(خَلُّوا) فعل أمر من التخلية، أي تنحّوا، وابتعدوا (بَنِي الْكُفَّارِ) منادى بحذف حرف النداء، أي يا بني الكفّار، أو منصوب على الاختصاص، أي أخصّ بني الكفّار (عَنْ سَبيلِهِ) متعلق بـ "خلّوا"، والضمير المجرور للنبيّ ﷺ (الْيَوْمَ) منصوب على الظرفية، متعَلّق بقوله (نضْرِبْكُمْ) بسكون الباء، للوزن، قال ابن الأثير في "النهاية": سكون الباء من "نضربكم" من جائزات الشعر، وموضعها الرفع. قال السنديّ: نبّه على ذلك لئلا يُتوهّم أن جزمه لكونه جواب الأمر، فإن جعله جوابًا فاسدٌ معنىً. ولعل المراد نضربكم إن نقضتم العهد، وصددتموه عن الدخول، وإلا فلا يصحّ ضربهم لمكان العهد انتهى (١) (عَلَى تَنْزِيلِهِ) أي لأجل تنزيل النبيّ ﷺ بمكة، أي نضربكم حتى نُنزله بمكة. وقيل: المراد تنزيل القرآن، أي نضربكم لأجل نزوله بضربكم إن لم تستجيبوا له. وفي الرواية الآتية -١٢١/ ٢٨٩٤ - : "على تأويله" بدل "تنزيله"، أي نضربكم حتى تذعنوا إلى تأويله، أو نضربكم على تأويل ما فهمنا منه، حتى تدخلوا فيما دخلنا فيه (ضَرْبًا) مفعول مطلق لنضربكم (يُزِيلُ الْهَامَ) بتخفيف الميم. قال في "النهاية": الهام جمع هامة، وهي أعلى الرأس (عَنْ مَقِيلِهِ) بفتح الميم: أي موضعه، مستعار من موضع القائلة، أي النوم نصف النهار (وَيُذْهِلُ) بضم أوله، من الإذهال، أي يجعله ذاهلاً يقال: ذَهلَ عن الشيء يَذْهَلُ من باب تعب ذُهُولاً: غَفَلَ، وقد يتعدى بنفسه، فيقال: ذَهَلَته من باب دخل، والأكثرُ أن يتعدى بالألف، فيقال: أذهلني فلان عن الشيء، وقال الزمخشري: ذَهَلَ عن الأمر: تناساه عَمْدًا، وشُغِلَ عنه. أفاده في "المصباح" (الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ) أي الصَّدِيق عن صديقه (فَقَالَ لَهُ عُمَرُ) بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنه - (يَا ابْنَ رَوَاحَة، بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَفِي حَرَمِ اللَّهِ ، تَقُولُ الشَّعْرَ؟) كأن عمر - رضي اللَّه تعالى - عنه رأى أن الشعر منكر، فلا ينبغي أن يقال بين يدي رسول اللَّه ﷺ في حرمه تعالى، ولم يلتفت إلى تقرير النبيّ ﷺ ؛ لاحتمال أن يكون قلبه مشتغلاً بما منعه عن الالتفات إلى الشعر (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : خَلِّ عَنْهُ) أي تخلّ عن ابن رواحة، واتركه يقول فيهمُ الشعر (فَلَهُوَ) أي شعره. وفي "الكبرى": "فهي"، أي كلماته (أَسْرَعُ فِيهِمْ) أي في التأثير في قلوبهم (مِنْ نَضْحِ النَّبْلِ) - بنون، وضاد معجمة، وحاء مهملة- يقال: نضح فلانًا بالنبل، من باب نفع: إذا رماه به. و"النبل": السهام العربيّة، وهي مؤنثة، ولا واحد لها من لفظها، بل الواحد سهم، فهي مفردة اللفظ، مجموعة المعنى. قاله الفيّوميّ.
يعني أن الشعر أسرع تأثيرًا، وأقوى إقناعًا للمشركين من رميهم بالسهام، فهو أولى ما يواجهون به في مثل هذه الساعة، وفي هذا الحرم المحترم.
стр. 12987
وفي الرواية الآتية في -١٢١/ ٢٨٩٤ - : "فوالذي نفسي بيده، لكلامه أشدّ عليهم من وقع النَّبْلِ".
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٠٩/ ٢٨٧٤ و ١٢١/ ٢٨٩٤ - وفي "الكبرى" ١٠٩/ ٣٨٥٦ و ١٢٠/ ٣٨٧٦. وأخرجه (ت) في "الأدب" ٢٨٤٧. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو جواز إنشاد الشعر في الحرم، وجواز المشي بين يدي الإمام بإذنه. (ومنها): مجاهدة الكفار، والمنافقين بالكلام، كما يجاهدون بالسهام. (ومنها): أن الجهاد بالكلام يكون أشد من وقع السهام، كما قاله ﷺ ، ولذا قال الشاعر:
جِرَاحَاتُ السِّنَانِ لَهَا الْتِئَامُ … وَلَا يَلْتَامُ مَا جَرَحَ اللَّسَانُ
(ومنها): إنكار المنكر بحضرة من هو أولى منه علمًا، وفضلاً؛ لاحتمال أن يكون الأعلم غفل عنه.
(ومنها): بيان خطإ من أخطأ في أمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر، مع بيان سبب خطئه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): أخرج الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى- حديث أنس ﵁ هذا عن إسحاق بن منصور، عن عبد الرزاق بسند المصنف، ثم هذا حديث حسن غريب صحيح (١) من هذا الوجه. وقد روى عبد الرزاق هذا الحديث أيضًا عن معمر، عن الزهريّ، عن أنس نحو هذا. ورُوي في غير هذا الحديث: "أن النبيّ ﷺ دخل مكة في عمرة القضاء، وكعبُ بن مالك بين يديه". وهذا أصحّ عند بعض أهل الحديث؛ لأن عبد اللَّه بن رواحة قُتل يوم مؤتة، وإنما كانت عمرة القضاء بعد ذلك انتهى (٢).
стр. 12988
واعترض الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في "الفتح" بعد نقل كلام الترمذيّ المذكور: بما حاصله: وهو ذهول شديدٌ، وغلطٌ مردود، وما أدري كيف وقع الترمذيّ في ذلك، مع وفور معرفته، ومع أن في قصّة عمرة القضاء اختصام جعفر، وأخيه عليّ، وزيد بن حارثة في بنت حمزة، وجعفر قُتل هو، وزيد، وابن رواحة في موطن واحد؟، وكيف يخفى عليه -أعني الترمذيّ- مثل هذا؟. ثم وجدت عن بعضهم أن الذي عند الترمذيّ من حديث أنس أن ذلك كان في فتح مكة، فإن كان كذلك اتجه اعتراضه، لكن الموجود بخطّ الكروخيّ، راوي الترمذيّ ما تقدّم. واللَّه أعلم.
وقد صححه ابن حبان من الوجهين، وعجيب من الحاكم كيف لم يستدركه، مع أن الوجه الأول على شرطهما، ومن الوجه الثاني على شرط مسلم؛ لأجل جعفر بن سليمان. انتهى. كلام الحافظ بتصرّف يسير (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): أخرج عبد الرزاق حديث أنس ﵁ هذا من وجهين:
[أحدهما]: طريق جعفر بن سليمان، عن ثابت، الذي أخرجه المصنف منه هنا، والترمذيّ في الأدب.
[والثاني]: روايته عن معمر، عن الزهريّ، عن أنس ﵁: "أن النبيّ ﷺ دخل مكة في عمرة القضاء، وعبد اللَّه بن رواحة يُنشد بين يديه:
خَلُّوا بَنِي الْكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهِ … قَدْ أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ فِي تَنْزِيلِهِ
بِأنَّ خَيرَ الْقَتْلِ فِي سَبِيلِهِ … نَحْنُ قَتَلْنَاكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهِ
كَمَا قَتَلْنَاكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ
أخرجه أبو يعلى من طريقه. وأخرجه الطبرانيّ عن عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه، عن عبد الرزاق. وقد أخرجه الطبرانيّ أيضًا عاليًا عن إبراهيم بن أبي سويد، عن عبد الرزاق. ومن هذا الوجه أخرجه البيهقيّ في "الدلائل". وأخرجه من طريق أبي الأزهر، عن عبد الرزاق، فذكر القسم الأول من الرجز، وقال بعده:
الْيَوْمَ نَضْرِبْكُمْ عَلَى تَنْزِلِهِ … ضَرْبًا يُزِيلُ الْهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ
وَيُذْهِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ … يَارَبَّ إِنِّي مُؤْمِنٌ بِقِيلِهِ
قال الدارقطنيّ في "الأفراد" تفرّد به معمر، عن الزهريّ، وتفرّد به عبد الرزّاق، عن معمر. قال الحافظ: وقد رواه موسى بن عقبة في "المغازي" عن الزهريّ أيضًا، لكن لم يذكر أنسًا، وعنده بعد قوله:
стр. 12989
قدْ أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ فِي تَنْزِيلِهِ … فِي صُحُفِ تُتْلَى عَلَى رَسُولِهِ
وذكر ابن إسحاق عن عبد اللَّه بن أبي بكر بن حزم، قال: بلغني … فذكره، وزاد بعد قوله:
يَا رَبَّ إِنِّي مُؤْمِنٌ بِقِيلِهِ … إِنَّي رَأَيْتُ الْحَقَّ فِي قَبُولِهِ
وزعم ابن هشام في "مختصر السيرة" أن قوله: "نحن ضربناكم على تأويله" إلى آخر الشعر من قول عمار بن ياسر، قاله يوم صفّين. قال: ويؤيده أن المشركين لم يقرّوا بالتنزيل، وإنما يقاتل على التأويل من أقرّ بالتنزيل انتهى.
قال الحافظ: وإذا ثبتت الرواية, فلا مانع من إطلاق ذلك، فإن التقدير على رأي ابن هشام: "نحن ضربناكم على تأويله": أي حتى تُذعنوا إلى ذلك التأويل. ويجوز أن يكون التقدير: نحن ضربناكم على تأويل ما فهمنا منه، حتى تدخلوا فيما دخلنا فيه.
وإذا كان كذلك محتملاً، وثبتت الرواية سقط الاعتراض. نعم الرواية جاء فيها، فاليوم نضربكم على تأويله يظهر أنها قول عمّار، ويبعد أن تكون قول ابن رواحة لأنه لم يقع في عمرة القضاء ضرب، ولا قتال، وصحيح الرواية:
نَحْنُ ضَرَبْنَاكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهِ … كَمَا ضَرَبْنَاكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ
يشير بكلّ منهما إلى ما مضى، ولا مانع أن يتمثل عمّار بن ياسر بهذا الرجز، ويقول هذه اللفظة، ومعنى قوله: "نحن ضربناكم على تنزيله" أي في عهد الرسول فيما مضى.
وقوله: "واليوم نضربكم على تأويله" أي الآن، وتسكين الباء لضرورة الشعر، بل هي لغة قرئ بها في المشهور. قاله في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١١٠ - (حُرْمَةُ مَكَّةُ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الْحُرْمة" -بضم الحاء المهملة، وسكون الراء-: اسم من الاحترام، وهو الْمَهَابة، قال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: الحُرْمة بالضمّ: ما لا يَحِلّ انتهاكه، والحرمة: المهابة، وهذه اسم من الاحترام، مثلُ الْفُرْقة من الافتراق،
стр. 12990
والجمع حُرُمات، مثلُ غُرْفة وغُرُفات. انتهى.
والمعنى هنا: احترام مكة، وتعظيمها، يعني أن هذا الباب يُذكر فيه الحديث الدالّ على وجوب تعظيم مكّة شرّفها اللَّه تعالى، وحَرَسَها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٨٧٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ, عَنْ جَرِيرٍ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ مُجَاهِدٍ, عَنْ طَاوُسٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ: «هَذَا الْبَلَدُ حَرَّمَهُ اللَّهُ, يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ, فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ, إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ, لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ, وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ, وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ, إِلاَّ مَنْ عَرَّفَهَا, وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهُ» , قَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِلاَّ الإِذْخِرَ, فَذَكَرَ كَلِمَةً, مَعْنَاهَا, «إِلاَّ الإِذْخِرَ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن قُدامة) بن أعين الهاشميّ مولاهم المصّيصيّ، هو ثقة [١٠] ١٣٧/ ٢١٤.
٢ - (جرير) بن عبد الحميد الضبيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب، قيل: كان في آخر عمره يَهِم من حفظه [٨] ٢/ ٢.
٣ - (منصور) بن المعتمر السلميّ، أبو عتاب الكوفيّ، ثقة ثبت [٦] ٢/ ٢.
٤ - (مجاهد) بن جبر المخزوميّ، أبو الحجّاج المكيّ، ثقة فقيه فاضل [٣] ٢٧/ ٣١.
٥ - (طاوس) بن كيسان الحميريّ موهم، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، ثقة فقيه فاضل [٣] ٢٧/ ٣١.
٦ - (ابن عبّاس) عبد اللَّه البحر الحبر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو وأبو داود. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة روى (١٦٩٦) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ مُجَاهِدِ، عَنْ طَاوُسٍ) قال في "الفتح": كذا رواه منصور موصولاً، وخالفه الأعمش، فرواه عن مجاهد، عن النبيّ ﷺ ، مرسلاً، أخرجه سعيد بن منصور، عن أبي معاوية، عنه. وأخرجه أيضًا عن سفيان، عن داود بن شابور، عن مجاهد، مرسلاً،
стр. 12991
ومنصور ثقة حافظ، فالحكم لوصله انتهى (١).
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَوْمَ الْفَتْحِ) الظرف متعَلّق بقال (هَذَا الْبَلَدُ) يعني مكة، أو أرض الحرم جميعها (حَرَّمَهُ اللَّهُ) أي حكم بتحريمه، وقضاه، وظاهره أن حكم اللَّه تعالى في مكة أن لا يقاتَلَ أهلها، ويؤمّن من استجار بها, ولا يتعرّض له، وهو أحد أقول المفسّرين في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ الآية [آل عمران: ٩٧]، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ الآية [العنكبوت: ٦٧] ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ يعني أن تحريمه أمر قديم، وشريعة سالفة مستمرّة، فليس تحريمه مما أحدثه الناس، أو اختصّ بشرعه، وهذا لا ينافي قوله ﷺ في حديث جابر عند مسلم، وحديث أنس عند البخاريّ: "إن إبراهيم حرّم مكة". لأن إسناد التحريم إليه من حيث إنه مبلّغه، فإن الحاكم بالشرائع والأحكام هو اللَّه تعالى، والأنبياء يبلّغونها، فكما تضاف إلى اللَّه تعالى من حيث إنه الحاكم بها تضاف إلى الرسل لأنها تسمع منهم، وتبيّن على ألسنتهم.
