← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 12916–12955 · переход к 12921.

стр. 12916

٩٠ - (الرُّخْصَةُ فِي النِّكَاحِ لِلْمُحْرِمِ) ٢٨٣٨ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ -وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَطَّارُ- عَنْ عَمْرٍو -وَهُوَ ابْنُ دِينَارٍ- قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الشَّعْثَاءِ, يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: "تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ مَيْمُونَةَ, وَهُوَ مُحْرِمٌ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (داود بن عبد الرحمن العطّار) أبو سليمان المكيّ، ثقة [٨] ٢٩/ ٤٤٢. ٣ - (عمرو بن دينار) الأثرم الْجُمَحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبت [٤] ١١٢/ ١٥٤. ٤ - (أبو الشعثاء) جابر بن زيد الأزديّ الْجَوْفيّ (١) ثم البصريّ، مشهور بكنيته، ثقة فقيه [٣] ١٤٦/ ٢٣٦. ٥ - (ابن عبّاس) عبد اللَّه البحر الحبر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا. (ومنها): أن في قوله: "وهو ابن عبد الرحمن"، استعمال القاعدة المشهورة في مصطلح أهل الحديث، وهي تمييز الزيادة التي يزيدها الراوي على شيخه من نسب، أو صفة لمن فوق شيخه، وبيان ذلك هنا أن شيخه قتيبة حين حدّثه بهذا الحديث لم ينسب شيخه داود إلى أبيه، وأراد المصنّف نسبته إلى أبيه؛ ليتميّز عن غيره ممن يسمّى بداود، حتى لا يلبس على تلاميذه، فأتى بكلمة "وهو" تمييزًا بين ما قاله شيخه، وبين مازاده هو، وكذا يقال: في قوله: "وهو ابن دينار"، وإلى هذه القاعدة أشار السيوطيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "ألفية الحديث"، حيث قال:

стр. 12917

وَلَا تَزِدْ في نَسَبٍ أَوْ وَصْفِ مَنْ … فَوْقَ شُيُوخٍ عَنْهُمُ مَا لَمْ يُبَنْ بِنَحْوِ "يَعْنِي" أَوْ بـ"أَنَّ" أَوْ بِـ"هُو" … أَمَّا إِذَا أتَمَّهُ أَوَّلَهُ أَجِزْهُ فِي الْبَاقِي لَدَى الْجُمْهُورِ … وَالْفَصْلُ أوْلَى قَاصِرَ الْمَذْكُورِ واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: "تَزَوَّجَ النَّبِيَّ ﷺ مَيْمُونَةَ) وسيأتي في "النكاح" في -٣٧/ ٣٢٧٤ - من طريق عطاء، عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - زيادة: "جعلت أمرها إلى العباس، فأنكحها إياه". ولابن حبان، والطبرانيّ من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق بلفظ: "تزوج ميمونة بنت الحارث في سفره ذلك - يعني عمرة القضاء- وهو حرام، وكان الذي زوجه إياها العباس". وفي مغازي أبي الأسود، عن عروة: "بعث النبيّ ﷺ جعفر بن أبي طالب إلى ميمونة ليخطبها له، فجعلت أمرها إلى العباس، وكانت أختها أم الفضل تحته، فزوّجه إياها، فبنى بها بسرف، وقدر اللَّه أنها ماتت بعد ذلك بسرف، وكانت قبله ﷺ تحت أبي رُهْم بن عبد العزى. وقيل: تحت أخيه حُوَيطب. وقيل: سَخْبرة بن أبي رهم، وأمها هند بنت عوف الهلالية (١). (وَهُوَ مُحْرِمٌ") وزاد البخاريّ من طريق عكرمة، عن ابن عباس: "وبنى بها، وهو حلال، وماتت بسرف". قال الأثرم: قلت لأحمد: إن أبا ثور يقول: بأيّ شيء يُدفع حديث ابن عباس -أي مع صحته- قال: فقال: اللَّه المستعان، ابن المسيب يقول: وهم ابن عباس، وميمونة تقول: تزوجني، وهو حلال انتهى. وقد عارض حديث ابن عباس هذا حديث عثمان - رضي اللَّه تعالى عنهم - الآتي في الباب التالي. ويجمع بينهما يحمل حديث ابن عباس على أنه من خصائص النبيّ ﷺ . قاله في "الفتح" (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - متّفق عليه.

стр. 12918

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٩٠/ ٢٨٣٨ و ٢٨٣٩ و ٢٨٤٠ و ٢٨٤١ و ٢٨٤٢ و"النكاح" ٣٧/ ٣٢٧٢ و ٣٢٧٣ و ٣٢٧٤ و ٣٢٧٥ - وفي "الكبرى" ٨٩/ ٣٨٢٠ و ٣٨٢١ و ٣٨٢٢ و ٣٨٢٣ و ٣٨٢٤ وفي "النكاح" ٣٩/ ٥٤٠٧ و ٥٤٠٩ و ٥٤١٠ و ٥٤١١ و ٥٤١٢. وأخرجه (خ) في "الحج" ١٨٣٧ و"المغازي" ٤٢٥٩ و"النكاح" ٥١١٤ (م) في "النكاح" ١٤١٠ (د) في "المناسك" ١٨٤٤ (ت) في "الحج" ٨٤٢ و ٨٤٣ و ٨٤٤ (ق) في "النكاح" ١٩٦٥ (أحمد) في "مسند بني هاشم" ٢٢٠١ و ٢٣٨٩ و ٢٤٣٣ و ٢٤٨٨ و ٢٥٥٦ و ٢٥٧٦ و ٢٥٨٤ و ٢٨٧٢ و ٣٠٤٤ و ٣٠٦٥ و ٣٠٩٩ و ٣٢٢٣ و ٣٢٧٢ و ٣٣٠٩ و ٣٣٩٠ و ٣٤٠٢ (الدارمي) في "المناسك" ١٨٢٢. واللَّه تعالى أعلم. (المساْلة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم نكاح المحرم: قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: اختلف العلماء في نكاح المحرم، فقال مالك، والشافعيّ، وأحمد، وجمهور العلماء، من الصحابة، فمن بعدهم: لا يصحّ نكاح المحرم، واعتمدوا في ذلك على حديث عثمان - رضي اللَّه تعالى عنه -يعني الآتي في الباب التالي-. وقال أبو حنيفة، والكوفيون: يصحّ نكاح المحرم؛ لحديث قصة ميمونة - رضي اللَّه تعالى عنها -يعني المذكور في الباب-. وأجاب الجمهور عن حديث ميمونة بأجوبة، أصحّها أن النبيّ ﷺ إنما تزوجها حلالاً، هكذا رواه أكثر الصحابة. قال القاضي عياض وغيره: ولم يرو أنه تزوجها محرمًا إلا ابن عباس وحده. وروت ميمونة، وأبو رافع، وغيرهما أنه تزوجها حلالاً، وهم أعرف بالقضية؛ لتعلقهم به، بخلاف ابن عباس؛ ولأنهم أضبط من ابن عباس، وأكثر. الجواب الثاني: تأويل حديث ابن عباس على أنه تزوجها في الحرم، وهو حلال، ويقال لمن هو في الحرم: مُحرِم، وإن كان حلالاً، وهي لغة شائعة، معروفة، ومنه البيت المشهور: قَتَلُوا ابْنَ عَفَّانَ الْخَلِيفَةَ مُحْرِمًا أي في حرم المدينة. والثالث: أنه تعارض القول والفعل، والصحيح حينئذ عند الأصوليين ترجيح القول؛ لأنه يتعدى إلى الغير، والفعل قد يكون مقصورًا عليه. والرابع: جواب جماعة من الشافعية أن النبيّ ﷺ كان له أن يتزوج في حال الإحرام،

стр. 12919

وهو مما خُصّ به دون الأمة. وهذا أصحّ الوجهين عند الشافعيّة. والوجه الثاني: أنه حرام في حقه كغيره، وليس من الخصائص انتهى كلام النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تَبَيَّن مما سبق أنّ الراجح ما ذهب إليه الجمهور، وهو أن المحرم لا يَنكِح، ولا يُنكح؛ لحديث عثمان - رضي اللَّه تعالى عنها - الآتي في الباب التالي، ولأن الأرجح في قصّة ميمونة - رضي اللَّه تعالى عنها - أنه ﷺ تزوجها، وهما حلالان, لأنها صاحبة القصة أخبرت بذلك، وتابعها على ذلك أبو رافع، وغيره، ويشهد لها حديث عثمان ﵁ الآتي. وسيأتي تمام البحث في ذلك في موضعه من "كتاب النكاح"، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨٣٩ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ,, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ, أَنَّ أَبَا الشَّعْثَاءِ, حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , نَكَحَ حَرَامًا"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"يحيى": هو القطّان. والحديث صحيح، إلا أن الأرجح خلافه، وهو حديث ميمونة - رضي اللَّه تعالى عنها - أنه ﷺ تزوجها، وهو حلال، وقد سبق البحث فيه مستوفًى في الحديث الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨٤٠ - (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ, عَنْ حُمَيْدٍ, عَنْ مُجَاهِدٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ, وَهُمَا مُحْرِمَانِ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، إبرهيم بن يونس بن محمد البغداديّ، نزيل طرسوس، الملقّب حَرَميّ بلفظ النسبة، فإنه من أفراده، وهو صدوق [١١] ٥٤/ ١٧٥٣. و"أبوه" هو: يونس بن محمد المؤدب البغداديّ، ثقة ثبت، من صغار [٩] ١٥/ ١٦٣٢ من رجال الجماعة. و"حميد": هو ابن أبي حميد الطويل البصري الثقة الثبت [٥] ٨٧/ ١٠٨. والحديث متّفقٌ عليه، إلا أن الأرجح خلافه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 12920

٢٨٤١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّاغَانِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ, عَنْ حُمَيْدٍ, عَنْ عِكْرِمَةَ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ, وَهُوَ مُحْرِمٌ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا. و"محمد بن إسحاق الصاغاني"، ويقال: "الصغانيّ": هو أبو بكر بن إسحاق البغداديّ المتقدم قبل أربعة أبواب. و"أحمد بن إسحاق": هو أبو إسحاق الحضرميّ البصريّ الحافظ [٩] ٤/ ١٨٢٧. والحديث متّفقٌ عليه، إلا أن الأرجح خلافه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨٤٢ - (أَخْبَرَنِي شُعَيْبُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ إِسْحَاقَ, وَصَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو الْحِمْصِيُّ, قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ, قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ, عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ, وَهُوَ مُحْرِمٌ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخيه: ١ - "شعيب بن شعيب بن إسحاق" الدمشقيّ، فإنه من أفراده، وهو صدوق [١١] ٦٠/ ١٧٦٦. و٢ - (صفوان بن عمرو الحمصيّ" الصغير (١))، فإنه من أفراده أيضًا، وهو صدوق [١١] ٦٧/ ٢٣٣٠. و"أبو المغيرة": هو عبد القدوس بن الحجاج الحمصيّ الثقة [٩] ٣٠/ ٥٥٦. و"الأوزاعيّ": هو عبد الرحمن بن عمرو الإمام. والحديث متّفقٌ عليه، إلا أن الأرجح خلافه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 12921

٩١ - (النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: صنيع المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- يقتضي أنه يرى ترجيح مذهب الجمهور في منع المحرم عن النكاح؛ حيث أخّر هذا الباب على الباب السابق، كما هو عادته غالبًا، وقد قدّمنا أن هذا المذهب هو الأرجح، وأما حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، فقد تقدّم تأويله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٨٤٣ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ نَافِعٍ, عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ, أَنَّ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ, قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ, يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ, وَلَا يَخْطُبُ, وَلَا يُنْكِحُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قتيبة) بن سعيد المذكور في الباب الماضي. ٢ - (مالك) بن أنس الإمام الأصبحيّ المدنيّ الحجة الثبت [٧] ٧/ ٧. ٣ - (نافع) مولى بن عمر المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ١٢/ ١٢. ٤ - (نُبَيه بن وهب) بن عثمان العبدريّ المدنيّ، ثقة، من صغار [٣] ٤٣/ ٢٧١١. ٥ - (أبان بن عثمان) بن عفان الأمويّ أبو سعد، وقيل: أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة [٣] ٤٣/ ٢٧١١. ٦ - (عثمان بن عفّان) بن أبي العاص بن أُميّة بن عبد شمس الأمويّ، أمير المؤمنين، ذو النورين، استُشهد - رضي اللَّه تعالى عنه - في ذي الحجة بعد عيد الأضحى، سنة (٣٥)، وكانت خلافته (١٢) سنة، وعمره (٨٠) سنة، وقيل: أكثر، وقيل: أقلّ، تقدّم في ٦٨/ ٨٤. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ. (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: نافع، عن نُبَيه، عن أبان. (ومنها): أنَّ صحابيّه أحد الخلفاء الأربعة، وأحد السابقين إلى الإسلام، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة - رضي اللَّه تعالى عنهم -. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 12922

شرح الحديث (عَنْ نُبَيَّهِ) -بالتصغير- (ابنِ وَهْبٍ) العَبْدريّ (أَنِّ أَبّانَ بنَ عُثْمَانَ) بن عفّان (قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ ابْنَ عَفَّانَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -. وفي الحديث قصّة، أخرجها مسلم في "صحيحه" بإسناده، عن نبيه بن وهب، أن عمر بن عبيد اللَّه، أراد أن يزوج طلحة بن عمر، بنتَ شيبة بن جبير، فأرسل إلى أبان ابن عثمان، يحضر ذلك، وهو أمير الحجّ، فقال أبان: سمعت عثمان بن عفان، يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يَنكح المحرم، ولا يُنكح، ولا يخطب" (يَقُولُ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ" بفتح حرف المضارعة، و"لا" نافية، والفعل مرفوع، والمراد النهي. ويحتمل أن تكون "لا" ناهية، والفعل مجزوم، مكسور لالتقاء الساكنين، أي لا يعقد النكاح لنفسه (وَلا يَخْطُبُ) بفتح أوله، من باب قتل، يقال: خطب المرأة إلى القوم: إذا طلب أن يتزوّج منهم، واختطبها، والاسم الخِطْبة -بالكسر-، فهو خاطب، وخَطّاب مبالغة. وأما الخُطبة بالضمّ، فهي الموعظة، يقال: خطب القومَ، وعليهم، من باب قتل أيضًا، خُطبة بالضم، وهي فُعلة بمعنى مفعولة، نحو نُسخة بمعنى منسوخة، وغرفة من ماء بمعنى مغروفة، وجمعها خُطب، مثل غرفة وغُرف، فهو خطيب، والجمع خُطباء، وهو خطيب القوم: إذا كان هو المتكلم عنهم. قاله الفيّوميّ. وقال النوويّ: النهي هنا نهي تنزيه، ليس بحرام. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله النووي غريب؛ لأنه سيأتي له أن النهي في النكاح نهي تحريم، فيبطل به النكاح، فلماذا فرق بين النكاح والخِطْبة؟، وقد وردا في نصّ واحد، وما هو الدليل الذي يدلّ على التفريق بينهما؟. واللَّه تعالى أعلم. قال: وكذلك يكره للمحرم أن يكون شاهدًا في نكاح عقده المحلون. وقال بعض أصحابنا: لا ينعقد بشهادته؛ لأن الشاهد ركن في عقد النكاح، كالوليّ. والصحيح الذي عليه الجمهور انعقاده انتهى. (وَلَا يُنْكِحُ) بضم أوله، من الإنكاح، أي لا يعقد لغيره. قال النوويّ: معناه: لا يزوّج امرأة بولاية، ولا وكالة. قال العلماء: سببه أنه لما امتنع في مدة الإحرام من العقد لنفسه، صار كالمرأة، فلا يعقد لنفسه، ولا لغيره. وظاهر هذا العموم أنّه لا فرق بين أن يزوّج بولاية خاصّة، كالأب، والأخ، والعمّ، ونحوهم، أو بولاية عامّة، وهو السلطان، والقاضي، ونائبه. وهذا هو الصحيح عندنا، وبه قال جمهور أصحابنا، وقال بعض أصحابنا: يجوز أن يزوج المحرم بالولاية العامة؛ لأنها يستفاد بها ما لا يستفاد بالخاصّة، ولهذا يجوز للمسلم تزويج الذمية بالولاية العامة، دون الخاصة.

стр. 12923

(واعلم): أن النهي عن النكاح، والإنكاح في حال الإحرام نهي تحريم، فلو عقد لم ينقعد، سواء كان المحرم هو الزوج والزوجة، أو العاقد لهما بولاية، أو وكالة، فالنكاح باطل في كلّ ذلك، حتى لو كان الزوجان، والوليّ محلين، ووكل الوليّ، أو الزوج محرمًا في العقد لم ينعقد. انتهى كلام النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله النوويّ هنا، من أن النهي للتحريم، وأن النكاح لا ينعقد هو الحقّ الذي لا محيد عنه، ولكن سبق له أن قال في الخِطْبة أنه نهي تنزيه، وهذا تفريق فيه نظر، إذ لا دليل يفرّق بينهما، فمصدرهما واحد، فيجب التسوية بينهما. فتأمل. وهذا الذي تقدّم من تحريم نكام المحرم، هو الذي عليه جماهير أهل العلم، كما سبق، فإنهم رجحوا حديث ميمونة على حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهم -؛ لما ورد عن ميمونة - رضي اللَّه تعالى عنها - أن النبيّ ﷺ تزوجها، وهو حلال، فيقدم حديثها؛ لكونها صاحبة الواقعة، فهي أعلم من غيرها، ووافقها على ذلك أبو رافع، وقال: وكنت السفير بينهما, ولكون حديثها أوفق لحديث عثمان - رضي اللَّه تعالى عنه - القوليّ المذكور في الباب، قالوا: ولو سلّم أن حديث ابن عباس يعارض حديث ميمونة - رضي اللَّه تعالى عنهم - يسقط الحديثان للتعارض، ويبقى حديث عثمان القوليّ سالما عن المعارضة. وسيأتي تمام البحث في ذلك في "كتاب النكاح"، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عثمان - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٩١/ ٢٨٤٣ و ٦٨٤٤ و ٢٨٤٥ و"النكاح" ٣٨/ ٣٢٧٥ و ٣٢٧٦ - وفي "الكبرى" ٩٠/ ٣٨٢٥ و ٣٨٢٦ و ٣٨٢٧ و"النكاح" ٤٠/ ٥٤١٣ و ٤١/ ٥٤١٤. وأخرجه (م) في "النكاح" ١٤٠٩ (د) في "المناسك" ١٨٤١ (ت) في "الحج" ٨٤٠ و"النكاح" ١٩٦٦ (أحمد) في "مسند العشرة" ٤٠٣ و ٤٦٤ و ٤٦٨ و ٤٩٨٤٩٤ و ٥٣٥ (الموطأ) في "الحجّ" ٧٨٠ (الدارمي) في "المناسك" ١٨٢٣ و"النكاح" ٢١٩٨. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 12924

(المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان النهي عن نكاح المحرم، وقد مرّ آنفًا أن النهي للتحريم، فلا ينعقد نكاحه أصلاً. (ومنها): تحريم الخِطبة على المحرم أيضًا. (ومنها): أنه لا يجوز أن يعقد المحرم النكاح لغيره أيضًا، لا بالولاية، ولا بالوكالة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨٤٤ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ مَالِكٍ, أَخْبَرَنِي نَافِعٌ, عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ, عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَّهُ نَهَى أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْرِمُ أَوْ يُنْكِحَ, أَوْ يَخْطُبَ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"يحيى": هو القطّان. والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨٤٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى, عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ, قَالَ: أَرْسَلَ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ إِلَى أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ يَسْأَلُهُ أَيَنْكِحُ الْمُحْرِمُ؟ , فَقَالَ أَبَانُ: إِنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ, حَدَّثَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ, وَلَا يَخْطُبُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده هو، وابن ماجه، وهو ثقة. و"سفيان": هو ابن عيينة. والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٩٢ - (الْحِجَامَةُ لِلْمُحْرِمِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ترجم الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" بنحو ترجمة المصنف -رحمه اللَّه تعالى- حيث قال: "باب الحجامة للمحرم". فقال في "الفتح": أي هل يمنع منها، أو تباح له مطلقًا، أو للضرورة؟ والمراد في ذلك كله المحجوم، لا الحاجم انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

стр. 12925

٢٨٤٦ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ احْتَجَمَ, وَهُوَ مُحْرِمٌ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (الليث) بن سعد الإمام الحجة الفقيه المصريّ [٧] ٣١/ ٣٥. ٣ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] ٣١/ ٣٥. ٤ - (عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشيّ، أبو محمد المكيّ، ثقة فقيه فاضل، كثير الإرسال [٣] ١١٢/ ١٥٤. ٥ - (ابن عباس) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، غير شيخه، فبغلانيّ، والليث، فمصريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - ("أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ احْتَجَمَ) أي فعل الحجامة. قال في "اللسان": الحَجْم: المصّ، يقالط: حجم الصبيّ ثدي أمه: إذا مصّه، وما حجم الصبيّ ثدي أمه: أي ما مصّه، وثديٌ محجوم: أي ممصوص، والحجّام: المصّاص. قال الأزهريّ: يقالط للحجّام حجام؛ لامتصاصه فم الْمِحجمة، وقد حَجَم يحجِمُ، ويحجُم -أي من بابي ضرب، ونصر- حَجْما. قال الأزهريّ: المِحجمة: قارورته، وتطرح الهاء، فيقال: مِحجَمٌ، وجمعه مَحَاجم، قال زُهَيرٌ: وَلَمْ يهُرِيقُوا بَيْنَهُمْ مِلْءَ مِحْجَمِ وقال ابن الأثير: المِحْجَم الآلة التي يجمع فيها دم الحجامة عند المصّ. انتهى باختصار (وَهُوَ مُحْرِمٌ) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل. زاد ابن جريج، عن عطاء: "صائم"، وزاد زكريا: "على رأسه". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته:

стр. 12926

حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٩٢/ ٢٨٤٦ و ٢٨٤٧ و ٢٨٤٨ - وفي "الكبرى" ٩١/ ٣٨٢٨ و ٣٨٢٩ و ٣٨٣٠. وأخرجه (خ) في "الحج" ١٨٣٥ و"الصوم" ١٩٣٨ و"البيوع" ٢١٠٣ و"الإجارة" ٢٢٧٨ و ٢٢٧٩ و"الطبّ" ٥٦٩١ و ٥٦٩٥ و ٥٧٠١ (م) في "الحج" ١٢٠٢ (د) في "المناسك" ١٨٣٥ و ١٨٣٦ و"الصوم" ٢٣٧٣ (ت) في "الصوم" ٧٧٥ و ٧٧٦ و ٧٧٧ و"الحج" ٨٣٩ (ق) في "الصوم" ١٦٨٢ و"المناسك" ٣٠٨١ (أحمد) في "مسند بني هاشم" ١٨٥٢ و ١٩٢٢ و ١٩٤٤ و ٢١٠٩ و ٢٢٢٩ و ٢٢٤٣ و ٢٢٤٩ و ٢٣٣٣ و ٢٣٥١ و ٢٥٨٤ و ٢٦٥٤ و ٢٨٨٣ و ٣٠٦٥ و ٣٠٦٨ و ٣٢٢٣ و ٣٢٧٢ و ٣٥١٣ و ٣٥٣٧ (الدارمي) في "المناسك" ١٨١٩ و ١٨٢١. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في أقوال أهل العلم في حكم الحجامة للمحرم: قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: لا خلاف بين العلماء في جواز الحجامة للمحرم حيث كانت من رأس، أو جسد للضرورة، وأما لغير الضرورة في جسده، حيث لا يحلق شعرًا، فجمهورهم على جوازه، ومالك يمنعه. واتفقوا على أنه إذا احتجم برأسه، فحلق لها شعرًا أنه يفتدي، وجمهورهم على أن حكم شعر الجسد كذلك، إلا داود، فإنه لا يرى في حلق شعر الجسد لضرورة الحجامة دمًا. والحسن يوجب عليه الدم بالحجامة انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (١). وقال في "الفتح": إذا أراد المحرم الحجامة لغير حاجة، فإن تضمنت قطع شعر، فهي حرام؛ لقطع الشعر، دمان لم تتضمنه جازت عند الجمهور، وكرهها مالك. وعن الحسن فيها الفدية، وإن لم يقطع شعرًا. دمان كان لضرورة جاز قطع الشعر، وتجب الفدية. وخصّ أهل الظاهر الفدية بشعر الرأس. وقال الداوديّ: إذا أمكن مسك المحاجم بغير حلق لم يجز الحلق. واستدلّ بهذا الحديث على جواز القصد، وبط الجرح والدّمّل، وقطع العرق، وقلع الضرس، ومخير ذلك من وجوه التداوي، إذا لم يكن في ذلك ارتكاب ما نهي عنه المحرم من تناول الطيب، وقطع الشعر، ولا فدية عليه في شيء من ذلك انتهى (٢) وهو تحقيق حسن. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 12927

٢٨٤٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ,, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عَمْرٍو, عَنْ طَاوُسٍ, وَعَطَاءٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ, وَهُوَ مُحْرِمٌ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"عمرو": هو ابن دينار. [تنبيه]: قوله: "وعطاء" بالجرّ، عطفًا على "طاوس"، فعمرو بن دينار يروي عن كلّ من طاوس بر كيسان، وعطاء بن أبي رباح، فما وقع في النسخة المطبوعة من ضبط "عطاء" بالرفع ضبطَ قلم غلط، فليُتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، كما مر بيانه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨٤٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ, عَنْ سُفْيَانَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ, قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً, قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ, يَقُولُ: "احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ , وَهُوَ مُحْرِمٌ". ثُمَّ قَالَ بَعْدُ: أَخْبَرَنِي طَاوُسٌ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, يَقُولُ: "احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ , وَهُوَ مُحْرِمٌ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، محمد ابن منصور الجوّاز المكيّ، فإنه من أفراده، وهو ثقة. و"سفيان": هو ابن عيينة. وقوله: "ثم قال بعدُ الخ". القائل عمرو بن دينار، و"بعدُ" بالبناء على الضمّ؛ لأنها من الظروف المبنية على الضم لقطعه عن الإضافة، ونية معناها، أي قال عمرو بعدَ ما حدثنا عن عطاء: سمعت طاوسًا، والمراد أن عمرو بن دينار حدث سفيان بهذا الحديث أولاً عن عطاء، عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، ثم حدثه به ثانيًا عن طاوس، عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -. وقال البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه": حدثنا علي بن عبد اللَّه، حدثنا سفيان، قال: قال عمرو: أولَ شيء سمعت عطاء يقول: سمعت ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - يقولك "احتجم رسول اللَّه ﷺ ، وهو محرم". "ثم سمعته يقول: حدثني طاوس، عن ابن عباس، فقلت: لعله سمعه منهما". فقال في "الفتح": قوله: "ثم سمعته" هو مقول سفيان، والضمير لعمرو، وكذا قوله: "فقلت: لعله سمعه"، وقد بين ذلك الحميديّ، عن سفيان، فقال: حدثنا بهذا الحديث عمرو مرّتين، فذكره. لكن قال: "فلا أدري أسمعه منهما، أو كانت إحدى الروايتين وَهَمًا". زاد أبو عوانة: قال سفيان: ذَكَرَ لي أنه سمعه منهما جميعًا. وأخرجه

стр. 12928

ابن خزيمة عن عبد الجبّار بن العلاء، عن ابن عيينة نحو رواية عليّ بن عبد اللَّه، وقال في آخره: فظننت أنه رواه عنهما جميعًا. وقد أخرجه الإسماعيليّ من طريق سليمان بن أيوب، عن سفيان، قال: عن عمرو، عن عطاء، فذكره. قال: ثم حدثنا عمرو، عن طاوس به. فقلت لعمرو: إنما كنت حدثتنا عن عطاء، قال: اسكت يا صبيّ، لم أغلط، كلاهما حدثني. قال الحافظ: فإن كان هذا محفوظًا، فلعل سفيان تردد في كون عمرو سمعه منهما لما خشي من كون ذلك صدر منه حالة الغضب. على أنه قد حدث به، فجمعهما. قال أحمد في "مسنده": حدثنا سفيان، قال: قال عمرو أوّلاً، فحفظناه، قال طاوس، عن ابن عباس، فذكره، فقال أحمد: وقد حدثنا به سفيان، فقال: قال عمرو: عن عطاء، وطاوس، عن ابن عباس. قال الحافظ: وكذا جمعهما عن سفيان مسدد عند البخاريّ في "الطبّ"، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو خيثمة، وإسحاق بن راهويه عند مسلم، وقتيبة، عند الترمذيّ، والنسائيّ. وتابع سفيان على روايته له عن عمرو، لكن عن طاوس وحده زكريا بن إسحاق. أخرجه أحمد، وأبو عوانة، وابن خزيمة والحاكم. وله أصل عن عطاء أيضًا، أخرجه أحمد،، والنسائيّ من طريق الليث، عن أبي الزبير، ومن طريق ابن جريج كلاهما عنه انتهى (١). والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٩٣ - (حِجَامَةُ الْمُحْرِمِ مِنْ علَّةِ تَكُونُ بِهِ) ٢٨٤٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ, عَنْ جَابِرٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ, وَهُوَ مُحْرِمٌ, مِنْ وَثْءٍ كَانَ بِهِ").

стр. 12929

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. و"أبو الوليد": هو هشام بن عبد الملك الطيالسيّ البصريّ الحافظ الحجة [٩] ١٢٢/ ١٧٢. و"يزيد بن إبراهيم": هو أبو سعيد التستريّ، نزيل البصرة، الثقة الثبت، من كبار [٧] ١٨/ ١٦٤٨. وقوله: "من وَثْء كان به": بفتح الواو، وسكون المثلّثة، هو وَهْنٌ في الرجل، دون الخلع، والكسر، يقال: وُثِئَت رجلُه، فهي موثوءة، ووثأتها أنا، وقد تترك الهمزة. قاله ابن الأثير (١). وفي "القاموس": الوَثْءُ، والوَثَاءَةُ: وَصْمٌ يُصيب اللحم، لا يبلغ العظم، أو توجّعٌ في العظم بلا كسر، أو هو الفكّ، وَثِئَتْ يدُهُ، كفَرِحَ، تَثَأُ وَثْأَ، وَوَثَأً، فهي وَثِئَةٌ، كفَرِحَة، وَوُثِئَت، كعُنِي، فهي مَوْثُوءَةٌ، ووَثِيئَةٌ، ووَثَأْتهَا، وأوثَأْتها، وبه وَثْءٌ، ولا تقل: وَثْيٌ انتهى. وفي رواية لأحمد: "من وثي كان بوركه، أو ظهره". والحديث صحيح، تفرّد به المصنّف بين أصحاب الأصول، أخرجه هنا -٩٣/ ٢٨٤٩ - وفي "الكبرى" ٩٢/ ٣٨٣١. وأخرجه (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١٤٤٩٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٩٤ - (حِجَامَةُ الْمُحْرِمِ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ) ٢٨٥٠ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (٢) عَبْدُ الرَّزَّاقِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ أَنَسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ احْتَجَمَ, وَهُوَ مُحْرِمٌ, عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ, مِنْ وَثْءٍ كَانَ بِهِ"). قال الجاَمع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدموا

стр. 12930

غير مرّة. و"إسحاق" هو ابن راهويه. و"عبد الرزّاق": هو ابن همّام. و"معمر": هو ابن راشد. و"قتادة": هو ابن دِعامة. وقوله: "من وَثْءِ" -بفتح، فسكون-: أي وجع يصيب اللحم، ولا يبلغ العظم، أو وجع يصيب العظم من غير كسر، وقد تقدّم تصريفه، وتفسيره في الباب الماضي بأتمّ من هذا. والحديث صحيح، أخرجه المصنّف هنا -٩٤/ ٢٨٥٠ - وفي "الكبرى" ٩٣/ ٣٨٣٢. وأخرجه (د) في "المناسك" ١٨٣٧ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١٢٢٧١ و ١٣٤٠٤. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٩٥ - (حِجَامَةُ الْمُحْرِم وَسْطَ رَأْسِهِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الوَسْط" هنا بفتح السين، وتُسكّن على قلّة على ما سيأتي بيانه قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى. ٢٨٥١ - (أَخْبَرَنِي (١) هِلَالُ بْنُ بِشْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ -وَهُوَ ابْنُ عَثْمَةَ - قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ, قَالَ: قَالَ: عَلْقَمَةُ بْنُ أَبِي عَلْقَمَةَ, أَنَّهُ سَمِعَ الأَعْرَجَ, قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ بُحَيْنَةَ يُحَدِّثُ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ احْتَجَمَ, وَسَطَ رَأْسِهِ, وَهُوَ مُحْرِمٌ, بِلَحْيِ جَمَلٍ, مِنْ طَرِيقِ مَكَّةَ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هلال بن بشر) بن محبوب المزنيّ، أبو الحسن البصريّ، إمام مسجد يونس الأحدب، ثقة [١٠] ١٤/ ١٤٨٢. ٢ - (محمد بن خالد بن عَثْمَة) -بمثلثة ساكنة، قبلها فتحة- ويقال: إنها أمه، الحنفيّ البصريّ، صدوق يخطىء [١٠]. قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: ما أرى بحديثه بأسًا. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما أخطأ. روى له الأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.

стр. 12931

٣ - (سليمان بن بلال) أبو أيوب المدني، ثقة [٨] ٣٠/ ٥٥٨. . ٤ - (علقمة بن أبي علقمة) بلال المدنيّ، مولى عائشة، وهو علقمة ابن أم علقمة، واسمها مرجانة، ثقة عَلاّمة [٥] ٣/ ٢٠٣٨. ٥ - (الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز، أبو داود المدنيّ، مولى ربيعة بن الحارث، ثقة ثبت عالم [٣] ٧/ ٧. ٦ - (عبد اللَّه ابن بُحَينة) -بضم الموحدة، وفتح الحاء المهملة، بعدها ياء ساكنة، ثم نون، بعدها هاء- اسم أم عبد اللَّه، ولذا كتبت الألف في "ابن بُحينة"، وهو عبد اللَّه بن مالك بن القِشْب الأزديّ، أبو محمد، حليف بني المطّلب، يعرف بابن بُحينة - الصحابيّ المعروف، مات - رضي اللَّه تعالى عنه - بعد (٥٠) تقدّم في ١٤١/ ١١٠٦. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو وأبو داود، وشيخ شيخه، فمن رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وشيخ شيخه أيضًا، فبصريّان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث عن الأعرج -رحمه اللَّه تعالى-، أنه (قال: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ بُحَينَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (يحدث: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ احْتَجَمَ، وَسَطَ رَأْسِهِ) بالنصب على أنه مفعول به لما قبله، لا منصوب على الظرفية. قال الفيوميّ: يقال: ضربت وَسَطَ رأسه بالفتح؛ لأنه اسم لما يكتنفه من جهاته غيرُهُ، ويصحّ دخول العوامل عليه، فيكون فاعلاً، ومفعولاً، ومبتدأ، فيقال: اتسع وسَطُهُ، وضربتُ وسَطَ رأسه، وجلستُ في وسَطِ الدار، ووسَطُهُ خيرٌ من طَرَفه، قالوا: والسكون فيه لغة. وأما وَسْطٌ بالسكون، فهو بمعنى "بَيْنَ"، نحو جلست وسْطَ القوم، أي بينهم انتهى. فتبيّن بهذا أن "وسَط" هنا نُصب على أنه مفعول به، وليس منصوبًا على الظرفية. وقال في "الفتح": بفتح السين المهملة، ويجوز تسكينها: أي متوسطه، وهو ما فوق اليأفوخ، فيما بين أعلى القرنين. قال الليث: كانت هذه الحجامة في فأس الرأس. وأما التي في أعلاه، فلا؛ لأنها ربما أعمت (١).

стр. 12932

(وَهُوَ مُحْرِم، بِلَحْي جَمَلٍ) بفتح اللام، ويجوز كسرها، وسكون الحاء المهملة، وياء مثنّاة تحتيّة، وفي بعضَ الروايات: "بلحيي جمل" أي بياءين بصيغة التثنية، و"جمل" -بفتح الجيم، والميم-: اسم موضع بطريق مكة، كما بيّنه هنا. قال الحافظ: ذكر البكريّ في "معجمه" في رسم العقيق، قال: هي بئر جمل التي ورد ذكرها في حديث أبي جهم في "التيمم". وقال غيره -يعني ابن وضاح- هي عقبة الجحفة على سبعة من السُّقيا انتهى. وقال صاحب "القاموس": "لَحْيُ جمل": موضع بين الحرمين، وإلى المدينة أقرب. وزعم أن السقيا -بالضم-: موضع بين المدينة، ووادي الصفراء. وما ظنه بعضهم من أن المراد بلحي جمل أحد فَكَّي الجمل الذي هو ذكر الإبل، وأن فكّه كان هو آلة الحجامة، أي احتجم بعظم جمل، فهو غلط، لا شكّ فيه. وجزم الحازميّ وغيره بأن ذلك كان في حجة الوداع (١) وقوله (مِنْ طَرِيقِ مَكَّةَ) بيان لموقع "لحي جمل". وهذا الحديث صرح بأن حجامته ﷺ كانت في رأسه، وصرّح في حديث أنس الماضي أنها كانت على ظهر قدمه، وفي حديث جابر المتقدم قبل باب في رواية أحمد أنها كانت بوركه، أو ظهره، والجمع بين هذه الروايات أن تحمل على أنها تعدّدت الحجامة منه ﷺ . قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: اتفقت الروايات عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - أنه احتجم ﷺ وهو محرم في رأسه، ووافقها حديث ابن بُحينة ﵁، وخالف ذلك حديث أنس ﵁، أخرجه أبو داود، والترمذيّ، في "الشمائل"، والنسائيّ، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان من طريق معمر، عن قتادة، عنه، قال: "احتجم النبيّ ﷺ وهو محرم، على ظهر القدم، من وجع كان به". ورجاله رجال الصحيح، إلا أن أبا داود حكى عن أحمد أن سعيد بن أبي عروبة، رواه عن قتادة، فأرسله، وسعيد أحفظ من معمر. وليست هذه بعلة قادحة، والجمع بين الحديثين واضح بالحمل على التعدد، أشار إلى ذلك الطبريّ انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد اللَّه ابن بُحينة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

стр. 12933

أخرجه هنا -٩٤/ ٢٨٥١ - وفي "الكبرى" ٩٤/ ٣٨٣٣. وأخرجه (خ) في "الحجّ" ١٨٣٦ و"الطبّ" ٥٦٩٩ (م) في "الحجّ" ١٢٠٣ (ق) في "الطبّ" ٣٤٨١ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٢٤١ (الدارمي) في "المناسك" ١٨٢٠. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٩٦ - (فِي الْمُحْرِمِ يُؤْذِيهِ الْقَمْلُ فِي رَأْسِهِ) ٢٨٥٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ, قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ, عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ مَالِكٍ الْجَزَرِيِّ, عَنْ مُجَاهِدٍ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى, عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ, أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , مُحْرِمًا, فَآذَاهُ الْقَمْلُ فِي رَأْسِهِ, فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ, وَقَالَ «صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ, أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ, مُدَّيْنِ, مُدَّيْنِ, أَوِ انْسُكْ شَاةً, أَىَّ ذَلِكَ فَعَلْتَ أَجْزَأَ عَنْكَ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (محمد بن سلمة) بن أبي فاطمة المراديّ الجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت [١١] ١٩/ ٢٠. ٢ - (الحارث بن مسكين) بن محمد الأمويّ مولاهم، أبو عمرو المصريّ القاضي، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩ ٣ - (ابن القاسم) هو: عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جُنَادة الْعُتَقيّ، أبو عبد اللَّه المصريّ الفقيه، صاحب مالك، ثقة، من كبار [١٠] ١٩/ ٢٠. ٤ - (مالك) بن أنس الأصبحيّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة ثبت فقيه حجة [٧] ٧/ ٧. ٥ - (عبد الكريم بن مالك الْجَزَريّ) أبو سعيد الحرانيّ، مولى بني أمية، ويقال له: الْخِضْرَميّ- بالخاء المعجمة المكسورة، والضاد المعجمة الساكنة- نسبة إلى قرية من قُرَى اليمامة، ثقة ثبت [٦]. رَأَى أنسا، وروى عن عطاء، وعكرمة، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير،

стр. 12934

ومجاهد، وأبي عبيدة بن عبد اللَّه بن مسعود، وغيرهم. ورَوَى عنه أيوب السختياني، وهو من أقرانه، وابن جريج، ومالك، ومعمر، ومسعر، وزهير بن معاوية، وغيرهم. قال أحمد: ثقة ثبت، وهو أثبت من خُصَيف، وهو صاحب سنة. وقال معاوية بن صالح عن يحيى بن معين: ثقة ثبت. وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، وقال ابن عمار، والعجلي، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وغير واحد: ثقة. وقال أبو زرعة الدمشقي: ثقة، أخذ عنه الأكابر، قال سفيان: ما رأيت غريبا أثبت منه. وقال يعقوب ابن شيبة: هو إلى الضعف ما هو؟ وهو صدوق، وقد روى عنه مالك، وكان ممن يَنتقي الرجال. وقال الحميدي عن سفيان: كان حافظا، وكان من الثقات، لا يقول: إلا سمعت، وحدثنا، ورأيت. وقال الثوريّ لابن عيينة: أرأيت عبد الكريم الجزري، وأيوب، وعمرو بن دينار؟، فهؤلاء، ومن أشبههم ليس لأحد فيهم متكلم. وقال الدوري عن ابن معين: حديث عبد الكريم عن عطاء رديء. قال ابن عدي -يعني عن عائشة: "كان النبيّ ﷺ يقبلها, ولا يحدث وضوءا"، إنما أراد ابن معين هذا؛ لأنه ليس بمحفوظ، ولعبد الكريم أحاديث صالحة مستقيمة، يرويها عن قوم ثقات، وإذا روى عنه الثقات، فأحاديثه مستقيمة. وقال النسائي: أنا إبراهيم بن يعقوب، عن أحمد، قال: قلت لعلي -يعني ابن المديني-: عبد الكريم إلى من تضمه؟ قال: ذاك ثبت، قلت: هو مثل ابن أبي نجيح، قال: ابن أبي نجيح أعلم بمجاهد، وهو أعلم بالمشايخ، وهو ثقة ثبت. وقال أبو عروبة: هو ثبت عند العارفين بالنقل. وقال ابن نمير، والترمذي، وأبو بكر البزار، وابن البرقي، والدارقطني: ثقة. وقال سفيان الثوري: ما رأيت أفضل منه، كان يحدث بشيء لا يوجد إلا عنده، فلا يعرف ذلك فيه -يعني لا يفتخر- وقال عبد اللَّه بن عمرو الرَّقّي: قال لي سفيان بن سعيد: يا أبا وهب، لقد جاءنا صاحبكم عبد الكريم الجزري بأحاديث، لو حَدّث بها هؤلاء الكوفيون ما زالوا يفتخرون بها علينا، منها: "الندم توبة". وقال صالح بن أحمد، عن علي بن المديني: قلت ليحيى بن سعيد: حدث عبد الكريم، عن عطاء في لحم البغل، فقال: ما سمعته، وأنكره يحيى. وقال ابن عبد البرّ: كان ثقة، مأمونا، كثير الحديث. وقال ابن سعد، وغير واحد: مات سنة سبع وعشرين ومائة. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث، برقم ٢٨٥٢ و ٢٩٧٧ و ٣٠٨٢ و ٣٧٢٨ و ٣٨٦٧ و ٣٩٣٣ و ٤٣٣٠ و ٤٣٣٣ و ٥٠٧٥. واللَّه تعالى أعلم. ٦ - (مجاهد) بن جبر المخزوميّ، أبو الحجاج المكيّ، ثقة فقيه فاضل [٣] ٢٧/ ٣١. ٧ - (عبد الرحمن بن أبي ليلى) الأنصاريّ المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقة [٢] ٨٦/ ١٠٤.

стр. 12935

٨ - (كعب بن عُجرة) -بضم العين المهملة، وسكون الجيم، بعدها راء مهملة، ثم تاء تأنيث- الأنصاريّ المدنيّ، أبو محمد الصحابيّ المشهور، مات ﵁ بعد الخمسين، وله نيّف، وسبعون سنة، تقدّم في ٨٦/ ١٠٤. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيّات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فقد تفرّد به هو، وأبو داود. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى) قال في "الفتح": صرح سيف عن مجاهد بسماعه من عبد الرحمن، وبأن كعبًا حدث به عبد الرحمن. قال ابن عبد البرّ في رواية حميد بن قيس: كذا رواه الأكثر عن مالك. وروه ابن وهب، وابن القاسم، وابن عُفير عن مالك بإسقاط عبد الرحمن بين مجاهد، وكعب بن عجرة. قال الحافظ: ولمالك فيه إسنادان آخران في "الموطإ" أحدهما عن عبد الكريم الجزريّ، عن مجاهد، وفي سياقه ما ليس في سياق حميد بن قيس، وقد اختلف فيه على مالك أيضًا على العكس مما اختلف على طريق حميد بن قيس. قال الدارقطنيّ: رواه أصحاب "الموطأ" عن مالك، عن عبد الكريم، عن عبد الرحمن، لم يذكروا مجاهدًا، حتى قال الشافعيّ: إن مالكًا وَهِم فيه. وأجاب ابن عبد البرّ بأن ابن القاسم، وابن وهب في "الموطإ"، وتابعهما جماعة عن مالك، خارج "الموطإ"، منهم بشر بن عمر الزهرانيّ، وعبد الرحمن بن مهديّ، وإبراهيم بن طهمان، والوليد بن مسلم أثبتوا مجاهدًا بينهما. قال الحافظ: وهذا الجواب لا يرد على الشافعيّ. وطريق ابن القاسم المشار إليها عند النسائيّ -يعني رواية الباب- وطريق ابن وهب عند الطبريّ. وطريق عبد الرحمن ابن مهديّ عند أحمد، وسائرها عن الدارقطنيّ في "الغرائب". والإسناد الثالث (١) لمالك فيه عن عطاء الخراسانيّ، عن رجل من أهل الكوفة، عن كعب بن عجرة. قال ابن عبد البرّ: يحتمل أن يكون عبد الرحمن بن أبي ليلى، أو عبد اللَّه ابن معقل. ونقل ابن عبد البرّ عن أحمد بن صالح المصريّ، قال: حديث كعب ابن عجرة في الفدية سنة معمول بها, لم يروها من الصحابة غيره، ولا رواها عنه إلا ابن أبي ليلى، وابن معقل، قال: وهي سنة أخذها أهل المدينة، عن أهل الكوفة. قال الزهريّ:

стр. 12936

سألت عنها علماءنا كلهم، حتى سعيد بن المسيّب، فلم يبيّنوا كم عدد المساكين. قال الحافظ: فيما أطلقه ابن صالح نظر، فقد جاءت هذه السنة من رواية جماعة من الصحابة غير كعب، منهم: عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، عند الطبريّ، والطبرانيّ، وأبو هريرة عند سعيد بن منصور، وابن عمر عند الطبريّ، وفَضَالة الأنصاريّ، عمن لا يتّهَم من قومه، عند الطبريّ أيضًا. ورواه عن كعب بن عجرة غير المذكورين أبو وائل، عند النسائيّ، ومحمد بن كعب القرظيّ عند ابن ماجه، ويحيى بن جعدة، عند أحمد، وعطاء، عند الطبريّ. وجاء عن أبي قلابة، والشعبيّ أيضًا، عن كعب، وروايتهما عند أحمد، لكن الصواب أن بينهما واسطة، وهو ابن أبي ليلى على الصحيح. وقد أورد البخاريّ حديث كعب هذا في أربعة أبواب متوالية، وأوردها أيضًا في "المغازي"، و"الطبّ"، و"كفّارات الأيمان" من طرق أخرى، مدار الجميع على ابن أبي ليلى، وابن معقل، فيقيّد إطلاق أحمد بن صالح بالصحة، فإن بقية الطرف التي ذكرتها لا تخلو عن مقال، إلا طريق أبي وائل، وسأذكر ما في هذه الطرق من فائدة زائدة، إن شاء اللَّه تعالى انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وسأذكر أنا أيضًا في هذا الشرح ما ذكره الحافظ من الفوائد في شرحه، فإن شرحي هذا نسخة من شرحه -رحمه اللَّه تعالى- مع ما يفتح اللَّه تعالى عليّ فيه من غيره، ولذا كثيرًا ما أقول: لولا فتح الباري ثم "فتح الباري" (٢) ما قضيت أوطاري. (عَنْ كَعْب بْنِ عُجْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّهُ) فيه تجريد، أو التفات، أو نقل بالمعنى، قالهَ القاري. أي لأن الظاهر أن يقول: إني كنت الخ (كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّه ﷺ ، مُحْرِمًا) وفي رواية: "وقف عليّ رسول اللَّه ﷺ بالحديبية"، وفي أخرى: "أتى عليّ رسول اللَّه ﷺ زمن الحديبية"، وفي أخرى: "أتيت رسول اللَّه ﷺ ، فقال: ادنه، فدنوت، فقال: ادنه، فدنوت"، وفي أخرى: "حُملت إلى رسول اللَّه ﷺ ، والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ما كنت أرى أن الجهد بلغ منك ما أرى"، وفي أخرى: "أنه خرج مع النبيّ ﷺ محرما، فقمل رأسه، ولحيته، فبلغ ذلك النبيّ ﷺ ، فأرسل إليه، فدعا الحلاّق، فحلق رأسه". والجمع بين هذا الاختلاف أن يقال: مرّ به أولاً، وهو يوقد تحت قدر، فرآه على تلك الصورة رؤية إجمالية عن بعد يسير، وقال: أتؤذيك هوامّك هذه؟، ولكنه لم يقدر

стр. 12937

قدر ما بلغ به من الوجع الشديد، ثم بلغه ما هو فيه من البلاء، وشدّة الأذى، فأرسل إليه، واستدعاه، حتى أتاه محمولا، فاستدناه، فدنا، كما في رواية ابن عون، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عند الشيخين، وحكّ رأسه بإصبعه الكرية، كما في رواية أبي وائل، عن كعب، الآتية في الحديث التالي، فخاطبه، وقال له: "ما كنت أرى أن الجهد بلغ منك ما أرى"، ودعا الحلاّق، فحلق رأسه بحضرته، فنقل بعض الرواة ما لم ينقله الآخر. قال الحافظ بعد ما ذكر اختلاف الروايات في ذلك مفصّلا: ما لفظه: والجمع بين هذا الاختلاف في قول ابن أبي ليلى، عن كعب أن النبيّ ﷺ مرّ به، قرآه، وفي قول عبد اللَّه بن معقل أن النبيّ ﷺ أرسل إليه، فرآه أن يقال: مرّ به أوّلاً، فرآه على تلك الصورة، فاستدعى به إليه، فخاطبه، وحلق رأسه بحضرته، فنقل كلّ واحد منهما ما لم ينقله الآخر، ويوضّحه قوله في رواية ابن عون، حيث قال فيها: "فقال: ادن، فدنوت"، فالظاهر أن هذا الاستدناء كان عقب رؤيته إياه، إذ مرّ به، وهو يوقد تحت القدر انتهى (١). وقال الطبريّ: يحتمل أن يكون وقف عليه ﷺ ، وأمره بذلك، ثم حمل إليه لما كثر عليه، فأمره ثانيًا، فلا يكون بين قوله: "فحُملت إلى رسول اللَّه ﷺ ، وبين قوله: "مرّ به" تضاد. وقال العينيّ بعد ذكر اختلاف الروايات: لا تعارض في شيء من ذلك، ووجهه أنه مرّ به، وهو محرم في أول الأمر، وسأله عن ذلك، ثم حُمل إليه ثانيًا بإرساله إليه، وأما إتيانه فبعد الإرسال، وأما رؤيته فلا بدّ منها في الكل انتهى باختصار يسير (٢). (فَآذَاهُ الْقَمْلُ فِي رَأْسِهِ) وفي رواية لأحمد، وسعيد بن منصور في رواية أبي قلابة: "قملت حتى ظننت أن كلّ شعرة من رأسي فيها القمل، من أصلها إلى فرعها"، زاد سعيد: "وكنت حسن الشعر". وفي رواية لأحمد من وجه آخر: "وقع القمل في رأسي، ولحيتي، حتى حاجبي، وشاربي، فبلغ ذلك النبيّ ﷺ -فأرسل إلى، فدعاني، فلما رآني، قال: لقد أصابك بلاء، ونحن لا نشعر … " (فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ) وفي رواية لأحمد: "ادع إلى الحجام، فحلقني". قال ابن قدامة: لا نعلم خلافًا في إلحاق الإزالة بالحلق، سواء كان بموسى، أو مِقَصّ، أو نُورة، أو غير ذلك. وأغرب ابن حزم، فأخرج النتف عن ذلك، فقال: يلحق جميع الإزالات بالحلق إلا النتف. قاله في "الفتح".

стр. 12938

(وَقَالَ: "صمْ ثَلَاَثةَ أَيَّام، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكينَ، مُدَّيْنِ، مُدَّيْنِ) وكذا في رواية عند أحمد، وفي رواية الشيخين: "لكلّ مسكين نصف صاع"، وللطبرانيّ: "لكل مسكين نصف صاع تمر"، ولأحمد: "نصف صاع طعام"، وفي رواية: "نصف صاع حنطة"، وفي رواية: "يطعم فرقًا من زبيب، بين ستة مساكين". قال ابن حزم: لا بدّ من ترجيح إحدى هذه الروايات؛ لأنه قصّة واحدة، في مقام واحد، في حقّ رجل واحد. قال الحافظ: المحفوظ رواية شعبة أنه قال في الحديث: "نصف صاع من طعام"، والاختلاف عليه في كونه تمرًا، أو حنطة لعله من تصرّف الرواة، وأما الزبيب، فلم أره إلا في رواية الحكم، وقد أخرجها أبو داود، وفي إسنادها ابن إسحاق، وهو حجة في المغازي، لا في الأحكام إذا خالف، والمحفوظ رواية التمر، فقد وقع الجزم بها عند مسلم من طريق أبي قلابة، ولم يختلف فيه على أبي قلابة. وكذا أخرجه الطبريّ من طريق الشعبيّ، عن كعب، وأحمد من طريق سليمان بن قرم، عن ابن الأصبهانيّ، ومن طريق أشعث، وداود عن الشعبيّ، عن كعب، وكذا في حديث عبد اللَّه بن عمرو عند الطبرانيّ. وعرف بذلك قوة قول من قال: لا فرق في ذلك بين التمر والحنطة، وأن الواجب ثلاثة آصع، لكلّ مسكين نصف صاع. ولمسلم عن ابن أبي عمر، عن سفيان ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، وغيره، عن مجاهد في هذا الحديث: "وأطعم فرقًا بين ستة مساكين"، والفرق ثلاثة آصع. وأخرجه الطبريّ من طريق يحيى بن آدم، عن ابن عيينة، فقال فيه: "قال سفيان: والفرق ثلاثة آصع"، فأشعر بأن تفسير الفرق مدرج، لكنه مقتضى الروايات الآخر، ففي رواية سليمان بن قرم، عن ابن الأصبهانيّ عند أحمد: "لكلّ مسكين نصف صاع". قاله في "الفتح" (١). (أَوِ انْسُكْ شَاةَ) وفي رواية: "بشاة" بزيادة الموحدة، فعلى الأول "شاة" مفعول به لماقبله، أي اذبح شاة، وعلى الثاني التقدير: تقرب بشاة؛ إذ النسك يطلق على العبادة، وعلى الذبح المخصوص. وفيه أن المراد بالنسك المذكورة في الآية في قوله تعالى: ﴿أَوْ نُسُكٍ﴾ شاةٌ، وروى الطبرى من طريق مغيرة، عن مجاهد في آخر هذا الحديث: "فأنزل اللَّه: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦]، والنسك شاة". ومن طريق محمد بن كعب القرظيّ، عن كعب: "أمرني أن أحلق، وأفتدي بشاة". قال عياض، ومن تبعه، تبعًا لأبي عمر ابن عبد البرّ: كلّ من ذكر النسك في هذا

стр. 12939

الحديث مفسّرًا، فإنما ذكروا شاة، وهو أمر لا خلاف فيه بين العلماء. قال الحافظ: يعكر عليه ما أخرجه أبو داود من طريق نافع، عن رجل من الأنصار، عن كعب بن عجرة ﵁: "أنه أصابه أذى، فحلق، فأمره النبيّ ﷺ أن يهُدي بقرة". وللطبراني من طريق عبد الوهاب بن بُخْت (١)، عن نافع، عن ابن عمر، قال: "حلق كعب بن عجرة رأسه، فأمره رسول اللَّه ﷺ أن يفتدي، فافتدى ببقرة". ولعبد بن حُميد من طريق أبي معشر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: "افتدى كعب من أذى كان برأسه، فحلقه ببقرة، قلّدها، وأشعرها". ولسعيد بن منصور من طريق ابن أبي ليلى، عن نافع، عن سليمان بن يسار: "قيل لابن كعب بن عجرة: ما صنع أبوك حين أصابه الأذى في رأسه؟، قال: ذبح بقرة". فهذه الطرق كلها تدور على نافع، وقد اختلف عليه في الواسطة الذي بينه وبين كعب، وقد عارضها ما هو أصحّ منه، من أن الذي أُمِر به كعب، وفَعَلَه في النسك إنما هو شاة. وروى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد من طريق المقبريّ، عن أبي هريرة: "أن كعب بن عجرة ذبح شاة لأذى كان أصابه"، وهذا أصوب من الذي قبله. واعتمد ابن بطال على رواية نافع، عن سليمان بن يسار، فقال: أخذ كعب بأرفع الكفارات، ولم يخالف النبيّ ﷺ فيما أمره به من ذبح الشاة، بل وافق، وزاد، ففيه أن من أُفتي بأيسر الأشياء، فله أن يأخذ بأرفعها، كما فعل كعب. قال الحافظ: هو فرع ثبوت الحديث، ولم يثبت؛ لما قدّمته. واللَّه أعلم انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (٢). (أَيَّ ذَلِكَ) منصوب على أنه مفعول مقدم، لقوله (فَعَلْتَ) وهو فعل الشرط، وقوله (أَجْزَأَ عَنْكَ) جواب الشرط. وهذه الرواية صريحة في التخيير بين الثلاثة، وكذلك رواية أبي داود التي فيها: "إن شئت، وإن شئت"، ووافقتها رواية عبد الوارث، عن ابن أبي نجيح، أخرجها مسدّد في "مسنده"، ومن طريقه الطبرانيّ، لكن رواية عبد اللَّه بن معقل عند البخاريّ أنما هو بين الإطعام والصيامِ لمن لم يجد النسك، ولفظه:، "أتجد شاة؟ "، قال: لا، قال: "فصم، أو أطعم"، ولأبي داود في رواية أخرى" أمعك دم؟ "، قال: لا، قال: "فإن شئت، فصم"، ونحوه للطبراني من طريق عطاء، عن كعب، ووافقهم أبو الزبير، عن مجاهد،

стр. 12940

عند الطبرانيّ، وزاد بعد قوله: ما أجد هديا: قال: "فأطعم"، قال: ما أجد، قال: "صم". ولهذا قال أبو عوانة في "صحيحه": فيه دليل على أن من وجد نسكًا لا يصوم. يعني ولا يطعم. قال الحافظ: لكن لا أعرف من قال بذلك من العلماء، إلا ما رواه الطبريّ، وغيره، عن سعيد بن جبير، قال: النسك شاة، فإن لم يجد قُوّمت الشاة دراهم، والدراهم طعامًا، فتصدّق به، أو صام لكلّ نصف صاع يومًا. أخرجه من طريق الأعمش عنه، قال: فذكرته لإبراهيم، فقال: سمعت علقمة مثله. فحينئذ يحتاج إلى الجمع بين الروايتين، وقد جمع بينهما بأوجه: (منها): ما قال ابن عبد البرّ: إن فيه الإشارة إلى ترجيح الترتيب لا لإيجابه. (ومنها): ما قال النوويّ: ليس المراد أن الصيام، أو الإطعام لا يجزئ إلا لفاقدي الهدي، بل المراد أنه استخبره: هل معه هدي، أم لا؟، فإن كان واجده أعلمه أنه مخيّر بينه وبين الصيام والإطعام، وإن لم يجده أعلمه أنه مخيّر بينهما. ومحصّله أنه لا يلزم من سؤاله عن وجدان الذبح تعيينه لاحتمال أنه لو أعلمه أنه يجده لأخبره بالتخيير بينه وبين الإطعام والصوم. (ومنها): ما قال غيرهما: يحتمل أن يكون النبيّ ﷺ لما أذن له في حلق رأسه بسبب الأذى، أفتاه بأن يكفّر بالذبح على سبيل الاجتهاد منه ﷺ ، أو بوحي غير متلوّ، فلما أعلمه أنه لا يجد، نزلت الآية بالتخيير بين الذبح، والإطعام، والصيام، فخيّره حينئذ بين الصيام، والإطعام؛ لعلمه بأنه لا ذبح معه، فصام؛ لكونه لم يكن معه ما يطعمه. ويوضّح ذلك رواية مسلم في حديث عبد اللَّه بن معقل المذكور، حيث قال: "أتجد شاة؟ "، قلت: لا، فنزلت هذه الآية: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فقال: صم ثلاثة أيام، أو أطعم"، وفي رواية عطاء الخراسانيّ قال: "صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين"، قال: "وكان قد علم أنه ليس عندي ما أنسك به"، ونحوه في رواية محمد بن كعب القرظيّ، عن كعب، وسياق الآية يشعر بتقديم الصيام على غيره، وليس ذلك لكونه أفضل في هذا المقام من غيره، بل السرّ فيه أن الصحابة الذين خوطبوا شفاهًا بذلك كان أكثرهم يقدر على الصيام أكثر مما يقدر على الذبح والإطعام. وعُرف من رواية أبي الزبير أن كعبًا افتدى بالصيام. ووقع في رواية ابن إسحاق ما يشعر بأنه افتدى بالذبح؛ لأن لفظه: "صم، أو أطعم، أو انسك شاة، قال: فحلقت رأسي، ونسكت". وروى الطبرانيّ من طريق ضعيفة عن عطاء، عن كعب في آخر هذا

стр. 12941

الحديث: "فقلت: يا رسول اللَّه، خِرْ لي، قال: أطعم ستة مساكين". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث كعب بن عجرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٩٦/ ٢٨٥٢ و ٢٨٥٣ - وفي "الكبرى" ٩٥/ ٣٨٣٤ و ٣٨٣٥. وأخرجه (خ) في "الحج" ١٨١٤ و ١٨١٥ و ١٨١٦ و ١٨١٨ و"المغازي" ٤١٥٩ و ٤١٩٠ و ٤١٩١ و"التفسير" ٤٥١٧ و"المرضى" ٥٦٦٥ و"الطبّ" ٥٧٠٣ و"كفارات الأيمان" ٦٧٠٨ (م) في "الحجّ" ١٢٠١ (د) في "المناسك" ١٨٥٦ و ١٨٥٧ و ١٨٥٩ و ١٨٦٠ (ت) في "الحج" ٩٥٣ و"التفسير" ٢٩٧٣ و ٢٩٧٤ (ق) في "المناسك" ٣٠٧٩ و ٣٠٨٠ (أحمد) في "مسند الكوفيين" ١٧٦٣٥ و ١٧٦٤٣ و ١٧٦٥٤ و ١٧٦٦٥ (الموطأ) في "الحج" ٩٥٤ و ٩٥٥ و ٩٥٦. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم المحرم الذي يؤذيه القمل في رأسه، وهو أنه يجوز له أن يحلق رأسه، ويفدي بإحدى هذه الأشياء الثلاثة: صوم ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، لكلّ مسكين مدان، أو ذبح شاة. (ومنها): تحريم حلق الرأس على المحرم، والرخصة له في حلقها إذا آذاه القمل، أو غيره من الأوجاع. (ومنها): تلطّف الكبير بأصحابه، وعنايته بأحوالهم، وتفقدّه لهم، وإذا رأى ببعض أتباعه ضررًا سأل عنه، وأرشد إلى المخرج منه. (ومنها): أن السنة مبينة لمجمل الكتاب لإطلاق الفدية في القرآن، وتقييدها بالسنة. (ومنها): أنه استنبط منه بعض المالكية إيجاب الفدية على من تعمد حلق رأسه بغير عذر، فإن إيجابها على المعذور من التنبيه بالأدنى على الأعلى، لكن لا يلزم من ذلك التسوية بين المعذور وغيره، ومن ثمّ قال الشافعيّ، والجمهور: لا يتخيّر العامد، بل يلزمه الدم، وخالف في ذلك أكثر المالكية، واحتجّ لهم القرطبيّ بقوله في حديث كدب: "أو اذبح نسكًا"، قال: فهذا يدلّ على أنه ليس بهدي، قال: فعلى هذا يجوز أن يذبحها حيث شاء. قال الحافظ: لا دلالة فيه، إذ لا يلزم من تسميتها نسكًا، أو نسيكة أن لا تسمى هديًا، أو لا تعطى حكم الهدي، وقد وقع تسميتها هديًا في رواية عند البخاريّ، حيث قال: "أو تهدي شاة"، وفي رواية مسلم: "وأهد هديًا"، وفي رواية للطبريّ: "هل لك

стр. 12942

هدي؟، قلت: لا أجد". فظهر أن ذلك من تصرّف الرواة، ويؤيّده قوله في رواية مسلم: "أو اذبح شاة". (ومنها): أنه استُدلّ به على أن الفدية لا يتعين لها مكان، وبه قال أكثر التابعين. وقال الحسن: تتعين مكة. وقال مجاهد: النسك بمكة، ومنى، والإطعام بمكة، والصيام حيث شاء. وقريب منه قول الشافعيّ، وأبي حنيفة: الدم، والإطعام لأهل الحرم، والصيام حيث شاء؛ إذ لا منفعة فيه لأهل الحرم. وألحق بعض أصحاب أبي حنيفة، وأبو بكر بن الجهم من المالكيّة الإطعام بالصيام. (ومنها): أنهى استُدلّ به على أن الحجّ على التراخي؛ لأن حديث كعب دلّ على أن نزول قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] كان ذلك بالحديبية، وهي في سنة ست. وفيه بحث. (ومنها): أنه وقع في رواية للبخاريّ من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "فأمره أن يحلق، وهو بالحديبية، ولم يتبيّن لهم أنهم يحلون بها، وهم على طمع أن يدخلون مكة". قال في "الفتح": هذه الزيادة ذكرها الراوي لبيان أن الحلق كان استباحة محظور بسبب الأذى، لا لقصد التحلل بالحصر، وهو واضح، قال ابن المنذر: يؤخذ أن من كان على رجاء من الوصول إلى البيت أن عليه أن يقيم حتى ييأس من الوصول فيحل، واتفقوا على أن من يئس من الوصول، وجاز له أن يحلّ، فتمادى على إحرامه، ثم أمكنه أن يصل أن عليه أن يمضي إلى البيت ليُتمّ نسكه. وقال المهلب وغيره ما معناه: يستفاد من قوله: "ولم يتبيّن لهم أنهم يحلون" أن المرأة التي تعرف أوان حيضها، والمريض الذي يعرف أوان حماه بالعادة فيهما إذا أفطرا في رمضان مثلاً في أول النهار، ثم انكشف الأمر بالحيض، والحمّى في ذلك النهار أن عليهما قضاء ذلك اليوم لأن الذي كان في علم اللَّه أنهم يحلون بالحديبية لم يسقط عن كعب الكفارة التي وجبت عليه بالحلّ قبل أن ينكشف الأمر لهم، وذلك لأنه يجوز أن يتخلف ما عرفاه بالعادة، فيجب القضاء عليهما لذلك. قاله في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨٥٣ - (أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الرِّبَاطِيُّ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (٢) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ,

стр. 12943

وَهُوَ الدُّشْتَكِيُّ، قَالَ: أَنْبَأتا (١) عَمْروٌ، وَهُوَ ابْنُ أَبِي قَيسِ، عَنِ الزُّبَيرِ، وَهُوَ ابْنُ عَدِيِّ، عَنْ أَبِىِ وَائِلِ، عَنْ كَعْب بْنِ عُجْرَةَ، قَالَ: أَحْرَمْتُ، فَكَّثُرَ قَمْلُ رَأسِي، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأتانِي، وَأَنا أَطْبُخُ قِدْرَا لِأَصْحَابِي، فَمسَّ رَأْسِي بإِصْبَعِهِ، فَقَالَ: "انْطَلِقْ، فَاحْلِقْهُ، وَتَصَدَّقْ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكينَ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن سعيد الرباطيّ": هو أبو عبد اللَّه الأشقر المروزيّ الحافظ الثقة [١١] ٩٠/ ١٠٣٠. و"عبد الرحمن بن عبد اللَّه الدَّشْتكيّ" -بفتح الدال المهملة، وسكون المعجمة-: هو أبو محمد الرازيّ المقرئ، ثقة [١٠] ٩٠/ ١٠٣٠. و"عمرو بن أبي قيس": هو الرازيّ الأزرق الكوفيّ، نزيل الريّ، صدوق له أوهام [٨] ٩٠/ ١٠٣٠. و"الزبير بن عديّ": هو الهمدانيّ الياميّ الكوفيّ، ولي قضاء الريّ، ثقة [٥] ١/ ٤٥١. و"أبو وائل": هو شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفي المخضرم التابعيّ الجليل. وقوله: "وتصدّق" فيه اختصار، أي افعل التصدق، أو ما يقوم مقامه، من الصيام، أو ذبح شاة. والحديث صحيحٌ، وقد سبق تمام البحث فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٩٧ - (غسْلُ الْمُحْرِمِ بِالسِّدْرِ إِذَا مَاتَ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ظاهر ترجمة المصنف -رحمه اللَّه تعالى- هذه أن الغسل بالسدر للمحرم الميت فقط، لكن الظاهر أن الحيّ مثله، إذ لا دليل على منعه منه، قال ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: في حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - إباحة غسل المحرم الحيّ بالسدر، خلافًا لمن كرهه له انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

стр. 12944

٢٨٥٤ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) أَبُو بِشْرٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ رَجُلاً كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ , فَوَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ, وَهُوَ مُحْرِمٌ, فَمَاتَ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ, وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ, وَلَا تُمِسُّوهُ بِطِيبٍ, وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ, فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا»). قاَل الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"يعقوب ابن إبراهيم": هو الدورقيّ البغداديّ الحافظ، وهو أحد التسعة الذين يروي عنهم الجماعة بلا واسطة. و"هشيم": هو ابن بشير الواسطيّ الثبت. و"أبو بشر": هو جعفر بن إياس. قال المصنّف في "الكبرى": واسمه جعفر بن أبي وحشية، وهو جعفر بن إياس (٢)، وهو من أثبت الناس في سعيد بن جبير انتهى. وقوله: "فوقصته" الوقص كسر العنق. وقوله: "ولا تمسوه بطيب" بفتح أوله، من المسّ ثلاثيًّا، والباء للتعدية، فما وقع هنا في النسخة المطبوعة من ضبطه بضمّ أوله ضبطَ قلم، فغلط، بخلافه في الرواية الآتية في الباب التالي، فإنه بضم أوله، من الإمساس رباعيًّا، فلذا تعدى بنفسه، فنصب "طيباً". فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. والحديث متّفق عليه، وتقدم للمصنّف في "كتاب الجنائز" - "كيف يكفن المحرم إذا مات" -٤١/ ١٩٠٤ - وقد استوفيتُ شرحه، وبيان مسائله هناك، وتقدم أيضًا بعض مباحثه في باب- "تخمير المحرم وجهه ورأسه" -٤٧/ ٢٧١٣ و ٢٧١٤ - . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٩٨ - (فِي كَمْ يُكَفَّنُ الْمُحْرِمُ إِذَا مَاتَ) ٢٨٥٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ أَبِي بِشْرٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ رَجُلاً مُحْرِمًا, صُرِعَ عَنْ نَاقَتِهِ,

стр. 12945

فَأُوقِصَ, ذُكِرَ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ, فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ, وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ» , ثُمَّ قَالَ عَلَى إِثْرِهِ: «خَارِجًا رَأْسُهُ» , قَالَ: «وَلَا تُمِسُّوهُ طِيبًا, فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» , قَالَ شُعْبَةُ: فَسَأَلْتُهُ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ, فَجَاءَ بِالْحَدِيثِ, كَمَا كَانَ يَجِيءُ بِهِ, إِلاَّ أَنَّهُ قَالَ: «وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ وَرَأْسَهُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"خالد": هو ابن الحارث الهجيميّ. وقوله: "صُرع عن ناقته" بالبناء للمفعول: أي سقط عنها. وقوله: "فأوقص" بالبناء للمفعول، هكذا نسخ "المجبى" "فأوقص" بالهمزة، ووقع في "الكبرى" "فُوُقِصَ" ثلاثيًّا، وهو الموافق لما في كتب اللغة، قال في "القاموس": وَقَصَ عنقَهُ، كوعد: كسرها، فَوقَصَتْ، لازم، متعدّ، ووُقِص، كعُنِي، فهو موقوص، وقَصت به راحلته تَقِضهُ انتهى. ونَحْوَ في "اللسان"، و"الصحاح"، و"المصباح" ولم أر فيها أوقص بالهمز، فليحرر. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "ذُكر أنه قد مات" بالبناء للفعل، والضمير لابن عباس، أي ذكر ابن عباس في حديثه أن ذلك الرجل الذي وقَصَتْهُ ناقته مات من ذلك الوقص. وقوله: "ثم قال على إثره: خارجًا رأسه" أي قال ﷺ بعد قوله: "وكفنوه في ثوبين": "خارجا رأسه"، وهو منصوب على الحال، أي كفنوه حال كون رأسه خارجا من كفنه، ففيه بيان أنه لا يغطى رأسه. وقوله: "فسألته الخ" الضمير المرفوع لشعبة، والمنصوب لأبي بشر. والحديث متفق عليه، وتقدم الكلام عليه في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. … ٩٩ - (النَّهْيُ عَنْ أَنْ يُحَنَّطَ الْمُحْرِمُ إِذَا مَاتَ) ٢٨٥٦ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: بَيْنَا رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ, مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , إِذْ وَقَعَ مِنْ رَاحِلَتِهِ, فَأَقْعَصَهُ, أَوْ قَالَ: فَأَقْعَصَتْهُ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ, وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ, وَلَا تُحَنِّطُوهُ, وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ, فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا»).

стр. 12946

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"حماد": هو ابن زيد. و"أيوب": هو السختيانيّ. وقوله: "فأقعصه" أي قتله قتلاً سريعًا، والتذكير باعتبار الإبل. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨٥٧ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنِ الْحَكَمِ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: وَقَصَتْ رَجُلاً مُحْرِمًا نَاقَتُهُ, فَقَتَلَتْهُ, فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَ: «اغْسِلُوهُ, وَكَفِّنُوهُ, وَلَا تُغَطُّوا رَأْسَهُ, وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا, فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يُهِلُّ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"جرير": هو ابن عبد الحميد. و"منصور": هو ابن المعتمر. و"الحكم" هو ابن عتيبة. وقوله: "فأتي رسول اللَّه ﷺ " بالبناء للمفعول. وقوله: "ولا تُغَطُوه رأسه" بضم أوله، وفتح ثانيه، وضم ثالثه، وأصله: تُغَطَّيُوهُ بوزن تُكلّموه، نقلت ضمة الياء إلى الطاء بعد سلب كسرتها، ثم حُذفت الياء لالتقاء الساكنين. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٠٠ - (النَّهْي عَنْ أَنْ يُخَمَّرَ وَجْهُ الْمُحْرِمِ، وَرَأْسُهُ إِذَا مَاتَ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "يُخمّر" بالبناء للمفعول، ونائب فاعله قوله: "وجه المحرم الخ". واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٨٥٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَلَفٌ -يَعْنِي ابْنَ خَلِيفَةَ- عَنْ أَبِي بِشْرٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ رَجُلاً كَانَ حَاجًّا, مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَّهُ لَفَظَهُ بَعِيرُهُ, فَمَاتَ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُغَسَّلُ, وَيُكَفَّنُ فِي ثَوْبَيْنِ, وَلَا يُغَطَّى

стр. 12947

رَأْسُهُ وَوَجْهُهُ, فَإِنَّهُ يَقُومُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن معاوية" بن يزيد، الأنماطيّ، أبو جعفر البغداديّ، المعروف بابن مالج -بميم، وجيم، يقال: إن أصله من واسط، صدوق ربما وهم [١٠]. قال النسائيّ: لا بأس به. وقال مُطيّن: كان واقفيًّا. وروى عنه أبو بكر البزار في "مسنده"، وقال: كان ثقة. وقال مسلمة: لا بأس به. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: ربما وهم. انفرد به المصنّف، روى عنه في ثلاثة مواضع، برقم ٢٨٥٨ و ٣٩٨٦ و٤٨٤١. و"خلف بن خَليفة": هو أبو أحمد الكوفيّ، نزيل واسط، ثم بغداد، صدوق اختلط في الآخر [٨] ١١٠/ ١٤٩. والحديث متّفقٌ عليه، كما مرّ بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٠١ - (النَّهْيُ عَنْ تَخْمِيرِ رَأْسِ الْمُحْرِمِ إِذَا مَاتَ) ٢٨٥٩ - (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ يَزِيدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ, قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ, أَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْبَرَهُ, أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ, قَالَ: أَقْبَلَ رَجُلٌ حَرَامًا, مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَخَرَّ مِنْ فَوْقِ بَعِيرِهِ, فَوُقِصَ وَقْصًا, فَمَاتَ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ, وَأَلْبِسُوهُ ثَوْبَيْهِ, وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ, فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُلَبِّي»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عمران بن يزيد": هو ابن خالد بن يزيد، نُسب لجده الطائيّ الدمشقيّ، صدوق [١٠] ١٨/ ٤٢٢ من أفراد المصنف. و"شعيب بن إسحاق": هو البصريّ، ثم الدمشقيّ، ثقة رمي بالإرجاء، من كبار [٩] ٦٠/ ١٧٦٦. وقوله: "حرامٌ" هكذا بالرفع في بعض النسخ، ووقع في بعضها "حرامًا" بالنصب،

стр. 12948

والأول هو الوجه؛ لأنه نعت لـ"رجل"، وهو نكرة، ولا يبعُد أن يكون الثاني أيضًا له وجه أيضًا، وهو النصب على الحال من النكرة، وهو جائز على قلة، كما أشار إليه ابن مالك في "الخلاصة"، حيث قال: وَلَمْ يُنَكَرْ غَالِبًا ذُو الْحَالِ إِنْ … لَمْ يَتَأخَّرْ أَوْ يُخَصِّصْ أَوْ يَبِنْ مِنْ بَعْدِ نَفْيِ أَوْ مُضَاهِيهِ كَلَا … يَبْغِي امْرُؤٌ عَلَى امْرِئ مُسْتَسْهِلَا وقوله: "فوُقص" بالبناء للمفعول، و"وقصًا" مفعول مطلق. وقوله: "وألبسوه" بقطع الهمزة؛ من الإلباس. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، واليه أنيب". … ١٠٢ - (فِيمَنْ أُحْصِرَ بِعَدُوِّ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "أُحصر" بالبناء للمفعول، والجارّ والمجرور نانب فاعله. و"الإحصار": لغة المنع، والحبس، مطلقًا، وشرعًا: المنع عن الوقوف، والطواف، فإن قدر على أحدهما فليس بمحصر. والأصل فيه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦]. وقال عطاء: الإحصار من كلّ شيء بحسبه. نقله الإمام البخاريّ في "صحيحه"، واقتصر عليه. فقال في "الفتح": وفي اقتصاره على تفسير عطاء إشارة إلى أنه اختار القول بتعميم الإحصار، وهي مسألة خلافية بين الصحابة، وغيرهم انتهى (١). قلت: والمصنّف -رحمه اللَّه تعالى- يرى التعميم أيضًا حيث أورد في هذا الباب حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - الدالّ على الإحصار بالعدوّ، وحديث الحجاج بن عمرو - رضي اللَّه تعالى عنه - الآتي بعده الدال على الإحصار بالعرج والكسر، وقد ترجم له في "الكبرى" بقوله: "فيمن أُحصر بغير عدو"، فدلّ على أنه يرى عدم تقييد

стр. 12949

الإحصار بالعدوّ فقط، وهو المذهب الراجح، كما سيأتي تحقيقه قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٨٦٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, قَالَ: حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ, عَنْ نَافِعٍ, أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ, وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَاهُ, أَنَّهُمَا كَلَّمَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ, لَمَّا نَزَلَ الْجَيْشُ بِابْنِ الزُّبَيْرِ, قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ, فَقَالَا: لَا يَضُرُّكَ أَنْ لَا تَحُجَّ الْعَامَ, إِنَّا نَخَافُ أَنْ يُحَالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْبَيْتِ, قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ دُونَ الْبَيْتِ, فَنَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَدْيَهُ, وَحَلَقَ رَأْسَهُ, وَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ عُمْرَةً -إِنْ شَاءَ اللَّهُ- أَنْطَلِقُ, فَإِنْ خُلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ الْبَيْتِ طُفْتُ, وَإِنْ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَ الْبَيْتِ, فَعَلْتُ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَأَنَا مَعَهُ, ثُمَّ سَارَ سَاعَةً, ثُمَّ قَالَ: فَإِنَّمَا شَأْنُهُمَا وَاحِدٌ, أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ حَجَّةً مَعَ عُمْرَتِي, فَلَمْ يَحْلِلْ مِنْهُمَا, حَتَّى أَحَلَّ يَوْمَ النَّحْرِ وَأَهْدَى). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده هو، وابن ماجه، وهو ثقة. و"جويرية": هو: ابن أسماء الضبعيّ البصريّ، صدوق [٧] ١٩٧/ ٣١٥. والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم في -٥٣/ ٢٧٤٦ - وقد استوفيتُ شرحه، وبيان مسائله هناك، وبقي البحث هنا فيما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو البحث في الإحصار، وفيه مسائل: (المسألة الأولى): في اختلاف أهل العلم في المراد بالإحصار في الحجّ والعمرة: ذهب كثير من الصحابة، فمن بعدهم إلى أنّ الإحصار من كلّ حابس حبس الحاجّ، من عدوّ، ومرض، وغير ذلك، حتى أفتى ابن مسعود ﵁ رجلاً لُدِغ بأنه محصر. أخرجه ابن جرير بإسناد صحيح عنه. وإلى هذا القول ميل الإمام البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "صحيحه"، كما بينه الحافظ في "الفتح" (١). وهو ظاهر مذهب المصنف ﵀-كما أسلفته آنفًا. وهو مذهب النخعي والكوفيين، فإنهم ذهبوا إلى أن الحصر الكسرُ، والمرضُ، والخوفُ. واحتجّوا بحديث حجاج ابن عمرو الآتي بعد هذا، وبما رواه ابن المنذر من طريق عليّ بن طلحة، عن ابن عباس ﵀ في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ قال: من أحرم بحجّ، أو عمرة، ثم حبس عن البيت بمرض يُجهده، أو عدوّ يحبسه، فعليه ذبح ما استيسر من الهدي، فإن كانت حجة الإسلام، فعليه قضاؤها، وإن كانت حجة بعد الفريضة، فلا قضاء عليه.

стр. 12950

وبما رواه عبد بن حميد، عن أبي نُعيم، عن الثوريّ، عن ابن جريج، عن عطاء، قال في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، قال: الإحصار من كلّ شيء بحسبه. وذهب آخرون إلى أنه لا حصر إلا بالعدوّ، وصح ذلك عن ابن عباس، أخرجه عبد الرزاق، عن معمر، وأخرجه الشافعيّ، عن ابن عيينة، كلاهما عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: "لا حصر إلا مَن حَبَسَه عدوّ، فيحلّ بعمرة، وليس عليه حج، ولا عمرة". وروى مالك في "الموطإ"، والشافعيّ عنه، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، قال: "من حُبس دون البيت بالمرض، فإنه لا يحلّ حتى يطوف بالبيت". وروى مالك، عن أيوب، عن رجل من أهل البصرة، قال: "خرجت إلى مكة، حتى إذا كنت بالطريق كُسرت فخذي، فارسلت إلى مكة -وبها عبد اللَّه بن عباس، وعبد اللَّه بن عمر، والناس- فلم يرخّص لي أحد في أن أحلّ، فأقمت على ذلك الماء تسعة أشهر، ثم حَلَلت بعمرة". وأخرجه ابن جرير من طرق، وسمّى الرجل يزيد بن عبد اللَّه بن الشخّير. وبهذا قال مالك، والشافعيّ، وأحمد، قال الشافعيّ: جعل اللَّه على الناس إتمام الحجّ والعمرة، وجعل التحلّل للمحصر رخصة، وكانت الآية في شأن منع العدوّ، فلم نَعْدُ بالرخصة موضعها. وذهب آخرون إلى أنه لا حصر بعد النبيّ ﷺ ، رَوَى مالك في "الموطإ" عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه: "المحرم لا يحلّ حتى يطوف". أخرجه في "باب ما يفعل من أحصر بغير عدو". وأخرج ابن جرير بإسناد صحيح عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، قالت: "لا أعلم المحرم يحلّ بشيء دون البيت". وعن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - بإسناد ضعيف، قال: لا إحصار اليوم". وروي ذلك عن عبد اللَّه بن الزبير. وسبب اختلافهم في ذلك اختلافهم في تفسير الإحصار، فالمشهور عن أكثر أهل اللغة- منهم الأخفش، والكسائيّ، والفرّاء، وأبو عبيدة، وأبو عبيد، وابن السّكِّيت، وثعلب، وابن قتيبة، وغيرهم- أن الإحصار إنّما يكون بالمرض، وأما بالعدوّ، فهو الحصر، وبهذا قطع النحّاس. وأثبت بعضهم أن أُحصِرَ، وحُصِرَ بمعنى واحد، يقال في جميع ما يمنع الإنسان من التصرّف، قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٣]، وإنما كانوا لا يستطيعون من منع العدوّ إياهم.

стр. 12951

وأما مالك، والشافعيّ، وأحمد، ومن تبعهم، فحجتهم في أن لا إحصار إلا بالعدوّ اتفاق أهل النقل على أن الآيات نزلت في قصّة الحديبية، حين صُدّ النبيّ ﷺ عن البيت، فسمّى اللَّه صدّ العدوّ إحصارًا. وحجة الآخرين التمسك بعوم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]. انتهى من "الفتح" بتصرّف (١). وقال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: مورد النصّ في قضية الحديبية إنما هو في الإحصار بالعدوّ، فلو أحصره مرض، منعه من المضيّ في نسك، لم يتحلّل عند الجمهور، وبه قال مالك، والشافعيّ، وأحمد، وقال أبو حنيفة: الإحصار بالمرض كالإحصار بالعدوّ، قالوا: وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] إنما ورد في إحصار المرض؛ لأن أهل اللغة قالوا: يقال: أحصره المرض، وحصره العدوّ، فاستعمال الرباعيّ في الآية يدلّ على إرادة المرض، وما نقلوه عن أهل اللغة حكاه في "المشارق" عن أبي عبيد، وابن قتيبة، وقال القاضي إسماعيل المالكيّ: إنه الظاهر، وحكاه في "الصحاح" عن ابن السكّيت، والأخفش، قال: وقال أبو عمرو الشيبانيّ: حصرني الشيء، وأحصرني: حبسني انتهى. فجعلهما لغتين بمعنى واحد. وقال في "النهاية": يقال: أحصره المرض، أو السلطان: إذا منعه عن مقصده، فهو محصر، وحصره: إذا حبسه، فهو محصور. وحكى ابن عبد البرّ التفصيل المتقدّم عن الخليل، وأكثر أهل اللغة، ثم حكى عن جماعة أنه يقال: حصر، وأحصر بمعنى واحد في المرض، والعدؤ جميعًا، قال: واحتجّ من قال هذا من الفقهاء بقول اللَّه تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾، وإنما أنزلت في الحديبية انتهى. وقال الشافعيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: لم أسمع ممن حُفظ عنه من أهل العلم بالتفسير مخالفًا في أن هذه الآية نزلت بالحديبية حين أحصر النبيّ ﷺ ، فحال المشركون بينه وبين البيت. وفي البخاريّ عن عطاء: الإحصار من كلّ شيء بحسبه. وممن ذهب إلى التعميم ابن حزم الظاهريّ انتهى كلام وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى- (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأرجح عندي قول من عمّم، كما هو مذهب الحنفية، والبخاريّ، والمصنّف، وابن حزم، قال -رحمه اللَّه تعالى- في كتابه "المُحَلَّى": وأما الإحصار، فإن كلّ من عرض له ما يمنعه من إتمام حجه، أو عمرته، قارنا كان، أو متمتعًا، من عدوّ، أو مرض، أو كسر، أو خطأ طريق، أو خطأ في رؤية

стр. 12952

الهلال، أو سَجْن، أو أيّ شيء كان فهو محصر، فإن كان اشترط عند إحرامه كما قدمنا أن محله حيث حبسه اللَّه ، فليحل من إحرامه، ولا شيء عليه، سواء شرع في عمل الحج، أو العمرة، أو لم يشرع بعدُ، قريبًا كان، أو بعيدًا، مضى له أكثر فرضهما، أو أقله، كلّ ذلك سواء، ولا هدي في ذلك، ولا غيره، ولا قضاء عليه في شيء من ذلك، إلا أن يكون لم يحجّ قط، ولا اعتمر، فعليه أن يحجّ، ويعتمر، ولا بدّ، فإن كان لم يشترط كما ذكرنا، فإنه يحلّ أيضًا، كما ذكرنا سواء سواء، ولا فرق، وعليه هدي، ولا بدّ، كما قلنا في هدي المتعة سواء سواء، إلا أنه لا يعوض من هذا الهدي صوم، ولا غيره، فمن لم يجده فهو دين حتى يجده، ولا قضاء عليه، إلا إن كان لم يحج قط، ولا اعتمر، فعليه أن يحج، ويعتمر. قال: قول اللَّه تعالى هو الحجة في اللغة، والشريعة، قال تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وإنما نزلت هذه الآية في أمر الحديبية، إذ منع الكفّار رسول اللَّه ﷺ من إتمام عمرته، وسمى اللَّه تعالى منع العدوّ إحصارًا، وكذلك قال البراء، وابن عمر، وإبراهيم النخعيّ، وهو في اللغة فوق أبي عبيدة، وأبي عبيد، والكسائيّ، وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٣]، فهذا هو منع العدوّ بلا شكّ؛ لأن المهاجرين إنما منعهم من الضرب في الأرض الكفار بلا شكّ، وبيّن ذلك تعالى بقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فصحّ أن الإحصار، والحصر بمعنى واحد، وأنهما اسمان يقعان على كلّ مانع، من عدوّ، أو مرض، أو غير ذلك، أيّ شيء كان؟ انتهى كلام ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قرره الإمام ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى- تحقيق حسنٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): اتفقوا على أن من أحصره العدوّ، أي منعه عن المضيّ في نسكه، سواء كان حجًّا أو عمرة جاز له التحلل بأن ينوي ذلك، وينحر هديًا، ويحلق رأسه، أو يقصّر، وهذا مجمع عليه في الجملة، حكاه ابن المنذر عن كلّ من يحفظ عنه من أهل العلم، وبه قال الأئمة الأربعة، وإن اختلفوا في تفاصيل، وتفاريع، سنذكرها في المسائل الآتية إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): هل يشترط في جواز التحلل ضيق الوقت بحيث ييأس من إتمام

стр. 12953

نسكه إن لم يتحلّل أو لا يشترط ذلك، بل له التحلّل مع اتساع الوقت؟ لم يشترط الشافعية ذلك، وهو الذي يدلّ عليه فعله ﷺ في الحديبية، فإن إحرامه إنما كان بعمرة، وهي لا يخشى فواتها، وقال المالكية: متى رَجَى زوال الحصر لم يتحلّل حتى يبقى بينه وبين الحجّ من الزمان ما لا يدرك فيه الحج، لو زوال حصره، فيحلّ حينئذ عند ابن القاسم، وابن الماجشون، وقال أشهب: لا يحلّ إلى يوم النحر، ولا يقطع التلبية حتى يروح الناس إلى عرفة (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه الشافعية هو الأرجح عندي؛ لأنه يؤيّده فعله ﷺ في الحديبية، حيث تحلل مع أن وقت العمرة متسع لا يفوت، فلم ينتظر وقتًا يتمكن فيه من الأداء، بل تحلل بمجرد تحقق الإحصار له، وهو الموافق لتيسير الشارع الحكيم، وأما القول بالانتظار حتى ييأس، ففيه إيقاع للمحرم في حرج شديد، وذلك ينافي التيسير الذي أراده تعالى لعباده، فإنه تعالى ما شَرَع التحلل للمحصر بالهدي إلا تيسيرًا عليه، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ الآية [الحجّ: ٧٨]، فإذا قلنا لوجوب الانتظار المذكور، فقد عاكسنا مراد الشارع الحكيم الرؤوف الرحيم، فتبصّر بالإنصاف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): لم يفرّق الشافعيّة، والحنابلُة في جواز التحلّل بين أن يكون الإحصار قبل الوقوف بعرفة، أو بعده. وخصّ الحنفية، والمالكيّة ذلك بما إذا كان قبل الوقوف. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الأولون هو الأرجح عندي؛ لإطلاق الأدلة التي تبيح التحلل عن تقييده بشيء. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): اختلفوا في أنه هل يجب على المحصر إراقة دم، أم لا، فقال جمهور العلماء بوجوبه، وبه قال أشهب من المالكية، وقال مالك: لا يجب، وتابعه ابن القاسم صاحبه. ثم اختلف القائلون بوجوب الدم في محلّ إراقته، فقال الشافعيّة، والحنابلة يريقه حيث أُحصر، ولو كان من الحلّ لأنه ﷺ كذلك فعل في الحديبية، ودلّ على الإراقة في الحلّ قوله: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]، فدلّ على أن الكفار منعوهم من إيصاله إلى محله، وهو الحرم. ذكر هذا الاستدلال الشافعيّ. وقال عطاء، وابن إسحاق: بل نحو بالحرم، وخالفهما غيرهما من أهل المغازي، وغيرهم. وقال

стр. 12954

الحنفيّة: لا يجوز ذبحه إلا في الحرم، فيرسله مع إنسان، ويواعده على يوم بعينه، فإذا جاء ذلك اليوم تحلّل، ثم قال أبو حنيفة: يجوز ذبحه قبل يوم النحر، وقال صاحباه يختصّ ذبحه في الإحصار عن الحجّ بيوم النحر. قاله وليّ الدين (١). وقال في "الفتح": ما حاصله: قال الجمهور: يذبح المحصر الهدي حيث يحلّ سواء كان في الحلّ، أو في الحرم. وقال أبو حنيفة: لا يذبحه إلا في الحرم. وفصّل آخرون كما قاله ابن عباس: إذا كان مع المحصر هدي نحوه إن كان لا يستطيع أن يبعث به، وإن استطاع أن يبعث به لم يحلّ حتى يبلغ الهدي محله. وهذا هو المعتمد. وسبب اختلافهم في ذلك، هل نحو النبيّ ﷺ الهدي بالحديبية في الحلّ، أو في الحرم. وكان عطاء يقول: لم ينحر يوم الحديبية إلا في الحرم، ووافقه ابن إسحاق. وقال غيره من أهل المغازي: إنما نحر في الحلّ. وروى يعقوب بن سفيان، من طريق مجمع بن يعقوب، عن أبيه، قال: "لما حُبس رسول اللَّه ﷺ ، وأصحابه نحروا بالحديبية، وحلقوا، وبعث اللَّه ريحًا، فحملت شعورهم، فألقتها في الحرم". قال ابن عبد البرّ في "الاستذكار": فهذا يدلّ على أنهم حلقوا في الحلّ. قال الحافظ: ولا يخفى ما فيه، فإنه لا يلزم من كونهم ما حلقوا في الحرم لمنعهم من دخوله أن لا يكونوا أرسلوا الهدي، مع من نحره في الحرم. وقد ورد ذلك في حديث ناجية بن جندب الأسلميّ: "قلت: يا رسول اللَّه أبعث معي بالهدي، حتى أنحره في الحرم، ففعل". أخرجه النسائيّ من طريق إسرائيل، عن مجزأة بن زاهر، عن ناجية. وأخرجه الطحاويّ من وجه آخر عن إسرائيل، لكن قال: "عن ناجية، عن أبيه". لكن لا يلزم من وقوع هذا وجوبه، بل ظاهر القصّة أن أكثرهم نحر في مكانه، وكانوا في الحلّ، وذلك دالّ على الجواز. واللَّه أعلم. انتهى ما في "الفتح" بتصرّف (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي الأرجح قول من قال بجواز التحلل في مكان الحصر، سواء كان في الحلّ، أم في الحرم إذا لم يستطع أن يبلغ به محله، فإن استطاع أن يبعث به حتى ينحر في الحرم وجب عليه أن يبعثه، كما سبق عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -؛ الآية: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): اختلفوا هل يجب القضاء على المحصر إذا تحلّل، أم لا؟: ذهب الحنفية إلى وجوبه، بل زادوا، فقالوا: إن على المحصر عن الحجّ حجة

стр. 12955

وعمرة، وعلى القارن حجة وعمرتان. وذهبت الشافعيّة، والمالكيّة إلى أنه لا قضاء عليه. وعن أحمد بن حنبل روايتان، قالوا: فإن كان حجّ فرض بقي وجوبه على حاله، وبالغ ابن الماجشون، وأبعد، فقال: يسقط عنه، ورأى ذلك بمنزلة إتمام النسك على وجهه (١). ونقل في "الفتح" عن الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-، أنه قال: لا قضاء عليه من قبل أن اللَّه تعالى لم يذكر قضاء، والذي أعقله في أخبار أهل المغازي شبيه بما ذكرت؛ لأنّا علمنا من متواطىء أحاديثهم أنه كان معه عام الحديبية رجال معروفون، ثم اعتمر عمرة القضيّة، فتخلف بعضهم بالمدينة من غير ضرورة في نفس، ولا مال، ولو لزمهم القضاء لأمرهم بأن لا يتخلّفوا عنه. قال: وإنما سميت عمرة القضاء، والقضيّة للمقاضاة التي وقعت بين النبيّ ﷺ ، وبين قريش، لا على أنهم وجب عليهم قضاء تلك العمرة انتهى. وقد روى الواقديّ في "المغازي" من طريق الزهريّ، ومن طريق أبي معشر، وغيرهما، قال: "أمر رسول اللَّه ﷺ أصحابه أن يعتمروا، فلم يتخلّف منهم إلا من قتل بخيبر، أو مات، وخرج معه جماعة معتمرين ممن لم يشهد الحديبية، وكانت عدتهم ألفين". قال الحافظ: ويمكن الجمع بين هذا إن صحّ، وبين الذي قبله بأن الأمر كان على طريق الاستحباب؛ لأن الشافعيّ جازم بأن جماعة تخلفوا بغير عذر. وقد روى الواقديّ أيضًا من حديث ابن عمر، قال: "لم تكن هذه العمرة قضاء، ولكن كان شرطًا على قريش أن يعتمر المسلمون من قابل في الشهر الذي صدّهم المشركون فيه". انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن مما ذُكر أن الأرجح أنه لا يجب القضاء على المحصر، لعدم دليل يدلّ على ذلك، بل الأدلة بالعكس، كما تقدّم في كلام الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨٦١ - (أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَصْرِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ -وَهُوَ ابْنُ حَبِيبٍ- عَنِ الْحَجَّاجِ الصَّوَّافِ, عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ, عَنْ عِكْرِمَةَ, عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو الأَنْصَارِيِّ, أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ عَرِجَ, أَوْ كُسِرَ, فَقَدْ حَلَّ, وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى» , فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ, وَأَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ ذَلِكَ؟ , فَقَالَا: صَدَقَ).
следующие страницы →