← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 12881–12920 · переход к 12886.

стр. 12881

الخطابيّ: لم يتابع أحد عطاء على هذا انتهى. ويحتمل أن يكون مراده غراب الزرع. وعند المالكيّة اختلاف آخر في الغراب، والحدأة، هل يتقيّد جواز قتلهما بأن يبتدىء بالأذى، وهل يختصّ ذلك بكبارها؟ والمشهور عنهم -كما قال ابن شاس- لا فرق، وفاقًا للجمهور. ومن أنواع الغربان الأعصم، وهو الذي في رجليه، أو في جناحيه، أو بطنه بياض، أو حمرة. وله ذِكْر في قصّة حفر عبد المطّلب لزمزم. وحكمه حكم الأبقع. ومنها: العقعق، وهو قدر الحمامة على شكل الغراب، قيل: سمي بذلك؛ لأنه يعقّ فراخه، فيتركها بلا طعام. وبهذا يظهر أنه نوع من الغربان، والعرب تتشاءم به أيضًا. ووقع في "فتاوى قاضي خان" الحنفيّ: مَن خرج لسفر، فسمع صوت العقعق، فرجع كَفَر. وَحُكْمُهُ حُكْمُ الأبقع على الصحيح. وقيل: حكم غراب الزرع. وقال أحمد: إن أكل الجيف، وإلا فلا بأس به. قاله في "الفتح" (١). (وَالْحِدَأَةُ) مقصورًا، بوزن عِنَبة، واحدة الْحِدَأ بكسر أوله، وفتح ثانيه، بعدها همزة بغير مدّ، وحكى صاحب "المحكم" المد فيه ندورًا. والهاء فيه ليست للتأنيث، بل هي للوحدة، كالهاء في "التمرة". وحكى الأزهريّ "حدوة" بواو بدل الهمزة. ووقع في رواية البخاريّ في "بدء الخلق" بلفظ "الْحُدَيَّا"، ومئله لمسلم في رواية هشام بن عروة، عن أبيه. قال: قال قاسم بن ثابت: الوجه فيه الهمزة، وكأنه سهّل، ثم أُدغم. وقيل: هي لغة حجازية، وغيرهم يقول: "حُديّة"، ومن خواصّ الحدأة أنها تقف في الطيران، ويقال: إنها لا تختطف إلا من جهة اليمين. [تنبيه]: يلتبس بالحدأة الْحَدَأة بفتح أوله، وهو فأس له رأسان (٢). (وَالْعَقْرَبُ) هذا اللفظ للذكر والأنثى، وقد يقال لها: عقربة، وعقرباء، وليس منها العقربان، بل هي دُويبة طويلة، كثيرة القوائم. قال صاحب "المحكم": ويقال: إن عينها في ظهرها، وإنها لا تضرّ ميتا, ولا نائمًا، حتى يتحرّك. ويقال: لدغته العقرب، بالغين المعجمة، ولسعته بالمهملتين. وقد تقدّم اختلاف الرواة في ذكر الحية بدلها في حديث الباب، ومن جمعهما. قال الحافظ: والذي يظهر لي أنه ﷺ نبّه بإحداهما على الأخرى عند الاقتصار، وبيّن حكمهما معًا، حيث جمع. قال ابن المنذر: لا نعلهم اختلفوا في جواز قتل العقرب. وقال نافع لما قيل له: فالحية؟ قال: لا يختلف فيها.

стр. 12882

وفي رواية: ومن يشكّ فيها؟. وتعقبه ابن عبد البرّ بما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق شعبة أنه سأل الحكم، وحمادًا؟ فقالا: لا يقتل المحرم الحية، ولا العقرب. قال: ومن حجتهما أنهما من هوامّ الأرض، فيلزم من أباح قتلهما مثل ذلك في سائر الهوامّ، وهذا اعتلال لا معنى له. نعم عند المالكية خلاف في قتل صغير الحية، والعقرب التي لا تتمكن من الأذى. (وَالْفَاْرَةُ) بهمزة ساكنة، ويجوز فيها التسهيل، ولم يختلف العلماء في جواز قتلها للمحرم، إلا ما حكي عن إبراهيم النخعيّ، فإنه قال: فيها جزاء، إذا قتلها المحرم. أخرجه ابن المنذر. وقال: هذا خلاف السنة، وخلاف قول جميع أهل العلم. وروى البيهقيّ بإسناد صحيح عن حماد بن زيد، قال: لما ذكروا له هذا القول: ما كان بالكوفة أفحش ردًّا للآثار من إبراهيم النخعيّ؛ لقلة ما سمع منها, ولا أحسن اتباعاً لها من الشعبيّ؛ لكثرة ما سمع. ونقل ابن شاس عن المالكيّة خلافًا في جواز قتل الصغير منها الذي لا يتمكن من الأذى. والفار أنواع: منها الْجُرَذ -بالجيم، بوزن عُمَر. والْخُلْد -بضم المعجمة، وسكون اللام-. وفأرة الإبل، وفأرة السمك، وفأرة الغيط. وحكمها في تحريم الأكل، وجواز القتل سواء. وسيأتي إطلاق اسم الفويسقة عليها في -٨٨/ ٢٨٤٥ - ووقع في حديث أبي سعيد عند ابن ماجه: قيل له: لم قيل للفأرة فويسقة؟ فقال: لأن النبيّ ﷺ استيقظ لها، وقد أخذت الفتيلة لتحرق بها البيت. وقيل: إنما سميت بذلك لأنها قطعت حبال سفينة نوح ﵇. واللَّه تعالى أعلم. (وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ) الكلب معروف، والأنثى كلبة، والجمع أكلُب، وكلاب، وكَليب -بالفتح، كأعبد، وعِباد، وعَبيد. وفي الكلب بهيمية، وسبعية، وفيه منافع للحراسة، والصيد كما سيأتي في بابه، إن شاء اللَّه تعالى. وفيه من اقتفاء الأثر، وشمّ الرائحة، وخفّة النوم، والتودّد، وقبول التعليم ما ليس لغيره. وقيل: إن أول من اتخذه للحراسة نوح ﵇. و"العقور" -بفتح العين- مبالغة عاقر، وهو الجارح المفترس. وقد سبق البحث في نجاسته، وعدمه مستَوفًى في "الطهارة"، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته:

стр. 12883

حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٨٢/ ٢٨٢٩ و ٨٣/ ٢٨٣٠ و ٨٤/ ٢٨٣١ و ٨٦/ ٢٨٣٣ و ٨٧/ ٢٨٣٤ و ٨٨/ ٢٨٣٥ و ٢٨٣٦ - وفي "الكبرى" ٨١/ ٣٨١١ و ٨٢/ ٣٨١٢ و ٨٣/ ٣٨١٣ و ٨٥/ ٣٨١٥ و ٨٦/ ٣٨١٦ و ٨٧/ ٣٨١٧ و ٣٨١٨. وأخرجه (خ) في "الحج" ١٨٢٦ وفي "بدء الخلق" ٣٢٩٩ و ٣٣١١ و ٣٣١٣ وفي "المغازي" ٤٠١٧ (م) في "الحج" ١١٩٩ و ١٢٠٠ (د) في "المناسك" ١٨٤٦ و"الأدب" ٥٢٥٢ (ق) في "المناسك" ٣٠٨٨ و"الطبّ" ٣٥٣٥ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٤٤٤٧ و ٤٥٢٩ و ٤٥٤٣ و ٤٧٢٣ و ٤٨٣٦ و ٤٨٦١ و ٤٩١٨ و ٥٠٧٢ و ٢٧٧٩٠ و ٥١١١ و ٥١٣٨ و ٥٣٠٢ و ٥٤٥٢ و ٥٥١٦ و ٥٩٨٩ و ٦١٩٣ (الموطأ) في "الحجّ" ٧٩٨ و ٧٩٩ و ٨٠٠ (الدارمي) في "المناسك" ١٨١٦. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه الشيخان، والنسائيّ، من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر. وفي رواية البخاريّ ضمّ عبد اللَّه بن دشار إلى نافع. وقال ابن عبد البرّ: لا خلاف عن مالك في إسناد هذا الحديث، ولفظه انتهى. [فإن قلت]: قد ذكر مالك عبد اللَّه بن دينار تارة، ولم يذكره أخرى. [قلت]: ليس هذا اختلافًا، فله فيه شيخان، حدّث به في الأكثر عن نافع، وتارة عن عبد اللَّه بن دينار، وتارة عنهما. وقد أخرجه مسلم من رواية إسماعيل بن جعفر، عن عبد اللَّه بن دينار، فهو معروف عنه، من غير طريق مالك. وأخرجه مسلم، والنسائيّ من طريق الليث بن لسد، وأيوب السختيانيّ، ويحيى بن سعيد. وأخرجه مسلم، وابن ماجه من حديث عبيد اللَّه بن عمر. وأخرجه مسلم وحده من حديث ابن جريج، وجرير ابن حازم، كلهم عن نافع. قال مسلم: ولم يقل أحد منهم: عن نافع، عن ابن عمر، سمعت النبيّ ﷺ إلا ابن جريج وحده. وقد تابع ابن جريج على ذلك ابن إسحاق، ثم رواه من طريقه، عن نافع، وفيه: سمعت النبيّ ﷺ . وأخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائيّ من رواية سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه. وأخرجه الشيخان، والنسائيّ من رواية يونس بن يزيد، عن الز هريّ، عن سالم، عن أبيه، عن حفصة. واتفق عليه الشيخان من رواية زيد بن جُبير، عن ابن عمر، قال: حدثتني إحدى نسوة النبيّ ﷺ . وفي رواية لمسلم: "والحيّة"، قال: وفي "الصلاة" أيضًا. ولا يضرّ هذا الاختلاف، فالحديث مقبول، سواء كان من رواية ابن عمر، عن النبيّ ﷺ ، أو بواسطة حفصة، أو غيرها، من أمهات المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنهنّ -. وقد

стр. 12884

تقدم من حديث ابن جريج في "صحيح مسلم" التصريح بسماع ابن عمر له من النبيّ ﷺ (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في المراد بالكلب العقور هنا: (اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك، وهل لوصفه بكونه عقورًا مفهوم، أم لا؟، فروى سعيد بن منصور بإسناد حسن، عن أبي هريرة ﵁، قال: الكلب العقور الأسد. وعن سفيان، عن زيد بن أسلم أنهم سألوه عن الكلب العقور؟ فقال: وأيّ كلب أعقر من الحيّة؟. وقال زفر: المراد بالكلب العقور هنا الذئب خاصّة. وقال مالك في "الموطأ": كل ما عقر الناس، وعدا عليهم، وأخافهم، مثل الأسد، والنمر، والفهد، والذئب، هو العقور. وكذا نقل أبو عبيد عن سفيان، وهو قول الجمهور. وقال أبو حنيفة: المراد بالكلب هنا الكلب خاصّة، ولا يلتحق به في هذا الحكم سوى الذئب. واحتجّ أبو عبيد للجمهور بقوله ﷺ : "اللهم سلّط عليه كلبًا من كلابك"، فقتله الأسد، وهو حديث حسن، أخرجه الحاكم، من طريق أبي نوفل بن أبي عقرب، عن أبيه. واحتجّ أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ الآية [المائدة: ٤]، فاشتقّها من اسم الكلب، فلهذا قيل لكلّ جارح: عقور. واحتجّ الطحاويّ للحنفية بأن العلماء اتفقوا على تحريم قتل البازي، والصقر، وهما من سباع الطير، فدلّ ذلك على اختصاص التحريم بالغراب، والحدأة، وكذلك يختصّ التحريم بالكلب، وما شاركه في صفته، وهو الذئب. وتُعُقّب بردّ الاتفاق، فإن مخالفيهم أجازوا قتل كلّ ما عدا، وافترس، فيدخل فيه الصقر، وغيره، بل معظمهم قال: ويلتحق بالخمس كلّ ما نهي عن أكله، إلا ما نهي عن قتله. واختلف في غير العقور، مما لم يؤمر باقتنائه، فصرّح بتحريم قتله القاضيان: حسين، والماوَرْدِيُّ، وغيرهما. ووقع في "الأم" للشافعيّ الجواز (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما قاله الإمام مالك ﵀، وذهب إليه الجمهور من تفسير الكتب بكل ما عقر الناس إلخ هو الأرجح؛ لوضوح حجته. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): اتفق العلماء على جواز قتل هذه الخمسة المذكورة في هذا الحديث في الحلّ والحرم للمحرم، وغيره، إلا ما شذّ مما سنحكيه. واختلفوا في المعنى في ذلك على مذاهب:

стр. 12885

(الأول مذهب الشافعيّة، والحنابلة): قالوا: المعنى كونهنّ مما لا يؤكل، ولا يُنتفع به، فكل ما لا يؤكل، ولا هو متولّد من مأكول وغيره، ولا منفعة فيه، فقتله جائز للمحرم، ولا فدية فيه. وعبارة الشافعيّ في ذلك -كما حكاه البيهقيّ- في "المعرفة": فكلّ ما جمع من الوحش أن يكون غير مباح اللحم في الإحلال، وأن يكون يضرّ قَتَلَه المحرم؛ لأن النبيّ ﷺ إذا أمران تقتل الفأرة، والغراب، والحدأة، مع ضعف ضرّهما إذا كانت مما لا يؤكل لحمه كان ما جمع أن لا يؤكل لحمه، وضرّه أكثر من ضرّها أولى أن يكون قتله مباحًا انتهى. وقال أصحابه: هذا الضرب ثلاثة أقسام: (أحدها): ما يستحبّ قتله للمحرم وغيره، وهي المؤذية، كالحيّة، والفأرة، والعقرب، والخنزير، والكلب العقور، والغراب، والحدأة، والذئب، والأسد، والنمر، والدبّ، والنسر، والعقاب، والبرغوث، والبقّ، والزنبور، والقراد، والحلمة، والقرقس، وأشباهها. (القسم الثاني): ما فيه نفع، ومضرّة، كالفهد، والعقاب، والبازي، والصقر، ونحوها، فلا يستحبّ قتله؛ لما فيه من المنفعة، وهو أنه يُعَلَّمُ الاصطياد، ولا يكره؛ لما فيه من المضرّة، وهو أنه يعدو على الناس، والبهائم. (القسم الثالث): ما لا يظهر فيه نفع، ولا ضرر، كالخنافس، والجعلان، والدود، والسرطان، والبغاثة، والرخمة، والذباب، وأشباهها، فيكره قتلها, ولا يحرم كما قاله جمهورهم. وحكى إمام الحرمين وجهًا أنه يحرم قتل الطيور، دون الحشرات. وحكى ابن عبد البرّ: هذا التقسيم عن الشافعيّ نفسه من رواية الحسن بن محمد الزعفرانيّ عنه. وكلام الحنابلة في ذلك مثل كلام الشافعية. قال الشيخ مجد الدين ابن تيمية في "المحرّر": ولا يضمن بالإحرام ما لا يؤكل لحمه، لكن يكره له قتله إذا لم يكن مؤذيًا، وجوّز الشيخ موفق الدين ابن قُدامة في "المغني" في قول الخرقيّ في "مختصره": "وكلما عدا عليه، أو آذاه" وجهين: (أحدهما): أنه أراد ما بدأ المحرم، فعدا عليه في نفسه، أو ماله. (والثاني): أنه أراد ما طبعه الأذى، والعدوان، وإن لم يوجد منه أذى في الحال. وكلام ابن حزم الظاهريّ يوافق ذلك أيضًا، وإن كان لا ينظر إلى المعنى، ولا يُعدّي بالقياس، لكنه اعتمد أن التحريم إنما ورد في الصيد، فلا يتعدى ذلك لغيره، وأجاب عن الاقتصار على هذه الخمس بما سيأتي ذكره بعد. ونقل الشيخ تقيّ الدين في "شرح العمدة" كون المعنى عند الشافعيّ منع الأكل

стр. 12886

بواسطة بعض الشارحين، وأراد به النوويّ، ثم قال: وهذا عندي فيه نظر، فإن جواز القتل غير جواز الاصطياد، وإنما يرى الشافعيّ جواز الاصطياد، وعدم وجوب الجزاء بالقتل لغير المأكول، وأما جواز الإقدام على قتل ما لا يؤكل، مِمَّا ليس فيه ضرر، فغير هذا انتهى. قال وليّ الدين: وفيه نظر، فقد حكى الربيع عن الشافعيّ أنه قال: لا شيء على المحرم في قتله من الطير كلّ ما لا يحلّ أكله، قال: وله أن يقتل من داوبّ الأرض، وهوامها كلّ ما لا يحلّ أكله انتهى. فصرّح بأن له قتل ما لا يحلّ أكله من الطير، والهوامّ. (الثاني مذهب المالكية): قالوا: المعنى في ذلك كونهنّ مؤذيات، فيلتحق بالمذكررات كلّ مؤذن. قال ابن شاس في "الجواهر" -بعد أن قرر تحريم صيد المأكول وغيره-: ولا يُستَثْنَى من ذلك إلا ما تناوله الحديث، وهو هذه الخمس، قال: والمشهور أن الغراب، والحدأة يقتلان، وإن لم يبتدئا بالأذى، وروى أشهب المنع من ذلك، وقاله ابن القاسم، قال: إلا أن يؤذي، فيقتل إلا أنه إن قتلهما من غير أذى، فلا شيء عليه. وقال أشهب: إن قتلهما من غير ضرر وداهما، واختلف أيضًا في قتل صغارهما ابتداء، وفي وجوب الجزاء بقتلهما، وأما غيرهما من الطير، فإن لم يؤذ فلا يقتل، فإن قتل ففيه الجزاء، وإن آذى فهل يقتل أم لا؟ قولان، وإذا قلنا: لا يقتل، فقتل، فقولان أيضًا: المشهور نفي وجوب الجزاء. وقال أشهب: عليه في الطير الفدية، وإن ابتدأت بالضرر. وقال أصبغ: من عدا عليه شيء من سباع الطير، فقتله وداه بشاة. قال ابن حبيب: وهذا من أصبغ غلط، وحمل بعض المتأخرين قول أصبغ هذا على أنه كان قادرًا على الدفع بغير القتل، فأما لو تعيّن القتل في الدفع لا يختلف فيه. وأما العقرب، والحيّة، والفأرة، فيقتلن حتى الصغير, وما لم يؤذ منها لأنه لا يؤمن منها الأذى، إلا أن تكون من الصغر بحيث لا يمكن منها الأذى، فيختلف في حكمها، وهل يلحق صغير غيرها من الحيوان المباح القتل لأذية بصغارها في جواز القتل ابتداء، فيه خلاف. والمشهور من المذهب أن المراد من الكلب العقور الكلب الوحشيّ، فيدخل فيه الأسد، والنمر، وما في معناهما. وقيل: المراد الكلب الإنسيّ المتخذ. وعلى المشهور يقتل صغير هذه، وما لم يؤذ من كبيرها انتهى كلامه. وذكر الشيخ تقيّ الدين أن المشهور عند المالكيّة قتل صغار الغراب، والحدأة، وشنّع عليهم ابن حزم الظاهريّ في تفرقتهم بين صغار الغربان، والحديا، وبين صغار

стр. 12887

السباع، والحيّات، وبين سباع الطير، وبين سباع ذوات الأربع، وقال: هلاً قاسوا سباع الطير على الحدأة، كما قاسوا سباع ذوات الأربع على الكلب العقور؟. وقوّى الشيخ تقيّ الدين في "شرح العمدة" التعليل بالأذى على التعليل بحرمة الأكل، فقال: (واعلم): أن التعدية بمعنى الأذى إلى كلّ مؤذ قويّ بالإضافة إلى تصرّف القياسيين، فإنه ظاهر من جهة الإيماء بالتعليل بالفسق، وهو الخروج عن الحدّ، وأما التعليل بحرمة الأكل، ففيه إبطال ما دلّ عليه إيماء النصّ، من التعليل بالفسق؛ لأن مقتضى العلة أن يتقيّد الحكم بها وجودًا وعدمًا، فإن لم يتقيّد وثبت الحكم عند عدمها بطل تأثيرها بخصوصها، وهو خلاف ما دلّ عليه ظاهر النصّ من التعليل بها انتهى. (الثالث مذهب الحنفيّة): اقتصروا على الخمس المذكورة في هذا الحديث إلا أنهم ضمّوا إليها الحية أيضًا، وهي منصوصة، كما تقدّم، وضموا إليها الذئب أيضًا، قال صاحب "الهداية" منهم: وقد ذكر الذئب في بعض الروايات. وقيل: المراد بالكلب العقور الذئب، ويقال: إن الذئب في معناه انتهى. وعلى هذا الأخير، فيقال: لم اقتصر في الإلحاق على الذئب، ولم لا ألحق بالكلب العقور كلّ ما هو في معناه من نمر، وخنزير، ودبّ، وقرد، وغيرها، وذكر الذئب ذكره ابن عبد البرّ من طريق إسماعيل القاضي، حدثنا نصر بن عليّ، أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا الحجاج، عن وَبَرة، قال: سمعت ابن عمر يقول: "أمر رسول اللَّه ﷺ بقتل الذئب … " الحديث. قال القاضي إسماعيل: فإن كان محفوظًا، فإن ابن عمر جعل الذئب في هذا الموضع كلبًا عقورًا، أي لذكره بدله، قال: وهذا غير ممتنع في اللغة، والمعنى. ورواه البيهقيّ من رواية مالك بن يحيى، عن يزيد بن هارون، وفيه: قال يزيد بن هارون: -يعني المحرم- ثم قال البيهقيّ: الحجاج بن أرطأة لا يحتجّ به. وقد رويناه من حديث ابن المسيّب مرسلاً جيدًا، ثم رواه كذلك. وقال ابن عبد البرّ: وقول الأوزاعيّ، والثوريّ، والحسن بن حيّ نحو قول أبي حنيفة انتهى. ومحلّ المنع عند الحنفيّة فيما عدا الخمس، والذئب إذا لم تبدأه السباع، فإن بدأته، فقتلها دفعًا، فلا شيء عليه عندهم، إلا زفر، فإنه قال: يلزمه دم. وذكر الشيخ ابن دقيق العيد في "شرح العمدة" أن المذكور في كتب الحنفيّة الاقتصار على الخمس، ونقل غير واحد من المصنفين المخالفين لأبي حنيفة أن أبا حنيفة ألحق الذئب بها، وعَدُّوا ذلك من مناقضاته، ثم قال: ومقتضى مذهب أبي حنيفة الذي حكيناه أنه لا يجوز اصطياد الأسد، والنمر، وما في معناها من بقية السباع العادية، والشافعية يردون هذا بظهور المعنى في المنصوص عليه من الخمس، وهو الأذى الطبيعيّ، والعدوان المركب في

стр. 12888

هذه الحيوانات، والمعنى إذا ظهر في المنصوص عليه عدّى القائسون ذلك الحكم إلى كلّ ما وجد فيه المعنى، كالستة التي في الربا، وقد وافق أبو حنيفة على التعدية فيها، وإن اختلف هو والشافعيّ في المعنى الذي يعدّى به. قال: وأقول: المذكورُ ثَمَّ تعليق الحكم بالألقاب، وهو لا يقتضي مفهومًا عند الجمهور، فالتعدية لا تنافي مقتضى اللفظ، وهنا لو عدينا لبطلت فائدة التخصيص بالعدد، وعلى هذا المعنى عوّل بعض مصنفي الحنفيّة في التخصيص بالخمس المذكورات، أعني مفهوم العدد انتهى. قال وليّ الدين: وفي نقله الذئب من غير كتب الحنفية نظر، فهو مصرح به في "الهداية"، وغيرها من كتبهم، وما نقله عن مقتضى مذهبهم من منع اصطياد الأسد، ونحوه، قد صرّحوا به في كتبهم، وقالوا: إن على قاتله الجزاء، وممن صرح به صاحب "الهداية"، إلا أن يقتله لصياله عليه، فلا شيء عليه، إلا عند زفر، فإنه أوجب الجزاء بقتله للدفع عند الصيال، لكن صاحب "الهداية" قال بعد كلامه المتقدم أوّلاً: والضب، واليربوع، ليسا من الخمسة المستثناة؛ لأنهما لا يبتدئان بالأذى، وليس في قتل البعوض، والنمل، والبراغيث، والقراد شيء؛ لأنها ليست بصيود، وليست بمتولدة من البدن، بل هي مؤذية بطباعها انتهى. ومقتضاه موافقة من قال: إنه يلحق بالمذكورات كلّ مؤذ بالطبع، فإن كون الضبّ، واليربوع ليسا من الخمسة أمر معلوم، وإنما أراد ليس لهما حكمها، وعلل ذلك بأنهما لا يبتدئان بالأذى، ومقتضى ذلك ثبوت الحكم لكلّ ما يبتدىء بالأذى، ثم قوّى ذلك بما ذكره في البعوض، ونحوه، ولا سيما تعليله بأنها مؤذية بطباعها. ثم إن الشيخ ابن دقيق العيد -رحمه اللَّه تعالى- اقتصر في ردّ ذلك على القياس مع ورود النصّ فيه، رواه أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، عن أبي سعيد الخدريّ ﵁ عن النبيّ ﷺ ، قال: "يقتل المحرم السبع العادي، والكلب العقور، والفأرة، والعقرب، والحدأة، والغراب". لفظ الترمذيّ، وقال: هذا حديث حسن. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: بل هو حديث ضعيف؛ لأن في سنده يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف، كان يتلقن لكبره، وكان شعيا، فلا يصلح الحديث للاحتجاج به، فتنبّه. قال: والعمل على هذا عند أهل العلم، قالوا: يقتل المحرم السبع العادي. ولفظ أبي داود: إن النبيّ ﷺ سئل عما يقتل المحرم؟ قال: "الحية، والعقرب، والفويسقة، ويرمي الغرابَ، ولا يقتله، والكلب العقور، والحدأة، والسبع العادي". ولم يذكر ابن ماجه "الحدأة"، ولا "الغراب"، وزاد: فقيل له: لم قيل لها الفويسقة؟

стр. 12889

قال: لأن رسول اللَّه ﷺ استيقظ لها، وقد أخذت الفتيلة لتحرق بها البيت. فتناول قوله ﷺ "السبع العادي" الأسد، والنمر، وغيرهما من السباع، بل قوله: "الكلب العقور" يتناول هذه الأشياء، كما سنحكيه بعد ذلك. وما ذكره من أن مفهوم العدد حجة محكيّ عن الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-، لكن ذهب القاضي أبو بكر الباقلاّني، وإمام الحرمين، وغيرهما إلى أنه ليس بحجة، وجزم به البيضاويّ في "مختصره"، وكذا قال الإمام فخر الدين: إنه ليس بحجة، إلا أنه قال: قد يدلّ عليه لدليل منفصل. ثم إن المشهور عن الحنفية أنهم لا يقولون بالمفاهيم مطلقًا؛ لا هذا المفهوم، ولا غيره، وبتقدير قولهم بالمفهوم، فهم لم يقفوا عند هذا المفهوم، بل ضمّوا إليها الحية، والذئب أيضًا، كما تقدم، والنصّ على الحية في "صحيح مسلم" وغيره، كما تقدم. وفي حديث أبي سعيد الخدريّ ذكر السبع العادي، وهو ينافي الوقوف عند هذا المفهوم، فإنها مع الحية، والسبع العادي، ليست خمسًا، بل سبع، كيف؟، وقد جاء في بعض الروايات "خمس"، وفي بعضها "أربع"، فلو كان هذا المفهوم حجة لتدافع هذان المفهومان، وسقطا. انتهى منقولا مما كتبه الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى- في كتابه "طرح التثريب" بتصرّف (١). وقال أبو محمد ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى-: وجائز للمحرم في الحل والحرم، وللمُحِلِّ في الحرم والحل قتلُ كلّ ما ليس بصيد من الخنازير، والأسد، والسباع، والقمل، والبراغيث، وقِرْدَان بعيره، أو غير بعيره، والحلم كذلك، وَنَسْتَحِبُّ لهم قتل الحيات، والفيران، والحدإ، والغِرْبَانِ، والعقارب، والكلاب العقورة، صغار كل ذلك وكباره سواء، وكذلك الوزغ، وسائر الهوامّ، ولا جزاء في شيء من كل ما ذكرنا, ولا في القمل، فإن قتل ما نُهيَ عن قتله من هدهد، أو صُرَد، أو ضفدع، أو نمل، فقد عصى، ولا جزاء في ذلك. برهان ذلك أن اللَّه تعالى أباح قتل ما ذكرنا، ثم لم ينه المحرم إلا عن قتل الصيد فقط، ولا نهى إلا عن صيد الحرم فقط، ولا جعل الجزاء إلا في الصيد فقط، فمن حَرَّمَ ما لم يأت النص بتحريمه، أو جعل جزاءً فيما لم يات النص بالجزاء فيه فقد شرع في الدين ما لم يأذن به اللَّه. ثم ناقش أدلة العلماء الذين تقدمت أقوالهم مناقشة حادَة على عادته، وقد أجاد في ذلك بما لا تجده في غير كتابه (٢).

стр. 12890

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: بعد النظر فيما سبق من المذاهب وأدلتها قد ترجح عندي ما ذهب إليه أبو محمد بن حزم -رحمه اللَّه تعالى- لقوة حجته. وحاصله أن الصيد لا يجوز قتله، وهو الذي شرع صيده للأكل، وأما غيره من أنواع السباع والهوام، والحشرات فيجوز قتله إلا إذا وجد نصّ خاص بمنع قتلها كالنحلة، والهدهد، والصَرد، ونحوها (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): إن قلت: فعلى القول بأن مفهوم العدد حجة ما جوابكم عن تخصيص هذه المذكورات بالذكر؟. قلت: قال الشيخ ابن دقيق العيد في "شرح العمدة": من علّل بالأذى إنما اختصّت بالذكر لينبه بها على ما في معناها، وأنواع الأذى مختلفة، فيكون كلّ نوع منها منبّها على جواز قتل ما فيه ذلك النوع، فنبه بالحية، والعقرب على ما يشاركهما في الأذى باللسع، كالبرغوث مثلاً عند بعضهم، ونبه بالفأرة على ما أذاه بالنقب، والتقريض، كابن عرس، ونبه بالغراب، والحدأة على ما أذاه بالاختطاف، كالصقر، والبازي، ونبه بالكلب العقور على كل عاد بالعقر، والافتراس بطبعه، كالأسد، والنمر، والفهد. وأما من قال بالتعدية إلى كل ما لا يؤكل لحمه، فقد أحالوا التخصيص في الذكر بهذه الخمس على الغالب، فإنها الملابسات للناس، المخالطات في الدور، بحيث يعمّ أذاها، فكان ذلك سببًا للتخصيص، والتخصيص لأجل الغلبة إذا وقع لم يكن له مفهوم على ما عُرف في الأصول، إلا أن خصومهم جعلوا هذا المعنى معترضا عليه في تعدية الحكم إلى بقية السباع المؤذية، وتقريره أن إلحاق المسكوت بالمنطوق قياسًا شرطه مساواة الفرع للأصل، أو رجحانه، أما إذا انفرد الأصل بزيادة يمكن أن تعتبر فلا إلحاق، ولما كانت هذه الأشياء عامة الأذى، كما ذكرتم ناسب أن يكون ذلك سببًا لإباحة قتلها؛ لعموم ضررها، فهذا المعنى معدوم فيما لا يعمّ ضرره، مما لا يخالط في المنازل، ولا تدعو الحاجة إلى إباحة قتله، كما دعت إلى إباحة قتل ما يخالط من المؤذيات، فلا يلحق به. وأجاب الأولون عن هذا بوجهين: (أحدهما): أن الكلب العقور نادر، وقد أبيح قتله. (والثاني): معارضة الندرة في غير هذه الأشياء بزيادة قوة الضرر، ألا ترى أن تأثير

стр. 12891

الفأرة بالنقب مثلاً، أو الحدأة بخطف شيء يسير، لا يساوي ما في الأسد، والفهد، من إتلاف النفس، فكان بإباحة القتل أولى انتهى. ولم يعرّج على ذكر الحديث الشامل لسائر السباع، وهو قوله ﷺ : "يقتل المحرم السبع العادي"، وقد تقدّم ذكره. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تقدم أنه ضعيف، لا يصلح للاحتجاج به، فتنبّه. وقال ابن حزم: فإن قيل: فما وجه اقتصار رسول اللَّه ﷺ على هذه الخمس؟. قلنا: ظاهر الخبر يدلّ على أنها محضوض على قتلهنّ، مندوب إليه، ويكون غيرهنّ مباحا قتله أيضًا، وليس هذا الخبر مما يمتنع أن يكون غير تلك الخمس مأمورًا بقتله أيضًا، كالوزغ، والأفاعي، والحيات، والرتيلاء، والثعابين، وقد يكون ﷺ تقدّم بيانه في هذه، فأغنى عن إعادتها عند ذكره هذه الخمس. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح مسلم": وفي هذه الأحاديث دلالة للشافعيّ، وموافيقه في أنه يجوز أن يقتل في الحرم كل من يجب عليه قتل بقصاص، أو رجم بالزنا، أو قتل في المحاربة، وغير ذلك، وأنه يجوز إقامة كلّ الحدود فيه، سواء كان موجبُ القتل والحدّ جرى في الحرم، أو خارجه، ثم لجأ صاحبه إلى الحرم. وهذا مذهب مالك، والشافعيّ، وآخرين. وقال أبو حنيفة، وطائفة: ما ارتكبه من ذلك في الحرم يقام عليه فيه، وما فعله خارجًا، ثم لجأ إليه، إن كان إتلاف نفس لم يُقَم عليه في الحرم، بل يضيق عليه، ولا يُكلّم، ولا يُجالَس، ولا يبايع، حتى يضطرّ إلى الخروج منه، فيقام خارجه، وما كان دون النفس يقام فيه. قال القاضي: روي عن ابن عباس، وعطاء، والشعبيّ، والحكم نحوه، لكنهم لم يفرّقوا بين النفس، ودونها، وحجتهم قول اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. وحجة الأولين هذه الأحاديث لمشاركة فاعل الجناية لهذه الدوابّ في اسم الفسق، بل فسقه أفحش؛ لكونه مكلفًا؛ ولأن التضييق الذي ذكروه لا يبقى لصاحبه أمان، فقد خالفوا ظاهر ما فسّروا به الآية. قال القاضي: ومعنى الآية عندنا، وعند أكثر المفسّرين أنه إخبار كما كان قبل الإسلام، وعطف على ما قبله من الآيات. وقيل: آمِنٌ من النار. وقالت طائفة: يخرج، ويقام عليه الحدّ، وهو قول ابن الزبير، والحسن، ومجاهد،

стр. 12892

وحماد انتهى (١). وقال الشيخ ابن دقيق العيد في "شرح العمدة" بعد ذكر هذا الاستدلال: وهذا عندي قويّ، ليس بالهين، وفيه غور، فليتنبّه له. انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: مذهب الأولين أرجح؛ لقوة دليله، كما أشار إليه ابن دقيق العيد -رحمه اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". ٨٤ - (قَتْلُ الْحَيَّةِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الحيّة" هو الجنس المعروف، وتطلق الحية على الذكر والأنثى، وإنما دخلته الهاء؛ لأنه واحد من جنس، كبطّة، ودجاجة، على أنه قد روي عن العرب: رأيت حيًّا على حيّة، أي ذكراً على أنثى، واشتقاقها من الحياة في قول بعضهم، ولهذا قالوا في النسبة إليها حيويّ، ولو كان من الواوي لقالوا: حوويّ، والحيّوت بتشديد الياء ذكر الحيّات، وأنشد الأصمعيّ: وَيَأْكُلُ الْحَيَّةَ وَالْحَيُّوتَا (٣) واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٨٣٠ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ, عَنْ عَائِشَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «خَمْسٌ يَقْتُلُهُنَّ الْمُحْرِمُ: الْحَيَّةُ, وَالْفَأْرَةُ, وَالْحِدَأَةُ, وَالْغُرَابُ الأَبْقَعُ, وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدموا غير مرّة. و"يحيى": هو القطان. وقوله: "الأبقع": هو الذي في ظهره، أو في بطنه بياض. وتمام شرح الحديث يعلم مما سبق، وفيه مسألتان: (المسألة الأولى): في درجته:

стр. 12893

حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه المصنّف هنا -٨٣/ ٢٨٣٠ و ١١٣/ ٢٨٨٢ و ١١٤/ ٢٨٨٣ و ١١٦/ ٢٨٨٨ و ١١٧/ ٢٨٨٩ و ١١٨/ ٢٨٩١ و ١١٩/ ٢٨٩٢ - وفي "الكبرى" ٨٢/ ٣٨١٢ و ١١٣/ ٣٨٦٤ و ١١٤/ ٣٨٦٥ و ٣٨٦٦ و ١١٦/ ٣٨٧٠ و ١١٧/ ٣٨٧١. وأخرجه (خ) في "الحجّ" ١٨٢٩ وفي "بدء الخلق" ٣٣١٤ (م) في "الحجّ" ٢٨٥٣ و ٢٨٥٤ و ٢٨٥٥ و ٢٨٥٧ و ٢٨٥٨ و ٢٨٥٩ (د) في "المناسك" ١٨٤٦ (ت) في "الحجّ" ٨٣٧ (ق) في "المناسك" ٣٠٨٧. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب" ٨٥ - (قَتْلُ الْفَأْرَةِ) ٢٨٣١ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , أَذِنَ فِي قَتْلِ خَمْسٍ, مِنَ الدَّوَابِّ, لِلْمُحْرِمِ: الْغُرَابُ, وَالْحِدَأَةُ, وَالْفَأْرَةُ, وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ, وَالْعَقْرَبُ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا، والسند من رباعيات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٤٦) من رباعيّات الكتاب. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … قال الجامع الفقير إلى مولاه الغني القدير، محمد ابن الشيخ عليّ بن آدم بن موسى الإتْيُوبيّ الولّويّ، نزيل مكة المكرّمة، - عفا اللَّه تعالى عنه - وعن والديه ومشايخه آمين: قد انتهيت من كتابة الجزء الرابع والعشرين من شرح سنن الإمام الحافظ الحجة أبي عبد الرحمن النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى-، المسمّى "ذخيرةَ العُقْبَى في شرح المجتبى"، أو "غاية المنى في شرح المجتنى".

стр. 12894

وذلك بحيّ الزهراء، مخطّط الأمير طلال، في مكة المكرمة زادها اللَّه تعالى تشريفًا وتعظيمًا، وجعلني من خيار أهلها حيًّا وميتًا، وأعْظِمْ به تكريمًا. وأخر دعوانا ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. "اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد". "السلام عليك أيها النبيّ، ورحمة اللَّه، وبركاته". ويليه -إن شاء اللَّه تعالى- الجزء الخامس والعشرون مفتتحًا بالباب ٨٥ "قتلُ الوزَغ" الحديث رقم ٢٨٣٢. "سبحانك اللهمّ، وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك".

стр. 12895

شرح سنن النسائي المسمَّى ذخيرة العقبى في شرح المجتبى لجامعه الفقير إلى مولاه الغتي القدير محمد ابن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى الأيتوبي الوَلَّوي المدرس بدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة عفا اللَّه عنه وعن والديه آمين الجزء الخامس والعشرون دار آل بروم للنشر والتوزيع

стр. 12896

جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى ١٤٢٤هـ - ٢٠٠٣م دار آل بروم للنشر والتوزيع المملكة العربية السعودية - مكة المكرمة - المكتب الرئيسي التنعيم ص ب: ٤١٤٥ - (تلفاكس ٥٢١١٥٧٦ - جوّال ٠٥٥٥٤١٠٢٦)

стр. 12897

شرح سنن النسائي

стр. 12898

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 12899

٨٥ - (قَتْلُ الْوَزَغِ) ٢٨٣٢ - (أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ, أَنَّ امْرَأَةً دَخَلَتْ عَلَى عَائِشَةَ, وَبِيَدِهَا عُكَّازٌ, فَقَالَتْ: مَا هَذَا؟ , فَقَالَتْ: لِهَذِهِ الْوَزَغِ, لأَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ , حَدَّثَنَا «أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ, إِلاَّ يُطْفِئُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﵇, إِلاَّ هَذِهِ الدَّابَّةُ, فَأَمَرَنَا بِقَتْلِهَا, وَنَهَى عَنْ قَتْلِ الْجِنَّانِ, إِلاَّ ذَا الطُّفْيَتَيْنِ, وَالأَبْتَرَ, فَإِنَّهُمَا يُطْمِسَانِ الْبَصَرَ, وَيُسْقِطَانِ مَا فِي بُطُونِ النِّسَاءِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أبو بكر بن إسحاق) هو محمد بن إسحاق الصغانيّ، نزيل بغداد، ثقة ثبت [١١] ١٣/ ٣٤٧. ٢ - (إبراهيم بن محمد بن عَرْعَرَة) -بمهملات- ابن الْبِرِنْدِ بن النعمان بن عَلَجَة الساميّ -بمهملة- أبو إسحاق البصريّ، نزيل بغداد، ثقة حافظ [١٠]. قال ابن معين: ثقة معروف بالحديث مشهور بالطلب، كيس الكتاب، ولكنه يفسد نفسه يدخل في كلّ شيء. وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عن إبراهيم بن عرعرة؟، فقال: صدوق. وقال عثمان ابن خُرَّزَاذ: أحفظ من رأيت أربعة، فذكر فيهم إبراهيم. وقال صالح جَزَرَة: ما رأيت أعلم بحديث أهل البصرة من القواريريّ، وعليّ بن المدينيّ، وإبراهيم بن عرعرة. وقال الحاكم: هو إمام من حفاظ الحديث. وقال الخليليّ: حافظ كبير، ثقة، متفق عليه. وقال ابن قانع: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الأثرم: قلت لأبي عبد اللَّه: تحفظ عن قتادة، عن أبى حسّان، عن ابن عباس أن النبيّ ﷺ كان يزور البيت كل ليلة؟، فقال: كتبوه من كتب معاذ بن هشام، لم يسمعوه، قلت: ههنا إنسان يزعم أنه سمعه من معاذ, فأنكر ذلك، قال: من هو؟ قلت: إبراهيم بن عرعرة، فتغيّر وجهه، ونفض يده, وقال: كذبٌ وزُورٌ، ما سمعوه منه، قال فلان: كتبناه من كتابه، سبحان اللَّه، واستعظم ذلك. قال الخطيب: وقد أخبرنا بالحديث المذكور عثمان بن محمد بن يوسف العلاّف، حدثنا أبو بكرالشافعيّ، حدثنا إسماعيل القاضي، حدثنا علي بن المديني، قال: روى قتادة حديثًا غريبًا، لا يُحفظ عن أحد من أصحاب قتادة إلا من حديث هشام، فنسخته من كتاب ابنه معاذ بن هشام، وهو حاضرٌ، لم أسمعه منه، عن قتادة، وقال لي معاذ: هاته حتى أقرأه، قلت:

стр. 12900

دعه اليوم، قال: حدثنا أبو حسان، عن ابن عباس: "أن النبيّ ﷺ كان يزور البيت كلّ ليلة، ما أقام بمنى". قال: وما رأيت أحدًا واطأه عليه. قال عليّ بن المدينيّ: هكذا هو في الكتاب. قال الخطيب: وما الذي يمنع أن يكون إبراهيم بن محمد بن عرعرة سمع هذا الحديث من معاذ مع سماعه منه غيره. وقال البغوي، وموسى بن هارون، ومطيّن: مات سنة (٢٣١) زاد البغويّ، وموسى: في رمضان. انفرد به مسلم، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٣ - (معاذ بن هشام) الدستوائيّ البصريّ، وقد سكن اليمن، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩] ٣٠/ ٣٤. ٤ - (أبوه) هشام بن أبي عبد اللَّه، واسم أبيه سَنْبَر- كجعفر- أبو بكر البصريّ الدَّسْتَوائيّ، ثقة ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] ٣٠/ ٣٤. ٥ - (قتادة) بن دِعامة السدوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقة ثبت، يدلّس [٤] ٣٠/ ٣٤. ٦ - (ابن المسيَّب) هو سعيد المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقة ثبت فقيه، من كبار [٣] ٩/ ٩. ٧ - (امرأة) من الصحابيّات - رضي اللَّه تعالى عنهنّ -، ولا يضرّ جهالتها؛ لكونهنّ عدولاً. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فبغدادي، وسعيد، فمدنيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه سعيد بن المسيّب أحد الفقهاء السبعة، وقد تقدّموا غير مرة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) التابعيّ الفقيه الجليل -رحمه اللَّه تعالى- (أَنَّ امْرَأَةٌ) يحتمل أن تكون المرأة التي دخلت على عائشة هي أم شريك - رضي اللَّه تعالى عنها -، واسمها غزية -بالمعجمتين مصغّرًا- وقيل: غُزيلة، يقال: هي عامرية، قرشية، ويقال: أنصارية، ويقال دوسيّة. فقد أخرج حديثها البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" من طريق ابن جريج، عن عبد الحميد بن جبير، لاعن سعيد بن المسيّب، عن أم شريك - رضي اللَّه تعالى عنها -: أن

стр. 12901

رسول اللَّه ﷺ أمر بقتل الوزغ، وقال: "كان ينفخ على إبراهيم ﵇". وفي رواية بلفظ: "أن النبيّ ﷺ أمرها بقتل الأوزاغ". وفي رواية الإسماعيليّ، من طريق أبي عاصم، عن ابن جريج، بلفظ: "أنها استأمرت النبيّ ﷺ في قتل الوزغات، فأمرها بقتلهن". فعلى هذا فتكون السائلة هي عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -. ويحتمل أن تكون الداخلة هي سائبة مولاة الفاكه بن المغيرة، فقد أخرج حديثها الإمام أحمد في "مسنده"، وابن ماجه في "سننه"، من طريق جرير بن حازم، عن نافع، عن سائبة مولاة للفاكه بن المغيرة، أنها دخلت على عائشة، فرأت في بيتها رمحا موضوعا، فقالت: يا أم المؤمنين ما تصنعين بهذا الرمح؟، قالت: نقتل به الأوزاغ، فإن نبي اللَّه ﷺ أخبرنا: "أن إبراهيم ﵇، حين ألقي في النار، لم تكن دابة إلا تطفىء النار عنه، غير الوزغ، فإنه كان ينفخ عليه، فأمر ﵊ بقتله". وعلى هذا فتكون السائلة هي سائبة. ويؤيد الاحتمال الأول أن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - قالت: إنَّ النبيّ ﷺ قال للوزغ: "الفويسق"، ولم أسمعه أمر بقتله. رواه البخاريّ. فقد دلّ هذا الحديث على أنه لم تسمع عائشة عن النبيّ ﷺ الأمر بقلته. ويؤيده أيضًا كون راوي حديث الباب، وحديث أم شريك هو سعيد بن المسيّب -رحمه اللَّه تعالى-. وعلى هذا فقول عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - في حديث نافع المذكور: "فإن نبيّ اللَّه ﷺ أخبرنا الخ" محمول على التجوز، أي إنها سمعت ذلك من بعض الصحابة، وأطلقت لفظ أخبرنا، مجازًا، أي أخبر الصحابة، كما قال ثابت البنانيّ: "خطبنا عمران"، وأراد أنه خطب أهل البصرة، وإلا فما في "الصحيح" أصحّ. أفاده الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (١). (دَخَلَتْ عَلَى عَائِشَةَ) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - (وَبِيَدِهَا عُكَّازٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، على الاحتمال الأول، وهو الأرجح، أي والحال أن في يد تلك المرأة عكاز، أو من المفعول، على الاحتمال الثاني، أي والحال أن في يد عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - عكّاز. و"العكاز" -بضم العين المهملة، وتشديد الكاف-: عصًا في أسفلها زُجّ، أي حديدة، يتوكأ عليها الرجل، والجمع عَكَاكيز، وعُكّازات. قاله في "اللسان" (فَقَالَتْ)

стр. 12902

عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - لتلك المرأة، أو قالت هي لها (مَا هَذَا؟) العكاز، ولعل سؤالها عنه أنه لم تجر للنساء عادة باتخاذه، فاستغربت ذلك منها (فَقَالَتْ) تلك المرأة، أو عائشة (لِهَذِهِ الْوَزَغِ) أي اتخذته لقتل هذه الوزغ، وأنثته لكونه جمعًا. قال في "القاموس": الوزغة محرّكة: سامّ أبرص، سميت بذلك لخفتها، وسرعة حركتها، جمعه وَزَغٌ، وأوزاغ، ووِزْغَان، ووِزَاغ، وِإزْغَان انتهى. وقال الفيّوميّ: الوزغ معروف، والأنثى وزغة، وقيل: الوزغ جمع وزغة، مثل قصبة وقصب، فتقع الوزغة على الذكر والأنثى، والجمع أوزاغ، ووزْغَان -بالكسر، والضمّ-، حكاه الأزهريّ، وقال: الوزغ سامّ أبرص انتهى. وقال في "الفتح": وذكر بعض الحكماء أن الوزخ أصمّ، وأنه لا يدخل في مكان فيه زعفران، وأنه يلقّح بفيه، وأنه يبيض، ويقال لكبارها: سامّ أبرص -بتشديد الميم- انتهى (١). (لأَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ ، حَدَّثَنَا أنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ) أي من الدوابّ كما تقدم في رواية أحمد، وابن ماجه: "أن إبراهيم لما ألقي في النار، لم يكن في الأرض دابّة، إلا أطفأت عنه، إلا الوزغ، فإنها كانت تنفخ عليه، فأمر النبيّ ﷺ بقتلها". (إِلاَّ يُطْفِئُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﵇) أي يطفئ النار التي ألقي فيها إبراهيم ﵇ (إِلاَّ هَذِهِ الدَّابَّةُ) يعني الوزغ (فَأَمَرَنَا بِقَتْلِهَا) أي أمر ﷺ بقتل الوزغ، مجازة لاعتدائها على خليل الرحمن ﵇. (وَنَهَى) ﷺ (عَنْ قَتْلِ الْجِنَّانِ) بكسر الجيم، وتشديد النون: هي الحيات التي تكون في البيوت، واحدها جانّ، وهي الحية الصغيرة. وقيل: الرقيقة الخفيفة. وقيل: الدقيقة البيضاء. قاله في "الفتح" (٢). وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: والجنّان- بتشديد النون-: جمع الجانّ. وهو أبو الجانّ، هذا أصله، والجانّ في الحديث: هو حية بيضاء صغيرة دقيقة. هكذا ذكر النَّقَلَة، والظاهر من الجنّان المذكور في الحديث أن المراد به الجانّ. فإن قيل: فقد وصف اللَّه تعالى الحية المنقلبة عن عصا موسى بأنها جانّ، وأنها ثعبان عظيم. فالجواب: أنه إنما كاذت ثعبانا عظيمًا في الخلقة، ومثل الحيّة الصغيرة الدقيقة في الخفة والسرعة، ألا ترى قوله تعالى: ﴿تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ …﴾ [النمل: ١٠] هكذا قال أهل اللغة، وأرباب المعاني، وعلى الجملة، فأصل هذه البنية من (ج ن) للستر،

стр. 12903

والتستر أينما وقعت، فتتبعها تجدها كذلك. ووبيصُ الجانّ وغيره، لمعانُهُ، وبريقُهُ. قال عياض: وقيل: الجنّان ما لا يتعرّض للناس، والجنّل ما يتعرّض لهم، ويؤذيهم، وأنشدوا: تَنَازَعَ جِنَّانٌ وَجِنٌ وَجِنَّلُ وعن ابن عباس، وابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهم -: الجَنّان مسخ الجنّ (١) كما مسخت القردة من بني إسرائيل، وعوامر البيوت: هي ما يعمره من الجنّ، فيتمثّل في صور الحيّات، وفي غيرها. انتهى (٢). (إلاَّ ذَا الطُّفْيَتَيْنِ) تثنية طفية بضم الطاء المهملة، وسكون الفاء، أي صاحب الخطين الأبيضين على ظهره. والطُّفية في الأصل خوصة المقل، والطُّفي خوص المقل، شبّه به الخطّ الذي على ظهر الحيّة. وقال ابن عبد البرّ: يقال: إن ذا الطفيتين جنس من الحيات، يكون على ظهره خطّان أبيضان (وَالْأَبْتَرَ) هو مقطوع الذنب، زاد النضر بن شُميل أنه أزرق اللون، لا تنظر إليه حامل إلا ألقت. وقيل: الأبتر الحية القصيرة الذنب. قال الداوديّ: هي الأفعى التي تكون قدر شبر، أو أكثر قليلاً. وقوله: "والأبتر" يقتضي التغاير بين ذي الطفيتين، والأبتر. ووقع في حديث أبي لبابة عند البخاريّ: "لا تقتلوا الحيات إلا كلّ أبتر ذي طفيتين"، وظاهره اتحادهما، لكن لا ينفي المغايرة. قاله في "الفتح" (٣). (فَإِنَّهُمَا) الفاء تعليلية، أي لأنهما (يَطْمِسَانِ الْبَصَرَ) أي يمحوان نوره، ويخطفانه. قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: فيه تأويلان، ذكرهما الخطّابيّ، وآخرون: أحدهما: معناه يخطفان البصر، ويطمسانه بمجرّد نظرهما إليه؛ لخاصة جعلها اللَّه تعالى في بصريهما، إذا وقع على بصر الإنسان، ويؤيّد هذا الرواية الأخرى في مسلم: "يخطفان البصر"، والرواية الأخرى: "يلتمعان البصر". والثاني: أنهما يقصدان البصر باللسع، والنهش، والأول أصحّ، وأشهر. قال العلماء: وفي الحيات نوع يسمى الناظر إذا وقع نظره على عين إنسان مات من ساعته. واللَّه تعالى أعلم. انتهى (٤). (وُيسْقِطَانِ مَا فِي بُطُونِ النَّسَاءِ") وفي رواية البخاريّ: "ويستسقطان الحبل" أي يسقطان بما في هما من الخاصيّة ما في بطون النساء الحوامل

стр. 12904

من الأولاد. وقال النووي: معناه أن المرأة الحامل إذا نظرت إليهما، وخافت أسقطت الحمل غالبًا. وقد ذكر مسلم في روايته عن الزهريّ، أنه قال: يُرى ذلك من سمّهما انتهى (١). وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وظاهر هذا أن هذين النوعين من الحيّات لهما من الخاصية ما يكون عنهما ذلك، ولا يُستبعد هذا، فقد حكى أبو الفرج ابن الجوزيّ في كتابه المسمى بـ "كشف المشكل لما في الصحيحين" أن بعراق العجم أنواعًا من الحيات يَهلك الرائي لها بنفس رؤيتها، ومنها من يَهلك بالمرور على طريقها، وذكر غير ذلك. ولا يُلتفت إلى قول من قال: إن ذلك بالترويع؛ لأن ذلك الترويع ليس خاصا بهذين النوعين، بل يعمّ جميع الحيّات، فتذهب خصوصيّة هذا النوع بهذا الاعتناء العظيم، والتحذير الشديد. ثم إن صحّ هذا في طرح الحبل، فلا يصحّ في ذهاب البصر، فإن الترويع لا يذهبه انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث الباب هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا - ٨٥/ ٢٨٣٢ - وفي "الكبرى" ٨٤/ ٣٨١٤. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مشروعية قتل الوزغ للمحرم، ووجه دلالته عليه، أنه ﷺ لم يستثن المحرم من غيره حين أمر بقتله، فدلّ على أن قتله جائز للمحرم. (ومنها): بيان سبب الأمر بقتل الوزغ، وهو أنه كان يوقد النار على النبيّ إبراهيم ﵇، فجوزي بمشروعية قتله. وقد ورد الفضل لمن قتل الوزغة، فقد أخرج مسلم في "صحيحه" من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قتل وزغة في أول ضربة، فله كذا وكذا حسنة، ومن قتلها في الضربة الثانية، فله كذا وكذا حسنة، لدون الأولى، وإن قتلها في الضربة الثالثة، فله كذا وكذا حسنة، لدون الثانية". وفي رواية: "من قتل وزغًا في أول

стр. 12905

ضربة، كُتبت له مائة حسنة، وفي الثانية دون ذلك، وفي الثالثة دون ذلك". وفي رواية: أنه قال: "في أول ضربة سبعين حسنة". (ومنها): أن من الحيات ما جعله اللَّه تعالى سبباً لإلحاق الضرر بالإنسان بمجرد النظر إليه، وهذا سرّ استأثر اللَّه تعالى بحكمته، ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ٤]. (ومنها): النهي عن قتل الحيات التي تكون في البيوت، وقد ورد ورد الأمر بالإنذار، ففي "صحيح مسلم" من حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁، مرفوعًا: "إن لهذه البيوت عوامر، فإذا رأيتم منها شيئًا، فحرّجوا عليه ثلاثًا، فإن ذهب، وإلا فاقتلوه، فإنه كافر". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم قتل الحيّات: اختلفوا في هذه المسألة على أقوال، جمعها الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في كتابه "التمهيد": (أحدها): قتلهنّ مطلقًا في البيوت، والصحارى بالمدينة، وغيرها على أيّ صفة كنّ، وتمسّك هؤلاء بالعمومات في قتهلنّ، مع الترغيب في ذلك، والتحذير من تركه. (ثانيها): قتلهنّ إلا ما كان في البيوت بالمدينة خاصّة، دون غيرها، على أيّ صفة كنّ، فلا يُقتلن إلا بعد الإنذار ثلاثًا. وبهذا قال ابن نافع، والمازريّ، والقاضي عياض، وغيرهم. وتمسّك هؤلاء بحديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ أنه قال ﷺ : "إن بالمدينة جنًّا قد أسلموا، فإذا رأيتم منها شيئًا، فأذنوه ثلاثة أيام، فإن بدا لكم بعد ذلك، فاقتلوه، فإنما هو شيطان". رواه مسلم في "صحيحه". وقال ابن عبد البرّ في حديث سهل بن سعد ﵁، مرفوعًا: "إن لهذه البيوت عوامر، فإذا رأيتم منها شيئًا، فتعوّذوا منه، فإن عاد، فاقتلوه". وهذا يحتمل أن يكون أشار به إلى بيوت المدينة، وهو الأظهر، ويحتمل أن يكون إلى جنس البيوت. (ثالثها): استثناء ذوات البيوت، سواء كنّ بالمدينة، أو غيرها، إلا بعد الإنذار، وهو محكيّ عن الإمام مالك -رحمه اللَّه تعالى-، وصاحبه عبد اللَّه بن وهب. وحكي عن مالك أيضًا أنه يقتل ما وجد منها في المساجد، واستدلّ هؤلاء بما في "سنن أبي داود" عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه: أن رسول اللَّه ﷺ سئل عن حيّات البيوت؟، فقال: "إذا رأيتم منهنّ شيئًا في مساكنكم، فقولوا: أنشدكنّ العهد الذي أخذه عليكنّ نوح،

стр. 12906

أنشدكنّ العهد الذي أخذه عليكنّ سليمان أن تؤذونا، فإن عُدن، فاقتلوهنّ" (١). فلم يخصّ في هذا الحديث بيوت المدينة من غيرها، قال: ابن عبد البرّ، وهو عندي محتمل للتأويل، والأظهر فيه العموم. وقال أبو العبّاس القرطبيّ: إن هذا القول، وهو عدم التخصيص بذوات البيوت في المدينة، هو الأولى لعموم نهيه عن قتل الحيّات في البيوت، ولقوله ﷺ : "خمس فواسق، يُقتلن في الحلّ والحرم ". وذكر فيهن الحية، ولأنّا قد علمنا قطعًا أن رسول اللَّه ﷺ رسول إلى الجنّ والإنس، وأنه بلغ الرسالة إلى النوعين، وأنه قد آمن به خلق كثير من النوعين بحيث لا يحصرهم بلد، ولا يحيط بهم عدد، والعجب من ابن نافع كأنه لم يسمع قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩]، ولا قوله ﷺ : "إن وفد جنّ نصيبين أتوني، ونعم الجنّ هو فسألوني الزاد … " الحديث، فهذه نصوص في أن من جنّ غير المدينة من أسلم، فلا يقتل شيء منها، حتى يحرّج عليه، كما تقدّم. (رابعها): استثناء ذوات البيوت مطلقًا، فلا يقتلن، ولا بعد الإنذار، وهو ظاهر قوله في حديث أبي لبابة أنه نهى عن ذوات البيوت، ولم يذكر إنذارهنّ. (خامسها): استثناء ذوات البيوت، فلا يقتلن إلا ذا الطفيتين والأبتر، فهما يُقتلان بالمدينة، وغيرها بلا إنذار، ويدلّ لهذا حديث ابن عمر عن أبي لبابة أن النبيّ ﷺ ، قال: "لاتقتلوا الحيّات إلا كلّ أبتر ذي طفيتين"، وهو في "صحيح البخاريّ". وفي "سنن أبي داود" من طرق، عن نافع، عن أبي لبابة أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن قتل الحيّات التي تكون في البيوت، إلا أن يكون ذا الطفيتين، والأبتر، فإنهما يخطفان البصر، ويطرحان ما في بطون النساء" (٢). قال ابن عبد البرّ: أجمع العلماء على جواز قتل حيّات الصحارى صغارًا كنّ، أو كبارًا، أيّ نوع كنّ من الحيّات، قال: وترتيب هذه الأحاديث، وتهذيبها باستعمال حديث أبي لبابة، والاعتماد عليه، فإن فيه بياناً لنسخ قتل حيّات البيوت، وأن ذلك كان بعد الأمر بقتلها جملة، وفيه استثناء ذي الطفيتين والأبتر، فهو حديث مفسّر، لا إشكال فيه لمن فهم، وعلم فهو الصواب في هذا الباب، وعليه يصحّ ترتيب الآثار فيه. (سادسها): روى أبو داود في "سننه" عن عبد اللَّه ﵁ أنه قال: اقتلوا الحيّات كلها إلا

стр. 12907

الجنان الأبيض الذي كأنه قضيب فضّة. قال ابن عبد البرّ: وهذا قول غريب حسن (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تبيّن بما ذُكر أن الأرجح قتل جمغ أنواع الحيات، غير ذوات البيوت، فإنها لا تقتل، إلا بعد الإنذار ثلاثًا، إلا ذا الطفيتين، والأبتر منها، فإنهما يُقتلان بلا إنذار، وبهذا تجتمع الأحاديث في هذا الباب، كما أشار إليه أبو عمر، والقرطبيّ --رحمهما اللَّه تعالى-- في كلامهما السابق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٨٦ - (قَتْلُ الْعَقْرَبِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "العقرب": واحدة العقارب، من الهوامّ، يكون للذكر والأنثى بلفظ واحد، والغالب عليه التأنيث، وقد يقال للأنثى: عقربة، وعقرباء، ممدود، غير مصروف، والعُقْرُبانُ، والعُقرُبانُ: الذكر منها. قاله في "اللسان". وقال الفيّوميّ: "العقرب": تطلق على الذكر والأنثى، فإذا أريد تأكيد التذكير قيل: عُقْرُبانٌ، بضمّ العين، والراء. وقيل: لا يقال: إلا عقربٌ للذكر والأنثى. وقال الأزهريّ: العقرب يقال للذكر والأنثى، والغالب عليها التأنيث، ويقال للذكر: عُقْرُبانٌ، وربما قيل: عَقْرَبة بالهاء للأنثى، قال الشاعر: كَأنَّ مَرْعَى (٢) أُمُّكُمْ إِذْ غَدَتْ … عَقْرَبَةٌ يَكُومُهَا (٣) عُقْرُبَانُ فجمع بين اسم الذكر الخاصّ، وأنّث المؤنثة بالهاء. وأرض مُعقرِبةٌ اسم فاعل: ذات عقارب، كما يقال: مُثَعْلِبةٌ، ومُضَفْدِعَةٌ، ونحو ذلك. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٨٣٣ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ, أَبُو قُدَامَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ, قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: "خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ, لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ", أَوْ "فِي قَتْلِهِنَّ, وَهُوَ حَرَامٌ, الْحِدَأَةُ, وَالْفَأْرَةُ, وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ, وَالْعَقْرَبُ, وَالْغُرَابُ").

стр. 12908

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. و"يحيى": هو القطّان. و"عبيد اللَّه": هو ابن عمر العمريّ المدنيّ الفقيه الحجة الثبت. والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه، ومسائله تقدّمت قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٨٧ - (قَتْلُ الْحِدَأَةِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الْحِدأَة" -بكسر أوله-، ولا يقال: حِدَاءَةٌ، والجمع حِدَأٌ- مكسور الأول، مهموز، مثل حِبَرَة وحِبَر، وعِنَبَة وعِنَب: طائر يطير، يصيد الجِرْذان. وقال بعضهم: إنه يصيد على عهد سليمان على نبينا، وعليه الصلاة والسلام، وكان من أصيد الجوارح، فانقطع عنه الصيد لدعوة سليمان ﵇. أفاده في "اللسان". وقال الفيّوميّ: والْحِدَأة مهموزٌ، مثل عنبة: طائر خبيث، والجمع بحذف الهاء، وحِدَّانٌ أيضًا، مثلُ غِزْلان. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٨٣٤ - (أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) أَيُّوبُ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, مَا نَقْتُلُ مِنَ الدَّوَابِّ, إِذَا أَحْرَمْنَا؟ , قَالَ: «خَمْسٌ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ: الْحِدَأَةُ, وَالْغُرَابُ, وَالْفَأْرَةُ, وَالْعَقْرَبُ, وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"زياد بن أيّوب": هو الحافظ المعروف بدلّويه. و"أيوب": هو السختياني. و"نافع" هو مولى ابن عمر. والحديث متّفقٌ عليه وقد سبق شرحه، وتخريجه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 12909

٨٨ - (قَتْلُ الْغُرَابِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الغُرَاب": الطائر الأسود، والجمع أَغْربة، وأَغرُب، وغِرْبانٌ، وغرُبٌ، قال: وَأَنْتُمْ خِفَافٌ مِثْلُ أَجْنِحَةِ الْغُرُبْ وَغَرَابينُ جمعُ الجمع. والعرب تقول: فلا أبصرُ من غراب، وأحذرُ من غراب، وأزهى من غراب، وأصفى عيشًا من غراب، وأشدّ سوادًا من غراب، وإذا نعتوا أرضًا بالخِصْب، قالوا: وقع في أرض لا يطير غرابها، ويقولون: وجد تمرة الغراب؛ وذلك أنه يتبع أجود التمر، فينتقيه، ويقولون: أشأم من غراب، وأفسق من غراب، ويقولون: طار غراب فلان: إذا شاب رأسه. قاله في "اللسان". واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٨٣٥ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , سُئِلَ مَا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ؟ , قَالَ: «يَقْتُلُ الْعَقْرَبَ, وَالْفُوَيْسِقَةَ, وَالْحِدَأَةَ, وَالْغُرَابَ, وَالْكَلْبَ الْعَقُورَ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"يحيى بن سعيد" هنا هو الأنصاريّ. وقوله: "الفويسقة": تصغير فاسقة، والمراد بها الفأرة، سميت بها لخروجها من جحرها على الناس، وإفسادها عليهم. وقد جاء في "الصحيحين" تسمية الخمس بالفواسق: "ولفظه: "خمس فواسق يقتلن في الحرم … ". قال النووي: هو بإضافة "خمس"، لا بتنوينه، وذكر فيه ابن دقيق العيد في "شرح العمدة" الوجهين، واستدلّ على التنوين بقوله في حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - في رواية أخرى في "الصحيح": "خمس من الدوابّ كلهنّ فواسق"، وقال: إن رواية الإضافة ربما تشعر بالتخصيص، ومخالفة حكم غيرها لها بطريق المفهوم، ورواية التنوين تقتضي وصف الخمس بالفسق من جهة المعنى، وقد تشعر بأن الحكم المرتّب على ذلك، وهو القتل معلل بما جعل وصفًا، وهو الفسق، فيقتضي ذلك التعميم لكلّ فاسق من الدوابّ، وهو ضدّ ما اقتضاه الأول من المفهوم، وهو التخصيص انتهى. قال النووي: وأما تسمية هذه المذكورات فواسق، فصحيحة جارية على وفق اللغة، وأصل الفسق في كلام العرب الخروج، وسمي الرجل الفاسق لخروجه عن أمر اللَّه

стр. 12910

تعالى، وطاعته، فسميت هذه فواسق لخروجها بالإيذاء، والإفساد عن طريق معظم الدوابّ. وقيل: لخروجها عن حكم الحيوان في تحريم قتله في الحرم والإحرام. وقيل: فيها أقوال أخر ضعيفة، لا نرتضيها انتهى (١). والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم البحث فيه مستوفًى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨٣٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ سَالِمٍ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ, لَا جُنَاحَ فِي قَتْلِهِنَّ, عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ فِي الْحَرَمِ, وَالإِحْرَامِ, الْفَأْرَةُ, وَالْحِدَأَةُ, وَالْغُرَابُ, وَالْعَقْرَبُ, وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه "محمد بن عبد اللَّه بن يزيد المقرىء"، أبي يحيى المكيّ، ثقة [١٠] ١١/ ١١، فإنه من أفراده هو، وابن ماجه. و"سفيان": هو ابن عيينة. وقوله: "في الحرم، والإحرام" وهكذا في "صحيح مسلم"، وبيّن مسلم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أن لفظ شيخيه الراويين عن سفيان بن عيينة اختلف عليه، فقال أحدهما، وهو ابن أبي عمر: "الْحَرَم" أي بفتح الحاء، والراء، وقال الآخر، وهو زُهير بن حرب: "الْحُرُم" بضم الحاء، والراء، أي في المواضع الحُرُم، جمع حَرَام، كما قال: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، كذا بيّن القاضي في "المشارق" الضبطين، فقال: وفي رواية: "في الْحَرَم، والإحرام" أي في حرم مكة، وجاء في رواية زهير: "في الْحُرُم، والإحرام"، أي في المواضع الْحُرُم، جمع حرام، كما قال: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ انتهى (٢). والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٨٩ - (مَا لَا يَقْتُلُهُ الْمُحْرِمُ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "ما" اسم موصول: أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ

стр. 12911

على الحيوان الذي لا يحلّ للمحرم أن يقتله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٨٣٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ, عَنِ ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ, قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الضَّبُعِ؟ , فَأَمَرَنِي بِأَكْلِهَا, قُلْتُ: أَصَيْدٌ هِيَ؟ , قَالَ: نَعَمْ, قُلْتُ: أَسَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: نَعَمْ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن منصور) الجوّاز المكيّ، ثقة [١٠] ٢١/ ٢٢. ٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام المكيّ الحجة الثبت [٨] ١/ ١. ٣ - (ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل، يدلّ، ويُرسل [٦] ٢٨/ ٣٢. ٤ - (عبد اللَّه بن عُبيد بن عُمير) -بتصغير الاسمين- بن قتادة بن سعد بن عامر بن جُندع بن ليث الليثيّ، ثم الجندعيّ، أبو هاشم المكيّ، ثقة [٣]. قال أبو زرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة يحتجّ به. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وقال داود العطار: كان من أفصح أهل مكة. وقال محمد بن عمر: كان ثقة صالحًا، له أحاديث. وقال العجليّ: تابعيّ مكيّ ثقة. وقال أبو داود: لم يرو عنه شعبة. قال: عندي في الصلاة على الجنائز بضعة عشر بابًا. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان مستجاب الدعوة. وقال ابن حزم في "المحلّى": لم يسمع من عائشة. وقال البخاريّ في "التاريخ الأوسط": لم يسمع من أبيه شيئًا، ولا يذكره. قال عمرو بن عليّ: مات سنة (١١٣) وقال إسحاق القراب: قتل بالشام في الغزو سنة (١١٣). روى له الجماعة، سوى البخاريّ، وله عند المصنّف في هذا الكتاب خمسة أحاديث برقم ٢٨٣٧ و ٢٩١٩ و ٣٢٢٩ و ٣٤٦٥ و ٤٣٢٣. ٥ - (ابن أبي عمار) هو عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن أبي عمار المكيّ، حليف بني جُمَح الملقّب بالقَسّ؛ لعبادته، ثقة عابد [٣] ١/ ١٤٣٣. ٦ - (جابر بن عبد اللَّه) بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السِّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٣١/ ٣٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ: عبد اللَّه بن عبيد، عن ابن أبي عمّار، وهو من رواية

стр. 12912

الأقران. (ومنها): أن فيه جابرًا - رضي اللَّه تعالى عنه - من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ) عبد الرحمن بن عبد اللَّه (ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ) الجمحي مولاهم المكيّ، أنه (قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (عَنِ الضَّبُعِ؟) أي عن حكم أكلها. و"الضبع": بفتح الضاد المعجمة، وضم الموحدة، في لغة قيس، وبسكونها في لغة تميم، وهي أنثى، وتختصّ بالأنثى. وقيل: تقع على الذكر والأنثى، وربما قيل في الأنثى: ضَبْعة بالهاء، كما قيل: سَبُعٌ، وسبْعة بالسكون مع الهاء للتخفيف، والذكر ضِبْعان، والجمع ضباعين، مثل سِرْحانٍ وسراحين، ويجمع الضبع بضم الباء على ضِبَاع، وبسكونها على أضبُع. قاله الفيّوميّ. وقال الدميريّ: ومن عجيب أمرها أنها كالأرنب تكون سنة ذكرًا، وسنة أنثى، فتلقّح في حال الذكورة، وتلد في حال الأنوثة، وهي مولعة بنبش القبور؛ لكثرة شهوتها للحوم بني آدم، ومتى رأت إنسانًا نائمًا، حفرت تحت رأسه، وأخذت بحلقه فتقتله، وتشرب دمه انتهى. (فَأمَرَنِي) أي أمرني جابر ﵁ أمر إباحة وترخيص (بأَكْلِهَا) فيه أن أكل الضبع حلال، وإليه ذهب الشافعيّ، وأحمد، قال الشافعيّ: ما زالَ الناس يأكلونها، ويبيعونها بين الصفا والمروة، من غير نكير، ولأن العرب تستطيبه، وتمدحه، وهذا الراجح؛ لحديث الباب. وذهب مالك، وأبو حنيفة إلى تحريمه، واستدلّ لهم بما صحّ من تحريم كلّ ذي ناب من السباع، وبما رواه الترمذيّ من حديث خزيمة بن جزء ﵁، قال: سألت رسول اللَّه ﷺ عن أكل الضبع؟ قال: "أو يأكل الضبع أحد؟ … " الحديث. وأجيب عن الأول بأن حديث جابر خاصّ، وحديث تحريم كل ذي ناب عامّ، فيقدم الخاصّ عليه. وعن الثاني بأنه ضعيف، لا يصلح للاحتجاج به؛ لأن في سنده عبد الكريم بن أبي المخارق، متفق على ضعفه. وسيأتي تمام البحث في ذلك في "كتاب الصيد والذبائح" -٢٧/ ٤٣٢٤ - إن شاء اللَّه تعالى. (قُلْتُ: أَصَيْدٌ هِيَ؟) أي أفي قتلها جزاء، فليس مراده أن يعرف كونها من الحيوان المتوحش، فإن هذا أمر لا يخفى على مثله، وإنما المراد أن يعلم حكم قتلها في الإحرام، هل يوجب الجزاء الذي أوجبه تعالى، بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ الآية [المائدة: ٩٥].

стр. 12913

زاد في رواية أبي داود، وغيره: "ويُجعَلُ فيه كبشٌ إذا صاده المحرم" (قَالَ) جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - (نَعَمْ) أي هي من الصيد الذي أوجب تعالى بقتله الجزاء (قُلْتُ: أَسَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ) يعني أن جواز أكله، وكونه صيدًا يوجب الجزاء بقتله سمعه جابر ﵁ عن النبيّ ﷺ . ففي رواية أبي داود من طريق جرير بن حازم، عن عبد اللَّه بن عبيد، عن عبد الرحمن بن أبي عمار، عن جابر بن عبد اللَّه، قال: سألت رسول اللَّه ﷺ عن الضبع؟، فقال: "هو صيد، ويُجعَلُ فيه كبشٌ إذا صاده المحرم". وفي رواية الدارقطنيّ، والحاكم، من طريق إبراهيم الصائغ، عن عطاء، عن جابر ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الضبع صيد، فإذا أصابه المحرم، ففيه كبش مُسِنّ، ويؤكل". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. [تنبيه]: هذا الحديث روي مرفوعًا، وموقوفًا، والمرفوع أصح. قال الحافظ في "التلخيص الحبير": قال الترمذيّ: سألت عنه البخاريّ، فصححه، وكذا صححه عبد الحقّ، وقد أعلّ بالوقف. وقال البيهقيّ: هو حديث جيّد، تقوم به الحجة. ورواه البيهقيّ من طريق الأجلح، عن أبي الزبير، عن جابر، عن عمر ﵁، قال: لا أراه إلا قد رفعه أنه حكم في الضبع بكبش … الحديث. ورواه الشافعيّ، عن مالك، عن أبي الزبير به موقوفًا. وصحح وقفه من هذا الوجه الدارقطنيّ. ورواه الدارقطنيّ، والحاكم من طريق إبراهيم الصائغ، عن عطاء، عن جابر، مرفوعًا، وقد تقدّم لفظه. وفي الباب عن ابن عباس، رواه الدارقطنيّ، والبيهقيّ، من طريق عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عنه، وقد أعلّ بالإرسال. ورواه الشافعيّ من طريق ابن جريج، عن عكرمة مرسلاً، وقال: لا يثبت مثله لو انفرد، ثم أكده بحديث ابن أبي عمار. وقال البيهقيّ: روي موقوفًا عن ابن عباس أيضًا انتهى كلام الحافظ (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أن الحديث، وإن روي موقوفًا، لكن رفعه أرجح، فلا يُعَلّ بالوقف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 12914

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٨٩/ ٢٨٣٧ وفي "الصيد والذبائح" ٤٣٢٣ - وفي "الكبرى" ٨٨/ ٣٨١٩٢٩/ ٤٨٣٥. وأخرجه (د) في "الأطعمة" ٣٨٠١ (ت) في "الحج" ٨٥١ وفي "الأطعمة" ١٧٩١ (ف) في "المناسك" ٣٠٨٥ وفي "الصيد" ٣٢٣٦ (أحمد) في باقي "مسند المكثرين" ١٣٧٥١ و ١٤٠١٦ و ١٤٠٤٠ (الدارمي) في "المناسك" ١٩٤١. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: إ منها): ما ترجم له المصنّف رحمهِ اللَّه تعالى، وهو بيان بعض ما لا يجوز للمحرم قتله. (ومنها): أن الضبع صيد يجب بقتل المحرم إياه الجزاء، وقد سبق في الحديث أنه الكبش. (ومنها): أن فيه جوازَ أكلِ الضبع، فهَيَ من الطيبات التي أحلها اللَّه تعالى لعباده، وبهذا قال الشافعيّ، وأحمد -رحمهما اللَّه تعالى-, وهو الحقّ، وخالف فيه مالك، وأبو حنيفة،، فلم يجيزا أكلها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في المحرم إذا قتل صيدًا، ضبعًا، أو غيره: ذهب الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعيّ، وأحمد إلى أن الواجب فيه النظير، ففي الضبع الكبش، ومنهم من قال: شاة. وذهب الحنفيّة إلى أن الواجب هو القيمة، وذلك أن يُقَوَّم الصيد في المكان الذي قُتل فيه، أو في أقرب المواضع، يقومه عدلان، ثم هو مخير في الفداء بين أن يشتري به هديًا، أو يشتري به طعاما يتصدق به، وإن شاء صام. قال العلامة ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى-: إن جزاء ما كان دابة من الصيد نظيرُه من النعم، هذا قول أكثر أهل العلم، منهم الشافعيّ. وقال أبو حنيفة: الواجب القيمة، ويجوز صرفها في المثل؛ لأن الصيد ليس بمثليّ. ولنا قول اللَّه تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ الآية [المائدة: ٩٥] وجعل النبيّ ﷺ في الضبع كبشًا، وأجمع الصحابة على إيجاب المثل. وقال عمر، وعثمان، وعليّ، وزيد بن ثابت، وابن عباس، ومعاوية ﵃ في النعامة بدنة. وحكم عمر في حمار الوحش ببقرة. وحكم عمر، وعليّ في الظبي بشاة. وإذا حكموا بذلك في الأزمنة المختلفة، والبلدان المتفرقة دلّ ذلك على أنه ليس على وجه القيمة، ولأنه لو كان على وجه القيمة لاعتبروا صفة المتلف التي تختلف بها القيمة، إما برؤية، أو إخبار، ولم يُنقَل منهم السؤال عن ذلك حال الحكم، إذا ثبت هذا فليس المراد حقيقة المماثلة، فإنها لا

стр. 12915

تتحقق بين النعم والصيد، لكن أريدت المماثلة من حيث الصورة. قال: والمتلف من الصيد قسمان: (أحدهما): ما قضت فيه الصحابة، فيجب فيه ما قضت، وبهذا قال عطاء، والشافعيّ، وإسحاق. وقال مالك: يستأنف الحكم فيه. قال ابن قدامة: والذي بلغنا قضاء الصحابة: في الضبع كبش، قضى به عمر، وعليّ، وجابر، وابن عباس، وفيه عن جابر أن النبيّ ﷺ جعل في الضبع يصيدها المحرم كبشًا. قال أحمد: حكم رسول اللَّه ﷺ في الضبع بكبش. وبه قال عطاء، والشافعيّ، وأبو ثور، وابن المنذر. وقال الأوزاعيّ: إن كان العلماء بالشام يعدّونها من السباع، ويكرهون أكلها، وهو القياس، إلا أن اتباع السنة والآثار أولى. (القسم الثاني): ما لم تقض فيه الصحابة، فيرجع إلى قول عدلين، من أهل الخبرة؛ لقوله اللَّه تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٦]، فيحكمان فيه بأشبه الأشياء به من النعم، من حيث الخلقة، لا من حيث القيمة، بدليل أن قضاء الصحابة لم يكن بالمثل في القيمة انتهى مختصرًا. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الراجح في المسألة هو ما عليه الجمهور من أن الواجب في قتل الصيد هو المماثل في الصورة والخلقة، لا المماثل في القيمة؛ لوضح دلالة قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٦] على أن المعتبر أن المثلية الظاهرة، لا المعنوية التي هي القيمة، يؤيد ذلك قوله: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾، فقد صرّح ببيان جنس المثل، ثم قال: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وضمير "به للمثل من النعم، لا للقيمة, لأنها لم تذكر، ثم قال: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] والذي يُهدى هو المثل من النعم، لا القيمة، وادعاء أن المراد شراء الهدي بها بعيد من ظاهر الآية، كما حققه بعض الأفاضل. والحاصل أن الصواب وجوب المثل، لا القيمة، فأما ما نُصّ عليه كالكبش في قتل الضبع، كما في حديث الباب، فقد ثبت وجوبه نصًّا، فلا كلام فيه، وكذلك ما تقدم مما نقل عن الصحابة ﵃، فإنه أولى أن يُتَّبَع، وأما ما ليس كذلك، فيعمل فيه بحكم ذوي عدل، كما هو نصّ الآية الكريمة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 12916

٩٠ - (الرُّخْصَةُ فِي النِّكَاحِ لِلْمُحْرِمِ) ٢٨٣٨ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ -وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَطَّارُ- عَنْ عَمْرٍو -وَهُوَ ابْنُ دِينَارٍ- قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الشَّعْثَاءِ, يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: "تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ مَيْمُونَةَ, وَهُوَ مُحْرِمٌ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (داود بن عبد الرحمن العطّار) أبو سليمان المكيّ، ثقة [٨] ٢٩/ ٤٤٢. ٣ - (عمرو بن دينار) الأثرم الْجُمَحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبت [٤] ١١٢/ ١٥٤. ٤ - (أبو الشعثاء) جابر بن زيد الأزديّ الْجَوْفيّ (١) ثم البصريّ، مشهور بكنيته، ثقة فقيه [٣] ١٤٦/ ٢٣٦. ٥ - (ابن عبّاس) عبد اللَّه البحر الحبر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا. (ومنها): أن في قوله: "وهو ابن عبد الرحمن"، استعمال القاعدة المشهورة في مصطلح أهل الحديث، وهي تمييز الزيادة التي يزيدها الراوي على شيخه من نسب، أو صفة لمن فوق شيخه، وبيان ذلك هنا أن شيخه قتيبة حين حدّثه بهذا الحديث لم ينسب شيخه داود إلى أبيه، وأراد المصنّف نسبته إلى أبيه؛ ليتميّز عن غيره ممن يسمّى بداود، حتى لا يلبس على تلاميذه، فأتى بكلمة "وهو" تمييزًا بين ما قاله شيخه، وبين مازاده هو، وكذا يقال: في قوله: "وهو ابن دينار"، وإلى هذه القاعدة أشار السيوطيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "ألفية الحديث"، حيث قال:

стр. 12917

وَلَا تَزِدْ في نَسَبٍ أَوْ وَصْفِ مَنْ … فَوْقَ شُيُوخٍ عَنْهُمُ مَا لَمْ يُبَنْ بِنَحْوِ "يَعْنِي" أَوْ بـ"أَنَّ" أَوْ بِـ"هُو" … أَمَّا إِذَا أتَمَّهُ أَوَّلَهُ أَجِزْهُ فِي الْبَاقِي لَدَى الْجُمْهُورِ … وَالْفَصْلُ أوْلَى قَاصِرَ الْمَذْكُورِ واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: "تَزَوَّجَ النَّبِيَّ ﷺ مَيْمُونَةَ) وسيأتي في "النكاح" في -٣٧/ ٣٢٧٤ - من طريق عطاء، عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - زيادة: "جعلت أمرها إلى العباس، فأنكحها إياه". ولابن حبان، والطبرانيّ من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق بلفظ: "تزوج ميمونة بنت الحارث في سفره ذلك - يعني عمرة القضاء- وهو حرام، وكان الذي زوجه إياها العباس". وفي مغازي أبي الأسود، عن عروة: "بعث النبيّ ﷺ جعفر بن أبي طالب إلى ميمونة ليخطبها له، فجعلت أمرها إلى العباس، وكانت أختها أم الفضل تحته، فزوّجه إياها، فبنى بها بسرف، وقدر اللَّه أنها ماتت بعد ذلك بسرف، وكانت قبله ﷺ تحت أبي رُهْم بن عبد العزى. وقيل: تحت أخيه حُوَيطب. وقيل: سَخْبرة بن أبي رهم، وأمها هند بنت عوف الهلالية (١). (وَهُوَ مُحْرِمٌ") وزاد البخاريّ من طريق عكرمة، عن ابن عباس: "وبنى بها، وهو حلال، وماتت بسرف". قال الأثرم: قلت لأحمد: إن أبا ثور يقول: بأيّ شيء يُدفع حديث ابن عباس -أي مع صحته- قال: فقال: اللَّه المستعان، ابن المسيب يقول: وهم ابن عباس، وميمونة تقول: تزوجني، وهو حلال انتهى. وقد عارض حديث ابن عباس هذا حديث عثمان - رضي اللَّه تعالى عنهم - الآتي في الباب التالي. ويجمع بينهما يحمل حديث ابن عباس على أنه من خصائص النبيّ ﷺ . قاله في "الفتح" (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - متّفق عليه.

стр. 12918

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٩٠/ ٢٨٣٨ و ٢٨٣٩ و ٢٨٤٠ و ٢٨٤١ و ٢٨٤٢ و"النكاح" ٣٧/ ٣٢٧٢ و ٣٢٧٣ و ٣٢٧٤ و ٣٢٧٥ - وفي "الكبرى" ٨٩/ ٣٨٢٠ و ٣٨٢١ و ٣٨٢٢ و ٣٨٢٣ و ٣٨٢٤ وفي "النكاح" ٣٩/ ٥٤٠٧ و ٥٤٠٩ و ٥٤١٠ و ٥٤١١ و ٥٤١٢. وأخرجه (خ) في "الحج" ١٨٣٧ و"المغازي" ٤٢٥٩ و"النكاح" ٥١١٤ (م) في "النكاح" ١٤١٠ (د) في "المناسك" ١٨٤٤ (ت) في "الحج" ٨٤٢ و ٨٤٣ و ٨٤٤ (ق) في "النكاح" ١٩٦٥ (أحمد) في "مسند بني هاشم" ٢٢٠١ و ٢٣٨٩ و ٢٤٣٣ و ٢٤٨٨ و ٢٥٥٦ و ٢٥٧٦ و ٢٥٨٤ و ٢٨٧٢ و ٣٠٤٤ و ٣٠٦٥ و ٣٠٩٩ و ٣٢٢٣ و ٣٢٧٢ و ٣٣٠٩ و ٣٣٩٠ و ٣٤٠٢ (الدارمي) في "المناسك" ١٨٢٢. واللَّه تعالى أعلم. (المساْلة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم نكاح المحرم: قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: اختلف العلماء في نكاح المحرم، فقال مالك، والشافعيّ، وأحمد، وجمهور العلماء، من الصحابة، فمن بعدهم: لا يصحّ نكاح المحرم، واعتمدوا في ذلك على حديث عثمان - رضي اللَّه تعالى عنه -يعني الآتي في الباب التالي-. وقال أبو حنيفة، والكوفيون: يصحّ نكاح المحرم؛ لحديث قصة ميمونة - رضي اللَّه تعالى عنها -يعني المذكور في الباب-. وأجاب الجمهور عن حديث ميمونة بأجوبة، أصحّها أن النبيّ ﷺ إنما تزوجها حلالاً، هكذا رواه أكثر الصحابة. قال القاضي عياض وغيره: ولم يرو أنه تزوجها محرمًا إلا ابن عباس وحده. وروت ميمونة، وأبو رافع، وغيرهما أنه تزوجها حلالاً، وهم أعرف بالقضية؛ لتعلقهم به، بخلاف ابن عباس؛ ولأنهم أضبط من ابن عباس، وأكثر. الجواب الثاني: تأويل حديث ابن عباس على أنه تزوجها في الحرم، وهو حلال، ويقال لمن هو في الحرم: مُحرِم، وإن كان حلالاً، وهي لغة شائعة، معروفة، ومنه البيت المشهور: قَتَلُوا ابْنَ عَفَّانَ الْخَلِيفَةَ مُحْرِمًا أي في حرم المدينة. والثالث: أنه تعارض القول والفعل، والصحيح حينئذ عند الأصوليين ترجيح القول؛ لأنه يتعدى إلى الغير، والفعل قد يكون مقصورًا عليه. والرابع: جواب جماعة من الشافعية أن النبيّ ﷺ كان له أن يتزوج في حال الإحرام،

стр. 12919

وهو مما خُصّ به دون الأمة. وهذا أصحّ الوجهين عند الشافعيّة. والوجه الثاني: أنه حرام في حقه كغيره، وليس من الخصائص انتهى كلام النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تَبَيَّن مما سبق أنّ الراجح ما ذهب إليه الجمهور، وهو أن المحرم لا يَنكِح، ولا يُنكح؛ لحديث عثمان - رضي اللَّه تعالى عنها - الآتي في الباب التالي، ولأن الأرجح في قصّة ميمونة - رضي اللَّه تعالى عنها - أنه ﷺ تزوجها، وهما حلالان, لأنها صاحبة القصة أخبرت بذلك، وتابعها على ذلك أبو رافع، وغيره، ويشهد لها حديث عثمان ﵁ الآتي. وسيأتي تمام البحث في ذلك في موضعه من "كتاب النكاح"، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨٣٩ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ,, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ, أَنَّ أَبَا الشَّعْثَاءِ, حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , نَكَحَ حَرَامًا"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"يحيى": هو القطّان. والحديث صحيح، إلا أن الأرجح خلافه، وهو حديث ميمونة - رضي اللَّه تعالى عنها - أنه ﷺ تزوجها، وهو حلال، وقد سبق البحث فيه مستوفًى في الحديث الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨٤٠ - (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ, عَنْ حُمَيْدٍ, عَنْ مُجَاهِدٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ, وَهُمَا مُحْرِمَانِ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، إبرهيم بن يونس بن محمد البغداديّ، نزيل طرسوس، الملقّب حَرَميّ بلفظ النسبة، فإنه من أفراده، وهو صدوق [١١] ٥٤/ ١٧٥٣. و"أبوه" هو: يونس بن محمد المؤدب البغداديّ، ثقة ثبت، من صغار [٩] ١٥/ ١٦٣٢ من رجال الجماعة. و"حميد": هو ابن أبي حميد الطويل البصري الثقة الثبت [٥] ٨٧/ ١٠٨. والحديث متّفقٌ عليه، إلا أن الأرجح خلافه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 12920

٢٨٤١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّاغَانِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ, عَنْ حُمَيْدٍ, عَنْ عِكْرِمَةَ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ, وَهُوَ مُحْرِمٌ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا. و"محمد بن إسحاق الصاغاني"، ويقال: "الصغانيّ": هو أبو بكر بن إسحاق البغداديّ المتقدم قبل أربعة أبواب. و"أحمد بن إسحاق": هو أبو إسحاق الحضرميّ البصريّ الحافظ [٩] ٤/ ١٨٢٧. والحديث متّفقٌ عليه، إلا أن الأرجح خلافه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨٤٢ - (أَخْبَرَنِي شُعَيْبُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ إِسْحَاقَ, وَصَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو الْحِمْصِيُّ, قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ, قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ, عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ, وَهُوَ مُحْرِمٌ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخيه: ١ - "شعيب بن شعيب بن إسحاق" الدمشقيّ، فإنه من أفراده، وهو صدوق [١١] ٦٠/ ١٧٦٦. و٢ - (صفوان بن عمرو الحمصيّ" الصغير (١))، فإنه من أفراده أيضًا، وهو صدوق [١١] ٦٧/ ٢٣٣٠. و"أبو المغيرة": هو عبد القدوس بن الحجاج الحمصيّ الثقة [٩] ٣٠/ ٥٥٦. و"الأوزاعيّ": هو عبد الرحمن بن عمرو الإمام. والحديث متّفقٌ عليه، إلا أن الأرجح خلافه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …
следующие страницы →