والحاصل أنه أظهر تحريمها، مبلّغًا عن اللَّه تعالى بعد أن كان مهجورًا، لا أنه ابتدأه.
وقيل: إنه حرّمها بإذن اللَّه تعالى. يعني أنه تعالى كتب في اللوح المحفوظ يوم خلق السموات والأرض أن إبراهيم سيحرّم مكة بأمر اللَّه تعالى. كذا في "إرشاد الساري".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول الأخير ضعيف، يضعفه قوله ﷺ : "ولم يحرمها الناس". واللَّه تعالى أعلم.
وقال العينيّ -رحمه اللَّه تعالى-: معنى قوله: "إن إبراهيم حرّم مكة": أعلن بتحريمها، وعرّف الناس بأنها حرام بتحريم اللَّه إياها، فلما لم يعرف تحريمها إلا في زمانه على لسانه أضيف إليه، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿اللَّه يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ الآية [الزمر: ٤٢]، فإنه أضاف إليه التوفّي، وفي آية أخرى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ الآية [السجدة: ١١]، فأضاف إلى الملك التوفّي، وقال في آية أخرى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ الآية [النحل: ٣٢] فأضاف إليهم التوفّي، وفي الحقيقة المتوفّي هو اللَّه ، وأضافه إلى غيره لأنه ظهر على أيديهم انتهى.
فلا معارضة بين الحديثين؛ لأن معنى قوله: "إِنّ إبراهيم حرّم مكة" أي بأمر اللَّه تعالى، لا باجتهاده، أو أن اللَّه قضى يوم خلق السماوات والأرض أن إبراهيم سيحرّم مكة، أو المعنى أن إبراهيم أول من أظهر تحريمها بين الناس، وكانت قبل ذلك عند اللَّه
стр. 12992
حرامًا، أو أول من أظهره بعد الطوفان.
وقال القرطبيّ: معناه إن اللَّه حرّم مكة ابتداء، من غير سبب ينسب لأحد، ولا لأحد فيه مدخل، قال: ولأجل هذا أكّد المعنى بقوله: "ولم يحرمها الناس"، والمراد بقوله: "ولم يحرّمها الناس" أن تحريمها ثابتٌ بالشرع، لا مدخل للعقل فيه، أو المراد أنها من محرّمات اللَّه، فيجب امتثال ذلك، وليس من محرّمات الناس، يعني في الجاهلية، كما حرموا أشياء من عند أنفسهم، فلا يسوغ الاجتهاد في تركه. وقيل: معناه أن حرمتها مستمرّة من أول الخلق، وليس مما اختصّت به شريعة النبيّ ﷺ انتهى (١).
(فَهُوَ) أي البلد (حَرَامٌ) أي محرّمٌ محترمٌ (بِحُرْمَةِ اللَّهِ) أي بسبب حرمة اللَّه تعالى، فالباء للسببية. ويجوز أن تكون للملابسة، فيكَون متعلّقًا بمحذوف، أي متلبّسًا بحرمة اللَّه، وهو تأكيد للتحريم (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة) متعلق بحرام، وفيه إيماء إلى أن النسخ لا يلحقه. وقال الحافظ: قوله: "بحرمة اللَّه" أي بتحريمه تعالى. وقيل: الحرمة الحقّ، أي حرامٌ بالحقّ المانع من تحليله.
(لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ) ببناء الفعل للمفعول، أي لا يقطع. وفي حديث أبي شُرَيح: "ولا يعضدُ بها شجر" قال ابن الجوزيّ: أصحاب الحديث يقولون: "يعضد" بضم الضاد، وقال لنا ابن الخشّاب: هو بكسرها، والمعضد بكسر أوله: الآلة التي يقطع بها. قال الخليل: المعضد: الممتهن من السيوف في قطع الشجر. وقال الطبريّ: أصله من عَضَدَ الرجل: إذا أصابه بسوء في عضده. ووقع في رواية لعمر بن شبّة بلفظ: "لا يخضد" بالخاء المعجمة بدل العين المهملة، وهو راجع إلى معناه، فإن أصل الخضد الكسر، ويستعمل في القطع.
(وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ) بضم أوله، وتشديد الفاء المفتوحة، مبنيًّا للمفعول، أي لا يصاح عليه، فينفر. وقال سفيان بن عيينة: معناه أن يكون في ظلّ الشجرة، فلا ينفّر ليجلس مكانه، ويستظلّ. قال الطبريّ: لا خلاف أنه لو نفّره، وسلم فلا جزاء عليه، لكنه يأثم بارتكابه النهي، فلو أتلفه، أو تلف بتنفيره وجب جزاؤه. وقال النوويّ: يحرم التنفير، وهو الإزعاج عن موضعه، فإن نفّره عصى، سواء تلف، أو لا، فإن تلف في نفاره قبل سكونه ضمن، وإلا فلا. قال العلماء: يستفاد من النهي عن التنفير تحريم الإتلاف بالأولى انتهى (٢).
وقال الحافظ: قيل: تنفير الصيد كناية عن الاصطياد. وقيل: هو على ظاهره. وفي "صحيح البخاريّ" عن خالد الحذّاء، عن عكرمة، قال: هل تدري "ما لا ينفّر صيدها؟ "
стр. 12993
هو أن ينحّيه من الظلّ ينزل مكانه. قيل: نبه عكرمة بذلك على المنع من الإتلاف، وسائر أنواع الأذى، تنبيهًا بالأدنى على الأعلى. وقد خالف عكرمةً عطاءٌ، ومجاهد، فقالا: لا بأس بطرده ما لم يُفض إلى قتله. أخرجه ابن أبي شيبة. وروى ابن أبي شيبة أيضًا من طريق الحكم، عن شيخ من أهل مكة أن حمامًا كان على البيت، فذرق على يد عمر، فأشار عمر بيده، فطار، فوقع على بعض بيوت مكة، فجاءت حيّة، فأكلته، فحكم عمر على نفسه بشاة. وروي من طريق أخرى عن عثمان نحوه (١).
(وَلَا يَلْتَقِطُ) بالبناء للفاعل (لُقَطَتَهُ) بالنصب على أنه مفعول مقدّم، والفاعل قوله: "إلا من عرّفها".
و"اللقطة" الشيء الذي يُلتقط، وهو بضم اللام، وفتح القاف على المشهور، عند أهل اللغة، والمحدّثين. وقال عياض: لا يجوز غيره. وقال الزمخشريّ في "الفائق": اللقطة بفتح القاف، والعامة تسكّنها. كذا قال. وقد جزم الخليل بأنها بالسكون، قال: وأما بالفتح فهو اللاقط. وقال الأزهريّ: هذا الذي قاله هو القياس، ولكن الذي سُمع من العرب، وأجمع عليه أهل اللعْة، والحديث الفتح. وقال ابن برّيّ: التحريك للمفعول نادر، فاقتضى أن الذي قاله الخليل هو القياس. وفيها لغتان أيضًا: لُقَاطة بضم اللام، ولَقطة بفتحها، وقد نظم الأربعة ابن مالك حيث قال:
لُقَاطَةٌ وَلَقْطَةٌ وَلُقَطَهْ … وَلُقْطَةٌ مَا لَاقِطٌ قَدْ لَقَطَهْ
ووجّه بعض المتأخّرين فتح القاف في المأخوذ أنه للمبالغة، وذلك لمعنى فيها اختصّت به، وهو أن كلّ من يراها يميل لأخذها، فسميت باسم الفاعل لذلك. قاله في "الفتح" (٢).
(إِلاَّ مَنْ عَرَّفَهَا) بتشديد الراء، من التعريف: أي من أراد تعريفها، وإشهارها، ثم يحفظها لمالكها, ولا يتملّكها، بخلاف لقطة غير الحرم، فإنه يلتقطها ليتصرّف فيها بعد التعريف سنة.
وقال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: قيل: أي إلا من عرّفها على الدوام ليحصل به الفرق بين الحرم وغيره، وإلا لا يحسن ذكره ههنا في محلّ ذكر الأحكام المخصوصة بالحرم الثابتة له بمقتضى التحريم. ومن لا يقول بوجوب التعريف على الدوام يرى أن تخصيصه كتخصيص الإحرام بالنهي عن الفسوق في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ
стр. 12994
وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] مع أن النهي عامّ.
وحاصله زيادة الاهتمام بأمر الإحرام، وبيان أن الاجتناب عن الفسوق في الإحرام آكد، فكذا التخصيص ههنا لزيادة الاهتمام بأمر الحرم، وأن التعريف في لقطته متأكد. (١).
وقال في "الفتح": والمعنى لا تحلّ لقطتها إلا لمن يريد أن يعرّفها فقط، فأما من أراد أن يعرّفها، ثم يتملّكها فلا.
(وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهُ) ببناء الفعل للمفعول. أي لا يُجزّ، ولا يُقطع نباته الرطب. و"الخلا" بالخاء المعجمة، والقصر، وحكي فيه المدَّ (٢): النبات الرطب الرقيق ما دام رطبًا، فإذا يبس فهو حشيش. واختلاؤه: قطعه. قاله ابن الأثير (٣). وقال الفيوميّ: والخلا بالقصر: الرطب من النبات، الواحدة خلاة، مثل حصًى وحصاة. قال في "الكفاية": الخلا: الرَّطْب، وهو ما كان غَضًّا من الكلأ، وأما الحشيش فهو اليابس. واختليتُ الخلاءَ اختلاء: قطعته، وخليته خَلْيًا، من باب رمى مثله، والفاعل مُخْتَلٍ، وخالٍ. وفي الحديث: "لا يُختلى خلاها": أي لا يُجَزُّ انتهى.
(قَالَ الْعَبَّاسُ) بن عبد المطلب عم رسول اللَّه ﷺ . زاد في الرواية الآتي-١٢٠/ ٢٨٩٣ - : "وكان رجلاً مجرْبًا" (يَا رَسُولَ اللَّه، إلاَّ الإذْخِرَ) يجوز فيه الرفع والنصب، أما الرفع، فعلى البدل مما قبله، وأما النصب فلكونه استثناء واقعًا بعد النفي. قال ابن مالك: المختار النصب؛ لكون الاستثناء وقع متراخيًا عن المستثنى منه، فبعدت المشاكلة بالبدليّة، ولكون الاستثناء أيضًا عرض في آخر الكلام، ولم يكن مقصودًا. زاد في الرواية الآتية -١٢٠/ ٢٨٩٣ - : "فإنه لبيوتنا، وقبورنا".
و"الإذخر": بكسر الهمزة، والخاء المعجمة، بينهما ذال معجمة ساكنة: نبت معروف طيب الريح، له أصل مُنْدَفِنٌ، أي ماضِ في الأرض، وقضبان دقاق، ينبت في السهل والحزن، وبالمغرب صنف منه، فيما قاله ابن البيطار. قال: والذي بمكة اْجوده، وأهل مكة يسقّفون به البيوت بين الْخُشُب. يعني يجعلونه تحت الطين، وفوق الخشب؛ ليسدّ الخلل، فلا يسقط الطين، وكذا يجعلونه في القبور، يعني يسدون به الخلل بين اللبنات في القبور، وكانوا يستعملونه بدلاً من الحلفاء في الوقود، ولهذا قال العباس: "فإنه لقينهم". و"القين" بفتح القاف، وسكون التحتانيّة، بعدها نون: الحدَّاد،
стр. 12995
وحاجته إليه أنه يوقد به النار. وقال الطبريّ: القين عند العرب كلّ ذي صناعة يُعالجها بنفسه. ووقع في رواية للبخاريّ في "المغازي": "فإنه لا بدّ منه للقين، والبيوت"، وفي رواية له: "فإنه لصاغتنا، وقبورنا". ووقع في مرسل مجاهد عند عمر بن شبّة الجمع بين الثلاثة، ووقع عنده أيضًا: "فقال العباس: يا رسول اللَّه إن أهل مكة لا صبر لهم عن الإذخر، لقينهم، وبيوتهم".
وهذا يدلّ على أنَّ الاستثناء في حديث الباب لم يرد به العباس أن يستثني هو، وإنما أراد أن يلقّن النبيّ ﷺ الاستثناء. أفاده في "الفتح" (١).
(فَذَكَرَ كَلِمَةً) أي ذكر النبيّ ﷺ كلمة لم يحفظها الراوي، وإنما حفظ معناها، كما بينه بقوله (مَعْنَاهَا) أي معنى تلك الكلمة، وهو مبتدأ خبره قوله (إِلاَّ الْإذْخِرَ) حاصله أن الراوي شكّ في لفظ الاستثناء في كلام النبيّ ﷺ ، مع أنه حفظ لفظ العباس، فبين أنه حفظ المعنى، لا اللفظ، وهو "إلا الإذخر". وهو استثناء بعض من كلّ؛ لدخول الإذخر في عموم ما يُختلى.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: اختلفوا هل كان قوله ﷺ : "إلا الإذخر" باجتهاد، أو وحي؟. وقيل: كَأَنَّ اللَّه تعالى فوّض له الحكم في هذه المسألة مطلقًا. وقيل: أوحي إليه قبل ذلك أنه إن طلب أحد استثناء شيء من ذلك، فأجب سؤاله.
وقال الطبريّ: ساغ للعباس أن يستثني الإذخر لأنه احتمل عنده أن يكون المراد بتحريم مكة تحريم القتال، دون ما ذكر من تحريم الاختلاء، فإنه من تحريم الرسول جميد باجتهاده، فساغ له أن يسأله استثناء الإذخر. وهذا مبنيّ على أن الرسول ﷺ كان له اجتهاد في الأحكام. وليس ما قاله بلازم، بل في تقريره ﷺ للعباس على ذلك دليل على جواز تخصيص العامّ.
