مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسائل الأولى): في درجته:
حديث رجل أدرك النبيّ ﷺ صحيح.، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-١٣٦/ ٢٩٢٣ - وفي "الكبرى" ١٥٨/ ٣٩٤٥. وأخرجه (أحمد) في "مسند المكيين" ١٤٩٩٧ وفي "مسند المدنيين" ١٦١٧٦. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): حديث الباب أخرجه الترمذيّ في "جامعه" من حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - بلفظ: "الطواف حول البيت مثل الصلاة، إلا أنكم تتكلّمون فيه، فمن تكلّم فيه، فلا يتكلّم إلا بخير".
قال في "التلخيص الحبير": حديث: "روي عن النبيّ ﷺ قال: "الطواف بالبيت صلاة، إلا أن اللَّه أباح فيه الكلام". رواه الترمذيّ، والحاكم، والدارقطنيّ من حديث ابن عباس، وصححه ابن السكن، وابن خزيمة، وابن حبّان، وقال الترمذيّ: روي مرفوعًا وموقوفًا، ولا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عطاء، ومداره على عطاء بن السائب، عن طاوس، عن ابن عباس. واختُلف في رفعه، ووقفه. ورجّح الموقوف النسائيّ، والبيهقيّ، وابن الصلاح، والمنذريّ، والنوويّ، وزاد: إن رواية الرفع ضعيفة.
وفي إطلاق ذلك نظر، فإن عطاء بن السائب صدوق، وإذا رُوي عنه الحديث مرفوعًا تارة، وموقوفًا أخرى، فالحكم عند هؤلاء الجماعة للرفع، والنوويّ ممن يعتمد ذلك، ويكثر منه، ولا يلتفت إلى تعليل الحديث به، إذا كان الرافع ثقة، فيجيء على طريقته أن المرفوع صحيح.
فإن اعتُلّ عليه بأن عطاء بن السائب اختلط، ولا تقبل إلا رواية من رواه عنه قبل اختلاطه.
أجيب بأن الحاكم أخرجه من رواية سفيان الثوريّ عنه، والثوريّ ممن سمع قبل اختلاطه باتفاق، وإن كان الثوريّ قد اختُلف عليه في وقفه ورفعه، فعلى طريقتهم تُقدّم رواية الرفع أيضًا. والحقّ أنه من رواية سفيان موقوف، ووهم عليه من رفعه. قال البزّار: لا نعلم أحدًا رواه عن النبيّ ﷺ إلا ابن عباس، ولا نعلم أسند عطاء بن السائب، عن طاوس غير هذا، ورواه غير واحد عن عطاء موقوفًا. وأسنده جرير، وفُضيل بن عياض.
قال الحافظ: وقد غلط فيه أبو حذيفة، فرواه مرفوعًا عن الثوريّ، عن عطاء، عن طاوس، عن ابن عمر. أخرجه الطبرانيّ في "الأوسط" عن محمد بن أبان، عن أحمد
стр. 13092
ابن ثابت الجحدريّ، عنه.
قال: ثم ظهر لي أن الغلط من الجحدريّ، وإلا فقد أخرجه ابن السكن من طريق أبي حذيفة، فقال: عن ابن عباس. وله طريق أخرى، ليس فيها عطاء، وهي عند النسائيّ، من حديث أبي عوانة، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، عن ابن عباس، موقوفًا.
ورفعه عن إبراهيم محمدُ بن عبد اللَّه بن عبيد بن عمير، وهو ضحيف، رواه الطبرانيّ، ورواه البيهقيّ، من طريق موسى بن أعين، عن ليث بن أبي سُليم، عن طاوس، عن ابن عباس، مرفوعًا، وليث يُستشهد به.
قال الحافظ: لكن اختلف على موسى بن أعين فيه، فروى الدارميّ، عن عليّ بن معبد، عنه، عن عطاء بن السائب، فرجع إلى رواية عطاء. وروه البيهقيّ من طريق الباغنديّ، عن عبد اللَّه بن عمر بن أبان، عن ابن عيينة، عن إبراهيم، مرفوعًا. وأنكره البيهقيّ على الباغنديّ. وله طريق أخرى مرفوعة، أخرجها الحاكم في أوائل تفسير سورة البقرة من "المستدرك" من طريق القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: قال اللَّه لنبيّه ﷺ : ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦]، فالطواف قبل الصلاة، وقد قال رسول اللَّه ﷺ : "الطواف بمنزلة الصلاة، إلا أن اللَّه قد أحلّ فيه النطق، فمن نطق، فلا ينطق إلا بخير". وصحّح إسناده، وهو كما قال، فإنهم ثقات. وأخرج من طريق حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أوّله الموقوف، ومن طريق فضيل بن عياض، عن عطاء، عن طاوس، آخره المرفوع.
وروى النسائيّ، وأحمد، من طريق ابن جريج، عن الحسن بن مسلم، عن طاوس، عن رجل أدرك النبيّ ﷺ ، أن النبيّ ﷺ قال: "الطواف صلاة، فإذا طفتم فاقلّوا الكلام". وهذه الرواية صحيحة، وهي تعضد رواية عطاء بن السائب، وترجّح الرواية المرفوعة. والظاهر أن المبهم فيها هو ابن عباس، وعلى تقدير أن يكون غيره، فلا يضرّ إبهام الصحابة. ورواه النسائيّ أيضًا من طريق حنظلة بن أبي سفيان، عن طاوس، عن ابن عمر موقوفًا.
وإذا تأمّلت هذه الطرق عرفت أنه اختلف على طاوس على خمسة أوجه، فأوضح الطرق، وأسلمها رواية القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، فإنها سالمة من الاضطراب، إلا أني أظنّ أن فيها إدراجًا. واللَّه أعلم. انتهى عبارة "التلخيص الحبير" (١).
стр. 13093
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تحصّل مما تقدّم أن حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - صحيح مرفوعًا، ويشهد له ما أخرجه المصنّف هنا عن رجل أدرك النبيّ ﷺ ، فإنه شاهد صحيح لا كلام فيه، وأيضًا إن وقفه لا يضرّه؛ لأن الراوي قد يوقف الحديث تارةً، ويرفعه أخرى حسب المناسبات، كما هو معروف، فالحديث صحيح على الوجهين مرفوعًا وموقوفًا (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان إباحة الكلام. (ومنها): بيان فضل الطواف، حيث إنه مثل الصلاة (ومنها): أنه يستحب فيه ذكر اللَّه تعالى، فإن الصلاة كلها ذكر، ودعاء، وتضرّع، فينبغي أن يكون الطواف في ذلك مثلها. (ومنها): أنه وإن كان الكلام مباحًا في الطواف غير أنه ينبغي تقليله مهما أمكن. (ومنها): أن الشيخ ابن عبد السلام -رحمه اللَّه تعالى- استنبط من هذا الحديث أن الطواف أفضل أعمال الحجّ؛ لأن الصلاة أفضل من الحجّ، فيكون ما اشتملت عليه أفضل. قال: وأما حديث: "الحجّ عرفة"، فلا يتعيّن التقدير معظم الحج عرفة، بل يجوز: إدراك الحج بالوقوف بعرفة. انتهى.
قال الحافظ: وفيه نظر، ولو سُلم فما لا يقوم الحج إلا به أفضل مما ينجبر، والوقوف، والطواف سواء في ذلك، فلا تفضيل انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): استَدَلّ بحديث الباب من قال بوجوب الطَّهارة للطواف، وهو مذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، وأكثر العلماء من السلف والخلف، وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر، والحسن بن عليّ، وأبي العالية، والثوريّ، وإسحاق، وأبي ثور. وحكاه الخطابيّ عن عامة أهل العلم.
وذهبت الحنفية إلى أن الطهارة ليست بشرط للطواف، فلو طاف، وعليه نجاسة، أو محدثًا، أو جنبًا صحّ طوافه. واختلفوا في كون الطهارة واجبة، مع اتفاقهم على أنها ليست شرطًا، فمن أوجبها منهم قال: إن طاف محدثًا لزمه شاة، وإن طاف جنبًا لزمه بدنة، قالوا: ويعيده ما دام بمكة.
وروى ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن غندر، عن شعبة، قال: سألت الحكم، وحمادًا، ومنصورًا، وسليمان عن الرجل يطوف بالبيت على غير طهارة؟، فلم يروا به
стр. 13094
بأسًا. وروى ابن أبي شيبة أيضًا عن عطاء، قال: إذا طافت المرأة ثلاثة أطواف، فصاعدًا، ثم حاضت أجزأ عنها.
وقال داود: الطهارة للطواف واجبة، فإن طاف محدثًا أجزأه إلا الحائض. وقال ابن حزم: الطواف بالبيت على غير طهارة جائز، وللنفساء، ولا يحرم إلا على الحائض فقط؟ للنهي فيه. انتهى مختصرًا من "شرح التقريب" لوليّ الدين العراقيّ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأرجح عندي ما قاله الأولون من اشتراط الطهارة للطواف؛ لظاهر حديث الباب، حيث إنه ﷺ استثى من أحكام الصلاة تحريم الكلام فقط، فدلّ على أن ما عداه من شروط الصلاة، كالطهارة شرط في الطواف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
ثم ذكر المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- خلاف حنظلة بن أبي سفيان للحسن بن مسلم بقوله:
٢٩٢٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا السِّينَانِيُّ, عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ, عَنْ طَاوُسٍ, قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: "أَقِلُّوا الْكَلَامَ فِي الطَّوَافِ, فَإِنَّمَا أَنْتُمْ فِي الصَّلَاةِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن سليمان " (١): هو أبو جعفر العلّاف الكوفيّ، ثم المصّيصيّ، لقبه لُوَين، ثقة [١٠] ١٧١/ ١١٤٠.
و"الشيبانيّ": هو أبو إسحاق، سليمان بن أبي سليمان فَيْروز الكوفيّ، ثقة [٥] ١٧٢/ ٢٦٧.
[تنبيه]: أشار في هامش الهندية إلى أنه وقع في بعض النسخ: "أخبرنا السينانيّ" بالسين المهملة بدل الشين المعجمة، وبالنون بدل الباء الموحّدة، وهو تصحيف، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
و"حنظلة بن أبي سفيان": هو الأسود بن عبد الرحمن الجمحيّ المكيّ، ثقة حجة [٦] ١٢/ ١٢.
والحديث صحيح موقوف، انفرد به المصنّف، أخرجه هنا ١٣٦/ ٢٩٢٤ - فقط، وقد سبق أنه لا يعارض المرفوع، فما سبق حديثُ النبيّ ﷺ ، وهذا فتوى ابن عمر
стр. 13095
- رضي اللَّه تعالى عنهما -، على أنه قد يقال: إنه مرفوع حكمًا، وإن لم يكن مرفوعًا لفظًا؛ لأن مثله لا يقال بالرأي، كما قاله الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى- (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٣٧ - (إِبَاحَةُ الْطَّوَافِ فِي كُلِّ الأَوْقَاتِ)
٢٩٢٥ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَاهْ, عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ, لَا تَمْنَعُنَّ أَحَدًا, طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ, وَصَلَّى أَىَّ سَاعَةٍ شَاءَ, مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن": هو الزهريّ الْمَخْرَميّ (٢) البصريّ. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"أبو الزبير": هو محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ. و"عبد اللَّه بن باباه" -بموحدتين، بينهما ألف ساكنة، ويقال: بتحتانيّة بدل الألف، ويقال: بحذف الهاء- المكيّ الثقة.
