← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 12951–12990 · переход к 12956.

стр. 12951

وأما مالك، والشافعيّ، وأحمد، ومن تبعهم، فحجتهم في أن لا إحصار إلا بالعدوّ اتفاق أهل النقل على أن الآيات نزلت في قصّة الحديبية، حين صُدّ النبيّ ﷺ عن البيت، فسمّى اللَّه صدّ العدوّ إحصارًا. وحجة الآخرين التمسك بعوم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]. انتهى من "الفتح" بتصرّف (١). وقال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: مورد النصّ في قضية الحديبية إنما هو في الإحصار بالعدوّ، فلو أحصره مرض، منعه من المضيّ في نسك، لم يتحلّل عند الجمهور، وبه قال مالك، والشافعيّ، وأحمد، وقال أبو حنيفة: الإحصار بالمرض كالإحصار بالعدوّ، قالوا: وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] إنما ورد في إحصار المرض؛ لأن أهل اللغة قالوا: يقال: أحصره المرض، وحصره العدوّ، فاستعمال الرباعيّ في الآية يدلّ على إرادة المرض، وما نقلوه عن أهل اللغة حكاه في "المشارق" عن أبي عبيد، وابن قتيبة، وقال القاضي إسماعيل المالكيّ: إنه الظاهر، وحكاه في "الصحاح" عن ابن السكّيت، والأخفش، قال: وقال أبو عمرو الشيبانيّ: حصرني الشيء، وأحصرني: حبسني انتهى. فجعلهما لغتين بمعنى واحد. وقال في "النهاية": يقال: أحصره المرض، أو السلطان: إذا منعه عن مقصده، فهو محصر، وحصره: إذا حبسه، فهو محصور. وحكى ابن عبد البرّ التفصيل المتقدّم عن الخليل، وأكثر أهل اللغة، ثم حكى عن جماعة أنه يقال: حصر، وأحصر بمعنى واحد في المرض، والعدؤ جميعًا، قال: واحتجّ من قال هذا من الفقهاء بقول اللَّه تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾، وإنما أنزلت في الحديبية انتهى. وقال الشافعيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: لم أسمع ممن حُفظ عنه من أهل العلم بالتفسير مخالفًا في أن هذه الآية نزلت بالحديبية حين أحصر النبيّ ﷺ ، فحال المشركون بينه وبين البيت. وفي البخاريّ عن عطاء: الإحصار من كلّ شيء بحسبه. وممن ذهب إلى التعميم ابن حزم الظاهريّ انتهى كلام وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى- (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأرجح عندي قول من عمّم، كما هو مذهب الحنفية، والبخاريّ، والمصنّف، وابن حزم، قال -رحمه اللَّه تعالى- في كتابه "المُحَلَّى": وأما الإحصار، فإن كلّ من عرض له ما يمنعه من إتمام حجه، أو عمرته، قارنا كان، أو متمتعًا، من عدوّ، أو مرض، أو كسر، أو خطأ طريق، أو خطأ في رؤية

стр. 12952

الهلال، أو سَجْن، أو أيّ شيء كان فهو محصر، فإن كان اشترط عند إحرامه كما قدمنا أن محله حيث حبسه اللَّه ، فليحل من إحرامه، ولا شيء عليه، سواء شرع في عمل الحج، أو العمرة، أو لم يشرع بعدُ، قريبًا كان، أو بعيدًا، مضى له أكثر فرضهما، أو أقله، كلّ ذلك سواء، ولا هدي في ذلك، ولا غيره، ولا قضاء عليه في شيء من ذلك، إلا أن يكون لم يحجّ قط، ولا اعتمر، فعليه أن يحجّ، ويعتمر، ولا بدّ، فإن كان لم يشترط كما ذكرنا، فإنه يحلّ أيضًا، كما ذكرنا سواء سواء، ولا فرق، وعليه هدي، ولا بدّ، كما قلنا في هدي المتعة سواء سواء، إلا أنه لا يعوض من هذا الهدي صوم، ولا غيره، فمن لم يجده فهو دين حتى يجده، ولا قضاء عليه، إلا إن كان لم يحج قط، ولا اعتمر، فعليه أن يحج، ويعتمر. قال: قول اللَّه تعالى هو الحجة في اللغة، والشريعة، قال تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وإنما نزلت هذه الآية في أمر الحديبية، إذ منع الكفّار رسول اللَّه ﷺ من إتمام عمرته، وسمى اللَّه تعالى منع العدوّ إحصارًا، وكذلك قال البراء، وابن عمر، وإبراهيم النخعيّ، وهو في اللغة فوق أبي عبيدة، وأبي عبيد، والكسائيّ، وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٣]، فهذا هو منع العدوّ بلا شكّ؛ لأن المهاجرين إنما منعهم من الضرب في الأرض الكفار بلا شكّ، وبيّن ذلك تعالى بقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فصحّ أن الإحصار، والحصر بمعنى واحد، وأنهما اسمان يقعان على كلّ مانع، من عدوّ، أو مرض، أو غير ذلك، أيّ شيء كان؟ انتهى كلام ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قرره الإمام ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى- تحقيق حسنٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): اتفقوا على أن من أحصره العدوّ، أي منعه عن المضيّ في نسكه، سواء كان حجًّا أو عمرة جاز له التحلل بأن ينوي ذلك، وينحر هديًا، ويحلق رأسه، أو يقصّر، وهذا مجمع عليه في الجملة، حكاه ابن المنذر عن كلّ من يحفظ عنه من أهل العلم، وبه قال الأئمة الأربعة، وإن اختلفوا في تفاصيل، وتفاريع، سنذكرها في المسائل الآتية إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): هل يشترط في جواز التحلل ضيق الوقت بحيث ييأس من إتمام

стр. 12953

نسكه إن لم يتحلّل أو لا يشترط ذلك، بل له التحلّل مع اتساع الوقت؟ لم يشترط الشافعية ذلك، وهو الذي يدلّ عليه فعله ﷺ في الحديبية، فإن إحرامه إنما كان بعمرة، وهي لا يخشى فواتها، وقال المالكية: متى رَجَى زوال الحصر لم يتحلّل حتى يبقى بينه وبين الحجّ من الزمان ما لا يدرك فيه الحج، لو زوال حصره، فيحلّ حينئذ عند ابن القاسم، وابن الماجشون، وقال أشهب: لا يحلّ إلى يوم النحر، ولا يقطع التلبية حتى يروح الناس إلى عرفة (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه الشافعية هو الأرجح عندي؛ لأنه يؤيّده فعله ﷺ في الحديبية، حيث تحلل مع أن وقت العمرة متسع لا يفوت، فلم ينتظر وقتًا يتمكن فيه من الأداء، بل تحلل بمجرد تحقق الإحصار له، وهو الموافق لتيسير الشارع الحكيم، وأما القول بالانتظار حتى ييأس، ففيه إيقاع للمحرم في حرج شديد، وذلك ينافي التيسير الذي أراده تعالى لعباده، فإنه تعالى ما شَرَع التحلل للمحصر بالهدي إلا تيسيرًا عليه، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ الآية [الحجّ: ٧٨]، فإذا قلنا لوجوب الانتظار المذكور، فقد عاكسنا مراد الشارع الحكيم الرؤوف الرحيم، فتبصّر بالإنصاف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): لم يفرّق الشافعيّة، والحنابلُة في جواز التحلّل بين أن يكون الإحصار قبل الوقوف بعرفة، أو بعده. وخصّ الحنفية، والمالكيّة ذلك بما إذا كان قبل الوقوف. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الأولون هو الأرجح عندي؛ لإطلاق الأدلة التي تبيح التحلل عن تقييده بشيء. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): اختلفوا في أنه هل يجب على المحصر إراقة دم، أم لا، فقال جمهور العلماء بوجوبه، وبه قال أشهب من المالكية، وقال مالك: لا يجب، وتابعه ابن القاسم صاحبه. ثم اختلف القائلون بوجوب الدم في محلّ إراقته، فقال الشافعيّة، والحنابلة يريقه حيث أُحصر، ولو كان من الحلّ لأنه ﷺ كذلك فعل في الحديبية، ودلّ على الإراقة في الحلّ قوله: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]، فدلّ على أن الكفار منعوهم من إيصاله إلى محله، وهو الحرم. ذكر هذا الاستدلال الشافعيّ. وقال عطاء، وابن إسحاق: بل نحو بالحرم، وخالفهما غيرهما من أهل المغازي، وغيرهم. وقال

стр. 12954

الحنفيّة: لا يجوز ذبحه إلا في الحرم، فيرسله مع إنسان، ويواعده على يوم بعينه، فإذا جاء ذلك اليوم تحلّل، ثم قال أبو حنيفة: يجوز ذبحه قبل يوم النحر، وقال صاحباه يختصّ ذبحه في الإحصار عن الحجّ بيوم النحر. قاله وليّ الدين (١). وقال في "الفتح": ما حاصله: قال الجمهور: يذبح المحصر الهدي حيث يحلّ سواء كان في الحلّ، أو في الحرم. وقال أبو حنيفة: لا يذبحه إلا في الحرم. وفصّل آخرون كما قاله ابن عباس: إذا كان مع المحصر هدي نحوه إن كان لا يستطيع أن يبعث به، وإن استطاع أن يبعث به لم يحلّ حتى يبلغ الهدي محله. وهذا هو المعتمد. وسبب اختلافهم في ذلك، هل نحو النبيّ ﷺ الهدي بالحديبية في الحلّ، أو في الحرم. وكان عطاء يقول: لم ينحر يوم الحديبية إلا في الحرم، ووافقه ابن إسحاق. وقال غيره من أهل المغازي: إنما نحر في الحلّ. وروى يعقوب بن سفيان، من طريق مجمع بن يعقوب، عن أبيه، قال: "لما حُبس رسول اللَّه ﷺ ، وأصحابه نحروا بالحديبية، وحلقوا، وبعث اللَّه ريحًا، فحملت شعورهم، فألقتها في الحرم". قال ابن عبد البرّ في "الاستذكار": فهذا يدلّ على أنهم حلقوا في الحلّ. قال الحافظ: ولا يخفى ما فيه، فإنه لا يلزم من كونهم ما حلقوا في الحرم لمنعهم من دخوله أن لا يكونوا أرسلوا الهدي، مع من نحره في الحرم. وقد ورد ذلك في حديث ناجية بن جندب الأسلميّ: "قلت: يا رسول اللَّه أبعث معي بالهدي، حتى أنحره في الحرم، ففعل". أخرجه النسائيّ من طريق إسرائيل، عن مجزأة بن زاهر، عن ناجية. وأخرجه الطحاويّ من وجه آخر عن إسرائيل، لكن قال: "عن ناجية، عن أبيه". لكن لا يلزم من وقوع هذا وجوبه، بل ظاهر القصّة أن أكثرهم نحر في مكانه، وكانوا في الحلّ، وذلك دالّ على الجواز. واللَّه أعلم. انتهى ما في "الفتح" بتصرّف (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي الأرجح قول من قال بجواز التحلل في مكان الحصر، سواء كان في الحلّ، أم في الحرم إذا لم يستطع أن يبلغ به محله، فإن استطاع أن يبعث به حتى ينحر في الحرم وجب عليه أن يبعثه، كما سبق عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -؛ الآية: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): اختلفوا هل يجب القضاء على المحصر إذا تحلّل، أم لا؟: ذهب الحنفية إلى وجوبه، بل زادوا، فقالوا: إن على المحصر عن الحجّ حجة

стр. 12955

وعمرة، وعلى القارن حجة وعمرتان. وذهبت الشافعيّة، والمالكيّة إلى أنه لا قضاء عليه. وعن أحمد بن حنبل روايتان، قالوا: فإن كان حجّ فرض بقي وجوبه على حاله، وبالغ ابن الماجشون، وأبعد، فقال: يسقط عنه، ورأى ذلك بمنزلة إتمام النسك على وجهه (١). ونقل في "الفتح" عن الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-، أنه قال: لا قضاء عليه من قبل أن اللَّه تعالى لم يذكر قضاء، والذي أعقله في أخبار أهل المغازي شبيه بما ذكرت؛ لأنّا علمنا من متواطىء أحاديثهم أنه كان معه عام الحديبية رجال معروفون، ثم اعتمر عمرة القضيّة، فتخلف بعضهم بالمدينة من غير ضرورة في نفس، ولا مال، ولو لزمهم القضاء لأمرهم بأن لا يتخلّفوا عنه. قال: وإنما سميت عمرة القضاء، والقضيّة للمقاضاة التي وقعت بين النبيّ ﷺ ، وبين قريش، لا على أنهم وجب عليهم قضاء تلك العمرة انتهى. وقد روى الواقديّ في "المغازي" من طريق الزهريّ، ومن طريق أبي معشر، وغيرهما، قال: "أمر رسول اللَّه ﷺ أصحابه أن يعتمروا، فلم يتخلّف منهم إلا من قتل بخيبر، أو مات، وخرج معه جماعة معتمرين ممن لم يشهد الحديبية، وكانت عدتهم ألفين". قال الحافظ: ويمكن الجمع بين هذا إن صحّ، وبين الذي قبله بأن الأمر كان على طريق الاستحباب؛ لأن الشافعيّ جازم بأن جماعة تخلفوا بغير عذر. وقد روى الواقديّ أيضًا من حديث ابن عمر، قال: "لم تكن هذه العمرة قضاء، ولكن كان شرطًا على قريش أن يعتمر المسلمون من قابل في الشهر الذي صدّهم المشركون فيه". انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن مما ذُكر أن الأرجح أنه لا يجب القضاء على المحصر، لعدم دليل يدلّ على ذلك، بل الأدلة بالعكس، كما تقدّم في كلام الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨٦١ - (أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَصْرِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ -وَهُوَ ابْنُ حَبِيبٍ- عَنِ الْحَجَّاجِ الصَّوَّافِ, عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ, عَنْ عِكْرِمَةَ, عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو الأَنْصَارِيِّ, أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ عَرِجَ, أَوْ كُسِرَ, فَقَدْ حَلَّ, وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى» , فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ, وَأَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ ذَلِكَ؟ , فَقَالَا: صَدَقَ).

