك إلى بعض"، زاد في رواية أبي حازم: "وأحبّوا لو أني أبصرته". قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: هكذا في جميع الطرق، والروايات. ووقع في رواية العذريّ في مسلم: "فجعل بعضهم يضحك إليّ"، فشدّدت الياء من "إليّ". قال عياض: وهو خطأ، وتصحيف، وإنما سقط عليه لفظة "بعض"، ثم احتجّ لضعفها بأنهم لو ضحكوا إليه، لكانت أكبر إشارة، وقد قال لهم النبيّ ﷺ : "هل منكم أحد أمره، أو أشار إليه؟ "، قالوا: لا. وإذا دلّ المحرم الحلال على الصيد لم يأكل منه اتفاقًا، وإنما اختلفوا في وجوب الجزاء انتهى. وتعقّبه النوويّ بأنه لا يمكن ردّ هذه الرواية لصحّتها، وصحة الرواية الأخرى، وليس في واحدة منهما دلالة، ولا إشارة، فإن مجرّد الضحك ليس فيه إشارة. قال بعض العلماء: وإنما ضحكوا تعجبًا من عروض الصيد لهم، ولا قدرة لهم عليه؛ لمنعهم منه (١). قال الحافظ: قوله: فإن مجرد الضحك ليس فيه إشارة صحيح، ولكن لا يكفي في ردّ دعوى القاضي، فإن قوله: "يضحك بعضهم إلى بعض" هو مجرّد الضحك. وقوله: "يضحك بعضهم إليّ " فيه مزيد أمر على مجرّد الضحك. والفرق بين الموضعين أنهم اشتركوا في رؤيته، فاستووا في ضحك بعضهم إلى بعض، وأبو قتادة لم يكن رآه، فيكون ضحك بعضهم إليه بغير سبب باعثًا له على التفطّن إلى رؤيته. ويؤيد ما قال القاضي ما وقع في رواية أبي النضر، عن مولى أبي قتادة، بلفظ: "إذ رأيت الناس متشوفين لشيء، فذهبت انظر، فإذا حمار وحش، فقلت: ما هذا؟، فقالوا: لا ندري، فقلت: هو حمار وحش، فقالوا: هو ما رأيت".

стр. 12868

ووقع حديث أبي سعيد عند البزّار، والطحاويّ، وابن حبّان في هذه القصّة: "وجاء أبو قتادة، وهو حِلٌّ، فنكسوا رؤوسهم، كراهية أن يُحِدُّوا أبصارهم له، فيفطن، فيراه" انتهى. فكيف يُظنّ بهم مع ذلك أنهم ضحكوا إليه؟، فتبيّن أن الصواب ما قاله القاضي. وفي قول الشيخ: قد صحّت الرواية نظر؛ لأن الاختلاف في إئبات هذه اللفظة، وحذفها لم يقع في طريقين مختلفين، وإنما وقع في سياق إسناد واحد مما عند مسلم، فكان مع من أثبت لفظ "بعض" زيادة علم سالمة من الإشكال، فهي مقدّمة. وبيّن محمد بن جعفر في روايته عن أبي حازم، عن عبد اللَّه بن أبي أوفى، كما عند البخاريّ في "الهبة" أن قصّة صيده للحمار كانت بعد أن اجتمعوا بالنبيّ ﷺ ، وأصحابه، ونزلوا في بعض المنازل، ولفظه: "كنت يومًا جالسًا مع رجال من أصحاب النبيّ ﷺ في منزل في طريق مكة، ورسول اللَّه ﷺ نازل أمامنا، والقوم محرمون، وأنا غير محرم". وبيّن في هذه الرواية السبب الموجب لرؤيتهم اباه، دون أبي قتادة بقوله: "فأبصروا حمارًا وحشيًّا، وأنا مشغول أخصف نعلي، فلم يؤذنوني به، وأحبّوا لو أني أبصرته، والتفتّ، فأبصرته". ووقع في رواية أبي سعيد المذكورة أن ذلك وقع، وهم بعسفان، وفيه نظر، والصحيح ما في رواية البخاريّ، من طريق صالح بن كيسان، عن أبي محمد، مولى أبي قتادة، عنه، قال: "كنا مع النبيّ ﷺ بالقاحة، ومنا المحرم، وغير المحرم، فرأيت أصحابي، يتراءون شيئًا، فنظرت، فإذا حمار وحش … " الحديث. و"القاحة" -بقاف، ومهملة خفيفة، بعد الألف-: موضع قريبٌ من السقيا انتهى (١). وقوله: "وخشينا أن نقتطع" بالبناء للمفعول: أي نصير مقطوعين عن النبيّ ﷺ منفصلين عنه؛ لكونه سبقهم، وكذا قوله بعد هذا: "وخَشُوا أن يقتطعوا دونك"، وبيّن ذلك رواية عليّ بن المبارك، عن يحيى، عند أبي عوانة بلفظ: "وخشينا أن يقتطعنا العدو". وللبخاريّ: "وأنهم خشوا أن يقتطعهم العدوّ دونك". وهذا يُشعر بأن سبب إسراع أبي قتادة لإدراك النبيّ ﷺ خشية على أصحابه أن ينالهم بعض أعدائهم. وفي رواية أبي النضر عند البخاريّ في "الصيد": "فأبى بعضهم أن يأكل، فقلت: أنا أستوقف لكم النبيّ ﷺ ، فأدركته، فحدثته الحديث". ففي هذا أن سبب إدراكه أن يستفتيه عن قصّة أكل الحمار. ويمكن الجمع بأن يكون ذلك بسبب الأمرين. قاله في "الفتح" (٢). وقوله: "أرفّع الخ" بالتخفيف، والتشديد: أي أكلّفه السير السريع. و"شأوا" بالشين