والحديث صحيح، وتقدّم في كتاب الصلاة برقم ٤١/ ٥٨٥ - باب "إباحة الصلاة في الساعات كلها"، وقد استوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، ودلالته على الترجمة هنا واضحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 13096
١٣٨ - (كَيْفَ طَوَافُ الْمَرِيضِ)
٢٩٢٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ, قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ, قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنِّي أَشْتَكِي, فَقَالَ: «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ, وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ» , فَطُفْتُ, وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي, إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ, يَقْرَأُ بِـ ﴿الطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ١ - ٢]).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (محمد بن سلمة) المراديّ الْجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت [١١] ١٩/ ٢٠.
٢ - (الحارث بن مسكين) المذكور قبل باب.
٣ - (ابن القاسم) هو عبد الرحمن الْعُتَقيّ، أبو عبد اللَّه المصريّ، ثقة فقيه، من كبار [١٠] ١٩/ ٢٠.
٤ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الحجة الفقيه [٧] ٧/ ٧.
٥ - (محمد بن عبد الرحمن بن نوفل) الأسديّ، أبو الأسود المدنيّ، يتيم عروة، ثقة [٦] ١٧١/ ٢٧٦.
٦ - (عروة) بن الزبير بن العوّام الأسديّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٤٠/ ٤٤.
٧ - (زينب بنت أبي سلمة) عبد اللَّه بن عبد الأسد المخزومية، ربيبة النبيّ ﷺ ، ماتت سنة (٧٣هـ)، وحضر ابن عمر جنازتها، قبل أن يحجّ، ويموت بمكة، تقدّمت في - ١٢٣/ ١٨٢.
٨ - (أم سلمة) هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عُمر بن مخزوم المخزومية، أم المؤمنين، تزوجها النبيّ ﷺ بعد أبى سلمة، سنة أربع، وقيل: ثلاث، وعاشت بعد ذلك ستين سنة، وماتت - رضي اللَّه تعالى عنها - سنة اثنتين وستين، وقيل: سنة إحدى وستين، وقيل: قبل ذلك، والأول أصح، تقدمت في -١٢٣/ ١٨٢ - . واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيّات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث بن مسكين، فقد انفرد به هو، وأبو داود. (ومنها): أنه
стр. 13097
مسلسل بالمدنيين من مالك، والباقون مصريّون. (ومنها): أن فيه عروة من الفقهاء السبعة. (ومنها): أن فيه رواية صحابيّة عن صحابيّة، والبنت عن أمها. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال في "الفتح": في الإسناد تابعيّان: محمد، وعروة، وصحابيتان: زينب، وأمها، أم سلمة انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في جعله محمد بن عبد الرحمن تابعيًّا نظر، إلا عند من يكتفي في كون الشخص تابعيًّا بمجرد المعاصرة فقط، فإنه لم يثبت له رواية عن صحابيّ، كما بينه في ترجمته من "تهذيب التهذيب" (٢)، وجعله في "التقريب" من الطبقة السادسة، وهي التي عاصرت الصحابة، ولم تَلْقَ منهم أحدًا. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أُمً سَلَمَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي) بفتح همزة "أني" لأنه في تأويل المصدر مفعول "شكوت"، يقال: اشتكى عضوًا من أعضائه: إذا توجّع منه، وشكوت فلانًا: إذا أخبرت عنه بسوء فعله بك. وفي الرواية الآتية في الباب التالي: "قالت: يا رسول اللَّه، واللَّه ما طفت طواف الخروج … " تعني الوداع (فَقَالَ) ﷺ (طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ) أي الرجال (وَأَنْتِ رَاكبَةٌ) زاد في الروية التالية: "على بعيرك"، والجملة الاسميّة في محلّ نصب على الحال من الفاعل. قالت أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها - (فَطُفْتُ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي) أي صلاة الصبح، ففي رواية البخاريّ من طريق هشام بن عروة، عن أبيه: "إذا أقيمت صلاة الصبح، فطوفي على بعيرك، والناس يصلون".
وجملة "ورسول اللَّه ﷺ الخ" في محلّ نصب على الحال من الفاعل أيضًا، والرابط الواو (إِلَى جَنْب الْبَيْتِ) أي الكعبة؛ لأن البيت علم لها بالغلبة. قال الكرمانيّ: فإن قلت: الصلاة إلَى البيت، فما فائدة ذكر الجنب؟. قلت: معناه أنه كان يصلي منها إلى الجنب، يعني قريبًا من البيت، لا بعيدًا منه انتهى. وقال أبو عمرو: صلاته إلى جنب البيت من أجل أن المقام كان حينئذ ملصقا بالبيت قبل أن ينقله عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - من ذلك المكان إلى صحن المسجد انتهى (٣) (يَقْرَأُ بِـ ﴿وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ١ - ٢]) أي بسورة الطور، ولعلها لم تذكر واو القسم؛ لأن لفظ "الطور" كأنه
стр. 13098
صار علمًا للسورة. قاله العينيّ (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٣٨/ ٢٩٢٦ و ١٣٩/ ٢٩٢٧و ٢٩٢٨ - و"الكبرى" ١٣٥/ ٣٩٠٣ و ٣٩٠٤ و ١٥٧/ ٣٩٤٣. وأخرجه (خ) في "الصلاة"٤٦٤ و"الحجّ" ١٦١٩ و ١٦٢٦ و١٦٣٣ و"التفسير" ٤٨٥٣ (م) في "الحج" ١٢٧٦ (د) في "المناسك" ١٨٨٢ (ق) في "المناسك" ٢٩٦١ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٥٩٤٦ و ٢٦١٧ (الموطأ) في "الحج" ٨٣٢. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان كيفية طواف المريض، وهو أن يطوف راكبًا. (ومنها): جواز الطواف للراكب، إذا كان لعذر، وأما لغير عذر، ففيه خلاف، سيأتي بعد باب، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): أن النساء يطفن وراء الرجال، ولا يختلطن بهم؛ لأن ذلك أستر لهنّ، ولأن الطواف كالصلاة، ومن سنة الصلاة أن يتأخرن عن صفوف الرجال، فكذا في الطواف. قال في "الفتح": وإنما أمرها أن تطوف من وراء الناس: ليكون أستر لها، ولا تقطع صفوفهم أيضًا، ولا يتأذّون بدابتها انتهى (٢).
(ومنها): أن من يطوف وقت صلاة الجماعة لعذر لا يطوف إلا من وراء الناس، فلا يطوف بين المصلين وبين البيت؛ لئلا يَشْغَل الإمام والناس، فيؤذيهم.
(ومنها): أن الراكب عليه أن يجتنب ممر الناس ما استطاع، ولا يخالط الرجالة؛ لئلا يؤذيهم.
(ومنها): جواز إدخال الدوابّ المسجد. قال ابن بطال -رحمه اللَّه تعالى-: في هذا الحديث جواز دخول الدواب التي يؤكل لحمها المسجد إذا احتيج إلى ذلك؛ لأن بولها لا ينجسه، بخلاف غيرها من الدوابّ. وتُعقب بانه ليس في الحديث دلالة على عدم الجواز مع عدم الحاجة، بل ذلك دائر على التلويث وعدمه، فحيث يُخشى التلويث يمتنع الدخول. وقد قيل: إن ناقته ﷺ كانت منوّقة، أي مُدرّبة معلّمة، فيؤمن منها ما يُحذر من
стр. 13099
التلويث، وهي سائرة، فيحتمل أن يكون بعير أم سلمة كان كذلك. قاله في "الفتح" (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تقدّم في "أبواب الطهارة" من هذا الشرح تفصيل مسألة طهارة أبوال الإبل، ونحوها، ونجاستها، وأن الراجح طهارتها، فراجعه تستفد. وباللَّه تعالى التوفيق.
(ومنها): استحباب قرب الإمام من البيت في الصلاة. (ومنها): مشروعيّة الجهر بالقراءة في صلاة الصبح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٣٩ - (طَوَافُ الرِّجَالِ مَعَ النِّسَاءِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا نسخ "المجتبى"، وعبارة "الكبرى": "طواف النساء مع الرجال"، وفي نسخة: "كيف طواف النساء مع الرجال؟ "، والظاهر أن عبارة "الكبرى" أظهر، وغرضه بهذا بيان كيفية طواف النساء مع الرجال، وذلك أن يطفن من وراء الرجال، ولا يختلطن بهم، كما دلّ عليه حديث أم سلمة ﵂ المذكور في الباب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٩٢٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ, عَنْ عَبْدَةَ, عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ, قَالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ, وَاللَّهِ مَا طُفْتُ طَوَافَ الْخُرُوجِ, فَقَالَ: النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ, فَطُوفِي عَلَى بَعِيرِكِ, مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ». عُرْوَةُ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أُمِّ سَلَمَةَ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه "محمد بن آدم" بن سليمان الجهنيّ المصّيصيّ، فقد انفرد به هو، وأبو داود، وهو ثقة. و"عبدة": هو ابن سليمان الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ الثقة الثبت.
وقولها: "طواف الخروج" تعني طواف الوداع. وقوله: "إذا أقيمت الصلاة" أي صلاة الصبح.
وقوله: "عروة لم يسمعه الخ" أشار به إلى أن في هذا الإسناد انقطاعًا، وهذا الذي قاله المصنّف قاله الدارقطنيّ أيضًا في "كتاب التتبع". لكن قال الحافظ في "الفتح": وقد أخرج الإسماعيليّ حديث الباب من طريق حسّان بن إبراهيم، وعليّ بن هاشم، ومحاضر بن المورّع، وعبدة بن سليمان، كلهم عن هشام، عن أبيه، عن أم سلمة،
стр. 13100
وهذا هو المحفوظ، وسماع عروة من أم سلمة ممكن، فإنه أدرك من حياتها نيّفًا وثلاثين سنة، وهو معها في بلد واحد. انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: محل استدلال المصنف -رحمه اللَّه تعالى- على ما ترجم له قوله: "إذا أُقيمت الصلاة، فطوفي على بعيرك من وراء الناس"، فإنه يدلّ على أن النساء يطفن وراء الرجال، ولا يختلطن بهم، وفيه أن الاحتراز عن طواف النساء مع الرجال مهما أمكن أحسن، حيث أجاز لها في حال إقامة الصلاة التي هي حالة اشتغال الرجال بالصلاة، لا في حال طواف الرجال. واللَّه تعالى أعلم.
وقد أورد البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- على قوله: "باب طواف النساء مع الرجال" قصة إنكار عطاء على ابن هشام في منعه طواف النساء مع الرجال، ونصّه:
١٦١٨ - وقال لي عمرو بن علي: حدثنا أبو عاصم، قال: ابن جريج أخبرنا، قال: أخبرني عطاء، إذ منع ابن هشام النساء الطواف مع الرجال، قال: كيف يمنعهن، وقد طاف نساء النبيّ ﷺ مع الرجال، قلت: أبعد الحجاب، أو قبلُ؟، قال: إي لعمري، لقد أدركته بعد الحجاب، قلت: كيف يخالطن الرجال؟، قال: لم يكن يخالطن، كانت عائشة ﵂، تطوف حَجْرة (٢) من الرجال، لا تخالطهم، فقالت امرأة: انطلقي نستلم يا أم المؤمنين، قالت: انطلقي عنك، وأبت، فكُنَّ يخرجن متنكرات بالليل، فيطفن مع الرجال، ولكنهن كن إذا دخلن البيت، قمن حتى يدخلن، وأخرج الرجال، وكنت آتي عائشة أنا، وعبيد بن عمير، وهي مجاورة في جوف ثَبِير، قلت: وما حجابها؟، قال: هي في قبة تركية، لها غشاء، وما بيننا وبينها غير ذلك، ورأيت عليها دِرْعًا مُوَرَّدًا (٣).