وحكى ابن بطال عن المهلّب أن الاستثناء هنا للضرورة، كتحليل أكل الميتة عند الضرورة، وقد بين العباس ذلك بان الإذخر لا غنى لأهل مكة عنه.
وتعقّبه ابن المنيّر بأن الذي يباح للضرورة يشترط حصولها فيه، فلو كان الإذخر مثل الميتة لامتنع استعماله إلا فيمن تحقّقت ضرورته إليه، والإجماع على أنه مباح مطلقًا بغير قيد الضرورة انتهى.
قال الحافظ: ويحتمل أن يكون مراد المهلّب بأن أصل إباحته كانت للضرورة، وسببها, لا أنه يريد أنه مقيّد بها.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي أجاب به الحافظ عن المهلّب فيه نظر، إذ
стр. 12996
يردّه ظاهر تشبيهه بأكل الميتة عند الضرورة. فتأمل. واللَّه تعالى أعلم.
وقال ابن المنيّر -رحمه اللَّه تعالى-: الحقّ أن سؤال العباس كان على معنى الضراعة، وترخيص النبيّ ﷺ كان تبليغًا عن اللَّه تعالى، إما بطريق الإلهام، أو بطريق الوحي، ومن ادّعى أن نزول الوحي يحتاج إلى أمد متّسع فقد وهم. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١١٠/ ٢٨٧٥ و ١١١/ ٢٨٧٦ و ١٢٠/ ٢٨٩٣ - وفي "الكبرى" ١١٠/ ٣٨٥٧ و ١١١/ ٣٨٥٨ و ١٢٠/ ٣٨٧٥. وأخرجه (خ) في "الجنائز" ١٣٤٩ وفي "الحجّ " ١٥٨٧ و ١٨٣٣ و ١٨٣٤ و"البيوع" ٢٠٩٠ و"الجهاد" ٢٧٨٣ و ٢٨٢٥ و ٣٠٧٧ و"الجزية والموادعة" ٣١٨٩ و"المغازي" ٤٣١٣ (م) في "الحج" ١٣٥٣ و"الإمارة" ١٣٥٣ (د) في "المناسك" ٢٠١٧ و"الجهاد" ٢٤٨٠ (ت) في "السير" ١٥٩٠ (ق) في "الجهاد" ٢٧٧٣ (أحمد) في "مسند بني هاشم" ٢٢٧٩ و ٢٣٤٩ و ٢٨٩١ و ٢٩١٦ و ٣٢٤٣ (الدارميّ) في "السير" ٢٥١٢. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حرمة مكّة حرسها اللَّه تعالى. (ومنها): تحريم قطع شجر الحرم، وشوكه. قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: خصّ الفقهاء الشجر المنهيّ عن قطعه بما يُنبته اللَّه تعالى من غير صنع آدميّ، فأما ما ينبت بمعالجة آدميّ، فاختلف فيه، فالجمهور على الجواز، وقال الشافعيّ: في الجميع الجزاء، ورجحه ابن قدامة. واختلفوا في جزاء ما قُطع من النوع الأول، فقال مالك: لا جزاء فيه، بل يأثم. وقال عطاء: يستغفر. وقال أبو حنيفة: يؤخذ بقيمته هدي. وقال الشافعيّ: في العظيمة بقرة، وفيما دونها شاة. واحتجّ الطبريّ بالقياس على جزاء الصيد. وتعقّبه ابن القصّار بأنه كان يلزمه أن يجعل الجزاء على المحرم إذا قطع شيئًا من شجر الحلّ، ولا قائل به. وقال ابن العربيّ: اتفقوا على تحريم قطع شجر الحرم، إلا أن الشافعي أجاز قطع السواك من فروع الشجرة. كذا نقله أبو ثور عنه، وأجاز أيضًا أخذ
стр. 12997
الورق والثمر إذا كان لا يضرّها, ولا يهلكها، وبهذا قال عطاء، ومجاهد، وغيرهما، وأجازوا قطع الشوك لكونه يؤدي بطبعه، فأشبه الفواسق، ومنعه الجمهور، لهذا الحديث، وصححه المتولي من الشافعيّة، وأجابوا بأن القياس المذكور في مقابلة النصّ، فلا يعتبر به، حتى ولو لم يرد النصّ على تحريم الشوك، لكان في تحريم قطع الشجر دليل على تحريم قطع الشوك لأن غالب شجر الحرم كذلك، ولقيام الفارق أيضًا، فإن الفواسق المذكورة تقصد بالأذى، بخلاف الشجر، قال ابن قدامة: ولا بأس بالانتفاع بما انكسر من الأغصان، وانقطع من الشجر بغير صنع آدميّ، ولا بما يسقط من الورق نصّ عليه أحمد، ولا نعلم فيه خلافًا (١).
(ومنها): أنه استُدِلّ به على أن لقطة مكة لا تلتقط للتملّك، بل للتعريف خاصّة، وهو قول الجمهور، وإنما اختصَّ بذلك عندهم لإمكان إيصالها إلى ربّها؛ لأنها إن كانت للمكيّ فظاهر، وإن كانت للآفاقيّ، فلا يخلو أفق غالباً من وارد إليها، فإذا عرّفها واجدها في كلّ عام سهل التوصّل إلى معرفة صاحبها. قاله ابن بطال. وقال أكثر المالكية، وبعض الشافعيّة: هي كغيرها من البلاد، وإنما تختصّ مكة بالمبالغة في التعريف لأن الحاج يرجع إلى بلده، وقد لا يعود، فاحتاج الملتقط بها إلى المبالغة في التعريف (٢).
(ومنها): أن بعضهم استدلّ بهذا الحديث على اشتراط الإحرام على من دخل الحرم. قال القرطبيّ: معنى قوله: "حرمه اللَّه" أي يحرم على غير المحرم دخوله حتى يُحرم، ويَجري هذا مجرى قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] أي وطؤهنّ، وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] أي أكلها، فعرف الاستعمال يدلّ على تعيين المحذوف. قال: وقد دلّ على صحة هذا المعنى اعتذاره ﷺ عن دخوله مكة غير محرم، مقاتلاً بقوله: "لم تحلّ لي إلا ساعة من نهار" الحديث.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وهذا الاستدلال بعيد، وقد تقدم تحقيق المسألة، وأن الحقّ عدم وجوب الإحرام إلا لمن أراد الحجّ، أو العمرة، فلتُرَاجِعْ ما سبق في ١٠٧/ ٢٨٦٧. واللَّه تعالى أعلم.
(ومنها): أنه استدلّ به على تحريم قطع حشيش الحرم، واختلف في رعيه، فقال مالك، والكوفيون، واختاره الطبريّ: هو أشدّ من الاحتشاش. وقال الشافعيّ: لا بأس بالرعي لمصلحة البهائم، وهو عمل الناس، بخلاف الاحتشاش، فإنه المنهيّ عنه، فلا يتعدّى ذلك إلى غيره.
стр. 12998
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى- هو الأرجح عندي؛ لظاهر النصّ. واللَّه تعالى أعلم.
قال في "الفتح": وفي تخصيص التحريم بالرطب إشارة إلى جواز رعي اليابس، واختلائه، وهو أصحّ الوجهين للشافعيّة؛ لأن النبت اليابس كالصيد الميت. قال ابن قدامة: لكن في استثناء الإذخر إشارة إلى تحريم اليابس من الحشيش، ويدلّ عليه أن في بعض طرق حديث أبي هريرة ﵁: "ولا يُحتشّ حشيشها". قال: وأجمعوا على إباحة أخذ ما استنبته الناس في الحرم، من بقل، وزرع، ومشموم، فلا بأس برعيه، واختلائه انتهى.
(ومنها): أن بعضهم استدلّ به على جواز النسخ قبل الفعل، حيث استثنى ﷺ بقوله: "إلا الإذخر". قال الحافظ: وليس بواضح.
(ومنها): جواز الفصل بين المستثنى والمستثنى منه، ومذهب الجمهور اشتراط الاتصال، إما لفظًا، وإما حكمًا، لجواز الفصل بالتنفّس مثلاً، وقد اشتهر عن ابن عباس الجواز مطلقًا، ويمكن أن يحتجّ له بظاهر القصّة.
وأجابوا عن ذلك بأن هذا الاستثناء في حكم المتصل؛ لاحتمال أن يكون ﷺ أراد أن يقول: "إلا الإذخر"، فشغله العباس بكلامه، فوصل كلامه بكلام نفسه، فقال: "إلا الإذخر". وقد قال ابن مالك: يجوز الفصل مع إضمار الاستثناء، متّصلاً بالمستثنى منه.
(ومنها): بيان خصوصية النبيّ ﷺ بما ذُكر في الحديث. (ومنها): جواز مراجعة العالم في المصالح الشرعية، والمبادرة إلى ذلك في المجامع، والمشاهد. (ومنها): عظيم منزلة العباس ﵁ عند النبيّ ﷺ ، وعنايته بمكة لكونه كان بها أصله، ومنشؤه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١١١ - (تَحْرِيمُ الْقِتَالِ فِيهِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الضمير لمكة، وإنما ذكّره بتأويلها بالبلد، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: ٣]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٨٧٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ مُجَاهِدٍ, عَنْ طَاوُسٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , يَوْمَ فَتْحِ
стр. 12999
مَكَّةَ: «إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَامٌ, حَرَّمَهُ اللَّهُ , لَمْ يَحِلَّ فِيهِ الْقِتَالُ لأَحَدٍ قَبْلِي, وَأُحِلَّ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ, فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ »).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. و"مفضّل": هو ابن مهلهل السعديّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ الثقة الثبت النبيل العابد [٧] ٢٥/ ١٢٤٠.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم البحث فيه مستوفًى في الحديث الذي قبله، وبقي البحث في مسألتين:
(المسألة الأولى): أنه استُدلّ بقوله: "لم يحلّ فيه القتال لأحد قبلي"، وزاد في رواية أخرى للبخاريّ: "ولا يحلّ لأحد بعدي" على تحريم القتل، والقتال بالحرم، فأما القتل فنقل بعضهم الاتفاق على جواز إقامة حدّ القتل فيها على من أوقعه فيها، وخصّ الخلاف بمن قتل في الحلّ ثم لجأ إلى الحرم، وممن نقل الإجماع على ذلك ابن الجوزيّ. واحتجّ بعضهم بقتل ابن خطل بها, ولا حجة فيه؛ لأن ذلك كان في الوقت الذي أحلت فيه للنبيّ ﷺ -كما تقدّم. وزعم ابن حزم أن مقتضى قول ابن عمر، وابن عباس ﵃، وغيرهما أنه لا يجوز القتل فيها مطلقًا. ونقل التفصيل عن مجاهد، وعطاء.
وقال أبو حنيفة: لا يقتل في الحرم حتى يخرج إلى الحلّ باختياره، لكن لا يجالس، ولا يكلّم، ويوعظ، ويذكّر حتى يخرج.
وقال أبو يوسف: يُخرَج مضطرًّا إلى الحلّ، وفعله ابن الزبير. وروى ابن أبي شيبة من طريق طاوس، عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -: "من أصاب حدًّا، ثم دخل الحرم، لم يُجالس، ولم يبايع".
وعن مالك، والشافعيّ: يجوز إقامة الحدّ مطلقًا فيها؛ لأن العاصي هتك حرمة نفسه، فأبطل ما جعل اللَّه له من الأمن.
وأما القتال، فقال الماورديّ: من خصائص مكة أن لا يحارب أهلها، فلو بغوا على أهل العدل، فإن أمكن ردّهم بغير قتال لم يجز، وإن لم يمكن إلا بالقتال، فقال الجمهور: يقاتلون؛ لأن قتال البغاة من حقوق اللَّه تعالى، فلا يجوز إضاعتها.
وقال آخرون: لا يجوز قتالهم، بل يضيّق عليهم إلى أن يرجعوا إلى الطاعة. قال النوويّ: والأول نصّ عليه الشافعيّ، وأجاب أصحابه عن الحديث بحمله على تحريم نصب القتال بما يعمّ أذاه، كالمنجنيق، بخلاف ما لو تحصّن الكفّار في بلد، فإنه يجوز قتالهم على كلّ وجه. وعن الشافعيّ قول آخر بالتحريم، اختاره القفّال، وجزم به في
стр. 13000
"شرح التلخيص"، وقال به جماعة من علماء الشافعيّة، والمالكيّة. قال الطبريّ: من أتى حدًّا في الحلّ، واستجار بالحرم، فللإمام إلجاؤه إلى الخروج منه، وليس للإمام أن ينصب عليه الحرب، بل يُحاصره، ويضيّق عليه حتى يُذعن للطاعة؛ لقوله ﷺ : "وإنما أُحلّت لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس"، فعلم أنها لا تحلّ لأحد بعده بالمعنى الذي حلّت له به، وهو محاربة أهلها، والقتل فيها. ومال ابن العربيّ إلى هذا. وقال ابن المنيّر: قد أكّد النبيّ ﷺ التحريم بقوله: "حرّمه اللَّه"، ثم قال: "فهو حرام بحرمة اللَّه"، ثم قال: "ولم تحلّ لي إلا ساعة من نهار"، وكان إذا أراد التأكيد ذكر الشيء ثلاثاً، قال: فهذا نصّ لا يحتمل التأويل.
وقال القرطبيّ: ظاهر الحديث يقتضي تخصيصه ﷺ بالقتال؛ لاعتذاره عما أبيح له من ذلك مع أن أهل مكة كانوا إذ ذاك مسحقّين للقتال، والقتل؛ لصدّهم عن المسجد الحرام، وإخراجهم أهله منه، وكفرهم، وهذا الذي فهمه أبو شُريح كما في حديثه الآتي، وقال به غير واحد من أهل العلم.