стр. 12869

المعجمة، بعدها همزة ساكنة، أي تارة، والمراد أنه يركضه تارة، ويسير بسهولة أخرى. قاله في "الفتح". وفي "اللسان": الشأو: الطَّلَقُ، والشوط. والشأو: الغاية، والأمد. قال: ويقال: عدا الفرسُ شأوًا، أو شأوين: أي طَلَقًا، أو طلقين. انتهى. و"الطلق -بفتحين، أو بكسر، فسكون-: الشوط. وقوله: "فلقيت رجلاً من بني غفار". قال الحافظ: لم أقف على اسمه. وقوله: "قال: تركته، وهو قائل بالسقيا"، أي يريد القيلولة بالموضع المسمى بالسُّقْيا -بضم السين المهملة، وسكون القاف، بعدها تحتانيّة مقصورة-: قرية جامعة بين مكة والمدينة. وعند البخاريّ: "تركته بِتَعْهِن، وهو قائل السقيا". قال في "الفتح": و"تعهن" -بكسر المثناة، وبفتحها، بعدها عين مهملة ساكنة، ثم هاء مكسورة، ثم نون-. ورواية الأكثر بالكسر، وبه قيّدها البكريّ في "معجم البلاد". ووقع في رواية عند الكشميهنيّ بكسر أوله، ؤثالثه، ولغيرهما بفتحهما. وحكى أبو ذرّ الهرويّ أنه سمعها من العرب بذلك المكان بفتح الهاء، ومنهم من يضمّ التاء، ويفتح العين، ويكسر الهاء. وقيل: هو من تغييراتهم، والصواب الأول. وأغرب أبو موسى المدينيّ، فضبطه بضم أوله، وثانيه، وبتشديد الهاء، قال: ومنهم من يكسر التاء. وأصحاب الحديث يسكنون العين. ووقع في رواية الإسماعيليّ "بِدِعْهِن" بالدال المهملة بدل المثناة. وقوله: "قائل، قال النووي: روي بوجهين: أصحّهما، وأشهرهما بهمزة بين الألف واللام، من القيلولة، أي تركته في الليل بتعهن، وعزمُهُ أن يَقِيل بالسقيا، فمعنى قوله: "وهو قائل"، أي سيقيل. والوجه الثاني أنه قابل بالموحدة، وهو غريب، وكأنه تصحيف، فإن صحّ فمعناه أن تعهن موضع مقابل للسقيا، فعلى الأول الضمير في قوله: "وهو" للنبيّ ﷺ . وعلى الثاني الضمير للموضع، وهو تعهن، ولا شكّ أن الأول أصوب، وأكثر فائدة. وأغرب القرطبيّ، فقال: "وهو قائل" اسم فاعل من القول، أو من القائلة، والأول هو المراد هنا، و"السقيا" مفعول بفعل مضمر. وكأنه كان بتعهن، وهو يقول لأصحابه: اقصدوا السقيا. ووقع عند الإسماعيليّ من طريق ابن علية، عن هشام: "وهو قائم بالسقيا"، فأبدل اللام في "قائل" ميمًا، وزاد الباء في "السقيا". قال الإسماعيليّ: الصحيح "قائل" باللام. قال الحافظ: وزيادة الباء توهي الاحتمال الأخير المذكور انتهى (١).

стр. 12870

وقوله: "يقرءون عليك السلام" -بفتح الياء، من قرأت ثلاثيًّا. قال الفيّوميّ: وقرأتُ على زيد السلامَ أقرؤه عليه قراءةً، وإذا أمرت منه قلتَ: اقرأ ﵇. قال الأصمعيّ: وتعديته بنفسه خطأٌ، فلا يقال: اقرأه السلام؛ لأنه بمعنى "اتلُ عليه". وحكى ابن القطّاع أنه يتعدّى بنفسه رباعيًّا، فيقال: فلان يُقرِئك السلامَ. انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أنه إذا تعدى بحرف الجرّ، كهذا الحديث، فهو ثلاثيّ مفتوح الأول، لا غير، وإذا تعدى بنفسه، فهو رباعيّ، لا غير. واللَّه تعالى أعلم. وفيه استحباب إرسال السلام إلى الغائب، سواء كان أفضل من المرسل، أم لا؟؛ لأنه إذا أرسله إلى من هو أفضل، فمن دونه أولى. قال النوويّ: قال أصحابنا: ويجب على الرسول تبليغه، ويجب على المرسل إليه ردّ الجواب حين يبلّغه على الفور انتهى (١). وقوله: "قد خَشُوا" بفتح الخاء، وضم الشين المعجمتين، لا بفتحها، كما ظُنّ، وأصله "خَشِيوا" بكسرها، فنقلت ضمة الياء إليها؛ استثقالاً للصعود من الكسرة إلى الضمّة،، ثم حذفت الياء؛ لالتقاء الساكنين، فصار "خَشُوا" بفتح، فضتم، فليُتنبّه. وقوله: "فانتظرهم" بصيغة فعل الأمر، من الانتظار. وقوله: "فانتَظَرَهُمْ" بصيغة فعل الماضي، أي انتظر النبيّ ﷺ أصحابه. وقوله: "وعندي منه" فيه حذف مبتدإ، أي عندي منه فاضلةٌ. ويدلّ على هذا المحذوف ما يأتي في الرواية التالية، بلفظ: "فأنبأته أن عندنا من لحمه فاضلةً. أي قطعة فاضلة، أي بقيت بعد أكله. وفي رواية البخاريّ: "وعندي منه فاضلة". أي قطعة فضلت منه: أي بقيت. ويحتمل أن تكون "من" اسمًا بمعنى "بعض" مبتدأً خبره الظرف قبله، أي وبعضه كائن عندي. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "فقال للقوم: كلوا" صيغة الأمر هنا للإباحة، لا للوجوب؛ لأنها وقعت جوابا عن سؤالهم عن الجواز، لا عن الوجوب، فوقعت الصيغة على مقتضى السؤال. [تنبيه]: قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ولم يذكر في هذه الرواية أنه ﷺ أكل من لحمها، وذُكر عند البخاريّ في روايتي أبي حازم، عن عبد اللَّه بن أبي قتادة، ولم يَذكر ذلك أحد من الرواة عن عبد اللَّه بن أبي قتادة غيره. ووافقه صالح بن حسان عند أحمد، وأبي داود الطيالسيّ، وأبي عوانة، ولفظه: "فقال: كلوا، وأطعموني", وكذا لم يذكرها أحد من الرواة عن أبي قتادة نفسه إلا المطلب، عند سعيد بن منصور. ووقع لنا من رواية أبي محمد، وعطاء بن يسار، وأبي صالح، ومن رواية أبي سلمة بن

стр. 12871

عبد الرحمن، عند إسحاق، ومن رواية عباد بن تميم، وسعد بن إبراهيم عند أحمد. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: تفرد معمر، عن يحيى بن أبي كثير بزيادة مضادّة لروايتي أبي حازم، كما أخرجه إسحاق، وابن خزيمة، والدارقطنيّ من طريقه، وقال في آخره: "فذكرت شأنه لرسول اللَّه ﷺ ، وقلت: إنما اصطدته لك، فأمر أصحابه، فأكلوه، ولم يأكل منه، حين أخبرته أني اصطدته له". قال ابن خزيمة، وأبو بكر النيسابوريّ، والدارقطنيّ، والجوزقيّ: تفرّد بهذه الزيادة معمر، قال ابن خزيمة: إن كانت هذه الزيادة محفوظة احتمل أن يكون النبيّ ﷺ أكل من لحم ذلك الحمار قبل أن يُعلمه أبو قتادة أنه اصطاده من أجله، فلما أعلمه امتنع. انتهى. قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأنه لو كان حراما ما أُقرّ النبيّ ﷺ على أكله منه إلى أن أعلمه أبو قتادة بأنه اصطاده لأجله (١). ويحتمل أن يكون ذلك لبيان الجواز، فإن الذي يحرم على المحرم إنما هو الذي يعلم أنه صيد من أجله، وأما إذا أُتي بلحم، لا يدري ألحم صيد، أو لا، فحمله على أصل الإباحة، فأكل منه، لم يكن ذلك حرامًا على الآكل. قال: وعندي بعد ذلك فيه وقفة؛ فإن الروايات المتقدّمة ظاهرة في أن الذي تأخر هو العضد، وأنه ﷺ أكلها حتى تعرّقها، أي لم يُبق منها إلا العظم. ووقع عند البخاريّ في "الهبة": "حتى نفّدها"، أي فرّغها. فأيُّ شيء يبقى منها حتى يأمر أصحابه بأكله. لكن رواية أبي محمد عند البخاريّ في "الصيد": "أبقي معكم شيء منه؟، قلت: نعم، قال: كلو، فهو طعمة أطعمكموها اللَّه"، فأشعر بأنه بقي منها غير العضد. واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام الحافظ (٢). والحديث متّفقٌ عليه، وبقية مباحثه تقدمت قبل باب، فراجعها تزدد علمًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨٢٦ - (أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ فَضَالَةَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ النَّسَائِيُّ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (٣) مُحَمَّدٌ -وَهُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ الصُّورِيُّ- قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ -وَهُوَ ابْنُ سَلاَّمٍ- عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ, أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ, أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , غَزْوَةَ الْحُدَيْبِيَةِ, قَالَ: - فَأَهَلُّوا بِعُمْرَةٍ, غَيْرِي, فَاصْطَدْتُ حِمَارَ وَحْشٍ, فَأَطْعَمْتُ أَصْحَابِي مِنْهُ,

стр. 12872

وَهُمْ مُحْرِمُونَ, ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , فَأَنْبَأْتُهُ أَنَّ عِنْدَنَا مِنْ لَحْمِهِ فَاضِلَةً, فَقَالَ: «كُلُوهُ, وَهُمْ مُحْرِمُونَ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، عبيد اللَّه بن فضالة بن إبراهيم النسائيّ، فإنه من أفراده، وهو ثقة ثبت [١١] ١٧/ ٨٩٨. و"معاوية بن سلّام" بتشديد اللام: هو أبو سلّام الدمشقيّ, وكان يسكن حمص، ثقة [٧] ١٣/ ١٤٧٩. وقوله: "فاضلة": أي قطعة فاضلة، وبقية. والحديث أخرجه مسلم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٨١ - (إِذَا أَشَارَ الْمُحْرِمُ إِلَى الصَّيدِ، فَقَتَلَهُ الْحَلَالُ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: جواب "إذا" محذوف لدلالة الحديث عليه، تقديره: لا يجوز للمحرم أكله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٨٢٧ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) شُعْبَةُ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ, قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي قَتَادَةَ, يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ, أَنَّهُمْ كَانُوا فِي مَسِيرٍ لَهُمْ, بَعْضُهُمْ مُحْرِمٌ, وَبَعْضُهُمْ لَيْسَ بِمُحْرِمٍ, قَالَ: فَرَأَيْتُ حِمَارَ وَحْشٍ. فَرَكِبْتُ فَرَسِي, وَأَخَذْتُ الرُّمْحَ, فَاسْتَعَنْتُهُمْ, فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُونِي, فَاخْتَلَسْتُ سَوْطًا مِنْ بَعْضِهِمْ, فَشَدَدْتُ عَلَى الْحِمَارِ, فَأَصَبْتُهُ, فَأَكَلُوا مِنْهُ, فَأَشْفَقُوا, قَالَ: فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ ؟ , فَقَالَ: «هَلْ أَشَرْتُمْ, أَوْ أَعَنْتُمْ؟» , قَالُوا: لَا, قَالَ: «فَكُلُوا»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"أبو داود": هو سليمان بن داود الطيالسيّ. و"عثمان بن عبد اللَّه بن موهب" -بفتح الميم، والهاء- المدنيّ الأعرج، ثقة [٤] ٥/ ٤٦٨. وفي "الفتح": مدنيّ تابعيّ، روى عن تابعيّ أكبر منه قليلاً. انتهى (٢).

стр. 12873

وقوله: "فاختلست سوطا" أي سلبته، وأخذته من صاحبه بسرعة. وقوله: إ فشددت،: أي عدوت، وأسرعت إلى ذلك الحمار، فهو بمعنى قوله في الرواية الأخرى: "فحملت عليه". وقوله: "فأشفقوا": أي خافوا من أكلهم لحم ذلك الصيد. وقوله: "هل أشرتم الخ" وفي رواية البخاريّ: "أمنكم أحد أمره أن يَحمل عليها، أو أشار إليها؟ ". وفيه أنه لو أمر المحرم الحلال باصطياده، أو أشار عليه، فإنه لا يحلّ له أكله، وهو محك استدلال المصنّف على ما ترجم له. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبقت بقية مباحثه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨٢٨ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ -وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- عَنْ عَمْرٍو, عَنِ الْمُطَّلِبِ, عَنْ جَابِرٍ, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ, مَا لَمْ تَصِيدُوهُ, أَوْ يُصَادَ لَكُمْ». قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو, لَيْسَ بِالْقَوِيِّ فِي الْحَدِيثِ, وَإِنْ كَانَ قَدْ رَوَى عَنْهُ مَالِكٌ). قَالَ: أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ: عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرو، لَيْسَ بالْقَوِيَّ في الْحَدِيثِ، وَإنْ كَانَ قَدْ رَوَى عَنْهُ مَالِكْ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (يعقوب بن عبد الرحمن) القاريّ المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، حليف بني زهرة، ثقة [٨] ٤٥/ ٧٣٩. ٣ - (عمرو) بن أبي عمرو، واسمه ميسرة، مولى المطّلب بن عبد اللَّه بن حنطب المخزوميّ، أبو عثمان المدنيّ، صدوق (١)، ربما وهم [٥]. قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: ليس به بأس. وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: في حديثه ضعف، ليس بالقويّ. وقال أبو خيثمة، عن ابن معين: ضعيف. وقال أبو زرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال البخاريّ: روى عن عكرمة في قصّة البهيمة، فلا أدري سمع منه، أو لا؟. وقال الآجريّ: سألت أبا داود عنه؟ فقال: ليس هو بذاك، حدث عنه مالك بحديثين، روى عن عكرمة، عن ابن عباس: "من أتى بهيمة حُدَّ". وقال النسائيّ: ليس بالقويّ. وقال ابن عديّ: لا بأس به؛ لأن مالكًا يروي عنه،

стр. 12874

ولا يروي مالك إلا عن صدوق ثقة. وقال ابن سعد: مات في خلافة أبي جعفر، وزيادُ ابنُ عبيد اللَّه على المدينة. وكان كثير الحديث، صاحب مراسيل. وقال عثمان الدارميّ في حديث رواه في الأطعمة: هذا الحديث فيه ضعف، من أجل عمرو بن أبي عمرو. وقال ابن حبّان في "الثقات": ربما أخطأ، يُعتبر حديثه من رواية الثقات عنه. وقال العجليّ: ثقة ينكر عليه حديث البهيمة. وقال الساجيّ: صدوق، إلا أنه يَهِم. وكذا قال الأزديّ. وقال الطحاويّ: تكلّم في روايته بغير إسقاط (١). وأرّخ ابن قانع وفاته سنة (٤٤) (٢). وقال الذهبيّ: حديثه حسن، منحطّ عن الرتبة العلياء من الصحيح. قال الحافظ: كذا قال، وحقّ العبارة أن يُحذف "العليا". انتهى. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان، هذا ٢٨٢٨ وحديث: "اللهم إني أعوذ بك من الهمّ والحزن … " كرره خمس مرّات برقم (٣) ٥٤٤٩٠ و ٥٤٤٥٠ و ٥٤٥٣ و ٥٤٧٦ و ٥٥٠٣. ٤ - (والمطّلب) بن عبد اللَّه بن المطّلب بن حنطب بن الحارث المخزوميّ، صدوق كثير التدليس، والإرسال [٤] ٦٥/ ٨١. ٥ - (جابر) بن عبد اللَّه بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٣١/ ٣٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجالط الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه جابر ﷺ من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ جَابِرٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "صَيْدُ الْبَرَّ) أي مصيده (لَكُمْ حَلَالٌ) أي وأنتم حُرُم، كما في رواية الترمذيّ، وغيره، وهو بضمتين، جمع حرام، بمعنى المحرم. يعني أن أكل لحم الصيد في حال إحرامكم حلال لكم (مَا لَمْ تَصِيدُوهُ) "ما" مصدرية ظرفية، أي مدّة عدم صيدكم له (أَوْ يُصَادْ لَكُمْ) ووقع

стр. 12875

في "الكبرى": "أو يُصَد لكم" بحذف الألف من الوسط، وهو الجادّة. قال الحافظ السيوطيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "حاشية أبي داود": كذا في النسخ -يعني "أو يصاد" بالألف، والجاري على قوانين العربية: "أوْ يُصَدْ"؛ لأنه معطوف على المجزوم. ونقل في شرحه لهذا الكتاب عن الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-، قال: هكذا رواية "يُصاد" بالألف، وهي جائزة، على لغة، ومنه قول الشاعر [من الرجز]: إِذَا الْعَجُوزُ غَضِبَتْ فَطَلَّقِ … وَلَا تَرَضَّاهَا وَلَا تَمَلَّقِ (١) وقوله [من الطويل]: أَلَمْ يَأْتِيكَ وَالأَنْبَاءُ تَنْمِي … بِمَا لَاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيَادِ وقال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرحه": قلت: والوجه نصب "يصاد" على أن "أو" بمعنى "إلاَّ"، فلا إشكال. انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله السنديّ وجه حسن، لو ساعدته الرواية, والذي يفهم من كلام وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-، أن الرواية بالجزم مع إثبات الألف، فإذا كان كذلك، فلا وجه لتوجيهه بالنصب؛ لأن الرواية هي المعتمدة، فما قاله وليّ الدين هو المتعيّن. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (قَالَ: أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ) النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى- (عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو، لَيْسَ بِالْقَوِيَّ فِي الْحَدِيثِ، وَإنْ كَانَ قَدْ رَوَى عَنْهُ مَالِكٌ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنّف بهذا تضعيف هذا الحديث، من أجل عمرو بن أبي عمرو، فقط، لكن الذي يظهر لي أن تضعيف الحديث ليس قاصرًا على عمرو هذا، فإن عمرًا وثّقه كثير من أهل العلم، كما تقدم في ترجمته، فليس ضعف الحديث بسببه فقط، وإنما ضعف الحديث من وجوه أخرى أيضًا، سنذكرها قريبًا. قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: قد تبع النسائيَّ على هذا ابنُ حزم، فقال: خبر جابر ساقط؛ لأنه عن عمرو، وهو ضعيف، وقد سبقهما إلى تضعيفه يحيى بن معين، وغيره، لكن وثّقه أحمد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وابن عديّ، وغيرهم، وأخرج له الشيخان في "صحيحيهما"،، فوجب قبول خبره، وقد سكت أبو داود على

стр. 12876

حديثه هذا، فهو عنده إما حسن، أو صحيح، وصححه الحاكم في "المستدرك"، وقال: إنه على شرط الشيخين. ولكن المطلب بن عبد اللَّه بن حنطب لم يخرج له واحد من الشيخين في "صحيحه". وهذا يدلّ على أن الحاكم لا يريد بكونه على شرطهما أن يكون رجال إسناده في كتابيهما، كما ذكره جماعة؛ لأنه لا يجهل كون الشيخين لم يخرجا للمطلب، فدلّ على أن مراده أن يكون راويه في كتابيهما، أو في طبقة من أخرجا له. نعم أعلّ الترمذيّ هذا الحديث بالانقطاع بين المطلب وبين جابر، فقال: لا يُعرف له سماع منه. وكذا قال أبو حاتم، وقال البخاريّ: لا أعرف للمطلب سماعًا من أحد من الصحابة، إلا قوله: حدثني من شهد خطبة النبيّ ﷺ . وقال الدارميّ مثله. ذكره السيوطيّ في شرحه (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قول وليّ الدين: وهذا يدلّ على أن الحاكم الخ" فيه نظر لا يخفى، بل ما ذكره الجماعة هو الصواب، وقوله: "لأنه لا يجهل الخ" هذا استدلال غريب،، فقد صحح الحاكم أحاديث في أسانيدها راوة متروكون أو وضاعون، فهل يجاب عنه بمثل هذا؟، هذا شيء عجيب!!!. واللَّه تعالى أعلم. وقال ابن التركمانيّ -رحمه اللَّه تعالى- في معرض ردّه على البيهقيّ في تقويته حديث جابر هذا: ما نصّه: فالحديث في نفسه معلول، عمرو بن أبي عمرو مع اضطرابه في هذا الحديث متكلم فيه، قال ابن معين، وأبو داود: ليس بالقويّ، زاد يحيى: وكان مالك يستضعفه. وقال السعديّ مضطرب الحديث. والمطلب قال فيه ابن سعد: ليس يحتجّ بحديثه؛ لأنه يرسل عن النبيّ ﷺ كثيرًا، وعامة أصحابه يدلسون، ثم الحديث مرسل، قال الترمذيّ: المطلب لا يعرف له سماع من جابر. فظهر بهذا أن الحديث فيه أربع علل: (إحداها): الكلام في المطّلب. (ثانيتها): أنه ولو كان ثقة، فلا سماع له من جابر، فالحديث مرسل. (ثالثتها): الكلام في عمرو. (رابعتها): أنه وإن كان ثقة، فقد اختلف فيه، فقيل: عنه، عن المطّلب بن عبد اللَّه، عن جابر. وقيل: عنه عن رجل من بني سلمة، عن جابر. ورواه الطحاويّ من وجه آخر، عن المطّلب، عن أبي موسى. انتهى كلام ابن التركمانيّ -رحمه اللَّه تعالى- (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أن حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا

стр. 12877

ضعيف للعلل المذكورة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا ضعيف، كما مرّ الكلام عليه آنفًا. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٨١/ ٢٨٢٨ - وفي "الكبرى" ٨٠/ ٣٨١٠. وأخرجه (د) في "المناسك" ١٨٥١ (ت) في "الحجّ" ٨٤٦ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١٤٤٧٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٨٢ - (مَا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ مَنَ الصَّيْدِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "ما" اسم موصول خبر لمحذوف، أي هذه الأبواب الآتية في ذكر الأحاديث الدّالّة على الحيوانات التي يجوز للمحرم قتلها، وهي من الصيد. والظاهر أن هذه الترجمة بمنزلة الكتاب، والتراجم الآتية بمنزلة الفصول له. واللَّه تعالي أعلم بالصواب. … ٨٣ - (قَتْلُ الْكَلْبِ الْعَقُورِ) (*) ٢٨٢٩ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «خَمْسٌ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ: الْغُرَابُ, وَالْحِدَأَةُ, وَالْعَقْرَبُ, وَالْفَأْرَةُ, وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (قتيبة) بن سعيد المذكور في الباب الماضي.

стр. 12878

٢ - (مالك) بن أنس المدنيّ الإمام الحجة الثبت الفقيه [٧] ٧/ ٧. ٣ - (نافع) مولى ابن عمر المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ١٢/ ١٢. ٤ - (ابن عمر) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من رباعيّات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٤٥) من رباعيّات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه أصحّ الأسانيد على الإطلاق، على ما نُقل عن الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى-، وقد سبق غير مرّة. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، و"بَغْلان" قرية من قرى بَلْخَ. (ومنها): أن فيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين ألسبعة، روى (٢٦٣٥) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ ، قَالَ: "خَمْسٌ") أي من الدوابّ، وهو مبتدأ؛ لتخصصه بالصفة المقدّرة، وخبره جملة "ليس على المحرم الخ". قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: التقييد بالخمس، وإن كان مفهومه اختصاص المذكورات بذلك، لكنه مفهوم عدد، وليس بحجة عند الأكثرين، وعلى تقدير اعتباره، فيحتمل أن يكون قاله ﷺ أوّلاً، ثم بين بعد ذلك أن غير الخمس يشترك معها في الحكم. فقد ورد في بعض طرق عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - بلفظ: "أربع"، وفي بعض طرقها بلفظ: "ستّ". فأما طريق "أربع" فأخرجها مسلم من طريق القاسم، عنها، فأسقط الغراب. وأما طريق "ست"، فأخرجها أبو عوانة في "المستخرج" من طريق المحاربيّ، عن هشام، عن أبيه، عنها، فأثبتها، وزاد الحيّة. ويشهد لها ما رواه مسلم عن شيبان بن فرّوخ، عن أبي عوانة، عن زيد بن جبير، قال: سأل رجل ابن عمر: ما يقتل المحرم، من الدوابّ، وهو محرم؟، قال: حدثتني إحدى نسوة النبيّ ﷺ : "أنه كان يأمر بقتل الكلب العقور، والفأرة، والعقرب، والحُديّا، والغراب، والحيّة". وأغرب عياض، فقال: وفي غير كتاب مسلم ذكر الأفعى، فصارت سبعًا. وتُعُقّب بأن الأفعى داخلة في مسمى الحية. والحديث الذي ذُكِرَت فيه أخرجه أبو عوانة في "المستخرج" من طريق ابن عون، عن نافع في آخر حديث الباب، قال: قلت لنافع: فالأفعى؟ قال: ومن يشكّ في الأفعى؟ انتهى. وقد وقع في حديث أبي سعيد، عند أبي داود نحو رواية شيبان، وزاد السبع العادي، فصارت سبعًا.

стр. 12879

وفي حديث أبي هريرة ﵁ عند ابن خزيمة، وابن المنذر زيادة ذكر الذئب، والنمر على الخمس المشهورة، فتصير بهذا الاعتبار تسعًا. لكن أفاد ابن خزيمة عن الذهليّ أن ذكر الذئب، والنمر من تفسير الراوي للكلب العقور. ووقع ذكر الذئب في حديث مرسل، أخرجه ابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، وأبو داود من طريق سعيد بن المسيّب، عن النبيّ ﷺ ، قال: "يقتل المحرم الحية، والذئب". ورجاله ثقات. وأخرج أحمد من طريق حجاج بن أرطأة، عن وَبَرَة، عن ابن عمر، قال: "أمر رسول اللَّه ﷺ بقتل الذئب للمحرم". وحجاج ضعيف، وخالفه مسعر، عن وبرة، فرواه موقوفًا، أخرجه ابن أبي شيبة. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: فهذا جميع ما وقفت عليه في الأحاديث المرفوعة، زيادة على الخمس المشهورة، ولا يخلو شيء من ذلك من مقال. واللَّه أعلم انتهى (١). (لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ) أي إثم، وفي الرواية الآتية في -٨٨/ ٢٨٣٦ - من طريق الزهريّ، عن سالم، عن أبيه: "خمس من الدوابّ، لا جناح في قتلهنّ على من قتلهن في الحرم، والإحرام … ". وفي رواية لمسلم من طريق معمر، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - بلفظ: "يُقتلن في الحلّ والحرم". فعرف بهذا أنه لا إثم في قتلها على المحرم، ولا على الحلال، في الحرم، ولا في غيره. ويعرف حكم الحلال أيضًا بكونه لم يقم به مانع، وهو الإحرام، فهو بالجواز أولى. ثم إنه ليس في نفي الجناح، وكذا الحرج في طريق سالم دلالة على أرجحية الفعل على الترك، لكن ورد في طريق زيد بن جبير عند مسلم، بلفظ: "أمر"، وكذا في طريق معمر، ولأبي عوانة من طريق ابن نمير، عن هشام، عن أبيه بلفظ: "ليُقتل المحرم". وظاهر الأمر الوجوب، ويحتمل الندب، والإباحة. وروى البزّار من طريق أبي رافع، قال: "بينا رسول اللَّه ﷺ في صلاته، إذ ضرب شيئًا، فإذا هي عقرب، فقتلها، وأمر بقتل العقرب، والحيّة، والفأرة، والحدأة للمحرم". لكن هذا الأمر ورد بعد الحظر؛ لعموم نهي المحرم عن القتل، فلا يكون للوجوب، ولا للندب، ويؤيّد ذلك رواية الليث، عن نافع، بلفظ: "أذن". أخرجه مسلم، والنسائيّ، عن قتيبة، عنه، لكن لم يسق مسلم لفظه. وفي حديث أبي هريرة ﵁ عند أبي داود، وغيره: "خمس قتلهنّ حلال للمحرم" انتهى.

стр. 12880

(الغُرَابُ) زاد في رواية سعيد بن المسيّب، عن عائشة، عند مسلم: "الأبقع"، وهو الذي في ظهره، أو بطنه بياض. وأَخذ بهذا القيد بعض أصحاب الحديث، كما حكاه ابن المنذر وغيره. قال الحافظ: ثم وجدت ابن خزيمة قد صرّح باختياره، وهو قضيّة حمل المطلق على المقيّد. وأجاب ابن بطال بان هذه الزيادة لا تصحّ؛ لأنها من رواية قتادة، عن سعيد، وهو مدلس، وقد شذّ بذلك. وقال ابن عبد البرّ: لا تثبت هذه الزيادة. وقال ابن قُدامة: الروايات المطلقة أصحّ. وفي جميع هذا التعليل نظر: أما دعوى التدليس، فمردودة بأن شعبة لا يروي عن شيوخه المدلّسين إلا ما هو مسموع لهم، وهذا من رواية شعبة، بل صرّح النسائيّ في روايته من طريق النضر بن شُميل، عن شعبة بسماع قتادة. وأما نفي الثبوت، فمردود بإخراج مسلم. وأما الترجيح فليس من شرط قبول الزيادة، بل الزيادة مقبولة من الثقة الحافظ، وهو كذلك هنا. نعم قال ابن قدامة: يلتحق بالأبقع ما شاركه في الإيذاء، وتحريم الأكل. وقد اتفق العلماء على إخراج الغراب الصغير الذي يأكل الحبّ من ذلك، ويقال له: غراب الزرع، ويقال له: الزاغ، وأفتوا بجواز أكله، فبقي ما عداه من الغربان ملتحقًا بالأبقع. ومنها الغُدَاف على الصحيح كما في "الروضة"، بخلاف تصحيح الرافعيّ، وسمى ابن قدامة الغداف غراب البين، والمعروف عند أهل اللغة أنه الأبقع، قيل: سمي غراب البين؛ لأنه بان عن نوح ﵇ لما أرسله من السفينة ليكشف خبر الأرض، فلقي جيفة، فوقع عليها, ولم يرجع إلى نوح، وكان أهل الجاهلية يتشاءمون به، فكان إذا نعب مرتين، قالوا: آذن بشرّ، وإذا نعب ثلاثًا قالوا: آذن بخير، فأبطل الإسلام ذلك. وكان ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - إذا سمع الغراب قال: اللَّهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك. وقال صاحب "الهداية": المراد بالغراب في الحديث الغداف، والأبقع؛ لأنهما يأكلان الجيف، وأما غراب الزرع، فلا. وكذا استثناه ابن قُدامة، وما أظنّ فيه خلافًا. وعليه يحمل ما جاء في حديث أبي سعيد عند أبي داود، إن صحّ، حيث قال فيه: "ويرمي الغراب، ولا يقتله". وروى ابن المنذر وغيره نحوه عن عليّ، ومجاهد. قال ابن المنذر: أباح كلّ من يُحفظ عنه العلم قتل الغراب في الإحرام إلا ما جاء عن عطاء، قال في محرم كسر قرن (١) غراب، فقال: إن أدماه، فعليه الجزاء. وقال

стр. 12881

الخطابيّ: لم يتابع أحد عطاء على هذا انتهى. ويحتمل أن يكون مراده غراب الزرع. وعند المالكيّة اختلاف آخر في الغراب، والحدأة، هل يتقيّد جواز قتلهما بأن يبتدىء بالأذى، وهل يختصّ ذلك بكبارها؟ والمشهور عنهم -كما قال ابن شاس- لا فرق، وفاقًا للجمهور. ومن أنواع الغربان الأعصم، وهو الذي في رجليه، أو في جناحيه، أو بطنه بياض، أو حمرة. وله ذِكْر في قصّة حفر عبد المطّلب لزمزم. وحكمه حكم الأبقع. ومنها: العقعق، وهو قدر الحمامة على شكل الغراب، قيل: سمي بذلك؛ لأنه يعقّ فراخه، فيتركها بلا طعام. وبهذا يظهر أنه نوع من الغربان، والعرب تتشاءم به أيضًا. ووقع في "فتاوى قاضي خان" الحنفيّ: مَن خرج لسفر، فسمع صوت العقعق، فرجع كَفَر. وَحُكْمُهُ حُكْمُ الأبقع على الصحيح. وقيل: حكم غراب الزرع. وقال أحمد: إن أكل الجيف، وإلا فلا بأس به. قاله في "الفتح" (١). (وَالْحِدَأَةُ) مقصورًا، بوزن عِنَبة، واحدة الْحِدَأ بكسر أوله، وفتح ثانيه، بعدها همزة بغير مدّ، وحكى صاحب "المحكم" المد فيه ندورًا. والهاء فيه ليست للتأنيث، بل هي للوحدة، كالهاء في "التمرة". وحكى الأزهريّ "حدوة" بواو بدل الهمزة. ووقع في رواية البخاريّ في "بدء الخلق" بلفظ "الْحُدَيَّا"، ومئله لمسلم في رواية هشام بن عروة، عن أبيه. قال: قال قاسم بن ثابت: الوجه فيه الهمزة، وكأنه سهّل، ثم أُدغم. وقيل: هي لغة حجازية، وغيرهم يقول: "حُديّة"، ومن خواصّ الحدأة أنها تقف في الطيران، ويقال: إنها لا تختطف إلا من جهة اليمين. [تنبيه]: يلتبس بالحدأة الْحَدَأة بفتح أوله، وهو فأس له رأسان (٢). (وَالْعَقْرَبُ) هذا اللفظ للذكر والأنثى، وقد يقال لها: عقربة، وعقرباء، وليس منها العقربان، بل هي دُويبة طويلة، كثيرة القوائم. قال صاحب "المحكم": ويقال: إن عينها في ظهرها، وإنها لا تضرّ ميتا, ولا نائمًا، حتى يتحرّك. ويقال: لدغته العقرب، بالغين المعجمة، ولسعته بالمهملتين. وقد تقدّم اختلاف الرواة في ذكر الحية بدلها في حديث الباب، ومن جمعهما. قال الحافظ: والذي يظهر لي أنه ﷺ نبّه بإحداهما على الأخرى عند الاقتصار، وبيّن حكمهما معًا، حيث جمع. قال ابن المنذر: لا نعلهم اختلفوا في جواز قتل العقرب. وقال نافع لما قيل له: فالحية؟ قال: لا يختلف فيها.

стр. 12882

وفي رواية: ومن يشكّ فيها؟. وتعقبه ابن عبد البرّ بما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق شعبة أنه سأل الحكم، وحمادًا؟ فقالا: لا يقتل المحرم الحية، ولا العقرب. قال: ومن حجتهما أنهما من هوامّ الأرض، فيلزم من أباح قتلهما مثل ذلك في سائر الهوامّ، وهذا اعتلال لا معنى له. نعم عند المالكية خلاف في قتل صغير الحية، والعقرب التي لا تتمكن من الأذى. (وَالْفَاْرَةُ) بهمزة ساكنة، ويجوز فيها التسهيل، ولم يختلف العلماء في جواز قتلها للمحرم، إلا ما حكي عن إبراهيم النخعيّ، فإنه قال: فيها جزاء، إذا قتلها المحرم. أخرجه ابن المنذر. وقال: هذا خلاف السنة، وخلاف قول جميع أهل العلم. وروى البيهقيّ بإسناد صحيح عن حماد بن زيد، قال: لما ذكروا له هذا القول: ما كان بالكوفة أفحش ردًّا للآثار من إبراهيم النخعيّ؛ لقلة ما سمع منها, ولا أحسن اتباعاً لها من الشعبيّ؛ لكثرة ما سمع. ونقل ابن شاس عن المالكيّة خلافًا في جواز قتل الصغير منها الذي لا يتمكن من الأذى. والفار أنواع: منها الْجُرَذ -بالجيم، بوزن عُمَر. والْخُلْد -بضم المعجمة، وسكون اللام-. وفأرة الإبل، وفأرة السمك، وفأرة الغيط. وحكمها في تحريم الأكل، وجواز القتل سواء. وسيأتي إطلاق اسم الفويسقة عليها في -٨٨/ ٢٨٤٥ - ووقع في حديث أبي سعيد عند ابن ماجه: قيل له: لم قيل للفأرة فويسقة؟ فقال: لأن النبيّ ﷺ استيقظ لها، وقد أخذت الفتيلة لتحرق بها البيت. وقيل: إنما سميت بذلك لأنها قطعت حبال سفينة نوح ﵇. واللَّه تعالى أعلم. (وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ) الكلب معروف، والأنثى كلبة، والجمع أكلُب، وكلاب، وكَليب -بالفتح، كأعبد، وعِباد، وعَبيد. وفي الكلب بهيمية، وسبعية، وفيه منافع للحراسة، والصيد كما سيأتي في بابه، إن شاء اللَّه تعالى. وفيه من اقتفاء الأثر، وشمّ الرائحة، وخفّة النوم، والتودّد، وقبول التعليم ما ليس لغيره. وقيل: إن أول من اتخذه للحراسة نوح ﵇. و"العقور" -بفتح العين- مبالغة عاقر، وهو الجارح المفترس. وقد سبق البحث في نجاسته، وعدمه مستَوفًى في "الطهارة"، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته:

стр. 12883

حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٨٢/ ٢٨٢٩ و ٨٣/ ٢٨٣٠ و ٨٤/ ٢٨٣١ و ٨٦/ ٢٨٣٣ و ٨٧/ ٢٨٣٤ و ٨٨/ ٢٨٣٥ و ٢٨٣٦ - وفي "الكبرى" ٨١/ ٣٨١١ و ٨٢/ ٣٨١٢ و ٨٣/ ٣٨١٣ و ٨٥/ ٣٨١٥ و ٨٦/ ٣٨١٦ و ٨٧/ ٣٨١٧ و ٣٨١٨. وأخرجه (خ) في "الحج" ١٨٢٦ وفي "بدء الخلق" ٣٢٩٩ و ٣٣١١ و ٣٣١٣ وفي "المغازي" ٤٠١٧ (م) في "الحج" ١١٩٩ و ١٢٠٠ (د) في "المناسك" ١٨٤٦ و"الأدب" ٥٢٥٢ (ق) في "المناسك" ٣٠٨٨ و"الطبّ" ٣٥٣٥ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٤٤٤٧ و ٤٥٢٩ و ٤٥٤٣ و ٤٧٢٣ و ٤٨٣٦ و ٤٨٦١ و ٤٩١٨ و ٥٠٧٢ و ٢٧٧٩٠ و ٥١١١ و ٥١٣٨ و ٥٣٠٢ و ٥٤٥٢ و ٥٥١٦ و ٥٩٨٩ و ٦١٩٣ (الموطأ) في "الحجّ" ٧٩٨ و ٧٩٩ و ٨٠٠ (الدارمي) في "المناسك" ١٨١٦. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه الشيخان، والنسائيّ، من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر. وفي رواية البخاريّ ضمّ عبد اللَّه بن دشار إلى نافع. وقال ابن عبد البرّ: لا خلاف عن مالك في إسناد هذا الحديث، ولفظه انتهى. [فإن قلت]: قد ذكر مالك عبد اللَّه بن دينار تارة، ولم يذكره أخرى. [قلت]: ليس هذا اختلافًا، فله فيه شيخان، حدّث به في الأكثر عن نافع، وتارة عن عبد اللَّه بن دينار، وتارة عنهما. وقد أخرجه مسلم من رواية إسماعيل بن جعفر، عن عبد اللَّه بن دينار، فهو معروف عنه، من غير طريق مالك. وأخرجه مسلم، والنسائيّ من طريق الليث بن لسد، وأيوب السختيانيّ، ويحيى بن سعيد. وأخرجه مسلم، وابن ماجه من حديث عبيد اللَّه بن عمر. وأخرجه مسلم وحده من حديث ابن جريج، وجرير ابن حازم، كلهم عن نافع. قال مسلم: ولم يقل أحد منهم: عن نافع، عن ابن عمر، سمعت النبيّ ﷺ إلا ابن جريج وحده. وقد تابع ابن جريج على ذلك ابن إسحاق، ثم رواه من طريقه، عن نافع، وفيه: سمعت النبيّ ﷺ . وأخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائيّ من رواية سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه. وأخرجه الشيخان، والنسائيّ من رواية يونس بن يزيد، عن الز هريّ، عن سالم، عن أبيه، عن حفصة. واتفق عليه الشيخان من رواية زيد بن جُبير، عن ابن عمر، قال: حدثتني إحدى نسوة النبيّ ﷺ . وفي رواية لمسلم: "والحيّة"، قال: وفي "الصلاة" أيضًا. ولا يضرّ هذا الاختلاف، فالحديث مقبول، سواء كان من رواية ابن عمر، عن النبيّ ﷺ ، أو بواسطة حفصة، أو غيرها، من أمهات المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنهنّ -. وقد

стр. 12884

تقدم من حديث ابن جريج في "صحيح مسلم" التصريح بسماع ابن عمر له من النبيّ ﷺ (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في المراد بالكلب العقور هنا: (اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك، وهل لوصفه بكونه عقورًا مفهوم، أم لا؟، فروى سعيد بن منصور بإسناد حسن، عن أبي هريرة ﵁، قال: الكلب العقور الأسد. وعن سفيان، عن زيد بن أسلم أنهم سألوه عن الكلب العقور؟ فقال: وأيّ كلب أعقر من الحيّة؟. وقال زفر: المراد بالكلب العقور هنا الذئب خاصّة. وقال مالك في "الموطأ": كل ما عقر الناس، وعدا عليهم، وأخافهم، مثل الأسد، والنمر، والفهد، والذئب، هو العقور. وكذا نقل أبو عبيد عن سفيان، وهو قول الجمهور. وقال أبو حنيفة: المراد بالكلب هنا الكلب خاصّة، ولا يلتحق به في هذا الحكم سوى الذئب. واحتجّ أبو عبيد للجمهور بقوله ﷺ : "اللهم سلّط عليه كلبًا من كلابك"، فقتله الأسد، وهو حديث حسن، أخرجه الحاكم، من طريق أبي نوفل بن أبي عقرب، عن أبيه. واحتجّ أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ الآية [المائدة: ٤]، فاشتقّها من اسم الكلب، فلهذا قيل لكلّ جارح: عقور. واحتجّ الطحاويّ للحنفية بأن العلماء اتفقوا على تحريم قتل البازي، والصقر، وهما من سباع الطير، فدلّ ذلك على اختصاص التحريم بالغراب، والحدأة، وكذلك يختصّ التحريم بالكلب، وما شاركه في صفته، وهو الذئب. وتُعُقّب بردّ الاتفاق، فإن مخالفيهم أجازوا قتل كلّ ما عدا، وافترس، فيدخل فيه الصقر، وغيره، بل معظمهم قال: ويلتحق بالخمس كلّ ما نهي عن أكله، إلا ما نهي عن قتله. واختلف في غير العقور، مما لم يؤمر باقتنائه، فصرّح بتحريم قتله القاضيان: حسين، والماوَرْدِيُّ، وغيرهما. ووقع في "الأم" للشافعيّ الجواز (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما قاله الإمام مالك ﵀، وذهب إليه الجمهور من تفسير الكتب بكل ما عقر الناس إلخ هو الأرجح؛ لوضوح حجته. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): اتفق العلماء على جواز قتل هذه الخمسة المذكورة في هذا الحديث في الحلّ والحرم للمحرم، وغيره، إلا ما شذّ مما سنحكيه. واختلفوا في المعنى في ذلك على مذاهب:

стр. 12885

(الأول مذهب الشافعيّة، والحنابلة): قالوا: المعنى كونهنّ مما لا يؤكل، ولا يُنتفع به، فكل ما لا يؤكل، ولا هو متولّد من مأكول وغيره، ولا منفعة فيه، فقتله جائز للمحرم، ولا فدية فيه. وعبارة الشافعيّ في ذلك -كما حكاه البيهقيّ- في "المعرفة": فكلّ ما جمع من الوحش أن يكون غير مباح اللحم في الإحلال، وأن يكون يضرّ قَتَلَه المحرم؛ لأن النبيّ ﷺ إذا أمران تقتل الفأرة، والغراب، والحدأة، مع ضعف ضرّهما إذا كانت مما لا يؤكل لحمه كان ما جمع أن لا يؤكل لحمه، وضرّه أكثر من ضرّها أولى أن يكون قتله مباحًا انتهى. وقال أصحابه: هذا الضرب ثلاثة أقسام: (أحدها): ما يستحبّ قتله للمحرم وغيره، وهي المؤذية، كالحيّة، والفأرة، والعقرب، والخنزير، والكلب العقور، والغراب، والحدأة، والذئب، والأسد، والنمر، والدبّ، والنسر، والعقاب، والبرغوث، والبقّ، والزنبور، والقراد، والحلمة، والقرقس، وأشباهها. (القسم الثاني): ما فيه نفع، ومضرّة، كالفهد، والعقاب، والبازي، والصقر، ونحوها، فلا يستحبّ قتله؛ لما فيه من المنفعة، وهو أنه يُعَلَّمُ الاصطياد، ولا يكره؛ لما فيه من المضرّة، وهو أنه يعدو على الناس، والبهائم. (القسم الثالث): ما لا يظهر فيه نفع، ولا ضرر، كالخنافس، والجعلان، والدود، والسرطان، والبغاثة، والرخمة، والذباب، وأشباهها، فيكره قتلها, ولا يحرم كما قاله جمهورهم. وحكى إمام الحرمين وجهًا أنه يحرم قتل الطيور، دون الحشرات. وحكى ابن عبد البرّ: هذا التقسيم عن الشافعيّ نفسه من رواية الحسن بن محمد الزعفرانيّ عنه. وكلام الحنابلة في ذلك مثل كلام الشافعية. قال الشيخ مجد الدين ابن تيمية في "المحرّر": ولا يضمن بالإحرام ما لا يؤكل لحمه، لكن يكره له قتله إذا لم يكن مؤذيًا، وجوّز الشيخ موفق الدين ابن قُدامة في "المغني" في قول الخرقيّ في "مختصره": "وكلما عدا عليه، أو آذاه" وجهين: (أحدهما): أنه أراد ما بدأ المحرم، فعدا عليه في نفسه، أو ماله. (والثاني): أنه أراد ما طبعه الأذى، والعدوان، وإن لم يوجد منه أذى في الحال. وكلام ابن حزم الظاهريّ يوافق ذلك أيضًا، وإن كان لا ينظر إلى المعنى، ولا يُعدّي بالقياس، لكنه اعتمد أن التحريم إنما ورد في الصيد، فلا يتعدى ذلك لغيره، وأجاب عن الاقتصار على هذه الخمس بما سيأتي ذكره بعد. ونقل الشيخ تقيّ الدين في "شرح العمدة" كون المعنى عند الشافعيّ منع الأكل
следующие страницы →