وقوله: "إذ منع ابن هشام" قال الحافظ: هو إبراهيم، أو أخوه محمد بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم المخزوميّ، وكانا خالي هشام ابن عبد الملك، فولَّى محمدًا إمرة مكة، وولى أخاه إبراهيم إمرة المدينة، وفوّض هشام لإبراهيم إمرة الحجّ بالناس في خلافته، قال الحافظ: فلهذا قلت: يحتمل أن يكون المرادَ، ثم عذبهما يوسف بن عمر الثقفيّ حتى ماتا في محنته في أول ولاية الوليد بن يزيد بن عبد الملك بأمره سنة خمس وعشرين ومائة. قاله خليفة بن خياط في "تاريخه".
وظاهر هذا أن ابن هشام أول من منع ذلك، لكن روى الفاكهيّ من طريق زائدة، عن إبراهيم النخعيّ، قال: نهى عمر أن يطوف الرجال مع النساء، قال: فرأى رجلاً معهنّ، فضربه بالدِّرَة. وهذا إن صحّ لم يعارض الأول؛ لأن ابن هشام منعهنّ أن يطفن حين
стр. 13101
يطوف الرجال مطلقًا، فلهذا أنكر عليه عطاء.
واحتجّ بعضهم بصنيع عائشة، وصنيعها شبيه بهذا المنقول عن عمر، قال الفاكهيّ: ويُذكر عن ابن عيينة أن أول من فرق بين الرجال والنساء في الطواف خالد بن عبد اللَّه القسريّ انتهى. وهذا إن ثبت فلعله منع ذلك وقتًا، ثم تركه، فإنه كان أمير مكة في زمن عبد الملك بن مروان، وذلك قبل ابن هشام بمدة طويلة. انتهى كلام الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (١).
والحديث صحيح، وقد سبق تمام البحث فيه في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٩٢٨ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ, عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ, أَنَّهَا قَدِمَتْ مَكَّةَ, وَهِيَ مَرِيضَةٌ, فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَ: «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ الْمُصَلِّينَ, وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ» , قَالَتْ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , وَهُوَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ, يَقْرَأُ وَالطُّورِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"عبيد اللَّه ابن سعيد": هو أبو قدامة السرخسيّ. و"عبد الرحمن": هو ابن مهديّ. و"مالك": هو ابن أنس، إمام دار الهجرة. و"أبو الأسود": هو محمد بن عبد الرحمن، يتيم عروة المذكور في الباب الماضي.
وغرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذه الرواية بيان ما أشار إليه في الرواية السابقة من عدم سماع عروة هذا الحديث عن أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها -، حيث أدخل في هذا الإسناد بينه وبينها "زينب بنت أم سلمة". لكن تقدّم أنه لا مانع من أن يسمعه عن أم سلمة بواسطة زينب، ثم يسمعه بعدُ عنها مباشرة، ولذلك أخرجه الإمام البخاريّ - رحمه اللَّه تعالى - في "صحيحه" في "باب من صدى ركعتي الطواف خارجا من المسجد" رقم ١٦٢٦ - بالطريقين؛ إشارة إلى صحتهما، وعدم إعلال إحداهما بالأخرى.
والحاصل أن الحديث صحيح بالطريقين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 13102
١٤٠ - (الطوَفُ بِالْبَيْتِ عَلَى الرَّاحِلَةِ)
٢٩٢٩ - (أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ -وَهُوَ ابْنُ إِسْحَاقَ- عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: "طَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ, حَوْلَ الْكَعْبَةِ, عَلَى بَعِيرٍ, يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنِهِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عمرو بن عثمان) بن سعيد القرشيّ مولاهم، أبو حفص الحمصيّ، صدوق [١٠] ٢١/ ٥٣٥.
٢ - (شعيب بن إسحاق) بن عبد الرحمن الأمويّ مولاهم البصريّ، ثم الدمشقيّ، ثقة رُمي بالإرجاء، من كبار [٩] ٦٠/ ١٧٦٦.
٣ - (هشام بن عروة) بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقة فقيه، ربما دلّس [٥] ٤٩/ ٦١.
٤ - (أبوه) عروة بن الزبير المذكور قريبًا.
٥ - (عائشة) - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو وأبو داود، وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، من هشام. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن خالته، وتابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: طَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فِي حَجَّةِ الوَدَاع) بفتح الواو (حَوْلَ الْكَعْبَةِ) منصوب على الظرفية متعلّق بـ"طاف"، وكذا قوله (عَلَى بَعِير) بفتح الباء الموحّدة، وقد تُكسر: الجمل البازل، أو الجذَع، وقد يكورْ للأنثى. قاله في "القاموس".
وفي "المصباح": البعير مثل الإنسان يقع على الذكر والأنثى، يقال: حلبت بعيري، والجمل بمنزلة الرجل يختصّ بالذكر، والناقة بمنزلة المرأة تختصّ بالأنثى، والبَكْرَ،
стр. 13103
والبَكْرةُ، مثلُ الفتى والفتاة، والْقَلُوص كالجارية، هكذا حكاه جماعة منهم ابن السكيت، والأزهريّ، وابن جني، ثم قال الأزهريّ. هذا كلام العرب، ولكن لا يعرفه إلا خواصّ أهل العلم باللغة، ووقع في كلام الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى- في الوصية: لو قال: أعطوه بعيرًا لم يكن لهم أن يعطوه ناقة، فحمل البعير على الجمل، ووجهه أن الوصيّة مبنيّة على عرف الناس، لا على محتملات اللغة التي لا يعرفها إلا الخواصّ. وحكى في "كفاية المتحفّظ" معنى ما تقدّم، ثم قال: وإنما يقال: جمل، أو ناقة إذا أربعا، فأما قبل ذلك، فيقال: قَعُود، وبَكْرٌ، وبكرةٌ، وَقَلُوصٌ، وجمع البعير أبعرةٌ، وأباعرٌ، وبُعْرانٌ بالضمّ انتهى.
(يَسْتَلِمُ) أي يلمسه، يقال: استلم الحجر: إذا لمسه، إما بالقبلة، أو باليد، كاستلأمه. قاله في "القاموس". وقال الفيّوميّ: واستلأمت الحجر، قال ابن السّكِّيت: هَمَزَته العرب على غير قياس، والأصل استلمت؛ لأنه من السِّلَام، وهي الحجارة.
وقال ابن الأعرابيّ: الاستلام أصله مهموز، من المُلاءَمَة، وهي الاجتماع، وحكى الجوهريّ القولين انتهى (الرُّكْنَ) أي الحجر الأسود (بِمِحْجَنِهِ) زاد في "الكبرى" بهذا السند: "كراهية أن يصرف عنه الناس"، ولعل هذه الزيادة سقطت من نسخ "المجتبى"؛ لأن سند الكتابين واحد، ويقوّي ذلك كونها ثابتة في "صحيح مسلم" من رواية الحكم ابن موسى القنطريّ، عن شعيب بن إسحاق، بسند المصنّف.
و"المحجن" -بكسر الميم، وسكون الحاء المهملة، وفتح الجيم، وزان مِقْوَد-: خشبة في طرفها اعوجاج، مثلُ الصَّوْلَجان. قال ابن دريد: كلّ عُود معطوف الرأس، فهو مِحْجَنٌ، والجمع المحاجن. قاله الفيّوميّ.
وفي حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - الآتي في -١٦٠/ ٢٩٥٦ - : "كان يطوف على راحلته، فإذا انتهى إلى الركن أشار إليه". فيحمل ما دلّ عليه حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - المذكور في الباب، من استلامه بالمحجن على أنه كان قريبًا، وذلك لكونه آمنًا من إيذاء الناس، وأن ما دلّ عليه حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من الإشارة إليه على أنه كان بعيدًا عنه؛ خشية إيذائهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
стр. 13104
أخرجه هنا-١٤٠/ ٢٩٢٩ - وفي "الكبرى" ١٤٤/ ٣٩٢٣. وأخرجه (م) في "الحج" ١٢٧٤. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو جواز الطواف بالبيت على الراحلة. (ومنها): استحباب استلام الحجر الأسود بيده، أو بعصاه، إذا عجز عن تقبيله، ثم يقبّل ما استلم به، لما في "صحيح مسلم" من حديث أبي الطُّفيل ﵁، قال: "رأيت رسول اللَّه ﷺ يطوف بالبيت، ويستلم الركن بمحجن معه، ويقبّل المحجن". وبهذا يقول الجمهور، وخالف مالك -كما قال القاضي عياض-، فقال: لا يقبل يده. وإذا عجز عن الاستلام أشار بيده، أوبما في يده، لما تقدم في حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -. ولا يشير إلى القبلة بالفم؛ لأنه لم ينقل.
(ومنها): أن في قوله: "حجة الوداع" ردًّا على من كره تسمية حجة رسول اللَّه ﷺ بذلك، وهو غلط، والصواب جوازه.
(ومنها): أنه استدلّ به أصحاب مالك، وأحمد على طهارة بول ما يؤكل لحمه، وروثه؛ لأنه لا يؤمن ذلك من البعير، فلو كان نجسًا لما عرض المسجد له، وخالفهم الشافعيّة، والحنفية، والأول هو الحقّ، كما سبق قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الطواف راكبًا على الراحلة، أو نحوها:
قال العلامة القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: لا خلاف في جواز طواف المريض راكبًا للعذر، واختُلف في طواف من لا عذر له راكبا، فأجازه قوم، منهم: ابن المنذر؛ أخذًا بطوافه ﷺ راكبا، والجمهور على كراهة ذلك، ومنعه، متمسكين بظاهر قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحجّ: ٢٩]، وظاهره أن يطوف الطائف بنفسه، ومن طاف راكبًا إنما طيف به، ولم يَطُف هو بنفسه، وبأن الصحابة ﵃ اعتذروا عن طوافه ﷺ راكبًا، وبيّنوا عذره في ذلك، فكان دليلاً على أن أصل مشروعية الطواف عندهم ألا يكون راكبًا. انتهى كلام القرطبيّ (١).
وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: قال أصحابنا: الأفضل أن يطوف ماشيًا، ولا يركب، إلا لعذر مرض، أو نحوه، أو كان ممن يحتاج إلى ظهوره ليُستفتَى، ويُقتدى به، فإن كان لغير عذر جاز بلا كراهة، لكنه خلاف الأولى. وقال إمام الحرمين: من
стр. 13105
أدخل البهيمة التي لا يؤمن من تلويثها المسجد بشيء، فإن أمكن الاستيثاق فذاك، وإلا فإدخالها المسجد مكروه. وجزم جماعة من أصحابنا بكراهة الطواف راكبًا من غير عذر، منهم الماورديّ، والبندنيجيّ، وأبو الطيّب، والعبدريّ، والمشهور الأول، والمرأة والرجل في ذلك سواء. والمحمول على الأكتاف كالراكب. وبه قال أحمد، وداود، وابن المنذر. وقال مالك، وأبو حنيفة: إن طاف راكبًا لعذر أجزأه، ولا شيء عليه، وإن كان لغير عذر، فعليه دم. قال أبو حنيفة: وإن كان بمكة أعاد الطواف.
فلو طاف زحفًا مع القدرة على القيام فهو صحيح، لكنه يكره. وقال أبو الطيب في "التعليقة": طوافه زحفًا كطوافه ماشيًا منتصبًا، لا فرق بينهما.