وقال ابن دقيق العيد: يتأكد القول بالتحريم بأن الحديث دالّ على أن المأذون للنبيّ ﷺ فيه لم يؤذن لغيره فيه، والذي وقع له إنما هو مطلق القتال، لا القتال الخاصّ بما يعمّ، كالمنجنيق، فكيف يسوغ التأويل المذكور؟ وأيضًا فسياق الحديث يدلّ على أن التحريم لإظهار حرمة البقعة بتحريم سفك الدماء فيها، وذلك لا يختصّ بما يستأصل. قاله في "الفتح" (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن مما ذُكر من التحقيقات المذكور أن القول الراجح تحريم القتال في الحرم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم، هل مكة فتحت عنوة، أو صلحًا؟:
ذهب جمع من أهل العلم إلى أنها فتحت عنوةً، وهو قول الأكثرين. وذهب الشافعيّ، وأحمد في رواية عنه إلى أنها فتحت صلحًا؛ واحتجّوا بتأمين النبيّ ﷺ أهلها, ولإضافة الدار إلى أهلها؛ ولأنها لم تقسم؛ ولأن الغانمين لم يملكوا دورها، وإلا لجاز إخراج أهل الدار منها.
واحتجّ الأولون بما وقع من تصريحه ﷺ من الأمر بالقتال، ووقوعه من خالد بن الوليد، وبتصريحه ﷺ بأنها أحلت له ساعة من نهار، ونهيه عن التأسي به في ذلك.
وأجابوا عن ترك القسمة بأنها لا تستلزم عدم العنوة، فقد تفتح البلدة عنوة، ويمنّ على أهلها، وُيترك لهم دورهم، وغنائمهم؛ لأن قسمة الأرض المغنومة ليست متفقًا
стр. 13001
عليها، بل الخلاف ثابت عن الصحابة، فمن بعدهم، وقد فُتحت أكثر البلاد عنوة، فلم تقسم، وذلك في زمن عمر، وعثمان، مع وجود أكثر الصحابة، وقد زادت مكة عن ذلك بأمر لمجن أن يدّعى اختصاصها به، دون بقية البلاد، وهي أنها دار النسك، ومتعبّد الخلق، وقد جعلها اللَّه تعالى حرمًا، سواء العاكف فيه والباد.
قال الحافظ: وأما قول النوويّ: احتجّ الشافعيّ بالأحاديث المشهورة بأن النبيّ ﷺ صالحهم بمرّ الظهران قبل دخول مكة، ففيه نظر؛ لأن الذي أشار إليه إن كان مراده ما وقع له ﷺ : "من دخل دار أبي سفيان، فهو آمن"، كما في "صحيح البخاريّ"، وكذا: "من دخل المسجد"، كما عند ابن إسحاق، فإن ذلك لا يسمى صلحًا إلا إذا التزم من أشير إليه بذلك الكفّ عن القتال، والذي ورد في الأحاديث الصحيحة ظاهر في أن قريشًا لم يلتزموا ذلك؛ لأنهم استعدّوا للحرب، كما ثبت في حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم: "إن قريشًا وَبَّشَتْ (١) أوباشًا لها، وأتباعًا، فقالوا: نقدّم هؤلاء، فإن كان لهم شيء كنا معهم، وإن أصيبوا أعطيناه الذي سألنا، فقال النبيّ ﷺ : أترون أوباش قريش؟ ثم قال بإحدى يديه على الأخرى، أي احصدوهم حصدًا، حتى توافوني على الصفا، قال: فانطلقنا، فما نشاء أن نقتل أحدًا إلا قتلناه".
وإن كان مراده بالصلح وقوع عقد به، فهذا لم يُنقل، ولا أظنه عنى إلا الاحتمال الأول، وفيه ما ذكرته.
وتمسّك أيضًا من قال: إنه مبهم بما وقع عند ابن إسحاق في سياق قصّة الفتح: فقال العباس: لعلي أجد بعض الحطابة، أو صاحب لبن، أو ذا حاجة يأتي مكة، فيخبرهم بمكان رسول اللَّه ﷺ ليخرجوا إليه، فيستأمنوه قبل أن يدخلها عنوة، ثم قال في القصّة بعد قصّة أبي سفيان: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن"، فتفرق الناس إلى دورهم، وإلى المسجد.
وعند موسى بن عقبة في "المغازي" -وهي أصحّ ما صُنّف في ذلك عند جماعة-: ما نصّه: أن أبا سفيان، وحكيم بن حزام، قالا: يا رسول اللَّه كنت حقيقًا أن تجعل عُدّتك، وكيدك بهوازن، فإنهم أبعد رحمًا، وأشدّ عداوة، فقال: "إني أرجو أن يجمعهما اللَّه لي: فتح مكة، وإعزاز الإسلام بها، وهزيمة هوازن، وغنيمة أموالهم"، فقال أبو سفيان، وحكيم: فادع الناس بالأمان، أرأيت إن اعتزلت قريش، فكفت أيديها آامنون هم؟ قال: "من كفّ يده، وأغلق داره، فهو آمن"، قالوا: فابعثنا نؤذن بذلك فيهم، قال: "انطلقوا، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل دار حكيم فهو آمن، ودار أبي سفيان بأعلى مكة، ودار حكيم بأسفلها، فلما توجها قال العباس: يا رسول اللَّه إني
стр. 13002
لا آمن أبا سفيان أن يرتدّ، فردّه حتى تريه جنود اللَّه، قال: "افعل"، فذكر القصّة، وفي ذلك تصريح بعموم التأمين، فكان هذا أمانًا منه لكلّ من لم يقاتل من أهل مكة، فمن ثمّ قال الشافعيّ: كانت مكة مأمونة، ولم يكن فتحها عنوةً، والأمان كالصلح، وأما الذين تعرّضوا للقتال، أو الذين استثنوا من الأمان، وأمران يقتلوا, ولو تعلّقوا بأستار الكعبة، فلا يستلزم ذلك أنها فتحت عنوة.
ويمكن الجمع بين حديث أبي هريرة في أمره ﷺ بالقتال، وبين تأمينه ﷺ لهم بأن يكون التأمين علّق بشرط، وهو ترك قريش المجاهرة بالقتال، فلما تفرّقوا إلى دورهم، ورضوا بالتأمين المذكور لم يستلزم أن أوباشهم الذين لم يقبلوا ذلك، وقاتلوا خالد بن الوليد، ومن معه، فقاتلهم حتى قتلهم، وهزمهم أن تكون البلدة فتحت عنوة؛ لأن العبرة بالأصول، لا بالأتباع، وبالأكثر، لا بالأقلّ، ولا خلاف مع ذلك أنه لم يجر فيها قسم غنيمة، ولا سبي من أهلها ممن باشر القتال أحد، وهو مما يؤيّد قول من قال: لم يكن فتحها عنوة. وعند أبي داود بإسناد حسن، عن جابر ﵁ أنه سئل هل غنمتم يوم الفتح شيئًا؟ قال: لا.
وجنحت طائفة- منهم الماورديّ- إلى أن بعضها فتح عنوة لما وقع من قصّة خالد بن الوليد المذكورة، وقرر ذلك الحاكم في "الإكليل".
قال الحافظ: والحقّ أن صورة فتحها كان عنوةً، ومعاملة أهلها معاملة من دخل بأمان.
ومنع جمع منهم السهيليّ ترتب عدم قسمتها، وجواز بيع دورها، وإجارتها على أنها فتحت صلحًا:
أما أوّلاً فلأن الإمام مخيّر في قسمة الأرض بين الغانمين، إذا انتُزِعَت من الكفار، وبين إبقائها وقفًا على المسلمين، ولا يلزم من ذلك منع بيع الدور، وإجارتها.
وأما ثانيًا، فقال بعضهم: لا تدخل الأرض في حكم الأموال؛ لأن من مضى كانوا إذا غلبوا على الكفار لم يغنموا الأموال، فتنزل النار، فتأكلها، وتصير الأرض عمومًا لهم، كما قال اللَّه تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٢١]. وقال: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ الآية [الأعراف: ١٣٧]. والمسألة مشهورة فلا نطيل بها هنا. قاله في "الفتح" (١).
стр. 13003
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يترجح عندي قول من قال: إن مكة فتحت عنوة؛ لوضوح أدلته المتقدّمة، ولا يلزم من ذلك عدم قسمتها بين الغانمين, لأن للإمام أن يمتنّ على أهل البلد بما رأى، فقد منّ ﷺ على أهل مكة بأنفسهم، وأموالهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٨٧٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ, عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ, أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ -وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ-: ائْذَنْ لِي, أَيُّهَا الأَمِيرُ, أُحَدِّثْكَ قَوْلاً, قَامَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ, سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ, وَوَعَاهُ قَلْبِي, وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ, حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ, حَمِدَ اللَّهَ, وَأَثْنَى عَلَيْهِ, ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ, وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ, وَلَا يَحِلُّ لاِمْرِئٍ, يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ, أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا, وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرًا, فَإِنْ تَرَخَّصَ أَحَدٌ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهَا, فَقُولُوا لَهُ: إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ, وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ, وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ, كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ, وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ»).
رجال هذا الإسناد: أَربعة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (الليث) بن سعد الإمام الحجة الثبت المصريّ [٧] ٣١/ ٣٥.
٣ - (سعيد بن أبي سعيد) كيسان المقبريّ، أبو سَعْد المدنيّ الحجة الفقيه [٣] ٩٥/ ١١٧.
٤ - (أبو شُريح) الخزاعيّ الكعبيّ، اختُلف في اسمه، فقيل: خُويلد بن عمرو، وقيل: عمرو بن خويلد، وقيل: عبد الرحمن بن عمرو، وقيل: هانئ، وقيل: كعب، والمشهور الأول، وهو خويلد بن عمرو بن صخر بن عبد العزّى بن معاوية بن المحترش بن عمرو بن مازن بن عديّ بن عمرو بن ربيعة، أسلم يوم الفتح، وكان يحمل أحد ألوية بني كعب. روى عن النبيّ ﷺ ، وعن ابن مسعود. وعنه أبو سعيد المقبريّ، وسعيد المقبريّ، ونافع بن جبير بن مطعم، وسفيان بن أبي العوجاء. قال ابن سعد: مات بالمدينة سنة (٦٨)، وله أحاديث. وقال الواقديّ: كان من عقلاء أهل المدينة. وقال العسكريّ: توفي سنة (٦٨) وقيل: سنة (٥٨) انتهى. والأول أصحّ؛ لأن قصته مع عمرو بن سعيد المذكورة في حديث الباب كانت في خلافة يزيد بن معاوية بعد سنة ستين. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من رباعيّات المصنف -رحمه اللَّه تعالى- وهو (١٤٩) من رباعيات
стр. 13004
الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه مدنيين: سعيد، وأبو شريح، ومصريين: الليث، وقتيبة، وهو وإن كان بغلانيًا، إلا أنه دخل مصر. (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية, فليس له إلا نحو ستّة أحاديث، راجع "تحفة الأشراف" ٩/ ٢٢٣ - ٢٢٦. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ) الخزاعيّ - رضي اللَّه تعالى عنه -. زاد في رواية البخاريّ في "الحج": "العدويّ"، فقال "في "الفتح": كذا وقع هنا، وفيه نظر؛ لأنه خزاعيّ، من بني كعب بن ربيعة بن لحيّ، بطن من خزاعة، ولهذا يقال له الكعبيّ أيضًا, وليس هو من بني عديّ، لا من عديّ قريش، ولا عديّ مضر، فلعله كان حليفًا لبني عديّ بن كعب من قريش. وقيل: في خزاعة بطن يقال لهم: بنو عديّ. وقد وقع في رواية ابن أبي ذئب عن سعيد: سمعت أبا شريح. أخرجه أحمد انتهى (أَنَّهُ قَالَ: لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ) بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية القرشيّ الأمويّ المعروف بالأشدق، وليست له صحبة، ولا كان من التابعين لهم بإحسان (وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ) جمع بعث بمعنى مبعوث، وهو من تسمية المفعول بالمصدر، والمراد به الجيش المجهّز للقتال (إِلَى مَكَّةَ) متعلّق بيبعث، وجملة: "وهو يبعث الخ" في محلّ نصب على الحال من عمرو، أي والحال أن عمرو ابن سعيد يرسل الجيوش لقتال عبد اللَّه بن الزبير؛ لكونه امتنع من مبايعة يزيد بن معاوية، واعتصم بالحرم، وكان عمرو والي يزيد على المدينة.
[فائدة]: ذكر في "الفتح" في "كتاب العلم" قصة بعث عمرو سعيد بعثه إلى مكة، وملخصها: أن معاوية عهد بالخلافة بعده ليزيد بن معاوية، فبايعه الناس، إلا الحسين ابن عليّ، وابن الزبير، فأما ابن أبي بكر، فمات قبل موت معاوية، وأما ابن عمر، فبايع ليزيد عقب موت أبيه، وأما الحسين بن عليّ، فسار إلى الكوفة لاستدعائهم إياه ليبايعوه، فكان ذلك سبب قتله، وأما ابن الزبير، فاعتصم، ويسمّى عائذ البيت، وغلب على أمر مكة، فكان يزيد بن معاوية يأمر أمراءه على المدينة أن يجهّزوا الجيوش، فكان آخر ذلك أن أهل المدينة اجتمعوا على خلع يزيد من الخلافة (١).
وذكر في "كتاب الحجّ": ما نصّه: وقد ذكر الطبريّ القصّة عن مشايخه، فقالوا: كان قدوم عمرو بن سعيد واليًا على المدينة من قِبَل يزيد بن معاوية في ذي القعدة سنة ستين. وقيل: قدمها في رمضان منها، وهي السنة التي ولي فيها يزيد الخلافة، فامتنع ابن الزبير
стр. 13005
من بيعته، وأقام بمكة، فجهّز إليه عمرو بن سعيد جيشًا، وأمر عليهم عمرو ابن الزبير، وكان معاديًا لأخيه عبد اللَّه، وكان عمرو بن سعيد قد ولّاه شرطته، ثم أرسله إلى قتال أخيه، فجاء مروان إلى عمرو بن سعيد، فنهاه، فامتنع، وجاء أبو شريح، فذكر القصّة، فلما نزل الجيش ذا طوى خرج إليهم جماعة من أهل مكة، فهزموهم، وأُسر عمرو بن الزبير، فسجنه أخوه بسخن عارم، وكان عمرو بن الزبير قد ضرب جماعة من أهل المدينة ممن اتهم بالميل إلى أخيه، فأقادهم عبد اللَّه منه حتى مات عمرو من ذلك.
[تنبيه]: وقع في "السير" لابن إسحاق، و"مغازي الواقديّ " أن المراجعة المذكورة وقعت بين أبي شريح، وبين عمرو بن الزبير، فإن كان محفوظًا احتمل أن يكون أبو شريح راجع الباعث، والمبعوث. واللَّه أعلم انتهى (١).