стр. 12956

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عقد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في "الكبرى" هنا بابًا، فقال: "فيمن أُحصر بغير عدو"، وهو الظاهر؛ لأن حديث الحجاج بن عمرو المذكور ليس مناسبًا للترجمة السابقة "فيمن أُحصر بعدو"، فكان الأولى له هنا كتابة هذه الترجمة. واللَّه تعالى أعلم. ورجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (حميد بن مسعدة) بن المبارك الساميّ البصريّ، صدوق [١٠] ٥/ ٥. ٢ - (سفيان بن حبيب) البزاز البصريّ، ثقة [٩] ٦٧/ ٨٢ من رجال الأربعة. ٣ - (حجاج الصوّاف) هو حجاج بن أبي عثمان، واسمه ميسرة، أو سالم، أبو الصَّلْت الكنديّ مولاهم البصريّ، ثقة حافظ [٦] ١٢/ ٧٩٠. ٤ - (يحيى بن أبي كثير) واسمه صالح بن المتوكّل الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقة ثبت، يدلس ويرسل [٥] ٢٣/ ٢٤. ٥ - (عكرمة) مولى ابن عباس، أبو عبد اللَّه المدنيّ، بَرْبَريّ الأصل، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢/ ٣٢٥. ٦ - (الحجاج بن عمرو) بن غَزيّة -بفتح المعجمة، وكسر الزاي، وتشديد التحتانية- الْأَنْصَارِيَّ المازنيّ المدنيّ الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنه -، روى عن النبيّ ﷺ ، وعنه ابن أخيه ضمرة بن سعيد، وعبد اللَّه بن رافع، وعكرمة، وقيل: عن عكرمة، عن عبد اللَّه بن رافع، روى له الأربعة هذا الحديث فقط، وقد صرّح فيه بسماعه من النبيّ ﷺ . وذكره بعضهم في التابعين، منهم العجليّ، وابن الْبَرْقيّ، وذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من تابعي أهل المدينة. وقال ابن المدينيّ: هو الذي روى ضمرة عنه، عن زيد بن ثابت في الْعَزْل، قال: ويقال: الحجّاج بن أبي الحجّاج، وهو الذي ضرب مروان بن الحكم يوم الدار، فأسقطه. وقال أبو نُعيم: شَهِدَ مع عليّ صِفَّين. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير الصحابيّ، فمن رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى الحجّاج. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن صحابيه من المقلّين من الرواية" فليس له إلا هذا الحديث عند الأربعة. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 12957

شرح الحديث (عَنِ الحجَّاجِ بْنِ عَمْرو الأنصاريّ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ عَرَجَ" بفتح العين المهملة، والراء، مبنيًّا للفاعل، من بابي نصر، وضرب: أي أصابه شيء في رجله، وليس بخلقة، فإذا كان خلقة قيل: عَرِج بالكسر، كفَرِح، قال في "الصحاح": عَرَجَ في الدرجة، والسلّم يَعرُج عُرُوجًا: إذا ارتقى، وعَرَجَ أيضًا: إذا أصابه شيء في رجله، فخَمَعَ (١)، ومشى مشية العرْجَان، وليس بخلقة، فإذا كان ذلك خلقة قلتَ: عَرِج بالكسر، فهو أعرج بَيّنُ العَرَج. وفي "القاموس": عَرَج عُرُوجًا، ومَعْرَجًا: ارتقى، وأصابه شيء في رجله، فخَمَعَ، وليس بخلقة، فإذا كان خلقة، فعَرِج، كفرح، أو يُثلّث في غير الخلقة انتهى (أَوْ كُسِرَ) بضم الكاف، وكسر السين على بناء المجهول. وزاد أبو داود، وابن ماجه في رواية ة "أو مرض". وقال المجد في "المنتقى" وفي رواية ذكرها أحمد في رواية المروزيّ: "من حبس بكسر، أو مرض". يعني من حدث له بعد الإحرام مانع غير إحصار العدوّ (فَقَدْ حَلَّ) أي جاز له أن يتحلّل، ويترك المضيّ على إحرامه، ويرجع إلى وطنه. قاله القاري. وقال السنديّ: قوله: "من عرج، أو كسر": أي من أحرم، ثم حدث له بعد الإحرام مانع من المضيّ على مقتضى الإحرام غيرُ إحصار العدوّ، بان كان أحد كسرَ رجلَهُ، أو صار أعرج من غير صنيع من أحد، يجوز له أن يترك الإحرام، وإن لم يشترط التحلل، وقيّده بعضهم -يعني الشافعيّة، والحنبلية- بالاشتراط، ومن يرى أنه من باب الإحصار -وهم الحنفية- لعله يقول: معنى "حلّ" كاد أن يحلّ قبل أن يصل إلى نسكه بأن يبعث الهدي مع أحد، ويواعده يومًا بعينه، يذبحها فيه في الحرم، فيتحلّل بعد الذبح انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن من قال بثبوت الإحصار بغير العدوّ، كالكسر والعرج هو الحقّ؛ لحديث الباب. [فإن قيل]: يدزم من هذا عدم فائدة الاشتراط الوارد في حديث ضباعة - رضي اللَّه تعالى عنها -، حيث أمرها النبيّ ﷺ أن تشترط في إحرامها إذا منعها مانع تتحلل عنده؛ لأنه إذا كان نفس المانع من المرض ونحوه يتحلل به المحرم لم يكن للاشتراط فائدة. [أُجيب]: بأن فائدة الاشتراط عدم وجوب دم الإحصار به، فلو حصل له الإحصار، وقد اشترط، جاز له التحلّل، ولا دم عليه، وإن لم يشترط وجب عليه الدم، وهذا وجه

стр. 12958

العمل بالحديثين، فتبصّر. والحاصل أن القول بثبوت الإحصار بغير العدوّ، كالمرض، ونحوه، كما هو مذهب الثوريّ، وأصحاب الرأي، والبخاريّ، والمصنّف، وابن حزم -رحمهم اللَّه تعالى- هو الأرجح؛ لصحّة حديث الباب. واللَّه تعالى أعلم. (وَعَلَيْهِ حَجَّةً أُخْرَى) وفي رواية أخرى: "وعليه الحجّ من قابل". وهذا محمول على من لم يحجّ حجة الإسلام، على الراجح. قال عكرمة (فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسِ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنهم - (عَنْ ذَلِكَ؟) أي صحة ما سمعه من الحجّاج بن عمرو ﵁ (فَقَالا: صَدَقَ) وفي رواية: "فذكرت ذلك لابن عباس، وأبي هريرة، فقالا: صدق". قال الخطابيّ -رحمه اللَّه تعالى-: في الحديث حجة لمن رأى الإحصار بالمرض، والعذر يعرض للمحرم من غير حبس العدوّ، وهو مذهب الثوريّ، وأصحاب الرأي. وقال مالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق: لا حصر إلا حصر العدوّ. وقد روي ذلك عن ابن عباس، وروي معناه أيضًا عن ابن عمر. وعلل بعضهم حديث الحجاج بن عمرو بأنه قد ثبت عن ابن عباس خلافه، وهو أنه قال: لا حصر إلا حصر العدوّ، فكيف يصدّق الحجاج فيما رواه من أن الكسر حصر. وتأوله بعضهم على أنه إنما يحلّ بالكسر، والعرج إذا كان قد اشترط ذلك في عقد الإحرام على معنى حديث ضُبَاعة بنت الزبير - رضي اللَّه تعالى عنها -، قالوا: ولو كان الكسر عذرًا لم يكن لاشتراطها معنى، ولا كانت بها إلى ذلك حاجة. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد عرفت الجواب عن الاستشكال فيما ذكرته قريبًا، فلا تنس. واللَّه تعالى أعلم. وأما قوله: "وعليه الحجّ من قابل"، فإنما هذا فيمن كان حجة عن فرض، فأما المتطوّع بالحجّ إذا حُصر فلا شيء عليه غير هدي الإحصار. وهذا على مذهب مالك، والشافعي. وقال أصحاب الرأي: عليه حجة، وعمرة، وهو قول النخعيّ. وعن مجاهد، والشعبيّ، وعكرمة عليه حجة من قابل انتهى قول الخطابيّ (١). وقال الإمام ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-: في "تهذيب السنن": وإن صحّ حديث الحجاج ابن عمرو، فقد حمله بعض أهل العلم أنه يحلّ بعد فواته بما يحلّ به من يفوته الحجّ بغير مرض، فقد روينا عن ابن عباس ثابتًا عنه أنه قال: "لا حصر إلا حصر عدو". قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا التأويل فيه نظر لا يخفى، والوجه ما قدّمناه. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 12959

قال: وقال غيره: معنى حديث الحجاج بن عمرو أن تحلَّله بالكسر والعرج، إذا كان قد اشترط ذلك في عقد الإحرام على معنى حديث ضباعة، قالوا: ولو كان الكسر مبيحًا للحلّ لم يكن للاشتراط معنى. قالوا: وأيضًا فلا يقول أحد بظاهر هذا الحديث، فإنه لا يحلّ بمجرد الكسر والعرج، فلا بدّ من تأويله، فنحمله على ما ذكرناه. قالوا: وأيضًا، فإنه لا يستفيد بالحلّ زوال عقده، ولا الانتقال من حاله، بخلاف المحصر بالعدوّ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: كلّ هذا التأويلات فيها نظر لا يخفى، وقد قدّمنا الجواب عنها. واللَّه تعالى أعلم. قال البيهقيّ: وحديث الحجاج بن عمرو قد اختلف في إسناده، والثابت عن ابن عباس خلافه، وأنه لا حصر إلا حصر العدوّ. انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحقّ أن حديث الحجاج بن عمرو - رضي اللَّه تعالى - عنه - صحيح، ولا تعارض بين أثر ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -: "لا حصر إلا حصر العدو"، وبين تصديقه لهذا الحديث, لأن الأثر محمول على معنى الكمال، أي لا حصر كامل إلا حصر العدوّ، كما يقال: لا همّ إلا همّ الدين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث الحجاج بن عمرو - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٠٢/ ٢٨٦١ و ٢٦٦٢ - وفي "الكبرى" ١٠٢/ ٣٨٤٣ و ٣٨٤٤. وأخرجه (د) في "المناسك" ١٨٦٢ (ت) في "الحجّ" ٩٤٠ (ق) في "المناسك" ٣٠٧٧ و ٣٠٧٨ (أحمد) في "مسند المكيين" ١٥٣٠٤ (الدارمي) في "المناسك" ١٨٩٤. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨٦٢ - (أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ يُوسُفَ, وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, عَنْ حَجَّاجِ بْنِ الصَّوَّافِ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ, عَنْ عِكْرِمَةَ, عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «مَنْ كُسِرَ, أَوْ عَرِجَ, فَقَدْ حَلَّ, وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى» , وَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ, وَأَبَا هُرَيْرَةَ, فَقَالَا: صَدَقَ. وَقَالَ شُعَيْبٌ فِي حَدِيثِهِ: "وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ").

