← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 13021–13060 · переход к 13026.

стр. 13021

الزبير بن بكار: كان من أشراف قريش. وقال الجعَابيّ: وُلد على عهد النبيّ ﷺ . وقال أبو الربيع السمان، عن القاسم بن أبي بَزَّة: تناول رجل من أهل مكة ابنًا لعبد اللَّه بن صفوان، فأمسك عنه، فقال مجاهد: لقد أشبه أباه في الحلم والاحتمال. وقال الزبير ابن بكار: كان عبد اللَّه بن صفوان ممن يقوّي أمر ابن الزبير، فقال له ابن الزبير: قد أذنت لك، وأقلتك بيعتي، فأبى حتى قُتل معه، وهو متعلّق بأستار الكعبة. وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعيين المكين. روى له مسلم، والمصنف، وابن ماجه، وله عند المصنف حديثان فقط، برقم ٢٨٨١ و ٤٠٨٥. وقوله: "ليؤمّنّ" فعل مضارع مبني للفاعل، من أمّ بتشديد الميم: إذا قصد، واللام هي الموطّئة للقسم، والنون الثقيلة للتوكيد، أي واللَّه ليقصدنّ هذا البيت جيش الخ. وقوله: "فينادي أولهم آخرهم" هكذا في بعض النسخ، وهو واضح، وفي بعضها: "فينادي أولهم، وآخرهم" بالواو، والمعنى: أي يتنادون فيما بينهم. ويحتمل أن يكون بالبناء للمفعول: أي ينادي المنادي جميعهم حتى يهلكوا مهلكًا واحدًا. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "إلا الشريد": قال القرطبيّ: الشريد: هو الطريد عن أهله، ويعني به هنا المنفرد عن ذلك الجيش الذي يُخسف به. انتهى (١). وقوله: "فقال له رجل الخ": أي قال رجل لأمية بن صفوان حين حدّث بهذا الحديث: أشهد عليك أنك ما كذبت على جدك عبد اللَّه بن صفوان بهذا الحديث الخ. والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق تمام البحث فيه في الحديث الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١١٣ - (مَا يُقْتَلُ فِي الْحَرَمِ مِنَ الدَّوَابِّ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أحاديث الأبواب قد سقبت في أبواب "ما يَقتُل المحرم من الدواب"، أوردها المصنّف هناك استدلالاً على أن هذه الحيوانات يجوز

стр. 13022

قتلها للمحرم، سواء كانت في الحلّ، أم في الحرم، وأوردها هنا استدلالاً على جواز قتلها في الحرم، سواء كان القاتل حلالاً، أم محرمًا، فالأول أعم من حيث المحلّ، وأخصّ من حيث القاتل، والثاني أعم من حيث القاتل، وأخصّ من حيث المحلّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٨٨٢ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) وَكِيعٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ, عَنْ أَبِيهِ,, عَنْ عَائِشَةَ,, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «خَمْسُ فَوَاسِقَ, يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْغُرَابُ, وَالْحِدَأَةُ, وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ, وَالْعَقْرَبُ, وَالْفَأْرَةُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. وقوله: "خمس فواسق" المشهور فيه الإضافة، وروي بالتنوين على الوصف، وبينهما في المعنى فرق دقيق، ذكره ابن دقيق العيد؛ لأن الإضافة تقتضي الحكم على خمس من الفواسق بالقتل أشعر التخصيص، بخلاف الحكم في غيرها بطريق المفهوم، وأما التنوين، فيقتضي وصف الخمس بالفسق من جهة المعنى، وقد يشعر بأن الحكم مترتّبٌ على ذلك، وهو القتل معلّلٌ بما جعل وصفًا، وهو الفسق، فيقتضي ذلك التعميم لكلّ فاسق من الدوابّ، وهو ما اقتضاه الأول من المفهوم من التخصيص. والحديث صحيحٌ، وقد تقدّم شرحه، وتخريجه في -٨٣/ ٢٨٢٩ - واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١١٤ - (قَتْلُ الْحَيَّةِ فِي الْحَرَمِ) ٢٨٨٣ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (٢) شُعْبَةُ, عَنْ قَتَادَةَ, سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ, يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «خَمْسُ فَوَاسِقَ, يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْحَيَّةُ, وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ, وَالْغُرَابُ الأَبْقَعُ, وَالْحِدَأَةُ, وَالْفَأْرَةُ»).

стр. 13023

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. وقوله: "والغراب الأبقع" أي الذي في لونه سواد وبياض. و"الأبقع" اسم تفضيل من بَقِعَ الغرابُ بَقَعًا، من باب تعب: اختَلَفَ لونه، فهو أبقع، وجمعه بِقْعَان، بالكسر، غلب فيه الاسميّة، ولو اعتُبرت الوصفية لقيل: بُقْعٌ، مثل أحمر وحُمْر. قاله الفيّوميّ. والحديث صحيحٌ، وقد سبق الكلام عليه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨٨٤ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ, عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنِ الأَسْوَدِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْخَيْفِ, مِنْ مِنًى, حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات: ١] فَخَرَجَتْ حَيَّةٌ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اقْتُلُوهَا» , فَابْتَدَرْنَاهَا, فَدَخَلَتْ فِي جُحْرِهَا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أحمد بن سليمان) بن عبد الملك، أبو الحسين الرُّهاويّ، ثقة حافظ [١١] ٣٨/ ٤٢. ٢ - (يحيى بن آدم) بن سليمان الأمويّ، أبو زكريا الكوفيّ، ثقة حافظ فاضلٌ، من كبار [٩] ٩٢/ ١١٤. ٣ - (حفص بن غياث) بن طلق بن معاوية النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ القاضي، ثقة فقيه تغيّر حفظه في الآخر [٨] ٢/ ٣٩١٥. ٤ - (الأعمش) سليمان بن مهران الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقة حافظ إمام ورع، لكنه يدلّس [٥] ١٧/ ١٨. ٥ - (إبراهيم) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ الفقيه، ثقة يرسل كثيرًا [٥] ٢٩/ ٣٣. ٦ - (الأسود) بن يزيد النخعيّ، أبو عمرو الكوفيّ، مخضرم ثقة مكثر فقيه [٢] ٢٩/ ٣٣. ٧ - (عبد اللَّه) بن مسعود الصحابيّ الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - ٣٥/ ٣٩. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيّات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه

стр. 13024

أيضًا، فرُهاويّ. (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، وهو خال لإبراهيم. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ اللَّه) ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -. [تنبيه]: وقع في "الكبرى" هنا "عن عائشة" بدل "عن عبد اللَّه"، وهو غلط، فإن الحديث لعبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -، لا لعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، وقد وقع على الصواب في "التفسير" برقم ١١٦٤٣. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. (قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّه ﷺ بِالْخَيْفِ) بفتح الخاء المعجمة، وسكون التحتانيّة، بعدها فاء. قال الفيّوميّ: والخيف، ساكن الياء: ما ارتفع من الوادي قليلاً عن مسيل الماء، ومنه مسجد الخيف بمنى؛ لأنه بُني في خَيْف الجبل، والأصل مسجد خيف مني، فخُفّف بالحذف، ولا يكون خيفٌ إلا بين جبلين انتهى (مِنْ مِنًى) بكسر، ففتح، مقصورًا: الموضع المعروف بمكة، والغالب عليه التذكير، فيُصرف. وقال السرّاج: ومنىً ذكر، والشام ذكر، وهَجَرٌ ذكر، والعراق ذكر، وإذا أُنث منع من الصرف. وأمنى الرجل بالألف: إذا أتى منًى. أفاده الفيّوميّ. وفي الرواية التالية أن ذلك كان ليلة العرفة التي قبل يوم عرفة، وفيه بيان أن أمره ﷺ بقتل الحيّة وقع في الحرم، والإحرام؛ لأن ذلك قبل التحلل، فبطل رد بعضهم الاستدلال بحديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ هذا على جواز قتل الحية للمحرم، باحتمال أن يكون ذلك بعد طواف الإفاضة. وقد رواه مسلم، وابن خزيمة، واللفظ له، عن أبي كريب، عن حفص بن غياث، مختصرًا، ولفظه: "أن النبيّ ﷺ أمر محرمًا بقتل حيّة في الحرم بمنى". (حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات: ١] أي هذه السورة. زاد في "التفسير" من طريق إسرائيل، عن منصور، والأعمش، كليهما عن إبراهيم: "فإنا لنتلقاها من فيه"، وفي رواية منصور، عن الأعمش وحده: وإنا لنتلقاها من فيه رطبة". أي غضّة طريّة في أول ما تلاها، والمراد بالرطوبة رطوبة فيه، أي أنهم أخذوها عنه قبل أن يجفّ ريقه من تلاوتها. ويحتمل أن يكون وصفها بالرطوبة لسهولتها، والأول أشبه. قاله في "الفتح" (١). (فَخَرَجَتْ حَيَّةٌ) أي من جحرها (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اقْتُلُوهَا"، فَابْتَدَرْنَاهَا) أي

стр. 13025

سبق كلّ منا صاحبه إلى قتلها، وفيه أن الحيات غير ذوات البيوت تقتل، ولو في الحرم (فَدَخَلَتْ في جُحْرِهَا) أي فسبقتنا، ودخلت في جحرها. و"الجحر" بضم الجيم، وسكون الحاء المهملة: كلّ شيء يحتفره الهوامّ، والسباع لأنفسها، كالْجُحْران، جمعه جِحَرة، بكسر، ففتح، وأَجْحارٌ. أفاده في "القاموس". وبعض أهل اللغة جعل الْجُحْر للضبّ خاصّة، واستعماله لغيره كالتجوّز. قاله المرتضى. وفي رواية إسرائيل المذكورة زيادة: "وُقيت شرّكم، كما وُقيتم شرّها". أي إن اللَّه تعالى سلّمها من شركم، وهو قتلكم إياها، كما سلمكم من إيذائها إياكم بسمها، فهو من مجاز المقابلة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه. [تنبيه]: وقع اختلاف في إسناد هذا الحديث، فقد رواه حفص بن غياث، عن الأعمش، عن إبراهيم، والأسود، عن عبد اللَّه، كما هو عند المصنّف هنا، وتابعه جرير، وأبو معاوية، وسليمان بن قرم، عن الأعمش. ورواه إسرائيل، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللَّه. ورواه ابن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبد اللَّه. ورواه المسعوديّ، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه. ورواه عبد اللَّه بن إدريس، عن الأعمش، عن أبي رزين، عن زِرّ بن حُبيش، عن عبد اللَّه. وكذلك رواه جرير في موضع آخر عن الأعمش. واختلف فيه على حفص بن غياث، فقال سهل بن عثمان، عنه كما تقدّم. وقال إسماعيل بن حفص الأبليّ، عنه كما قال إسرائيل. وقال عبد الصمد بن عبد الوارث، عنه كما قال المسعوديّ. أفاده الحافظ المزّيّ في "تحفة الأشراف" (١). ورواه المصنف هنا أيضًا، من طريق أبي عبيدة، عن أبيه، وهي الرواية التالية. والحاصل أن الحديث اختلف في إسناده، ولكن مثل هذا الاختلاف لا يعدّ اضطرابًا يضرّ بصحّة الحديث؛ لأن الاضطراب إنما يضرّ عند عدم الترجيح، وما هنا ليس كذلك، ولذا أخرجه الشيخان في "صحيحيهما". واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

стр. 13026

أخرجه هنا -١١٤/ ٢٨٨٤ - و ٢٨٨٥ - وفي "الكبرى" ١١٤/ ٣٨٦٦ و ٣٨٦٧ وفي "التفسير" ١١٦٤٢ و ١١٦٤٣. وأخرجه (خ) في "الحجّ" ١٨٣٠ و"بدء الخلق" ٣٣١٧ و" التفسير" ٤٩٣٥ و ٤٩٣١ و ٤٩٣٤ (م) في "السلام" ٢٢٣٤ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٢٥٦٤ و ٣٩٩٤ و ٤٠٥٧ و ٤٣٢٣ و ٤٣٤٤. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان جواز قتل الحية في الحرم. (ومنها): جواز قتل المحرم الحية في حال إحرامه. قال في "الفتح": قال ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: أجمع من يُحفظ عنه من أهل العلم على أن للمحرم قتل الحيّة. وتعقّب بما تقدّم عن الحكم، وحمّاد، وبما عند المالكيّة من استثناء ما صغر منها، بحيث لا يتمكّن من الأذى. انتهى (١). (ومنها): بيان وقت ومكان نزول سورة المرسلات، وهو عام حجة الوداع، في منى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨٨٥ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ, أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ, عَنْ مُجَاهِدٍ, عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , لَيْلَةَ عَرَفَةَ, الَّتِي قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ, فَإِذَا حِسُّ الْحَيَّةِ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اقْتُلُوهَا» , فَدَخَلَتْ شَقَّ جُحْرٍ, فَأَدْخَلْنَا عُودًا, فَقَلَعْنَا بَعْضَ الْجُحْرِ, فَأَخَذْنَا سَعَفَةً, فَأَضْرَمْنَا فِيهَا نَارًا, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَقَاهَا اللَّهُ شَرَّكُمْ, وَوَقَاكُمْ شَرَّهَا»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عمرو بن عليّ) الفلاّس الصيرفيّ البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٤/ ٤. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطّان البصريّ الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/ ٤. ٣ - (ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل [٦] ٢٨/ ٣٢. ٤ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوق [٤] ٣١/ ٣٥. ٥ - (مجاهد) بن جبر المخزوميّ، أبو الحجاج المكيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢٧/ ٣١. ٦ - (أبو عُبيدة) بن عبد اللَّه بن مسعود، مشهور بكنيته، والأشهر أنه لا اسم له غيرها، وقيل: اسمه عامر، كوفيّ ثقة، من كبار [٣] ٥٥/ ٦٢٢، والأصحّ أنه لم يسمع من أبيه.

стр. 13027

٧ - (أبوه) عبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - ٣٥/ ٣٩. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيّات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير أبي عبيدة، فإنه من رجال الأربعة، وهو لم يسمع من أبيه، ففيه انقطاع. (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: أبو الزبير، عن مجاهد، عن أبي عبيدة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ) -رحمه اللَّه تعالى- (عَنْ أَبِيهِ) عبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لَيْلَةَ عَرَفَةَ، الَّتِي قَبْلَ يَومِ عَرَفَةَ) إنما ذكر هذا القيد -مع أن المعروف أن ليالي المشهور القمرية متابعة لما بعدها من النهار، حيث إن الحساب قمريّ، وهو يظهر بالليل-؛ لأن ليلة عرفة، وليالي أيام التشريق متابعة لما قبلها من النهار؛ حتى يمكن استدراك ما فات من أعمال النهار في الليل، فمثلاً إذا فاته الوقوف بعرفة نهارًا، استدركه ليلاً، فدفعًا للتوهم زاد قوله: "التي قبل يوم عرفة". واللَّه تعالى أعلم (فَإِذَا حِسُّ الحيَّةِ) "إذا" هنا فجائيّة، أي ففاجأنا سماع حسّ حيّة. و"الحسّ" بالكسر، والحسيس بالفتح: الصوت الخفيّ. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اقْتُلُوهَا"، فَدَخَلَتْ شَقَّ جُحْرٍ" قال الفيّوميّ: "والشقّ" بالفتح: انفراجٌ في الشيء، وهو مصدرٌ في الأصل، والجمع شُقُوق، مثل فلس وفُلُوس انتهى. فتكون إضافته إلى "جحر" بمعنى اللام (فَأَدْخَلْنَا عُودًا) بضم العين أي خشبًا، والجمع أعواد، وعِيدان (فَقَلَعْنَا بَعْضَ الْجُحْرِ) أي نزعنا بعض ذلك الجُحْرِ (فَأخَذْنَا سَعَفَةً) بفتحتين واحدة السعف بفتحتين أيضًا، مثلُ قَصَبَة وقَصَبٍ: وهي أغصان النخل ما دامت بالْخُوص، فإن زال الْخُوص عنها قيل: جريد. قالهَ الفيّوميّ (فَأَضْرَمنَا فِيهَا نَارًا) أي أوقدنا فيها نارًا، وأرادوا بذلك قتلها (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَقَاهَا اللَهُ شَرَّكُم، وَوَقَاكُمْ شَرَّهَا") فيه إخبار منه ﷺ أنها سلمت مما فعلوا بها، من إضرام النار، وغيره. وتسمية ما فعلوه شرًّا، بالنسبة إليها، أو للمشاكلة، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ الآية [الشورى: ٤٠]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. والحديث فيه انقطاع؛ لأن الأصحّ أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، لكنه صحيحٌ بما قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 13028

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١١٥ - (قَتْلُ الْوَزَغِ) ٢٨٨٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ, عَنْ أُمِّ شَرِيكٍ, قَالَتْ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , بِقَتْلِ الأَوْزَاغِ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخ المصنّف "محمد بن عبد اللَّه بن يزيد المقرىء" أبي يحيى المكيّ، ثقة [١٠] ١١/ ١١، فإنه من أفراده وابن ماجه. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"عبد الحميد بن جبير بن شيبة" بن عثمان بن أبي طلبة العبدريّ الْحَجَبيّ المكيّ، ثقة [٥]. وثقه ابن معين، والنسائيّ، وابن سعد. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وذكره خليفة في الطبقة الثالثة من أهل مكة. روى له الجماعة. وله عند المصنف حديثان برقم ٢٨٨٥ و ٢٩١١. و"أم شريك" العامريّة، ويقال: الأنصارية، ويقال: الدوسيّة، اسمها غُزيّة، ويقال: غُزيلة بنت دودان بن عمرو بن عامر بن رواحة بن منقذ بن عمرو بن مُعَيص بن عامر بن لؤيّ. وقيل: غير ذلك في نسبها. وقال ابن سعد: غُزيّة بنت جابر بن حَكيم. ويقال: هي التي وهبت نفسها للنبيّ ﷺ . روت عن النبيّ ﷺ . وعنها جابر بن عبد اللَّه، وسعيد ابن المسيّب، وعروة بن الزبير، وشهر بن حوشب. روى لها الجماعة، سوى أبي داود. ولها عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. والحديث متّفقٌ عليه، وأخرجه المصنّف هنا -١١٥/ ٢٨٨٦ وفي "الكبرى" ١١٥/ ٣٨٦٨. وأخرجه (خ) في "بدء الخلق" ٣٣٠٧ و"أحاديث الأنبياء" ٣٣٥٩ (م) في "السلام" ٢٢٢٣٧ (ق) في "الصيد" ٢٢٢٨ (أحمد) في "مسند القبائل" ٢٦٨١٩ و ٢٧٠٧٢ (الدارمي) في "الأضاحي" ٢٠٠٠ وشرحه قد مرّ مستوفًى في باب "قتل الوزغ" -٨٥/ ٢٨٣١ - في شرح حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -. واللَّه تعالى أعلم

стр. 13029

بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨٨٧ - (أَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ بَيَانٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكٌ, وَيُونُسُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «الْوَزَغُ الْفُوَيْسِقُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه وهب ابن بيان، أبي عبد اللَّه الواسطيّ، نزيل مصر، ثقة [١٠] ٢٠/ ١٣٩٩، فإنه من أفراده هو، وأبي داود. [تنبيه]: وقع في "الكبرى": "وهب بن كان" بنون قبل الألف، وهو تصحيف، والصواب: "بيان" بالياء، كما هنا. فتنبّه. وقوله: "الوزغ الفويسق" جملة من مبتدإ وخبر، و"الفويسق" تصغير فاسق، وهو تصغير تحقير، يقتضي المبالغة في الذّم. زاد في رواية البخاريّ: "ولم أسمعه أمر بقتله". وهو مقول عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، والضمير للنبيّ ﷺ ، وقضية تسميته إياه فويسقًا أن يكون قتله مباحًا، وكونها لم تسمعه لا يدلّ على منع ذلك، فقد سمعه غيرها، كأم شريك، وغيرها. ونقل ابن عبد البرّ الاتفاق على جواز قتله في الحلّ والحرم، لكن نقل ابن عبد الحكم وغيره عن مالك: لا يَقتل المحرم الوزغ. زاد ابن القاسم: وإن قتله يتصدّق؛ لأنه ليس من الخمس المأمور بقتلها. وروى ابن أبي شيبة أن عطاء سئل عن قتل الوزغ في الحرم؟، فقال: إذا آذى فلا بأس بقتله. وهذا يفهم منه توقف قتله على أذاه. أفاده في "الفتح" (١). والحديث متّفقٌ عليه، وأخرجه المصنّف هنا -١١٥/ ٢٨٨٧ - وفي "الكبرى" ١١٥/ ٣٨٦٩. وأخرجه (خ) في "الحج" ١٨٣١ و"بدء الخلق" ٣٣٠٦ (م) في "السلام" ٢٢٣٩ (ق) في "الصيد" ٣٢٣٥ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٤٥٤٧ و ٢٤٦٨٩ و ٢٥٨٠٠ و ٢٥٨٥٠. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 13030

١١٦ - (بَابُ قَتْلِ الْعَقْرَبِ) ٢٨٨٨ - (أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ الرَّقِّيُّ الْقَطَّانُ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ, قَالَ: ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, أَنَّ عُرْوَةَ أَخْبَرَهُ, أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ, كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ, يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْكَلْبُ الْعَقُورُ, وَالْغُرَابُ, وَالْحِدَأَةُ, وَالْعَقْرَبُ, وَالْفَأْرَةُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فقد انفرد به هو، وأبو داود، وهو صدوق. و"حجاج": هو ابن محمد الأعور المصّيصّي. و"أبان بن صالح" بن عُمير بن عُبيد القرشيّ مولاهم، ثقة [٥]. قال ابن معين، والعجليّ، ويعقوب بن شيبة، وأبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حنان في "الثقات". وقال ابن عبد البرّ في "التمهيد": ضعيف. وقال ابن حزم في "المحلّى": ليس بالمشهور. قال الحافظ: وهذه غفلة منهما، وخطأ تواردا عليه، فلم يضعّف أبان هذا أحدٌ قبلهما، ويكفي فيه قول ابن معين، ومن تقدّم معه. انتهى. وقال ابن سعد: وُلد سنة ستين، ومات بعسقلان سنة بضع عشرة ومائة. وهو ابن خمس وخمسين سنة، وكذا قال يعقوب بن شيبة. علّق عنه البخاريّ، وأخرج له الأربعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله في -٨٣/ ٢٨٢٣ - فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١١٧ - (قَتْلُ الْفَأْرَةِ فِي الْحَرَمِ) ٢٨٨٩ - (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ عُرْوَةَ, أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَمْسٌ مِنَ

стр. 13031

الدَّوَابَّ، كُلُّهَا فَاسِقٌ، يُقتَلْنَ فِي الْحَرَمِ: الْغُرَابُ، وَالحدَأَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْعَقْرَبُ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، ونصفه الأول مصريون، والثاني مدنيون، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أيضًا عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) من الأحاديث. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨٩٠ - (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا (١) ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ,, أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ, أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ, قَالَ: قَالَتْ: حَفْصَةُ, زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ, لَا حَرَجَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ: الْعَقْرَبُ, وَالْغُرَابُ, وَالْحِدَأَةُ, وَالْفَأْرَةُ, وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه عيسى بن إبراهيم بن مثرُود، أبي موسى الغافقيّ المصريّ، فقد انفرد به هو، وأبو داود، وهو ثقة. والسند فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وصحابيّ، عن صحابية، ورواية الابن، عن أبيه، والأخ عن أخته، وفيه ابن عمر، أحد المكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) من الأحاديث. وقوله: "لا حرج الخ" أي لا إثم، وتمام شرح الحديث تقدّم في شرح حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -. والحديث متّفقٌ عليه، أخرجه المصنّف هنا -١١٧/ ٢٨٩٠ - وفي "الكبرى" ١١٧/ ٣٨٧٢. وأخرجه (خ) في "الحجّ" ١٨٢٨ (م) ١٢٠٠ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٥٩٠٠ و ٢٦٣١٧. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". ١١٨ - (قَتْلُ الْحِدَأَةِ فِي الْحَرَمِ) ٢٨٩١ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا (٢) عَبْدُ الرَّزَّاقِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (٣) مَعْمَرٌ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «خَمْسُ فَوَاسِقَ,

стр. 13032

يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْحِدَأَةُ, وَالْغُرَابُ, وَالْفَأْرَةُ, وَالْعَقْرَبُ, وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ». قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: أَنَّ مَعْمَرًا كَانَ يَذْكُرُهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ سَالِمٍ, عَنْ أَبِيهِ, وَعَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، والحديث صحيح، وهو بهذا الإسناد من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا -١١٨/ ٢٨٩١ - وفي "الكبرى" ١١٨/ ٣٨٧٣. وقوله: "قال عبد الرزاق الخ" أشار به إلى أن إسناد هذا الحديث وقع فيه اختلاف، فقد رواه معمر عن الزهريّ بطريقين: طريق سالم، عن أبيه، عن حفصة - رضي اللَّه تعالى عنهما -. وطريق عروة، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، وكلاهما صحيحان. وقد أخرجه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في الباب الماضي عن ابن وهب، بطريقين أيضًا: "إحداهما: طريق يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن عبد اللَّه بن عمر، عن حفصة ﵃. والثانية: طريق يونس، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وظهر بهذا أن لابن وهب عن يونس، عن الزهريّ فيه إسنادين: سالم، عن أبيه، عن حفصة. وعروة، عن عائشة. وقد كان ابن عيينة ينكر طريق الزهريّ، عن عروة، قال الحميديّ، عن سفيان: حدثنا واللَّه الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، فقيل له: إن معمرًا يرويه عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة، قال: حدثنا والفه الزهريّ لم يذكر عروة. وطريق معمر المشار إليها أوردها البخاريّ في "بدء الخلق" من طريق يزيد بن زريع، عنه. ورواها النسائيّ من طريق عبد الرزاق -يعني حديث الباب- ثم ذكر كلام عبد الرزاق المذكور هنا. قال: وطريق الزهريّ، عن عروة، رواها أيضًا شعيب بن أبي حمزة، عند أحمد، وأبان بن صالح عند النسائيّ -يعني حديث الباب السابق- ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، وقد تابع الزهريّ عن عروة هشامُ بن عروة، أخرجه مسلم، والنسائيّ -يعني في الباب الآتي -أيضًا. انتهى كلام الحافظ ببعض زيادة (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبين مما ذُكر أن روايتي معمر عن الزهريّ صحيحتان، فلا يضرّه إنكار ابن عيينة عليه طريق عروة، عن عائشة؛ لأن الحديث محفوظ من الطريقين.

стр. 13033

والحاصل أن حديث الزهريّ محفوظ من كلتا الطريقين: طريق سالم، عن أبيه، عن حفصة - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وطريق عروة، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -, ولذا أخرجه الشيخان من كلتا الطريقين، فتبصّر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١١٩ - (قَتْلُ الْغُرَابِ فِي الْحَرَمِ) ٢٨٩٢ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) حَمَّادٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ -وَهُوَ ابْنُ عُرْوَةَ- عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَمْسُ فَوَاسِقَ, يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ: الْعَقْرَبُ, وَالْفَأْرَةُ, وَالْغُرَابُ, وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ, وَالْحِدَأَةُ»). قالَ الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"حماد": هو ابن زيد. والحديث صحيح؛، وهو بهذا الإسناد من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا -١١٩/ ٢٨٩٢ - وفي "الكبرى" ١١٩/ ٣٨٧٤. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٢٠ - (النَّهْي أَنْ يُنَفَّرَ صَيْدُ الْحَرَمِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "يُنفّر الخ" بالبناء للمفعول، والمصدر المؤول من "أن" والفعل مجرور بحرف جرّ محذوف قياسًا، والتقدير: النهي عن تنفير صيد الحرم، أي تشريده من موضعه الذي أقام فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

стр. 13034

٢٨٩٣ - (أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عَمْرٍو, عَنْ عِكْرِمَةَ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «هَذِهِ مَكَّةُ, حَرَّمَهَا اللَّهُ , يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ, لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي, وَلَا لأَحَدٍ بَعْدِي, وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ, وَهِيَ سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ بِحَرَامِ اللَّهِ, إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ, لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا, وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا, وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا, وَلَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا, إِلاَّ لِمُنْشِدٍ» , فَقَامَ الْعَبَّاسُ -وَكَانَ رَجُلاً مُجَرِّبًا- فَقَالَ: إِلاَّ الإِذْخِرَ, فَإِنَّهُ لِبُيُوتِنَا, وَقُبُورِنَا, فَقَالَ: «إِلاَّ الإِذْخِرَ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه سعيد ابن عبد الرحمن المخزوميّ المكيّ، فقد تفرّد به هو، والترمذيّ، وهو ثقة. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"عمرو": هو ابن دينار. وقوله: "وهي ساعتي هذه"، وفي "الكبرى": "وهي من ساعتي هذه"، بزيادة "من". وقوله: "بحرام اللَّه" أي بتحريمه، لا بتحريم أحد من الخلق. وقوله: "لا يُختلى" بالبناء للمفعول، وكذا الفعلان بعده، ومعنى: "لا يُختَلَى": لا يُجَزّ، ولا يُقطع خلاها، وهو ما كان رَطَبًا من الكلإ. ومعنى: "لا يُعضد": لا يُقطع. ومعنى: "يُنفّر": يُشَرّد. وقوله: "ولا تحلّ لقطتها" بالبناء للفاعل، و"اللُّقَطَة" -بضمّ، ففتح- وزانُ رُطَبَة: ما الْتُقِطَ من مالٍ ضائع. قال الأزهريّ: اللُّقَطة بفتح القاف: اسم الشيء الذي تجده مُلْقًى، فتأخذه، قال: وهذا قول جميع أهل اللغة، وحُذاقِ النحويين. وقال الليث: هي بالسكون، ولم أسمعه لغيره، واقتصر ابن فارس، والفارابيّ، وجماعة على الفتح، ومنهم من يَعُدّ السكون من لَحْن العوامّ، ووجه ذلك أن الأصل لُقَاطة، فثقُلَت عليهم؛ لكثرة ما يلتقطون في النهب، والغارات، وغير ذلك، فتلعّبت بها ألسنتهم اهتمامًا بالتخفيف، فحذفوا الهاء مرّة، وقالوا: لُقَاطٌ، والألف أُخرى، وقالوا: لُقَطَة، فلو أُسكن اجتمع على الكلمة إعلالان، وهو مفقود في فصيح الكلام، وهذا وإن لم يذكروه، فإنه لا خفاء به عند التأمل لأنهم فسّروا الثلاثة بتفسير واحد. أفاده الفيّوميّ. وقوله: "وكان رجلاً مجرّبًا" أي كان ذا تجربة للأمور، فلذا طلب من النبيّ ﷺ أن يستثني الإذخير؛ لمعرفته شدة حاجة الناس إليه. [تنبيه]: وقع في بعض النسخ "مجريا" بالجيم آخره ياء بدل "مجرِّبًا" وهو تصحيف، ووقع في "الكبرى": "محرمًا" بالحاء المهملة بدل الجيم، آخر ميم، وهو تصحيف أيضًا. والحديث متفق عليه، وتقدم تمام شرحه، والكلام على مسائله في ١١٠/ ٢٨٧٤ - واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 13035

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٢١ - (اسْتِقْبَالُ الْحَجِّ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الكلام على حذف مضاف، أي استقبال ذي الحجّ، وفي نسخة: "الحاجّ"، وهو الذي في "الكبرى"، وهو واضح. وحديثا الباب يدلّان على استحباب استقبال القادم للحجّ، ولكنه لا فرق بين القدوم للحجّ، والقدوم منه؛ لاتفاقهما من حيث المعنى، ولذا أطلقه المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، ليشمل الاستقبالين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٨٩٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ زَنْجُويَهْ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ, عَنْ ثَابِتٍ, عَنْ أَنَسٍ, قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ, فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ, وَابْنُ رَوَاحَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ يَقُولُ: خَلُّوا بَنِي الْكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهِ … الْيَوْمَ نَضْرِبْكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهِ ضَرْبًا يُزِيلُ الْهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ … وَيُذْهِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ قَالَ عُمَرُ: يَا ابْنَ رَوَاحَةَ, فِي حَرَمِ اللَّهِ, وَبَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَقُولُ هَذَا الشِّعْرَ؟ , فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «خَلِّ عَنْهُ, فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ, لَكَلَامُهُ أَشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ وَقْعِ النَّبْلِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه محمد ابن عبد الملك بن زيجويه البغداديّ، أبي بكر الغزّال، فإنه من رجال الأربعة، وهو ثقة. والحديث صحيح، وقد تقدّم قبل أحد عشر بابًا برقم -١٠٩/ ٢٨٧٤ - وقد استوفيتُ شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، واستدلّ به المصنّف هنا على استحباب استقبال الحاج عند قدومه، ومحلّ الاستدلال به كون عبد اللَّه بن رواحة - رضي اللَّه تعالى عنه - مشى بين يدي رسول اللَّه ﷺ يقول الشعر، والنبيّ ﷺ استحسن ذلك منه، فدلّ على أن استقبال الحاج عند قدومه بإظهار الفرح والسرور، والكلام المناسب للحال مستحبٌ، إذ لا فرق بين أن يكون المستقبِل من نفس الحجاج، أو من أهل البلد؛ إذ المقصود تعظيم الحاج، واظهار الفرح والاستبشار به. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 13036

٢٨٩٥ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -وَهُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ- عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ, عَنْ عِكْرِمَةَ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ, اسْتَقْبَلَهُ أُغَيْلِمَةُ بَنِي هَاشِمٍ, قَالَ: فَحَمَلَ وَاحِدًا بَيْنَ يَدَيْهِ, وَآخَرَ خَلْفَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (يزيد بن زُريع) العيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٥/ ٥. ٣ - (خالد) بن مِهْرَان الحذّاء، أبو المنازل البصريّ، ثقة يرسل، قيل: تغيّر حفظه لَمَا قدم من الشام [٥] ٧/ ٦٣٤. ٤ - (عكرمة) مولى ابن عبّاس، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٢] ٣/ ٣٢٥. ٥ - (ابن عباس) عبد اللَّه البحر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين غير شيخه فبَغْلَانيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ: خالد، عن عكرمة، وفيه ابن عبّاس ﵁ من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة روى (١٦٩٦) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، لَمَا قَدِمَ مَكةَ) يعني عام الفتح (اسْتَقْبَلَهُ أُغَيْلِمَةُ بَنِي هَاشِم) تصغير غلمة، وهو جمع غلام على غير قياس، والقياس غُلَيمة. وقال ابن التين: كأنهم صغّروا أغلمة على القياس، وإن كانوا لم ينطقوا بأغلمة، قالط: ونظيره أُصَيبية انتهى. وإضافتهم إلى هاشم لأنهم من ذرّيته. وفي رواية البخاريّ: "أغيلمة بني عبد المطّلب (قَالَ) ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - (فَحَمَلَ وَاحِدًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَآخَرَ خَلْفَهُ) قد جاء تفسير هما فيما أخرجه البخاريّ في "كتاب اللباس" من طريق أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أَتَى رسول اللَّه ﷺ وقد حمل قُثَمَ بين يديه، والفضل خلفه، أو قُثَم خلفه، والفضل بين يديه". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسالة الأولى): في درجته: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه البخاريّ.

стр. 13037

(المسالة الثانية): في بيان مواضع ذكره له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٢١/ ٢٨٩٥ - وفي "الكبرى"١٢١/ ٣٨٧٧. وأخرجه (خ) في "الحج" ١٧٩٨ و"اللباس"٥٩٦٥. واللَّه تعالى أعلم. (المسالة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو استحباب استقبال الحاجّ عند قدومه للحجّ، أو من الحجّ، والظاهر أن المصنف قاس الحج على ما وقع في الفتح؛ لأن قصة الاستقبال المذكورة في الحديث وقعت في عام الفتح كما سبق بيانه. واللَّه تعالى. (ومنها): جواز الارتداف على الدابة، وإن كانوا ثلاثة، وأما ما ورد من النهي عن ذلك، فلا يصحّ، وعلى تقدير صحته فيحمل على ما إذا لم تطق الدابة ذلك. أخرج الطبراني في "الأوسط" عن جابر - رضي اللَّه تعالى عنه -: "نهى رسول اللَّه ﷺ أن يركب ثلاثة على دابّة". وسنده ضعيف. وأخرج الطبرانيّ عن أبي سعيد، رفعه: "لا يركب الدابة فوق اثنين". وفي سنده لين. وأخرج ابن أبى شيبة من مرسل زاذان أنه رأى ثلاثة على بغل، فقال: لينزل أحدكم، فإن رسول اللَّه ﷺ لعن الثالث. ومن طريق أبي بردة، عن أبيه نحوه، ولم يصرّح برفعه. ومن طريق الشعبيّ قوله مثله. ومن حديث المهاجر بن قنفذ أنه لعن فاعل ذلك، وقال: "إنا قد نُهينا أن يركب الثلاثة على الدابة". وسنده ضعيف. وأخرج الطبريّ عن عليّ ﵁، قال: "إذا رأيتم ثلاثة على دابة، فارجموهم حتى ينزل أحدهم". وعكسه ما أخرجه الطبريّ أيضًا بسند جيد، عن ابن مسعود ﵁ قال: "كان يوم بدر ثلاثة على بعير". وأخرج الطبرانيّ، وابن أبي شيبة أيضًا من طريق الشعبيّ، عن ابن عمر، قال: "ما أبالي أن أكون عاشر عشرة على دابّة، إذا أطاقت حمل ذلك". قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وبهذا يجمع بين مختلف الحديث في ذلك، فيحمل ما ورد في الزجر عن ذلك على ما إذا كانت الدابّة غير مطيقة، كالحمار مثلاً، وعكسه على عكسه، كالناقة، والبغلة. قال النوويّ: -رحمه اللَّه تعالى-: مذهبنا، ومذهب العلماء كافّة جواز ركوب ثلاثة على الدابة إذا كانت مطيقة. وحكى القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى- منعه عن بعضهم مطلقًا، وهو فاسد انتهى. قال الحافظ: لم يصرّح أحد بالجواز مع العجز، ولا بالمنع مع الطاقة، بل المنقول من المطلق في المنع والجواز محمول على المقيّد انتهى (١).

стр. 13038

(ومنها): ما كان عليه النبيّ ﷺ من حسن المعاشرة، ومكام الأخلاق، حيث إنه يردف الغلمان معه شفقة، ورأفة، وتلطّفًا بهم، فكان ﷺ -كما وصفه اللَّه تعالى بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، وقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٢٢ - (تَرْكُ رَفْعِ الْيَدَينِ عِنْدَ رُؤيةِ الْبَيْتِ) ٢٨٩٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا قَزَعَةَ الْبَاهِلِيَّ, يُحَدِّثُ عَنِ الْمُهَاجِرِ الْمَكِّيِّ, قَالَ: سُئِلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الرَّجُلِ, يَرَى الْبَيْتَ, أَيَرْفَعُ يَدَيْهِ؟ , قَالَ: مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَحَدًا يَفْعَلُ هَذَا, إِلاَّ الْيَهُودَ, حَجَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ نَكُنْ نَفْعَلُهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن بشار) العبديّ، أبو بكر بُندار البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٢٤/ ٢٧. ٢ - (محمد) بن جعفر غندر، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقة صحيح الكتاب [٩] ٢١/ ٢٢. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت البصريّ [٧] ٢٤/ ٢٧. ٤ - (أبو قَزَعة الباهلي) سُويد بن حُجير -بتقديم المهملة، مصغرًا- البصريّ، ثقة [٤]. قال أبو طالب، عن أحمد: من الثقات. وقال ابن المدينيّ، وأبو داود، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. وقال العجليّ: بصريّ تابعيّ ثقة. وقال البزّار: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال الآجريّ: قُرىء على أبي داود، عن أحمد ابن صالح، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج: حدّثنا أبو قَزَعَة، سمع عمران بن حصين. قلت لأبي داود: من أبو قَزَعة؟ قال: سُويد، قلت: سمع من عمران بن حصين؟ قال: لا. روى له الجماعة، سوى البخاريّ، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان فقط،

стр. 13039

برقم ٢٨٩٦ و ٣٥٩٢. ٥ - (المهاجر) بن عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزوميّ المكيّ، مقبول [٤]. روى عن جابر، وابن عمه عبد اللَّه بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، والزهريّ، وهو من أقرانه. وعنه أبو قزعة، سويد بن حجير الباهليّ، ويحيى بن أبي كثير، وجابر بن يزيد الجعفيّ. ذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال أبو حاتم في "العلل": لا أعلم أحدًا روى عن المهاجر بن عكرمة غير يحيى بن أبي كثير، والمهاجر ليس بالمشهور. وقال الخطابيّ: ضعّف الثوريّ، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق حديث مهاجر في رفع اليدين عند رؤية البيت؛ لأن مهاجرًا عندهم مجهول. روى له أبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله عندهم حديث الباب فقط. ٦ - (جابر بن عبد اللَّه) بن عمرو بن حرام الصحابيّ ابن الصحابي - رضي اللَّه تعالى - عنهما ٣١/ ٣٥. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ الْمُهَاجِرِ الْمَكِّيِّ) أنه (قَالَ: سُئِلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) الأنصاريّ - رضي اللَّه تعالى - عنهما (عَنِ الرَّجُلِ، يَرَى الْبَيْتَ) أي الكعبة المشرّفة؛ لأنه صار علمًا بالغلبة لها، كما قال ابن مالك في "الخلاصة": وَقَدْ يَصِيرُ عَلَمّا بِالْغَلَبَهْ … مُضَافٌ أَوْ مَصْحُوبُ "الْ" كَالْعَقَبَهْ (أَيَرْفَعُ يَدَيْهِ؟، قَالَ) جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - (مَا كُنْتُ أَظُن أَحَدًا يَفْعَلُ هَذَا إِلَّا الْيَهُودَ) أي لا يفعل رفع اليدين في غير محله، إلا اليهود. أو الرفع عند رؤية البيت، وذلك لأن اليهود أعداء البيت، فإذا رأوه رفعوا أيديهم لهدمه، وتحقيره، وليس المراد أن اليهود يزورونه، ويرفعون الأيدي عنده بذلك. قاله السنديّ (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الاحتمال الثاني مما ذكره السنديّ غير واضح، والظاهر أنه أراد أن اليهود هم الذين يرفعون أيديهم عند رؤية محل عباداتهم، فيكون رفع اليد عند رؤية الكعبة تشبهًا بهم. واللَّه تعالى أعلم. (حَجَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَم نَكُنْ نَفْعَلُهُ) يعني أنه لو كان مشروعًا لبينه ﷺ في حجته لأصحابه، كما بين لهم سائر أعمال الحج فيها. والحديث يدلّ على عدم مشروعية رفع اليد في الدعاء عند رؤية البيت، وقد ورد ما

стр. 13040

يدلّ على استحباب ذلك، فروى الشافعيّ في "مسنده" عن ابن جريج، أن النبيّ ﷺ كان إذا رأى البيت رفع يديه، وقال: "اللَّهم زد هذا البيت تشريفًا، وتعظيمًا، وتكريمًا، ومهابةً، وزد من شَرَّفَهُ، وكرّمه ممن حجه، واعتمره تشريفًا، وتعظيمًا، وتكريمًا، وبِرًّا". وهذا مرسل معضل فيما بين ابن جريج، والنبي ﷺ ، وفي إسناده سعيد بن سالم القدّاح، وفيه مقال. وروى البيهقيّ عن مكحول، قال: كان النبيّ ﷺ إذا دخل مكة، فرأى البيت، رفع يديه وكبّر، وقال: "اللَّهم أنت السلام، ومنك السلام، فحيّنا ربنا بالسلام، اللَّهم زد هذا البيت تشريفًا، وتعظيمًا الخ". وهذا أيضًا مرسل. وروى البيهقيّ أيضًا من طريق الشافعيّ، عن سعيد بن سالم، عن ابن جريج، قال: حُدِّثْتُ عن مِقْسَم، مولى عبد اللَّه بن الحارث، عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ أنه قال: "ترفع الأيدي في الصلاة، وإذا رأى البيت، وعلى الصفا والمروة … " الحديث. قال البيهقيّ: هو منقطع، لم يسمعه ابن جريج عن مقسم. ورواه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، وعن نافع، عن ابن عمر، مرّة موقوفًا، ومرّة مرفوعًا إلى النبيّ ﷺ . وابن أبي ليلى هذا غير قويّ في الحديث. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: فظهر بهذا أن الأحاديث في رفع اليدين عند رؤية البيت لا تصحّ إثباتًا، ولا نفيًا فالأولى عدم الرفع، كما سيأتي قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث جابر بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا ضعيف؛ لجالة المهاجر المكيّ، كما تقدّم. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٢٢/ ٢٨٩٦ - وفي "الكبرى" ١٢٢/ ٣٨٧٨. وأخرجه (د) في "المناسك" ١٨٧٠ (ت) في "الحج" ٨٥٥ (الدارمّي) في "المناسك"١٩٢٠. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم رفع اليدين عند رؤية البيت الحرام: ذهب أبو حنيفة، ومالك، وأبو يوسف، ومحمد إلى عدم الرفع. وذهب الثوريّ، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق إلى أنه يرفع يديه. قال ابن المنذر: وبه أقول. قال النوويّ: وهو مذهبنا. وقال الشافعيّ بعد أن أورد حديث ابن جريج: ليس في رفع اليدين عند رؤية البيت شيء، فلا أكرهه، ولا أستحبّه. قال البيهقيّ: وكأنه لم يعتمد

стр. 13041

على الحديث؛ لانقطاعه. وقال ابن قدامة: ويستحبّ رفع اليدين عند رؤية البيت، روي ذلك عن ابن عمر، وابن عباس. وبه قال الثوريّ، وابن المبارك، والشافعيّ، وإسحاق ابن راهويه. وكان مالك لا يرى رفع اليدين؛ لما روي عن المهاجر المكيّ، قال: سئل جابر بن عبد اللَّه … فذكر حديث الباب، ثم قال: ولنا ما روى أبو بكر بن المنذر، عن النبيّ ﷺ أنه قال: "لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن: افتتاح الصلاة، واستقبال البيت، وعلى الصفا والمروة، وعلى الموقفين، والجمرتين". قال ابن قدامة: وهذا من قول النبيّ ﷺ ، وذاك من قول جابر، وخبره عن ظنّه، وفعله، وقد خالفه ابن عمر، وابن عباس؛ ولأن الدعاء مستحبّ عند رؤية البيت، وقد أمر برفع اليدين عند الدعاء. انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: هذا من قول النبيّ ﷺ ، وذاك من فعل جابر الخ هذا لو ثبت قول النبيّ ﷺ ، والواقع خلافه، فالحديث المذكور لا يصحّ، فتنبّه. وقال النوويّ في "شرح المهذب": قال أصحابنا: رواية المثبت للرفع أولى؛ لأن معه زيادة علم. وقال البيهقيّ: رواية غير جابر في إثبات الرفع مع إرسالها أشهر عند أهل العلم من حديث مهاجر، وله شواهد، وإن كانت مرسلة، والقول في مثل هذا قول من رأى وأثبت (٢). وقال الخطّابيّ في "المعالم": قد اختلف الناس في هذا، فكان ممن يرفع يديه إذا رأى البيت سفيان الثوريّ، وابن المبارك، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وضعّف هؤلاء حديث جابر؛ لأن مهاجرًا راويه عندهم مجهول، وذهبوا إلى حديث ابن عباس، عن النبيّ ﷺ قال: "ترفع الأيدي في سبعة مواطن: افتتاح الصلاة، واستقبال البيت، وعلى الصفا والمروة، والموقفين،، والجمرتين". وروي عن ابن عمر أنه كان يرفع اليدين عند رؤية البيت. وعن ابن عباس مثل ذلك. انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - في سنده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو سيء الحفظ، وهو فيه مضطرب، فلا يصحّ. وقال الشوكانيّ: والحاصل أنه ليس في الباب ما يدلّ على مشروعيّة رفع اليدين عند رؤية البيت، وهو حكم شرعي، لا يثبت إلا بدليل. انتهى (٣). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى- حسنٌ جدًّا.

стр. 13042

والحاصل أن رفع اليدين عند رؤية البيت مما ليس له دليلٌ يصحّ، فلا ينبغي فعله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٢٣ - (الدُّعَاءُ عِنْدَ رُؤيةِ الْبَيْتِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أنه أراد إثبات الدعاء عند رؤية البيت؛ لحديث الباب، لكن الحديث ضعيف على ما سيأتي قريبًا، فلا يصلح للاستدلال به، فتنبّه. والحاصل أن الدعاء عند رؤية البيت ليس له دليل صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٨٩٧ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ, أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ طَارِقِ بْنِ عَلْقَمَةَ, أَخْبَرَهُ عَنْ أُمِّهِ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , كَانَ إِذَا جَاءَ مَكَانًا, فِي دَارِ يَعْلَى, اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ, وَدَعَا). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أبو عاصم": هو الضحّاك بن مخلد النبيل الثبت الحجة. و"عبيد اللَّه بن أبي زيد": هو مولى آل قارظ بن شيبة المكيّ الثقة [٤] ٧٠/ ٢٣٧٠. و"عبد الرحمن بن طارق بن علقمة" بن غَنْم بن خالد الكناني المكيّ، مقبول [٣]. روى عن أمه، وقيل: عن أبيه، وقيل: عن عمه في الدعاء إذا استقبل القبلة. وروى عنه عُبيد اللَّه بن أبي يزيد. ذكره ابن سعد في أهل مكة، وقال: كان قليل الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يروي عن جماعة من الصحابة. وقال البخاريّ: وقال بعضهم: عن عمه، ولا يصحّ. انفرد به أبو داود، والمصنّف، وله عندهما حديث الباب فقط. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "إِذَا جَاءَ مَكَانًا، فِي دَارِ يَعْلَى الخ" أشار في الترجمة إلى أن وجهه أن البيت كان يُرَى من ذلك المكان، ولذا احتجّ به على استحباب الدعاء عند رؤية البيت. واللَّه تعالى أعلم. والحديث ضعيفٌ؛ لجهالة عبد الرحمن بن طارق، وأخرجه المصنّف هنا-١٢٣/

стр. 13043

٢٨٩٧ - وفي "الكبرى" ١٢٣/ ٣٨٧٩. وأخرجه (د) في " المناسك" ٢٠٠٧. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٢٤ - (فَضْلُ الصَّلَاةِ فِي الْمُسْجِدِ الْحَرَامِ) ٢٨٩٧ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, عَنْ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ, قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا يَقُولُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي, أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ, إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ». قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا, رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ, عَنْ نَافِعٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, غَيْرَ مُوسَى الْجُهَنِيِّ, وَخَالَفَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وَغَيْرُهُ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا. و"يحيى بن سعيد": هو القطّان. و"موسى بن عبد اللَّه -ويقال: ابن عبد الرحمن- الجهنيّ": هو أبو سلمة الكوفيّ، ثقة عابد، لم يصحّ أن القطّان طعن فيه [٦] ١٤٤/ ٢٢٦. وله عند المصنّف حديث الباب، وحديث رقم ٢٢٦ في "الطهارة". والحديث أخرجه المصنّف هنا -١٢٤/ ٢٨٩٨ - وفي "الكبرى" ١٢٤٣٨٨٠. وأخرجه مسلم في "الحج" ١٣٩٥ (ق) في "إقامة الصلاة" ١٤٠٥ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٤٦٣٢ و ٤٨٢٣ و٥١٣١ و٥٣٣٥ و٥٧٤٤. وقد تقدّم شرحه، وما يتعلق به مستوفًى في ٤/ ٦٩١ - ، فراجعه تستفد. وأما قول المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-: لا أعلم أحدًا الخ، فيه نظر، فقد تابعه أيوب، عن نافع، فقد أخرجه مسلم في "صحيحه" عن ابن أبي عمر، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، فيكون الحديث مرويًا بالطريقين، فلذا أخرجه مسلم في "صحيحه" من كلا الطريقين.

стр. 13044

والحاصل أن الحديث صحيح عن ابن عمر، وعن ميمونة - رضي اللَّه تعالى عنهم -. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ثم أورد طريق ابن جريج، فقال: ٢٨٩٩ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ, قَالَ: إِسْحَاقُ أَنْبَأَنَا (١) , وَقَالَ مُحَمَّدٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ, قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا يَقُولُ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ عَبَّاسٍ, حَدَّثَهُ أَنَّ مَيْمُونَةَ, زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا, أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ, إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْكَعْبَةَ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. والحديث أيضًا أخرجه مسلم، وقد تقدّم للمصنّف في ٤/ ٦٩١ - وتقدم شرحه مستوفًى، وكذا البحث في مسائله هناك، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. وقوله: "إلا المسجد الكعبة" هكذا الرواية هنا بتعريف المسجد، وتقدم في -٤/ ٦٩١ - بلفظ "إلا مسجد الكعبة" بالإضافة، وهو واضح، ولما هنا أيضًا وجه صحيح، وهو أن يجعل "الكعبة" بدلاً من "المسجد" على حذف مضاف، أي مسجد الكعبة. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: أدخل في "الكبرى" في سند هذا الحديث "ابن عباس" بين إبراهيم بن عبد اللَّه بن معبد، وبين ميمونة، ثم قال بعده: قال أبو عبد الرحمن: رواه الليث، عن نافع، عن إبراهيم بن عبد اللَّه بن معبد، عن ميمونة، ولم يذكر ابن عباس انتهى. وقد تقدّم البحث عن الاختلاف الواقع في هذا السند، وأن الصحيح أن الحديث صحيح من كلا الطريقين في -٤/ ٦٩١ - فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٩٠٠ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ, قَالَ: سَأَلْتُ الأَغَرَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ؟ , فَحَدَّثَ الأَغَرُّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ, يُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا, أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ, مِنَ الْمَسَاجِدِ إِلاَّ الْكَعْبَةَ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدموا غير مرّة. و"محمد": هو ابن جعفر، غندر. و"أبو سلمة": هو ابن عبد الرحمن

стр. 13045

ابن عوف، أحد فقهاء المدينة المشهورين بالفتوى. و"الأغرّ": هو أبو عبد اللَّه، سلمان الأغرّ المدنيّ، أصبهانيّ الأصل، ثقة، من كبار [٣] ٧/ ٦٩٤. والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم للمصنّف في -٧/ ٦٩٤ - وتقدم شرحه مستوفًى، وكذا تمام البحث في مسائله هناك، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٢٥ - (بِنَاءُ الْكَعْبَةِ) ٢٩٠١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ, قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ, أَخْبَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَلَمْ تَرَىْ أَنَّ قَوْمَكِ, حِينَ بَنَوُا الْكَعْبَةَ, اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ ﵇». فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ ﵇؟ قَالَ: «لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ» , فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ سَمِعَتْ, هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , مَا أُرَى تَرْكَ اسْتِلَامِ الرُّكْنَيْنِ, اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحِجْرَ, إِلاَّ أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ ﵇). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (محمد بن سلمة) المرادي الْجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت [١١] ١٩/ ٢٠. ٢ - (الحارث بن مسكين) الأمويّ مولاهم، أبو عمرو المصريّ القاضي، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩. ٣ - (ابن القاسم) هو عبد الرحمن الْعُتَقيّ الفقيه، أبو عبد اللَّه المصريّ، ثقة فقيه، من كبار [١٠] ١٩/ ٢٠. ٤ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الحجة الفقيه الثبت [٧] ٧/ ٧. ٥ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الإمام الحجة الحافظ المدنيّ [٤] ١/ ١.

стр. 13046

٦ - (سالم بن عبد اللَّه) بن عمر بن الخطاب المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢٣/ ٤٩٠. ٧ - (عبد اللَّه بن محمد بن أبي بكر الصديق) التيميّ المدني، أخو القاسم، ثقة [٣]. روى عن عائشة حديث الباب فقط. وروى عنه سالم بن عبد اللَّه بن عمر، ونافع مولى ابن عمر. قال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال مصعب الزبيري: أمه أم ولد، قُتل بالحرّة، وكانت الحّرة قي ذي الحجة سنة ثلاث وستين. أخرج له الجماعة، سوى الترمذيّ، وابن ماجه. وله عندهم حديث الباب فقط. ٨ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فتفرّد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من مالك، والباقون مصريّون. (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: ابن شهاب، عن سالم، عن عبد اللَّه بن محمد، ورواية الأخيرين من رواية الأقران. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمر بن الخطاب (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، أَخْبَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ) بنصب "عبد اللَّه" على المفعولية. وظاهره أن سالمًا كان حاضرًا لذلك، فيكون من روايته، عن عبد اللَّه بن محمد، وقد صرّح بذلك أبو أويس، عن ابن شهاب، لكنه سماه عبد الرحمن بن محمد، فوهم، أخرجه أحمد. وأغرب إبراهيم بن طهمان، فرواه عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة. أخرجه الدارقطنيّ في "غرائب مالك"، والمحفوظ الأول. وقد رواه معمر، عن ابن شهاب، عن سالم، لكنه اختصره. وأخرجه مسلم من طريق نافع، عن عبد اللَّه بن محمد بن أبي بكر، عن عائشة، فتابع سالمًا فيه، وزاد في المتن: "ولأنفقت كنز الكعبة". قال الحافظ: ولم أر هذه الزيادة إلا من هذا الوجه، ومن طريق أخرى، أخرجها أبو عوانة، من طريق القاسم بن محمد، عن عبد اللَّه بن الزبير، عن عائشة (١). (عَن عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَلَمْ تَرَيْ") خطاب للمرأة، وجزمه بحذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة التي رفعها بثبوت النون، ونصبها، وجزمها بحذفها. أي ألم تعلمي (أَنَّ قَوْمَكِ) أي قريشًا (حِينَ بَنَوُا الْكَعْبَةَ) لتضرّرها بالسيول، أو لاحتراقها بسبب شِرارة مِجْمَرَةِ امرأة من قريش، أجمرتها.

стр. 13047

أخرج عبد الرزاق، ومن طريقه الحاكم، والطبرانيّ من حديث أبي الطفيل، قال: "كانت الكعبة في الجاهلية مبنية بالرَّضْم (١)، ليس فيها مدر، وكانت قدر ما يقتحمها العناق، وكانت ثيابها توضع عليها تُسْدَل سَدْلاً، وكانت ذات ركنين، كهيئة هذه الحلقة (٢) فأقبلت سفينة من الروم، حتى إذا كانوا قريبًا من جُدّة انكسرت، فخرجت قريش لتأخذ خشبها، فوجدوا الروميّ الذي فيها نجارًا، فقَدِمُوا به، وبالخشب ليبنوا به البيت، فكانوا كلما أرادوا القرب منه لهدمه بدت لهم حيّة فاتحة فاها، فبعث اللَّه طيرًا أعظم من النسر، فغرز مخالبه فيها، فألقاها نحو أجياد، فهدمت قريش الكعبة، وبنوها بحجارة الوادي، فرفعوا في السماء عشرين ذراعًا، فبينما النبيّ ﷺ يحمل الحجارة من أجياد، وعليه نمرة، فضاقت عليه النمرة، فذهب يضعها على عاتقه، فبدت عورته من صغرها، فنودي يا محمد خمّر عورتك، فلم يُرَ عريانَا بعد ذلك، وكان بين ذلك، وبين المبعث خمس سنين"، قال معمر: وأما الزهريّ، فقال: "لما بلغ رسول اللَّه ﷺ الحلم أجمرت امرأة الكعبة، فطارت شرارة من مجمرها في ثياب الكعبة، فاحترقت، فتشاورت قريش في هدمها، وهابوه، فقال الوليد: إن اللَّه لا يُهلك من يريد الإصلاح، فارتقى على ظاهر البيت، ومعه العباس، فقال: اللَّهم لا نريد إلا الإصلاح، ثم هدم، فلما رأوه سالما تابعوه". قال عبد الرزاق: وأخبرنا ابن جريج، قال: قال مجاهد: "كان ذلك قبل المبعث بخمس عشرة سنة". وكذا رواه ابن عبد البرْ من طريق محمد بن جبير بن مطعم بإسناد له، وبه جزم موسى بن عقبة في "مغازيه"، والأول أشهر، وبه جزم ابن إسحاق. ويمكن الجمع بينهما بأن يكون الحريق تقدّم وقته على الشروع في البناء. وذكر ابن إسحاق: "أن السيل كان يأتي، فيصيب الكعبة، فيتساقط من بنائها، وكان رَضْمَا فوق القامة، فأرادت قريش رفعها، وتسقيفها، وذلك أن نفرًا سرقوا كنز الكعبة"، فذكر القصّة مطوّلاً في بنائهم الكعبة، وفي اختلافهم فيمن يضع الحجر الأسود حتى رَضُوا بأول داخل، فدخل النبيّ ﷺ ، فحكّموه في ذلك، فوضعه بيده. قال: "وكانت الكعبة على عهد النبيّ ﷺ ثمانية عشر ذراعًا". ووقع عند الطبرانيّ من طريق أخرى عن ابن خُثيم، عن أبي الطفيل أن اسم النجّار المذكور باقوم. وللفاكهيّ من طريق ابن جريج مثله، قال: "وكان يتّجر إلى بندر وراء ساحل عدن، فانكسرت سفينته بالشُّعَيبة، فقال لقريش: إن أجريتم عيري مع عيركم إلى الشام أعطيتكم الخشب، ففعلوا". وروى

стр. 13048

سفيان بن عيينة في "جامعه" عن عمرو بن دينار، أنه سمع عبيد بن عمير يقول: اسم الذي بنى الكعبة لقريش باقوم، وكان روميًّا. وقال الأزرقيّ: كان طولها سبعة وعشرين ذراعًا، فاقتصرت قريش منها على ثمانية عشر، ونقصوا من عرضها أذرعًا أدخلوها في الحجر. ذكره في "الفتح" (١). (اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهيمَ ﵇") وذلك لقصور النفقة التي أخرجوها لذلك، فقد ذكر ابن إسحاق في "السيرة" عن عبد اللَّه بن أبي نجيح أنه أخبره عن عبد اللَّه بن صفوان بن أميّة: أن أبا وهب بن عابد بن عمران بن مخزوم -وهو جدّ جعدة ابن هبيرة بن أبي وهب المخزوميّ- قال لقريش: لا تدخلوا فيه من كسبكم إلا الطيّب، ولا تدخلوا فيه مهر بغي، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس. وروى سفيان بن عيينة في "جامعه" عن عبيد اللَّه بن أبي يزيد، عن أبيه، أنه شهد عمر بن الخطاب أرسل إلى شيخ من بني زهرة، أدرك ذلك، فسأله عمر عن بناء الكعبة؟ فقال: إن قريشًا تقرّبت لبناء الكعبة -أي بالنفقة الطيبة- فعجزت، فتركوا بعض البيت في الحجر، فقال عمر: صدقت (٢). قالت عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا تَرُدُّهَما عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهيمَ- ﵇؟ قَالَ: "لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بالْكُفْرِ") بكسر الحاء المهملة، وسكون الدال المهملة، وقيل: يجوز بالفتحتين، بعدها مثلّثة، بمعنى الحدوث، أي لولا قرب عهد قريش بكفر، يريد أن الإسلام لم يتمكن في قلوبهم، فلو هُدمت لربما نفروا منه؛ لأنهم يرون تغييره عظيمًا. وخبر المبتدأ محذوفٌ، كما قال ابن مالك في "الخلاصة": وَبَعْدَ لَوْلَا غَالِبًا حَذْفُ الْخَبَرْ … حَتْمٌ وَفِي نَصِّ يَمِينٍ ذَا استَقَرُّ أي موجودٌ. وجواب "لولا" في هذه الرواية محذوف أيضًا، أي "لفعلت". وفي الرواية التالية: لولا حداثة عهد قومكِ بالكفر، لنقضت البيت، فبنيته على أساس إبراهيم ﵇ … " إلخ. وفي رواية: "لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية، لهدمت الكعبة … "إلخ. وفي رواية "لولا أن قومك حديث عهدهم بجاهلية، لأمرت بالبيت، فهدم، فأدخلت فيه ما أُخرج منه، وألزقته بالأرض … ". (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (لَئِن كَانَتْ عَائِشَةُ) ليس هذا شكّا من ابن عمر في صدق عائشة، لكن يقع في كلام العرب كثيرًا صورة التشكيك، والمراد التقرير واليقين. قاله في "الفتح" (٣). وقال السنديّ: قيل: ليس هذا شكًّا في سماع

стр. 13049

عائشة، فإنها الحافظة المتقنة، لكنه جرى على ما يُعتاد في كلام العرب من الترديد للتقرير، والتعيين. قلت: هو ما سمع من عائشة بلا واسطة، فيمكن أنه جوّز الخطأ على الواسطة، فشكّ لذلك، على أن خطأ عائشة ممكن. وبالجملة فسماع عائشة عند ابن عمر ليس قطعيًّا، فالتعليق لإفادة ذلك. واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام السنديّ (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قول السنديّ: "على أن خطأ عائشة إلخ فيه نظر، بل الوجه الأول هو التوجيه الوجيه. والحاصل أن كلام ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا ما خرج مخرج الشك، بل هو للتقرير والتأكيد، فتبصَّر. واللَّه تعالى أعلم. (سَمِعَتْ، هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، مَا أُرَى) بضم الهمزة: أي ما أظنّ (تَرْكَ اسْتِلَامِ الرُكْنَيْنِ) أي مسحهما، والسين فيه أصليّة، وهو افتعال من السِّلام، وهي الحجارة، يقال: استلم: أي أصاب السِّلَام، وهي الحجارة، كذا ذكره السيوطيّ (٢). والمراد هنا مسح الركنين باليد، إذ لا يشرع تقبيلهما بالفم، كما يشرع تقبيل الحجر الأسود (اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ) أي يقربان (الْحِجْرَ) بكسر الحاء المهملة، وسكون الجيم، وهو معروف على صفة نصف الدائرة، وقدرها تسع وثلاثون ذراعًا، والقدر الذي أُخرج من الكعبة سيأتي بيان مقداره بعد بابين، إن شاء اللَّه تعالى (إِلَّا أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ) بالبناء للمفعول، من التتميم. وفي "الكبرى": "لمِ يتم" مبنيًا للفاعل، من التمام، أو مبنيًّا للمفعول من الإتمام (عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ ﵇) أي القواعد الأصلية التي بنى إبراهيم ﵇ البيت عليها. يعني أن الركنين اللذين يليان الحجر ليسا بركنين، وإنما هما بعض الجدار الذي بنته قريش، فلذلك لم يستلمهما النبيّ ﷺ ، حيث لم يتمّما على الأساس الذي بنى عليه إبراهيم ﵇ البيت. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٢٥/ ٢٩٠١ و ٢٩٠٢ و٢٩٠٣ و ٢٩٠٤ و ١٢٨/ ٢٩١١ و ٢٩١٢

стр. 13050

و١٢٩/ ٢٩١٣ - وفي "الكبرى" ١٢٥/ ٣٨٨٣ و ٣٨٨٤ و ٣٨٨٥ و ٣٨٨٦١٢٩/ ٣٨٩٣ و ٣٨٩٤ و١٣٥/ ٣٨٩٥. وأخرجه (خ) في "العلم"١٢٦ و"الحجّ" ١٥٨٣ و١٥٨٤ و١٥٨٥ و١٥٨٦ و"أحاديث الأنبياء" ٣٣٦٨ و"التفسير" ٤٤٨٤ و"التمنّي" ٧٢٤٣ (م) في " الحجّ" ١٣٣٣ (د) في "المناسك" ٢٠٢٨ (ت) في "الحجّ" ٨٧٥ و ٨٧٦ (ق) في "المناسك"٢٩٥٥ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٣٧٧٦ و ٢٤١٨٨ و ٢٤٣٠٦ و٢٤٩١٠ و٢٤٩٣٥ و ٢٥٤٩٨ و ٢٥٥٦٩ و٢٥٦٢٠ و ٢٥٧٢٤ (الموطأ) في "الحجّ"٨١٣ (الدارمي) في "المناسك" ١٨٦٨ و ١٨٦٩. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان بناء الكعبة. (ومنها): ما ترجم عليه البخاريّ في "كتاب العلم" من "صحيحه"، حيث قال: "باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه، فيقعوا في أشدّ منه". والمراد بالاختيار في عبارته المستحبّ. قاله في "الفتح" (١). (ومنها): أن فيه اجتناب وليّ الأمر ما يتسرّع الناس إلى إنكاره، وما يُخشى منه تولّد الضرر عليهم في دين، أو دنيا، وعليه تأليف قلوبهم بما لا يترك فيه أمرًا واجبًا. (ومنها): تقديم الأهم، فالأهمّ، من دفع المفسدة، وجلب المصلحة، وأنهما إذا تعارضا بُدىء بدفع المفسدة. (ومنها): أن المفسدة إذا أُمن وقوعها عاد استحباب عمل المصلحة. (ومنها): حديث الرجل مع أهله في الأمور العامة. (ومنها): حرص الصحابة على امتثال أوامر النبيّ ﷺ . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٩٠٢ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (٢) عَبْدَةُ, وَأَبُو مُعَاوِيَةَ, قَالَا: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْلَا حَدَاثَةُ عَهْدِ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ, لَنَقَضْتُ الْبَيْتَ, فَبَنَيْتُهُ عَلَى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ ﵇, وَجَعَلْتُ لَهُ خَلْفًا, فَإِنَّ قُرَيْشًا لَمَّا بَنَتِ الْبَيْتَ اسْتَقْصَرَتْ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"إسحاق بن إبراهيم": هو ابن راهويه. و"عبدة": هو ابن سليمان الكلابيُّ الكوفيّ. و"أبو معاوية": هو محمد بن خازم الضرير الكوفيّ. وقوله: "حداثة عهد" بفتح الحاء المهملة: أي قربه.

стр. 13051

وقوله: "وجعلت له خلفًا" بفتح الخاء المعجمة، وسكون اللام، بعدها فاء. وقد فسّره هشام بن عروة فيما علّقه البخاريّ، ولفظه: قال أبو معاوية: حدثنا هشام: خَلْفًا يعني بابًا انتهى. أي بابًا من خلفه، مقابلا لهذا الباب الذي من قدّام. وقال في "الفتح": وضبطه الحربي في "الغريب" بكسر الخاء المعجمة، قال: والخالفة عمود في مؤخّر البيت. والصواب الأول، وبينه قوله في الرواية الرابعة -يعني عند البخاريّ- وهي الرواية التي بعد هذا هنا: "وجعلتُ لها بابين". والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٩٠٣ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, عَنْ خَالِدٍ, عَنْ شُعْبَةَ,, عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنِ الأَسْوَدِ, أَنَّ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ, قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: "لَوْلَا أَنَّ قَوْمِي" -وَفِي حَدِيثِ مُحَمَّدٍ-: "قَوْمَكِ, حَدِيثُ عَهْدِ بِجَاهِلِيَّةٍ, لَهَدَمْتُ الْكَعْبَةَ, وَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ". فَلَمَّا مَلَكَ ابْنُ الزُّبَيْرِ, جَعَلَ لَهَا بَابَيْنِ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه إسماعيل بن مسعود الجحدري البصريّ، فهو من أفراده، وهو ثقة. و"خالد": هو ابن الحارث الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ. و"أبو إسحاق": هو عمرو بن عبد اللَّه بن عبيد السبيعي الكوفيّ. و"الأسود": هو ابن يزيد النخعيّ الكوفيّ. وقوله: "حديث عهد" كذا روي بالإضافة، وحذف الواو. قال المطرّزيّ: لا يجوز حذف الواو في مثل هذا، والصواب: "حديثو عهد". قال السنديّ: ورُدّ بأنه من قبيل: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ الآية [البقرة: ٤١]، فقد قالوا: تقديره أول فريق كافر، أو فوج كافر، يريدون أن هذه الألفاظ مفردة لفظًا، وجمع معنى، فيمكن رعاية لفظها، ولا يخفى أن لفظ القوم كذلك. وأجيب أيضًا بأن فعيلاً يستوي فيه الجمع، والإفراد. قاله السنديّ. وقوله: "فلما ملك ابن الزبير الخ" بفتح الميم، واللام بصيغة الماضي المعلوم: أي لما صار عبد اللَّه بن الزبير - رضي اللَّه تعالى عنهما - مالكا أمورَ الخلافة، وصارت مكة تحت تصرفه هدمها، وبناها، وجعل لها بابين، باب يدخل الناس منه، وباب يخرجون منه، كما بناها إبراهيم ﵇. والحديث متّفقٌ عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٩٠٤ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلاَّمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ, قَالَ:

стр. 13052

أَنْبَأَنَا (١) جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ لَهَا: «يَا عَائِشَةُ, لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ, لأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ, فَهُدِمَ, فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ, وَأَلْزَقْتُهُ بِالأَرْضِ, وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ, بَابًا شَرْقِيًّا, وَبَابًا غَرْبِيًّا, فَإِنَّهُمْ قَدْ عَجَزُوا عَنْ بِنَائِهِ, فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ ﵇». قَالَ: فَذَلِكَ الَّذِي حَمَلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى هَدْمِهِ, قَالَ: يَزِيدُ: وَقَدْ شَهِدْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ, حِينَ هَدَمَهُ وَبَنَاهُ, وَأَدْخَلَ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ, وَقَدْ رَأَيْتُ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ ﵇, حِجَارَةً كَأَسْنِمَةِ الإِبِلِ, مُتَلَاحِكَةً). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عبد الرحمن بن محمد بن سلّام) -بالتشديد- الهاشميّ مولاهم، أبو القاسم البغداديّ، ثم الطرسوسيّ، وقد يُنسب لجدّه، لا بأس به [١١] ١٧٢/ ١١٤١. ٢ - (يزيد بن هارون) السلمي مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقة متقنٌ عابدٌ [٩] ١٥٣/ ٢٤٤. ٣ - (جرير بن حازم) بن زيد الأزدي، أبو النضر البصريّ، ثقة، له أوهام إذا حدّث من حفظه [٦] ٨٢/ ١٠١٤. ٤ - (يزيد بن رُومان) المدنيّ مولى آل الزبير، ثقة [٥] ١٧/ ١٥٣٧. ٥ - (عروة) بن الزبير بن العوِّام المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٤٠/ ٤٤. ٦ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سُداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فتفرّد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من يزيد بن رومان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه عروة من الفقهاء السبعة، وعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة روت (٢٢١٠) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عروة) قال في "الفتح": كذا رواه الحفّاظ من أصحاب يزيد بن هارون عنه، فأخرجه أحمد بن حنبل، وأحمد بن سنان، وأحمد بن منيع في "مسانيدهم" عنه هكذا، والنسائئ عن عبد الرحمن بن محمد بن سلاّم، والإسماعيليّ من طريق هارون الحمّال،

стр. 13053

والزعفرانيّ، كلهم عن يزيد بن هارون. وخالفهم الحارث بن أبي أسامة، فرواه عن يزيد بن هارون، فقال: "عن عبد اللَّه بن الزبير"، بدل "عروة بن الزبير"، وهكذا أخرجه الإسماعيليّ من طريق أبي الأزهر، عن وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه. قال الإسماعيليّ: إن كان أبو الأزهر ضبطه، فكأن يزيد بن رُومان سمعه من الأخوين. قال الحافظ: قد تابعه محمد بن مشكان، كما أخرجه الجوزقيّ، عن الدغوليّ، عنه، عن وهب بن جرير، ويزيد قد حمله عن الأخوين، لكن رواية الجماعة أوضح، فهي أصحّ انتهى (١). (عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: لَهَا: "يَا عَائِشَةُ، لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ) تقدم في الحديث الماضي أن الأولى كون "حديثو" بصيغة جمع المذكر السالم (بِجَاهِلِيَّةِ) أي بخصلة منسوبة إلى الجاهل، وهي الكفر، نسبت إليه لأنه لا يرتكبها إلا جاهل بما تؤول إليه؛ وهو النار (لَأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ، فَهُدِمَ) بالبناء للمفعول (فَأَدْخَلْتُ فِيهِ) بتاء المكتلم، وبناء الفعل للفاعل (مَا أُخْرِجَ مِنْهُ) بالبناء للمفعول، أي الجزء الذي أخرجته قريش حين قصرت بهم النفقة، وسيأتي بين مقداره، إن شاء اللَّه تعالى (وَأَلْزَقْتُهُ بِالْأَرْضِ) أي ألصقت بابه بها، بحيث لا يبقى مرتفعًا عن وجهها، كما فعلت ذلك قريش، حتى لا يتمكن أحد من دخول البيت إلا بسلّم، ويمكنهم إدخال من شاءوا، ومنع من شاءوا، ففي رواية للبخاري من طريق الأسود، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، قالت: قلت: فما شأن بابه مرتفعًا؟، قال: "فعل ذلكِ قومكِ؛ ليدخلوا من شاءوا، ويمنعوا من شاءوا". وفي رواية مسلم من طريق الحارث بن عبد اللَّه، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "وهل تدرين لم كان قومك رفعوا بابها؟ "، قالت: قلت: لا، قال: "تعزّزًا أن لا يدخلها إلا من أرادوا، فكان الرجل إذا هو أراد أن يدخلها يَدَعونه يرتقي، حتى إذا كاد أن يدخل، دفعوه، فسقط". (وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ) حيث كان كذلك حين بناه إبراهيم ﵇ (بَابًا شَرْقِيًّا) يدخل منه الناس (وَبَابًا غَرْبيًا) يخرجون منه (فَإِنَّهُمْ) أي قريشًا (قَدْ عَجَزُوا) بفتح الجيم، من باب ضرب، وبكسر الجيم، من باب تعب لغة لبعض قيس عيلان، ذكرها أبو زيد، وهذه اللغة غير معروفة عندهم، وقد روى ابن فارس بسنده إلى ابن الأعرابيّ أنه لا يقال: عَجِزَ الإنسانُ بالكسر إلا إذا عظمت عَجِيزته. قاله الفيّوميّ (عَنْ بنَائِهِ) أي عن تتميم بنائه على قواعد إبراهيم ﵇، لا أنهم عجزوا عن بنائه أصلاً؛ لأَنهم قد بنوه، ولكن لم

стр. 13054

يبلغوا به بناء إبراهيم ﵇، لعجزهم عن النفقة التي يتممون بها على قواعده (فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ ﵇) أَسَاسُ الحائط -بفتح الهمزة-: أصله، وجمعه أُسُسٌ، مثل قَذَال وقُذُل، ويقال فيه أيضا: أُسٌّ بضمّ الهمزة، وتشديد المهملة، وجمعه آساسٌ، مثل قُفْل وأَقْفال، وربما قيل: إِسَاس بالكسر مثل عُسٍّ وعِسَاس. (قَالَ) الظاهر أن القائل هو يزيد بن رُومان (فَذَلِكَ الَّذِي حَمَلَ) يقال: حمله على الأمر يحمِله، من باب ضرب، فانحمل: أغراه به. أفاده في "القاموس" (ابْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى هَدْمِهِ) زاد وهب بن جرير في روايته: "وبنائه". يعني أن الذي أغرى عبد اللَّه بن الزبير، وقوّى عزمه على هدم البيت، وبنائه على قواعد إبراهيم ﵇ هو حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، فإنه لما سمع الحديث منها، وتمكن من التصرّف فيها، هدمه، وبناه. ففي رواية مسلم من طريق عطاء، قال: وقال ابن الزبير: إني سمعت عائشة تقول: إن النبيّ ﷺ قال: "لولا أن الناس حديثٌ عهدُهم بكفر، وليس عندي من النفقة ما يُقَوِّي على بنائه، لكنت أدخلت فيه من الحجر خمس أذرع، ولجعلت لها بابا، يدخل الناس منه، وبابا يخرجون منه"، قال: فأنا اليوم أجد ما أنفق، ولست أخاف الناس، قال: فزاد فيه خمس أذرع من الحجر، حتى أبدى أُسًّا نظر الناس إليه، فبنى عليه البناء، وكان طول الكعبة ثماني عشرة ذراعا، فلما زاد فيه استقصره، فزاد في طوله عشر أذرع، وجعل له بابين: أحدهما يُدخَل منه، والآخر يُخرَج منه، فلما قُتل ابن الزبير، كتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان، يخبره بذلك، ويخبره أن ابن الزبير، قد وضع البناء على أُسٍّ نظر إليه العدول، من أهل مكة، فكتب إليه عبد الملك، إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء، أما ما زاد في طوله فأقره، وأما ما زاد فيه من الحجر، فرده إلى بنائه، وسُدَّ الباب الذي فتحه، فنقضه، وأعاده إلى بنائه. (قَالَ: يَزِيدُ) هو ابن رومان -بضم الراء- وهو موصول بالإسناد السابق (وَقَدْ شَهِدْتُ) بكسر الهاء: أي حضرت (ابْنَ الزُّبَيْرِ، حِينَ هَدَمَهُ وَبَنَاهُ، وَأَدْخَلَ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ) أي بعضه، فـ"من" بمعنى "بعض"، وهو خمسة، أذرع، كما في رواية مسلم السابقة (وَقَدْ أّيْتُ أَساسَ إِبْرَاهِيمَ ﵇، حِجَارَةَ كَأَسْنِمَةِ الإبِلِ) جمع سنام، شبهها بها في العظم والارتفاع (مُتَلَاحِكَةً) بالنصب على الحالية من "أساس"، أو بالرفع على أنه خبر لمحذوف: أي هي متلاحكة، أي متلاصقة، شديدة الاتصال، يقال: لَحَك بالشيء، من باب مَنَعَ: إذا شَدّ التِئَامَهُ، كلاحَكَ، وتلاحَكَ. أفاده في "القاموس". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، ونعم الوكيل. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، وقد تقدّم بيان مسائله فى

стр. 13055

الحديث المذكور أولَ الباب، وأذكر هنا بعض المسائل المكملة لما مضى، فأقول: (المسألة الأولى): قوله: "وقد شهدت ابن الزبير حين هدمه إلخ ". قال في "الفتح": هكذا ذكره يزيد بن رومان مختصرًا. وقد ذكره مسلم، وغيره واضحًا، فروى مسلم من طريق عطاء بن أبي رباح، قال: "لما احترق البيت زمن يزيد بن معاوية حين غزاه أهل الشام، فكان من أمره ما كان، تركه ابن الزبير، حتى قدم الناس الموسم، يريد أن يُجَرِّئهم، أو يُحّرِّبَهم (١) على أهل الشام، فلما صدر الناس، قال: يا أيها الناس أشيروا عليّ في الكعبة، أنقضها ثم أبني بناءها، أو أصلح ما وَهَى منها، قال ابن عباس: فإني قد فُرِق لي (٢) رأي فيها، أرى أن تصلح ما وهى منها، وتَدَع بيتا أسلم الناس عليه، وأحجارا أسلم الناس عليها، وبُعث عليها النبيّ ﷺ ، فقال ابن الزبير: لو كان أحدكم احترق بيته، ما رضي حتى يُجِدَّه، فكيف بيت ربكم، إني مستخير ربي ثلاثا، ثم عازم على أمري، فلما مضى الثلاث، أجمع رأيه على أن ينقضها، فتحاماه الناس، أن ينزل بأول الناس يصعد فيه أمر من السماء، حتى صعده رجل، فألقى منه حجارة، فلما لم يره الناس أصابه شيء تتابعوا، فنقضوه، حتى بلغوا به الأرض، فجعل ابن الزبير أعمدة، فستر عليها الستور، حتى ارتفع بناؤه … " الحديث. وللفاكهيّ في "كتاب مكة" من طريق أبي أويس، عن يزيد بن رومان وغيره: "قالوا: لما أحرق أهل الشام الكعبة، ورموها بالمنجنيق، وَهَت الكعبة". ولابن سعد في "الطبقات" من طريق أبي الحارث بن زمعة، قال: "ارتحل الحصين بن نمير -يعني الأمير الذي كان يقاتل ابن الزبير من قبل يزيد بن معاوية- لما أتاهم موت يزيد بن معاوية في ربيع الآخر، سنة أربع وستين، قال: فأمر ابن الزبير بالخُصَاصَ (٣) التي كانت حول الكعبة، فهدمت، فإذا الكعبة تنفض -أي تتحرّك- متوهّنة، ترتج من أعلاها إلى أسفلها، فيها أمثال جيوب النساء من حجارة المنجنيق". وللفاكهيّ من طريق عثمان بن ساج: "بلغني أنه لما قدم جيش الحصين بن نمير، أحرق بعض أهل الشام على باب بني جُمَح، وفي المسجد يومئذ خيام، فمشى الحريق حتى أخذ في البيت، فظن الفريقان أنهم هالكون، وضعف بناء البيت، حتى إن الطير ليقع عليه، فتتناثر حجارته". ولعبد الرزاق، عن أبيه، عن مرثد بن شُرَحْبيل أنه حضر ذلك، قال: "كانت الكعبة

стр. 13056

قد وَهَت من حريق أهل الشام، قال: فهدمها ابن الزبير، فتركه ابن الزبير حتى قدم الناس الموسم، يريد أن يحزبهم على اْهل الشام، فلما صدر الناس، قال: أشيروا عليّ في الكعبة … " الحديث. ولابن سعد من طريق ابن أبي مليكة، قال: "لم يَبْن ابن الزبير الكعبة حتى حجّ الناس سنة أربع وستين، ثم بناها حين استقبل سنة خمس وستين". وحَكَى عن الواقديّ أنه ردّ ذلك، وقال: الأثبت عندي أنه ابتدأ بناءها بعد رحيل الجيش بسبعين يومًا. وجزم الأزرقيّ بأن ذلك كان في نصف جمادى الآخرة سنة أربع وستين. قال الحافظ: ويمكن الجمع بين الروايتين بأن يكون ابتداء البناء في ذلك الوقت، وامتدّ أمده إلى الموسم ليراه أهل الآفاق ليشنع بذلك على بني أميّة. ويؤيّده أن في تاريخ المسبّحي أن الفراغ من بناء الكعبة كان في سنة خمس وستين. وزاد المحب الطبريّ أنه كان في شهر رجب. واللَّه أعلم. وإن لم يكن هذا الجمع مقبولاً، فالذي في "الصحيح" مقدّم على غيره. وقال ابن عيينة في "جامعه"، عن داود بن سابور، عن مجاهد، قال: "خرجنا إلى منى، فأقمنا بها ثلاثًا ننتظر العذاب، وارتقى ابن الزبير على جدار الكعبة هو بنفسه، فهدم". وفي رواية ابن أبي أويس المذكورة: "ثم عزل ما كان يصلح أن يعاد في البيت، فبنوا به، فنظروا إلى ما كان لا يصلح منها أن يبنى به، فأمر به أن يحفر له في جوف الكعبة، فيدفن، واتبعوا قواعد إبراهيم من نحو الحِجْر، فلم يصيبوا شيئًا حتى شقّ على ابن الزبير، ثم أدركوها بعد ما أمعنوا، فنزل عبد اللَّه بن الزبير، فكشفوا له عن قواعد إبراهيم، وهي صخر، أمثال الخَلِفِ (١) من الإبل، فأنفضوا له، أي حرّكوا تلك القواعد بالعَتَل (٢)، فنفضت قواعد البيت، ورأوه بنيانًا مربوطًا بعضه ببعض، فحمد اللَّه، وكبّره، ثم أحضر الناس، فأمر بوجوههم، وأشرافهم، حتى شاهدوا ما شاهدوه، ورأوا بنيانًا متّصلاً، فأشهدهم على ذلك". وفي رواية عطاء: "وكان طول الكعبة ثمان عشرة ذراعًا، فزاد ابن الزبير في طولها عشرة أذرع". وقد تقدّم من وجه أخر أنه كان طولها عثرين ذراعًا، فلعل راويه جبر الكسر. وجزم الأزرقيّ بأن الزيادة تسعة أذرع، فلعل عطاء جبر الكسر أيضًا. وروى عبد الرزاق من طريق ابن سابط عن زيد: "أنهم كشفوا عن القواعد، فإذا

стр. 13057

الحجر مثل الخَلِفَةِ، والحجارة مشتبكة بعضها ببعض". وللفاكهيّ من وجه آخر عن عطاء، قال: "كنت في الأمناء الذين جمعوا على حفره، فحفروا قامة ونصفًا، فهجموا على حجارة، لها عروق، تتصل بزرد عرق المروة، فضربوه، فارتجت قواعد البيت، فكتر الناس، فبنى عليه". وفي رواية مرثد عند عبد الرزاق: "فكشف عن ربض (١) في الحجر آخذ بعضه ببعض، فتركه مكشوفًا ثمانية أيام، ليشهدوا عليه، فرأيت ذلك الربض مثل خَلِفِ الإبل، وجهٌ حجرٌ، ووجه حجران، ورأيت الرجل يأخذ العَتَلَة، فيضرب بها من ناحية الركن، فيهتزّ الركن الآخر". قال مسلم في رواية عطاء: "وجعل له بابين، أحدهما يُدْخَلُ منه، والآخر يُخرج منه". وفي رواية الأسود: "ففعله عبد اللَّه ابن الزبير". وفي رواية إسماعيل بن جعفر عند الإسماعيليّ: "فنقضه عبد اللَّه بن الزبير، فجعل له بابين في الأرض"، ونحوه للترمذيّ من طريق شعبة، عن أبي إسحاق. وللفاكهيّ من طريق أبي أويس، عن موسى بن ميسرة: "أنه دخل الكعبة بعد ما بناها ابن الزبير، فكان الناس لا يزدحمون فيها، يدخلون من باب، ويخرجون من آخر". انتهى ما في "الفتح" ببعض تصرّف (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): لم يُذكر في رواية المصنف، والبخاريّ قصّة تغيير الحجاج لما صنعه ابن الزبير، وقد ذكرها مسلم في "صحيحه" في رواية عطاء بن أبي رباح، قال: "فلما قُتل ابن الزبير، كتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان يخبره بذلك، ويخبره أن ابن الزبير، قد وضع البناء على أُسّ نظر إليه العدول من أهل مكة، فكتب إليه عبد الملك: إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء، أما ما زاد في طوله فأقره، وأما ما زاد فيه من الحجر، فرده إلى بنائه، وسُدّ الباب الذي فتحه، فنقضه، وأعاده إلى بنائه". وللفاكهيّ من طريق أبي أويس، عن هشام بن عروة: "فبادر-يعني الحجاج- فهدمها، وبنى شِقّها الذي يلي الحجر، ورفع بابها، وسدّ الباب الغربيّ، قال أبو أويس: فأخبرني غير واحد، من أهل العلم أن عبد الملك نَدِم على إذنه للحجاج في هدمها، ولَعَنَ الحجاج". ولابن عيينة عن داود بن سابور، عن مجاهد: "فردّ الذي كان ابن الزبير أدخل فيها من الحجر، قال: فقال عبد الملك: وددنا أنا تركنا أبا خُبيب، وما تولّى من ذلك". وقد أخرج قصة نَدَم عبد الملك على ذلك مسلم من وجه آخر، فعنده من طريق الوليد بن عطاء: "أن الحارث بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة وَفَدَ على عبد الملك في خلافته،

стр. 13058

فقال: ما أظن أبا خُبيب -يعني ابن الزبير- سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمع منها، فقال الحارث: بلى سمعته منها"، زاد عبد الرزاق، عن ابن جريج فيه: "وكان الحارث مصدّقًا، لا يكذب، فقال عبد الملك: أنت سمعتها تقول ذلك؟، قال: نعم، فنَكَتَ ساعة بعصاه، وقال: وددت أني تركته وما تحمل". وأخرجها أيضًا من طريق أبي قَزَعَةَ، قال: "بينما عبد الملك يطوف بالبيت، إذ قال: قاتل اللَّه ابن الزبير، حيث يكذب على أم المؤمنين -فذكر الحديث- فقال له الحارث: لا تقل هذا يا أمير المؤمنين، فأنا سمعت أم المؤمنين تحدّث بهذا، فقال: لو كنت سمعته قبل أن أهدمه، لتركته على بناء ابن الزبير". [تنبيه]: قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: جميع الروايات التي جمعتها هذه القصة متفقة على أن ابن الزبير جعل الباب بالأرض، ومقتضاه أن يكون الباب الذي زاده على سمته، وقد ذكر الأزرقيّ أن جملة ما غيّره الحجاج الجدار الذي من جهة الحِجْر، والباب المسدود الذي في الجانب الغربيّ عن يمين الركن اليماني، وما تحته عتبة الباب الأصليّ، وهو أربعة أذرع وشبر، وهذا موافق لما في الروايات المذكورة، لكن المشاهد الآن في ظهر الكعبة باب مسدود يقابل الباب الأصليّ، وهو في الارتفاع مثله، ومقتضاه أن يكون الباب الذي كان على عهد ابن الزبير لم يكن لاصقًا بالأرض، فيحتمل أن يكون لاصقًا كما صرّحت به الروايات، لكن الحجاج لما غيّره رفعه، ورفع الباب الذي يقابله أيضًا، ثم بدا له، فسدّ الباب المجدّد، لكن لم أر النقل بذلك صريحًا. وذكر الفاكهيّ في "أخبار مكة" أنه شاهد هذا الباب المسدود من داخل الكعبة في سنة ثلاث وستين ومائتين، فإذا هو مقابل باب الكعبة، وهو بقدره في الطول والعرض، وإذا في أعلاه كلاليب ثلاثة كما في الباب الموجود سواء. فاللَّه أعلم انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): حكى ابن عبد البرّ، وتبعه عياض، وغيره، عن الرشيد، أو المهدقي، أو المنصور أنه أراد أن يعيد الكعبة على ما فعله ابن الزبير، فناشده مالك في ذلك، وقال: أخشى أن يصير ملعبة للملوك، فتركه. قال الحافظ: وهذا بعينه خشية جدّهم الأعدى عبد اللَّه بن عباس - رضي اللَّه تعالى - عنهما، فأشار على ابن الزبير لَمّا أراد أن يهدم الكعبة، ويجدد بناءها بأن يَرُم ما وَهَى منها، ولا يتعرّض لها بزيادة، ولا نقص، وقال له: "لا آمن أن يجيء من بعدك أمير،

стр. 13059

فيغيّر الذي صنعت". أخرجه الفاكهيّ من طريق عطاء عنه. وذكر الأزرقيّ أن سليمان بن عبد الملك همّ بنقض ما فعله الحجاج، ثم ترك ذلك لما ظهر له أنه فعله بأمر أبيه عبد الملك. قال الحافظ: ولم أقف في شيء من التواريخ على أن أحدًا من الخلفاء، ولا من دونهم غيّر من الكعبة شيئًا مما صنعه الحجاج إلى الآن، إلا في الميزاب، والباب، وعتبته، وكذا وقع الترميم في جدارها غير مرّة، وفي سقفها، وفي سلّم سطحها، وجدّد فيها الرخام، فذكر الأزرقيّ عن ابن جريج: "أن أول من فرشها بالرخام الوليد بن عبد الملك"، ووقع في جدارها الشاميّ ترميم في شهور سنة سبعين ومائتين، ثم في شهور سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، ثم في شهور سنة تسع عشرة وستمائة، ثم في سنة ثمانين وستمائة، ثم في سنة أربع عشرة وثمانمائة. وقد ترادفت الأخبار الآن في وقتنا هذا في سنة اثنتين وعشرين أن جهة الميزاب فيها ما يحتاج إلى ترميم، فاهتمّ بذلك سلطان الإسلام الملك المؤيّد، وأرجو من اللَّه تعالى أن يسهل له ذلك، ثم حججت سنة أربع وعشرين، وتأملت المكان الذي قيل عنه، فلم أجده في تلك البشاعة، وقد رُمّم ما تشعّث من الحرم في أثناء سنة خمس وعشرين إلى أن نُقض سقفها في سنة سبع وعشرين على يدي بعض الجند، فجدد لها سقفًا، ورخم السطح، فلما كان في سنة ثلاث وأربعين صار المطر إذا نزل ينزل إلى دخل الكعبة أشدّ مما كان أولاً، فأداه رأيه الفاسد إلى نقض السقف مرّة أخرى، وسدّ ما كان في السطح من الطاقات التي كان يدخل منها الضوء إلى الكعبة، ولزم من ذلك امتهان الكعبة، بل صار العمال يصعدون فيها بغير أدب، فغار بعض المجاورين، فكتب إلى القاهرة يشكو ذلك، فبلغ السلطان الظاهر، فأنكر أن يكون أمر بذلك، وجهز بعض الجند لكشف ذلك، فتعصّب للأول بعض من جاور، واجتمع الباقون رغبة ورهبة، فكتبوا محضرًا بأنه ما فعل شيئًا إلا عن ملأ منهم، وأن كلّ ما فعله مصلحة، فسكن غضب السلطان، وغطى عنه الأمر. [تنبيه]: قد جاء عن عياش بن أبي ربيعة المخزوميّ -وهو بالتحتانية قبل الألف، وبعدها معجمة- عن النبيّ ﷺ قال: "إن هذه الأمة لا تزال بخير ما عظّموا هذه الحرمة -يعني الكعبة- حقّ تعظيمها، فإذا ضيّعوا ذلك هلكوا". أخرجه أحمد، وابن ماجه، وعمر بن شبّة في "كتاب مكة"، قال الحافظ: وسنده حسن. فنسأل اللَّه تعالى الأمن من الفتن بحلمه وكرمه. ومما يتعجّب منه أنه لم يتّفق الاحتياج في الكعبة إلى الاصلاح إلا فيما صنعه

стр. 13060

الحجاج، إما الجدارِ الذي بناه في الجهة الشامية، وإما في السلّم الذي جدّده للسطح، والعتبة، وما عدا ذلك مما وقع فإنما هو لزيادة محضة، كالرخام، أو لتحسينٍ، كالباب والميزاب، وكذا ما حكاه الفاكهيّ عن الحسن بن مكرم، عن عبد اللَّه بن بكر السهميّ، عن أبيه، قال: " جاورت بمكة، فعابت -أي بالعين المهملة، وبالباء الموحدة- أسطوانة من أساطين البيت، فاخرجت، وجيء بأخرى ليدخلوها مكانها، فطالت عن الموضع، وأدركهم الليل، والكعبة لا تفتح ليلاً، فتركوها ليعودوا من غد ليصلحوها، فجاءوا من غد، فأصابوها أقدم (١) من قِدح". أي بكسر القاف، وهو السهم، وهذا إسناد قويّ، رجاله ثقات. وبكر هو ابن حبيب، من كبار أتباع التابعين، وكأن القصّة كانت في أوائل دولة بني العباس، وكانت الأسطوانة من خشب. انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٩٠٥ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ, مِنَ الْحَبَشَةِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: مطابقة حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا لباب "بناء الكعبة" المقابلة، والضدّية، إذ الشيء يناسب ضدّه، وأيضًا فإن فيه إشارةً إلى أن متاع الدنيا، وزينتها، وإن كانت فاخرة آئلة إلى الخراب والدَّمَار، حتى إن أشرف البنيان في الدنيا، وهي الكعبة المشرّفة ستهدم على أيدي أراذل الناس. واللَّه تعالى أعلم. ورجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحافظ الحجة المكيّ [٨] ١/ ١. ٣ - (زياد بن سعد) الخراسانيّ، ثم المكيّ، ثم اليمنيّ، قال ابن عيينة: كان أثبت أصحاب الزهريّ [٦] ٥١/ ٦٤. ٤ - (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت المدنيّ [٤] ١/ ١. ٥ - (سعيد بن المسيّب) بن حزن المخزوميّ المدنيّ، الثقة الثبت الفقيه، من كبار [٣] ٩/ ٩. ٦ - (أبو هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
следующие страницы →