(ايْذَنْ لِي) فعل أمر من الإذن، وأصله ائذن بهمزتين، فقلبت الثانية ياء لسكونها، وانكسار ما قبلها.
[تنبه]: هذا الذي ذكرته من ضبط "ايذن" بالياء هو الذي في النسخة "الهندية" وهو الموافق لما في "الصحيح"، ووقع في النسخ المطبوعة، و"الكبرى" "ائذن" بهمزة ساكنة على الأصل. فتنبه، واللَّه تعالى أعلم.
(أَيُّهَا الْأَمِيرُ) بحذف حرف النداء، وأصله: يا أيها الأمير، ويستفاد منه حسن التَّلَطُّفِ في مخاطبة السلطان ليكون أدعى لقبوله النصيحة، وأن السلطان لا يخاطب إلا بعد استئذانه، ولا سيما إذا كان في أمر يعترض به عليه، فترك ذلك، والغلظة له قد يكون سببا لإثارة نفسه، ومعاندة من يخاطبه (أُحَدَّثْكَ) بالجزم لأنه جواب الأمر (قَوْلاً، قَامَ بهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) جملة "قام" صفة لقولاً، والمقول حمد اللَّه تعالى الخ (الْغَدَ) منصوب على الظرفية متعلق بقام (مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ) أي أنه خطب في اليوم الثاني من فتح مكة.
ووقع عند أحمد من طريق ابن إسحاق، عن سعيد المقبريّ زيادة في أوله توضّح المقصود، وهي: "لما بعث عمرو بن سعيد إلى مكة بعثه لغزو ابن الزبير أتاه أبو شُريح، فكلمه، وأخبره بما سمع من رسول اللَّه ﷺ ، ثم خرج إلى نادي قومه، فجلس فيه، فقمت إليه، فجلست معه، فحدث قومه، قال: قلت له: يا هذا إنا كنا مع رسول اللَّه ﷺ حين افتتح مكة، فلما كان الغد من يوم الفتح عدت خزاعة على رجل من هذيل، فقتلوه، وهو مشرك، فقام فينا رسول اللَّه ﷺ خطيبًا"، فذكر الحديث. وأخرج أحمد أيضًا من طريق الزهريّ، عن مسلم بن يزيد الليثيّ، عن أبي شريح الخزاعيّ أنه سمعه يقول: "أذن لنا رسول اللَّه ﷺ يوم الفتح في قتال بني بكر حتى أصبنا منهم ثأرنا، وهو بمكة، ثم أمر رسول اللَّه ﷺ بوضع السيف، فلقي الغدَ رهطٌ منا رجلا من هذيل في
стр. 13006
الحرّ يريد رسول اللَّه ﷺ ، وقد كان وَتَرَهم في الجاهلية، وكانوا يطلبونه، فقتلوه، فلما بلغ ذلك رسول اللَّه ﷺ غضب غضبًا شديدًا ما رأيته غضب غضبًا أشدّ منه، فلما صلى قام، فأثنى على اللَّه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فإن اللَّه حرّم مكة انتهى.
(سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ) أراد أنه بالغ في حفظه، والتثبت فيه، وأنه لم يأخذه بواسطة، وأتى بالتثنية تأكيدًا (وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأبْصَرَتْهُ عَينَايَ، حِينَ تَكَلَّمَ بهِ) أي بذلك القول.
وفي هذا الكلام إشارة إلى بيان حفظه له من جميع الوَجوه، فقوله: "سمعته" أي حملته عنه بغير واسطة، وذكر الأذنين للتأكيد. وقوله: "ووعاه قلبي" تحقيق لفهمه، وتثبّته. وقوله: "وأبصرته عيناي" زيادة في تحقيق ذلك، وأن سماعه منه ليس اعتمادًا على الصوت فقط، بل مع المشاهدة. وقوله: "حين تكلَّم به" أي بالقول المذكور. ويؤخذ من قوله: "ووعاه قلبي" أن العقل محله القلب.
(حَمِدَ اللَّهَ) هو بيان لقوله: "تكلم". ويؤخذ منه استحباب الثناء على اللَّه تعالى بين يدي تعليم العلم، وتبيين الأحكام، والخطبة في الأمور المهمّة، وقد تقدم من رواية ابن إسحاق أنه قال فيها: "أما بعد" (وَأَثْنَى عَلَيْهِ) عطف على جملة الحمد، من عطف العام على الخاصّ (ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ مَكةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ، وَلَمْ يُحَرَّمْهَا النَّاسُ) بضم أوله، من التحريم، أي أن تحريمها كان بوحي من اللَّه، لا من اصطلاح الناس. وتقدم الجمع بين هذا وبين حديث "إن إبراهيم حرم مكة" في شرح حيث ابن عباس الماضي (وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ، يُؤمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) فيه تنبيه على الامتثال؛ لأن من آمن باللَّه لزمته طاعته، ومن آمن باليوم الآخر لزمه امتثال ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه؛ خوف الحساب عليه، وقد تعلّق به من قال: إن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة، والصحيح عند الأكثرين خلافه، وجوابهم بأن المؤمن هو الذي ينقاد للأحكام، وينزجر عن المحرّمات، فجعل الكلام معه، وليس فيه نفي ذلك عن غيره.
وقال ابن دقيق العيد: الذي أراه أنه خطاب التهييج، نحو قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]. فالمعنى أن استحلال هذا المنهيّ عنه لا يليق بمن يؤمن باللَّه، واليوم الآخر، بل ينافيه، فهذا هو المقتضي لذكر هذا الوصف، ولو قيل: لا يحل لأحد مطلقًا لم يحصل منه هذا الغرض، وإن أفاد التحريم.
(أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا) بكسر الفاء، من باب ضرب، وفيه لغة أخرى، من باب قتل، وهو صبّ الدم، والمراد به القتل. واستدلّ به على تحريم القتل والقتال بمكة، وهو القول الراجح، وتقدّم تحقيقه قريبًا (وَلَا يَعْضِدَ بِها شَجَرًا) بكسر الضاد المعجمة (١)،
стр. 13007
وفتح الدال المهملة: أي يُقطع بالمِعضد، وهو آلة كالفأس.
(فَإِنْ تَرَخَّصَ أَحَدٌ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهَا) وفي رواية ابن أبي ذئب عند أحمد: "فإن ترخّص مترخّص، فقال: أحلّت لرسول اللَّه ﷺ ، فإن اللَّه أحلها لي، ولم يُحلّها للناس". وفي مرسل عطاء بن يزيد، عند سعيد بن منصور: "فلا يستنّ بي أحد، فيقول: قتل فيها رسول اللَّه ﷺ "
(فَقُولُوا لَهُ: إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ) ﷺ (وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ) بفتح أوله، والفاعل "اللَّه"، ويروى بضمة على البناء للمفعول.
والحاصل أن استدلاله باطل بوجهين: من جهة الخصوص، وعدم البقاء.
وقوله (لي) التفات؛ لأن نسق الكلام، وإنما أذن له، أي لرسوله (فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ) أي مقدارًا من الزمان، وهو ما بين طلوع الشمس، وصلاة العصر. وفي مسند أحمد، من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه: "لما فتحت مكة، قال: كفّوا السلاح، إلا خزاعة عن بني بكر، فأذن لهم حتى صلى العصر، ثم قال: كفوا السلاح، فلقي رجل من خزاعة رجلاً من بني بكر من غد بالمزدلفة، فقتله، فبلغ ذلك رسول اللَّه ﷺ ، فقام خطيبًا، فقال -ورأيته مسندًا ظهره إلى الكعبة … "، فذكر الحديث.
ويستفاد منه أن قتل من أذن النبيّ في قتلهم -كابن خطل- وقع في الوقت الذي أبيح للنبيّ ﷺ فيه القتال، خلافًا لمن حمل قوله: "ساعة من النهار" على ظاهره، فاحتاج إلى الجواب عن قصّة ابن خطل.
(وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا) أي الحكم الذي في مقابلة إباحة القتال المستفاد من لفظ الإذن (الْيَوْمَ) المراد به الزمن الحاضر، وقد بين غايته في رواية ابن أبي ذئب المذكورة بقوله: "ثم هي حرام إلى يوم القيامة"، وكذا في حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - المتقدّم بقوده: "فهو حرام بحرمة اللَّه إلى يوم القيامة" (كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ) وكتب السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- على قوله: "وقد عادت حرمتها الخ": ما نصّه: كناية عن عودة حرمتها بعد تلك الساعة كما كانت قبل تلك الساعة، فلا إشكال بأن الخطبة كانت في الغد من يوم الفتح، وعود الحرمة كان بعد تلك الساعة، لا في الغد، فما معنى اليوم، ولا بأن أمس هو يوم الفتح، وقد رُفعت الحرمة فيه، فكيف قيل: "كحرمتها بالأمس". ويحتمل أن يقال: "اليوم" ظرف للحرمة، لا للعود، ومعنى "كحرمتها" أي كرفع حرمتها، أي العود كالرفع، حيث كان كلّ منهما بأمره تعالى. واللَّه تعالى أعلم. انتهى (١).
стр. 13008
(وَلْيُبَلغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ ") أي ليبلّغ الشخص الحاضر هذه الخطبة إلى من كتاب عنها. قال ابن جرير -رحمه اللَّه تعالى-: فيه دليل على جواز قبول خبر الواحد؛ لأنه معلوم أن كلّ من شهد الخطبة قد لزمه الإبلاع، وأنه لم يأمرهم بإبلاغ الغائب عنهم إلا وهو لازم له فرض العمل بما أُبلِغَهُ، كالذي لزم السامع سواءً، وإلا لم يكن للأمر بالتبليغ فائدة انتهى.
زاد في رواية الشيخين في آخر الحديث: "فقيل لأبي شريح: ما قال لك عمرو؟ قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شُريح، إن الحرم لا يُعيذ عاصيًا, ولا فارًّا بخُربة" انتهى.
وقوله: "لا يعيذ" بالذال المعجمة: أي لا يُجير، ولا يَعصِم. وقوله. "فارًّا" بالفاء، وتثقيل الراء: أي هاربًا، والمراد من وجب عليه القتل، فهرب إلى مكة مستجيرًا بالحرم، وهي مسألة خلاف بين العلماء، وأغرب عمرو بن سعيد في سياقه الحكم مساق الدليل، وفي تخصيصه العموم بلا مستند.
وقوله: "بخربة" بفتح المعجمة، وإسكان الراء، ثم موحدة. يعني السرقة. وقيل: "الخربة" بالضم: الفساد، وبالفتح: السرقة. وأصلها سرقة الإبل، ثم استعملت في كل سرقة. وعن الخليل: الخربة الفساد في الإبل. وقيل: العيب. وقيل: بضم أوله: العورة. وقيل: الفساد، وبفتحه الفعلة الواحدة من الخرابة، وهي السرقة.
وقد وَهِمَ من عدّ كلام عمرو بن سعيد هذا حديثًا، واحتجّ بما تضمنه كلامه. قال ابن حزم: لا كرامة للطيم الشيطان يكون أعلم من صاحب رسول اللَّه ﷺ .
وأغرب ابن بطال، فزعم أن سكوت أبي شريح عن جواب عمرو بن سعيد دالّ على أنه رجع إليه في التفصيل المذكور. ويعكر عليه ما وقع في رواية أحمد أنه قال في آخره: "قال أبو شريح: فقلت لعمرو: قد كنتُ شاهدًا، وكنتَ غائبًا، وقد أمرنا أن يبلغ شاهدنا غائبنا، وقد بلغتك". فهذا يشعر بأنه لم يوافقه، وإنما ترك مشاققته لعجزه عنه لما كان فيه من قوة الشوكة.
وقال ابن بطال أيضًا: ليس قول عمرو جوابًا لأبي شُريح؛ لأنه لم يختلف معه في أن من أصاب حدَّا في غير الحرم، ثم لجأ إليه أنه يجوز إقامة الحدّ عليه في الحرم، فإن أبا شريح أنكر بعث عمرو الجيش إلى مكة، ونصب الحرب عليها، فأحسن في استدلاله بالحديث، وحاد عمرو عن جوابه، وأجاب عن غير سؤاله.
وتعقّبه الطيبيّ بأنه لم يحد في جوابه، وإنما أجاب بما يقتضي القول بالموجب، كأنه قال له: صحّ سماعك، وحفظك، لكن المعنى المراد من الحديث الذي ذكرته خلاف
стр. 13009
ما فهمته منه، فإن ذلك الترخص كان بسبب الفتح، وليس بسبب قتل من استحقّ القتل خارج الحرم، ثم استجار بالحرم، والذي أنا فيه من القبيل الثاني.
قال الحافظ: لكنها دعوى من عمرو بغير دليل؛ لأن ابن الزبير لم يجب عليه حدّ، فعاذ بالحرم فرارًا منه حتى يصحّ جواب عمرو. نعم كان عمرو يرى وجوب طاعة يزيد الذي استنابه، وكان يزيد أمر ابن الزبير أن يبايع له بالخلافة، ويحضر إليه في جامعة، يعني مغلولاً، فامتنع ابن الزبير، وعاذ بالحرم، فكان يقال له بذلك: عائذ اللَّه، وكان عمرو يعتقد أنه عاص بامتناعه من امتثاله أمر يزيد، ولهذا صدر كلامه بقوله: "إن الحرم لا يعيذ عاصيًا"، ثم ذكر بقية ما ذكر استطرادًا، فهذه شبهة عمرو، وهي واهية. قاله في "الفتح" (١).
وقال في موضع آخر: وقد تشدّق عمرو في الجواب، وأتى بكلام ظاهره حقٌ، لكن أراد به الباطل، فإن الصحابيّ أنكر عليه نصب الحرب على مكة، فأجابه بأنها لا تمنع من إقامة القصاص، وهو صحيح، إلا أن ابن الزبير لم يرتكب أمرًا يجب عليه فيه شيء من ذلك (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي شريح - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١١١/ ٢٨٧٧ - وفي "الكبرى" ١١١/ ٣٨٥٩. وأخرجه (خ) في "العلم" ١٠٤ و "الحج" ١٨٣٢ و"المغازي" ٤٢٩٥ (م) في "الحج" ١٣٥٤ (ت) في "الحج" ٤٠٩ و"الديات" ١٤٠٦ (أحمد) في "مسند المدنيين" ١٥٩٣٨ و ١٥٩٤٢ و"مسند القبائل" ٢٦٦١٩. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان تحريم القتال في الحرم.
(ومنها): بيان شرف مكة حرسها اللَّه تعالى. (ومنها): استحباب تقديم الحمد والثناء على اللَّه تعالى قبل الدخول في الكلام المقصود. (ومنها): أن التحليل والتحريم من عند اللَّه تعالى، لا مدخل للبشر فيه، وأن ذلك لا يعرف إلا منه سبحانه، وأن وظيفة
стр. 13010
الرسل تبليغ الك إلى الناس. (ومنها): إثبات خصائصَ لرسول اللَّه ﷺ ، واستواء المسلمين معه في الأحكام، إلا في تلك الخصائص. (ومنها): فضل أبي شريح لاتباعه أمر النبيّ ﷺ بالتبليغ عنه. (ومنها): جواز إخبار المرء عن نفسه بما يقتضي ثقته، وضبطه لما سمعه، ونحو ذلك. (ومنها): إنكار العالم على الحاكم ما يغيّره من أمر الدين، والموعظة بلطف، وتدرّج، والاقتصار في الإنكار على اللسان، إذا لم يستطع باليد. (ومنها): وقوع التأكيد في الكلام البليغ. (ومنها): جواز المجادلة في الأمور الدينيّة. (ومنها): جواز النسخ. (ومنها): أن مسائل الاجتهاد لا يكون فيها مجتهد حجة على مجتهد. (ومنها): الخروج عن عهدة التبليغ، والصبر على المكاره لمن لا يستطيع بُدًّا من ذلك. (ومنها): أن في قوله: "ووعاه قلبي" دليلاً على أن العقل محله القلب، لا الدماغ، وهو قول الجمهور؛ لأنه لو كان محله الدماغ لقال: ووعاه رأسي، وفي المسألة قول ثالث، أنه مشترك بينهما.
(ومنها): أنه تمسك به من قال: إن مكة فتحت عنوة. قال النوويّ: تأول من قال: فتحت صلحًا بأن القتال كان جائزًا له لو فعله، لكن لم يحتج إليه.
وتعقّب بأنه خلاف الواقع. فالحقّ أنها فتحت عنوة، إلا أنه ﷺ منّ على أهلها. وقد تقدّم تحقيق ذلك في شرح حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
١١٢ - (حُرْمَةُ الْحَرَمِ)
٢٨٧٨ - (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ, أَخْبَرَنِي أَبِي, عَنِ الزُّهْرِيِّ, أَخْبَرَنِي سُحَيْمٌ, أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ, يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَغْزُو هَذَا الْبَيْتَ جَيْشٌ, فَيُخْسَفُ بِهِمْ بِالْبَيْدَاءِ»).
رجال هذا الإسناد: مشة:
١ - (عمران بن بكّار) بن راشد الكلاعيّ الحمصيّ المؤذّن، ثقة [١١] ١٧/ ١٥٤١.
٢ - (بشر) بن شعيب بن أبي حمزة أبو القاسم الحمصيّ، ثقة، من كبار [١٠] ٧/ ١٤٦٦.
٣ - (أبوه) شُعيب بن أبي حمزة دينار، أبو بشر الحمصيّ، ثقة عابد [٧] ٦٩/ ٨٥.
стр. 13011
٤ - (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت المشهور [٤] ١/ ١.
٥ - (سُحيم) -بمهملة، مصغّرًا- المدنيّ مولى بني زهرة، مقبول [٣].
روى عن أبي هريرة. وعنه الزهريّ. ذكره ابن حبّان في "الثقات". ووثقه ابن عمار، ولذا ذكره ابن شاهين في "الثقات". انفرد به المصنّف بحديث الباب فقط.
٦ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وسُحيم، فإنهما من أفراده. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالحمصيين، والثاني بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره. واللَّه تعالى أعلم.
شرحِ الحديث
عن سُحيم المدنيّ -رحمه اللَّه تعالى- (أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَغْزُو هَذَا الْبَيْتَ جَيْشٌ) أي يقصده عسكر عظيم في آخر الزمان بالهدم، وقتل أهله. وفي حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - عند مسلم عَبِث النبيّ ﷺ في منامه، فقلنا له: صنعت شيئًا لم تكن تفعله؟، قال النوويّ: قوله: "عبِث" هو بكسر الباء، قيل: معناه اضطرب بجسمه. وقيل: حرّك أطرافه كمن يأخذ شيئًا، أو يدفعه انتهى (فَيُخْسَفُ بهِمْ) بالبناء للمفعول، أي يخسف بكلهم (بِالْبَيْدَاءِ") وفي حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "فإذا كانوا ببيداء من الأرض، يخسف بأودهم وآخرهم". وفي رواية لمسلم عن أبي جعفر الباقر، قال: هي بيداء المدينة. وهي بفتح الباء الموحّدة، وسكون الياء آخر الحروف ممدودة، وهي في المفازة التي لا شيء فيها. قال العينيّ: وهي في هذا الحديث اسم موضع مخصوص بين مكة والمدينة. وقال النوويّ: قال العلماء: البيداء كلّ أرض ملساء، لا شيء بها، وبيداء المدينة الشرف الذي قدّام ذي الحليفة، أي إلى جهة مكة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه سُحيم، وهو مقبول؟.
стр. 13012
[قلت]: سُحيم وثّقه ابن عمّار، وذكره ابن شاهين، وابن حبّان في "الثقات"، ولم ينفرد به بل تابعه أبو مسلم الأغرّ في الرواية التالية، وأيضًا يشهد له حديث حفصة - رضي اللَّه تعالى عنها - الآتي بعد حديث. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث تفرّد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا -١١٢/ ٢٨٧٨ و ٢٨٧٩ - وفي "الكبرى" ١١٢/ ٣٨٦٠. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف له -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حرمة الحرم، حيث يعاقب اللَّه تعالى من أراده بسوء بالخسف. (ومنها): أن فيه علمًا من أعلام النبوة، حيث أخبر ﷺ بما سيقع في آخر الزمان. (ومنها): وقوع الفتن في آخر الزمان بحيث يؤدّي آخره إلى هدم بيت اللَّه الحرام، نسأل اللَّه تعالى أن يعيذنا من شرور الكفرة اللئام، ويحمي بفضله ورحمته راية الإسلام. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٨٧٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ, أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, عَنْ مِسْعَرٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ, عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الأَغَرِّ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَنْتَهِى الْبُعُوثُ عَنْ غَزْوِ هَذَا الْبَيْتِ, حَتَّى يُخْسَفَ بِجَيْشٍ مِنْهُمْ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن إدريس" بن المنذر بن داود بن مهران الحنظليّ، أبو حاتم الرازيّ الحافظ الكبير، أحد الأئمة [١١].
قال أبو بكر الخلاّل: أبو حاتم إمام في الحديث، روى عن أحمد مسائل كثيرة، وقعت إلينا متفرّقة كلها غريب. وقال ابن خراش: كان من أهل الأمانة والمعرفة. وقال النسائيّ: ثقة. وقال أبو نعيم: إمام في الحفظ. وقال اللالكائيّ: كان إمامًا عالمًا
بالحديث، حافظًا له، متقنًا ثبتًا. وقال ابن أبي حاتم: سمعت موسى بن إسحاق القاضي يقول: ما رأيت أحفظ من والدك، قلت له: فرأيت أبا زرعة؟ قال: لا. قال: وسمعت يونس بن عبد الأعلى يقول: أبو زرعة، وأبو حاتم إماما خراسان، ودعا لهما، وقال: بقاؤهما صلاح المسلمين. وقال الخطيب: كان أحد الأئمة الحفّاظ الأثبات، مشهورًا بالعلم، مذكورًا بالفضل، وكان أول كَتْبِهِ الحديثَ سنة (٢٠٩). قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: أول سنة خرجت في طلب الحديث، أقمت سنين أحسب، ومَشَيت على قدميّ زيادة على ألف فرسخ، فلما زاد على ألف فرسخ تركته. قال: وسمعت أبي يقول: أقمت سنة أربع عشرة ومائتين بالبصرة ثمانية أشهر، قد كنت عزمت على أن أقيم
стр. 13013
سنة، فانقطعت نفقتي، فجعلت أبيع ثيابي شيئًا بعد شيء حتى بقيت بلا شيء. وقال أيضًا: سمعت أبي يقول: قلت على باب أبي الوليد الطيالسيّ: من أغرب عليّ حديثًا مسندًا صحيحًا، لم أسمع به، فله عليّ درهم يتصدّق به، وهناك خلق من الخلق، أبو زرعة، فمن دونه، وإنما كان مرادي أن أستخرج منهم ما ليس عندي، فما تهيّأ لأحد منهم أن يُغْرب عليّ حديثًا. وقال أحمد بن سلمة النيسابوريّ: ما رأيت بعد إسحاق، ومحمد بن يحيى أحفظ للحديث، ولا أعلم بمعانيه من أبي حاتم. وقال عثمان بن خُرَّزاذ: أحفظ من رأيت أربعة: إبراهيم بن عرعرة، ومحمد بن المنهال الضرير، وأبو زرعة، وأبو حاتم. وقال حجاج بن الشاعر، وذُكر له أبو زرعة، وأبو حاتم، وابن وارة، وأبو جعفر الدارميّ: ما بالمشرق قوم أنبل منهم. وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: قدم محمد بن يحيى النيسابوريّ الرّيّ، فألقيت عليه ثلاثة عشر حديثًا من حديث الزهريّ، فلم يعرف منها إلا ثلاثة. وهذا يدلّ على حفظ عظيم لأبي حاتم، فإن الذهليّ شهد له مشايخه، وأهل عصره بالتبحّر في معرفة حديث الزهريّ، ومع ذلك فأغرب عليه أبو حاتم. وقال مسلمة في "الصلة": كان ثقة، وكان شيعيًّا مُفرطًا، وحديثه مستقيم انتهى. قال الحافظ: ولم أر من نسبه إلى التشيّع غير هذا الرجل، نعم ذكر السليمانيّ ابنه عبد الرحمن من الشيعة الذين كانوا يُقدّمون عليا على عثمان، كالأعمش، وعبد الرزاق، فلعله تلقّف ذلك من أبيه، وكان ابن خزيمة يَرى ذلك أيضًا مع جلالته.
قال ابن المنادي، وغير واحد: مات في شعبان سنة (٢٧٧ هـ) وقال ابن يونس في "تاريخه": مات بالريّ سنة (٢٧٩) والأول أصحّ. وكان مولده سنة (١٩٥). روى عنه أبو داود، والمصنف، وروى عنه في هذا الكتاب في أربعة مواضع برقم ٢١٧٨ و ٣١٧٨ و ٣٧٨٢ و ٤٦٤٨، وورى عنه ابن ماجه في "التفسير".
و"عمر بن حفص بن غياث": أبو حفص الكوفىّ، ثقة ربما وهم [١٠] ٥/ ٥٠١.
[تنبيه]: وقع في النسخ المطبوعة من "المجتبى"، و"الكبرى" "عَمْرو" بفتح العين، وسكون الميم، بدل "عُمَر" بضم، ففتح، وهو تصحيف. فتنبه.
و"أبوه" حفص بن غياث بن طلق: هو أبو عمر الكوفيّ القاضي، ثقة فقيه تغير حفظه قليلاً في الآخر [٨] ٨٦/ ١٠٥.
و"مسعر": هو ابن كدام بن ظُهير الهلاليّ، أبو سلمة الكوفيّ، ثقة ثبت فاضل [٧] ٨/ ٨.
و"طلحة بن مصرّف": هو الكوفيّ القارئ الفاضل الثقة [٥] ١٩١/ ٣٠٦.
و"أبو مسلم الأغرّ" المدينيّ، نزيل الكوفة، ثقة [٣].
قال العجليّ: تابعيّ ثقة. وقال البزّار: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وزعم
стр. 13014
قوم أنه أبو عبد اللَّه سلمان الأغرّ، وهو وَهَم. وممن وهم فيه عبد الغنيّ بن سعيد، وسبقه الطبراني، وزاد الوهمَ وهمًا، فزعم أن اسم الأغرّ مسلم، وكنيته أبو عبد اللَّه، فأخطأ، فإن الأغرّ الذي يكنى أبا عبد اللَّه اسمه سد مان، لا مسلم، وتفرّد بالرواية عنه أهل المدينة، وأما هذا فإنما روى عنه أهل الكوفة، وكأنه اشتبه على الطبرانيّ بمسلم المدنيّ شيخ للشعبيّ، فإنه يروي أيضًا عن أبي هريرة، لكنه لا يلقب بالأغرّ، وأما أبو مسلم هذا، فالأغرّ اسمه لا لقبه. روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
وقوله: "لا تنتهي البعوث الخ" بضم الباء جمع بعث، وهو الجيش، وفيه أن غزو البيت يكون أكثر من مرّة، وأن الخسف يكون ببعضهم. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث صحيح، وقد تقدّم تخريجه في الحديث الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٨٨٠ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ الْمِصِّيصِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَابِقٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ, عَنِ الدَّالَانِيِّ, عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ, عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ, عَنْ أَخِيهِ, قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي رَبِيعَةَ, عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ, قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُبْعَثُ جُنْدٌ إِلَى هَذَا الْحَرَمِ, فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الأَرْضِ, خُسِفَ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ, وَلَمْ يَنْجُ أَوْسَطُهُمْ» , قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِيهِمْ مُؤْمِنُونَ؟ , قَالَ: «تَكُونُ لَهُمْ قُبُورًا»).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (محمد بن داود) بن صَبيح، أبو جعفر المصّيصيّ، ثقة فاضل [١١].
قال الآجريّ، عن أبي داود: كان يتفقّد الرجال، وما رأيت رجلاً أعقل منه. وقال النسائيّ: لا بأس به. وقال أبو بكر الخلاّل: كان من خواصّ أحمد، ورؤسائهم، وكان يُكرمه، ويحدّثه بأشياء، لا يحدّث بها غيره. وقال الجعابيّ في "تاريخ الموصل": كان فاضلاً ورعًا، تكلّم في مسألة اللفظ التي وقعت إلى أهل الثُّغور، فقال بقول محمد بن داود، فهجره عليّ بن حرب لذلك، وترك مكاتبته.