стр. 12960

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "شعيب بن يوسف": هو أبو عمرو النسائيّ، ثقة صاحب حديث، من أفراد المصنّف. و"يحيى بن سعيد": هو القطّان. والحديث صحيح، وقد سبق تمام البحث فيه في الحديث الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٠٣ - (دُخُولُ مَكَّةَ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بيان السنة في دخول مكة -حرسها اللَّه تعالى- وذلك أن يتهيّأ لدخولها بأن يبيت بذي طوى، ويغتسل، كما ثبت في حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - عند البخاريّ، وغيره من طريق أيوب، عن نافع، قال: "كان ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - إذا دخل أدنى الحرم، أمسك عن التلبية، ثم يبيت بذي طوى، ثم يصلي الصبح، ويغتسل، ويحدث أن نبيّ اللَّه كان يفعل ذلك". واللَّه تعالى أعلمِ بالصواب. ٢٨٦٣ - (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) سُوَيْدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ, قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ, أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ, حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , كَانَ يَنْزِلُ بِذِي طُوًى, يَبِيتُ بِهِ, حَتَّى يُصَلِّىَ صَلَاةَ الصُّبْحِ, حِينَ يَقْدَمُ إِلَى مَكَّةَ, وَمُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ عَلَى أَكَمَةٍ غَلِيظَةٍ, لَيْسَ فِي الْمَسْجِدِ, الَّذِي بُنِيَ ثَمَّ, وَلَكِنْ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ, عَلَى أَكَمَةٍ خَشِنَةٍ, غَلِيظَةٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عبدة بن عبد اللَّه) الصفّار، أبو سهل الخزاعيّ البصريّ، كوفيّ الأصل، ثقة [١١] ٤٥/ ٥٩٧. ٢ - (سُويد) بن عمرو الكلبيّ، أبو الوليد الكوفيّ، ثقة عابد، من كبار [١٠] ٦٧/ ١٨٠٩. ٣ - (زُهير) بن معاوية بن حُديج الجعفيّ، أبو خيثمة الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقة ثبت [٧] ٣٨/ ٤٢.

стр. 12961

٤ - (موسى بن عُقبة) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم، ثقة فقيه، إمام في المغازي [٥] ٩٦/ ١٢٢. ٥ - (نافع) مولى ابن عمر المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ١٢/ ١٢. ٦ -) عبد اللَّه بن عمر) بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالكوفيين، والثاني بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العباددة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٥) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث عن نافع -رحمه اللَّه تعالى- (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (حَدّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، كَانَ يَنْزِلُ بذِي طُوًى) قال الفيّوميّ: هو واد بقرب مكة، على نحو فرسخ، ويعرف في وقتنا بالزَاهر، في طريق التنعيم، ويجوز صرفه، ومنعه، وضمّ الطاء أشهر من كسرها، فمن نوّن جعله اسمًا للوادي، ومن منعه جعله اسمًا للبقعة مع العلميّة، أو منعه للعلميّة مع تقدير العدل عن طاوٍ انتهى (يَبِيتُ بِهِ، حَتَّى يُصَلَّيَ صَلَاةَ الصُّبْح، حِينَ يَقْدَمُ) بفتح الدال المهملة، من باب علم، والظرف متعلّق بـ "ينزل" (إِلَى مَكَّةَ، وَمُصَلَّى رَسُولِ اللَّه ﷺ ذَلِكَ) بضم الميم، وفتح اللام المشددة: أي المحلّ الذي كان يصلي فيه حين يبيت في ذلك الموضع (عَلَى أكَّمَة) بفتحات: تلٌّ، وقيل: شُرْفَة، كالرابية، وهو ما اجتمع من الحجارة في مكان واحد، وربما غَلُظَ، وربّما لم يغلُظ، والجمع أَكَمٌ، وأكَمَاتْ، مثل قصَبَة، وقَصَب، وقَصَبَات، وجمع الأَكَم إِكَامٌ، مثل جبل وجِبَال، وجمع الإِكَام أُكُمٌ بضمتين، مثل كتاب وكُتُب، وجمع الأُكُم آكَام، مثل عُنُق وأَعْنَاق انتهى. (غَلِيظَةٍ، لَيْسَ فِي الْمَسْجدِ، الذِي بُنِيَ) بالبناء للمفعول (ثَمَّ) بفتح المثلّثة ظرف مكان للبعيد، وهو مبنيّ على الفتَح، يوقف عليه بالهاء، فيقال: ثَمَّهْ. والمراد هنا إشارة إلى موضع مخصوص معروف، أي في ذلك المكان (وَلَكِنْ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ، عَلَى أكَّمَةٍ خَشِنَةٍ) بفتح الخاء، وكسر الشين المعجمتين فقوله (غَلِيظَة) صفة كاشفة له. وفي هذا التحديد، والتحقيق الذي صدر من ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - في

стр. 12962

تعيين مواضع النبيّ ﷺ دليلٌ على شدّة عنايته، وكمال اهتمامه بآثار النبيّ ﷺ . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفق عليه، وقد تقدّم تخريجه، وبيان مسائله في -٥٠/ ٢٧٣٢ - فراجعه، تزدد علمًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٠٤ - (دُخُولُ مَكَةَ لَيْلاً) ٢٨٦٤ - (أَخْبَرَنِي عِمْرَانُ بْنُ يَزِيدَ, عَنْ شُعَيْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي مُزَاحِمُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ, عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنْ مُحَرِّشٍ الْكَعْبِيِّ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , خَرَجَ لَيْلاً مِنَ الْجِعِرَّانَةِ, حِينَ مَشَى مُعْتَمِرًا, فَأَصْبَحَ بِالْجِعِرَّانَةِ كَبَائِتٍ, حَتَّى إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ, خَرَجَ عَنِ الْجِعِرَّانَةِ, فِي بَطْنِ سَرِفَ, حَتَّى جَامَعَ الطَّرِيقَ, طَرِيقَ الْمَدِينَةِ مِنْ سَرِفَ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عمران بن يزيد) هو عمران بن خالد بن يزيد بن مسلم القرشيّ، ويقال: الطائيّ الدمشقيّ، نُسب لجدّه، صدوقٌ [١٠] ١٨/ ٤٢٢. ٢ - (شعيب) بن إسحاق بن عبد الرحمن الأمويّ مولاهم البصريّ، ثم الدمشقيّ، ثقة رُمي بالإرجاء، من كبار [٩] ٦٠/ ١٧٦٦. ٣ - (ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل، يدلس ويرسل [٦] ٢٨/ ٣٢. ٤ - (مزاحم بن أبي مزاحم) المكيّ، مولى عمر بن عبد العزيز، ويقال: مولى طلحة، مقبول [٦]. ذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له أبو داود، والترمذيّ، والمصنف حديث الباب فقط. ٥ - (عبد العزيز بن عبد اللَّه) بن خالد بن أَسِيد -بفتح الهمزة- ابن أبي العيص بن أمية

стр. 12963

ابن عبد شمس الأمويّ، ثقة [٣]. قال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وكناه أبا الحجّاج. وقال الزبير بن بكّار: استعمله عبد الملك بن مرون على مكة. وقال يحيى بن بكير: حجّ بالناس سنة (٩٨) وهو أمير مكة. وذكره ابن شاهين في الصحابة من أجل حديث أرسله. روى له أبو داود، والترمذيّ، والمصنف حديث الباب فقط. ٦ - (مُحَرِّش) -بضم أوله , وفتح المهملة، وقيل: إنها معجمة، وكسر الراء المشدّدة، بعدها معجمة- ابن عبد اللَّه، أو ابن سويد بن عبد اللَّه الخزاعيّ، صحابيّ نزيل مكة. روى عن النبيّ ﷺ . وعنه عبد العزيز بن عبد اللَّه بن خالد بن أَسِيد. قال ابن عبد البرّ: أكثر أهل العلم يقولون: مخرش، وينسبونه مخرش بن سويد بن عبد اللَّه بن مرّة، وهو معدود في أهل مكة. وقال عمرو بن عليّ الفلاّس: لقيت شيخًا بمكة، اسمه سالم، فاكتريت منه بعيرًا إلى منى، فسمعني أُحدّث بهذا الحديث، فقال: هو جدّي، وهو محرش بن عبد اللَّه الكعبيّ، ثم ذكر الحديث، وكيف مرّ بهم النبيّ ﷺ ، فقلت: ممن سمعته؟، فقال: حدثنيه أبي، وأهلنا. روى له أبو داود، والترمذيّ، والمصنّف حديث الباب فقط. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم موثّقون. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين من ابن جريج. (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية, فليس له إلا هذا الحديث عند المصنّف، وأبي داود، والترمذيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ مُحَزشِ الْكَعْبِيِّ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، خَرَجَ لَيْلاً مِنَ الْجِعِرَّانَةِ) وذلك حين قسم غنائم حنين. و"الجعرانة": موضع بين مكة والطائف، وهي على سبعة أميال من مكة، وهي بالتخفيف، واقتصر عليه في "البارع"، ونقله جماعة عن الأصمعيّ، وهو مضبوط كذلك في "المحكم"، وعن ابن المدينيّ: العراقيّون يثقّلون الجعرانة، والحديبية، والحجازيون يُخفّفونهما، فأخذ به المحدّثون على أن هذا اللفظ، ليس فيه تصريح بأن التثقيل مسموع من العرب، وليس للتثقيل ذكرٌ في الأصول المعتمدة عن أئمة اللغة، إلا ما حكاه في "المحكم" تقليدًا له في الحديبية، وفي "الْعُبَاب": والجعرانة بسكون

стр. 12964

العين. وقال الشافعيّ: المحدثون يُخطئون في تشديدها، وكذلك قال الخطابيّ. ذكره الفيّوميّ (حِينَ مَشَى مُعْتَمِرًا، فَأَصْبَحَ بِالجعِرَّانَةِ كَبَائِتٍ) يعني أنه ﷺ من أجل أنه أهلّ بالعمرة ليلاً، فأداها ليلاً، ثم انصرف إلى الجعرانة، فصار كأنه بات ليله كله بها, ولم يخرج منها, ولذا خفيت هذه العمرة على بعض الصحابة ﵃ (حَتِّى إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، خَرَجَ عَنِ الْجعِرِّانَةِ، فِي بَطْنِ سَرِفَ) بفتح السين المهملة، وكسر الراء: موضع قريب من التنعيم (حَتَّىَ جَامَعَ الطَرِيقَ، طَرِيقَ الْمَدِينَةِ) بالنصب بدل من "الطريق" (مِنْ سَرِفَ) بيان للطريق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث محرّش الكعبيّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٠٤/ ٢٨٦٤ و ٢٨٦٥ - وفي "الكبرى" ١٠٤/ ٣٨٤٦ و ٣٨٤٧. وأخرجه (د) في "المناسك" ١٩٩٦ (ت) في "الحج" ٩٣٥ (الدارميّ) في "المناسك" ١٨٦١. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو جواز دخول مكة ليلًا. وقد ترجم البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" بقوله: "باب دخول مكة نهارًا، أو ليلاً"، ثم أورد حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - المذكور في الباب الماضي من طريق عبيد اللَّه، عن نافع، عنه، قال: "بات النبيّ ﷺ بذي طوى حتى أصبح، ثم دخل مكة، وكان ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - يفعله". قال في "الفتح": وهو ظاهر في الدخول نهارًا. وقد أخرج مسلم من طريق أيوب، عن نافع، بلفظ: "كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى حتى يصبح، ويغتسل، ثم يدخل مكة نهارًا". وأما الدخول ليلاً فلم يقع منه ﷺ إلا في عمرة الجعرانة، فإنه ﷺ أحرم من الجعرانة، ودخل مكة ليلاً، فقضى أمر العمرة، ثم رجع ليلاً، فأصبح بالجعرانة، كبائت، كما رواه أصحاب السنن الثلاثة، من حديث محرّش الكعبيّ، وترجم عليه النسائيّ: "دخول مكة ليلاً". وروى سعيد بن منصور، عن إبراهيم النخعيّ، قال: كانوا يستحبّون أن يدخلوا مكة نهارًا، ويخرجوا منها نهارًا. وأخرج عن عطاء: إن شئتم فادخلوها ليلاً، إنكم لستم كرسول اللَّه ﷺ ، إنه كان إمامًا، فأحبّ أن

стр. 12965

يدخلها نهارًا ليراه الناس انتهى. وقضية هذا أن من كان إماماً يُقتدى به استُحبّ له أن يدخلها نهارًا انتهى (١). (ومنها): مشروعيّة أداء العمرة ليلاً. (ومنها): مشروعيّة العمرة من الجعرانة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨٦٥ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ, عَنْ مُزَاحِمٍ, عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ, عَنْ مُحَرِّشٍ الْكَعْبِيِّ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , خَرَجَ مِنَ الْجِعِرَّانَةِ لَيْلاً, كَأَنَّهُ سَبِيكَةُ فِضَّةٍ, فَاعْتَمَرَ, ثُمَّ أَصْبَحَ بِهَا كَبَائِتٍ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "سفيان": هو ابن عيينة. وقوله: "كأنه سَبيكة فضّة" بالإضافة، في "القاموس": سَبيكة، كسفينة: القطعة المذابة، والمراد تشبيه النبيّ ﷺ بالقطعة من الفضّة في البياض، والصفاء. والحديث صحيح، وقد سبق تمام البحث فيه في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٠٥ - (مِنْ أَيْنَ يَدْخُلُ مَكَّةَ) ٢٨٦٦ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , دَخَلَ مَكَّةَ مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا, الَّتِي بِالْبَطْحَاءِ, وَخَرَجَ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عمرو بن عليّ) الفلّاس الصيرفيّ البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/ ٤. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطّان، أبو سعيد البصريّ، ثقة ثبت حجة [٩] ٤/ ٤. ٣ - (عُبيد اللَّه) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٥] ١٥/ ١٥. ٤ - (نافع) مولى ابن عمر المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ١٢/ ١٢.

стр. 12966

٥ - (ابن عمر) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، ويحيى، فبصريّان. (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين يروي عنهم الجماعة بلا واسطة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضحي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، دَخَلَ مَكَّةَ مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا) الثنية: هي الهضبة. وقيل: هي الكوم الصغير. وفي رواية للبخاريّ، من رواية مسدد، عن يحيى القطّان: "أن رسول اللَّه ﷺ دخل مكة من كداء، من الثنيّة العليا … وفي حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "أن النبيّ ﷺ دخل عام الفتح من كَدَاء، من أعلى مكة، وخرج من كُدًى". قال في "الفتح": "كَداء" بفتح الكاف، والمدّ، قال أبو عبيد: لا يصرف. وهذه الثنية هي التي يُنزل منها إلى المعلى مقبرة أهل مكة، وهي التي يقال لها الْحَجُون -بفتح المهملة، وضمّ الجيم- وكانت صعبة المرتقى، فسهلها معاوية، ثم عبد الملك، ثم المهديّ، على ما ذكره الأزرقيّ، ثم سهل في عصرنا هذا منها سنة (٨١١ هـ) موضع، ثم سهّلت كلها في زمن سلطان مصر الملك المؤيّد في حدود (٨٢٠هـ). وكلّ عقبة في جبل، أو طريق عال فيه تسمّى ثنيّة. قال: "وكدى" بضم الكاف، مقصور، وهو عند باب الشبيكة بقرب شِعب الشاميين من ناحية قُعيقعان، وكان بناء هذا الباب عليها في القرن السابع. انتهى (١). وقال أيضًا: قال عياض، والقرطبيّ، وغيرهما: اختلف في ضبط كداء، وكُدًى، فالأكثر على أن العليا بالفتح والمدّ، والسفلى بالضمّ والقصر، وقيل: بالعكس. قالنوويّ: وهو غلط. (الَّتِي بِالْبَطْحَاءِ) أي مما يلي المقابر. و"البطحاء" تأنيث الأبطح، وهو في الأصل اسم لكلّ مكان متّسع. وهي المكان الذي بين مكة ومنى، وهي ما انبطح من الوادي،

стр. 12967

واتسع، وهي التي يقاله لها: المحصّب، والمعرَّس، وحَدُّها ما بين الجبلين إلى المقبرة انتهى (١). وقال الجوهريّ: الأبطح مسيل واسع، فيه دُقَاق الحصى. وقال ابن سيده: وقيل: بطحاء الوادفا تراب ليّنٌ مما جرّته السيول، وجمعه بَطْحاوات، وبِطَاح. قاله في "اللسان". (وَخَرَجَ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى") أي التي تلي باب العمرة. واختلُف في المعنى الذي لأجله خالف النبيّ ﷺ بين طريقيه، فقيل: ليتبرّك به كلّ من في طريقيه، ويدعو لأهل تينك الطريقين. وقيل: ليُغيظ المنافقين ممن في ذينك الطريقين منهم بإظهار الدين، وإعزاز الإسلام. وقيل: ليرى السعة في ذلك (٢). وقيل: الحكمة في ذلك المناسبة بجهة العلوّ عند الدخول؛ لما فيه من تعظيم المكان، وعكسه الإشارة إلى فراقه. وقيل: لأن إبراهيم ﵇ لما دخل مكة دخل منها. وقيل: لأنه ﷺ خرج منها متخفّيًا في الهجرة، فأراد أن يدخلها ظاهرًا عاليًا. وقيل: لأن من جاء من تلك الجهة كان مستقبلاً للبيت. ويحتمل أن يكون ذلك لكونه دخل منها يوم الفتح، فاستمرّ على ذلك، والسبب في ذلك قول أبي سفيان بن حرب للعبّاس: لا أسلم حتى أرى الخيل تطلع من كداء، فقلت ما هذا؟ قال: هذا شيء طلع بقلبي، وإن اللَّه لا يُطلع الخيل هناك أبدًا، قال العبّاس: فذكّرتُ أبا سفيان بذلك لما دخل. وللبيهقيّ من حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى - عنهما، قال: قال النبيّ ﷺ لأبي بكر: كيف قال حسّان؟، فأنشده: عَدِمْتُ بَنيَّتِي إِنْ لَمْ تَرَوْهَا … تُثِيرُ النَّقْعَ مَطْلَعُهَا كَدَاءُ فتبسّم، وقال: ادخلوها من حيث قال حسّان. [تنبيه]: حكى الحميديّ عن أبي العبّاس العذريّ أن بمكة موضعًا ثالثًا، يقال لها: كُدَيّ، وهو بالضمّ، والتصغير، يُخرج منه إلى جهة اليمن. قال المحبّ الطبريّ: حققه العذريّ عن أهل المعرفة بمكة. قال: وقد بُني عليها باب مكة الذي يدخل منه أهل اليمن انتهى (٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 12968

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٠٥/ ٢٨٦٦ - وفي "الكبرى" ١٠٥/ ٣٨٤٨. وأخرجه (خ) في "الحجّ" ١٥٣٣ و ١٥٣٦ و ١٥٥٤ و ١٥٧٥ و ١٥٧٦ (م) في "الحجّ" ١٢٥٧ (د) في "المناسك" ١٨٦٦ و ١٨٦٧ (ق) في "المناسك" ٢٩٤٠ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٤٦١١ و ٤٧١١ و ٤٨٢٨ و ٥٢٠٨ و ٦٢٤٨ (الدارمي) في "المناسك" ١٩٢٨. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان محلّ استحباب دخول مكة، وهو أن يدخل من الثنية العليا التي تُسَمَّى الكّداء بالفتح والمدّ (ومنها): استحباب الخروج من الثنيّة السفلى الذي يُسَمَّى الكُدى بالضمّ والقصر. (ومنها): أن هذا الفعل للاستحباب، وليس من النسك، فلا يترتب على تركه شيء، بل من فعل ذلك اقتداء بالنبيّ ﷺ كان له فيه ثواب عظيم، وخير كثير، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] ومن تركه فلا شيء عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٠٦ - (دُخُولُ مَكَّةَ بِاللَّوَاءِ) ٢٨٦٧ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) يَحْيَى بْنُ آدَمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ, عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ, عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ, عَنْ جَابِرٍ, ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , دَخَلَ مَكَّةَ, وَلِوَاؤُهُ أَبْيَضُ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، نزيل نيسابور، ثقة ثبت

стр. 12969

إمام [١٠] ٢/ ٢. ٢ - (يحيى بن آدم) بن سليمان الأمويّ، أبو زكريا الكوفيّ، ثقة حافظ فاضلٌ، من كبار [٩] ٩٢/ ١١٤. ٣ - (شريك) بن عبد اللَّه النخعيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ القاضي بواسط، ثم الكوفة، صدوق يخطئ كثيرًا، تغيّر حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلاً عابدًا شديدًا على أهل البدع [٨] ٢٥/ ٢٩. ٤ - (عمّار) بن معاوية الدُّهْنيّ، أبو معاوية البجليّ الكوفيّ، صدوق يتشيّع [٥] ٧/ ٦٩٧. [تنبيه]: قوله: "الدُّهْنيّ" -بضم الدال المهملة، وسكون الهاء، آخره نون-: نسبة إلى دُهْن بن معاوية بن أسلم بن أحمس بن الغوث بن أنمار، بطن من بَجِيلة. قاله في "اللباب" ١/ ٥٢٠. وقال النوويّ بعد ما ذكر نحو ما تقدّم-: ما نصّه: وهذا الذي ذكرناه من كونه بإسكان الهاء هو المشهور. ويقال: بفتحها، وممن حكي الفتح أبو سعيد السمعاني في الأنساب، والحافظ عبد الغنيّ المقدسيّ. انتهى "شرح مسلم" ٨/ ١٣٦ - ١٣٧. واللَّه تعالى أعلم. ٥ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] ٣١/ ٣٥. ٦ - (جابر) بن عبد اللَّه بن عمرو بن حَرَام السَلَميّ الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٣١/ ٣٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، وشريك أخرج له البخاريّ تعليقًا، ومسلم متابعة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه جابرًا - رضي اللَّه تعالى عنه - من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ جَابِرِ، ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، دَخَلَ مَكَّةَ) أي في عام الفتح، كما ذكره في رواية ابن ماجه، ولفظه: "أن النبيّ ﷺ دخل مكة يوم الفتح لوؤه أبيض" (وَلِوَاؤُهُ أَبْيَضُ) لواء الجيش: عَلَمُهُ، وهو دون الرواية, والجمع ألوية. قاله الفيّوميّ. وفي "اللسان": واللواء: لواء الأمير ممدود، واللواء: العَلَم، والجمع ألوية، وألويات جمع

стр. 12970

جمعه. وقال أيضًا: اللواء الراية، ولا يُمسكها إلا صاحب الجيش؛ قال الشاعر [من الوافر]، غدَاةَ تَسَايَلَتْ من كُلِّ أَوبٍ … كَتَائِبُ عَاقِدِينَ لَهُمْ لِوَايَا قال: وهي لغة لبعض العرب، تقول: احتميتُ احتمايًا. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - ضعيف (١)؛ لأن المحفوظ من حديث جابر ﵁ أنه ﷺ دخل مكة وعليه عمامة سوداء، قال الإمام الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى- بعد أن أخرجه-: ما نصّه: غريب، لا نعرفه إلا من حديث يحيى، وسألت محمدًا عن هذا، فلم يعرفه، إلا من حديث يحيى، وقال: حدثنا غير واحد، قالوا: حدثنا شريك، عن عمار، عن أبي الزبير، عن جابر: "أن النبيّ ﷺ دخل مكة، وعليه عمامة سوداء". قال محمد: والحديث هو هذا. انتهى. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٠٦/ ٢٨٦٧ - وفي "الكبرى" ١٠٦/ ٣٨٤٩. وأخرجه (د) في "الجهاد" ٢٥٩٢ (ت) في "الجهاد" ١٦٧٩ (ق) في "الجهاد" ٢٨١٧. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٠٧ - (دُخُولُ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ) ٢٨٦٨ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ, وَعَلَيْهِ الْمِغْفَرُ, فَقِيلَ: ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ, فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.

стр. 12971

٢ - (مالك) بن أنس الإمام الأصبحيّ المدنيّ الثبت الحجة [٧] ٧/ ٧. ٣ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام الحافظ الحجة [٤] ١/ ١. ٤ - (أنس) بن مالك الصحابيّ الخادم الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من رباعيّات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٤٧) من رباعيّات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، وشيخه، وإن كان بَغلانيًا، إلا أن الظاهر أنه دخل المدينة للأخذ عن مالك وغيره. (ومنها): أن فيه أنسًا - رضي اللَّه تعالى عنه -، أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة ﵃، مات سنة (٩٢) أو (٩٣) وقد جاوز عمره مائة سنة، - رضي اللَّه تعالى عنه -. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَنَسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه -. وفي رواية أبي أويس عند ابن سعد: "أنّ أنس بن مالك حدّثه" (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ) وفي الرواية التالية: "دخل مكة عام الفتح" (وَعَلَيْهِ الْمِغْفَرُ) جملة حالية من الفاعل. وفي الرواية التالية: "وعلى رأسه المغفر". و"المغفر" بكسر الميم، وسكون المعجمة، وفتح الفاء: زرد يُنسج من الدروع على قدر الرأس، يبلس تحت القلنسوة. وقيل: هو رفرف البيضة. قاله في "المحكم". وقيل: هو حلق يتقنّع به المتسلّح. وفي "المشارق": هو ما يُجعل من فضل دروع الحديد على الرأس، مثل القلنسوة، والخمار. وفي رواية زيد بن الحباب، عن مالك: "يوم الفتح، وعليه مغفر من حديد". أخرجه الدارقطنيّ في "الغرائب"، والحاكم في "الإكليل"، وكذا هو في رواية أبي أويس. قاله في "الفتح"، و"طرح التثريب" (١). (فَقِيلَ) أي قيل للنبيّ ﷺ . وفي رواية البخاريّ: "فلما نزعه جاءه رجل، فقال: إن ابن خطل متعلّق بأستار الكعبة". قال الحافظ: لم أقف على اسمه، إلا أنه يحتمل أن يكون هو الذي باشر قتله. وقد جزم الفاكهيّ في "شرح العمدة"، بأن الذي جاء بذلك هو أبو برزة الأسلميّ، وكأنه لما رجح عنده أنه هو الذي قتله رأى أنه هو الذي جاء مخبرًا بقصّته، ويرجحه قوله في رواية يحيى بن قَزَعَة في "المغازي": "فقال: اقتله" بصيغة

стр. 12972

الإفراد (ابْنُ خَطَلٍ) بفتح الخاء المعجمة، والطاء المهملة، آخره لام. وسيأتي بيان الاختلاف في اسمه قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى (مُتَعَلِّقٌ بأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ) بفتح الهمزة، جمع سِتْر بكسر، فسكون. وكان تعلقه بها استجارة بها. وذلكَ كما ذكر الواقديّ أنه خرج إلى الخندمة ليقاتل على فرس، وبيده قناة، فلما رأى خيل اللَّه، والقتل دخله رعب، حتى ما يستمسك من الرعدة، فرجع حتى انتهى إلى الكعبة، فنزل عن فرسه، وطرح سلاحه، ودخل تحت أستارها، فأخذ رجل من الركب سلاحه، وفرسه، فاستوى عليه، وأخبر النبيّ ﷺ بذلك (فَقَالَ) ﷺ "اقْتُلُوهُ" زاد الوليد بن مسلم عن مالك: فقُتل. أخرجه ابن عائذ، وصححه ابن حبان. وأخرج عمر بن شبّة في "كتاب مكة" عن السائب بن يزيد، قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ استخرج من تحت أستار الكعبة ابن خطل، فضربت عنقه صبرًا بين زمزم ومقام إبراهيم، وقال: "لا يقتل قرشيّ بعد هذا صبرًا". قال الحافظ: رجاله ثقات، إلا أن في أبي معشر مقالاً. واختُلف في اسم قاتله، ففي حديث سعيد بن يربوع عند الدارقطنيّ، والحاكم أنه ﷺ قال: "أربعة لا أؤمّنهم لا في حلّ، ولاحرم: الحويرث بن نُقيد -بالنون، والقاف، مصغّرًا- وهلال بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد اللَّه بن أبي سرح"، قال: فأما هلال بن خطل، فقتله الزبير … الحديث. وفي حديث سعد بن أبي وقّاصّ عند البزّار، والحاكم، والبيهقيّ في "الدلائل" نحوه، لكن قال: "أربعة نفر، وامرأتين، فقال: اقتلوهم، وإن وجدتموهم متعلّقين بأستار الكعبة"، فذكرهم، لكن قال: عبد اللَّه ابن خطل بدل هلال. وقال عكرمة بدل الحويرث، ولم يسمّ المرأتين، وقال: "فأما عبد اللَّه بن خطل، فأُدرك، وهو متعلّق بأستار الكعبة، فاستبق إليه سعيد بن حريث، وعمار بن ياسر، فسبق سعيد عمّارًا، وكان أشب الرجلين، فقتله … " الحديث. وفي زيادات يونس بن بُكير في "المغازي" من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه نحوه. وروى ابن أبي شيبة، والبيهقيّ في "الدلائل" من طريق الحكم بن عبد الملك، عن قتادة، عن أنس: "أمن رسول اللَّه ﷺ الناس يوم فتح مكة، إلا أربعة من الناس: عبد العزّى بن خطل، ومقيس بن صبابة الكنانيّ، وعبد اللَّه بن أبي سرح، وأم سارة، فأما عبد العزى بن خطل، فقُتل، وهو متعلّق بأستار الكعبة". وروى ابن أبي شيبة من طريق أبي عثمان النهديّ: "أن أبا برزة الأسلميّ قتل ابن خطل، وهو متعلّق بأستارة الكعبة"، وإسناده صحيح مع إرساله، وله شاهد عند ابن المبارك في "البرّ والصّلة" من حديث أبي برزة نفسه. ورواه أحمد من وجه آخر، وهو أصحّ ما ورد في تعيين قاتله، وبه جزم البلاذريّ، وغير من أهل العلم بالأخبار، وتُحمل بقية الروايات

стр. 12973

على أنهم ابتدروا قتله، فكان المباشر له منهم أبو برزة. ويحتمل أن يكون غيره شاركه فيه، فقد جزم ابن هشام في "السيرة" بأن سعيد بن حريث، وأبا برزة الأسلميّ اشتركا في قتله. ومنهم من سمّى قاتله سعيد بن ذؤيب. وحكى المحبّ الطبريّ أن الزبير بن العوّام هو الذي قتل ابن خطل. وروى الحاكم من طريق أبي معشر، عن يوسف بن يعقوب، عن السائب بن يزيد، قال: "فأُخذ عبد اللَّه ابن خطل من تحت أستار الكعبة، فقتل بين المقام وزمزم". وقد جمع الواقديّ عن شيوخه أسماء من لم يؤمن يوم الفتح، وأمر بقتله عشرة أنفس: ستة رجال، وأربع نسوة. والسبب في قتل ابن خطل، وعدم دخوله في قوله: "من دخل المسجد، فهو آمن" ما روى ابن إسحاق في "المغازي": حدثني عبد اللَّه بن أبي بكر، وغيره أن رسول اللَّه ﷺ حين دخل مكة، قال: "لا يقتل أحدٌ، إلا من قاتل، إلا نفرًا سماهم، فقال: اقتلوهم، وإن وجدتموهم تحت أستار الكعبة، منهم عبد اللَّه بن خطل، وعبد اللَّه بن سعد". وإنما أمر بقتل ابن خطل؛ لأنه كان مسلمًا، فبعثه رسول اللَّه ﷺ ، مصدّقًا، وبعث معه رجلاً من الأنصار، وكان معه مولى يخدمه، وكان مسلمًا، فنزل منزلاً، فأمر المولى أن يذبح تيسًا، ويصنع له طعامًا، فنام، واستيقظ، ولم يصنع له شيئًا، فعدا عليه فقتله، ثم ارتدّ مشركًا، وكانت له قينتان، تغنّيان بهجاء رسول اللَّه ﷺ . وروى الفاكهيّ من طريق ابن جريج، قال: قال مولى ابن عباس: بعث رسول اللَّه ﷺ رجلاً من الأنصار، ورجلاً من مزينة، وابن خطل، وقال: أطيعا الأنصاريّ حتى ترجعا، فقتل ابن خطل الأنصاريّ، وهرب المزنيّ، وكان ممن أهدر النبيّ ﷺ دمه يوم الفتح. ومن النفر الذين كان أهدر دمهم النبيّ ﷺ قبل الفتح غير من تقدّم ذكره هبار بن الأسود، وعكرمة بن أبي جهل، وكعب بن زُهير، ووحشيّ بن حرب، وأسيد بن إياس ابن أبي زنيم، وقينتا ابن خطل، وهند بنت عتبة. والجمع بين ما اختُلِفَ فيه من اسمه أنه كان يسمى عبد العزّى، فلما أسلم سمي عبد اللَّه، وأما من قال: هلال، فالتبس عليه بأخ له اسمه هلال، بيّن ذلك الكلبيّ في النسب. وقيل: هو عبد اللَّه بن هلال بن خطل. وقيل: غالب بن عبد اللَّه بن خطل، واسم خطل عبد مناف، من بني تميم بن فهو ابن غالب. قاله في "الفتح" (١). وستأتي

стр. 12974

قصّة ابن خَطَل، وبقية الأربعة مع المرأتين عند المصنّف في "كتاب المحاربين مطوّلةً برقم ١٤/ ٤٠٦٩ - إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٠٧/ ٢٨٦٨ و ٢٨٦٩ - و"الكبرى" ١٠٧/ ٣٨٥٠ و ٣٨٥١. (وأخرجه) في "الحجّ" ١٨٤٦ و"الجهاد والسير" ٣٠٤٤ و"المغازي" ٤٢٨٦ و"اللباس" ٥٨٠٨ (م) في "الحج" ١٣٥٧ (د) في "الجهاد" ٢٦٨٥ (ت) في "الجهاد" ١٦٩٣ (ق) في "الجهاد" ٢٨٠٥ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١١٦٥٧ و١٢٢٧٠ و ١٣٤٤١ و ١٢٩٣٢ و ١٣٠٠٠ و ١٣٠٢٤ و ١٣١٠٦ (الموطأ) في "الحجّ" ٩٦٤ (الدارميّ) في "المناسك" ١٩٣٨. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): أنه قد اشتهر أن هذا الحديث تفرّد به الزهريّ، عن أنس ﵁. لكن قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وقد وقع لي من رواية يزيد الرقاشي، عن أنس، في "فوائد أبي الحسن الفرّاء الموصليّ" وفي الإسناد إلى يزيد مع ضعفه ضعف. انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لكن مثل هذه المتابعة لا تخرجه عن الغرابة؛ إذ يزيد الرقاشيّ لا يعتبر به؛ لشدة ضعفه، ولا سيّما مع ضعف الإسناد إليه. واللَّه تعالى أعلم. ثم قيل: إن مالكًا تفرّد به عن الزهريّ، وممن جزم بذلك ابن الصلاح في "علوم الحديث" له في الكلام على الشاذّ. وتعقّبه الحافظ العراقيّ بأنه ورد من طريق ابن أخي الزهريّ، وأبي أويس، ومعمر، والأوزاعيّ، وقال: إن رواية ابن أخي الزهريّ عند أبي بكر البزّار في "مسنده"، ورواية أبي أُويس عند ابن سعد في "الطبقات"، وابن عديّ في "الكامل"، وإن رواية معمر ذكرها ابن عديّ في "الكامل"، وإن رواية الأوزاعيّ ذكرها المزيّ في "الأطراف". ولم يذكر العراقيّ من أخرج روايتهما. قال الحافظ: وقد وجدت رواية معمر في "فوائد ابن المقري"، ورواية الأوزاعيّ في "فوائد تمّام". ثم نقل الحافظ العراقيّ عن ابن مسدي في "معجم شيوخه" أن أبا بكر ابن العربيّ قال لأبي جعفر ابن المرخي -حين ذكر له أنه لا يُعرف إلا من حديث مالك، عن الزهريّ- قال: قد رويته من ثلاثة عشر طريقًا، غير طريق مالك، فقالوا له: أفدنا هذه الفوائد، فوعدهم، ولم يُخرج لهم شيئًا. ثم تعقّب ابن مسدي هذه الحكاية بأن شيخه فيها، وهو

стр. 12975

أبو العباس العشاب كان متعصبًا على ابن العربيّ؛ لكونه كان متعصّبًا على ابن حزم، فاللَّه أعلم. كذا قال وليّ الدين (١). وعبارة الحافظ في "الفتح": وأطال ابن مسدي في هذه القصّة، وأنشد فيها شعرًا، وحاصلها أنهم اتهموا ابن العربيّ في ذلك، ونسبوه إلى المجازفة. ثم شرع ابن مسدي يقدح في أصل القصّة، ولم يصب في ذلك، فراوي القصّة عدل متقن، والذين اتهموا ابن العربيّ في ذلك هم الذين أخطئوا؛ لقلّة اطلاعهم، وكأنه بخل عليهم بإخراج ذلك؛ لما ظهر له من إنكارهم، وتعنّتهم. وقد تتبّعت طرقه حتى وقفت على أكثر من العدد الذي ذكره ابن العربيّ -وللَّه الحمد- فوجدته من رواية اثني عشر نفسًا، غير الأربعة التي ذكرها الحافظ العراقيّ، وهم: عُقيل في "معجم ابن جميع"، ويونس بن يزيد في "الإرشاد" للخليليّ، وابن أبي حفص في "الرواة عن مالك" للخطيب، وابن عيينة في "مسند أبي يعلى"، وأسامة بن زيد في "تاريخ نيسابور"، وابن أبي ذئب في "الحلية"، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي الموالي في "أفراد الدارقطنيّ"، وعبد الرحمن، ومحمد ابنا عبد العزيز الأنصاريان في "فوائدعبد اللَّه بن إسحاق الخراسانيّ"، وابن إسحاق في "مسند مالك" لابن عديّ، وبحر السقاء، ذكره جعفر الأندلسيّ في تخريجه للجيزيّ -بالجيم، والزاي-، وصالح ابن أبي الأخضر، ذكره أبو ذرّ الهرويّ عقب حديث يحيى بن قَزَعَة، عن مالك، المخرّج عند البخاريّ في "المغازي". فتبيّن بذلك أن إطلاق ابن الصلاح متعقّبٌ، وأن قول ابن العربيّ صحيح، وأن كلام من اتهمه مردود، ولكن ليس في طرقه شيء على شرط الصحيح إلا طريق مالك، وأقربها رواية ابن أخي الزهريّ، فقد أخرجها النسائيّ في "مسند مالك"، وأبو عوانة في- "صحيحه"، وتليها رواية أبي أويس، أخرجها أبو عوانة أيضًا، وقالوا: إنه كان رفيق مالك في السماع عن الزهريّ، فيحمل قول من قال: انفرد به مالك، أي بشرط الصحّة، وقول من قال: توبع -أي في الجملة. وعبارة الترمذيّ سالمة من الاعتراض، فإنه قال -بعد تخريجه-: حسن صحيح غريب، لا يُعرف كثير أحد رواه غير مالك، عن الزهريّ. فقوله: "كثير" يشير إلى أنه توبع في الجملة انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 12976

(المسألة الرابعة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان جواز دخول مكة بغير إحرام، وذلك لمن لم يرد الحجّ، أو العمرة، وفي ذلك خلاف، سيأتي تحقيقه في المسألة السادسة، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): أنه استُدلّ به على أنه ﷺ فتح مكة عَنْوة. وأجاب النوويّ بأنه ﷺ كان صالحهم، لكن لما لم يأمن غدرهم دخل متأهبًا. قال الحافظ: وهذا جواب قويّ، إلا أن الشأن في ثبوت كونه صالحهم، فإنه لا يعرف في شيء من الأخبار صريحًا. (ومنها): أنه استُدِلّ بقصّة ابن خطل على جواز إقامة الحدود والقصاص في حرم مكة. قال ابن عبد البرّ: كان قتل ابن خطل قَوَدًا من قتله المسلم. وقال السهيليّ: فيه أن الكعبة لا تعيذ عاصيًا, ولا تمنع من إقامة حدّ واجب. وقال النوويّ: تأول من قال: لا يُقتل فيها على أنه ﷺ قتله في الساعة التي أبيحت له، وأجاب عنه الشافعيّة بأنها إنما أُبيحت له ساعة الدخول حتى استولى عليها، وأذعن أهلها، وإنما قتل ابن خطل بعد ذلك انتهى. وتُعُقّب بأن المراد بالساعة التي أحلّت له ما بين أول النهار، ودخول وقت العصر، وقتل ابن خطل كان قبل ذلك قطعًا؛ لأنه قيّد في الحديث بأنه كان عند نزعه ﷺ المغفر، وذلك عند استقراره بمكة. وقد قال ابن خزيمة: المراد بقوله في حديث ابن عباس: "ما أحلّ اللَّه لأحد فيه القتل غيري" أي قتل النفر الذين قُتلوا يومئذ: ابن خطل، ومن ذكر معه، قال: وكان اللَّه قد أباح له القتال، والقتل معًا في تلك السنة، وقتل ابن خطل وغيره بعد تقضي القتال. (ومنها): أنه استُدلّ به أيضًا على جواز قتل الذميّ إذا سبّ رسول اللَّه ﷺ . وفيه نظر، كما قال ابن عبد البرّ؛ لأن ابن خطل كان حربيًّا, ولم يُدخله رسول اللَّه ﷺ في أمانه لأهل مكة، بل استثناه مع من استثنى، وخرج أمره بقتله مع أمانه لغيره مخرجًا واحدًا، فلا دلالة فيه لما ذكر انتهى. ويمكن أن يتمسّك به في جواز قتل من فعل ذلك بغير استتابة من غير تقييد بكونه ذميًّا، لكن ابن خطل علم بموجبات القتل، فلم يتحتّم أن سبب قتله السبّ. ذكره في "الفتح". (ومنها): أنه استَدلّ به البخاريّ وغيره على جواز قتل الأسير صبرًا، وهو استدلال واضح؛ لأن القدرة على ابن خطل صيّرته كالأسير في يد الإمام، وهو مخيّرٌ فيه بين القتل وغيره. لكن قال الخطابيّ: إنه ﷺ قتله بما جناه في الإسلام. وقال ابن عبد البرّ:

стр. 12977

قتله قوَدًا من دم المسلم الذي غدر به، وقتله، ثم ارتدّ، كما تقدّم. (ومنها): أنه استدلّ به على جواز قتل الأسير من غير أن يعرض عليه الإسلام، ترجم بذلك أبو داود. (ومنها): مشروعية لبس المغفر، وغيره من آلات الحرب حال الخوف من العدوّ، وأنه لا ينافي التوكّل. وقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" من حديث عبد اللَّه بن أبي أوفى - رضي اللَّه تعالى عنه -: "اعتمر رسول اللَّه ﷺ فلما دخل مكة طاف، وطفنا معه، ومعه من يستره من أهل مكة أن يرميه أحد … " الحديث. وإنما احتاج إلى ذلك لأنه كان حينئذ محرمًا، فخشي الصحابة أن يرميه بعض سفهاء المشركين بشيء يؤذيه، فكانوا حوله، يسترون رأسه، ويحفظونه من ذلك. (ومنها): جواز رفع أخبار أهل الفساد إلى ولاة الأمور، ولا يكون ذلك من الغيبة المحرّمة، ولا النميمة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): ظاهر حديث الباب أنه ﷺ لما دخل مكة يوم الفتح لم يكن محرمًا، وقد صرّح بذلك مالك راوي الحديث، كما ذكره البخاريّ في "كتاب المغازي" عن يحيى ابن قَزَعَة، عن مالك عقب هذا الحديث: "قال مالك: ولم يكن النبيّ ﷺ فيما نرى-واللَّه أعلم- يومئذ محرمًا" انتهى. وقول مالك هذا رواه عبد الرحمن بن مهديّ، عن مالك، جازمًا به، أخرجه الدارقطنيّ في "الغرائب". ووقع في "الموطإ" من رواية أبي مصعب وغيره، قال مالك: "قال ابن شهاب: ولم يكن رسول اللَّه ﷺ يومئذ محرمًا". وهذا مرسل، ويشهد له ما رواه مسلم من حديث جابر بلفظ: "دخل يوم فتح مكة، وعليه عمامة سوداء، بغير إحرام". وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، عن طاوس، قال: "لم يدخل النبيّ ﷺ مكة إلا محرما، إلا يوم فتح مكة". قاله في "الفتح" (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحقّ أنه ﷺ ، وأصحابه - رضي اللَّه تعالى عنهم - دخلوا مكة يوم الفتح غير محرمين، فهو دليل واضح للمذهب الصحيح أن دخولها بغير إحرام لمن لم يرد الحج، أو العمرة جائز، كما سيأتي تحقيقه في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في دخول مكة بغير إحرام: ذهب أصحاب الشافعيّ: إلى أن الأصحّ إن لم يتكرّر دخوله عدم وجوب الإحرام عليه، وهذا قول أكثرهم، فإن تكرركالحطابين، ونحوهم، فهو أولى بعدم الوجوب، وهو المذهب.

стр. 12978

وذهب الحنابلة إلى وجوب الإحرام إلا على الخائف، وأصحاب الحاجات المتكرّرة، هذا هو المشهور عندهم، ولم يوجبه بعضهم. وعن أحمد ما يدلّ عليه. وذهب المالكية في المشهور عنهم إلى وجوبه على غير ذوي الحاجات المتكررة. قال وليّ الدين: ولم أرهم استثنوا الخائف، والظاهر أنهم لا ينازعون في استثنائه، فهو أولى بعدم الوجوب من ذوي الحاجات المتكررة. وذهب أبو مصعب إلى عدم وجوبه، وهو رواية ابن وهب عن مالك. وَرُوِيَ عنه أيضًا مثل رواية غيره من أصحابه. حكاه ابن عبد البرّ. وذهب الحنفية إلى وجوبه مطلقًا. قال وليّ الدين: ولم أرهم استثنوا من ذلك إلا من كان داخل الميقات، فلم يوجبوا عليه الإحرام، والظاهر أنهم أيضًا لا ينازعون في الخائف، بل ولا في ذوي الحاجات المتكرّرة، وإن لم يصزحوا باستثنائهم، فإنهم علّلوا منع الوجوب فيمن هو داخل الميقات بأنه يكثر دخولهم مكة، وفي إيجاب الإحرام عليهم كلّ مرّة حرج بيّنٌ، فصاروا كأهل مكة، حيث يباح لهم الخروج منها، ثم دخولها بغير إحرام، لكن مقتضى كلام ابن قدامة في "المغني" منازعتهم في هاتين الصورتين أيضًا. وقد تحرّر من ذلك أن المشهور من مذهب الشافعيّ عدم الوجوب مطلقًا. ومن مذاهب الأئمة الثلاثة الوجوب، إلا فيما يستثنى، وحكاه ابن عبد البرّ، والقاضي عياض عن أكثر العدماء. وعدمُ الوجوب محكى عن عبد اللَّه بن عمر، وبه قال الزهريّ، والحسن البصريّ، وزعم ابن عبد البرّ انفرادهما بذلك من بين السلف، وأن المشهور عن الشافعيّ الوجوب، وليس كما قال، وذهب إلى عدم الوجوب أيضًا داود، وابن حزم، فقد نصره في كتابه "المحلّى"، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيميّة، وأبو البقاء ابن عقيل، قال ابن مفلح في "الفروع": وهي ظاهرة (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحقّ أنّ دخول الحرم بغير إحرام لمن لم يرد الحج، أو العمرة جائزٌ؛ لحديث الباب، فقد دخل ﷺ ، وأصحابه ﵃ غير محرمين، ولصريح قوله ﷺ عند تحديده المواقيت: "هن لهنّ، ولمن أتى عليهنّ، من غير أهلهنّ، ممن كان يريد الحجّ، والعمرة". متّفق عليه، فقد صرّح بأن وجوب الإحرام من المواقيت المحدّدة لمن أراد الحجّ، أو العمرة، فدلّ على أن من لم يردهما، أو أحدهما لا يجب عليه الإحرام منها. وأيضًا فقد كان المسلمون في عهده ﷺ يترددون إلى مكة في حوائجهم، فلم ينقل عنه أنه أمر أحدًا بأن يدخل محرمًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،

стр. 12979

وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨٦٩ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ فَضَالَةَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ أَنَسٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ, عَامَ الْفَتْحِ, وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، "عبيد اللَّه بن فَضَالة بن إبراهيم"، أبو قُديد النسائيّ، فإنه من أفراده، وهو ثقة ثبت. و"عبد اللَّه بن الزبير" بن عيسى بن عبيد اللَّه بن أسامة بن عبد اللَّه بن حُميد بن نصر بن الحارث بن أسد بن عبد العزى. وقيل: في نسبه غير ذلك. أبو بكر القرشيّ الأسديّ الحميديّ المكيّ، ثقة حافظ فقيه، أجلّ أصحاب ابن عيينة [١٠]. قال أحمد: الحميديّ عندنا إمام. وقال أبو حاتم: هو أثبت في ابن عيينة، وهو رئيس أصحابه، وهو ثقة إمام. وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا الحميديّ، وما لقيت أنصح للإسلام وأهله منه. وقال محمد بن عبد الرحمن الهرويّ: دخلت مكة عقب وفاة ابن عيينة، فسألت عن أجلّ أصحابه؟، فقالوا: الحميديّ. وقال ابن عديّ: ذهب مع الشافعيّ إلى مصر، وكان من خيار الناس. وقال الحاكم: ثقة مأمون، قال: ومحمد بن إسماعيل إذا وجد الحديث عنه لا يخرجه إلى غيره من الثقة به. وذكره ابن حبان في "الثقات"، فقال: صاحب سنة وفضل ودين. وقال ابن سعد: مات بمكة سنة (٢١٩)، وكان ثقة كثير الحديث. وكذا أرّخّه البخاريّ، وأرخه غيرهما سنة (٢٢٠). روى له البخاريّ، ومسلم في "المقدمة"، وأبو داود، والترمذيّ، والمصنف، وله عنده في هذا الكتاب حديث الباب فقط، وأخرج له ابن ماجه في "التفسير". [تنبيه]: وقع في بعض نسخ "المجتبى" "عبد اللَّه بن نمير" بدل "عبد اللَّه بن الزبير"، وهو غلط فاحش، والصواب "ابن الزبير"، وهو الحميدي المترجم آنفًا، وقد صرح به في "الكبرى" جـ ٢ ص ٣٨٢ رقم (٣٨٥١)، وصرح به أيضًا في "تحفة الأشراف" جـ ١ ص ٣٨٩ رقم (١٥٢٧). واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. و"سفيان": هو ابن عيينة. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨٧٠ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ الْمَكِّيُّ, عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , دَخَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ, وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ, بِغَيْرِ إِحْرَامٍ").

стр. 12980

رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قتيبة) بن سعيد المذكور قبل حديث. ٢ - (معاوية بن عمار) بن أبي معاوية الدُّهْنيّ -بضم الدال المهملة، وسكون الهاء، ثم نون- البجليّ الكوفيّ، صدوق [٨]. وهو ولد عمار الدُّهْني المذكور في الباب الماضي. قال ابن معين، والنسائيّ: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، ولا يُحتجّ به. وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس به. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له البخاريّ في "خلق أفعال العباد"، ومسلم، وأبو داود في "المراسيل"، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث برقم -٢٨٧٠ و ٥٣٤٤. وقال في "تهذيب التهذيب": له في "صحيح مسلم"، والنسائيّ حديث واحد متابعةً في دخوله ﷺ مكة بغير إحرام. انتهى (١). ٣ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم المذكور في الباب الماضي. ٤ - (جابر بن عبد اللَّه) - رضي اللَّه تعالى عنهما - المذكور في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من رباعيّات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٤٨) من رباعيّات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه جابرًا ﵁ من المكثرين السبعة روى (١٥٤٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ النَّبيِّ ﷺ ، دَخَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكِّةَ) أي دخل مكة يوم فتح مكة (وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ) جملة في محلّ نصب على الحال. وفيه جواز لباس الثياب السُّود. وفي حديث عمرو بن حريث ﵁، عند مسلم: "أن رسول اللَّه ﷺ خطب الناس، وعليه عمامة سوداء". قال النوويُّ: فيه جواز لباس الأسود في الخطبة، هان كان الأبيض أفضل منه، كما ثبت في الحديث الصحيح: "خير لباسكم البياض"، وإنما لبس العمامة السوداء في هذا الحديث بيانًا للجواز انتهى (٢)

стр. 12981

(بغَيرِ إِحْرَام) هذا محلّ الترجمة، فإنه صريح في كون النبيّ ﷺ دخل مكة يوم الفتح هو، وَأصحابه ﷺ غير محرمين، فدلّ على جواز دخولها بغير إحرام لمن لا يريد حجًّا, ولا عمرة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٠٧/ ٢٨٧٠ وفي "كتاب الزينة" ١٠٩/ ٥٣٤٤ و ٥٣٤٥ - وفي "الكبرى" ١٠٧/ ٣٨٥٢ وفي "كتاب الزينة" ١٠٨/ ٩٧٥٥ و ٩٧٥٦. وأخرجه (م) في "الحج" ١٣٥٨ (د) في "اللباس" ٤٠٧٦ (ت) في "اللباس" ١٧٣٥ (ق) في "الجهاد" ٢٨٢٢ وفي "اللباس" ٣٥٨٥ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١٤٤٨٨ و ١٤٧٣٧ (الدارميّ) في "المناسك" ١٩٣٩. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): زعم الحاكم في "الإكليل" أن بين حديث أنس ﵁ الذي قبل هذا في المغفر، وبين حديث جابر ﵁ هذا في العمامة السوداء معارضة. وتعقّبوه باحتمال أن يكون أول دخوله كان على رأسه المغفر، ثم أزاله، ولبس العمامة بعد ذلك، فحكى كل منهما ما رآه. ويؤيّده أن في حديث عمرو بن حُريث: "أنه خطب الناس، وعليه عمامة سوداء". أخرجه مسلم أيضًا. وكانت الخطبة عند باب الكعبة، وذلك بعد تمام الدخول. وهذا الجمع لعياض. وقال غيره: يُجمع بأن العمامة السوداء كانت ملفوفة فوق المغفر، أو كانت تحت المغفر، وقاية لرأسه ﷺ من صدإ الحديد، فأراد أنس بذكر المغفر كونه دخل متهيئًا للحرب، وأراد جابر بذكر العمامة كونه دخل غير محرم. وبهذا يدفع إشكال من قال: لا دلالة في الحديث على جواز دخول مكة بغير إحرام؛ لاحتمال أن يكون رسول اللَّه ﷺ كان محرمًا, ولكنه غطى رأسه لعذر، فقد اندفع ذلك بتصريح جابر ﵁ بأنه لم يكن محرمًا. وأما دعوى أن دخول مكة بغير إحرام من خصائص النبيّ ﷺ ، فغير صحيحة، إذ الخصائص لا تثبت إلا بدليل، ومما يبطلها أن الصحابة ﵁ لم يكونوا محرمين مثله، فبطل ما ادّعوه انتهى من "الفتح" باختصار، وتصرّف (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب،

стр. 12982

وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٠٨ - (الْوَقْتُ الَّذِي وَافَى فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ) ٢٨٧١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَبَّانُ, قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ, عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَّاءِ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: "قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ, لِصُبْحِ رَابِعَةٍ, وَهُمْ يُلَبُّونَ بِالْحَجِّ, فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَحِلُّوا"). قال الجامع عفا اللَّه تعَالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدموا. و"محمد بن معمر": هو القيسيّ البحرانيّ (١) البصريّ، أحد مشايخ الأئمة الستة دون واسطة، كما تقدّم غير مرّة، من كبار [١١] ٥/ ٨٢٩. و"حبّان" -بفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحدة-: هو ابن هلال، أبو حبيب البصريّ الثقة الثبت [٩] ٤٤/ ٥٩٠. و"وُهيب": هو ابن خالد الباهليّ البصريّ الحافظ الثقة الثبت [٧] ٢١/ ٤٢٧. و"أيوب": هو ابن أبي تميمة كيسان السخياتيّ البصريّ الثبت الحجة الفقيه [٥] ٤٢/ ٤٨. و"أبو العالية البرّاء" -بتشديد الراء- زياد بن فيروز، وقيل: في اسمه غير ذلك البصريّ الثقة [٤] ٢/ ٧٧٨. و"البرّاء" لقبه؛ لكونه كان يبري النبل. وقوله: "لصبح رابعة": أي في صبح ليلة رابعة لشهر ذي الحجة، وكان ذلك صباح يوم الأحد. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام البحث فيه، وفي مسائله في ٧٧/ ٢٨١٣.

стр. 12983

ودلالته هنا على الترجمة واضحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨٧٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, عَنْ يَحْيَى بْنِ كَثِيرٍ, أَبُو غَسَّانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَّاءِ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , لأَرْبَعٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ, وَقَدْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ, فَصَلَّى الصُّبْحَ بِالْبَطْحَاءِ, وَقَالَ: «مَنْ شَاءَ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً, فَلْيَفْعَلْ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "يحيى بن كثير، أبو غسّان": هو العنبريّ البصريّ، ثقة [٩] ٤٣/ ٢٢٣. وقوله: "أبو غسّان" هكذا نسخ "المجتبى" التي بين يديّ برفع "أبو"، وله وجه صحيح، وهو أن يكون خَبَرًا لمحذوف: أي هو أبو غسّان. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "لأربع مضين الخ" أي لأربع ليال مضين من شهر ذي الحجة. [تنبيه]: وقع في "الكبرى": "لأربع بقين من ذي الحجة"، وهو غلط، والصواب "مضين"، كما هو في "المجتبى"؛ لأنه يكون المعنى عليه في آخر شهر ذي الحجة، وذلك غلط فاحش. فتنبّه. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه، ودلالته على الترجمة واضحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨٧٣ - (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ يَزِيدَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعَيْبٌ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, قَالَ: عَطَاءٌ, قَالَ جَابِرٌ: "قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ, صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ, مَضَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "شعيب": هو ابن إسحاق بن عبد الرحمن الأمويّ الدمشقيّ. و"عطاء": هو ابن أبي رباح. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم البحث فيه مستوفى في -٥١/ ٢٧٤٠. ودلالته على الترجمة هنا واضحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 12984

١٠٩ - (إِنْشَادُ الشِّعْرِ فِي الْحَرَمِ، وَالْمَشْيُ بَيْنَ يَدَيِ الإِمَامِ) ٢٨٧٤ - (أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ, خُشَيْشُ بْنُ أَصْرَمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ, عَنْ أَنَسٍ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ, فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ, وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ, يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهِ, وَهُوَ يَقُولُ: خَلُّوا بَنِي الْكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهِ … الْيَوْمَ نَضْرِبْكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ ضَرْبًا يُزِيلُ الْهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ … وَيُذْهِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا ابْنَ رَوَاحَةَ, بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وَفِي حَرَمِ اللَّهِ , تَقُولُ الشِّعْرَ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «خَلِّ عَنْهُ, فَلَهُوَ أَسْرَعُ فِيهِمْ, مِنْ نَضْحِ النَّبْلِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أبو عاصم، خُشيش -بمعجمات مصغرًا- ابن أصرم) بن الأسود النسائيّ، ثقة حافظ [١١] ٤٤/ ٥٩٠. ٢ - (عبد الرزّاق) بن همّام الصنعانيّ، ثقة حافظ مصنّف مشهور، تغير بآخره، وكان يتشيّع [٩] ٦١/ ٧٧. ٣ - (جعفر بن سليمان) الضُّبَعيّ، أبو سليمان البصريّ، صدوق زاهد، يتشيع [٨] ١٤/ ١٤. ٤ - (ثابت) بن أسلم البنانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة عابد [٤] ٤٥/ ٥٣. ٥ - (أنس) بن مالك الصحابيّ الخادم الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين من جعفر. (ومنها): أن فيه ثابتًا ألزم الناس لأنس ﵁ لزمه أربعين سنة، وفيه أنس ﵁ من المكثرين السبعة روى (٢٢٨٦) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 12985

شرح الحديث (عَنْ أَنَسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ، فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ) اختُلف في سبب تسميتها بهذا الاسم، فقيل: المراد ما وقع من المقاضاة بين المسلمين، والمشركين، من الكتاب الذي كُتب بينهم بالحديبية، فالمراد بالقضاء الفصل الذي وقع عليه الصلح، ولذلك يقال لها: عمرة القضيّة. قال أهل اللغة: قاضى فلانًا: عاهده، وقاضاه: عاوضه. فيحتمل تسميتها بذلك للأمرين. قاله عياض. ويرجّح الثاني تسميتها قصاصًا، قال اللَّه تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ الآية [البقرة: ١٩٤]. قال السهيليّ: تسميتها عمرة القصاص أولى؛ لأن هذه الآية نزلت فيها. قال الحافظ: كذا رواه ابن جرير، وعبد بن حُميد بإسناد صحيح عن مجاهد، وبه جزم سليمان التيمي في "مغازيه". وقال ابن إسحاق: بلغنا عن ابن عباس، فذكره. ووصله الحاكم في "الإكليل" عن ابن عباس، لكن في إسناده الواقديّ. وقال السهيليّ: سميت عمرة القضاء؛ لأنه قاضى فيها قريشًا، لا لأنها قضاء عن العمرة التي صُدّ عنها؛ لأنها لم تكن فسدت حتى يجب قضاؤها، بل كانت عمرة تامّة، ولهذا عدّوا عُمَرَ النبيّ ﷺ أربعًا. وقال آخرون: بل كانت قضاء عن العمرة الأولى، وعُدّت عمرة الحديبية في العُمَر؛ لثبوت أجرها, لا لأنها كملت. وهذا الاختلاف مبنيّ على الاختلاف في وجوب القضاء على من اعتمر، فصُدّ عن البيت، فقال الجمهور: يجب عليه الهدي، ولا قضاء عليه، وهو الصحيح، وعن أبي حنيفة عكسه. وعن أحمد رواية أنه لا يلزمه هديٌ، ولا قضاء، وأخرى يلزمه الهدي والقضاء. وقد تقدّم البحث في هذا مُسْتَوْفًى قبل ستة أبواب في باب "فيمن أُحصر بعدو"، فراجعه تستفد. والحاصل أنه تحصّل من أسمائها أربعة: القضاء، والقضيّة، والقصاص، والصلح. قاله في "الفتح" (١). (وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ) بن ثعلبة بن امرئ القيس الخزرجيّ الأنصاريّ الشاعر، أحد السابقين، واستشهد بمؤتة - رضي اللَّه تعالى عنه -، وكان ثالث الأمراء بها، في جمادى الأولى، سنة ثمان من الهجرة (يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهِ) ﷺ (وَهُوَ يَقُولُ) جملة حالية، كسابقتها، إما متداخلة، أو مترادفة، والبيتان من بحر الرجز، الذي أجزاؤه مستفعلن ست مرّات.

стр. 12986

(خَلُّوا) فعل أمر من التخلية، أي تنحّوا، وابتعدوا (بَنِي الْكُفَّارِ) منادى بحذف حرف النداء، أي يا بني الكفّار، أو منصوب على الاختصاص، أي أخصّ بني الكفّار (عَنْ سَبيلِهِ) متعلق بـ "خلّوا"، والضمير المجرور للنبيّ ﷺ (الْيَوْمَ) منصوب على الظرفية، متعَلّق بقوله (نضْرِبْكُمْ) بسكون الباء، للوزن، قال ابن الأثير في "النهاية": سكون الباء من "نضربكم" من جائزات الشعر، وموضعها الرفع. قال السنديّ: نبّه على ذلك لئلا يُتوهّم أن جزمه لكونه جواب الأمر، فإن جعله جوابًا فاسدٌ معنىً. ولعل المراد نضربكم إن نقضتم العهد، وصددتموه عن الدخول، وإلا فلا يصحّ ضربهم لمكان العهد انتهى (١) (عَلَى تَنْزِيلِهِ) أي لأجل تنزيل النبيّ ﷺ بمكة، أي نضربكم حتى نُنزله بمكة. وقيل: المراد تنزيل القرآن، أي نضربكم لأجل نزوله بضربكم إن لم تستجيبوا له. وفي الرواية الآتية -١٢١/ ٢٨٩٤ - : "على تأويله" بدل "تنزيله"، أي نضربكم حتى تذعنوا إلى تأويله، أو نضربكم على تأويل ما فهمنا منه، حتى تدخلوا فيما دخلنا فيه (ضَرْبًا) مفعول مطلق لنضربكم (يُزِيلُ الْهَامَ) بتخفيف الميم. قال في "النهاية": الهام جمع هامة، وهي أعلى الرأس (عَنْ مَقِيلِهِ) بفتح الميم: أي موضعه، مستعار من موضع القائلة، أي النوم نصف النهار (وَيُذْهِلُ) بضم أوله، من الإذهال، أي يجعله ذاهلاً يقال: ذَهلَ عن الشيء يَذْهَلُ من باب تعب ذُهُولاً: غَفَلَ، وقد يتعدى بنفسه، فيقال: ذَهَلَته من باب دخل، والأكثرُ أن يتعدى بالألف، فيقال: أذهلني فلان عن الشيء، وقال الزمخشري: ذَهَلَ عن الأمر: تناساه عَمْدًا، وشُغِلَ عنه. أفاده في "المصباح" (الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ) أي الصَّدِيق عن صديقه (فَقَالَ لَهُ عُمَرُ) بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنه - (يَا ابْنَ رَوَاحَة، بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَفِي حَرَمِ اللَّهِ ، تَقُولُ الشَّعْرَ؟) كأن عمر - رضي اللَّه تعالى - عنه رأى أن الشعر منكر، فلا ينبغي أن يقال بين يدي رسول اللَّه ﷺ في حرمه تعالى، ولم يلتفت إلى تقرير النبيّ ﷺ ؛ لاحتمال أن يكون قلبه مشتغلاً بما منعه عن الالتفات إلى الشعر (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : خَلِّ عَنْهُ) أي تخلّ عن ابن رواحة، واتركه يقول فيهمُ الشعر (فَلَهُوَ) أي شعره. وفي "الكبرى": "فهي"، أي كلماته (أَسْرَعُ فِيهِمْ) أي في التأثير في قلوبهم (مِنْ نَضْحِ النَّبْلِ) - بنون، وضاد معجمة، وحاء مهملة- يقال: نضح فلانًا بالنبل، من باب نفع: إذا رماه به. و"النبل": السهام العربيّة، وهي مؤنثة، ولا واحد لها من لفظها، بل الواحد سهم، فهي مفردة اللفظ، مجموعة المعنى. قاله الفيّوميّ. يعني أن الشعر أسرع تأثيرًا، وأقوى إقناعًا للمشركين من رميهم بالسهام، فهو أولى ما يواجهون به في مثل هذه الساعة، وفي هذا الحرم المحترم.

стр. 12987

وفي الرواية الآتية في -١٢١/ ٢٨٩٤ - : "فوالذي نفسي بيده، لكلامه أشدّ عليهم من وقع النَّبْلِ". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٠٩/ ٢٨٧٤ و ١٢١/ ٢٨٩٤ - وفي "الكبرى" ١٠٩/ ٣٨٥٦ و ١٢٠/ ٣٨٧٦. وأخرجه (ت) في "الأدب" ٢٨٤٧. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو جواز إنشاد الشعر في الحرم، وجواز المشي بين يدي الإمام بإذنه. (ومنها): مجاهدة الكفار، والمنافقين بالكلام، كما يجاهدون بالسهام. (ومنها): أن الجهاد بالكلام يكون أشد من وقع السهام، كما قاله ﷺ ، ولذا قال الشاعر: جِرَاحَاتُ السِّنَانِ لَهَا الْتِئَامُ … وَلَا يَلْتَامُ مَا جَرَحَ اللَّسَانُ (ومنها): إنكار المنكر بحضرة من هو أولى منه علمًا، وفضلاً؛ لاحتمال أن يكون الأعلم غفل عنه. (ومنها): بيان خطإ من أخطأ في أمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر، مع بيان سبب خطئه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): أخرج الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى- حديث أنس ﵁ هذا عن إسحاق بن منصور، عن عبد الرزاق بسند المصنف، ثم هذا حديث حسن غريب صحيح (١) من هذا الوجه. وقد روى عبد الرزاق هذا الحديث أيضًا عن معمر، عن الزهريّ، عن أنس نحو هذا. ورُوي في غير هذا الحديث: "أن النبيّ ﷺ دخل مكة في عمرة القضاء، وكعبُ بن مالك بين يديه". وهذا أصحّ عند بعض أهل الحديث؛ لأن عبد اللَّه بن رواحة قُتل يوم مؤتة، وإنما كانت عمرة القضاء بعد ذلك انتهى (٢).

стр. 12988

واعترض الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في "الفتح" بعد نقل كلام الترمذيّ المذكور: بما حاصله: وهو ذهول شديدٌ، وغلطٌ مردود، وما أدري كيف وقع الترمذيّ في ذلك، مع وفور معرفته، ومع أن في قصّة عمرة القضاء اختصام جعفر، وأخيه عليّ، وزيد بن حارثة في بنت حمزة، وجعفر قُتل هو، وزيد، وابن رواحة في موطن واحد؟، وكيف يخفى عليه -أعني الترمذيّ- مثل هذا؟. ثم وجدت عن بعضهم أن الذي عند الترمذيّ من حديث أنس أن ذلك كان في فتح مكة، فإن كان كذلك اتجه اعتراضه، لكن الموجود بخطّ الكروخيّ، راوي الترمذيّ ما تقدّم. واللَّه أعلم. وقد صححه ابن حبان من الوجهين، وعجيب من الحاكم كيف لم يستدركه، مع أن الوجه الأول على شرطهما، ومن الوجه الثاني على شرط مسلم؛ لأجل جعفر بن سليمان. انتهى. كلام الحافظ بتصرّف يسير (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): أخرج عبد الرزاق حديث أنس ﵁ هذا من وجهين: [أحدهما]: طريق جعفر بن سليمان، عن ثابت، الذي أخرجه المصنف منه هنا، والترمذيّ في الأدب. [والثاني]: روايته عن معمر، عن الزهريّ، عن أنس ﵁: "أن النبيّ ﷺ دخل مكة في عمرة القضاء، وعبد اللَّه بن رواحة يُنشد بين يديه: خَلُّوا بَنِي الْكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهِ … قَدْ أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ فِي تَنْزِيلِهِ بِأنَّ خَيرَ الْقَتْلِ فِي سَبِيلِهِ … نَحْنُ قَتَلْنَاكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهِ كَمَا قَتَلْنَاكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ أخرجه أبو يعلى من طريقه. وأخرجه الطبرانيّ عن عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه، عن عبد الرزاق. وقد أخرجه الطبرانيّ أيضًا عاليًا عن إبراهيم بن أبي سويد، عن عبد الرزاق. ومن هذا الوجه أخرجه البيهقيّ في "الدلائل". وأخرجه من طريق أبي الأزهر، عن عبد الرزاق، فذكر القسم الأول من الرجز، وقال بعده: الْيَوْمَ نَضْرِبْكُمْ عَلَى تَنْزِلِهِ … ضَرْبًا يُزِيلُ الْهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ وَيُذْهِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ … يَارَبَّ إِنِّي مُؤْمِنٌ بِقِيلِهِ قال الدارقطنيّ في "الأفراد" تفرّد به معمر، عن الزهريّ، وتفرّد به عبد الرزّاق، عن معمر. قال الحافظ: وقد رواه موسى بن عقبة في "المغازي" عن الزهريّ أيضًا، لكن لم يذكر أنسًا، وعنده بعد قوله:

стр. 12989

قدْ أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ فِي تَنْزِيلِهِ … فِي صُحُفِ تُتْلَى عَلَى رَسُولِهِ وذكر ابن إسحاق عن عبد اللَّه بن أبي بكر بن حزم، قال: بلغني … فذكره، وزاد بعد قوله: يَا رَبَّ إِنِّي مُؤْمِنٌ بِقِيلِهِ … إِنَّي رَأَيْتُ الْحَقَّ فِي قَبُولِهِ وزعم ابن هشام في "مختصر السيرة" أن قوله: "نحن ضربناكم على تأويله" إلى آخر الشعر من قول عمار بن ياسر، قاله يوم صفّين. قال: ويؤيده أن المشركين لم يقرّوا بالتنزيل، وإنما يقاتل على التأويل من أقرّ بالتنزيل انتهى. قال الحافظ: وإذا ثبتت الرواية, فلا مانع من إطلاق ذلك، فإن التقدير على رأي ابن هشام: "نحن ضربناكم على تأويله": أي حتى تُذعنوا إلى ذلك التأويل. ويجوز أن يكون التقدير: نحن ضربناكم على تأويل ما فهمنا منه، حتى تدخلوا فيما دخلنا فيه. وإذا كان كذلك محتملاً، وثبتت الرواية سقط الاعتراض. نعم الرواية جاء فيها، فاليوم نضربكم على تأويله يظهر أنها قول عمّار، ويبعد أن تكون قول ابن رواحة لأنه لم يقع في عمرة القضاء ضرب، ولا قتال، وصحيح الرواية: نَحْنُ ضَرَبْنَاكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهِ … كَمَا ضَرَبْنَاكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ يشير بكلّ منهما إلى ما مضى، ولا مانع أن يتمثل عمّار بن ياسر بهذا الرجز، ويقول هذه اللفظة، ومعنى قوله: "نحن ضربناكم على تنزيله" أي في عهد الرسول فيما مضى. وقوله: "واليوم نضربكم على تأويله" أي الآن، وتسكين الباء لضرورة الشعر، بل هي لغة قرئ بها في المشهور. قاله في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١١٠ - (حُرْمَةُ مَكَّةُ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الْحُرْمة" -بضم الحاء المهملة، وسكون الراء-: اسم من الاحترام، وهو الْمَهَابة، قال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: الحُرْمة بالضمّ: ما لا يَحِلّ انتهاكه، والحرمة: المهابة، وهذه اسم من الاحترام، مثلُ الْفُرْقة من الافتراق،

стр. 12990

والجمع حُرُمات، مثلُ غُرْفة وغُرُفات. انتهى. والمعنى هنا: احترام مكة، وتعظيمها، يعني أن هذا الباب يُذكر فيه الحديث الدالّ على وجوب تعظيم مكّة شرّفها اللَّه تعالى، وحَرَسَها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٨٧٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ, عَنْ جَرِيرٍ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ مُجَاهِدٍ, عَنْ طَاوُسٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ: «هَذَا الْبَلَدُ حَرَّمَهُ اللَّهُ, يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ, فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ, إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ, لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ, وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ, وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ, إِلاَّ مَنْ عَرَّفَهَا, وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهُ» , قَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِلاَّ الإِذْخِرَ, فَذَكَرَ كَلِمَةً, مَعْنَاهَا, «إِلاَّ الإِذْخِرَ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن قُدامة) بن أعين الهاشميّ مولاهم المصّيصيّ، هو ثقة [١٠] ١٣٧/ ٢١٤. ٢ - (جرير) بن عبد الحميد الضبيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب، قيل: كان في آخر عمره يَهِم من حفظه [٨] ٢/ ٢. ٣ - (منصور) بن المعتمر السلميّ، أبو عتاب الكوفيّ، ثقة ثبت [٦] ٢/ ٢. ٤ - (مجاهد) بن جبر المخزوميّ، أبو الحجّاج المكيّ، ثقة فقيه فاضل [٣] ٢٧/ ٣١. ٥ - (طاوس) بن كيسان الحميريّ موهم، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، ثقة فقيه فاضل [٣] ٢٧/ ٣١. ٦ - (ابن عبّاس) عبد اللَّه البحر الحبر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو وأبو داود. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة روى (١٦٩٦) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ مُجَاهِدِ، عَنْ طَاوُسٍ) قال في "الفتح": كذا رواه منصور موصولاً، وخالفه الأعمش، فرواه عن مجاهد، عن النبيّ ﷺ ، مرسلاً، أخرجه سعيد بن منصور، عن أبي معاوية، عنه. وأخرجه أيضًا عن سفيان، عن داود بن شابور، عن مجاهد، مرسلاً،
следующие страницы →