واعتذروا عن ركوب النبيّ ﷺ بأن الناس كثُرُوا عليه، وغَشُوه بحيث إن العواتق خرجن من البيوت لينظرن إليه ﷺ ، أو لأنه يُستفتَى، أو لأنه كان يشكو، لما روى أبو داود في "سننه": "قدم النبيّ ﷺ مكة، وهو يشتكي، فطاف على راحلته، فلما أتى على الركن استلم بمحجن، فلما فرغ من طوافه أناخ، فصلى ركعتين".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أبي داود المذكور ضعيف؛ لأن في إسناده يزيد ابن أبي زياد، وهو ضعيف. ثم إن القول بكراهة الطواف راكبًا ليس عليه دليل صريح، وما اعتذروا به عن طواف ﷺ راكبًا لا يكون دليلاً على المنع؛ لأنه ﷺ ما جاء عنه النهي عن الطواف راكبًا، حتى يُحتاج للاعتذار عن فعله، والآية ليس فيها النهي عنه، بل فعله ﷺ بيان لمعناها، وهو أنها لإيجاب الطواف مطلقًا.
فالحقّ أن الطواف راكبًا جائز، ما لم يؤذ أحدًا، وإن كان الأولى عدم الركوب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٤١ - (طَوَافُ مَنْ أَفْرَدَ الْحَجَّ)
٢٩٣٠ - (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ -وَهُوَ ابْنُ عَمْرٍو الْكَلْبِيُّ- عَنْ زُهَيْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا بَيَانٌ, أَنَّ وَبَرَةَ حَدَّثَهُ, قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ, وَسَأَلَهُ رَجُلٌ,
стр. 13106
أَطُوفُ بِالْبَيْتِ, وَقَدْ أَحْرَمْتُ بِالْحَجِّ؟ , قَالَ: وَمَا يَمْنَعُكَ؟ , قَالَ: رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ, يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ, وَأَنْتَ أَعْجَبُ إِلَيْنَا مِنْهُ, قَالَ: "رَأَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , أَحْرَمَ بِالْحَجِّ, فَطَافَ بِالْبَيْتِ, وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عبدة بن عبد اللَّه) الصفّار الخزاعيّ، أبو سهل البصريّ، كوفيّ الأصل، ثقة [١١] ١٨/ ٨٠٠.
٢ - (سُويد بن عمرو الكلبيّ) أبو الوليد الكوفيّ العابد، ثقة، من كبار [١٠] ٦٧/ ١٨٠٩.
٣ - (زُهير) بن معاوية بن حُديج الجعفيّ، أبو خيثمى الكوفيّ، ثقة ثبت [٧] ٣٨/ ٤٢.
٤ - (بيان) بن بِشْر الأحمسيّ، أبو بشر الكوفيّ، ثقة ثبت [٥] ٤٦/ ٩٥٤.
٥ - (وَبَرَة) -بفتحتين- ابن عبد الرحمن المُسْليّ، أبو خُزيمة، أو أبو العبّاس الكوفيّ، ثقة [٤] ٥/ ١٤٥٧.
٦ - (عبد اللَّه بن عمر) بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير الصحابيّ، فمدنيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن وَبَرَة بن عبد الرحمن -رحمه اللَّه تعالى-، أنه (قال: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (وَسَأَلَهُ رَجُلٌ) جملة في محلّ نصب على الحال، والسائل لم يُسمّ. وفي رواية لمسلم من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن وبرة، قال: "كنت جالسًا عند ابن عمر، فجاءه رجلٌ، فقال: أيصلح لي أن أطوف بالبيت قبل أن آتي الموقف؟؟ … (أَطُوفُ بالْبَيتِ، وَقَدْ أَحْرَمْتُ بالْحَجِّ؟) أي والحال أني محرم بالحج (قَالَ) ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - (وَمَا يَمْنَعُكَ؟) أي وأيّ شيء يمنعك من أن تبدأ بالطواف (قَالَ) الرجل السائل (رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ) أي عن الابتداء بالطواف، وفي رواية مسلم المذكورة: "فإن ابن عباس يقول: "لا
стр. 13107
تطف بالبيت حتى تأتي الموقف".
(وَأَنْتَ أَعْجَبُ إِلَيْنَا مِنْهُ) وفي رواية مسلم من طريق جرير، عن وبرة: "وأنت أحبّ إلينا منه، رأيناه قد فتنته الدنيا، فقال: وأينا -أو أيكم- لم تفتنه الدنيا؟ ". قال النووي: ومعنى "فتنته الدنيا": لأنه تولّى البصرة، والولايات محلّ الخطر والفتنة، وأما ابن عمر فلم يتولّ شيئًا، وأما قول ابن عمر: "وأينا لم تفتنه الدنيا"، فهذا من زهده، وتواضعه، وإنصافه. انتهى (١).
(قَالَ) ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - (رَأَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، أَحْرَمَ بِالْحَجِّ) مفردًا أولاً، وإن كان أدخل عليه العمرة، فصار قارئًا، كما تقدّم تحقيق ذلك في محله (فَطَافَ بِالْبَيتِ، وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) يعني أنه ابتدأ بالطواف والسعي، قبل الخروج إلى منى، وعرفة.
وفي رواية مسلم: "فقال ابن عمر: فقد حجّ رسول اللَّه ﷺ ، فطاف بالبيت قبل أن يأتي الموقف، فبقول رسول اللَّه ﷺ أحقّ أن تأخذ، أم بقول ابن عباس، إن كنت صادقًا؟ ". وفي رواية: "فسنة رسول اللَّه ﷺ أحقُّ أن تتبع من سنة فلان، إن كنت صاقًا".
قال النوويّ: قوله: "إن كنت صادقًا" معناه: إن كنت صادقًا في إسلامك، واتباعك رسول اللَّه ﷺ ، فلا تعدل عن فعله، وطريقته إلى قول ابن عباس، وغيره. انتهى (٢).
وقال القرطبيّ: قوله: "إن كنت صادقًا" ورَعٌ منه لئلا يذكر ابن عباس بشيء ما ثبت عنه. ويمكن أن يُحمل إطلاق فتيا ابن عباس على الْمُرَاهَق (٣)، فإنه لا يُخاطب بطواف القدوم، أو يكون ابن عباس سئل عن طواف الإفاضة، فأجاب بأنه لا يفعل إلا بعد الوقوف، وهو الحقّ. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا التأويل فيه نظر لا يخفى، فإن الروايات التي سنذكرها في المسألة الرابعة لا توافق التأويل المذكور، فإن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - كان يقول: إذا طاف المحرم بالبيت قبل الوقوف حلّ من إحرامه، فهذا صريح في كونه لا يرى طواف القدوم، وقد خالف بذلك الجمهور، وقولهم الصواب، كما سيأتي هناك، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
стр. 13108
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسائل الأولى): في درجته:
حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه:
أخرجه هنا -١٤١/ ٢٩٣٠ - وفي "الكبرى" ١٣٦/ ٣٩٠٥. وأخرجه (م) في "الحجّ" ١٢٣٣. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف، وهو بيان مشروعيّة طواف من أفرد الحجّ أول ما يقدم مكة، وهو المسمى بطواف القدوم، وهو مذهب الجمهور، وخالف في ذلك ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -. (ومنها): أن الواجب على المسلم إذا أفتاه عالم بخلاف السنة أن يتبع السنة، ويدع فتوى العالم، أيًّا كان ذلك العالم، فإن الحقّ أحقّ أن يتّبع.
(ومنها): أن العالم يخالف السنة أحيانًا، لا قصدًا للمخالفة، وإنما هو لعدم وصولها إليه، أو لتأويله إياها على ما يراه من المعاني، ولكن لا يجوز لمن وصلت إليه، وعلمها، بأن بيّن له عالم غيره بأن وجه الصواب كذا أن يقلّده في ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): حاصل المسألة المذكورة أن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - كان يذهب إلى أن من لم يسق الهدي، وأهلّ بالحجّ إذا طاف يحلّ من حجه، وأن من أراد أن يستمرّ على حجه لا يقرب البيت حتى يرجع من عرفة، وكان يأخذ ذلك من أمر النبيّ ﷺ لمن لم يسق الهدي من أصحابه أن يجعلوها عمرة، فقد أخرج البخاريّ في "باب حجة الوداع" في أواخر "المغازي" من طريق ابن جريج، حدثني عطاء، عن ابن عباس، قال: إذا طاف بالبيت، فقد حلّ، فقلت: من أين؟ قال: هذا ابن عباس قال: من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحجّ: ٣٣]، ومن أمر النبيّ ﷺ أصحابه أن يَحِلّوا في حجة الوداع، قلت: إنما كان ذلك بعد الْمُعَرَّف، قال: كان ابن عباس يراه قبلُ وبعدُ. وأخرجه مسلم من وجه آخر عن ابن جريج، بلفظ: كان ابن عباس يقول: لا يطوف بالبيت حاجٌ، ولا غيره إلا حلّ، قلت لعطاء: من أين يقول ذلك؟ … فذكره. ولمسلم من طريق قتادة، سمعت أبا حسّان الأعرج، قال: قال رجل من الْهُجَيم لابن عباس: ما هذه الفتيا التي تشغّفت (١)، أو تشغّبت بالناس أن من
стр. 13109
طاف بالبيت، فقد حلّ؟ فقال: سنّة نبيّكم، وإن رغمتم. وله من طريق وَبَرَة بن عبد الرحمن، قال: كنت جالسًا عند ابن عمر، فجاءه رجل، فقال: أيصلح لي أن أطوف بالبيت قبل أن آتي الموقف؟ فقال: نعم، فقال: فإن ابن عباس يقول: لا تطف بالبيت حتى تأتي الموقف، فقال ابن عمر: قد حجَ رسول اللَّه ﷺ ، فطاف بالبيت قبل أن يأتي الموقف، فبقول رسول اللَّه ﷺ أحقّ أن تأخذ، أو بقول ابن عباس، إن كنت صادقًا.
وهذا الذي قاله ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - خالفه فيه الجمهور، ووافقه فيه ناس قليل، منهم إسحاق بن راهويه.
وذهب الجمهور إلى أن من أهلّ بالحجّ مفردًا لا يضره الطواف بالبيت. أفاده في "الفتح" (١).
وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: سؤال السائل لابن عمر -يعني المذكور في حديث الباب- إنما كان عن طواف القدوم، هل يؤخّر إلى أن يوقف بعرفة؟ فأجابه بمنع ذلك، وهو الصحيح الذي لا يُعلم من مذاهب العلماء غيره. وما حكاه هذا الرجل عن ابن عباس لا يُعرف من مذهبه، وكيف وهو أحد الرواة أن النبيّ ﷺ بدأ بالطواف عند قدومه مكة. وقد حمل بعض متأخري العلماء هذا السؤال على أنه فيمن أحرم بالحجّ من مكة، هل يطوف طواف القدوم قبل أن يخرج إلى عرفات؟ قال: فمذهب أبي حنيفة، والشافعيّ أنه يطوف حين يُحرم، كما قال ابن عمر. قال: والمشهور من مذهب أحمد أنه لا يطوف حتى يخرج إلى منى، وعرفات، ثم يرجع، ويطوف، كما قال ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وعن أحمد رواية كمذهب ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -. انتهى كلام القرطبيّ (٢).
وقال النوويّ: هذا الذي قاله ابن عمر هو إثبات طواف القدوم للحاج، وهو مشروع قبل الوقوف بعرفات، وبهذا الذي قاله ابن عمر قال العلماء كافّة، سوى ابن عباس، وكلهم يقولون: إنه سنة، ليس بواجب، إلا بعض أصحابنا، ومن وافقه، فيقولون: واجب يجبر تركه بالدم، والمشهور أنه سنة، ليس بواجب، ولا دمَ في تركه، فإن وقف بعرفات قبل طواف القدوم فات، فإن طاف بعد ذلك بنية طواف القدوم لم يقع عن طواف القدوم، بل يقع عن طواف الإفاضة إن لم يكن طاف للإفاضة، فإن كان طاف للإفاضة وقع الثاني تطوعًا، لا عن القدوم، ولطواف القدوم أسماء: طواف القدوم،
стр. 13110
والقادم، والورود، والوارد، والتحيّة، وليس في العمرة طواف قدوم، بل الطواف الذي يفعله فيها يقع ركنا لها، حتى لو نوى به طواف القدوم وقع ركنًا، ولغت نيته، كما لو كان عليه حجة واجبة، فنوى حجة تطوّع، فإنها تقع واجبة. واللَّه أعلم انتهى كلام النوويّ (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه الجمهور من مشروعيّة طواف القدوم للحاج هو الحقّ؛ لأن النبيّ ﷺ ، وأصحابه ﵃ أول ما بدءوا به هو الطواف بالبيت، كما قال ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٤٢ - (طَوَافُ مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ)
٢٩٣١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عَمْرٍو, قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ, وَسَأَلْنَاهُ عَنْ رَجُلٍ, قَدِمَ مُعْتَمِرًا, فَطَافَ بِالْبَيْتِ, وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ, أَيَأْتِي أَهْلَهُ, قَالَ: "لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَطَافَ سَبْعًا, وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ, وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ, وَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه محمد ابن منصور الْجَوَّاز المكيّ، فإنه من أفراده، وهو ثقة. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"عمرو": هو ابن دينار.
وقوله: "وقد كان لكم في رسول اللَّه الخ" أراد به أنه لا يأتي أهله، اقتداء به ﷺ في ذلك، وإتيانًا للنسك على الوجه الذي أتى به رسول اللَّه ﷺ .
والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم تمام البحث فيه في ٥٠/ ٢٧٣٢. ودلالته على الترجمة واضحة، حيث إنه يدلّ على أنه ﷺ طاف للعمرة، فيجب الاقتداء به في ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 13111
١٤٣ - (كيفَ يَفْعَلُ مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَلَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ)
٢٩٣٢ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الأَزْهَرِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَشْعَثُ عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ أَنَسٍ, قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَخَرَجْنَا مَعَهُ, فَلَمَّا بَلَغَ ذَا الْحُلَيْفَةِ, صَلَّى الظُّهْرَ, ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ, فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ, أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا, فَأَهْلَلْنَا مَعَهُ, فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ, وَطُفْنَا, أَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَحِلُّوا, فَهَابَ الْقَوْمُ, فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْلَا أَنَّ مَعِي الْهَدْيَ, لأَحْلَلْتُ» , فَحَلَّ الْقَوْمُ, حَتَّى حَلُّوا إِلَى النِّسَاءِ, وَلَمْ يَحِلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَلَمْ يُقَصِّرْ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه "أحمد بن الأزهر" بن منيع، أبو الأزهر العبد قي النيسابوريّ، فإنه تفرّد به هو وابن ماجه، وهو صدوق يحفظ، ثم كبر، فصار كتابه أثبت من حفظه [١١] ٦٦/ ١٨٠٢.
و"محمد بن عبد اللَّه الأنصاريّ": هو القاضي البصريّ الثقة. و"أشعث": هو ابن عبد الملك الحمرانيّ. و"الحسن": هو ابن أبي الحسن البصريّ.
وقوله: "فهاب القوم" أي خافوا من إثم التحلّل من إحرامهم.
وقوله: "لولا أن معي الهدي لأحللت" يعني أن المانع من الإحلال هو سوق الهدي، لا الجمع بين النسكين، وهذا يدلّ على أن القارن كالمتمتّع يشرع له الفسخ، ومثله في هذا الحكم المفرد الذي لم يسق الهدي، وبه يقول الإمام أحمد، وجمهور المحدّثين، وهو المذهب الصحيح، وقد تقدّم البحث في ذلك مستوفًى في باب "إباحة فسخ الحجّ بعمرة لمن لم يسق الهدي" رقم- ٧٧/ ٢٨٠٣ - ٢٨١٥. فراجعه تستفد.
والحديث صحيح، وقد تقدّم في -٢٥/ ٢٦٦٢ - وتقدم تمام البحث فيه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 13112
١٤٤ - (طَوَافُ الْقَارِنِ)
وفي بعض النسخ: "طواف القران".
٢٩٣٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, قَرَنَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ, فَطَافَ طَوَافًا وَاحِدًا, وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وقد مرّ قبل باب. و"سفيان": هو ابن عيينة.
وقوله: "أن ابن عمر" هكذا في النسخة "الهندية"، وهو الذي في "الكبرى"، وفي النسخ المطبوعة: "عن ابن عمر"، والأُولى أوضح، وللثانية أيضًا وجه، وهو أن يقدّر لفظة "أنه" قبل قوله: "قرن".
وقوله: "طوافًا واحدًا"، أراد بذلك طواف الركن، فلا ينافيه ما ثبت عنه أنه طاف للقدوم، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم في -٥٣/ ٢٧٤٦ - باب "إذا أهلّ بعمرة، هل يجعل معها حجًّا"، وقد استوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، وما بقي إلا البحث فيما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هنا، فأقول:
[مسألة]: في اختلاف أهل العلم في طواف القارن، وسعيه:
ذهب الجمهور، ومنهم: مالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق إلى أن القارن يقتصر على طواف واحد، وسعي واحد. وهو محكيّ عن ابن عمر، وابن عبّاس، وجابر، وعائشة، وعطاء، وطاوس، والحسن، والزهريّ، ومجاهد.
وذهب أبو حنيفة، وأصحابه إلى أنه يجب عليه طوافان، وسعيان، وهو رواية عن أحمد، وبه قال سفيان الثوريّ. وحكي عن أبي بكر، وعمر، وعليّ، وابن مسعود، والحسن بن عليّ. قال الحافظ وليّ الدين: ولم يصحّ عنهم.
وبه قال إبراهيم النخعيّ، والأسود بن يزيد، وأبو جعفر الباقر، والشعبيّ، والحكم، وحماد بن أبي سليمان، والأوزاعيّ، وابن أبي ليلى، والحسن بن صالح بن حيّ.
واحتجّ هؤلاء بما رواه الدارقطنيّ، والبيهقيّ، من طريق الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن مجاهد، قال: "خرج ابن عمر، يُهلّ بعمرة، وهو يتخوّف أيام نجدة أن يُحبس عن البيت، فلما سار أيامًا، قال: ما الحصر في العمرة، والحصر في الحجّ إلا
стр. 13113
واحد، فضمّ إليها حجة، فلما قدم طاف طوافين، طوافًا لعمرته، وطوافًا لحجته، ثم قال: هكذا رأيت رسول اللَّه ﷺ فعل".
لكن هذه رواية ضعيفة جدًّا، ومع ذلك فهي شاذّة، قال الدارقطنيّ: لم يروه عن الحكم غير الحسن بن عمارة، وهو متروك. وقال البيهقيّ: الحسن بن عمارة أجمع أهل النقل على ترك حديثه؛ لكثرة المناكير في رواياته، وكيف يصحّ هذا عن ابن عمر، وقد ثبت أنه طاف لهما طوافًا واحدًا في هذه السنة، كما سبق. قاله الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى- (١).
وقال في "الفتح" في شرح حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - في حجة الوداع، وفيه: "وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافًا واحدًا". وحديثِ ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - في حجه عام نزل الحجاج بابن الزبير، أورده البخاريّ من وجهين في كلّ منهما أنه جمع بين الحج والعمرة، أهلّ بالعمرة أولاً، ثم أدخل عليها الحجّ، وطاف لهما طوافًا وحدًا، كما في الطريقة الأولى، وفي الطريقة الثانية: "ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول".
ما نصّه: وفي هذه الرواية رفع احتمالٍ قد يؤخذ من الرواية الأولى أن المراد بقوله: "طوافًا واحدًا" أي طاف لكلّ منهما طوافًا يشبه الطواف الذي للآخر، والحديثان ظاهران في أن القارن لا يجب عليه إلا طواف واحد كالمفرد. وقد رواه سعيد بن منصور من وجه آخر عن نافع، عن ابن عمر أصرح من سياق حديثي الباب في الرفع، ولفظه: عن النبيّ ﷺ قال: "من جمع بين الحج والعمرة كفاه لهما طواف واحد، وسعيٌ واحد". وأعله الطحاويّ بأن الدراورديّ أخطأ فيه، وأن الصواب أنه موقوف، وتمسّك في تخطئته بما رواه أيوب، والليث، وموسى بن عقبة، وغير واحد، عن نافع نحو سياق ما في الباب، من أن ذلك وقع لابن عمر، وأنه قال: إن النبيّ ﷺ فعل ذلك"، لا أنه روى هذا اللفظ عن النبيّ ﷺ انتهى.
قال الحافظ: وهو تعليلٌ مردود، فالدراورديّ صدوق، وليس ما رواه مخالفًا لما رواه غيره، فلا مانع من أن يكون الحديث عند نافع على الوجهين.
واحتجّ الحنفيّة بما روي عن عليٌ ﵁ أنه جمع بين الحجّ والعمرة، فطاف لهما طوافين، وسعى لهما سعيين، ثم قال: هكذا رأيت رسول اللَّه ﷺ فعل. وطرقه عن عليّ عند عبد الرزاق، والدارقطنيّ، وغيرهما ضعيفة. وكذا أخرج من حديث ابن مسعو ﵁ بإسناد ضعيف نحوه. وأخرج من حديث ابن عمر بنحو ذلك، وفيه
стр. 13114
الحسن بن عمارة، وهو متروك، والمخرّج في "الصحيحين"، وفي "السنن" عنه من طرق كثيرة الاكتفاء بطواف واحد.
وقال البيهقيّ: إن ثبتت الرواية أنه طاف طوافين، فيُحمل على طواف القدوم، وطواف الإفاضة، وأما السعي مرتين فلم يثبت. وقال ابن حزم: لا يصحّ عن النبيّ ﷺ ، ولا عن أحد من أصحابه في ذلك شيء أصلاً.
قال الحافظ: لكن روى الطحاويّ، وغيره موقوفًا (١) عن عليّ، وابن مسعود ذلك بأسانيد لا بأس بها إذا اجتمعت، ولم أر في الباب أصحّ من حديثي ابن عمر، وعائشة المذكورين في هذا الباب. وقد أجاب الطحاويّ عن حديث ابن عمر بأنه اختُلِف عليه في كيفية إحرام النبيّ ﷺ ، وأن الذي يظهر من مجموع الروايات عنه أنه ﷺ أحرم أولاً بحجة، ثم فسخها، فصيّرها عمرة، ثم تمتّع بها إلى الحجّ. كذا قال الطحاويّ، مع جزمه قبل ذلك بأنه ﷺ كان قارنًا.
وهب أن ذلك كما قال، فلِمَ لا يكون قول ابن عمر: هكذا فعل رسول اللَّه ﷺ ، أي أمر من كان قارنًا أن يقتصر على طواف واحد، وحديث ابن عمر المذكور ناطق بأنه ﷺ كان قارنًا، فإنه مع قوله: تمتّع رسول اللَّه ﷺ ، وصف فعل القران، حيث قال: بدأ، فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحج، وهذا من صور القران، وغايته أنه سمّاه تمتعًا؛ لأن الإحرام عنده بالعمرة في أشهر الحج كيف كان يسمى تمتعًا.
ثم أجاب عن حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - بأنها أرادت بقولها: وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافًا واحدًا. يعني الذين تمتعوا بالعمرة إلى الحجّ، لأن حجهم كانت بمكة، والحجة المكيّة لا يطاف لها إلا بعد عرفة، قال: والمراد بقولها: جمعوا بين الحج والعمرة جمع تمتع، لا جمع قران انتهى.
قال الحافظ: وإني لكثير التعجّب منه في هذا الموضع، كيف ساغ له هذا التأويل، وحديث عائشة مفصلٌ للحالتين، فإنها صرّحت بفعل من تمتع، ثم من قرن، قالت: "فطاف الذين أهلّوا بالعمرة، ثم حلّوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منى"، فهؤلاء أهل التمتع، ثم قالت: "وأما الذين جمعوا الخ"، فهؤلاء أهل القران، وهذا أبين من أن يحتاج إلى إيضاح، واللَّه المستعان.
وقد روى مسلم من طريق أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد اللَّه يقول: "لم يطف النبيّ ﷺ ، ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا". ومن طريق طاوس، عن عائشة: "أن النبيّ ﷺ قال لها: يسعك طوافك لحجك وعمرتك". وهذا صريح في
стр. 13115
الإجزاء، وإن كان العلماء اختلفوا فيما كانت عائشة محرمة به، قال عبد الرزاق، عن سفيان الثوريّ، عن سلمة بن كُهيل، قال: "حلف طاوس ما طاف أحدٌ من أصحاب رسول اللَّه ﷺ لحجه وعمرته إلا طوافًا واحدًا". وهذا إسناد صحيح، وفيه بيان ضعف ما روي عن عليّ، وابن مسعود من ذلك، وقد رَوَى آل بيت عليّ عنه مثل الجماعة، قال جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه أنه كان يحفظ عن عليّ: "للقارن طواف واحد"، خلاف ما يقول أهل العراق، ومما يضعّف ما روي عن عليّ من ذلك أن أمثل طرقه عنه رواية عبد الرحمن بن أُذينة عنه، وقد ذكر فيها أنه يمتنع على من ابتدأ الإهلال بالحجّ أن يدخل عليه العمرة، وأن القارن يطوف طوافين، ويسعى سعيين"، والذين احتجّوا بحديثه لا يقولون بامتناع إدخال العمرة على الحجّ، فإن كانت الطريق صحيحة عندهم لزمهم العمل بما دلّت عليه، وإلا فلا حجة فيها.
وقال ابن المنذر: احتج أبو أيوب (١) من طريق النضر (٢) بأنا أجزنا جميعًا للحجّ والعمرة سفرًا واحدًا، وإحرامًا واحدًا، وتلبية واحدة، فكذلك يجزي عنهما طواف واحد، وسعيٌ واحد؛ لأنهما خالفا في ذلك سائر العبادات. وفي هذا القياس مباحث كثيرة، لا نُطيل بها.
واحتجّ غيره بقوله ﷺ : "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة". وهو صحيح، كما سلف، فدلّ على أنها لا تحتاج بعد أن دخلت فيه إلى عمل آخر غير عمله.
والحقّ أن المتبع في ذلك السنة الصحيحة، وهي مستغنية عن غيرها. انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- هو كلام نفيسٌ جدًّا.
وحاصله أن ما دلّت عليه السنة الصحيحة، وهو أن القارن يكفيه طواف واحد، وسعي واحد، هو الحقّ، ودليله هو السنة الصحيحة الصريحة فيه، ولا حاجة إلى الأدلة العقلية؟ لأن السنة الصحيحة فيها الكفاية؛ إذ هي العمدة البالغة، والحجة الدامغة، وكلّ قياس في مقابلتها فاسد الاعتبار، وللَّه درّ من قال، وأجاد في المقال:
إِذَا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْمًا … تجُارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ
غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى … تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ
стр. 13116
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٩٣٤ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ الرَّقِّيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ, وَأَيُّوبَ بْنِ مُوسَى, وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ, وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, عَنْ نَافِعٍ,, قَالَ: خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ, فَلَمَّا أَتَى ذَا الْحُلَيْفَةِ, أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ, فَسَارَ قَلِيلاً, فَخَشِيَ أَنْ يُصَدَّ عَنِ الْبَيْتِ, فَقَالَ: إِنْ صُدِدْتُ, صَنَعْتُ كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: وَاللَّهِ مَا سَبِيلُ الْحَجِّ, إِلاَّ سَبِيلُ الْعُمْرَةِ, أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ, مَعَ عُمْرَتِي حَجًّا, فَسَارَ حَتَّى أَتَى قُدَيْدًا, فَاشْتَرَى مِنْهَا هَدْيًا, ثُمَّ قَدِمَ مَكَّةَ, فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا, وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ, وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه "عليّ بن ميمون الرقيّ" العطار، فقد تفرد به هو، وابن ماجه، وهو ثقة. و"سفيان": هو ابن عُيينة.
وقوله: "أن يُصدّ" بالبناء للمفعول، أي يمنع. وقوله: "إن صُددت" بالبناء للمفعول أيضًا. وقوله: "كما صنع رسول اللَّه ﷺ " أي زمن الحديبية، حيث أحرم بالعمرة، فلما صدّه المشركون نحر هديه، وتحلل منها. وقوله: "ما سبيل الحجّ الخ" أي ليس طريق الحجّ إلا مثل طريق العمرة، يعني أن حكمهما في التحلل بسبب الإحصار واحد. وقوله: "قُديد" -بضم القاف، مصغّرًا- اسم موضع بين مكة والمدينة.
والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم في -٥٣/ ٢٧٤٦ - وسبق تمام البحث فيه هناك، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٩٣٥ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ, أَخْبَرَنِي هَانِئُ بْنُ أَيُّوبَ, عَنْ طَاوُسٍ, عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , طَافَ طَوَافًا وَاحِدًا).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير:
١ - (هانىء بن أيوب) الحنفيّ الكوفيّ، مقبول [٦].
روى عن طاوس، والشعبيّ، ومحارب بن دثار. وعنه ابنه أيوب، وابن مهديّ، وحسين الجعفيّ، والوديد بن القاسم الهمدانيّ، وعبيدالله بن موسى. ذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن سعد: كان عنده أحاديث، وفيه ضعف. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
والحديث صحيح (١)، أخرجه المصنّف هنا -١٤٤/ ٢٩٣٥ - وأخرجه (ق) في
стр. 13117
"الحجّ" ٢٩٧٣ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١٤٦٦٧.
ووجه دلالته على الترجمة أنه ثبت كونه ﷺ قارنًا، فقول جابر ﵁ هنا: "طاف طوافًا واحدًا" أي لحجه وعمرته، فدلّ على أن القارن عليه طواف واحد، لا طوافان، كما قيل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٤٥ - (ذِكْرُ الْحَجَرِ الأَسْوَدِ)
٢٩٣٦ - (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ, عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ, عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْحَجَرُ الأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّةِ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إبراهيم بن يعقوب) بن إسحاق الْجُوزجانيّ، نزيل دمشق، ثقة حافظ رمي بالنصب [١١] ١٢٢/ ١٧٤.
٢ - (موسى بن داود) الضبّيّ، أبو عبد اللَّه الطرسوسيّ، نزيل بغداد، الْخُلْقانيّ، صدوق فقيه زاهد، له أوهام، من صغار [٩] ٦٤/ ٩٨٥.
٣ - (حمّاد بن سَلَمة) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقة عابد، من كبار [٨] ١٨١/ ٢٨٨.
٤ - (عطاء بن السائب) بن مالك الثقفيّ الكوفيّ، صدوق اختلط [٥] ١٥٢/ ٢٤٣.
٥ - (سعيد بن جُبير) الأسديّ الوالبيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه عابد [٣] ٢٨/ ٤٣٦.
٦ - (ابن عبّاس) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٨/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة روى (٢٦٩٦) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 13118
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّةِ") ولفظ الترمذيّ من طريق جرير، عن عطاء بن السائب: "نزل الحجر الأسود من الجنّة، وهو أشدّ بياضًا من اللبن، فسوّدته خطايا بني آدم". قال في "المرقاة": أي صارت ذنوب بني آدم الذين يمسحون الحجر سببًا لسواده، والأظهر حمل الحديث على حقيقته، إذ لا مانع نقلاً، ولا عقلاً. وقال بعض الشرّاح من علمائنا -يعني الحنفية- هذا الحديث يحتمل أن يراد به المبالغة في تعظيم شأن الحجر، وتفظيع أمر الخطايا والذنوب، والمعنى أن الحجر لما فيه من الشرف، والكرامة، واليُمْن، والبركة شارك جواهر الجنّة، فكأنه نزل منها، وأن خطايا بني آدم تكاد تؤثر في الجماد، فتجعل المبيض منه أسود، فكيف بقلوبهم، أو لأنه من حيث إنه مكفّر للخطايا محاءٌ للذنوب، كأنه من الجنة، ومن كثرة تحمله أوزار بني آدم صار كأنه ذو بياض شديد، فسوّدته الخطايا (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله بعض الحنفيّة غير صحيح، فإن النصوص إذا صحتّ، فالواجب حملها على ما يقتضيه ظاهرها، إلا إذا منع منه مانع، وهنا لا يوجد مانع منقول، ولا معقول من إرادة الحقيقة، فيتعيّن الحمل عليها. واللَّه تعالى أعلم.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: واعترض بعض الملحدين على هذا الحديث، فقال: كيف سوّدته خطايا المشركين، ولم تبيّضه طاعات أهل التوحيد؟.
وأجيب بما قال ابن قُتيبة: لو شاء اللَّه لكان ذلك، وإنما أجرى اللَّه العادة بأن السواد يصبغ، ولا ينصبغ على العكس من البياض. وقال المحبّ الطبريّ: في بقائه أسود عبرة لمن له بصيرة، فإن الخطايا إذا أثّرت في الحجر الصّلْد، فتأثيرها في القلب أشدّ. قال: وروي عن ابن عبّاس: "إنما غيره بالسواد؛ لئلا ينظر أهل الدنيا إلى زينة الجنة". فإن ثبت، فهذا هو الجواب. قال الحافظ: أخرجه الحميديّ في "فضائل مكة" بإسناد ضعيف انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح.
стр. 13119
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي سنده عطاء بن السائب، وهو ممن اختلط بآخره؟.
[قلت]: إنما صحّ لأنه من رواية حماد بن سلمة عنه، وحماد ممن سمع قبل اختلاطه، كما قاله الحافظ في "الفتح" (١)، وأيضا له طريق أخرى عند ابن خزيمة في "صحيحه" (٢)، فيتقوّى بها.
وفي "صحيح ابن خزيمة" أيضًا عن ابن عباس، مرفوعًا: "إن لهذا الحجر لسانًا، وشفتين، يشهدان لمن استلمه يوم القيامة بحقّ". وصححه أيضًا ابن حبّان (٣)، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبيّ (٤).
والحاصل أن حديث الباب صحيح. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ١٤٥/ ٢٩٣٦ - وفي "الكبرى" ١٤٠/ ٣٩١٦. وأخرجه (ت) في "الحجّ" ٨٧٧ (أحمد) في "مسند بني هاشم"٢٧٩٢ و ٢٥٢٧. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٤٦ - (اسْتِلَامُ الْحَجَرِ الأَسْوَدِ)
٢٩٣٧ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الأَعْلَى, عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ, أَنَّ عُمَرَ قَبَّلَ الْحَجَرَ, وَالْتَزَمَهُ, وَقَالَ: رَأَيْتُ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ بِكَ حَفِيًّا).
١ - (محمود بن غيلان) العدويّ مولاهم، أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد، ثقة
стр. 13120
[١٠] ٣٣/ ٣٧.
٢ - (وكيع) بن الْجَرّاح بن مَليح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة ثبت عابد [٩] ٢٣/ ٢٥.
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ الإمام الحافظ الحجة الثبت [٧] ٣٣/ ٣٧.
٤ - (إبراهيم بن عبد الأعلى) الجعفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة [٦].
قال أحمد، والنسائيّ، والعجلي: ثقة. وقال ابن معين: ليس به بأس، وفي رواية ابن أبي خيثمة: صالح. وقال أبو حاتم: صالح يكتب حديثه. وقال يعقوب بن سفيان: لا باس به. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن مهديّ، عن إسرائيل: كتب إليّ شعبة: اكتب إليّ بحديث إبراهيم بن عبد الأعلى بخطك، فبعث بها إليه. روى له مسلم، وأبو داود، والمصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
٥ - (سُويد بن غفلة) الجعفيّ، أبو أميّة الكوفيّ المخضرم الحجة، من كبار التابعين، قَدِمَ المدينة يوم دُفن النبيّ ﷺ ، وكان مسلما في حياته ﷺ ، ثم نزل الكوفة، ومات سنة ثمانين، وله مائة، وثلاثون سنة، تقدّمت ترجمته في ٦٣/ ١٦٨٦.
٦ - (عمر) بن الخطّاب بن نُفيل العدويّ، الخليفة الراشد، أمير المؤمنين ﵁، استُشهد في ذي الحجة سنة (٢٣)، وولي الخلافة عشر سنين ونصفًا. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فمروزي، ثم بغداديّ، والصحابيّ، فمدني. (ومنها): أن صحابيّه أحد الخلفاء الأربعة، والعشرة المبشّرين بالجنّة، واشتهر بلقب الفاروق، لقّبه به النبيّ ﷺ . واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ) -بفتح الغين المعجمة، والفاء، واللام- (أَنَّ عُمَرَ) بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنه - (قَبَّلَ الْحَجَرَ) أي الأسود (وَالْتَزَمَهُ) أي عانقه (وَقَالَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (رَأَيْتُ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ بِكَ) متعلّق بما بعده (حَفِيًّا) الحفيّ فعيل بمعنى فاعل، وهو المعتنى به البارّ، ومنه قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧].
стр. 13121
يعني أنه ﷺ كان معتنيًا بشأن الحجر بالتقبيل، والمسح، والكلامُ هان كان خطابًا للحجر، فالمقصود إسماع الحاضرين ليعلموا أن الغرض الاتّباع، لا تعظيم الحجر كما كان عليه عبدة الأثان، فالمطلوب تعظيم أمر الرب، واتباع نبيّه ﷺ . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ١٤٦/ ٢٩٣٧ - وفي "الكبرى" في ١٤٢/ ٣٩٢١. وأخرجه (م) في "الحجّ" ٢٢٣٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٤٧ - (تَقْبِيلُ الْحَجَرِ)
٢٩٣٨ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ, وَجَرِيرٌ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ, قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ, جَاءَ إِلَى الْحَجَرِ, فَقَالَ: إِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ, وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُبِّلُكَ, مَا قَبَّلْتُكَ. ثُمَّ دَنَا مِنْهُ, فَقَبَّلَهُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت [١٠] ٢/ ٢.
٢ - (عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ، نزل الشام مرابطًا، ثقة مأمون [٨] ٨/ ٨.
٣ - (جرير) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب [٨] ٢/ ٢.
٤ - (الأعمش) سليمان بن مِهْران الكوفيّ، ثقة ثبت ورع، لكنه يدلّس [٥] ١٧/ ١٨.
٥ - (إبراهيم) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقة فقيه، يرسل
стр. 13122
كثيرًا [٥] ٢/ ٣٣.
٦ - (عابس -بموحدة مكسورة- ابن ربيعة) النخعيّ الكوفيّ، ثقة مخضرم [٢].
قال الآجريّ، عن أبي داود: جاهليّ سمع من عمر. وقال النسائيّ: ثقة. وقال ابن سعد: هو من مَذْحِج، وكان ثقة، له أحاديث يسيرة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث برقم ٢٩٣٧ و ٤٤٣٢و ٤٤٣٣.
٧ - (عمر) بن الخطاب ﵁ المذكور في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فمروزي، وعمر ﵁، فمدنيّ. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن إبراهيم، عن عابس، ورواية الأوَّلَينِ من رواية الأقران. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَابسِ بْنِ رَبيعَةَ) النخعيّ -رحمه اللَّه تعالى-، أنه (قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (جًاءَ إِلَى الْحَجَرِ) أي الأسود (فَقَالَ: إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ) وفي الرواية الآتية في الباب التالي: "إنك حجر لا تنفع، ولا تضرّ"، أي إلا بإذن اللَّه. وقد روى الحاكم من حديث أبي سعيد أن عمر لَمّا قال هذا، قال له عليّ بن أبي طالب: "إنه يضرّ، وينفع، وذكر أن اللَّه لما أخذ المواثيق على ولد آدم كتب ذلك في رَقّ، وألقمه الحجر، قال: وقد سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "يؤتى يوم القيامة بالحجر الأسود، وله لسان ذلق، يشهد لمن استلمه بالتوحيد". وفي إسناده أبو هارون العبد، وهو ضعيف جدًّا (وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ، ثُمَّ دَنَا مِنْهُ، فَقَبَّلَهُ) قال الطبريّ: إنما قال ذلك عمر ﵁ لأن الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام، فخشي عمر أن يظنّ الجهّال أن استلام الحجر من باب تعظيم بعض الأحجار، كما كانت العرب تفعل في الجاهلية، فأراد عمر أن يعلّم الناس أن استلامه اتباع لفعل رسول اللَّه ﷺ ، لا لأن الحجر ينفع، وبضرّ بذاته، كما كانت الجاهليّة تعتقده في الأوثان.
وقال المهلّب: حديث عمر هذا يرد على من قال: إن الحجر يمين اللَّه في الأرض يصافح بها عباده، ومعاذ اللَّه أن يكون للَّه جارحة، وإنما شرع تقبيله اختيارًا ليعلم بالمشاهدة طاعة من يطيع، وذلك شبيه بقصّة إبليس حيث أمر بالسجود لآدم.
وقال الخطابيّ: معنى أنه يمين اللَّه في الأرض أن من صافحه في الأرض كان له عند
стр. 13123
اللَّه عهد، وجرت العادة بأن العهد يعقده الملك بالمصافحة لمن يريد مولاته، والاختصاص به، فخاطبهم بما يعهدونه. وقال المحبّ الطبريّ: معناه: أن كلّ ملك إذا قدم عليه الوافد قبّل يمينه، فلما كان الحاجّ أول ما يقدم يسنّ له تقبيله، نزل منزلة يمين الملك، وللَّه المثل الأعلى. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٤٧/ ٢٩٣٨ و ١٤٨/ ٢٩٣٨ - وفي "الكبرى" ٣٩١٩و ٣٩٢٠و ٣٩٢١. وأخرجه (خ) في "الحج" ١٥٩٧و ١٦٠٥ (م) في "الحج" ١٢٧٠و ١٢٧١ (د) في "المنا سك" ١٨٧٣ (ت) في "الحج" ٨٦٠ (ق) في "المناسك" ٢٩٤٣ (أحمد) في "مسند العشرة" ١٠٠و ١٣٢ و ١٧٧ و ٢٢٧و٢٥٥و ٢٧٦ و ٣٦٣ و ٣٨٢ و ٣٨٣ (الموطأ) في "الحج" ٨٢٤ (الدارمي) في "المناسك" ١٨٦٤ و ١٨٦٥. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ذكره المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في ترجمتي البابين: استحباب استلام الحجر الأسود، واستحباب تقبيله. (ومنها): أن في قول عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا التسليمَ للشارع في أمور الدين، وحسن الاتباع فيما لم يكشف عن معانيها، وهي قاعدة عظيمة في اتباع النبيّ ﷺ فيما يفعله، ولو لم تُعلم الحكمة فيه. (ومنها): أن فيه دفع ما وقع لبعض الجهال من أن في الحجر الأسود خاصّة ترجع إلى ذاته. (ومنها): أن فيه بيان السنن بالقول والفعل. (ومنها): أن على الإمام إذا خشي على أحد من فعله فساد اعتقاده أن يبادر إلى بيان الأمر، ويوضّح ذلك. (ومنها): أن فيه كراهة تقبيل ما لم يَرِد الشرع بتقبيله، وأما قول الشافعيّ: ومهما قبّل من البيت، فحسن، فلم يُرد به الاستحباب؛ لأن المباح من جملة الحسن عند الأصوليين. قاله في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 13124
١٤٨ - (كَيْفَ يُقبَّلُ؟)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا الترجمة في "المجتبى"، وهو بالبناء للمفعول. ولفظ "الكبرى": "كم يُقبّله؟ ". وهو المناسب للحديث الذي أورده في الباب، حيث قال: "وإن راَه خاليًا قبّله ثلاثًا". وقال السنديّ: قلت: وكأنه راعى ههنا أنه قبّله إذا رآه خاليًا، فعدّه كيفيّة، ولما كان دلالة الحديث على الكمية ظاهرة، دون الكيفية صار ترجمة الكيفية أوفق بِدَأْ به؛ لأن دأبه -رحمه اللَّه تعالى- التنبيه على الدقائق، فليتأمل. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٩٣٩ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ, عَنْ حَنْظَلَةَ, قَالَ: رَأَيْتُ طَاوُسًا, يَمُرُّ بِالرُّكْنِ, فَإِنْ وَجَدَ عَلَيْهِ زِحَامًا مَرَّ, وَلَمْ يُزَاحِمْ, وَإِنْ رَآهُ خَالِيًا, قَبَّلَهُ ثَلَاثًا, ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ, فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ, وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ, فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ, ثُمَّ قَالَ: إِنَّكَ حَجَرٌ لَا تَنْفَعُ, وَلَا تَضُرُّ, وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبَّلَكَ, مَا قَبَّلْتُكَ, ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عمرو بن عثمان" بن سعيد بن كثير الحمصيّ، ثقة [١٠] ٢١/ ٥٣٥.
و"الوليد": هو ابن مسلم أبو العباس الدمشقيّ، ثقة، لكنه كثير التدليس، والتسوية [٨] ٥/ ٤٥٤.
و"حنظلة": هو ابن أبي سفيان الجمحيّ المكيّ، ثقة حجة [٦] ١٢/ ١٢.
وقوله: "رأيت رسول اللَّه ﷺ فعل مثل ذلك" فيه ما يُشعِرُ بأن قوله: "إنك حجر لا تضر، ولا تنفع" مرفوع إلى النبيّ ﷺ ، كما قاله الحافظ في "الفتح" (٢).
والحديث بهذا الإسناد لا يصحّ؛ لأن فيه الوليد، وهو مشهور بتدليس التسوية، وقد تقدّم في الباب كونه متّفقًا عليه بالسياق الماضي، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 13125
١٤٩ - (كَيفَ يَطُوفُ أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ، وَعَلَى أَيِّ شِقَّيْهِ يَأْخُذُ إِذَا اسْتَلَمَ الْحَجَرَ)
٢٩٤٠ - (أَخْبَرَنِي عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ وَاصِلِ بْنِ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَابِرٍ, قَالَ: "لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ, دَخَلَ الْمَسْجِدَ, فَاسْتَلَمَ الْحَجَرَ, ثُمَّ مَضَى عَلَى يَمِينِهِ, فَرَمَلَ ثَلَاثًا, وَمَشَى أَرْبَعًا, ثُمَّ أَتَى الْمَقَامَ, فَقَالَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] , فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ, وَالْمَقَامُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ, ثُمَّ أَتَى الْبَيْتَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ, فَاسْتَلَمَ الْحَجَرَ, ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عبد الأعلى بن واصل بن عبد الأعلى) الأسديّ الكوفيّ، ثقة، من كبار [١٠] ٥٤/ ٦١٨.
٢ - (يحيى بن آدم) بن سليمان، الأمويّ مولاهم، أبو زكريا الكوفيّ، ثقة حافظ فاضل، من كبار [٩] ٩٢/ ١١٤.
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ الكوفيّ الإمام الحجة الثبت [٧] ٣٣/ ٣٧.
٤ - (جعفر بن محمد) بن عليّ الهاشميّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ المعروف بالصادق، صدوق فقيه إمام [٦] ١٢٣/ ١٨٢.
٥ - (أبوه) محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، أبو جعفر المدنيّ المعروف بالباقر، ثقة فاضل [٤] ١٢٣/ ١٨٢.
٦ - (جابر) بن عبد اللَّه بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَمِيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٣١/ ٣٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو، والترمذيّ. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالكوفيين، والثاني مسلسل بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. (ومنها): أن فيه جابرًا - رضي اللَّه تعالى عنه - من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 13126
شرح الحديث
(عَنْ جَابِرٍ) بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: "لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَةَ، دَخَلَ الْمَسْجِدَ) أي المسجد الحرام (فَاسْتَلَمَ الْحَجَرَ) أي الأسود، وفي رواية مسلم: "فاستلم الركن". والاستلام افتعال من السَّلام -بفتح السين- بمعنى التحيّة، وأهل اليمن يسمّون الركن بالمحيَّا؛ لأن الناس يحيّونه بالاستلام. وقيل: من السِّلَام - بكسر السين- وهي الحجارة، واحدتها سَلِمة -بكسر اللام-، يقال: استلم الحجر: إذا لَثَمه، وتناوله، والمعنى وضع يديه عليه، وقتله (ثُمَّ مَضَى عَلَى يَمِينِهِ) أي أخذ في الطواف من يمين نفسه، أو يمين البيت، يعني أنه بدأ من يمين البيت، إذ الحجر الأسود في يمينه، فإذا بدأ به، فقد بدأ باليمين، ويمين البيت إنما يظهر للمحاذاة للباب، إذ الباب بمنزلة الوجه، فما كان في يسار المحاذي، فهو يمين البيت على قياس من يُحاذي وجه إنسان، فيسار المحاذي يمين من يحاذيه، والأقرب هو الأول، وهو أن المراد يمين الطائف، قاله السنديّ.
ونقل السيوطيّ، عن الشيخ عز الدين ابن عبد السلام، أنه قال: يجعل الطائف البيت عن يساره، ويبدأ بالحجر الأسود؛ لأن الحجر إذا استقبل البيت من ثنية كدى، من باب بني شيبة يبقى في ركن البيت على يسارك، وهو يمين البيت؛ لأنك إذا قابلت شخصًا، فيمينه يسارك، ويساره يمينك، والذي يلاقيك من البيت هو وجهه؛ لأن فيه بابه، وباب البيت أيَّ بيت كان هو وجه لذلك البيت، والأدب أن لا يؤتى الأفاضل إلا من قبل وجوههم، ولأجل ذلك كان الابتداء بثنيّة كدى. والأصل في كلّ قربة يصحّ فعلها باليمين واليسار أن لا تُفعل إلا باليمين، كالوضوء، وغيره، فإذا ابتدأ بالحجر، وجعل البيت على يساره كان قد ابتدأ باليمين والوجه معًا، فيجمع بين الفاضلين الكريمين، ولو ابتدأ بالحجر، وجعل البيت على يمينه ترك الابتداء بالوجه، ويمينُ البيت جميع الحائط الذي بعد الحائط الذي فيه الباب (١)، ويسار البيت الحائط الذي يقابله، ودُبُر البيت الحائط الذي يقابل الحائط الذي فيه الباب انتهى (٢).
وفيه استحباب ابتداء الطواف من اليمين (فَرَمَلَ) بفتح الميم، من باب نصر، والرمَلُ -بفتحتين-: إسراع المشي مع تقارب الْخُطَا، وهو الخبب، وهو دون العدو، والوثوب. وفي "المرعاة": أي مشى بسرعة مع تقارب الْخُطَا، وهزّ كتفيه
стр. 13127
(ثَلَاثًا) أي ثلاث مرّات من الأشواط السبعة. زاد في رواية أحمد: "حتى عاد إليه" (وَمَشَى) أي على السكون والهِينَةِ (أَرْبَعًا) أي أربع مرّات من الأشواط السبعة (ثُمَّ أَتَى الْمَقَامَ) أي مقام إبراهيم ﵇، وهو موضع قيامه، وهو الحجر الذي قام عليه عند بناء البيت، وفيه أثر قدميه (فَقَالَ) أي قرأ ﷺ قوله تعالى ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ بكسر الخاء على الأمر، أي وقلنا: اتخذوا منه موضع صلاة. ويجوز أن يكون معطوفًا على ﴿واذكروا نعمتي﴾، أو على معنى "مثابة".، أي ثُبوا إليه، واتخذوا. والأمر فيه للاستحباب بالاتفاق. وقرأ نافع، وابن عامر ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ بلفظ الماضي، عطفًا على ﴿جعلنا﴾، أو تقدير "إذ"، أي إذ جعلنا، وإذ اتخذوا (١).
وفيه إشارة إلى أن فعله ﷺ هذا تفسير لهذه الآية ﴿مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ هو الحجر الذي فيه أثر قدميه على الأصحّ. وعن عطاء: مقام إبراهيم عرفةُ، وغيرُها من المناسك؛ لأنه قام فيها، ودعا. وعن النخعيّ: الحرم كله. وكذا رواه الكلبيّ عن أبي صالح، عن ابن عباس. قاله في "الفتح" (٢) (مُصَلّى) بالتنوين، أي موضع صلاة الطواف (فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ) وفي الرواية في -١٦٤/ ٢٩٦٤ - : "فقرأ فاتحة الكتاب، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ " (وَالْمَقَامُ بَينَهُ وَبَينَ الْبَيتِ) جملة حالية، أي والحال أن مقام إبراهيم بينه ﷺ وبين البيت (ثُمَّ أَتَى الْبَيْتَ بَعْدَ الرَّكعَتَينِ، فَاسْتَلَمَ الْحَجَرَ) قال النوويّ: فيه دلالة لما قاله الشافعيّ، وغيره، من العلماء: إنه يستحبّ للطائف طوافَ القدوم إذا فرغ من الطواف، وصلاتِهِ خلف المقام أن يعود إلى الحجر، فيستلمه، ثم يخرج من باب الصفا ليسعى. واتفقوا على أن هذا الاستلام ليس بواجب، وإنما هو سنة، لو تركه لم يلزمه دم انتهى (ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا) أي إلى جهة الصفا.
والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به في ٤٦/ ٢٧١٢ فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 13128
١٥٠ - (كَمْ يَسْعَى؟)
٢٩٤١ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ,, "أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ, كَانَ يَرْمُلُ الثَّلَاثَ, وَيَمْشِي الأَرْبَعَ, وَيَزْعُمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. و"يحيى": هو القطّان. و"عبيد اللَّه: هو ابن عمر العمريّ.
والحديث متّفق عليه، وقد سبق مطولاً في ٥٠/ ٢٧٣٢ - وقد استوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، وموضع الشاهد هنا قوله: "يرمُلُ الثلاث"؛ لأن معناه الإسراع في الأشواط الثلاث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٥١ - (كَمْ يَمْشِي؟)
٢٩٤٢ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ, عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , كَانَ إِذَا طَافَ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ, أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ, فَإِنَّهُ يَسْعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ, وَيَمْشِي أَرْبَعًا, ثُمَّ يُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ, ثُمَّ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا
غير مرّة. و"يعقوب": هو ابن عبد الرحمن القاريّ المدنيّ، ثم الإسكندرانيّ الثقة.
وقوله: "أول ما يقدم" منصوب على الظرفية، متعلّق بـ"طاف"، و"يقدم" بفتح الدال، من باب تَعِب، أي يدخل المسجد الحرام.
ودلالة الحديث على الترجمة واضحة، وهو حديث متفق عليه، وقد سبق تمام الكلام فيه في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 13129
١٥٢ - (الْخَبَبُ فِي الثَّلَاَثَةِ مِنَ السِّبْعِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الخبب" بفتحتين: ضرب من الْعَدْو، وهو خَطْوٌ فَسِيحٌ، دون الْعَنَق. أفاده الفيّوميّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٩٤٣ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو, وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ, عَنِ ابْنِ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ سَالِمٍ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ, يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ الأَسْوَدَ, أَوَّلَ مَا يَطُوفُ, يَخُبُّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنَ السَّبْعِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، "سليمان ابن داود"، أبي الربيع المصريّ ابن أخي رشدين بن سعد، فإنه تفرّد به، هو وأبو داود، وهو ثقة.
و"أحمد بن عمرو": هو ابن السرح، أبو الطاهر المصريّ.
وقوله: "يخُبُّ" بضم الخاء المعجمة، من باب نصر: أي يَعْدُو، ويُسْرع.
والحديث صحيح، سبق الكلام عليه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٥٣ - (الرَّمَلُ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ)
٢٩٤٤ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدٌ, وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ, قَالَا: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ كَثِيرِ بْنِ فَرْقَدٍ, عَنْ نَافِعٍ, أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ, كَانَ يَخُبُّ فِي طَوَافِهِ, حِينَ يَقْدَمُ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ ثَلَاثًا, وَيَمْشِي أَرْبَعًا, قَالَ: "وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ ذَلِكَ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم": هو المصريّ الفقيه الثقة [١١] ١٢٠/ ١٦٦. من أفراد المصنّف.
стр. 13130
و"عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عبد الحكم" بن أعين بن ليث، أبو القاسم المصريّ، ثقة [١١].
قال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائيّ: لا بأس به. وقال ابن يونس: كان فقيها، والأغلب عليه الحديث، والأخبار، وكان ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال القُضاعيّ: كان من أهل الحديث، عالمًا بالتواريخ، صنّف "تاريخ مصر" وغيره. قال أبو الحسن بن قُديد: توفّي في المحرّم سنة (٢٥٧)، وسنّه نحو السبعين. انفرد به المصنّف، روى عنه في عشرة مواضع برقم ٢٩٤٤ و ٣٤٠٩ و ٣٩١٣ و٣٩٣١ و ٣٩٣٢ و٤١٣٧ و ٤٤٩٨ و ٤٦٠٨ و ٤٦٦٨ و ٥٠٩٢.
و"كثير بن فَرقد": هو المدنيّ، نزيل مصر، ثقة [٧].
والحديث متّفق عليه، وقد سبق الكلام فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٥٤ - (الرَّمَلُ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ)
٢٩٤٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ, قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ, عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , رَمَلَ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ, حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فقد تفرّد به هو، وأبو داود، وهو ثقة.
وقوله: "من الحجر إلى الحجر" أي مبتدأ من الحجر الأسود، ومنهيًا به، يعني في تمام دورة الطواف.
وقوله: "ثلاثة أطواف" منصوب على الظرفية متعلق بـ"رمل"، أو منصوب بنزع الخافض، أي في ثلاثة أشواط.
والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق الكلام فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب،