← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 13056–13095 · переход к 13061.

стр. 13056

قد وَهَت من حريق أهل الشام، قال: فهدمها ابن الزبير، فتركه ابن الزبير حتى قدم الناس الموسم، يريد أن يحزبهم على اْهل الشام، فلما صدر الناس، قال: أشيروا عليّ في الكعبة … " الحديث. ولابن سعد من طريق ابن أبي مليكة، قال: "لم يَبْن ابن الزبير الكعبة حتى حجّ الناس سنة أربع وستين، ثم بناها حين استقبل سنة خمس وستين". وحَكَى عن الواقديّ أنه ردّ ذلك، وقال: الأثبت عندي أنه ابتدأ بناءها بعد رحيل الجيش بسبعين يومًا. وجزم الأزرقيّ بأن ذلك كان في نصف جمادى الآخرة سنة أربع وستين. قال الحافظ: ويمكن الجمع بين الروايتين بأن يكون ابتداء البناء في ذلك الوقت، وامتدّ أمده إلى الموسم ليراه أهل الآفاق ليشنع بذلك على بني أميّة. ويؤيّده أن في تاريخ المسبّحي أن الفراغ من بناء الكعبة كان في سنة خمس وستين. وزاد المحب الطبريّ أنه كان في شهر رجب. واللَّه أعلم. وإن لم يكن هذا الجمع مقبولاً، فالذي في "الصحيح" مقدّم على غيره. وقال ابن عيينة في "جامعه"، عن داود بن سابور، عن مجاهد، قال: "خرجنا إلى منى، فأقمنا بها ثلاثًا ننتظر العذاب، وارتقى ابن الزبير على جدار الكعبة هو بنفسه، فهدم". وفي رواية ابن أبي أويس المذكورة: "ثم عزل ما كان يصلح أن يعاد في البيت، فبنوا به، فنظروا إلى ما كان لا يصلح منها أن يبنى به، فأمر به أن يحفر له في جوف الكعبة، فيدفن، واتبعوا قواعد إبراهيم من نحو الحِجْر، فلم يصيبوا شيئًا حتى شقّ على ابن الزبير، ثم أدركوها بعد ما أمعنوا، فنزل عبد اللَّه بن الزبير، فكشفوا له عن قواعد إبراهيم، وهي صخر، أمثال الخَلِفِ (١) من الإبل، فأنفضوا له، أي حرّكوا تلك القواعد بالعَتَل (٢)، فنفضت قواعد البيت، ورأوه بنيانًا مربوطًا بعضه ببعض، فحمد اللَّه، وكبّره، ثم أحضر الناس، فأمر بوجوههم، وأشرافهم، حتى شاهدوا ما شاهدوه، ورأوا بنيانًا متّصلاً، فأشهدهم على ذلك". وفي رواية عطاء: "وكان طول الكعبة ثمان عشرة ذراعًا، فزاد ابن الزبير في طولها عشرة أذرع". وقد تقدّم من وجه أخر أنه كان طولها عثرين ذراعًا، فلعل راويه جبر الكسر. وجزم الأزرقيّ بأن الزيادة تسعة أذرع، فلعل عطاء جبر الكسر أيضًا. وروى عبد الرزاق من طريق ابن سابط عن زيد: "أنهم كشفوا عن القواعد، فإذا

стр. 13057

الحجر مثل الخَلِفَةِ، والحجارة مشتبكة بعضها ببعض". وللفاكهيّ من وجه آخر عن عطاء، قال: "كنت في الأمناء الذين جمعوا على حفره، فحفروا قامة ونصفًا، فهجموا على حجارة، لها عروق، تتصل بزرد عرق المروة، فضربوه، فارتجت قواعد البيت، فكتر الناس، فبنى عليه". وفي رواية مرثد عند عبد الرزاق: "فكشف عن ربض (١) في الحجر آخذ بعضه ببعض، فتركه مكشوفًا ثمانية أيام، ليشهدوا عليه، فرأيت ذلك الربض مثل خَلِفِ الإبل، وجهٌ حجرٌ، ووجه حجران، ورأيت الرجل يأخذ العَتَلَة، فيضرب بها من ناحية الركن، فيهتزّ الركن الآخر". قال مسلم في رواية عطاء: "وجعل له بابين، أحدهما يُدْخَلُ منه، والآخر يُخرج منه". وفي رواية الأسود: "ففعله عبد اللَّه ابن الزبير". وفي رواية إسماعيل بن جعفر عند الإسماعيليّ: "فنقضه عبد اللَّه بن الزبير، فجعل له بابين في الأرض"، ونحوه للترمذيّ من طريق شعبة، عن أبي إسحاق. وللفاكهيّ من طريق أبي أويس، عن موسى بن ميسرة: "أنه دخل الكعبة بعد ما بناها ابن الزبير، فكان الناس لا يزدحمون فيها، يدخلون من باب، ويخرجون من آخر". انتهى ما في "الفتح" ببعض تصرّف (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): لم يُذكر في رواية المصنف، والبخاريّ قصّة تغيير الحجاج لما صنعه ابن الزبير، وقد ذكرها مسلم في "صحيحه" في رواية عطاء بن أبي رباح، قال: "فلما قُتل ابن الزبير، كتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان يخبره بذلك، ويخبره أن ابن الزبير، قد وضع البناء على أُسّ نظر إليه العدول من أهل مكة، فكتب إليه عبد الملك: إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء، أما ما زاد في طوله فأقره، وأما ما زاد فيه من الحجر، فرده إلى بنائه، وسُدّ الباب الذي فتحه، فنقضه، وأعاده إلى بنائه". وللفاكهيّ من طريق أبي أويس، عن هشام بن عروة: "فبادر-يعني الحجاج- فهدمها، وبنى شِقّها الذي يلي الحجر، ورفع بابها، وسدّ الباب الغربيّ، قال أبو أويس: فأخبرني غير واحد، من أهل العلم أن عبد الملك نَدِم على إذنه للحجاج في هدمها، ولَعَنَ الحجاج". ولابن عيينة عن داود بن سابور، عن مجاهد: "فردّ الذي كان ابن الزبير أدخل فيها من الحجر، قال: فقال عبد الملك: وددنا أنا تركنا أبا خُبيب، وما تولّى من ذلك". وقد أخرج قصة نَدَم عبد الملك على ذلك مسلم من وجه آخر، فعنده من طريق الوليد بن عطاء: "أن الحارث بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة وَفَدَ على عبد الملك في خلافته،

стр. 13058

فقال: ما أظن أبا خُبيب -يعني ابن الزبير- سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمع منها، فقال الحارث: بلى سمعته منها"، زاد عبد الرزاق، عن ابن جريج فيه: "وكان الحارث مصدّقًا، لا يكذب، فقال عبد الملك: أنت سمعتها تقول ذلك؟، قال: نعم، فنَكَتَ ساعة بعصاه، وقال: وددت أني تركته وما تحمل". وأخرجها أيضًا من طريق أبي قَزَعَةَ، قال: "بينما عبد الملك يطوف بالبيت، إذ قال: قاتل اللَّه ابن الزبير، حيث يكذب على أم المؤمنين -فذكر الحديث- فقال له الحارث: لا تقل هذا يا أمير المؤمنين، فأنا سمعت أم المؤمنين تحدّث بهذا، فقال: لو كنت سمعته قبل أن أهدمه، لتركته على بناء ابن الزبير". [تنبيه]: قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: جميع الروايات التي جمعتها هذه القصة متفقة على أن ابن الزبير جعل الباب بالأرض، ومقتضاه أن يكون الباب الذي زاده على سمته، وقد ذكر الأزرقيّ أن جملة ما غيّره الحجاج الجدار الذي من جهة الحِجْر، والباب المسدود الذي في الجانب الغربيّ عن يمين الركن اليماني، وما تحته عتبة الباب الأصليّ، وهو أربعة أذرع وشبر، وهذا موافق لما في الروايات المذكورة، لكن المشاهد الآن في ظهر الكعبة باب مسدود يقابل الباب الأصليّ، وهو في الارتفاع مثله، ومقتضاه أن يكون الباب الذي كان على عهد ابن الزبير لم يكن لاصقًا بالأرض، فيحتمل أن يكون لاصقًا كما صرّحت به الروايات، لكن الحجاج لما غيّره رفعه، ورفع الباب الذي يقابله أيضًا، ثم بدا له، فسدّ الباب المجدّد، لكن لم أر النقل بذلك صريحًا. وذكر الفاكهيّ في "أخبار مكة" أنه شاهد هذا الباب المسدود من داخل الكعبة في سنة ثلاث وستين ومائتين، فإذا هو مقابل باب الكعبة، وهو بقدره في الطول والعرض، وإذا في أعلاه كلاليب ثلاثة كما في الباب الموجود سواء. فاللَّه أعلم انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): حكى ابن عبد البرّ، وتبعه عياض، وغيره، عن الرشيد، أو المهدقي، أو المنصور أنه أراد أن يعيد الكعبة على ما فعله ابن الزبير، فناشده مالك في ذلك، وقال: أخشى أن يصير ملعبة للملوك، فتركه. قال الحافظ: وهذا بعينه خشية جدّهم الأعدى عبد اللَّه بن عباس - رضي اللَّه تعالى - عنهما، فأشار على ابن الزبير لَمّا أراد أن يهدم الكعبة، ويجدد بناءها بأن يَرُم ما وَهَى منها، ولا يتعرّض لها بزيادة، ولا نقص، وقال له: "لا آمن أن يجيء من بعدك أمير،

стр. 13059

فيغيّر الذي صنعت". أخرجه الفاكهيّ من طريق عطاء عنه. وذكر الأزرقيّ أن سليمان بن عبد الملك همّ بنقض ما فعله الحجاج، ثم ترك ذلك لما ظهر له أنه فعله بأمر أبيه عبد الملك. قال الحافظ: ولم أقف في شيء من التواريخ على أن أحدًا من الخلفاء، ولا من دونهم غيّر من الكعبة شيئًا مما صنعه الحجاج إلى الآن، إلا في الميزاب، والباب، وعتبته، وكذا وقع الترميم في جدارها غير مرّة، وفي سقفها، وفي سلّم سطحها، وجدّد فيها الرخام، فذكر الأزرقيّ عن ابن جريج: "أن أول من فرشها بالرخام الوليد بن عبد الملك"، ووقع في جدارها الشاميّ ترميم في شهور سنة سبعين ومائتين، ثم في شهور سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، ثم في شهور سنة تسع عشرة وستمائة، ثم في سنة ثمانين وستمائة، ثم في سنة أربع عشرة وثمانمائة. وقد ترادفت الأخبار الآن في وقتنا هذا في سنة اثنتين وعشرين أن جهة الميزاب فيها ما يحتاج إلى ترميم، فاهتمّ بذلك سلطان الإسلام الملك المؤيّد، وأرجو من اللَّه تعالى أن يسهل له ذلك، ثم حججت سنة أربع وعشرين، وتأملت المكان الذي قيل عنه، فلم أجده في تلك البشاعة، وقد رُمّم ما تشعّث من الحرم في أثناء سنة خمس وعشرين إلى أن نُقض سقفها في سنة سبع وعشرين على يدي بعض الجند، فجدد لها سقفًا، ورخم السطح، فلما كان في سنة ثلاث وأربعين صار المطر إذا نزل ينزل إلى دخل الكعبة أشدّ مما كان أولاً، فأداه رأيه الفاسد إلى نقض السقف مرّة أخرى، وسدّ ما كان في السطح من الطاقات التي كان يدخل منها الضوء إلى الكعبة، ولزم من ذلك امتهان الكعبة، بل صار العمال يصعدون فيها بغير أدب، فغار بعض المجاورين، فكتب إلى القاهرة يشكو ذلك، فبلغ السلطان الظاهر، فأنكر أن يكون أمر بذلك، وجهز بعض الجند لكشف ذلك، فتعصّب للأول بعض من جاور، واجتمع الباقون رغبة ورهبة، فكتبوا محضرًا بأنه ما فعل شيئًا إلا عن ملأ منهم، وأن كلّ ما فعله مصلحة، فسكن غضب السلطان، وغطى عنه الأمر. [تنبيه]: قد جاء عن عياش بن أبي ربيعة المخزوميّ -وهو بالتحتانية قبل الألف، وبعدها معجمة- عن النبيّ ﷺ قال: "إن هذه الأمة لا تزال بخير ما عظّموا هذه الحرمة -يعني الكعبة- حقّ تعظيمها، فإذا ضيّعوا ذلك هلكوا". أخرجه أحمد، وابن ماجه، وعمر بن شبّة في "كتاب مكة"، قال الحافظ: وسنده حسن. فنسأل اللَّه تعالى الأمن من الفتن بحلمه وكرمه. ومما يتعجّب منه أنه لم يتّفق الاحتياج في الكعبة إلى الاصلاح إلا فيما صنعه

стр. 13060

الحجاج، إما الجدارِ الذي بناه في الجهة الشامية، وإما في السلّم الذي جدّده للسطح، والعتبة، وما عدا ذلك مما وقع فإنما هو لزيادة محضة، كالرخام، أو لتحسينٍ، كالباب والميزاب، وكذا ما حكاه الفاكهيّ عن الحسن بن مكرم، عن عبد اللَّه بن بكر السهميّ، عن أبيه، قال: " جاورت بمكة، فعابت -أي بالعين المهملة، وبالباء الموحدة- أسطوانة من أساطين البيت، فاخرجت، وجيء بأخرى ليدخلوها مكانها، فطالت عن الموضع، وأدركهم الليل، والكعبة لا تفتح ليلاً، فتركوها ليعودوا من غد ليصلحوها، فجاءوا من غد، فأصابوها أقدم (١) من قِدح". أي بكسر القاف، وهو السهم، وهذا إسناد قويّ، رجاله ثقات. وبكر هو ابن حبيب، من كبار أتباع التابعين، وكأن القصّة كانت في أوائل دولة بني العباس، وكانت الأسطوانة من خشب. انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٩٠٥ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ, مِنَ الْحَبَشَةِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: مطابقة حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا لباب "بناء الكعبة" المقابلة، والضدّية، إذ الشيء يناسب ضدّه، وأيضًا فإن فيه إشارةً إلى أن متاع الدنيا، وزينتها، وإن كانت فاخرة آئلة إلى الخراب والدَّمَار، حتى إن أشرف البنيان في الدنيا، وهي الكعبة المشرّفة ستهدم على أيدي أراذل الناس. واللَّه تعالى أعلم. ورجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحافظ الحجة المكيّ [٨] ١/ ١. ٣ - (زياد بن سعد) الخراسانيّ، ثم المكيّ، ثم اليمنيّ، قال ابن عيينة: كان أثبت أصحاب الزهريّ [٦] ٥١/ ٦٤. ٤ - (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت المدنيّ [٤] ١/ ١. ٥ - (سعيد بن المسيّب) بن حزن المخزوميّ المدنيّ، الثقة الثبت الفقيه، من كبار [٣] ٩/ ٩. ٦ - (أبو هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 13061

لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، من الزهريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أحد الفقهاء السبعة، سعيد، وفيه أبو هريرة رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) من الأحاديث. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُخَرِّبُ") بضم أوله، وفتح ثانيه، وتشديد الراء المكسورة، من التخريب، أو بضم، فسكون، وتخفيف راء مكسورة، من الإخراب، قال الفيّوميّ: خَرِب المنزل -بكسر الراء، من باب تعب-، فهو خَرَابٌ، ويتعدّى بالهمزة، والتضعيف، فيقال: أخربته، وخرّبته انتهى. وهذا التخريب عند قرب القيامة، حيث لا يبقى في الأرض أحد يقول: اللَّه، اللَّه (الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ) بضم السين المهملة، وفتح الواو تثنية سُويقة، وهي تصغير الساق، وهي مؤنثة، فلذا ظهرت التاء في تصغيرها؛ لأن التصغير، والتكسير، والضمير ترد الكلمات إلى أصولها، كما أشار إليه ابن مالك -رحمه اللَّه تعالى- في "الخلاصة"، حيث قال: وَيُعْرَفُ التقْدِيرُ بِالضَّمِيرِ … وَنَحْوِهِ كَالرَّدِّ فِي التَّصْغِيرِ وإنما صغّر الساقين لأن الغالب على سُوق الحبشة الدقّة، والحُمُوشة، أي له ساقان دقيقتان. قال الطيبيّ: سرّ التصغير الإشارة إلى أن مثل هذه الكعبة المعظّمة يَهتك حرمَتَها مثل هذا الحقير الذميم الخلقة. ويحتمل أن يكون الرجل اسمه ذلك، أو أنه وصف له، أي رجل دقيق الساقين، رقيقهما جدًّا، والحبشة، وإن كان شأنهم دقة السوق، لكن هذا يتميّز بمزيد من ذلك. انتهى. (مِنَ الْحَبَشَةِ) -بفتحات- قال في "القاموس": الحَبَشُ، والْحَبَشَةُ، والأُحْبُش بضم الباء جنس من السودان، والجمع حُبْشَان، وأحابيش. انتهى. قال الرشاطيّ: وهم من ولد كوش بن حام، وهم أكثر ملوك السودان، وجميع ممالك السودان يعطون الطاعة للحبش. وقال أبو حنيفة الدينوريّ: كان أولاد حام سبعة إخوة، كأولاد سام: السند، والهند، والزنج، والقبط، والحبش، والنوبة، وكنعان، فأخذوا ما بين الجنوب، والدبور، والصبا (١).

стр. 13062

وقد وقع هذا الحديث عند أحمد -٢/ ٣٥١ - من طريق سعيد بن سمعان، عن أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - بأتّم من هذا السياق، ولفظه: "يُبايَعُ لرجل بين الركن والمقام، ولم يستحلّ هذا البيت إلا أهلُهُ، فإذا استحلّوه، فلا تسأل عن هَلَكَة العرب، ثم تأتي الحبشة، فيخربونه خَرَابًا لا يُعمر بعده أبدًا، وهم الذين يستخرجون كنزه". ولأبي قرّة في "السنن" من وجه آخر عن أبي هريرة، مرفوعًا: "لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة"، ونحوه لأبي داود من حديث عبد اللَّه عمرو بن العاص. وزاد أحمد، والطبرانيّ من طريق مجاهد، عنه: "فيسلبها حليتها، ويجرّدها من كسوتها، كأني أنظر إليه أُصيلع، أُفيدع، يضرب عليها بمسحاته، أو بمعوله". وللفاكهيّ من طريق مجاهد نحوه، وزاد: "فلما هدم ابن الزبير الكعبة جئت أنظر إليه هل أرى الصفة التي قال عبد اللَّه بن عمرو، فلم أرها" (١). قال القرطبيّ: قيل: إن خرابه يكون بعد رفع القرآن من الصدور والمصاحف، وذلك بعد موت عيسى ﵊، وهو الصحيح. انتهى. ووقع عند أحمد -٢/ ٣١٠ - من طريق ابن المسيّب، عن أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه -، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "في آخر الزمان يظهر ذو السويقتين على الكعبة"، قال: حسبت أنه قال: "فيهدمها". قال الحافظ: قيل: حديث أبي هريرة ﵁ يخالف قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ الآية [العنكبوت: ٦٧]، ولأن اللَّه حبس عن مكة الفيل، ولم يمكن أصحابه من تخريب الكعبة، ولم تكن إذ ذاك قبلة، فكيف يسلط عليها الحبشة، بعد أن صارت قبلة للمسلمين. وأجيب بأن ذلك محمول على أنه يقع في آخر الزمان، قرب قيام الساعة، حيث لا يبقى في الأرض أحدٌ يقول: اللَّه، اللَّه، كما ثبت في "صحيح مسلم": "لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: اللَّه اللَّه". ولهذا وقع في رواية سعيد بن سمعان: "لا يعمر بعده أبدًا". وقد وقع قبل ذلك فيه من القتال، وغزو أهل الشام له في زمن يزيد بن معاوية، ثم من بعده في وقائع كثيرة، من أعظمها وقعة القرامطة بعد الثلاثمائة، فقتلوا من المسلمين في المطاف من لا يُحصى كثرةً، وقلعوا الحجر الأسود، فحوّلوه إلى بلادهم، ثم أعادوه بعد مدّة طويلة، ثم غُزي مرارًا بعد ذلك. وكلّ ذلك لا يعارض قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧]؛ لأن ذلك إنما وقع بأيدي المسلمين، فهو مطابق لقوله ﷺ : "ولن يستحلّ هذا البيت إلا أهله". فوقع ما أخبر به

стр. 13063

- ﷺ ، وهو من علامات نبوّته، وليس في الآية ما يدلّ على استمرار الأمر المذكور فيها انتهى كلام الحافظ (١). وقال العينيّ: ما ملخّصه: لا يلزم من قوله: ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ أن يكون ذلك دائمًا في كلّ الأوقات، بل إذا حصل له حرمة، وأمن في وقت ما صدق عليه هذا اللفظ، وصحّ المعنى، ولا يعارضه ارتفاع ذلك المعنى في وقت آخر. وقال: والحكم بالحرمة، في قوله ﷺ : "وقد عادت حرمتها إلى يوم القيامة" لا يرتفع إلى يوم القيامة، وأما وقوع الخوف فيها، وترك الحرمة، فقد وجد ذلك في أيام يزيد وغيره كثيرًا. وقال عياض: ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ أي إلى قرب القيامة. وقيل: يختصّ منه قصّة ذي السويقتين. وقال ابن الجوزيّ: إن قيل: ما السرّ في حراسة الكعبة من الفيل، ولم تحرس في الإسلام مما صنع بها الحجاج، والقرامطة، وذو السويقتين؟. فالجواب أن حبس الفيل كان من أعلام النبوة لرسول اللَّه ﷺ ، ودلائل رسالته لتأكيد الحجة عليهم بالأدلة التي شوهدت بالبصر قبل الأدلة التي ترى بالبصائر، وكان حكم الحبس أيضًا دلالة على وجود الناصر. ذكره العينيّ (٢). وقد عقد الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" بابا بقوله: "باب قول اللَّه تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾ الآية [المائدة: ٩٧]، ثم أورد فيه حديث أبي هريرة ﵁ عنه هذا. قال الحافظ: كأنه يشير إلى أن المراد بقوله ﴿قِيَامًا﴾ أي قواما، وأنها ما دامت موجودة فالدين قائم، فلهذه النكتة أورد في الباب قصّة هدم الكعبة في آخر الزمان. وقال العينيّ: أشار به إلى أن قيام أمور الناس، وانتعاش أمر دينهم ودنياهم بالكعبة، يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾، فإذا زالت الكعبة على يدي ذي السويقتين تختلّ أمورهم، فلذلك أورد حديث أبي هريرة فيه انتهى. ثم ترجم البخاريّ "باب هدم الكعبة"، وذكر فيه طرف حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - المتقدم: قال النبيّ ﷺ : "يغزو جيش الكعبة، فيخسف بهم … "، وأورد حديث أبي هريرة ﵁ المذكور في الباب، وحديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، عن النبيّ ﷺ قال: "كأني به أسود أفحج، يقلعها حجرًا حجرًا" قال الحافظ: فيه إشارة إلى أن غزو الكعبة سيقع (٣)، فمرة يهلكهم اللَّه قبل الوصول

стр. 13064

إليها، وأخرى يمكنهم، والظاهر أن غزو الذين يخربونه متأخر عن الأول (١). وقال العينيّ: غزو الكعبة المذكور في حديث عائشة مقدمة لهدمها؛ لأن غزوها يقع مرتين، ففي الأولى هلاكهم، وفي الثانية هدمها. انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٢٥/ ٢٩٠٥ - وفي "الكبرى" ١٢٥/ ٣٨٨٧. وأخرجه (خ) في "الحجّ" ١٥٩١و ١٥٩٦ (م) في "الفتن" ٢٩٠٩ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين"٨٠٣٣ و ٩١٣٣. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٢٦ - (دُخُولُ الْبَيْتِ) ٢٩٠٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ, عَنْ نَافِعٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى الْكَعْبَةِ, وَقَدْ دَخَلَهَا النَّبِيُّ ﷺ , وَبِلَالٌ, وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ, وَأَجَافَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْبَابَ, فَمَكَثُوا فِيهَا مَلِيًّا, ثُمَّ فَتَحَ الْبَابَ, فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ , وَرَكِبْتُ الدَّرَجَةَ, وَدَخَلْتُ الْبَيْتَ, فَقُلْتُ: أَيْنَ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ , قَالُوا: هَا هُنَا, وَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُمْ, كَمْ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ فِي الْبَيْتِ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدِّموا غير مرّة. و"خالد": هو ابن الحارث الهجيميّ. و"ابن عون": هو عبد اللَّه. وقوله: "وأجاف الخ": أي ردّ عليهم الباب. وقوله: "مليًّا" -بفتح الميم، وكسر اللام، وتشديد الياء-: أي زمنًا طويلاً.

стр. 13065

وقوله: "وركبت الدرجة" أي صَعِدت عليها. وقوله: "ههنا" تفسيره في الحديث الآتي قوله: "ما بين الأسطوانتين"، وفي رواية: "بين الساريتين". وقوله: "ونسيت أن أسأله كم صلّى الخ" فيه تعارض مع ما يأتي في الباب التالي قال: "نعم ركعتين". وأجيب بأجوبة، وأحسنها ما أجاب به الحافظ، حيث قال: يحتمل أن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - اعتمد في قوله في هذه الرواية ركعتين على القدر المحقّق له، وذلك أن بلالا أثبت له أنه صلّى، ولم يُنقل أن النبيّ ﷺ تنفّل في النهار بأقلّ من ركعتين، فكانت الركعتان، متحقّقًا وقوعهما؛ لما عرف بالاستقراء من عادته، فعلى هذا، فقوله: "ركعتين" من كلام ابن عمر، لا من كلام بلال، وقد وجدت ما يؤيّد هذا، ويستفاد منه جمع آخر بين الحديثين، وهو ما أخرجه عمر بن شَبّة في "كتاب مكة" من طريق عبد العزيز بن أبي روّاد، عن نافع، عن ابن عمر في هذا الحديث، فاستقبلني بلال، فقلت: ما صنع رسول اللَّه ﷺ ههنا، فأشار بيده، أي صلى ركعتين بالسبابة، والوسطى، فعلى هذا فيحمل قوله: "نسيت أن أسأله كم صلّى" على أنه لم يسأله لفظًا، ولم يُجبه لفظًا، وإنما استفاد منه صلاة الركعتين بإشارته، لا بنطقه، وأما قوله في الرواية الأخرى "نسيت أن أسأله كم صلّى"، فيحمل على أن مراده أنه لم يتحقّق هل زاد على ركعتين أولا؟. انتهى. والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم للمصنّف في "الصلاة" - باب "الصلاة في الكعبة" - ٥/ ٦٩٢ - وقد استوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٩٠٧ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ عَوْنٍ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْبَيْتَ, وَمَعَهُ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ, وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ, وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ, وَبِلَالٌ, فَأَجَافُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ, فَمَكَثَ فِيهِ مَا شَاءَ اللَّهُ, ثُمَّ خَرَجَ, قَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَانَ أَوَّلُ مَنْ لَقِيتُ بِلَالاً, قُلْتُ: أَيْنَ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ ؟ , قَالَ: مَا بَيْنَ الأُسْطُوَانَتَيْنِ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"يعقوب بن إبراهيم": هو الدورقيّ. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 13066

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٢٧ - (مَوْضِعُ الصَّلَاةِ فِي الْبَيْتِ) ٢٩٠٨ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا السَّائِبُ بْنُ عُمَرَ, قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ, أَنَّ ابْنَ عُمَرَ, قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكَعْبَةَ, وَدَنَا خُرُوجُهُ, وَوَجَدْتُ شَيْئًا, فَذَهَبْتُ, وَجِئْتُ سَرِيعًا, فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَارِجًا, فَسَأَلْتُ بِلَالاً, أَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْكَعْبَةِ؟ , قَالَ: نَعَمْ رَكْعَتَيْنِ, بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير: ١ - (السائب بن عمر) بن عبد الرحمن بن السائب المخزوميّ، حجازي ثقة [٧]. قال أحمد، وابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: لا باس به. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، وأبو داود، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديثان، برقم ٢٩٠٨ و ٢٩١٨. و"يحيى": هو ابن سعيد بن فرّوخ القطّان. و"ابن أبي مليكة": هو عبد اللَّه بن عُبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبي مُليكة زُهير التيميّ المكيّ الثقة الفقيه. وقوله: "ووجدت شيئًا، فذهبت الخ" يعني أنه وجد حاجةً أخّرته عن متابعة ما يفعله النبيّ ﷺ ، مع شدّة حرصه على ذلك، فذهب إليها، فرجع مسرعًا. والحديث أخرجه البخاريّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٩٠٩ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سَيْفُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ: أُتِيَ ابْنُ عُمَرَ فِي مَنْزِلِهِ, فَقِيلَ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , قَدْ دَخَلَ الْكَعْبَةَ, فَأَقْبَلْتُ, فَأَجِدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَدْ خَرَجَ, وَأَجِدُ بِلَالاً, عَلَى الْبَابِ قَائِمًا, فَقُلْتُ: يَا بِلَالُ, أَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْكَعْبَةِ؟ , قَالَ: نَعَمْ, قُلْتُ: أَيْنَ؟ , قَالَ: مَا بَيْنَ هَاتَيْنِ الأُسْطُوَانَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ, ثُمَّ خَرَجَ, فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي وَجْهِ الْكَعْبَةِ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخ المصنّف أحمد بن سليمان، أبو الحسين الرُّهاويّ الثقة الحافظ، فإنه من أفراده.

стр. 13067

و"أبو نُعيم": الفضل بن دُكين الكوفيّ الحافظ المشهور. و"سيف بن سليمان": هو المخزوميّ المكيّ، الثقة الثبت رمي بالقدر، سكن البصرة أخيرًا [٦] ١٩٠/ ١١٧١. وقوله: "أتي ابن عمر الخ" بالبناء للمفعولط، قال الحافظ: لم أقف على اسم الذي أخبره بذلك. وقوله: "فأجد" بعد قوله: "فأقبلت" وكان المناسب للسياق أن يقول: ووجدت، وكأنه عدل عن الماضي إلى المضارع استحضارًا لتلك الصورة حتى كأن المخاطب يشاهدها (١). وقوله: "في وجه الكعبة" أي مواجه باب الكعبة. والحديث أخرجه البخاريّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٩١٠ - (أَخْبَرَنَا حَاجِبُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَنْبِجِيُّ, عَنِ ابْنِ أَبِي رَوَّادٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ, قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكَعْبَةَ, فَسَبَّحَ فِي نَوَاحِيهَا, وَكَبَّرَ, وَلَمْ يُصَلِّ, ثُمَّ خَرَجَ, فَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ, ثُمَّ قَالَ: «هَذِهِ الْقِبْلَةُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (حاجب بن سليمان الْمَنْبِجِيّ) أبو سعيد، صدوق يهم [١٠] ٧/ ٦٣٤ من أفراد المصنّف. [تنبيه]: قوله: "المَنْبِجي" -بفتح الميم، وسكون النون، وكسر الباء الموحّدة، فجيم-: نسبة إلى مَنْبج مدينة بالشام. أفاده في "لبّ اللباب" ٢/ ٢٧٦. ٢ - (ابن أبي روّاد) هو: عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رَوّاد -بفتح الراء، وتشديد الواو- الأزديّ مولى المهلّب، أبو عبد الحميد المكيّ، صدوق يخطىء، وكان مرجئًا أفرط ابن حبّان، فقال: متروك [٩]. قال أحمد: ثقة، وكان فيه غلو في الإرجاء، وكان يقول: هؤلاء الشُكَّاك. وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن ابن معين ثقة، ليس به بأس. وقال الدورّي، عن ابن معين: ثقة. وقال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ثقة، كان يروي عن قوم ضعفاء، وكان أعلم الناس بحديث ابن جريج، وكان يُعلن بالإرجاء، قال: ولم يكن يبذل نفسه للحديث.

стр. 13068

وقال إبراهيم بن الجنيد: ذكر يحيى بن معين عبد المجيد، فذكر من نُبْله، وهيئته، وكان صدوقًا، ما كان يرفع رأسه إلى السماء، وكانوا يعظّمونه. وقال البخاريّ: كان يرى الإرجاء، كان الحميدي يتكلم فيه. وقال الآجريّ، عن أبي داود: ثقة، حدثنا عنه أحمد، ويحى بن معين، قال يحيى: كان عالمًا بابن جريج. قال أبو داود: وكان مرجئًا داعية في الإرجاء، وما فسد عبد العزيز حتى نشأ ابنه، وأهل خراسان لا يُحدّثون عنه. وقال النسائيّ: ثقة. وقال في موضع آخر: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: ليس بالقويّ يُكتب حديثه. وقال الدارقطنيّ: لا يُحتجّ به، يُعتبر به، وأبوه أيضًا ليّنٌ، والابن أثبت، والأب يُترك. وروى له أبو أحمد بن عديّ أحاديث، ثم قال: كلها غير محفوظة، على أنه ثبت في حديث ابن جريج، وله عن غير ابن جريج، وعامة ما أنكر عليه الإرجاء. وقال سلمة بن شبيب: كنت عند عبد الرزاق، فجاءنا موت عبد المجيد بن عبد العزيز، وذكر وفاته سنة (٢٠٦) فقال عبد الرزاق: الحمد للَّه الذي أراح أمة محمد ﷺ من عبد المجيد. وقال الدارقطنيّ في "العلل": كان أثبت الناس في ابن جريج. وقال المروذيّ، عن أحمد: كان مرجئًا، قد كتبت عنه، وكانوا يقولون: أفسد أباه، وكان منافراً لابن عيينة. قال المرّوذيّ: وكان أبو عبد اللَّه يحدّث عن المرجىء إذا لم يكن داعية، ولا مخاصمًا. وقال العقيليّ: ضعفه محمد بن يحيى. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالمتين عندهم. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث مرجئًا ضعيفًا. وقال الساجيّ: روى عن مالك حديثًا منكرًا عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد: "الأعمال بالنيات". وروى عن ابن جريج أحاديث لم يتابع عليها. وقال ابن عبد البرّ: روى عن مالك أحاديث أخطأ فيها، أشهرها خطأ حديث "الأعمال". وقال أبو حاتم: ليس بالقويّ. وقال الحاكم: هو ممن سكتوا عنه. وقال الخليليّ: ثقة لكنه أخطأ في أحاديث. وقال ابن حبّان: كان يقلب الأخبار، ويروي المناكير عن المشاهير، فاستحقّ الترك. وقال الدارقطنيّ في "الأفراد": حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا عليّ بن مسلم، ثنا عبد المجيد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: "كلام القدرية كفر، وكلام الحرورية ضلال، وكلام الشيعة تلطخ بالذنوب، والعصمة من اللَّه، واعلموا أن كلاًّ بقدر اللَّه". قال الدارقطنيّ: تفرد به عبد المجيد. قال الحافظ: وبقية رجاله ثقات. روى له الجماعة، سوى البخاريّ، وله عند المصنف في هذا الكتاب أربعة أحاديث، برقم ٢٩٠٩ و ٤٠٠٣ و ٥٣١٧ و٥٥٨٥. ٣ - (ابن جُريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل، يدلس ويرسل [٦] ٢٨/ ٣٢.

стр. 13069

٤ - (عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة فقيه فاضل، يرسل [٣] ١١٢/ ١٥٤. ٥ - (أسامة بن زيد) بن حارثة بن شَرَاحيل الكلبّي الأمير، أبو محمد، وأبو زيد، الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما -، مات بالمدينة سنة (٥٤) وهو ابن (٧٥) وتقدّم في ٩٦/ ١٢٠. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، غير شيخه، فمَنْبِجيّ، وأسامة ﵁ فمدنيّ. (ومنها): أن أُسامة صحابيّ ابن صحابيّ، حِبّ رسول اللَّه ﷺ ، وابن حِبه - رضي اللَّه تعالى عنهما -. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكَعْبَةَ) حرسها اللَّه تعالى (فَسَبَّحَ فِي نَوَاحِيهَا) جمع ناحية، وهي الجانب، فاعلة بمعنى مفعولة؛ لأنك نحوتها، أي قصدتها (وَكَبَّرَ، وَلَمْ يُصَلِّ) هذا يعارض ما تقدّم في الحديث الماضي من إثبات بلال - رضي اللَّه تعالى عنه - صلاته ﷺ في الكعبة. وقد اختلف العلماء في وجه الجمع بينهما، فمنهم من سلك مسلك الترجيح، فرجّح رواية بلال ﵁ من جهة أنه مثبت، وأسامة ﵁ ناف، والمثبت مقدّم على النافي، ومن جهة أنه لم يُختَلف على بلال في الإثبات، وقد اختلف على أسامة، فقد روى ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهم - عنه إثبات صلاته ﷺ فيها، رواه أحمد، وغيره. وقال النوويّ وغيره: يُجمع بين إثبات بلال، ونفي أسامة بأنهم لما دخلوا الكعبة اشتغلوا بالدعاء، فرأى أسامة النبيّ ﷺ يدعو، فاشتغل أسامة بالدعاء في ناحية، والنبيّ ﷺ في ناحية، ثم صلى النبيّ ﷺ فرآه بلال لقربه منه، ولم يره أسامة لبعده، واشتغاله، ولأن بإغلاق الباب تكون الظلمة مع احتمال أن يحجبه عنه بعض الأعمدة، فنفاها عملاً بظنه. وقال المحب الطبريّ: يحتمل أن يكون أسامة غاب عنه بعد دخوله لحاجة، فلم يشهد صلاته انتهى. ويشهد له ما رواه أبو داود الطيالسيّ في "مسنده" عن ابن أبي ذئب عن عبد الرحمن

стр. 13070

ابن مهران، عن عمير مولى ابن عباس، عن أسامة، قال: "دخلت على رسول اللَّه ﷺ في الكعبة، فرأى صورًا، فدعا بدلو من ماء، فأتيته به، فضرب به الصور". فهذا الإسناد جيد. قال القرطبيّ: فلعله استصحب النفي لسرعة عوده. انتهى. قال الحافظ: وهو مفرّعٌ على أن هذه القصّة وقعت عام الفتح، فإن لم يكن، فقد رَوَى عمر بن شبة في "كتاب مكة" من طريق عليّ بن بَذِيمة -وهو تابعيّ، وأبوه بفتح الموحدة، معجمة، وزان عظيمة- قال: "دخل النبيّ ﷺ الكعبة، ودخل معه بلال، وجلس أسامة على الباب، فلما خرج وجد أسامة قد احتبى، فأخذ بحبوته، فحلّها … " الحديث. فلعله احتبى، فاستراح، فنعس، فلم يشاهد صلاته، فلما سئل عنها نفاها، مستصحبًا للنفي لقصر زمن احتبائه. وفي كلّ ذلك إنما نفى رؤيته، لا ما في نفس الأمر. ومنهم من جمع بين الحديثين بغير ترجيح أحدهما على الآخر، وذلك من أوجه: [أحدها]: حمل الصلاة المثبتة جملى اللغوية، والمنقيّة على الشرعيّة، وهذه طريقة من يكره الصلاة داخل الكعبة، فرضًا ونفلاً، وقد تقدّم البحث فيه في "كتاب المساجد" -٥/ ٦٩٢ - ويردّ هذا الحمل ما تقدّم في بعض طرقه من تعيين قدر الصلاة، فظهر أن المراد بها الشرعيّة، لا مجرّد الدعاء. [ثانيها]: قال القرطبيّ: يمكن حمل الإثبات على التطوع، والنفي على الفرض، وهذه طريقة المشهور من مذهب مالك، وقد تقدّم البحث فيها. [ثالثها]: قال المهلّب شارح البخاريّ: يحتمل أن يكون دخول البيت وقع مرّتين، صلّى في إحداهما، ولم يصلّ في الأخرى. وقال ابن حبّان: الأشبه عندي في الجمع أن يجعل الخبران في وقتين، فيقال: لما دخل الكعبة في الفتح صلّى فيها على ما رواه ابن عمر عن بلال. ويجعل نفي ابن عباس الصلاة في الكعبة في حجته التي حجّ فيها؛ لأن ابن عباس نفاها، وأسنده إلى أسامة، وابن عمر أثبتها، وأسند إثباته إلى بلال، والى أُسامة أيضًا، فإذا حمل الخبر على ما وصفنا بطل التعارض. قال الحافظ: وهذا جمع حسنٌ. لكن تعقّبه النوويّ بأنه لا خلاف أنه ﷺ دخل في يوم الفتح، لا في حجة الوداع، ويشهد له ما روى الأزرقيّ في "كتاب مكة" عن سفيان، عن غير واحد من أهل العلم أنه ﷺ إنما دخل الكعبة مرّة واحدةً، عام الفتح، ثم حجّ، فلم يدخلها، وإذا كان الأمر كذلك، فلا يمتنع أن يكون دخلها عام الفتح مرتين، ويكونَ المراد بالواحدة التي في خبر ابن عيينة وحدة السفر، لا الدخول.

стр. 13071

وقد وقع عند الدراقطنيّ من طريق ضعيفة ما يشهد لهذا الجمع. واللَّه أعلم. ويؤيّد الجمع الأول ما أخرجه عمر بن شبة في "كتاب مكة" من طريق حماد، عن أبي حمزة، عن ابن عباس، قال: قلت له: كيف أصلي في الكعبة؟، قال: كما تصلي فى الجنازة، تسبح، وتكبّر، ولا تركع، ولا تسجد، ثم عند أركان البيت سبّح، وكبّر، وتّضرع، واستغفر، ولا تركع، ولا تسجد. وسنده صحيح. قاله في "الفتح" (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن الجمع الذي تقدم عن ابن حبان هو الأرجح، كما استحسنه الحافظ. واللَّه تعالى أعلم. (ثُمَّ خَرَجَ، فَصَلَى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: "هَذِهِ الْقِبْلَةُ") قال الخطّابيّ -رحمه اللَّه تعالى-: معناه أن أمر القبلة قد أستقر على استقبال هذا البيت، فلا ينسخ بعد اليوم، فصلوا إليه أبدًا. قال: ويحتمل أنه علّمهم سنة موقف الإمام، وأنه يقف في وجهها دون أركانها، وجوانبها، وإن كانت الصلاة في جميع جهاتها مجزئة. انتهى. وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: ويحتمل معنى ثالثًا، وهو أن معناه هذه الكعبة هي المسجد الحرام الذي أُمرتم باستقباله، لا كلّ الحرم، ولا مكة، ولا كلّ المسجد الذي حول الكعبة، بل الكعبة نفسها فقط. انتهى. وقال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: الإشارة إلى الكعبة المشرفة، أو جهتها، وعدى الثاني الحصر واضح، وعلى الأول باعتبار من كان داخل المسجد، أو من كان بمكة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أسامة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٢٧/ ٢٩١٠ و١٣١/ ٢٩١٥ و ١٣٢/ ٢٩١٦ و ١٣٣/ ٢٩١٧ و ٢٩١٨ - وفي "الكبرى" ١٢٨/ ٣٨٩٢ و ١٣٢/ ٣٨٩٧ و ١٣٣/ ٣٨٩٨ و ١٣٤/ ٣٨٩٩ و٣٩٠٠. وأخرجه (م) في "الحج"١٣٣٠. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب". …

стр. 13072

١٢٨ - (الْحِجْرُ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هو -بكسر الحاء المهملة، وسكون الجيم-: حطيم مكة، وهو الْمُدَار بالبيت من جهة الميزاب. وقال في "اللسان": قال الأزهريّ: و"الْحِجْر": حَطِيم مكّة، كأنه حُجْرة مما يلي الْمَثعَب (١) من البيت. وقال الجوهريّ: الْحِجْر حِجر الكعبة، وهو ما حواه الحَطِيم الْمُدَار بالبيت جانب الشَّمَال، وكلُّ ما حَجَرته من حائط، فهو حِجْرٌ. وفي الحديث ذكر الحجر في غير موضع، قال ابن الأثير: هو اسم الحائط المستدير إلى جانب الكعبة الغربيّ. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٩١١ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ, عَنِ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ, عَنْ عَطَاءٍ, قَالَ: ابْنُ الزُّبَيْرِ, سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَوْلَا أَنَّ النَّاسَ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِكُفْرٍ, وَلَيْسَ عِنْدِي مِنَ النَّفَقَةِ مَا يُقَوِّي عَلَى بِنَائِهِ, لَكُنْتُ أَدْخَلْتُ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ, خَمْسَةَ أَذْرُعٍ, وَجَعَلْتُ لَهُ بَابًا, يَدْخُلُ النَّاسُ مِنْهُ, وَبَابًا يَخْرُجُونَ مِنْهُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح. و"هناد بن السريّ": هو أبو السريّ التميميّ الكوفيّ، ثقة [١٠] ٢٣/ ٢٥. و"ابن أبي زائدة": هو يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الهمدنيّ الكوفيّ، ثقة ثبت، من كبار [٩] ١٤٤/ ٢٢٦. و"ابن أبي سليمان": هو عبد الملك بن أبي سليمان ميسرة العرزميّ الكوفيّ، صدوق له أوهام [٥] ٧/ ٤٠٦. و"عطاء": هو ابن أبي رباح. وقوله: "حديث عهدهم" برفع "عدهم" على الفاعلية لما قبله. وقوله: "وليس عندي من النفقة" أراد أن كُلاًّ من الأمرين مانع من ذلك. وقوله: "ما يُقويني على بنائه" بضم أوله، من التقوية، أي يجعلني قويًّا، بمعنى يشجّعني على بنائه على قواعد إبراهيم ﵇. وفي بعض النسخ: "ما يُقَوِّي على بنائه" بحذف المفعول، وهو الذي في "صحيح مسلم". واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "خمسة أذرع" هكذا في رواية عطاء، عن ابن الزبير، هنا، وعند مسلم أيضًا. وفي رواية لمسلم من طريق أبي قَزَعَة، عن الحارث بن عبد اللَّه، عن عائشة: "فإن بدا لقومك أن يبنوه بعدي فهلمّي لأريك ما تركوا منه، فأراها قريبًا من سبعة

стр. 13073

أذرع". وله من طريق سعيد بن مِيناء، عن عبد اللَّه بن الزبير، عن عائشة في هذا الحديث: "وزدت فيها من الحجر ستة أذرع". وللبخاريّ من طريق جرير بن حازم، عن يزيد بن رُومان، قال: "وشهدت ابن الزبير حين هدمه، وبناه، وأدخل فيه من الحجر، وقد رأيت أساس إبراهيم، كأسنمة الإبل، قال جرير: فقلت له: أين موضعه؟ قال: أريكه الآن، فدخلت معه الحجر، فأشار إلى مكان، فقال: ههنا، قال جرير: فحزرت من الحجر ستة أذرع، أو نحوها". ولسفيان بن عيينة في "جامعه"، عن داود بن شابور، عن مجاهد: "أن ابن الزبير زاد فيها ستة أذرع مما يدي الحجر". وله عن عبد اللَّه بن أبي يزيد، عن ابن الزبير: "ستة أذرع وشبر". وهكذا ذكر الشافعيّ عن عدد لقيهم من أهل العلم من قريش، كما أخرجه البيهقيّ في "المعرفة" عنه. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وهذه الروايات كلها تجتمع على أنها فوق الستة، ودون السبعة. وأما رواية عطاء عند مسلم -يعني رواية النسائيّ هنا- عن عائشة مرفوعًا: "لكنت أدخل فيها من الحجر خمسة أذرع"، فهي شاذّة، والرواية السابقة أرجح؛ لما فيها من الزيادة عن الثقات الحفّاظ. ثم ظهر لي لرواية عطاء وجة، وهو أنه أريد بها ما عدا الفرجة التي بين الركن والْحِجْر، فتجتمع مع الروايات الأخرى، فإن الذي عدا الفرجة أربعة أذرع وشيء، ولهذا عند الفاكهيّ من حديث أبي عمرو بن عديّ بن الحمراء: "أن النبيّ ﷺ قال لعائشة في هذه القصّة: "ولأدخلت فيها من الحجر أربعة أذرع"، فيحمل هذا على إلغاء الكسر، ورواية عطاء على جبره، ويجمع بين الروايات كلها بذلك. قال: ولم أر من سبقني إلى ذلك (١). وقال عند شرح قول جرير بن حازم: "فحزرت من الحجر ستة أذرع، أو نحوها": ما نصّه: قد ورد هذا مرفوعًا إلى النبيّ ﷺ -كما تقدم في الطريقة الثانية، وأنها أرجح الروايات، وأن الجمع بين المختلف ممكن كما تقدّم، وهو أولى من دعوى الاضطراب، والطعن في الروايات المقيدة: لأجل الاضطراب، كما جنح إليه ابن الصلاح، وتبعه النوويّ؛ لأن شرط الاضطراب أن تتساوى الوجوه بحيث يتعذّر الترجيح، أو الجمع، ولم يتعذّر ذلك هنا، فيتعيّن حمل المطلق على المقيّد، كما هي قاعدة مذهبهما. ويؤيّده أن الأحاديث المطلقة والمقيّدة متواردة على سبب واحد، وهو أن قريشًا قصروا على بناء إبراهيم ﵊، وأن الحجّاج أعاده على بناء قريش، ولم تأت رواية قط صريحة أن جميع الحجر من بناء إبراهيم في البيت.

стр. 13074

قال المحب الطبريّ في "شرح التنبيه" له: والأصحّ أن القدر الذي في الحجر من البيت قدر سبعة أذرع، والرواية التي جاء فيها أن الحجر من البيت مطلقة، فيحمل المطلق على المقيّد، فإن إطلاق اسم الكلّ على البعض سائغ مجازًا. وإنما قال النوويّ ذلك نصرة لما رجحه من أن جميع الحجر من البيت، وعمدته في ذلك أن الشافعيّ نصّ على إيجاب الطواف خارج الحجر، ونقل ابن عبد البرّ الاتفاق عليه، ونقل غيره أنه لا يعرف في الأحاديث المرفوعة، ولا عن أحد من الصحابة، ومن بعدهم أنه طاف من داخل الحجر، وكان عملاً مستمرًا، ومقتضاه أن يكون جميع الحجر من البيت. وهذا متعقّبٌ، فإنه لا يلزم من إيجاب الطواف من ورائه أن يكون كله من البيت، فقد نصّ الشافعيّ أيضًا -كما ذكره البيهقيّ في "المعرفة" أن الذي في الحجر من البيت نحو من ستة أذرع، ونقله عن عدة من أهل العلم من قريش لقيهم، كما تقدّم، فعلى هذا فلعله رأى إيجاب الطواف من وراء البيت احتياطًا. وأما العمل فلا حجة فيه على الإيجاب، فلعلّ النبيّ ﷺ ، ومن بعده فعلوه استحبابًا للراحة من تسوّر الحجر، لا سيما والرجال والنساء يطوفون جميعًا، فلا يؤمن من المرأة التكشّف، فلعلهم أرادوا حسم هذه المادّة. وأما ما نقله المهلّب عن ابن أبي زيد أن حائط الحجر لم يكن مبنيًّا في زمن النبيّ ﷺ ، وأبي بكر حتى كان عمر، فبناه، ووسعه قطعًا للشكّ، وأن الطواف قبل ذلك كان حول البيت. ففيه نظر. وقد أشار المهلّب إلى أن عمدته في ذلك ما في البخاريّ في "باب بنيان الكعبة" في أوائل السيرة النبويّة بلفظ: "لم يكن حول البيت حائط، كانوا يصلون حول البيت حتى كان عمر، فبنى حوله حائطًا جدره قصيرة، فبناه ابن الزبير". انتهى. وهذا إنما هو في حائط المسجد، لا في الحِجْر، فدخل الوهم على قائله من هنا. ولم يزل الحجر موجودًا في عهد النبيّ ﷺ -كما صرح به كثير من الأحاديث الصحيحة، نعم في الحكم بفساد طواف من دخل الحجر، وخلى بينه وبين البيت سبعة أدرع نظر، وقد قال بصحّته جماعة من الشافعيّة، كإمام الحرمين، ومن المالكيّة، كأبي الحسن اللَّخمي. وذكر الأزرقيّ أن عرض ما بين الميزاب ومنتهى الحجر سبعة عشر ذراعًا، وثلث ذراع، منها عرض جدار الحجر ذراعان وثلث، وفي بطن الحجر خمسة عشر ذراعًا، فعلى هذا فنصف الحجر ليس من البيت، فلا يفسد طواف من طاف دونه. واللَّه أعلم. وأما قول المهلب: إن الفضاء لا يسمّى بيتًا، وإنما البيت البنيان؛ لأن شخصًا لو

стр. 13075

حلف لا يدخل بيتًا، فانهدم ذلك البيت، فلا يحنث بدخوله، فليس بواضح، فإن المشروع من الطواف ما شرع للخليل بالاتفاق، فعلينا أن نطوف حيث طاف، ولا يسقط ذلك بانهدام حرم البيت؛ لأن العبادات لا يسقط المقدور عليه منها بفوات المعجوز عنه، فحرمة البقعة ثابتة، ولو فقد الجدار. وأما اليمين، فمتعلّقة بالعرف، ويؤيّد ما قلناه أنه لو انهدم مسجد، فنقلت حجارته إلى موضع آخر بقيت حرمة المسجد بالبقعة التي كان بها، ولا حرمته لتلك الحجارة المنقولة إلى غير مسجد، فدلّ على أن البقعة أصل للجدار بخلاف العكس. أشار إلى ذلك ابن المنيّر في "الحاشية". انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (١). والحديث متّفقٌ عليه، وقد قد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله في -١٢٥/ ٢٩٠١ - فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٩١٢ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الرِّبَاطِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ, عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنْ عَمَّتِهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ, قَالَتْ: حَدَّثَتْنَا عَائِشَةُ, قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَلَا أَدْخُلُ الْبَيْتَ؟ , قَالَ: «ادْخُلِي الْحِجْرَ, فَإِنَّهُ مِنَ الْبَيْتِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. وقوله: "فإنه من البيت" ظاهره أن جميع الحجر من البيت، ومثله حديث البخاريّ من طريق الأسود بن يزيد، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، قالت: سألت رسول اللَّه ﷺ عن الْجَدْر، أمن البيت هو؟، قال: "نعم … " الحديث. قال في "الفتح": وبذلك كان يفتي ابن عباس، كما رواه عبد الرزّاق، عن أبيه، عن مرثد بن شُرَحبيل، قال: سمعت ابن عباس يقول: "لو وليت من البيت ما ولي ابن الزبير، لأدخلت الحجر كله في البيت، فلِمَ يطاف به إن لم يكن من البيت؟ ". وروى الترمذيّ، والنسائيّ من طريق علقمة، عن أمه، عن عائشة، قالت: "كنت أحبّ أن أصليّ في البيت، فأخذ رسول اللَّه ﷺ بيدي، فأدخلني الحجر، فقال: "صلي فيه، فإنما هو قطعة من البيت، ولكن قومك استقصروه، حين بنوا الكعبة، فأخرجوه من البيت"، ونحوه لأبي داود من طريق صفية بنت شيبة، عن عائشة. ولأبي عوانة من طريق قتادة، عن عروة، عن عائشة. ولأحمد من طريق حماد بن سلمة، عن عطاء بن

стр. 13076

السائب، عن سعيد بن جبير، عن عائشة، أنها قالت: يا رسول اللَّه، كلّ أهلك قد دخل البيت غيري، فقال: أرسلي إلى شيبة، فيفتح لك الباب، فأرسلت إليه، فقال شيبة: ما استطعنا فتحه في جاهلية، ولا إسلام بليل، فقال النبيّ ﷺ : "صلي في الحجر، فإن قومك استقصروا عن بناء البيت حين بنوه". وهذه الروايات كلها مطلقة، وقد تقدّم في الحديث الماضي أن الأرجح حملها على الروايات المقيّدة، جمعًا بين الأحاديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٢٩ - (الصَّلَاةُ فِي الْحِجْرِ) ٢٩١٣ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَلْقَمَةُ بْنُ أَبِي عَلْقَمَةَ, عَنْ أُمِّهِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَدْخُلَ الْبَيْتَ, فَأُصَلِّيَ فِيهِ, فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِي, فَأَدْخَلَنِي الْحِجْرَ, فَقَالَ: «إِذَا أَرَدْتِ دُخُولَ الْبَيْتِ, فَصَلِّي هَا هُنَا, فَإِنَّمَا هُوَ قِطْعَةٌ مِنَ الْبَيْتِ, وَلَكِنَّ قَوْمَكِ اقْتَصَرُوا حَيْثُ بَنَوْهُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت [١٠] ٢/ ٢. ٢ - (عبد العزيز بن محمد) بن عُبيد الدراورديّ الجُهَنيّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، صدوق، كان يُحدّث من كتب غيره، فيُخطىء [٨] ٨٤/ ١٠١. ٣ - (علقمة بن أبي علقمة) واسمه بلال المدنيّ مولى عائشة، وهو علقمة ابن أم علقمة، ثقة عَلاَّمة [٥] ١٠٣/ ٢٠٣٨. ٤ - (أمه) اسمها مَرْجانة، علق لها البخاريّ في "الحيف"، ثقة (١) [٣] ١٠٣/ ٢٠٣٨.

стр. 13077

٥ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير أم علقمة، وثقها العجليّ، وابن حبّان، وعلّق عنها البخاريّ في "الصحيح". (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أمه، وتابعي عن تابعيّة، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَدْخُلَ الْبَيْتَ، فَأُصَلِّيَ فِيهِ) وفي روا أحمد، والبيهقيّ من رواية سعيد بن جُبير، عنها أنها قالت: يا رسول اللَّه، كلّ أهلك قد دخل البيت غيري، فقال: أرسلي إلى شيبة، فيفتح لك الباب، فأرسلت "ليه … الحديث، وتقدم في الباب الماضي. (فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بيَدِي، فَأَدْخَلَنِي الْحِجْرَ، فَقَالَ: "إِذَا أَرَدْتِ دُخُولَ الْبَيْتِ، فَصَلي هَا هُنَا) أي في الحجر (فَإِنَّمَا هُوَ قِطْعَةٌ مِنَ الْبَيْتِ) الفاء للتعليل: أي لأن الحجر قطعة من البيت، وقد تقدّم أن الأرجح في معناه أن بعضه من البيت؛ حملاً للروايات المطلقة على المقيّدة (وَلَكِنَّ قَوْمَكِ اقْتَصَرُوا) يعني أن قريشَا حين بنوا الكعبة اقتصروا على هذا المقدار الذي عليه الآن. وفي الرواية المتقدمة ١٢٥/ ٢٩٠٢ - : "فإن قريشا لما بنت البيت استقصرت". وفي رواية عند مسلم: "فإن قريشا اقتصرتها"، وفي أخرى: "استقصروا من بنيان البيت"، وفي أخرى: "قصروا في البناء"، وفي أخرى: "قصرت بهم النفقة". قال العلماء: هذه الروايات كلها بمعنى واحد، ومعنى "استقصرت": قصرت عن تمام بنائها، واقتصرت على هذا القدر لقصور النفقة بهم عن تمامها. قاله النوويّ في "شرح مسلم" (١). وقوله: (حَيْثُ بَنَوْهُ) أي وقت بنائه، فـ"حيث" هنا ظرف زمان بمعنى "حين"، فإنها تأتي للزمان عند الأخفش، كما قاله ابن هشام الأنصاريّ في "مغنيه" (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 13078

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٢٩/ ٢٩١٣ - وفي "الكبرى" ١٣٠/ ٣٨٩٥. وأخرجه (د) في "المناسك" ٢٠٢٨ (ت) في، (الحجّ" ٨٧٦. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٣٠ - (التكْبِيرُ فِي نَوَاحِي الْكَعْبَةِ) ٢٩١٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ عَمْرٍو, أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ, قَالَ: لَمْ يُصَلِّ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْكَعْبَةِ, وَلَكِنَّهُ كَبَّرَ فِي نَوَاحِيهِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (حماد) بن زيد بن درهم الجَهْضَميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت فقيه [٨] ٣/ ٣. ٣ - (عمرو) بن دينار الأثرم الْجُمَحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبت [٤] ١١٢/ ١٥٤. ٤ - (ابن عبّاس) عبد اللَّه الحبر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من رباعيات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٥٠) من رباعيّات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَمْرٍو) بن دينار (أَنَّ ابنَ عَبَّاسِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: لَمْ يُصَلِّ

стр. 13079

النَّبِيُّ ﷺ فِي الْكَعْبَةِ) هكذا هو عند البخاريّ أيضًا رواه عن إسحاق بن نصر، عن عبدالرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، جعله من مسند ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -. وأخرجه الإسماعيليّ، وأبو نعيم، في "مستخرجيهما" من طريق إسحاق بن راهويه، عن عبد الرزاق، فجعله من رواية ابن عباس، عن أسامة بن زيد ﵁، وكذلك رواه مسلم من طريق محمد بن بكر، عن ابن جريج. قال الحافظ: وهو الأرجح انتهى (١). وقد تقدّم وجه التوفيق بين رواية بلال ﵁ المثبتة صلاته ﷺ ، وبين هذه الرواية النافية لها قبل بابين، فراجعه تستفد. وباللَّه تعالى التوفيق. (وَلَكِنهُ كبَّرَ فِي نَوَاحِيهِ) جمع ناحية، وهي الجانب: أي كبّر اللَّه تعالى في جوانب البيت. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ١٣٠/ ٢٩١٤ - وفي "الكبرى" ١٣١/ ٣٨٩٦. وأخرجه (خ) في "الصلاة" ٣٩٨ و"الحجّ" ١٦٠١ و"المغازي" ٤٢٨٩ (م) في "الحجّ" ١٣٣١ (د) في "المناسك" ٢٥٢٧. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الاصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٣١ - (الذِّكْرُ وَالدُّعَاءُ فِي الْبَيْتِ) ٢٩١٥ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَطَاءٌ, عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ, أَنَّهُ دَخَلَ هُوَ, وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْبَيْتَ فَأَمَرَ بِلَالاً, فَأَجَافَ الْبَابَ, وَالْبَيْتُ إِذْ ذَاكَ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ, فَمَضَى حَتَّى إِذَا كَانَ بَيْنَ الأُسْطُوَانَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَلِيَانِ (٢) بَابَ الْكَعْبَةِ جَلَسَ, فَحَمِدَ اللَّهَ, وَأَثْنَى عَلَيْهِ, وَسَأَلَهُ,

стр. 13080

وَاسْتَغْفَرَهُ, ثُمَّ قَامَ حَتَّى أَتَى مَا اسْتَقْبَلَ مِنْ دُبُرِ الْكَعْبَةِ, فَوَضَعَ وَجْهَهُ, وَخَدَّهُ عَلَيْهِ, وَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ, وَسَأَلَهُ, وَاسْتَغْفَرَهُ, ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى كُلِّ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الْكَعْبَةِ, فَاسْتَقْبَلَهُ (١) بِالتَّكْبِيرِ, وَالتَّهْلِيلِ, وَالتَّسْبِيحِ, وَالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ, وَالْمَسْأَلَةِ, وَالاِسْتَغْفَارِ, ثُمَّ خَرَجَ, فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ مُسْتَقْبِلَ وَجْهِ الْكَعْبَةِ, ثُمَّ انْصَرَفَ, فَقَالَ: «هَذِهِ الْقِبْلَةُ, هَذِهِ الْقِبْلَةُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و "يعقوب بن إبراهيم": هو الدَّوْرَقيّ. و"يحيى": هو القطّان. وعبد الملك بن أبي سليمان": هو العَرْزميّ الكوفيّ، تقدم قبل بابين. و"عطاء": هو ابن أبي رباح. وقوله: "فأجاف الباب" أي ردّه. وقوله: "ما استقبل من دبر الكعبة" ببناء الفعل للفاعل، وحذف الضمير المنصوب، والأصل: ما استقبله: أي ما واجهه من الركن الذي في جهة خلفها. وقوله: "مستقبل وجه الكعبة" أي مواجه بابها. والحديث أخرجه مسلم دون ذكر الوضع، وقد تقدم تمام البحث فيه، وفي مسائله قبل ثلاثة أبواب، ودلالته على ماترجم له واضحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٣٢ - (وَضْعُ الصَّدْرِ وَالْوَجْهِ (٢) عَلَى مَا اسْتَقْبَلَ مِنْ دُبُرِ الْكَعْبَةِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "ما استقبل" بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير يعود إلى الواضع المفهوم، وعائد الموصول محذوف، والمعنى: على الركن الذي استقبله الواضع: أي واجهه، ويحتمل أن يكون الفاعل ضمير الموصول، أي على الركن الذي استَقبَلَ الواضع، وذلك لأن كلا من المتواجهين يستقبل أحدهما الآخر،

стр. 13081

فهو مستقبِلٌ بالكسر، ومُستقبَل بالفتح، تقول: استقبلت الشيءَ: إذا واجهته، فهو مُستقبِل، ومُستقبَل ويحتمل أن يكون الفعل مبْنيًا للمفعول، والضمير للموصول، وقوله: "من دبر الكعبة" بيان لـ"ما". واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٩١٦ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) عَبْدُ الْمَلِكِ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ, قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْبَيْتَ, فَجَلَسَ, فَحَمِدَ اللَّهَ, وَأَثْنَى عَلَيْهِ, وَكَبَّرَ, وَهَلَّلَ, ثُمَّ مَالَ إِلَى مَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْبَيْتِ, فَوَضَعَ صَدْرَهُ عَلَيْهِ, وَخَدَّهُ وَيَدَيْهِ, ثُمَّ كَبَّرَ, وَهَلَّلَ, وَدَعَا, فَعَلَ ذَلِكَ بِالأَرْكَانِ كُلِّهَا, ثُمَّ خَرَجَ, فَأَقْبَلَ عَلَى الْقِبْلَةِ, وَهُوَ عَلَى الْبَابِ, فَقَالَ: «هَذِهِ الْقِبْلَةُ, هَذِهِ الْقِبْلَةُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الإسناد هو الإسناد الماضي في الباب السابق، بإبدال يحيى القطّان بهشيم. ودلالة الحديث على الترجمة واضحة، ففيه استحباب وضع الصدر والخدّ واليدين على الركن الذي في دبر الكعبة، وكذلك في جميع الأركان. والحديث أخرجه مسلم دون ذكر الوضع، وقد سبق تمام البحث فيه في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٣٣ - (مَوْضِعُ الصَّلَاةِ مِنَ الْكَعْبَةِ) ٢٩١٧ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ,, عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنْ أُسَامَةَ, قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْبَيْتِ, صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي قُبُلِ الْكَعْبَةِ, ثُمَّ قَالَ: «هَذِهِ الْقِبْلَةُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: إسناد هذا الحديث هو الإسناد السابق، غير إسماعيل بن مسعود الجحدريّ البصريّ الثقة. و"خالد" بن الحارث الهجميّ البصريّ الثقة الثبت. وقوله: "في قبل الكعبة" هو بمعنى قوله فيما سبق: "مُسْتَقْبِلَ وجه الكعبة"، والمراد بابها. والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٩١٨ - (أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ, خُشَيْشُ بْنُ أَصْرَمَ النَّسَائِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ,

стр. 13082

قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ, عَنْ عَطَاءٍ, قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , دَخَلَ الْبَيْتَ, فَدَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا, وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ, حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ, فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي قُبُلِ الْكَعْبَةِ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "خُشيش" -بضم الخاء المعجمة، مصغّرًا- ابن أصرم، أبو عاصم النسائيّ، ثقة حافظ [١١] ٤٤/ ٥٩٠. من أفراد أبي داود، والمصنّف. والباقون كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرَّة، و"عبد الرزّاق": هو ابن همّام الصنعانيّ. والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٩١٩ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا السَّائِبُ بْنُ عُمَرَ, قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ, عَنْ أَبِيهِ, أَنَّهُ كَانَ يَقُودُ ابْنَ عَبَّاسٍ, وَيُقِيمُهُ عِنْدَ الشُّقَّةِ الثَّالِثَةِ, مِمَّا يَلِى الرُّكْنَ, الَّذِي يَلِى الْحَجَرَ, مِمَّا يَلِى الْبَابَ, فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَا أُنْبِئْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , كَانَ يُصَلِّي هَا هُنَا؟ , فَيَقُولُ: نَعَمْ, فَيَتَقَدَّمُ, فَيُصَلِّي). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عمرو بن عليّ) الفلّاس الصيرفيّ البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/ ٤. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطّان البصريّ، ثقة ثبت إمام [٩] ٤/ ٤. ٣ - (السائب بن عمر) المخزوميّ الحجازيّ، ثقة [٧] ١٢٧/ ٢٩٠٨. ٤ - (محمد بن عبد اللَّه بن السائب) المخزوميّ، مجهول [٦]. رَوَى عن أبيه حديث الباب فقط. وعنه السائب بن عمر المخزوميّ. وقيل: عن السائب، عن محمد بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن، عن ابن عبّاس، وعبد اللَّه بن السائب. وقال أبو عاصم: عن السائب بن عمر، عن محمد بن عبد الرحمن المخزومي: كنت عند عبد اللَّه بن السائب، فأرسل إليه ابن عباس يسأله، أين صلّى رسول اللَّه ﷺ … ؟ " الحديث. قال أبو حاتم: مجهول. تفرّد به أبو داود، والمصنّف، وله عندهما هذا الحديث فقط. ٥ - (أبوه) عبد اللَّه بن السائب بن أبي السائب صيفيّ بن عابد بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم، أبو السائب، ويقال: أبو عبد الرحمن المخزوميّ المكيّ، له ولأبيه صحبة، وكان قارىء أهل مكة، وكان قائد ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهم -، مات سنة بضع وستين، وتقدّم في ٢٥/ ٧٧٦. ٦ - (ابن عبّاس) - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 13083

شرح الحديث عن محمد بن عبد اللَّه بن السائب (عَنْ أَبيهِ) عبد اللَّه بن السائب ﵁ (أَنَّهُ كَانَ يَقُودُ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَيُقِيمُهُ عِنْدَ الشُّقَّةِ) -بضم الشينَ المعجمة، وتشديد القاف- بمعنى الناحية (الثَّالِثَةِ، مِمَّا يَلى الرُّكْنَ، الَّذِي يَلى الْحَجَرَ) -بفتحتين- أي الحجر الأسود، والموصول صفة الركن (مِمَّا يَلِي الْبَابَ) أي باب البيت الشريف، أي الناحية التي بين الحَجَر الأسود والباب (فَقَالَ: ابْنُ عَباسِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَمَا) بفتح الهمزة، وتخفيف الميم (أُنْبِئْتَ) بضمير الخطاب، وهو لعبد اللَّه بن السائب، والفعل مبنيّ للمفعول: أي أُخبرتَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، كَانَ يُصَلِّي هَاهُنَا؟، فَيَقُولُ) عبد اللَّه السائب (نَعَمْ، فَيَتَقَدَّمُ) ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - إلى ذلك المكان (فَيُصَلِّي) فيه، ولفظ "الكبرى" "فيقوم، فيصلي". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا ضعيف؛ لجهالة محمد بن عبد اللَّه بن السائب. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٣٣/ ٢٩١٩ وفي "الكبرى" ١٣٤/ ٣٩٠١. وأخرجه (د) في "المناسك" ١٩٠٠ (أحمد) في "مسند المكيين" ١٤٩٦٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٣٤ - (ذِكرُ الْفَضْلِ فِي الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ) ٢٩٢٠ - حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ, أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ مِنْ لَفْظِهِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ, أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ, مَا أَرَاكَ تَسْتَلِمُ إِلاَّ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ, قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ

стр. 13084

مَسْحَهُمَا يَحُطَّانِ الْخَطِيئَةَ» , وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَنْ طَافَ سَبْعًا, فَهُوَ كَعِدْلِ رَقَبَةٍ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "حدثنا أبو عبد الرحمن الخ" هو المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، والقائل: "حدّثنا" هو تلميذه، والظاهر أنه أبو بكر بن السنيّ - رحمه اللَّه تعالى -؛ لأنه المشهور برواية هذا الكتاب عنه. واللَّه تعالى أعلم. ورجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيبة) بن سعيد المذكور قريبًا. ٢ - (حماد) بن زيد بن درهم، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت فقيه، من كبار [٨] ٣/ ٣. ٣ - (عطاء) بن السائب بن مالك الثقفيّ، أبو محمد، أو أبو السائب الكوفيّ، صدوقٌ اختلط، إلا أنَّ حمّاد بن زيد ممن روى عنه قبل الاختلاط [٥] ١٥٢/ ٢٤٣. ٤ - (عبد اللَّه بن عُبيد بن عُمير) الليثيّ المكيّ، ثقة [٣] ٨٩/ ٢٨٣٦. ٥ - (أبو عبد الرحمن) هو عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الأسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، وعطاء أخرج له البخاريّ حديثًا واحدًا متابعةً. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرِ) الليثيّ (أَنَّ رَجُلاً) هو أبوه، ففي رواية أحمد: "عن عبد اللَّه بن عُبيد بن عمير أنه سمعِ أباه يقول لابن عمر: ما لي لا أراك تستلم إلا هذين الركنين … " الحديث (قَالَ: يَا إبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) كنية عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنهما - (مَا أَرَاكَ تَسْتَلِمُ إِلاَّ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ) أي الحجر الأسود، والركن اليماني (قَالَ) ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - (إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِن مَسْحَهُمَا يَحُطَانِ الْخَطِيئَةَ) هكذا معظم نسخ "المجتبى" "يحطان" بضمير التثنية، قال السنديّ: والضمير للركنين، والعائد إلى المسح مقدّر، أي به. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله السنديّ فيه ركاكة، وعندي أن ضمير التثنية يعود على "مسحهما"، وإن كان مفردًا لاكتسابه التثنية عن المضاف إليه، فلا حاجة لتقدير العائد.، وفي بعض النسخ -كما قال السندي- وهو الذي في "الكبرى": "يحطّ

стр. 13085

الخطيئة" بالإفراد، وهو واضح. ومعنى "يحطّان الخطيئة": يسقطانها، وهو كناية عن غفران الذنوب. قال ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - (وَسَمِعْتُهُ) أي الرسول ﷺ (يَقُولُ: "مَنْ طَافَ سَبْعًا") أي دار بالبيت سبع مرّات، أو سبعة أشواط. زاد في رواية الترمذيّ: "فأحصاه". قال السيوطيّ: أي لم يأت فيه بزيادة، أو نقص. وقيل: أي حافظ على واجباته، وسننه، وآدابه. وقال القاري: بأن يكمله، ويراعي ما يُعتبر في الطواف من الشروط، والآداب انتهى (١) (فَهُوَ) أي الطواف (كَعِدْلِ رَقَبَةٍ) بكسر العين المهملة، وفتحها: بمعنى المثل. وقيل: بالفتح ما عادله من جنسه، وبالكسر ما ليس من جنسه. وقيل: بالعكس. قاله ابن الأثير (٢). والمعنى هنا: مثل ثواب إعتاق رقبة. والكاف هنا زائدة؛ لأن العدل معناه المثل، كما سبق آنفًا. وللترمذيّ: "كان كعتق رقبة". ولأحمد: "من طاف أُسبوعًا، يُحصيه، وصلّى ركعتين، كان كعدل رقبة". والمعنى: أن من طاف، وصلّى ركعتين بعد الطواف بالشروط المعتبرة، كان له مثل إعتاق رقبة في الثواب. وزاد في رواية الترمذيّ: "وسمعته يقول: "لا يضع قدمًا، ولا يرفع أخرى، إلا حطّ اللَّه عنه بها خطيئة، وكتب له بها حسنة". وفي رواية أحمد: وسمعته يقول: "ما رفع رجل قدما، ولا وضعها، إلا كُتبت له عشرُ حسنات، وحُطّ عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد اللَّه بن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح. [فإن قيل]: في سنده عطاء بن السائب، وهو مختلط، فكيف يصحّ؟. [قلت]: عطاء، وإن كان ممن اختلط، إلا أن الراوي عنه هنا حماد بن زيد، وهو ممن روى عنه قبل الاختلاط، كما تقدّم بيان ذلك غير مرّة. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ١٣٤/ ٢٩٢٠ - وفي "الكبرى" ١٦١/ ٣٩٥١. وأخرجه (ت) في

стр. 13086

"الحجّ"٩٥٩ (ق) ٢٩٥٦. (أحمد) في "مسند المكثرين" ٤٢٣٠. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل الطواف بالبيت. (ومنها): بيان فضل مسح الركنين. (ومنها): أن المشروع استلامه هو الركن الأسود، والركن اليماني، فقط، فلا يشرع استلام الركن الشاميّ، والركن العراقيّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٣٥ - (الْكَلَامُ فِي الطَّوَافِ) ٢٩٢١ - (أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ الأَحْوَلُ, أَنَّ طَاوُسًا أَخْبَرَهُ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , مَرَّ, وَهُوَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ بِإِنْسَانٍ, يَقُودُهُ إِنْسَانٌ, بِخِزَامَةٍ فِي أَنْفِهِ, فَقَطَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ, ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَقُودَهُ بِيَدِهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يوسف بن سعيد) بن مسلم المصّيصيّ، ثقة حافظ [١١] ١٣١/ ١٩٨. ٢ - (حجاج) بن محمد الأعور، أبو محمد المصّيصيّ، ثقة ثبت، اختلط بآخره [٩] ٢٨/ ٣٢. ٣ - (ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل [٦] ٢٨/ ٣٢. ٤ - (سليمان) بن أبي مسلم الأحول المكيّ، خال ابن أبي نَجِيح، قيل: اسم أبيه عبد اللَّه، ثقة [٥] ٩/ ١٦١٩. ٥ - (طاوس) بن كيسان الحميريّ مولاهم، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، ثقة فقيه فاضل [٣] ٢٧/ ٣١. ٦ - (ابن عباس) عبد اللَّه البحر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم

стр. 13087

رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عباس حبر الأمة، وبحرها، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتيا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، مَرَّ، وَهُوَ يَطُوفُ بالْكَعْبَةِ) جملة في محلّ نصب على الحال، أي والحال أنه يطوف بالكعبة (بإِنْسَانٍ) متعلّق بـ"يطوف" (يَقُودُهُ إِنْسَانٌ) وفي رواية لأحمد، والفاكهيّ من طريق عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدّه: أن النبيّ ﷺ أدرك رجلين، وهما مقترنان، فقال: "ما بال القران؟ "، قالا: إنا نذرنا لنقترننّ حتى نأتي الكعبة، فقال: "أطلقا أنفسكما، ليس هذا نذرًا، إنما النذر ما يُبتغى به وجهُ اللَّه". قال الحافظ: وإسناده إلى عمرو حسن. قال: ولم أقف على تسمية هذين الرجلين صريحًا، إلا أن في الطبرانيّ من طريق فاطمة بنت مسلم، حدّثني خليفة بن بشر، عن أبيه، أنه أسلم، فردّ عليه النبيّ ﷺ ماله، وولده، ثم لقيه هو وابنه طلق بن بشر، مقترنين بحبل، فقال: "ما هذا؟ "، فقال: حلفت لئن ردّ اللَّه عليّ مالي، وولدي لأحجّنّ بيت اللَّه مقرونًا، فأخذ النبيّ ﷺ الحبل، فقطعه، وقال لهما: "حُجًّ، إن هذا من عمل الشيطان". فيمكن أن يكون بشر، وابنه طلق صاحبي القصّة. وأغرب الكرمانيّ، فقال: قيل: إنّ الرجل المقود هو ثواب، ضدّ العقاب انتهى. ولم أر ذلك لغيره، ولا أدري من أين أخذه انتهى كلام الحافظ (١) (بِخِزَامَةٍ فِي أَنْفِهِ) بكسر الخاء المعجمة، بعدها زايٌ معجمة: هو حلقة من شعر، أو وَبَر تُجعل في الحاجز الذي بين منخري البعير، يُشدّ بها الزمام؛ ليسهل انقياده، إذا كان صعبًا (٢). وكانت بنو إسرائيل تخرم أنوفها، وتخرق تراقيها، ونحو ذلك من أنواع التعذيب، فوضعه اللَّه تعالى عن هذه الأمة. ذكره السيوطيّ (٣). وفي الرواية الآتية في "النذور": "أن النبيّ ﷺ مرّ به، وهو يطوف بالكعبة، وإنسان قد ربط يده بإنسان آخر بسَيْرٍ، أو خيط، أو بشيء غير ذلك … ". و"السير" بمهملة مفتوحة، وياء ساكنة، هو ما يُقَدْ من الجلد، وهو الشِّراك (٤).

стр. 13088

وفي رواية من طريق خالد بن الحارث، عن ابن جريج: "مرّ رسول اللَّه ﷺ برجل يقود رجلاً في قَرَن". و"القَرَنُ" بفتحتين: هو الحبل (فَقَطَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَقُودَهُ بِيَدِهِ) إنما منعه عن ذلك، وأمره أن يقوده باليد؛ لأنه إنما يُفعل بالبهائم، وهو مُثْلة، والترجمة تؤخذ من الأمر؛ لكونه كلامًا. وقال النوويّ: وقطعه ﷺ السير محمول على أنه لم يمكن إزالة هذا المنكر إلا بقطعه، أو أنه دلّ على صاحبه، فتصرّف فيه. وقال غيره: كان أهل الجاهلية يتقرّبون إلى اللَّه تعالى بمثل هذا الفعل. قال الحافظ: وهو بين من سياق حديثي عمرو بن شُعيب، وخليفة بن بِشْرٍ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٣٦ وفي "الأيمان والنذور" ٣٠/ ٣٨١١ و٣٨١٢ - وفي "الكبرى" في "الأيمان والنذور" ٧/ ٤٧٥٢ و٤٧٥٣ (خ) في "الحج" ١٦٢٠و ٢٦٢١ و"الأيمان والنذور" ٦٧٠٢و ٦٧٠٣ (د) في "الأيمان والنذور" ٣٣٠٢ (أحمد) في "مسند بني هاشم"٣٤٣٢. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو إباحة الكلام في الطواف، ووجه الاستدلال بالحديث أن قوله: "ثم أمره إلخ " يدلّ على أنه ﷺ تكلم بذلك؛ لأن حقيقة الأمر إنما يكون بالكلام، فيدل على أنه يباح، للطائف أن يتكلم في الأمور الواجبة، والمستحبّة، والمباحة، قال ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: أولى ما شَغَلَ المرءُ نفسه في الطواف ذكرُ اللَّه تعالى، وقراءة القرآن، ولا يحرم الكلام المباح، إلا أن الذكر أسلم. وحكى ابن التين خلافًا في كراهة الكلام المباح. وعن مالك تقييد الكراهة بالطواف الواجب. قال ابن المنذر: واختلفوا في القراءة، فكان ابن المبارك يقول: ليس شيء أفضل من قراءة القرآن، وفعله مجاهد. واستحبّه الشافعيّ، وأبو ثور، وقيّده الكوفيون بالسرّ. وروي عن عروة، والحسن كراهته. وعن عطاء، ومالك أنه مُحدث. وعن مالك لا بأس به إذا أخفاه، ولم يكثر منه. قال ابن المنذر: من أباح القراءة في البوادي، والطرق، ومنعه في الطواف لا حجة له. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى- هو الحق.

стр. 13089

واللَّه تعالى أعلم. (ومنها): أنه يجوز للطائف فعل ما خفّ من الأفعال، وتغيير ما يراه الطائف من المنكر. (ومنها): أن من نذر ما لا طاعة للَّه تعالى فيه لا يلزمه. قاله الداوديّ. وتعقّبه ابن التين بأنه ليس في الحديث شيء من ذلك، وإنما ظاهر الحديث أنه كان ضرير البصر، ولهذا قال له: قده بيده انتهى. لكن لا يلزم -كما قال الحافظ- من أمره بأن يقوده أنه كان ضريرًا، بل يحتمل أن يكون بمعنى آخر غير ذلك، وأما ما أنكره من النذر، فمتعقّبٌ بالرواية الآتية بعد هذا للمصنّف من طريق خالد بن الحارث، عن ابن جريج أنه قال: إنه نذر. ولهذا أخرجه المصنّف كالبخاريّ في أبواب النذر، وترجم له المصنّف بقوله: "النذر فيما لا يراد به وجه اللَّه". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٩٢٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى,, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ,, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ الأَحْوَلُ, عَنْ طَاوُسٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَجُلٍ, يَقُودُهُ رَجُلٌ بِشَيْءٍ, ذَكَرَهُ فِي نَذْرٍ, فَتَنَاوَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ , فَقَطَعَهُ, قَالَ: إِنَّهُ نَذْرٌ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن عبد الأعلى": هو الصنعانيّ البصريّ. و"خالد": هو ابن الحارث الهجيميّ البصريّ، والباقون سبقوا فيما قبله. وقوله: "ذكره في نذر" أي ذكر ذلك الشيء لأجل نذر نذره. وقوله: "قال: إنه نذر": أي قال ذلك الرجل معتذرًا: إن سبب هذا الفعل هو أنه نذره، يفعله وفاء به. والحديث أخرجه البخاريّ دون قوله: "إنه نذر". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٣٦ - (إِبَاحَةُ الْكَلَام فِي الطَّوَافِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذه الترجمة في المعنى هي الترجمة الماضية، فلا أدري لماذا أعادها؟، ولم يذكر في "الكبرى" الترجمة السابقة، بل اكتفى بهذه، وهو الأولى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٩٢٣ - (أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ ح وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, عَنِ ابْنِ

стр. 13090

وَهْبٍ, أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ, عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ, عَنْ طَاوُسٍ, عَنْ رَجُلٍ أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ, فَأَقِلُّوا مِنَ الْكَلَامِ». اللَّفْظُ لِيُوسُفَ, خَالَفَهُ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (الحارث بن مسكين) القاضي، أبو عمرو المصريّ، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩. [تنبيه]: قوله: "والحارث الخ" بالرفع عطفًا على قوله: "يوسف بن سعيد. واللَّه تعالى أعلم. ٢ - (ابن وهب) هو عبد اللَّه المصريّ الفظ، ثقة فقيه عابد [٩] ٩/ ٩. ٣ - (الحسن بن مسلم) بن يَنّاق المكيّ، ثقة [٥] ٦١/ ٢٥٤، والباقون تقدّموا في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ طَاوُسٍ) بن كيسان -رحمه اللَّه تعالى- (عَنْ رَجُلٍ أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ ) قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في "التلخيص الحبير": ما حاصله: الظاهر أن الرجل هو ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وعلى تقدير أن يكون غيره، فلا يضرّ إبهام الصحابيّ انتهى (١). أنه قال (قَالَ) أي النبيّ ﷺ (الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ) أي مثل الصلاة في الأحكام، أو مثلها في الثواب، أو في التعليق بالبيت (فَأَقِلُّوا مِنَ الْكَلَامِ) أي فلا تكثروا فيه الكلام، وإن كان جائزًا؛ لأن مماثلته بالصلاة يقتضي أن لا يُتَكَلَّم فيه أصلاً، كما لا يُتكلّم فيها، فحيث أباح اللَّه تعالى الكلام فيه رحمة بعباده، فلا أقلّ من أن لا يكثروا فيه ذلك. وقوله (اللَّفْظُ لِيُوسُفَ) يعني أن لفظ هذا الحديث لشيخه يوسف بن سعيد المصّيصيّ، وأما شيخه الحارث بن مسكين، فرواه بالمعنى. وقوله (خَالَفَهُ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) الضمير المنصوب للحسن بن مسلم، وليس ليوسف بن سعيد. والمراد أنه اختلف حنظلة بن أبي سفيان، والحسن بن مسلم في رفع هذا الحديث، ووقفه، فرواه الحسن، عن طاوس، مرفوعًا، ورواه حنظة بن أبي سفيان عنه موقوفًا على ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 13091

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسائل الأولى): في درجته: حديث رجل أدرك النبيّ ﷺ صحيح.، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-١٣٦/ ٢٩٢٣ - وفي "الكبرى" ١٥٨/ ٣٩٤٥. وأخرجه (أحمد) في "مسند المكيين" ١٤٩٩٧ وفي "مسند المدنيين" ١٦١٧٦. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): حديث الباب أخرجه الترمذيّ في "جامعه" من حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - بلفظ: "الطواف حول البيت مثل الصلاة، إلا أنكم تتكلّمون فيه، فمن تكلّم فيه، فلا يتكلّم إلا بخير". قال في "التلخيص الحبير": حديث: "روي عن النبيّ ﷺ قال: "الطواف بالبيت صلاة، إلا أن اللَّه أباح فيه الكلام". رواه الترمذيّ، والحاكم، والدارقطنيّ من حديث ابن عباس، وصححه ابن السكن، وابن خزيمة، وابن حبّان، وقال الترمذيّ: روي مرفوعًا وموقوفًا، ولا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عطاء، ومداره على عطاء بن السائب، عن طاوس، عن ابن عباس. واختُلف في رفعه، ووقفه. ورجّح الموقوف النسائيّ، والبيهقيّ، وابن الصلاح، والمنذريّ، والنوويّ، وزاد: إن رواية الرفع ضعيفة. وفي إطلاق ذلك نظر، فإن عطاء بن السائب صدوق، وإذا رُوي عنه الحديث مرفوعًا تارة، وموقوفًا أخرى، فالحكم عند هؤلاء الجماعة للرفع، والنوويّ ممن يعتمد ذلك، ويكثر منه، ولا يلتفت إلى تعليل الحديث به، إذا كان الرافع ثقة، فيجيء على طريقته أن المرفوع صحيح. فإن اعتُلّ عليه بأن عطاء بن السائب اختلط، ولا تقبل إلا رواية من رواه عنه قبل اختلاطه. أجيب بأن الحاكم أخرجه من رواية سفيان الثوريّ عنه، والثوريّ ممن سمع قبل اختلاطه باتفاق، وإن كان الثوريّ قد اختُلف عليه في وقفه ورفعه، فعلى طريقتهم تُقدّم رواية الرفع أيضًا. والحقّ أنه من رواية سفيان موقوف، ووهم عليه من رفعه. قال البزّار: لا نعلم أحدًا رواه عن النبيّ ﷺ إلا ابن عباس، ولا نعلم أسند عطاء بن السائب، عن طاوس غير هذا، ورواه غير واحد عن عطاء موقوفًا. وأسنده جرير، وفُضيل بن عياض. قال الحافظ: وقد غلط فيه أبو حذيفة، فرواه مرفوعًا عن الثوريّ، عن عطاء، عن طاوس، عن ابن عمر. أخرجه الطبرانيّ في "الأوسط" عن محمد بن أبان، عن أحمد

стр. 13092

ابن ثابت الجحدريّ، عنه. قال: ثم ظهر لي أن الغلط من الجحدريّ، وإلا فقد أخرجه ابن السكن من طريق أبي حذيفة، فقال: عن ابن عباس. وله طريق أخرى، ليس فيها عطاء، وهي عند النسائيّ، من حديث أبي عوانة، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، عن ابن عباس، موقوفًا. ورفعه عن إبراهيم محمدُ بن عبد اللَّه بن عبيد بن عمير، وهو ضحيف، رواه الطبرانيّ، ورواه البيهقيّ، من طريق موسى بن أعين، عن ليث بن أبي سُليم، عن طاوس، عن ابن عباس، مرفوعًا، وليث يُستشهد به. قال الحافظ: لكن اختلف على موسى بن أعين فيه، فروى الدارميّ، عن عليّ بن معبد، عنه، عن عطاء بن السائب، فرجع إلى رواية عطاء. وروه البيهقيّ من طريق الباغنديّ، عن عبد اللَّه بن عمر بن أبان، عن ابن عيينة، عن إبراهيم، مرفوعًا. وأنكره البيهقيّ على الباغنديّ. وله طريق أخرى مرفوعة، أخرجها الحاكم في أوائل تفسير سورة البقرة من "المستدرك" من طريق القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: قال اللَّه لنبيّه ﷺ : ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦]، فالطواف قبل الصلاة، وقد قال رسول اللَّه ﷺ : "الطواف بمنزلة الصلاة، إلا أن اللَّه قد أحلّ فيه النطق، فمن نطق، فلا ينطق إلا بخير". وصحّح إسناده، وهو كما قال، فإنهم ثقات. وأخرج من طريق حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أوّله الموقوف، ومن طريق فضيل بن عياض، عن عطاء، عن طاوس، آخره المرفوع. وروى النسائيّ، وأحمد، من طريق ابن جريج، عن الحسن بن مسلم، عن طاوس، عن رجل أدرك النبيّ ﷺ ، أن النبيّ ﷺ قال: "الطواف صلاة، فإذا طفتم فاقلّوا الكلام". وهذه الرواية صحيحة، وهي تعضد رواية عطاء بن السائب، وترجّح الرواية المرفوعة. والظاهر أن المبهم فيها هو ابن عباس، وعلى تقدير أن يكون غيره، فلا يضرّ إبهام الصحابة. ورواه النسائيّ أيضًا من طريق حنظلة بن أبي سفيان، عن طاوس، عن ابن عمر موقوفًا. وإذا تأمّلت هذه الطرق عرفت أنه اختلف على طاوس على خمسة أوجه، فأوضح الطرق، وأسلمها رواية القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، فإنها سالمة من الاضطراب، إلا أني أظنّ أن فيها إدراجًا. واللَّه أعلم. انتهى عبارة "التلخيص الحبير" (١).

стр. 13093

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تحصّل مما تقدّم أن حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - صحيح مرفوعًا، ويشهد له ما أخرجه المصنّف هنا عن رجل أدرك النبيّ ﷺ ، فإنه شاهد صحيح لا كلام فيه، وأيضًا إن وقفه لا يضرّه؛ لأن الراوي قد يوقف الحديث تارةً، ويرفعه أخرى حسب المناسبات، كما هو معروف، فالحديث صحيح على الوجهين مرفوعًا وموقوفًا (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان إباحة الكلام. (ومنها): بيان فضل الطواف، حيث إنه مثل الصلاة (ومنها): أنه يستحب فيه ذكر اللَّه تعالى، فإن الصلاة كلها ذكر، ودعاء، وتضرّع، فينبغي أن يكون الطواف في ذلك مثلها. (ومنها): أنه وإن كان الكلام مباحًا في الطواف غير أنه ينبغي تقليله مهما أمكن. (ومنها): أن الشيخ ابن عبد السلام -رحمه اللَّه تعالى- استنبط من هذا الحديث أن الطواف أفضل أعمال الحجّ؛ لأن الصلاة أفضل من الحجّ، فيكون ما اشتملت عليه أفضل. قال: وأما حديث: "الحجّ عرفة"، فلا يتعيّن التقدير معظم الحج عرفة، بل يجوز: إدراك الحج بالوقوف بعرفة. انتهى. قال الحافظ: وفيه نظر، ولو سُلم فما لا يقوم الحج إلا به أفضل مما ينجبر، والوقوف، والطواف سواء في ذلك، فلا تفضيل انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): استَدَلّ بحديث الباب من قال بوجوب الطَّهارة للطواف، وهو مذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، وأكثر العلماء من السلف والخلف، وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر، والحسن بن عليّ، وأبي العالية، والثوريّ، وإسحاق، وأبي ثور. وحكاه الخطابيّ عن عامة أهل العلم. وذهبت الحنفية إلى أن الطهارة ليست بشرط للطواف، فلو طاف، وعليه نجاسة، أو محدثًا، أو جنبًا صحّ طوافه. واختلفوا في كون الطهارة واجبة، مع اتفاقهم على أنها ليست شرطًا، فمن أوجبها منهم قال: إن طاف محدثًا لزمه شاة، وإن طاف جنبًا لزمه بدنة، قالوا: ويعيده ما دام بمكة. وروى ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن غندر، عن شعبة، قال: سألت الحكم، وحمادًا، ومنصورًا، وسليمان عن الرجل يطوف بالبيت على غير طهارة؟، فلم يروا به

стр. 13094

بأسًا. وروى ابن أبي شيبة أيضًا عن عطاء، قال: إذا طافت المرأة ثلاثة أطواف، فصاعدًا، ثم حاضت أجزأ عنها. وقال داود: الطهارة للطواف واجبة، فإن طاف محدثًا أجزأه إلا الحائض. وقال ابن حزم: الطواف بالبيت على غير طهارة جائز، وللنفساء، ولا يحرم إلا على الحائض فقط؟ للنهي فيه. انتهى مختصرًا من "شرح التقريب" لوليّ الدين العراقيّ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأرجح عندي ما قاله الأولون من اشتراط الطهارة للطواف؛ لظاهر حديث الباب، حيث إنه ﷺ استثى من أحكام الصلاة تحريم الكلام فقط، فدلّ على أن ما عداه من شروط الصلاة، كالطهارة شرط في الطواف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ثم ذكر المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- خلاف حنظلة بن أبي سفيان للحسن بن مسلم بقوله: ٢٩٢٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا السِّينَانِيُّ, عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ, عَنْ طَاوُسٍ, قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: "أَقِلُّوا الْكَلَامَ فِي الطَّوَافِ, فَإِنَّمَا أَنْتُمْ فِي الصَّلَاةِ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن سليمان " (١): هو أبو جعفر العلّاف الكوفيّ، ثم المصّيصيّ، لقبه لُوَين، ثقة [١٠] ١٧١/ ١١٤٠. و"الشيبانيّ": هو أبو إسحاق، سليمان بن أبي سليمان فَيْروز الكوفيّ، ثقة [٥] ١٧٢/ ٢٦٧. [تنبيه]: أشار في هامش الهندية إلى أنه وقع في بعض النسخ: "أخبرنا السينانيّ" بالسين المهملة بدل الشين المعجمة، وبالنون بدل الباء الموحّدة، وهو تصحيف، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. و"حنظلة بن أبي سفيان": هو الأسود بن عبد الرحمن الجمحيّ المكيّ، ثقة حجة [٦] ١٢/ ١٢. والحديث صحيح موقوف، انفرد به المصنّف، أخرجه هنا ١٣٦/ ٢٩٢٤ - فقط، وقد سبق أنه لا يعارض المرفوع، فما سبق حديثُ النبيّ ﷺ ، وهذا فتوى ابن عمر

стр. 13095

- رضي اللَّه تعالى عنهما -، على أنه قد يقال: إنه مرفوع حكمًا، وإن لم يكن مرفوعًا لفظًا؛ لأن مثله لا يقال بالرأي، كما قاله الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى- (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٣٧ - (إِبَاحَةُ الْطَّوَافِ فِي كُلِّ الأَوْقَاتِ) ٢٩٢٥ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَاهْ, عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ, لَا تَمْنَعُنَّ أَحَدًا, طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ, وَصَلَّى أَىَّ سَاعَةٍ شَاءَ, مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن": هو الزهريّ الْمَخْرَميّ (٢) البصريّ. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"أبو الزبير": هو محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ. و"عبد اللَّه بن باباه" -بموحدتين، بينهما ألف ساكنة، ويقال: بتحتانيّة بدل الألف، ويقال: بحذف الهاء- المكيّ الثقة. والحديث صحيح، وتقدّم في كتاب الصلاة برقم ٤١/ ٥٨٥ - باب "إباحة الصلاة في الساعات كلها"، وقد استوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، ودلالته على الترجمة هنا واضحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …
следующие страницы →