روى له أبو داود، والمصنف، وروى عنه في هذا الكتاب في أربعة مواضع برقم ٢٨٧٩ و ٤١٦٩ و ٤٤٤٦ و ٤٦٨١.
٢ - (يحيى بن محمد بن سابق) الكوفيّ نزيل المصيصة، لقبه عصا ابن إدريس، مقبول [١٠].
قال أبو حاتم: أتيت المصّيصة، فنظرت في حديثه، فوجدت أحاديثه مشهورة، ولم
стр. 13015
أكتب عنه. تفرّد به المصنّف بحديث الباب فقط.
٣ - (أبو أسامة) حماد بن أسامة بن زيد الكوفيّ الحافظ الثقة الثبت، من كبار [٩] ٤٤/ ٥٢
٤ - (عبد السلام) بن حرب النهديّ الْمُلائيّ، أبو بكر الكوفيّ، بصريّ الأصل، ثقة حافظ، له مناكير، من صغار [٨] ٥٦/ ٢٧٥٤.
٥ - (الدالانيّ) يزيد بن عبد الرحمن بن أبي سلامة، ويقال: اسم جدّه عاصم، ويقال: هند، ويقال: واسط، ويقال: سابط، الأسديّ الكوفىّ، صدوق يخطئ كثيرًا، وكان يدلّس [٧].
قال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ليس به بأس. وكذا قال النسائيّ. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة. وقال الحاكم أبو أحمد: لا يتابع في بعض حديثه. وقال ابن عديّ: له أحاديث صالحة، وفي حديثه لين، إلا أنه مع لينه يكتب حديثه. وقال أحمد بن حنبل: لا بأس به. وقال ابن سعد: منكر الحديث. وقال ابن حبان في "الضعفاء": كان كثير الخطإ، فاحش الوهم، خالف الثقات في الروايات حتى إذا سمعها المبتدىء في هذه الصناعة عَلِم أنها معمولة، أو مقلوبة، لا يجوز الاحتجاج به إذا وافق، فكيف إذا انفرد بالمعضلات. وذكره الكرابيسيّ في "المدلسين". وقال الحاكم: إن الأئمة المتقدّمين شهدوا له بالصدق والإتقان. وقال ابن عبد البرّ: ليس بحجة. روى له الأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
٦ - (عمرو بن مرّة) الجمليّ المراديّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ الأعمى، ثقة عابد [٥] ١٧١/ ٢٦٥.
٧ - (سالم بن أبي الجعد) واسمه رافع الغطفانيّ الأشجعيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة، يرسل كثيرًا [٣] ٦١/ ٧٧.
٨ - (أخوه) قال في "تهذيب التهذيب": (س) سالم بن أبي الجعد، عن أخيه، له خمسة إخوة: عبد اللَّه، وعبيد، وزياد، وعمران، ومسلم. انتهى ٤/ ٦٤٧.
وفي "التقريب": عبد اللَّه بن أبي الجعد الأشجعيّ، مقبول [٤] (س ق). وعبيد بن أبي الجعد الغطفانيّ، صدوق [٣] (س). وزياد بن أبي الجعد الكوفيّ، مقبول [٤] (ت). ولم يترجم عمران، ومسلمًا.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أن أخا سالم هذا مجهول.
٩ - (ابن أبي ربيعة) الحارث بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزوميّ المكيّ، أمير الكوفة المعروف بالْقُبَاع، صدوق [٢] ٧٧/ ٢٣٩٥.
стр. 13016
١ - (حفصة بنت عمر) بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أم المؤمنين، تزوّجها النبيّ ﷺ بعد خُنيس بن حُذافة ﵁ سنة ثلاث، وماتت - رضي اللَّه تعالى عنها - سنة (٤٥)، تقدّمت في ٣٩/ ٥٨٣. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من عُشاريّات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو أنزل ما وقع له من الأسانيد، وقد تقدّم له في "كتاب الافتتاح" حديث عُشاريّ أيضًا في فضل سورة الإخلاص، ونصّه:
٩٩٦ - أخبرنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا زائدة، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن رَبِيع بن خُثَيم، عن عمرو بن ميمون، عن ابن أبي ليلى، عن امرأة، عن أبي أيوب، عن النبي ﷺ ، قال: " ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ أحد ثلث القرآن". قال أبو عبد الرحمن: ما أعرف إسنادا أطول من هذا. انتهى.
وقوله: "ما أعرف الخ" فيه نظر؛ لأن السند المذكور في هذا الباب يردّ عليه، فليُتأمّل. واللَّه تعالى أعلم.
(ومنها): أن رجاله مشهورون، غير يحيى بن محمد، وأخي سالم. (ومنها): أن فيه أربعة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: عمرو بن مرّة، عن سالم، عن أخيه، عن ابن أبي ربيعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ) بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنها (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : (يُبْعَثُ) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله قوله (جُنْدٌ) هو في الأصل الأنصار، والأعوان، والجمع أجناد، وجنود، الواحد جنديّ، فالياء للوحدة، مثل روم وروميّ. قاله الفيّوميّ. وهو هنا بمعنى الجيش.
[تنبيه]: وقع في "الكبرى": "حشد" بحاء مهملة، وستين معجمة، بدل "جند"، فإن صحّت الرواية" فيكون بمعنى الجيش أيضًا، ففي "القاموس": الْحَشْد -أي بفتح، فسكون- ويُحرّك: الجماعة انتهى.
(إِلَى هَذَا الْحَرَمِ) وفي الرواية التالية: "ليؤمّنّ هذا البيتَ جيش يغزونه … ". وفي حديث أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها - عند مسلم: "يعوذ عائذ بالبيت، فيُبعث إليه بَعْثٌ، فإذا كانوا ببيداء … ". وفي رواية لمسلم من حديث أم المؤمنين، ولم يسمّها: "سيعوذ بهذا البيت قوم ليست لهم مَنَعة، ولا عدد، ولا عُدّةٌ، يُبعث إليهم جيش، حتى إذا كانوا
стр. 13017
ببيداء من الأرض … ".
وقال ابن التين: يحتمل أن يكون هذا الجيش الذي يخسف بهم هم الذين يهدمون الكعبة، فيُنتقَم منهم، فيُخسَف بهم.
وتُعقّب بأن في بعض طرقه عند مسلم: "أن ناسًا من أمتي"، والذين يهدمونها من كفّار الحبشة. وأيضًا فمقتضى كلامه أنهم يخسف بهم بعد أن يهدموها، ويرجعوا، وظاهر الخبر أنه يُخسف بهم قبل أن يصلوا إليها. قاله في "الفتح" (١).
(فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الأَرْضِ) ولمسلم: وقال أبو جعفر: هي بيداء المدينة (خُسِفَ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ) ببناء الفعل للمفعول، يقال: خَسَفَ المكانُ خَسْفًا، من باب ضرب: غار في الأرض، وخسفه اللَّه، يتعدّى، ولا يتعدّى. قاله الفيّوميّ. وزاد في "القاموس": وخسف اللَّه بفلان الأرض: غيّبه فيها انتهى. وهذا الأخير هو المناسب هنا (وَلَمْ يَنْجُ أَوْسَطُهُمْ) المراد أنهم هلكوا كلهم (قُلْتُ) القائلة هي حفصة - رضي اللَّه تعالى عنها - (أرَأَيْتَ) أي أخبرني (إِنْ كَانَ فِيهِمْ مُؤْمِنُونَ؟) أي أيهلكون معهم؟ (قَالَ) ﷺ (تكُونُ لَهُمْ قُبُورًا) يعني أنهم يهلكون مع الكفار، وتكون لهم الأرض قبورًا، يجازَون فيها على نياتهم.
والحاصل أن الموت والخسف يشمل جميعهم، كافرهم، ومؤمنهم، لكن حالهم بعد ذلك مختلفة، كحال سائر أصحاب القبور، فالمؤمن قبره روضة من رياض الجنة، والكافر، والمنافق قبره حفرة من حُفَر النار. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: هذا الحديث روي أيضًا من حديث أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها -، أخرجه مسلم، من طريق عبد العزيز بن رُفيع، عن عبيد اللَّه بن القبطية، قال: دخل الحارث بن أبي ربيعة، وعبد اللَّه بن صفوان، وأنا معهما على أم سلمة أم المؤمنين، فسألاها عن الجيش الذي يُخسَف به، وكان ذلك في أيام ابن الزبير، فقالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "يعوذ عائذ بالبيت، فيبعث إليه بَعثٌ، فإذا كانوا ببيداء من الأرض، خُسِف بهم"، فقلت: يا رسول اللَّه، فكيف بمن كان كارها؟ قال: "يخسف به معهم، ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته".
وقال أبو جعفر هي بيداء المدينة.
ثم أخرجه من طريق زهير، عن عبد العزيز بن رفيع، وفي حديثه قال: فلقيت أبا جعفر، فقلت: إنها إنما قالت: ببيداء من الأرض، فقال أبو جعفر: كلا واللَّه، إنها لبيداء المدينة.
стр. 13018
قال القاضي عياض: قال أبو الوليد الكنانيّ: هذا ليس بصحيح؛ لأن أم سلمة توفيت في خلافة معاوية - رضي اللَّه تعالى عنهما - قبل موته بسنتين، سنة تسع وخمسمين، ولم تدرك أيام ابن الزبير. قال القاضي: قد قيل: إنها توفيت أيام يزيد بن معاوية في أولها، فعلى هذا يستقيم ذكرها؛ لأن ابن الزبير نازع يزيد أول ما بلغته بيعته عند وفاة معاوية، ذكر ذلك الطبريّ، وغيره. وممن ذكر وفاة أم سلمة أيام يزيد أبو عمر ابن عبد البرّ في "الاستيعاب". وقد ذكر مسلم الحديث بعد هذه الرواية من رواية حفصة، وقال: عن أم المؤمنين، ولم يسمها.
قال الدارقطنيّ: هي عائشة، قال: ورواه سالم بن أبي الجعد عن حفصة، أو أم سلمة، وقال: والحديث محفوظ عن أم سلمة، وهو أيضًا محفوظ عن حفصة انتهى كلام القاضي.
قال النووي: وممن ذكر أن أم سلمة توفيت أيام يزيد بن معاوية أبو بكر بن أبي خيثمة انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وحديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - الذي أشار إليه الدارقطني أخرجه الشيخان، ولفظ البخاريّ من طريق محمد بن سوقة، عن نافع بن جبير بن مطعم، قال: حدثتني عائشة ﵂، قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "يغزو جيش الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض، يُخسف بأولهم وآخرهم"، قالت: قلت: يا رسول اللَّه، كيف يخسف بأولهم وآخرهم، وفيهم أسواقهم، ومن ليس منهم؟، قال: "يُخسَف بأولهم وآخرهم، ثم يبعثون على نياتهم".
ولفظ مسلم من طريق محمد بن زياد، عن عبد اللَّه بن الزبير، أن عائشة، قالت: عَبِثَ رسول اللَّه ﷺ في منامه، فقلنا: يا رسول اللَّه، صنعت شيئا في منامك، لم تكن تفعله، فقال: "العجب إن ناسا من أمتي، يَؤُمُّون بالبيت برجل، من قريش، قد لجأ بالبيت، حتى إذا كانوا بالبيداء، خُسف بهم"، فقلنا: يا رسول اللَّه، إن الطريق قد يجمع الناس، قال: "نعم فيهم المستبصر، والمجبور، وابن السبيل، يهلكون مهلكا واحدا، ويصدرون مصادر شتى، يبعثهم اللَّه على نياتهم".
وقوله "عَبَثَ" قال القرطبيّ: وجدته مقيّدًا بفتح الباء: أي أتى بكلمات كأنها مختلطة، يقال: عَبَث الشيءَ يَعْبِثُهُ -بفتح الباء في الماضي، وكسرها في المضارع-: إذا خلطه. فأما عبِث بكسر الماضي، وفتحة المضارع، فمعناه لشعب. وقال النوويّ: هو بكسر
стр. 13019
الباء، قيل: معناه اضطرب بجسمه. وقيل: حرّك أطرافه، كمن يأخذ شيئًا، أو يدفعه انتهى (١).
وقوله: "فيهم المستبصر الخ" أما المستبصر، فهو المستبين لذلك المقاصد له عمدًا. وأما المجبور، فهو المكره، يقال: أجبرته فهو مُجبَرٌ، هذه هي اللغة المشهورة، ويقال أيضًا: جبرته، فهو مجبور، حكاها الفراء، وغيره، وجاء هذا الحديث على هذه اللغة.
وأما ابن السبيل، فالمراد به سألك الطريق معهم، وليس منهم، ويهلكون مهلكا واحدًا: أي يقع الهلاك في الدنيا على جميعهم، ويصدرون يوم القيامة مصادر شتًى، أي يبعثون مختدفين على قدر نياتهم، فيجازون بحسبها انتهى (٢).واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث حفصة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا صحيح.
[فإن قلت]: في سنده مجهول، وهو أخو سالم بن أبي الجعد، ويحيى بن محمد، والدالانيّ أيضًا متكلّم فيه، كما تقدّم، فكيف يصحّ؟.
[قلت]: هو إنما صحّ بالسند الآتي، وقد أخرجه مسلم به. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في "الكبرى" بعد أن أورد هذا الحديث: ما نصّه: قال أبو عبد الرحمن: هذا حديثٌ غريب، والذي قبله غريب (٣). انتهى (٤).
(المسألة الثالثة): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١١٢/ ٢٨٨٠ و ٢٨٨١ - وفي "الكبرى" ١١٢/ ٣٨٦٢ و ٣٨٦٣. وأخرجه (م) في "الفتن" ٢٨٨٣ (ق) في "الفتن" ٤٠٦٣ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٥٩٠٥. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده (٥):
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حرمة الحرم. (ومنها): أن
стр. 13020
من كثّر سواد قوم في المعصية مختارًا أن العقوبة تلزمه معهم، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ الآية [الأنفال: ٢٥]. (ومنها): أن الأعمال تعتبر بنية العامل. (ومنها): التحذير من مصاحبة أهل الظلم، ومجالستهم، وتكثير سوادهم، إلا لمن اضطرّ إلى ذلك، ويتردّد النظر في مصاحبة التاجر لأهل الفتنة، هل هي إعانة لهم على ظلمهم، أو هي من ضرورة البشريّة، ثم يعتبر عمل كلّ أحد بنيته، وعلى الثاني يدلّ ظاهر الحديث. (ومنها): ما قال المهلب: واستنبط منه مالك عقوبة من يجالس شَرَبَةَ الخمرِ، وإن لم يَشَرب. وتعقّبه ابن المنيّر بأن العقوبة التي في الحديث هي الهجمة السماوية، فلا يقاس عليها العقوبات الشرعية، ويؤيّده آخر الحديث، حيث قال: "ويبعثون على نياتهم" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٨٨١ - (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عِيسَى, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ, سَمِعَ جَدَّهُ يَقُولُ: حَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ, أَنَّهُ قَالَ ﷺ : «لَيَؤُمَّنَّ هَذَا الْبَيْتَ جَيْشٌ يَغْزُونَهُ, حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الأَرْضِ, خُسِفَ بِأَوْسَطِهِمْ, فَيُنَادِي أَوَّلُهُمْ وَآخِرُهُمْ, فَيُخْسَفُ بِهِمْ جَمِيعًا, وَلَا يَنْجُو إِلاَّ الشَّرِيدُ الَّذِي يُخْبِرُ عَنْهُمْ» , فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَشْهَدُ عَلَيْكَ أَنَّكَ مَا كَذَبْتَ عَلَى جَدِّكَ, وَأَشْهَدُ عَلَى جَدِّكَ أَنَّهُ مَا كَذَبَ عَلَى حَفْصَةَ, وَأَشْهَدُ عَلَى حَفْصَةَ أَنَّهَا لَمْ تَكْذِبْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"الحسين ابن عيسى": هو أبو عليّ البسطاميّ الْقُومَسيّ، نزيل نيسابور، ثقة [١٠] ٦٩/ ٨٦.
و"سفيان": هو ابن عيينة.
و"أمية بن صفوان" بن عبد اللَّه بن صوان بن أمية بن خدف الْجُمَحِيّ المكيّ، مقبول [٦].
روى عن جدّه، وأبي بكر بن أبي زُهير. وعنه ابن جريج، وابن علية، وابن عيينة، ونافع بن عمر، وغيرهم. ذكره ابن حبان في الثقات. روى له مسلم، والمصنف، وابن ماجه، وله عند مسلم، والمصنف حديث الباب فقط. وله عند ابن ماجه حديث آخر، حديث: "يوشك أن تعرفوا أهل الجنة من أهل النار … ".
و"جدّه": هو عبد اللَّه بن صفوان بن أمية بن خلف بن وهب بن حُذافة بن جُمَح الجحميّ، أبو صفوان المكيّ. وأمه برْزَة بنت مسعود بن عمرو بن عمير الثقفيّ. قال
стр. 13021
الزبير بن بكار: كان من أشراف قريش. وقال الجعَابيّ: وُلد على عهد النبيّ ﷺ . وقال أبو الربيع السمان، عن القاسم بن أبي بَزَّة: تناول رجل من أهل مكة ابنًا لعبد اللَّه بن صفوان، فأمسك عنه، فقال مجاهد: لقد أشبه أباه في الحلم والاحتمال. وقال الزبير ابن بكار: كان عبد اللَّه بن صفوان ممن يقوّي أمر ابن الزبير، فقال له ابن الزبير: قد أذنت لك، وأقلتك بيعتي، فأبى حتى قُتل معه، وهو متعلّق بأستار الكعبة. وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعيين المكين. روى له مسلم، والمصنف، وابن ماجه، وله عند المصنف حديثان فقط، برقم ٢٨٨١ و ٤٠٨٥.
وقوله: "ليؤمّنّ" فعل مضارع مبني للفاعل، من أمّ بتشديد الميم: إذا قصد، واللام هي الموطّئة للقسم، والنون الثقيلة للتوكيد، أي واللَّه ليقصدنّ هذا البيت جيش الخ.
وقوله: "فينادي أولهم آخرهم" هكذا في بعض النسخ، وهو واضح، وفي بعضها: "فينادي أولهم، وآخرهم" بالواو، والمعنى: أي يتنادون فيما بينهم. ويحتمل أن يكون بالبناء للمفعول: أي ينادي المنادي جميعهم حتى يهلكوا مهلكًا واحدًا. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "إلا الشريد": قال القرطبيّ: الشريد: هو الطريد عن أهله، ويعني به هنا المنفرد عن ذلك الجيش الذي يُخسف به. انتهى (١).
وقوله: "فقال له رجل الخ": أي قال رجل لأمية بن صفوان حين حدّث بهذا الحديث: أشهد عليك أنك ما كذبت على جدك عبد اللَّه بن صفوان بهذا الحديث الخ.
والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق تمام البحث فيه في الحديث الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١١٣ - (مَا يُقْتَلُ فِي الْحَرَمِ مِنَ الدَّوَابِّ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أحاديث الأبواب قد سقبت في أبواب "ما يَقتُل المحرم من الدواب"، أوردها المصنّف هناك استدلالاً على أن هذه الحيوانات يجوز
стр. 13022
قتلها للمحرم، سواء كانت في الحلّ، أم في الحرم، وأوردها هنا استدلالاً على جواز قتلها في الحرم، سواء كان القاتل حلالاً، أم محرمًا، فالأول أعم من حيث المحلّ، وأخصّ من حيث القاتل، والثاني أعم من حيث القاتل، وأخصّ من حيث المحلّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٨٨٢ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) وَكِيعٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ, عَنْ أَبِيهِ,, عَنْ عَائِشَةَ,, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «خَمْسُ فَوَاسِقَ, يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْغُرَابُ, وَالْحِدَأَةُ, وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ, وَالْعَقْرَبُ, وَالْفَأْرَةُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة.
وقوله: "خمس فواسق" المشهور فيه الإضافة، وروي بالتنوين على الوصف، وبينهما في المعنى فرق دقيق، ذكره ابن دقيق العيد؛ لأن الإضافة تقتضي الحكم على خمس من الفواسق بالقتل أشعر التخصيص، بخلاف الحكم في غيرها بطريق المفهوم، وأما التنوين، فيقتضي وصف الخمس بالفسق من جهة المعنى، وقد يشعر بأن الحكم مترتّبٌ على ذلك، وهو القتل معلّلٌ بما جعل وصفًا، وهو الفسق، فيقتضي ذلك التعميم لكلّ فاسق من الدوابّ، وهو ما اقتضاه الأول من المفهوم من التخصيص.
والحديث صحيحٌ، وقد تقدّم شرحه، وتخريجه في -٨٣/ ٢٨٢٩ - واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١١٤ - (قَتْلُ الْحَيَّةِ فِي الْحَرَمِ)
٢٨٨٣ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (٢) شُعْبَةُ, عَنْ قَتَادَةَ, سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ, يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «خَمْسُ فَوَاسِقَ, يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْحَيَّةُ, وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ, وَالْغُرَابُ الأَبْقَعُ, وَالْحِدَأَةُ, وَالْفَأْرَةُ»).
стр. 13023
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة.
وقوله: "والغراب الأبقع" أي الذي في لونه سواد وبياض. و"الأبقع" اسم تفضيل من بَقِعَ الغرابُ بَقَعًا، من باب تعب: اختَلَفَ لونه، فهو أبقع، وجمعه بِقْعَان، بالكسر، غلب فيه الاسميّة، ولو اعتُبرت الوصفية لقيل: بُقْعٌ، مثل أحمر وحُمْر. قاله الفيّوميّ.
والحديث صحيحٌ، وقد سبق الكلام عليه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٨٨٤ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ, عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنِ الأَسْوَدِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْخَيْفِ, مِنْ مِنًى, حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات: ١] فَخَرَجَتْ حَيَّةٌ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اقْتُلُوهَا» , فَابْتَدَرْنَاهَا, فَدَخَلَتْ فِي جُحْرِهَا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أحمد بن سليمان) بن عبد الملك، أبو الحسين الرُّهاويّ، ثقة حافظ [١١] ٣٨/ ٤٢.
٢ - (يحيى بن آدم) بن سليمان الأمويّ، أبو زكريا الكوفيّ، ثقة حافظ فاضلٌ، من كبار [٩] ٩٢/ ١١٤.
٣ - (حفص بن غياث) بن طلق بن معاوية النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ القاضي، ثقة فقيه تغيّر حفظه في الآخر [٨] ٢/ ٣٩١٥.
٤ - (الأعمش) سليمان بن مهران الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقة حافظ إمام ورع، لكنه يدلّس [٥] ١٧/ ١٨.
٥ - (إبراهيم) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ الفقيه، ثقة يرسل كثيرًا [٥] ٢٩/ ٣٣.
٦ - (الأسود) بن يزيد النخعيّ، أبو عمرو الكوفيّ، مخضرم ثقة مكثر فقيه [٢] ٢٩/ ٣٣.
٧ - (عبد اللَّه) بن مسعود الصحابيّ الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - ٣٥/ ٣٩. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيّات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه
стр. 13024
أيضًا، فرُهاويّ. (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، وهو خال لإبراهيم. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّه) ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -.
[تنبيه]: وقع في "الكبرى" هنا "عن عائشة" بدل "عن عبد اللَّه"، وهو غلط، فإن الحديث لعبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -، لا لعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، وقد وقع على الصواب في "التفسير" برقم ١١٦٤٣. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّه ﷺ بِالْخَيْفِ) بفتح الخاء المعجمة، وسكون التحتانيّة، بعدها فاء. قال الفيّوميّ: والخيف، ساكن الياء: ما ارتفع من الوادي قليلاً عن مسيل الماء، ومنه مسجد الخيف بمنى؛ لأنه بُني في خَيْف الجبل، والأصل مسجد خيف مني، فخُفّف بالحذف، ولا يكون خيفٌ إلا بين جبلين انتهى (مِنْ مِنًى) بكسر، ففتح، مقصورًا: الموضع المعروف بمكة، والغالب عليه التذكير، فيُصرف. وقال السرّاج: ومنىً ذكر، والشام ذكر، وهَجَرٌ ذكر، والعراق ذكر، وإذا أُنث منع من الصرف. وأمنى الرجل بالألف: إذا أتى منًى. أفاده الفيّوميّ.
وفي الرواية التالية أن ذلك كان ليلة العرفة التي قبل يوم عرفة، وفيه بيان أن أمره ﷺ بقتل الحيّة وقع في الحرم، والإحرام؛ لأن ذلك قبل التحلل، فبطل رد بعضهم الاستدلال بحديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ هذا على جواز قتل الحية للمحرم، باحتمال أن يكون ذلك بعد طواف الإفاضة. وقد رواه مسلم، وابن خزيمة، واللفظ له، عن أبي كريب، عن حفص بن غياث، مختصرًا، ولفظه: "أن النبيّ ﷺ أمر محرمًا بقتل حيّة في الحرم بمنى".
(حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات: ١] أي هذه السورة. زاد في "التفسير" من طريق إسرائيل، عن منصور، والأعمش، كليهما عن إبراهيم: "فإنا لنتلقاها من فيه"، وفي رواية منصور، عن الأعمش وحده: وإنا لنتلقاها من فيه رطبة". أي غضّة طريّة في أول ما تلاها، والمراد بالرطوبة رطوبة فيه، أي أنهم أخذوها عنه قبل أن يجفّ ريقه من تلاوتها. ويحتمل أن يكون وصفها بالرطوبة لسهولتها، والأول أشبه. قاله في "الفتح" (١).
(فَخَرَجَتْ حَيَّةٌ) أي من جحرها (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اقْتُلُوهَا"، فَابْتَدَرْنَاهَا) أي
стр. 13025
سبق كلّ منا صاحبه إلى قتلها، وفيه أن الحيات غير ذوات البيوت تقتل، ولو في الحرم (فَدَخَلَتْ في جُحْرِهَا) أي فسبقتنا، ودخلت في جحرها. و"الجحر" بضم الجيم، وسكون الحاء المهملة: كلّ شيء يحتفره الهوامّ، والسباع لأنفسها، كالْجُحْران، جمعه جِحَرة، بكسر، ففتح، وأَجْحارٌ. أفاده في "القاموس". وبعض أهل اللغة جعل الْجُحْر للضبّ خاصّة، واستعماله لغيره كالتجوّز. قاله المرتضى.
وفي رواية إسرائيل المذكورة زيادة: "وُقيت شرّكم، كما وُقيتم شرّها". أي إن اللَّه تعالى سلّمها من شركم، وهو قتلكم إياها، كما سلمكم من إيذائها إياكم بسمها، فهو من مجاز المقابلة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه.
[تنبيه]: وقع اختلاف في إسناد هذا الحديث، فقد رواه حفص بن غياث، عن الأعمش، عن إبراهيم، والأسود، عن عبد اللَّه، كما هو عند المصنّف هنا، وتابعه جرير، وأبو معاوية، وسليمان بن قرم، عن الأعمش. ورواه إسرائيل، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللَّه. ورواه ابن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبد اللَّه. ورواه المسعوديّ، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه. ورواه عبد اللَّه بن إدريس، عن الأعمش، عن أبي رزين، عن زِرّ بن حُبيش، عن عبد اللَّه. وكذلك رواه جرير في موضع آخر عن الأعمش. واختلف فيه على حفص بن غياث، فقال سهل بن عثمان، عنه كما تقدّم. وقال إسماعيل بن حفص الأبليّ، عنه كما قال إسرائيل. وقال عبد الصمد بن عبد الوارث، عنه كما قال المسعوديّ. أفاده الحافظ المزّيّ في "تحفة الأشراف" (١).
ورواه المصنف هنا أيضًا، من طريق أبي عبيدة، عن أبيه، وهي الرواية التالية.
والحاصل أن الحديث اختلف في إسناده، ولكن مثل هذا الاختلاف لا يعدّ اضطرابًا يضرّ بصحّة الحديث؛ لأن الاضطراب إنما يضرّ عند عدم الترجيح، وما هنا ليس كذلك، ولذا أخرجه الشيخان في "صحيحيهما". واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: