← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 13126–13165 · переход к 13131.

стр. 13126

شرح الحديث (عَنْ جَابِرٍ) بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: "لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَةَ، دَخَلَ الْمَسْجِدَ) أي المسجد الحرام (فَاسْتَلَمَ الْحَجَرَ) أي الأسود، وفي رواية مسلم: "فاستلم الركن". والاستلام افتعال من السَّلام -بفتح السين- بمعنى التحيّة، وأهل اليمن يسمّون الركن بالمحيَّا؛ لأن الناس يحيّونه بالاستلام. وقيل: من السِّلَام - بكسر السين- وهي الحجارة، واحدتها سَلِمة -بكسر اللام-، يقال: استلم الحجر: إذا لَثَمه، وتناوله، والمعنى وضع يديه عليه، وقتله (ثُمَّ مَضَى عَلَى يَمِينِهِ) أي أخذ في الطواف من يمين نفسه، أو يمين البيت، يعني أنه بدأ من يمين البيت، إذ الحجر الأسود في يمينه، فإذا بدأ به، فقد بدأ باليمين، ويمين البيت إنما يظهر للمحاذاة للباب، إذ الباب بمنزلة الوجه، فما كان في يسار المحاذي، فهو يمين البيت على قياس من يُحاذي وجه إنسان، فيسار المحاذي يمين من يحاذيه، والأقرب هو الأول، وهو أن المراد يمين الطائف، قاله السنديّ. ونقل السيوطيّ، عن الشيخ عز الدين ابن عبد السلام، أنه قال: يجعل الطائف البيت عن يساره، ويبدأ بالحجر الأسود؛ لأن الحجر إذا استقبل البيت من ثنية كدى، من باب بني شيبة يبقى في ركن البيت على يسارك، وهو يمين البيت؛ لأنك إذا قابلت شخصًا، فيمينه يسارك، ويساره يمينك، والذي يلاقيك من البيت هو وجهه؛ لأن فيه بابه، وباب البيت أيَّ بيت كان هو وجه لذلك البيت، والأدب أن لا يؤتى الأفاضل إلا من قبل وجوههم، ولأجل ذلك كان الابتداء بثنيّة كدى. والأصل في كلّ قربة يصحّ فعلها باليمين واليسار أن لا تُفعل إلا باليمين، كالوضوء، وغيره، فإذا ابتدأ بالحجر، وجعل البيت على يساره كان قد ابتدأ باليمين والوجه معًا، فيجمع بين الفاضلين الكريمين، ولو ابتدأ بالحجر، وجعل البيت على يمينه ترك الابتداء بالوجه، ويمينُ البيت جميع الحائط الذي بعد الحائط الذي فيه الباب (١)، ويسار البيت الحائط الذي يقابله، ودُبُر البيت الحائط الذي يقابل الحائط الذي فيه الباب انتهى (٢). وفيه استحباب ابتداء الطواف من اليمين (فَرَمَلَ) بفتح الميم، من باب نصر، والرمَلُ -بفتحتين-: إسراع المشي مع تقارب الْخُطَا، وهو الخبب، وهو دون العدو، والوثوب. وفي "المرعاة": أي مشى بسرعة مع تقارب الْخُطَا، وهزّ كتفيه

стр. 13127

(ثَلَاثًا) أي ثلاث مرّات من الأشواط السبعة. زاد في رواية أحمد: "حتى عاد إليه" (وَمَشَى) أي على السكون والهِينَةِ (أَرْبَعًا) أي أربع مرّات من الأشواط السبعة (ثُمَّ أَتَى الْمَقَامَ) أي مقام إبراهيم ﵇، وهو موضع قيامه، وهو الحجر الذي قام عليه عند بناء البيت، وفيه أثر قدميه (فَقَالَ) أي قرأ ﷺ قوله تعالى ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ بكسر الخاء على الأمر، أي وقلنا: اتخذوا منه موضع صلاة. ويجوز أن يكون معطوفًا على ﴿واذكروا نعمتي﴾، أو على معنى "مثابة".، أي ثُبوا إليه، واتخذوا. والأمر فيه للاستحباب بالاتفاق. وقرأ نافع، وابن عامر ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ بلفظ الماضي، عطفًا على ﴿جعلنا﴾، أو تقدير "إذ"، أي إذ جعلنا، وإذ اتخذوا (١). وفيه إشارة إلى أن فعله ﷺ هذا تفسير لهذه الآية ﴿مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ هو الحجر الذي فيه أثر قدميه على الأصحّ. وعن عطاء: مقام إبراهيم عرفةُ، وغيرُها من المناسك؛ لأنه قام فيها، ودعا. وعن النخعيّ: الحرم كله. وكذا رواه الكلبيّ عن أبي صالح، عن ابن عباس. قاله في "الفتح" (٢) (مُصَلّى) بالتنوين، أي موضع صلاة الطواف (فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ) وفي الرواية في -١٦٤/ ٢٩٦٤ - : "فقرأ فاتحة الكتاب، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ " (وَالْمَقَامُ بَينَهُ وَبَينَ الْبَيتِ) جملة حالية، أي والحال أن مقام إبراهيم بينه ﷺ وبين البيت (ثُمَّ أَتَى الْبَيْتَ بَعْدَ الرَّكعَتَينِ، فَاسْتَلَمَ الْحَجَرَ) قال النوويّ: فيه دلالة لما قاله الشافعيّ، وغيره، من العلماء: إنه يستحبّ للطائف طوافَ القدوم إذا فرغ من الطواف، وصلاتِهِ خلف المقام أن يعود إلى الحجر، فيستلمه، ثم يخرج من باب الصفا ليسعى. واتفقوا على أن هذا الاستلام ليس بواجب، وإنما هو سنة، لو تركه لم يلزمه دم انتهى (ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا) أي إلى جهة الصفا. والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به في ٤٦/ ٢٧١٢ فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 13128

١٥٠ - (كَمْ يَسْعَى؟) ٢٩٤١ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ,, "أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ, كَانَ يَرْمُلُ الثَّلَاثَ, وَيَمْشِي الأَرْبَعَ, وَيَزْعُمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. و"يحيى": هو القطّان. و"عبيد اللَّه: هو ابن عمر العمريّ. والحديث متّفق عليه، وقد سبق مطولاً في ٥٠/ ٢٧٣٢ - وقد استوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، وموضع الشاهد هنا قوله: "يرمُلُ الثلاث"؛ لأن معناه الإسراع في الأشواط الثلاث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٥١ - (كَمْ يَمْشِي؟) ٢٩٤٢ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ, عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , كَانَ إِذَا طَافَ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ, أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ, فَإِنَّهُ يَسْعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ, وَيَمْشِي أَرْبَعًا, ثُمَّ يُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ, ثُمَّ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. و"يعقوب": هو ابن عبد الرحمن القاريّ المدنيّ، ثم الإسكندرانيّ الثقة. وقوله: "أول ما يقدم" منصوب على الظرفية، متعلّق بـ"طاف"، و"يقدم" بفتح الدال، من باب تَعِب، أي يدخل المسجد الحرام. ودلالة الحديث على الترجمة واضحة، وهو حديث متفق عليه، وقد سبق تمام الكلام فيه في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 13129

١٥٢ - (الْخَبَبُ فِي الثَّلَاَثَةِ مِنَ السِّبْعِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الخبب" بفتحتين: ضرب من الْعَدْو، وهو خَطْوٌ فَسِيحٌ، دون الْعَنَق. أفاده الفيّوميّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٩٤٣ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو, وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ, عَنِ ابْنِ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ سَالِمٍ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ, يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ الأَسْوَدَ, أَوَّلَ مَا يَطُوفُ, يَخُبُّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنَ السَّبْعِ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، "سليمان ابن داود"، أبي الربيع المصريّ ابن أخي رشدين بن سعد، فإنه تفرّد به، هو وأبو داود، وهو ثقة. و"أحمد بن عمرو": هو ابن السرح، أبو الطاهر المصريّ. وقوله: "يخُبُّ" بضم الخاء المعجمة، من باب نصر: أي يَعْدُو، ويُسْرع. والحديث صحيح، سبق الكلام عليه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٥٣ - (الرَّمَلُ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ) ٢٩٤٤ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدٌ, وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ, قَالَا: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ كَثِيرِ بْنِ فَرْقَدٍ, عَنْ نَافِعٍ, أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ, كَانَ يَخُبُّ فِي طَوَافِهِ, حِينَ يَقْدَمُ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ ثَلَاثًا, وَيَمْشِي أَرْبَعًا, قَالَ: "وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ ذَلِكَ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم": هو المصريّ الفقيه الثقة [١١] ١٢٠/ ١٦٦. من أفراد المصنّف.

стр. 13130

و"عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عبد الحكم" بن أعين بن ليث، أبو القاسم المصريّ، ثقة [١١]. قال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائيّ: لا بأس به. وقال ابن يونس: كان فقيها، والأغلب عليه الحديث، والأخبار، وكان ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال القُضاعيّ: كان من أهل الحديث، عالمًا بالتواريخ، صنّف "تاريخ مصر" وغيره. قال أبو الحسن بن قُديد: توفّي في المحرّم سنة (٢٥٧)، وسنّه نحو السبعين. انفرد به المصنّف، روى عنه في عشرة مواضع برقم ٢٩٤٤ و ٣٤٠٩ و ٣٩١٣ و٣٩٣١ و ٣٩٣٢ و٤١٣٧ و ٤٤٩٨ و ٤٦٠٨ و ٤٦٦٨ و ٥٠٩٢. و"كثير بن فَرقد": هو المدنيّ، نزيل مصر، ثقة [٧]. والحديث متّفق عليه، وقد سبق الكلام فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٥٤ - (الرَّمَلُ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ) ٢٩٤٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ, قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ, عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , رَمَلَ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ, حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فقد تفرّد به هو، وأبو داود، وهو ثقة. وقوله: "من الحجر إلى الحجر" أي مبتدأ من الحجر الأسود، ومنهيًا به، يعني في تمام دورة الطواف. وقوله: "ثلاثة أطواف" منصوب على الظرفية متعلق بـ"رمل"، أو منصوب بنزع الخافض، أي في ثلاثة أشواط. والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق الكلام فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب،

стр. 13131

وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٥٥ - (الْعِلَّةُ التِي مِنْ أَجْلِهَا سَعَى النَّبِيُّ ﷺ بِالْبَيْتِ) ٢٩٤٦ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ مَكَّةَ, قَالَ الْمُشْرِكُونَ: وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ, وَلَقَوْا مِنْهَا شَرًّا, فَأَطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﵊ عَلَى ذَلِكَ, فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَرْمُلُوا, وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ, وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ مِنَ نَاحِيَةِ الْحِجْرِ, فَقَالُوا: لَهَؤُلَاءِ أَجْلَدُ مِنْ كَذَا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن سليمان) بن حبيب الأسديّ، أبو جعفر العلاّف الكوفيّ، ثم المصيصي، الملقّب بلُوين، ثقة [١٠] ١٧١/ ١١٤٠. ٢ - (حماد بن زيد) بن درهم الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت فقيه، من كبار [٨] ٣/ ٣. ٣ -) أيوب) بن أبي تميمة السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت فقيه عابد [٥] ٤٢/ ٤٧. ٤ - (ابن جبير) هو سعيد الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه عابد [٣] ٢٨/ ٤٣٦. ٥ - (ابن عبّاس) عبد اللَّه البحر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد انفرد به هو، وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، وابن جُبير، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 13132

شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ مَكَّةَ، قَالَ الْمُشرِكُونَ: وَهَنَتْهُمْ) بتخفيف الهاء، وتشديدها، ويقال: أوهن بالهمز: أي أضعفهتم (حُمَّى يَثْرِبَ) -بفتح الياء التحتيّة، وسكون الثاء المثلّثة، وكسر الراء، آخره باء موحّدة-، غير منصرف: اسم مدينة النبيّ ﷺ في الجاهليّة، نهى النبيّ ﷺ عن تسميتها بذلك، وإنما ذكر ابن عباس ذلك حكاية لكلام المشركين (وَلَقُوا مِنْهَا شَرًّا، فَأَطْلَعَ) بقطع الهمزة، رباعيًا، أي أعلم (اللَّهُ نَبِيَّهُ ﵊ عَلَى ذَلِكَ) أي ما تكلّم به المشركون فيما بينهم (فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَرْمُلُوا) بضم الميم، من باب نصر، وهو في موضع المفعول الثاني لـ"أمر أصحابه"، يقال: أمرته كذا، وأمرته بكذا، يعني أمرهم بأن يسرعوا ما بين الركنين الشامي والعراقيّ (وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكنَيْنِ) أي اليمانين، وعند أبي داود من وجه آخر: "وكانوا إذا تواروا عن قريش بين الركنين مشَوْا، وإذا طلعوا عليهم رَمَلُوا". زاد في رواية الشيخين: "ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرمُلُوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم". وقوله: "الأشواط" بفتح الهمزة، بعدها معجمة، جمع شوط، بفتح، فسكون: وهو الجري مرّة إلى الغاية، والمراد به هنا الطوفة حول الكعبة. وقوله: "إلا الإبقاء" بكسر الهمزة، وبالموحّدة، والقاف: الرفق، والشفقة، وهو بالرفع على أنه فاعل "لم يمنعه"، ويجوز النصب. قاله في "الفتح" (١). وفي رواية للبخاريّ من طريق عطاء عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: "إنما سعى رسول اللَّه ﷺ بالبيت، وبين الصفا والمروة؛ ليري المشركين قوّته". وفيه بيان أن علة السعي بين الصفا والمروة هي علة الرمل في الطواف بالبيت. وروى ابن خزيمة، والفاكهيّ من طريق أبي الطفيل، قال: سألت ابن عباس عن السعي؟ فقال: "لَمّا بعث اللَّه جبريل إلى إبراهيم ﵇ ليريه المناسك، عرض له الشيطان بين الصفا والمروة، فأمر اللَّه أن يُجيز الوادي، قال ابن عباس: فكانت سنة". وفي "كتاب الأنبياء" من "صحيح البخاري" أن ابتداء ذلك كان من هاجر. وروى الفاكهيّ بإسناد حسن عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: "هذا ما أورثتكموه أم إسماعيل".

стр. 13133

ولا تخالف بين هذه الروايات، إذ يمكن أن تكون هذه الأشياء سببًا للمشروعية، فكانت أم إسماعيل أقدم، ثم إبراهيم ﵇ بعد بناء البيت، ثم النبيّ ﷺ حينما تحدث المشركون بضعفهم، وتأثير الحمى فيهم. واللَّه تعالى أعلم. (وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ نَاحِيَةِ الْحِجْرِ) بكسر الحاء المهملة، وسكون الجيم. وفي رواية للبخاريّ: "والمشركون من قبل قُعَيقعان"، والمراد أن من كان هناك، يُشرف على الركنين الشاميين، ومن كان به لا يرى من بين الركنين اليمانيين (فَقَالُوا) أي المشركون لَمّا رأوا رَمَلَ الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم - (لَهَؤُلَاءِ) بفتح اللام، وهي لام الابتداء (أَجْلَدُ مِنْ كَذَا) اسم تفضيل من الْجَلَد، وهو القوّة، أي أقوى. قال الشيخ عزّ الدين ابن عبد السلام -رحمه اللَّه تعالى-: فكان ذلك ضربًا من الجهاد، قال: وعلّته في حقّنا تذكر نعمة اللَّه تعالى على نبيّه ﷺ بالعزة بعد الذلة، وبالقوة بعد الضعف، حتى بلغ عسكره ﷺ سبعين ألفًا انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ١٥٥/ ٢٩٤٦ و ١٧٦/ ٢٩٨٠ - وفي "الكبرى" ١٥٦/ ٣٩٤٢ و ١٧٦/ ٣٩٧٣. وأخرجه (خ) في "الحج" ١٦٠٢ و ١٦٤٩ و"المغازي" ٤٢٥٦ و ٤٢٥٧ (م) في "الحجّ" ١٢٦٤و ١٢٦٦ (د) في "المناسك" ١٨٨٥ و ١٨٨٦ و ١٨٨٩ و١٨٩٠ (ت) في "الحج" ٨٦٣ (ق) في "المناسك" ٢٩٥٣ (أحمد) في "مسند بني هاشم" ٢٣٠٥ و ٢٦٣٤ و٢٧٨١ و ٣٥٢٤. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان العلة التي شرع من أجلها الرمل في الطواف، وهو أن يرى المشركون الذين قالوا: سَيَقْدَم عليكم قوم وهنتهم حمّى يثرب. (ومنها): أن فيه مشروعية إظهار القوّة بالعُدّة، والسلاح، ونحو ذلك للكفّار إرهابًا لهم، ولا يعد ذلك من الرياء المذموم. (ومنها): جواز المعاريض بالفعل، كما يجوز بالقول، وربّما كانت بالفعل أولى. (ومنها): أن في قوله: "الأشواط" جواز تسمية الطوفة شوطًا. ونُقل عن مجاهد، والشافعيّ كراهة تسميتها شوطًا، أو دورًا، بل تسمّى طوفة، وهذا الحديث ظاهر في أنه لا كراهة في تسميها

стр. 13134

شوطًا، فالصحيح أنه لا كراهة في ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٩٤٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ, قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ, عَنِ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ؟ , فَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُ, وَيُقَبِّلُهُ, فَقَالَ الرَّجُلُ: أَرَأَيْتَ إِنْ زُحِمْتُ عَلَيْهِ, أَوْ غُلِبْتُ عَلَيْهِ, فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ اجْعَلْ أَرَأَيْتَ بِالْيَمَنِ, رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُ, وَيُقَبِّلُهُ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا، سوى: ١ - (الزبير بن عربيّ) -بفتح الراء، بعدها موحّدة- النَّمَريّ، أبو سلمة البصريّ، ليس به بأس [٤]. روى عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -. وعنه ابنه إسماعيل، وحماد بن زيد، وسعيد بن زيد، ومعمر. قال الأثرم، عن أحمد: أراه لا بأس به. وقال ابن معين: ثقة. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له البخاريّ، والترمذيّ، والمصنّف، وله عندهم حديث الباب فقط. [تنبيه]: وقع في نسخ "المجتبى" "الزبير بن عدي" بالدال المهملة بدل الراء، والصواب "عربيّ" بالراء، والموحدة-، راجع "تحفة الأشراف" ٥/ ٣٤٥ - و"تهذيب التهذيب" ١/ ٦٢٦. وقال في "الفتح": قال أبو عليّ الجيانيّ: وقع عند الأصيلي، عن أبى أحمد الجرجاني "الزبير بن عدي" -بدال مهملة، بعدها ياء مشددة، وهو وَهَمٌ، وصوابه "عربي" -براء مهملة مفتوحة، بعدها موحدة، ثم ياء مشددة- كذلك رواه سائر الرواة عن الفربري. انتهى. وكأن البخاري استشعر هذا التصحيف، فأشار إلى التحذير منه، فَحَكَى الفربري أنه وجد في كتاب أبي جعفر -يعني محمد بن أبي حاتم، وَرّاق البخاري- قال: قال أبو عبد اللَّه -يعني البخاري-: الزبير بن عربي هذا بصري، والزبير بن عدي كوفي. انتهى. هكذا وقع عند أبي ذر عن شيوخه، عن الفربري. وعند الترمذيّ من غير رواية الكرخي، عقب هذا الحديث: "الزبير" هذا هو ابن عربي، وأما الزبير بن عدي، فهو كوفي. قال الحافظ: ويؤيده أن في رواية أبي داود "الزبير بن العربيّ" بزيادة ألف ولام، وذلك مما يرفع الاشكال (١). واللَّه تعالى أعلم. و"حماد": هو ابن زيد.

стр. 13135

وقوله: "سأل رجل الخ" السائل هو الزبير بن عربيّ، فقد وقع عند أبي داود الطيالسيّ، عن حماد: "حدثنا الزبير، سألت ابن عمر … ". وقوله: "أرأيت إن زُحمت" أي أخبرني ما أصنع إذا زُحمت، و"زُحمت" بضم الزاي بالبناء للمفعول، بغير إشباع. وفي بعض الروايات بزيادة واو. قاله في "الفتح" (١). وقوله: "اجعل أرأيت باليمن" قال الحافظ: يشعر بأن الرجل يمانيّ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في هذا الإشعار نظر، فقد وقع في رواية أبي داود المذكورة بدل قوله: "اجعل أرأيت باليمن": "اجعل أرأيت عند ذلك الكوكب". فتفطّن. واللَّه تعالى أعلم. وإنما قال له ابن عمر ذلك؛ لأنه فهم منه معارضة الحديث بالرأي، فأنكر عليه ذلك، وأمره إذا سمع الحديث أن يأخذ به، ويتقي الرأي. والظاهر أن ابن عمر لم ير الزحام عذرًا في ترك الاستلام. وقد روى سعيد بن منصور من طريق القاسم بن محمد، قال: "رأيت ابن عمر يزاحم على الركن حتى يدمى". ومن طريق أخرى، أنه قيل له في ذلك، فقال: هوت الأفئدة إليه، فأريد أن يكون فؤادي معهم. وروى الفاكهيّ، من طرق، عن ابن عباس كراهة المزاحمة، وقال: لا يؤذي، ولا يؤذَى. [تنبيه]: المستحبّ في التقبيل أن لا يرفع به صوته. وروى الفاكهيّ عن سعيد بن جبير، قال: إذا قبّلت الركن، فلا ترفع بها صوتك، كقبلة النساء. ذكره في "الفتح" (٢). والحديث أخرجه البخاريّ برقم (١٦١١) وقد تقدم تخريجه في - ٥٠/ ٢٧٣٢ - وفيه دلالة على استحباب الجمع بين الاستلام، والتقبيل للحجر الأسود، والاستلام المسح باليد، والتقبيل بالفم. وهذا بخلاف الركن اليماني، فالمستحبّ فيه الاستلام، دون التقبيل؛ لعدم ثبوت دليل عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 13136

١٥٦ - (اسْتِلَامُ الرُّكْنَينِ فِي كُلِّ طَوَافٍ) ٢٩٤٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنِ ابْنِ أَبِي رَوَّادٍ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَ, وَالْحَجَرَ فِي كُلِّ طَوَافٍ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"يحيى": هو القطان. و"ابن أبي روّاد": هو عبد العزيز بن أبي روّاد ميمون، أبو عبد الرحمن المكيّ، صدوق عابد، ربما وهم، ورمي بالإرجاء [٧] ٩٣/ ١٣٥١. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق البحث فيه في ٥٠/ ٢٧٣٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٩٤٩ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَا: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , كَانَ لَا يَسْتَلِمُ إِلاَّ الْحَجَرَ, وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه إسماعيل بن مسعود، فإنه من أفراده، وهو ثقة. و"خالد": هو ابن الحارث الهجيميّ. والحديث متّفق عليه، كما سبق بيانه فيما قبله. ودلالته على ما ترجم له غير واضحة، وكان الأولى إيراده تحت الترجمة الآتية بعد باب: "ترك استلام الركنين الآخرين"، كما فعل في "الكبرى". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٥٧ - (مَسْحُ الرُكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الركنان اليمانيّان: هما الركن الأسود، والركن اليماني، وإنما قيل لهما اليمانيان للتغليب، كما قيل في الأب والأمّ الأبوان، وفي الشمس والقمر: القمران، وفي أبي بكر، وعمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -: العمران، وفي

стр. 13137

الماء والتمر: الأسودان، ونظائره كثيرة. واليمانيان بتخفيف الياء، هذه اللغة الفصحى المشهورة. وحكى سيبويه، والجوهريّ، وغيرهما فيها لغة أخرى بالتشديد، فمن خفّف قال: هذه نسبة إلى اليمن، فالألف عوض من إحدى ياءي النسب، فتبقى الياء الأخرى مخففة، ولو شدّدناها لكان جمعًا بين العوض والمعوّض، وذلك ممتنع، ومن شدّد قال: الألف في اليماني زائدة، وأصله اليمنيّ، فتبقى الياء مشدّدة، وتكون الألف زائدة، كما زيدت النون في صنعاني، ورقبانيّ، ونظائر ذلك. قاله النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح مسلم" (١). و"اليمانيّ" نسبة إلى اليمن الإقليم المعروف، سمي بذلك لأنه عن يمين الشمس عند طلوعها. وقيل: لأنه عن يمين الكعبة، والقياس في النسبة إليه يمنيّ بدون ألف، وقد سمع الوجهان، وإذا كان مع الألف ففيه مذهبان: [أحدهما]: وهو الأشهر تخفيفها، واقتصر عليه كثيرون، وبعضهم ينكر التثقيل. ووجهه أن الألف دخلت قبل الياء لتكون عوضًا عن التثقيل، فلا يثقّل لئلا يُجمع بين العوض، والمعوّض عنه. [والثاني]: التثقيل؛ لأن الألف زيدت بعد النسبة، فيبقى التثقيل الدال بعد النسبة على جواز حذفها. أفاده الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى- (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٩٥٠ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ سَالِمٍ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: "لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَمْسَحُ مِنَ الْبَيْتِ, إِلاَّ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد، كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. والحديث متفق عليه، كما سبق بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 13138

١٥٨ - (تَرْكُ اسْتِلَامِ الرُكْنَيْنِ الآخَرَيْنِ) قال الجامع عفا اللَّه نعالى عنه: (اعلم): أن للبيت أربعة أركان: الركن الأسود، والركن اليماني، ويقال لهما: اليمانيان، كما سبق في الباب الماضي، وأما الركنان الآخران، فيقال لهما: الشاميّان، فالركن الأسود فيه فضيلتان: إحداهما كونه على قواعد إبراهيم ﵇، والثانية: كونه فيه الحجر الأسود. وأما اليمانيّ: ففيه فضيلة واحدة، وهي كونه على قواعد إبراهيم ﵇، وأما الركنان الآخران فليس فيهما شيء من هاتين الفضيلتين، فلهذا خصّ الحجر الأسود بشيئين الاستلام، والتقبيل؛ للفضيلتين، وأما اليمانيّ، فيستلمه، ولا يقبّله؛ لأن فيه فضيلة واحدة. وأما الركنان الآخران، فلا يقبلان، ولا يستلمان. واللَّه أعلم. وقد أجمعت الأمة على استحباب استلام الركنين اليمانيين، واتفق الجماهير على أنه لا يمسح الركنين الآخرين. واستحبّه بعض السلف، وممن كان يقول باستلامهما: الحسن، والحسين ابنا عليّ، وابن الزبير، وجابر بن عبد اللَّه، وأنس بن مالك، وعروة ابن الزبير، وأبو الشعثاء جابر بن زيد - رضي اللَّه تعالى عنهم -. قال القاضي أبو الطيّب: أجمعت أئمة الأمصار، والفقهاء على أنهما لا يُستلمان. قال: وإنما كان فيه خلاف لبعض الصحابة، والتابعين، وانقرض الخلاف، وأجمعوا على أنهما لا يُستلمان. ذكره النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٩٥١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ, وَابْنِ جُرَيْجٍ, وَمَالِكٍ, عَنِ الْمَقْبُرِيِّ, عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ, قَالَ: قُلْتُ: لاِبْنِ عُمَرَ: رَأَيْتُكَ لَا تَسْتَلِمُ مِنَ الأَرْكَانِ, إِلاَّ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ, قَالَ: "لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَسْتَلِمُ إِلاَّ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ" مُخْتَصَرٌ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و "محمد ابن العلاء": هو أبو كريب، أحد مشياخ الأئمة الستة، من دون واسطة. و "ابن إدريس": هو عبد اللَّه الأوديّ الكوفيّ. و"عبيد اللَّه": هو ابن عمر العمريّ المدنيّ

стр. 13139

الثبت. و"المقبريّ": هو سعيد بن كيسان المدنيّ. و"عبيد بن جُريج": هو التيميّ مولاهم المدنيّ الثقة [٣] ٩٥/ ١١٧. وقوله: "وابنِ جريج، ومالكٍ" بالجر عطفًا على "عبيد اللَّه"، فالثلاثة: عبيد اللَّه، وابن جريج، ومالك يروون عن سعيد المقبريّ، وقد زاد في -٥٦/ ٢٧٦٠ - معهم "ابن إسحاق"، فالأربعة كلهم يروون عن سعيد المقبريّ. فما وقع في نسخ "المجتبى" المطبوعة من ضبطه بالقلم برفع "ابن جريج، ومالك"، فغلطٌ، فليتنبّه له. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "مختصر" خبر لمحذوف، أي هو حديث مختصر من حديث طويل، وقد تقدّم بالرقم المذكور نقله مطولاً عن "صحيح البخاريّ"، فراجعه تستفد. والحديث متّفق عليه، وقد سبق البحث عنه، وعن تخريجه بالرقم المذكور. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٩٥٢ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, عَنِ ابْنِ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ,, عَنْ سَالِمٍ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: "لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , يَسْتَلِمُ مِنْ أَرْكَانِ الْبَيْتِ, إِلاَّ الرُّكْنَ الأَسْوَدَ, وَالَّذِي يَلِيهِ, مِنْ نَحْوِ دُورِ الْجُمَحِيِّينَ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فتفرد به هو، وأبو داود، وهو ثقة. وقوله: "من نحو" متعلّق بـ"يليه"، أي يتبعه من ناحية دور الجمحيين. وقوله: "دور الجُمحيين" "الدُّور" بالضمْ: جمع دار، و"الْجُمَحيين" بضم الجيم، وفتح الميم، بعدها حاء مهملة: نسبة إلى بني جمُح، بطن من قريش، وهو جمُح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر. قاله في "الأنساب" ٢/ ٨٥ - ٨٦ و"اللباب" ١/ ٢٩١. والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق القول فيه مستوفًى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجعِ والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٩٥٣ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ, عَنْ نَافِعٍ, قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ﵁ مَا تَرَكْتُ اسْتِلَامَ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ -مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُمَا- الْيَمَانِيَ, وَالْحَجَرَ, فِي شِدَّةٍ, وَلَا رَخَاءٍ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و "عبيد اللَّه بن سعيد": هو أبو قدامة السرخسيّ. و"يحيى": هو ابن سعيد

стр. 13140

القطّان. و"عبيد اللَّه": هو ابن عمر العمريّ. وقوله: "اليماني، والحجر" بالنصب بدل من قوله: "هذين الركنين". وقوله: "في شدّة، ولا رخاء" متعلق بـ"تركت"، أوبـ"استلام". وأراد بالشدّة، الزحام، أو المرض، وبالرخاء خلافه. والحديث متّفق عليه، وقد مضى القول فيه مستوفًى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٩٥٤ - (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, قَالَ: مَا تَرَكْتُ اسْتِلَامَ الْحَجَرِ, فِي رَخَاءٍ, وَلَا شِدَّةٍ, مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه "عمران بن موسى" القزّاز البصريّ، فإنه تفرد به هو، والترمذيّ، وابن ماجه، وهو ثقة. و"عبد الوارث": هو ابن سعيد بن ذكوان العنبريّ البصريّ. و"أيوب": هو السختيانيّ. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٥٩ - (استِلَامُ الرُّكْنِ بِالْمِحْجَنِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الاستلام": افتعال من السَّلَام -بالفتح-: وهو التحيّة. قاله الأزهريّ. وقيل: من السِّلَام -بالكسر-: وهو الحجارة. و"المحجن" بكسر الميم، وسكون المهملة، وفتح الجيم، بعدها نون: هو عصًا مُنْحَنية الرأس، والْحَجْنُ: الاعوجاِج، وبذلك سمي الْحَجُون. وقال الفيّوميّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: "الْمِحْجَن" وزانُ مِقْوَدٍ: خشَبَةٌ في طرفها اعوجاجٌ، مثلُ الصَّوْلَجَان. قال ابن دُرَيد: كلُّ عُود مَعْطوف الرأس، فهو مِحْجَن، والجمعُ الْمَحاجن، والْحَجُون وزانُ رسول: جَبَلٌ مُشرفٌ بمكة. انتهى وقد تقدّم بيان هذا مستوفًى، فلا تنس. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٩٥٥ - (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ, عَنِ ابْنِ وَهْبٍ, قَالَ:

стр. 13141

أَخْبَرَنِي يُونُسُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , طَافَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ, يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، سوى شيخه سليمان بن داود أبي الربيع المصريّ، فإنه تفرّد به هو، وأبو داود، وهو ثقة. و"عبيد اللَّه بن عبد اللَّه": هو الهذليّ المدنيّ، أحد الفقهاء السبعة. وقوله: "عن عبيد اللَّه" قال في "الفتح": كذا قال يونس، وخالفه الليث، وأسامة بن زيد، وزمعة بن صالح، فرووه عن الزهريّ، قال: بلغني عن ابن عباس. ولهذه النكتة استظهر البخاريّ بطريق ابن أخي الزهريّ، فقال: تابعه الدراورديّ، عن ابن أخي الزهريّ، وهذه المتابعة أخرجها الإسماعيليّ، عن الحسين بن سفيان، عن محمد بن عباد، عن عبد العزيز الدراورديّ، فذكره، ولم يقل: "في حجة الوداع"، ولا "على بعير" انتهى (١). وقوله: "يستلم الركن بمحجن" أي يومىء إلى الركن بعصاه حتى يصيبه. وزاد مسلم من حديث أبي الطفيل: "ويقبّل المحجن"، وله من حديث ابن عمر أنه: "استلم الحجر بيده، ثم قبله"، ورفع ذلك، ولسعيد بن المنصور من طريق عطاء، قال: "رأيت أبا سعيد، وأبا هريرة، وابن عمر، وجابرًا إذا استلموا الحجر قبلوا أيديهم، قيل: وابن عباس؟ قال: وابن عباس، أحسبه قال كثيرًا". وبهذا قال الجمهور: إن السنّة أن يستلم الركن، ويقبّل يده، فإن لم يستطع أن يستلمه بيده استلمه بشيء في يده، وقبّل ذلك الشيء، فإن لم يستطع أشار إليه، واكتفى بذلك. وعن مالك في رواية لا يقبل يده، وكذا قال القاسم، وفي رواية عند المالكية يضع يده على فمه من غير تقبيل. قاله في "الفتح" (٢). والحديث أخرجه البخاريّ، وقد تقدّم شرحه، والكلام على مسائله في "كتاب المساجد" - باب "إدخال البعير المسجد" ٢١/ ٧١٣ - واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 13142

١٦٠ - (الإِشَارَةُ إِلَى الرُّكْنِ) ٢٩٥٦ - (أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ هِلَالٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ, عَنْ خَالِدٍ, عَنْ عِكْرِمَةَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , كَانَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ, عَلَى رَاحِلَتِهِ, فَإِذَا انْتَهَى إِلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"عبد الوارث": هو ابن سعيد المذكور قبل باب. و"خالد": هو الحذّاء. وقوله: "أشار إليه" قال ابن التين -رحمه اللَّه تعالى-: تقدّم أنه كان يستلمه بالمحجن، فيدل على قربه من البيت، لكن من طاف راكبًا يستحبّ له أن يبعد، إن خاف أن يؤذي أحدًا، فيحمل فعله ﷺ على الأمن من ذلك انتهى. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ويحتمل أن يكون في حال استلامه قريبًا، حيث أمن ذلك، وأن يكون في حال إشارته بعيدًا، حيث خاف ذلك انتهى (١). والحديث أخرجه البخاريّ، وقد سبق الكلام عليه في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٦١ - (قَوْلُهُ : ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١]) ٢٩٥٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ سَلَمَةَ, قَالَ: سَمِعْتُ مُسْلِمًا الْبَطِينَ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ, وَهِيَ عُرْيَانَةٌ, تَقُولُ [من الرجز]:

стр. 13143

الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ … وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ قَالَ: فَنَزَلَتْ: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (محمد بن بشار) العبديّ، أبو بكر بُنْدار البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٢٤/ ٢٧. ٢ - (محمد) بن جعفر الْهُذَليّ، أبو عبد اللَّه البصريّ غُندَر، ثقة صحيح الكتاب [٩] ٢١/ ٢٢. ٣ - (شعبة) بن الحجّاج، أبو بِسطام البصريّ الإمام الحافظ الحجة [٧] ٢٤/ ٢٧. ٤ - (سلمة) بن كُهيل الحضرميّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقة [٤] ١٩٥/ ٣١٢. ٥ - (مسلم البطين) -بفتح الموحّدة، وكسر الطاء المهملة- ابن عمران، أو ابن أبي عمران، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقة [٦] ٢٦/ ٩١٥. ٦ - (سعيد بن جُبير) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه عابد [٣] ٢٨/ ٤٣٦. ٧ - (ابن عبّاس) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٢٤. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين يروى عنهم الجماعة بلا واسطة. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، والباقون كوفيون، إلا الصحابيّ ﵁، فمدنيّ، بصريّ، مكيّ، طائفيّ. (ومنها): أن رواية سلمة عن مسلم البطين من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأن سلمة من الطبقة الرابعة، ومسلمًا من السادسة، وفيه ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ) أي الكعبة (وَهِيَ عُرْيَانَةٌ) أي والحال أنها متعرّية من اللباس. وفي رواية مسلم عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: "كانت امرأة تطوف بالبيت، وهي عريانة، فتقول: من يُعيرني تِطْوافًا، تجعله على فرجها … ". و"التطواف" بكسر التاء الفوقية: ثوب تلبسه المرأة، تطوف به (١). قال القاضي عياض: وهذه المرأة هي ضُبَاعة بنت عامر بن قرط.

стр. 13144

وفي "صحيح مسلم" من طريق أبي أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: كانت العرب تطوف بالبيت عراة، إلا الحمس، والحمس قريش، وما ولدت، كانوا يطوفون عراة، إلا أن تعطيهم الحمس ثيابا، فيعطي الرجال الرجال، والنساء النساء، وكانت الحمس لا يخرجون من المزدلفة، وكان الناس كلهم يبلغون عرفات. وفي غير مسلم: ويقولون: نحن أهل الحرم، فلا ينبغي لأحد من العرب أن يطوف إلا في ثيابنا، ولا يأكل إذا دخل أرضنا إلا من طعامنا، فمن لم يكن له من العرب صديق بمكة يُعيره ثوبًا، ولا يَسارٌ يستأجره به كان بين أحد أمرين: إما أن يطوف بالبيت عريانًا، وإما أن يطوف في ثيابه، فإذا فرغ من طوافه ألقى ثوبه عنه، فلم يمسّه أحد، وكان ذلك الثوب يسمى اللَّقَى، حتى قال شاعر العرب [من الطويل]: كَفَى حَزَنًا كَرِّي عَلَيْهِ كَأَنَّهُ … لَقى بَيْنَ أَيْدِي الطائِفَينَ حَرِيمُ فكانوا على تلك الجهالة، والبدعة، والضلالة، حتى بعث اللَّه نبيه محمدًا ﷺ ، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، وأذّن مؤذّن رسول اللَّه ﷺ ألا يطوف بالبيت عريان (١). وذكر ابن إسحاق أن قريشًا ابتدعت قبل الفيل، أو بعده أن لا يطوف بالبيت أحد، ممن يَقْدَم عليهم من غيرهم أوّل ما يطوف إلا في ثياب أحدهم، فإن لم يجد طاف عريانًا، فإن خالف، وطاف بثيابه ألقاها إذا فرغ، ثم لم ينتفع بها، فجاء الإسلام، فهدم ذلك كله (٢). (تَقُولُ) أي تنشد تلك المرأة هذا الشعر [من بحر الرجز]: (الْيَوْمَ) أي يوم الطواف، وهو منصوب على الظرفية متعلّق بقوله (يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ) أي ينكشف كلّ الفرج، أو بعضه، فالضمير يعود للفرج (وَمَا بَدَا مِنْهُ) أي ما ظهر من الفرج (فَلَا أُحِلُّهُ) بضم الهمزة، أي لا أجيز لأحد أن ينظر إليه قصدًا. وحاصل كلامها: أنها كشفت فرجها لضرورة الطواف، لا لإباحة النظر إليه، والاستمتاع به، فليس لأحد أن يفعل ذلك. (قَالَ) ابن عباسّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - (فَنَزَلَتْ: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ قال أبو عبد اللَّه القرطبيّ في "تفسيره": هو خطاب لجميع العالم، وإن كان المقصود بها من كان يطوف من العرب بالبيت عريانًا، فإنه عامّ في كلّ مسجد؛ لأن العبرة للعموم، لا للسبب (٣) ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ أي ما يستر عورتكم ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ أي عند الصلاة، والطواف واللَّه

стр. 13145

تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ١٦١/ ٢٩٥٧ - وفي "الكبرى" ١٦٠/ ٣٩٤٧ و"التفسير" ١١١٨٢. وأخرجه (م) في "التفسير" ٣٠٢٨. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو الاستدلال بالآية على وجوب ستر العورة في الطواف، وبه قال الجمهور، وهو الحقُّ، وخالف في ذلك الحنفيّة، فقالوا: ستر العورة في الطواف ليس بشرط، فمن طاف عريانًا أعاد ما دام بمكة، فإن خرح لزمه دم (١). (ومنها): وجوب ستر العورة في الصلاة، وبه قال الجمهور، وهو الحقُّ، واختلف فيه عن مالك على ثلاثة أقوال: الوجوب مطلقًا، والسنّة مطلقًا، والفرق بين العمد، والنسيان، فيجب مع العمد، ولا يجب مع النسيان، والعذر. قاله القرطبيّ (٢). (ومنها): بيان سبب نزول هذه الآية. (ومنها): بيان ما كانت عليه الجاهليّة من الضلالات، والفسوق، وعدم المبالاة بكشف العورات. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٩٥٨ - (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, عَنْ صَالِحٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ, أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ, أَنَّ أَبَا بَكْرٍ بَعَثَهُ, فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ, فِي رَهْطٍ, يُؤَذِّنُ فِي النَّاسِ, «أَلَا, لَا يَحُجَّنَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ, وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أبو داود) سليمان بن سَيْف بن يحيى بن درهم الطائيّ مولاهم، أبو داود الحرّانيّ، ثقة حافظ [١١] ١٠٣/ ١٣٦. ٢ - (يعقوب) بن إبراهيم بن سعد، أبو يوسف الزهريّ المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة فاضل، من صغار [٩] ١٩٦/ ٣١٤.

стр. 13146

٣ - (أبوه) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة حجة، تُكلّم فيه بلا قادح [٨] ١٩٦/ ٣١٤. ٤ - (صالح) بن كَيْسان الغفاريّ، أبو محمد، أو أبو الحارث المدنيّ، مؤدّب أولاد عمر بن عبدالعزيز، ثقة ثبت فقيه [٤] ١٩٦/ ٣١٤. ٥ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الإمام الحافظ الحجة المدنيّ [٤] ١/ ١. ٦ - (حُميد بن عبد الرحمن) بن عوف الزهريّ المدنيّ، عم أبي إبراهيم بن سعد الراوي عن صالح، ثقة [٢] ٣٢/ ٧٢٥. ٧ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه أيضًا، فإنه حرّانيّ. (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين، يروي بعضهم، عن بعض: صالح، عن الزهريّ، عن حميد بن عبد الرحمن، ورواية الأولين من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الرابعة، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أن فيه أبا هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه -، رأس المكثرين من الرواية، روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث عن حميد بن عبد الرحمن -رحمه اللَّه تعالى- (أَنَّ أَبا هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَخْبَرَهُ) أي اْخبر حميدًا (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ) الصدّيق - رضي اللَّه تعالى عنه - (بَعَثَهُ) أي أرسل أبا هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه -. قال الطحاويّ في "مشكل الآثار": هذا مشكلٌ؛ لأن الأخبار في هذه القصَّة تدلّ على أن النبيّ ﷺ كان بعث أبا بكر بذلك، ثم أتبعه عليًّا، فأمره أن يؤذّن، فكيف يبعث أبو بكر أبا هريرة، ومن معه بالتأذين، مع صرف الأمر عنه في ذلك إلى عليّ؟. ثم أجاب بما حاصله: إن أبا بكر كان الأمير على الناس في تلك الحجة بلا خلاف، وكان عليّ هو المأمور بالتأذين، وكأن عليًّا لم يطق التأذين بذلك وحده، واحتاج إلى من يُعينه على ذلك، فأرسل معه أبو بكر أبا هريرة، وغيره ليساعدوه على ذلك. ثم ساق من طريق المحرّر بن أبي هريرة، عن أبيه، قال: "كنت مع عليّ حين بعثه النبيّ ﷺ ببراءة إلى أهل مكة، فكنت أنادي معه بذلك حتى يَصْحَل صوتي، وكان هو ينادي قبلي حتى يَعْيَى".

стр. 13147

فالحاصل أن مباشرة أبي هريرة لذلك كانت بأمر أبي بكر، وكان ينادي بما يُلقيه إليه عليّ مما أُمر بتبليغه. ذكره في "الفتح" (١). (فِي الْحَجَّةِ) بالفتح المرة من الحجّ، وهو متعلّق بـ"بعثه" (الَّتِي أَمَّرَهُ) بتشديد الميم: أي جعله أميرًا (عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ) وذلك سنة تسع من الهجرة. قال السهيليّ: كان رسول اللَّه ﷺ حين قدم من تبوك أراد الَحجّ، فذكر مخالطة المشركين للناس في حجهم، وتلبيتهم بالشرك، وطوافهم عراة بالبيت، وكانوا يقصدون بذلك أن يطوفوا كما وُلدوا بغير الثياب التي أذنبوا فيها، وظلموا، فأمسك ﷺ عن الحج في ذلك العام، وبعث أبا بكر ﵁ بسورة براءة؛ لينبذ إلى كلّ ذي عهد من المشركين عهده، إلا بعض بني بكر الذين كان لهم عهد إلى أجل خاصّ (٢) (فِي رَهْطٍ) بفتح، فسكون: أي في جملة جماعة، والرهط من الرجال ما دون العشرة، وقيل: إلى الأربعين، ولا يكون فيهم امرأة، ولا واحد له من لفظه، ويجمع على أرهُط، وأرهاط، وأراهط جمعُ الجمع. قال الحافظ: وقد وقفت ممن سمّي، ممن كان مع أبي بكر في تلك الحجة على أسماء جماعة، منهم سعد بن أبي وقاص، فيما أخرجه الطبريّ، من طريق الحكم، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، قال: بعث رسول اللَّه ﷺ أبا بكر، فلما انتهينا إلى ضَجْنَان أتبعه عليًّا. ومنهم جابر، روى الطبريّ من طريق عبد اللَّه بن خُثيم، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁: "أن النبيّ ﷺ بعث أبا بكر على الحجّ، فأقبلنا معه". انتهى (٣). (يُؤَذِّنُ فِي النَّاسِ) من التأذين، أو الإيذان، وهو الإعلام، وهو اقتباس من قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣] أي إعلام. قاله في "الفتح" (٤). وقال العينيّ: والضمير فيه راجع إلى الرهط، باعتبار اللفظ، ويجوز أن يكون لأبي هريرة على الالتفات. انتهى (٥). (أَلَا) بفتح الهمزة، واللام المخففة، تأتي على أوجه، ولكن هنا للتنبيه، فتدلّ على تحقق ما بعدها (لَا يَحُجَّنَّ بَعْدَ الْعَامِ) أي بعد الزمان الذي فيه الإعلام (مُشْرِكٌ) بالرفع فاعل "يحجّنّ" (وَلَا يَطُوفُ) يحتمل أن يكون مرفوعًا، و"لا" نافية، ويجوز أن يقرأ بفتح الطاء، وتشديد الواو، مجزومًا بالعطف على محلّ "يحجنّ" (بِالْبَيْتِ) متعلق بـ"يطوف"

стр. 13148

(عُرْيَانٌ) بالرفع على الفاعلية له. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ١٦١/ ٢٩٥٨ و ٢٩٥٩ - وفي "الكبرى" ١٦٠/ ٣٩٤٨ - ٣٩٤٩. وأخرجه (خ) في "الصلاة" ٣٦٩ و"الحجّ" ١٦٢٢ و"الجزية والموادعة" ٤٦٥٦ و ٤٦٥٧ و"المغازي" ٤٣٦٣ و"التفسير" ٤٦٥٥ و ٤٦٥٦ و ٤٦٥٧ (م) في "الحجّ" ١٣٤٧ (د) في "المناسك" ١٩٤٦ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٧٩١٧ (الدارمي) في "الصلاة" ١٤٣٠. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان وجوب ستر العورة في الطواف. (ومنها): تحريم دخول مكة على المشركين. (ومنها): بيان فضل أبي بكر - رضي اللَّه تعالى عنه - على بقية الصحابة، حيث قدّمه ﷺ ليحجّ بالناس في تلك السنة. (ومنها): إبطال ما كان عليه الجاهلية من الضلالات، والجهل، والسفاهة، حيث إنهم كانوا يعتقدون أن كشف العورة أمام بيت اللَّه، وأمام الجمع العظيم قربة مما يقرّبهم إلى اللَّه تعالى، فما أشدّ جهلهم، وما أكثر انحرافهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٩٥٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ, وَعُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ, قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنِ الْمُغِيرَةِ, عَنِ الشَّعْبِيِّ, عَنِ الْمُحَرَّرِ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: جِئْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ, حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ بِبَرَاءَةَ, قَالَ: «مَا كُنْتُمْ تُنَادُونَ؟» , قَالَ: كُنَّا نُنَادِي «إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلاَّ نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ, وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ, وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ, فَأَجَلُهُ -أَوْ أَمَدُهُ- إِلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ, فَإِذَا مَضَتِ الأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ, فَإِنَّ اللَّهَ بَرِىءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ, وَلَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ» , فَكُنْتُ أُنَادِى, حَتَّى صَحِلَ صَوْتِي). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عثمان بن عمر) بن فارس العبديّ البصريّ، بخاريّ الأصل، ثقة [٩] ١٥١/ ١١١٨.

стр. 13149

[تنبيه]: وقع في "تحفة الأشراف" -١٠/ ٣١٨ - : "بشر بن عمر" (١). بدل "عثمان بن عمر"، والذي في نسخ "المجتبى" هنا، ونسخة "الكبرى" هنا، وفي "التفسير" كلها "عثمان بن عمر"، وهذا هو الصواب؛ لأن الطبريّ أخرجه فى "تفسيره" ١٤/ ١٠٥ عن يعقوب بن إبراهيم، ومحمد بن المثنّى، كلاهما عن عثمان بن عمر بسند المصنّف. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: وقع في بعض نسخ "المجتبى" "عثمان بن عَمْرو" بفتح العين، وسكون الميم، وهو غلط بلا شكّ؛ لأن عثمان بن عمرو بن وسّاج، ضعيف، أخرج له المصنّف في "الكبرى" حديثًا واحدًا في صوم ستة من شوال فقط، راجع "تهذيب الكمال" ١٩/ ٤٦٧ - ٤٦٨، و"تهذيب التهذيب" ٣/ ٧٤ - ٧٥. واللَّه تعالى أعلم. ٢ - (المغيرة) بن مقسم الضبّيّ مولاهم، أبو هشام الكوفيّ الأعمى، ثقة متقنٌ، مدلّس [٦] ١٨٨/ ٣٠١. ٣ - (الشعبيّ) عامر بن شَرَاحيل الهمدانيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة فقيه فاضل [٣] ٦٦/ ٨٢. ٤ - (محرّر) براءين بوزن مُحَمَّد (ابن أبي هريرة) الدوسيّ المدنيّ، مقبول (٢) [٤]. ذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن سعد: توفي بالمدينة في خلافة عمر بن عبد العزيز، وكان قليل الحديث. انفرد به المصنّف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديث الباب فقط، وعند ابن ماجه حديث واحد، حديث عمر بن الخطاب: "نهى رسول اللَّه ﷺ أن يُعزل عن الحرّة إلا بإذنها". والباقون تقدّموا في السند الماضي. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير المحرّر، فتفرّد به المصنّف، وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 13150

شرح الحديث (عَنِ مُحَرَّر) هكذا في النسخة الهندية بدون "ال"، وفي النسخ المطبوعة: "عن المحرّر" بـ"ال"، وهو جائز، كما قال ابن مالك في "الخلاصة": وَبَعْضُ الَآعْلَامِ عَلَيْهِ دَخَلَا … لِلَمْحِ مَا قَدْ كَانَ عَنْهُ نُقِلَا كالْفَضْلِ وَالْحَارِثِ وَالنُّعْمَانِ … فَذِكرُ ذا وَحَذْفُهُ سِيَّانِ (ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ,) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: جِئْتُ) وفي نسخة: "كنت" (مَعَ عَليِّ بْنِ أَيِ طَالِب) - رضي اللَّه تعالى عنه - (حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، إِلَى أَهْلِ مَكةَ) أي في سنة تسع منَ الهجرة، سنة حجّ أبي بكر ﵁ بالناس. فروى الطبريّ من طريق أبي صالح، عن عليّ ﵁، قال: "بعث رسول اللَّه ﷺ أبا بكر ببراءة إلى أهل مكة، وبعثه على الموسم، ثم بعثني في أثره، فأدركته، فأخذتها منه، فقال أبو بكر: ما لي؟، قال: خيرٌ، أنت صاحبي في الغار، وصاحبي على الحوض، غير أنه لا يُبلغ عني غيري، أو رجل مني". ومن طريق عمرو بن عطية، عن أبيه، عن أبي سعيد مثله. ومن طريق العمري، عن نافع، عن ابن عمر كذلك. وروى الترمذيّ من حديث مقسم، عن ابن عباس مثله مطوّلاً. وعند الطبرانيّ من حديث أبي رافع نحوه، لكن قال: "فأتاه جبريل، فقال: إنه لن يؤدّيها عنك إلا أنت، أو رجل منك". وروى الترمذيّ، وحسّنه من حديث أنس، قال: "بعث النبيّ ﷺ براءة مع أبي بكر، ثم دعا عليًّا، فأعطاه إياه، وقال: لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي". قال الحافظ: وهذا يوضح قوله في الحديث الآخر: "لا يبلغ عني"، ويُعرف منه أن المراد خصوص القصّة المذكورة، لا مطلق التبليغ. وأخرج أحمد بسند حسن عن أنس ﵁: "أن النبيّ ﷺ بعث ببراءة مع أبي بكر، فلما بلغ ذا الحليفة، قال: لا يبلغها إلا أنا، أورجل من أهل بيتي، فبعث بها مع عليّ". قال الترمذيّ: حسن غريب. ووقع في حديث يعلى عند أحمد: "لما نزلت عشر آيات من براءة، بعث بها النبيّ ﷺ مع أبي بكر ليقرأها على أهل مكة، ثم دعاني، فقال: أدرك أبا بكر، فحيثما لقيته، فخذ منه الكتاب، فرجع أبو بكر، فقال: يا رسول اللَّه، نزل فيّ شيء؟، فقال: لا، إلا أنه لن يؤدّي، أو لكن جبريل قال: لا يؤدّي عنك إلا أنت، أو رجل منك". قال العماد ابن كثير: ليس المراد أن أبا بكر رجع من فوره، بل المراد رجع من حجته. قال الحافظ: ولا مانع من حمله على ظاهره لقرب المسافة، وأما قوله: "عشر

стр. 13151

آيات: فالمراد أولها: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]. انتهى (١). (بِبَرَاءَةَ) قال في "الفتح": يجوز فيه التنوين بالرفع، على الحكاية، وبالجرّ، ويجوز أن يكون علامة الجرّ فتحة، وهو الثابت في الروايات انتهى. وفي قوله: "ببراءة" -كما قاله الحافظ- تجوّز؛ لأنه أُمر أن يؤذّن ببضع وثلاثين آية، منتهاها عند قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣]، فروى الطبريّ من طريق أبي معشر، عن محمد بن كعب وغيره، قال: "بَعَث رسول اللَّه ﷺ أبا بكر أميرًا على الحجّ سنة تسع، وبعث عليًّا بثلاثين آية، أو أربعين آية من براءة". وروى الطبريّ من طريق أبي الصهباء، قال: سألت عليًّا عن يوم الحجّ الأكبر؟، فقال: إن رسول اللَّه ﷺ بعث أبا بكر يُقيم للناس الحجّ، وبعثني بعده بأربعين آية من براءة، حتى أتى عرفة، فخطب، ثم التفت إليّ، فقال: يا عليّ قم، فأدّ رسالة رسول اللَّه ﷺ ، فقمت، فقرأت بأربعين آية، من أول براءة، ثم صدرنا حتى رميت الجمرة، فطفقت أتتبّع الفساطيط، أقرأها عليهم؛ لأن الجميع لم يكونوا حضروا خطبة أبي بكر يوم عرفة". انتهى (٢). (قَالَ) المحرّر لأبيه (مَا كُنْتُمْ تُنَادُونَ؟) "ما" استفهاميّة، وحذف منه صلة "تنادون" أي به، أي أيَّ شيء كنتم تنادون به (قَالَ) أبو هريرة ﵁ (كُنَّا نُنَادِي إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ) أي فمن أرادها، فليؤمن (وَلَا يَطُوفُ بالْبَيْتِ عُرْيَانٌ) قد تقدّم في الحديث الماضي ما يتعلّق به (وَمَنْ كَانَ بَينَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهدٌ، فَأَجَلُهُ -أَوْ أمَدُهُ-) شكّ من الراوي (إِلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُر، فَإِذَا مَضَتِ الْأَرْبَعَةُ أَشْهُبر، فَإِن اللَّهَ بَرِئ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولَهُ) بالنصب عطفًا على اسم "إن"، ويجوز الرفع عطفًا على محلّ اسمها، أو مبتدءًا خبره محذوف: أي "بريء"، كما قال في "الخلاصة": وَجَائِزٌ رَفْعُكَ مَعْطُوفًا عَلَى … مَنْصُوبِ "إِنَّ" بَعْدَ أَنْ تَسْتَكْمِلَا وظاهر هذه الرواية أن الأربعة الأشهر غاية لمن كان بينه وبين النبيّ ﷺ عهد مؤقّت، لكن المشهور أن هذا لمن لم يكن عنده عهد مؤقّتٌ، وأما من كان له عهد، فأجله إلى انتهاء مدته. قال الإمام أبو جعفر الطبريّ -رحمه اللَّه تعالى- بعد أن أخرج رواية المصنّف عن يعقوب بن إبراهيم، ومحمد بن المثنى، كلاهما عن عثمان بن عمر بسند المصنف: ما نصّه: وأخشى أن يكون هذا الخبر وهمًا من ناقله في الأجل؛ لأن الأخبار متظاهرة في

стр. 13152

الأجل بخلافه. انتهى (١). وقال الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" بعد أن أورد الحديث من رواية الإمام أحمد: ما نصّه: وهذا إسناد جيّد، لكن فيه نكارة من جهة قول الراوي: إن من كان له عهد، فأجله إلى أربعة أشهر. وقد ذهب إلى هذا ذاهبون، ولكن الصحيح أن من كان له عهد، فأجله إلى أمده بالغًا ما بلغ، ولو زاد على أربعة أشهر، ومن ليس له أمد بالكلية، فله تأجيل أربعة أشهر. بقي قسم ثالث، وهو من له أمدٌ يتناهى إلى أقلّ من أربعة أشهر من يوم التأجيل، وهذا يحتمل أن يلتحق بالأول، فيكون أجله إلى مدته وإن قلّ. ويحتمل أن يقال: إنه يؤجّل إلى أربعة أشهر؛ لأنه أولى ممن ليس له عهد بالكليّة. واللَّه تعالى أعلم انتهى كلام ابن كثير (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله الإمام ابن جرير -رحمه اللَّه تعالى- من كون هذه الرواية وهمًا، وقاله الحافظ ابن كثير -رحمه اللَّه تعالى- من نكارة قول الراوي: إن كان له عهد، فأجله أربعة أشهر، وأن الصحيح أن من كان له عهد، فأجله إلى أمده بالغًا ما بلغ هو الصواب. فقد أخرج سعيد بن منصور، والترمذيّ، والطبريّ من طريق أبي إسحاق، عن زيد ابن يُثيع، قال: "سألت عليًّا بأي شيء بعثت؟، قال: بأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يجتمع مسلم مع مشرك في الحجّ بعد عامهم هذا، ومن كان له عهد، فعهده إلى مدّته، ومن لم يكن له عهد، فأربعة أشهر". فهذه الرواية صريحة واضحة في أن كلّ من كان له عهد، فعهده إلى مدّته. قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" عند قوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ الآية [التوبة: ٢]: ما نصّه: اختلف المفسّرون ههنا اختلافًا كثيرًا، فقال قائلون هذه الآية لذوي العهود المطلقة، غير المؤقتة، أو من له عهد دون أربعة أشهر، فيكمل له أربعة أشهر، فأما من كان له عهد مؤقّت، فأجله إلى مدته، مهما كان؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ الآية [التوبة: ٤]، ولما سيأتي في الحديثء وهذا أحسن الأقوال، وأقواها، وقد اختاره ابن جرير -رحمه اللَّه تعالى- انتهى كلام ابن كثير (٣). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي استحسنه ابن كثير، واختاره قبله ابن جرير -رحمهما اللَّه تعالى- حسنٌ جدًّا.

стр. 13153

والحاصل أن رواية المصنّف فيها نكارة، وأن الصواب أن من كان بينه وبين النبيّ ﷺ عهد، فأجله إلى مدته بالغًا ما بلغ، ومن لم يكن له عهد، أو كان له إلا أنه أقل من أربعة أشهر، فأجله تمام أربعة أشهر. واللَّه تعالى أعلم. (وَلَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَام مُشْرِكٌ) هو منتزع من قوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، والآية صريحة في منعهم دخول المسجد الحرام، ولو لم يقصدوا الحجّ، ولكن لما كان الحجّ هو المقصود الأعظم، صرّح لهم بالمنع منه، فيكون ما وراءه أولى بالمنع، والمراد بالمسجد الحرام هنا الحرم كله. قال الحافظ: وأما ما وقع في حديث جابر ﵁ فيما أخرجه الطبريّ، وإسحاق في "مسنده"، والنسائيّ، والدارميّ، كلاهما عنه، وصححه ابن خزيمة، وابن حبّان من طريق ابن جريج: حدثني عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم، عن أبي الزبير، عن جابر، أن النبيّ ﷺ حين رجع من عمرة الجعرانة بعث أبا بكر على الحجّ، فأقبلنا معه، حتى إذا كنا بالْعَرْج ثوب بالصبح، فسمع رغوة ناقة رسول اللَّه ﷺ ، فإذا عليّ عليها، فقال له: أميرٌ، أو رسولٌ؟، فقال: بل أرسلني رسول اللَّه ﷺ ببراءة، أقرأها على الناس، فقدمنا مكة، فلما كان قبل يوم التروية بيوم قام أبو بكر، فخطب الناس بمناسكهم، حتى إذا فرغ قام عليّ، فقرأ على الناس براءة حتى ختمها، ثم كان يوم النحر كذلك، ثم يوم النفر كذلك". فيجمع بأن عليًّا ﵁ قرأها كلها في المواطن الثلاثة، وأما في سائر الأوقات، فكان يؤذن بالأمور المذكورة "أن لا يحجّ بعد العام مشرك الخ. قال أبو هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - (فَكُنْتُ أُنَادِي، حَتَّى صَحِلَ صَوْتِي) بكسر الحاء المهملة: أي ذهبت حِدّته. قال في "القاموس": صَحِلَ صوته، كفرح، فهو أصحل، وصَحِل: بَحَّ، أو احْتَدَّ في بَحَح، أو الصَّحَلُ محركةً: خشونة في الصدر، وانشقاق في الصوت من غير أن يستقيم انتهى. والحديث صحيح، أخرجه المصنف هنا١٦١/ ٢٩٥٩ - وفي "الكبرى" ١٥٩/ ٣٩٤٩ و"التفسير" ١١٢١٤. وأخرجه أحمد في "باقي مسند المكثرين" ٧٩١٧. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 13154

١٦٢ - (أَيْنَ يُصَلِّي رَكْعَتَي الطَّوَافِ) ٢٩٦٠ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ يَحْيَى, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, عَنْ كَثِيرِ بْنِ كَثِيرٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ, قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ , حِينَ فَرَغَ مِنْ سُبُعِهِ, جَاءَ حَاشِيَةَ الْمَطَافِ, فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ, وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّوَّافِينَ أَحَدٌ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "يعقوب بن إبراهيم": هو الدورقيّ. و"يحيى": هو القطّان. و"كثير بن كثير" بن المطلب بن وداعة القرشيّ السهميّ المكيّ، ثقة [٦] ٩/ ٧٥٨. و"أبوه": هو كثير بن المطّلب بن أبي وَداعة السهميّ المكيّ، مقبول [٣] ٩/ ٧٥٨. وقوله: "من سبعه" بضمتين: أي سبع الطواف، وهي الطَّوْفَةُ الأخيرة. قاله السنديّ. ويحتمل أن يكون بفتح، فسكون، والضمير للنبيّ ﷺ ، أي سبعة أشواطه، وتذكير العدد، وتأنيثه عند حذف التمييز جائز، كما بُيّن في محله من كتب النحو. وقوله: "حاشية المطاف" أي جانب محلّ الطواف. وقوله: "وليس بينه وبين الطوّافين أحد" فيه أنه لا حاجة إلى اتخاذ السترة في مكة، وبه قال بعض أهل العلم، والصحيح أن الأمر باتخاذها مطلق يعم مكة وغيرها على حدّ سواء، وأما حديث الباب فلا يصلح للاحتجاج به؛ لضعفه، كما تقدّم، ولمعارضته الأحاديث الصحيحة الواردة في الأمر باتخاذها مطلقًا، كما سبق تحقيقه في -٩/ ٧٥٨ - فراجعه تستفد. والحديث ضعيف، للانقطاع، حيث إن كثير بن كثير لم يسمعه من أبيه، بل إنما سمعه عن بعض أهله، عن جدّه، كما تقدم بيانه في "كتاب الصلاة" برقم -٩/ ٧٥٨ - ، وقد سبق تمام شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تزدد علمًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٩٦١ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عَمْرٍو, قَالَ: -يَعْنِي- ابْنَ عُمَرَ: "قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا, وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ, وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ, وَقَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ " [الأحزاب: ٢١]). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"عمرو": هو ابن دينار. [تنبيه]: هذا السند من رباعيات المصنف، وهو (١٥٣) من رباعيّات الكتاب. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 13155

والحديث متّفق عليه، وقد سبق تمام شرحه، وتخريجه في - ٥٠/ ٢٧٣٢ - . ورواه في "الكبرى" عن عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن عمرو، قال: سألت ابن عمر عن معتمر قدم، فطاف بالبيت، ولم يطف بين الصفا والمروة أياتي أهله؟ قال: "قدم رسول اللَّه ﷺ … " فذكره. وقوله هنا: "قال: يعني ابن عمر" فاعل "قال" ضمير عمرو، والعناية من سفيان، ويحتمل أن يكون ممن دونه. واللَّه تعالى أعلم. والحديث دليل على أن مقام إبراهيم ﵇ هو موضع صلاة ركعتي الطواف. وفي حديث جابر ﵁ الطويل في صفة حجة الوداع عند مسلم (١): "طاف، ثم تلا: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، فصلّى عند المقام ركعتين". قال ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: احتملت قراءته أن تكون صلاة الركعتين خلف المقام فرضًا، لكن أجمع أهل العلم على أن الطائف تجزئه رَكْعَتَا الطواف حيث شاء، إلا شيئًا ذُكر عن مالك في أن من صلى ركعتي الطواف الواجب في الحجر يُعيد. قاله في "الفتح" (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٦٣ - (الْقَوْلُ بَعْدَ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ) ٢٩٦٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ, عَنْ شُعَيْبٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (٣) اللَّيْثُ, عَنِ ابْنِ الْهَادِ, عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَابِرٍ, قَالَ: طَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْبَيْتِ سَبْعًا, رَمَلَ مِنْهَا ثَلَاثًا, وَمَشَى أَرْبَعًا, ثُمَّ قَامَ عِنْدَ الْمَقَامِ, فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ, ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] , وَرَفَعَ صَوْتَهُ, يُسْمِعُ النَّاسَ, ثُمَّ انْصَرَفَ, فَاسْتَلَمَ, ثُمَّ ذَهَبَ, فَقَالَ: «نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ» , فَبَدَأَ بِالصَّفَا, فَرَقِيَ عَلَيْهَا, حَتَّى بَدَا لَهُ الْبَيْتُ, فَقَالَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: «لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ, لَا شَرِيكَ لَهُ, لَهُ الْمُلْكُ, وَلَهُ الْحَمْدُ, يُحْيِي وَيُمِيتُ, وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» , فَكَبَّرَ اللَّهَ, وَحَمِدَهُ, ثُمَّ دَعَا بِمَا قُدِّرَ لَهُ, ثُمَّ نَزَلَ مَاشِيًا, حَتَّى تَصَوَّبَتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْمَسِيلِ, فَسَعَى حَتَّى صَعِدَتْ قَدَمَاهُ, ثُمَّ مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ, فَصَعِدَ فِيهَا, ثُمَّ بَدَا لَهُ الْبَيْتُ, فَقَالَ: «لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ, لَا

стр. 13156

شَرِيكَ لَهُ, لَهُ الْمُلْكُ, وَلَهُ الْحَمْدُ, وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» , قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ, ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهَ, وَسَبَّحَهُ, وَحَمِدَهُ, ثُمَّ دَعَا عَلَيْهَا بِمَا شَاءَ اللَّهُ, فَعَلَ هَذَا حَتَّى فَرَغَ مِنَ الطَّوَافِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ) بن أعين المصريّ، ثقة فقيه [١١] ١٢٠/ ١٦٦. ٢ - (شُعيب) بن الليث بن سعد الفهميّ مولاهم، أبو عبد الملك المصريّ، ثقة فقيه نبيل، من كبار [١٠] ١٢٠/ ١٦٦. ٣ - (الليث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت فقيه حجة [٧] ٣١/ ٣٥. ٤ - (ابن الهاد) هو يزيد بن عبد اللَّه بن أسامة بن الهاد الليثيّ المدنيّ، ثقة مكثر [٥] ٧٣/ ٩٠. ٥ - (جعفر بن محمد) بن عليّ الهاشميّ المعروف بالصادق، أبو عبد اللَّه المدنيّ، صدوقٌ فقيه إمام [٦] ١٢٣/ ١٨٢. ٦ - (أبوه) محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ المعروف بالباقر، أبو جعفر المدنيّ، ثقة فاضل [٤] ١٢٣/ ١٨٢. ٧ - (جابر) بن عبد اللَّه بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٣١/ ٣٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيّات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من ابن الهاد، والباقون مصريّون. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، ورواية يزيد عن جعفر من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأن يزيد من الطبقة الخامسة، وجعفر من السادسة، وفيه جابر ﵁ من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَن جَابِرٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: طَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْبَيْتِ سَبعًا، رَمَلَ مِنْهَا) أي مشى بسرعة مع تقارب الخطا، وهزّ كتفيه (ثَلَاَثًا) أي ثلاث مرّات من الأشواط السبعة، زاد في رواية لأحمد: "حتى عاد إليه" (وَمَشَى) أي على السكون والهيئة (أَرْبَعًا) وكان ﷺ مضطبعًا في جميعها، والاضطباع أن يجعل وسط الرداء تحت منكبه الأيمن، ويجعل طرفيه على عاتقه الأيسر، ويكون منكبه الأيمن منكشفًا، والأيسر مستورًا.

стр. 13157

قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: في الحديث أن المحرم إذا دخل مكة قبل الوقوف بعرفات، يسنّ له طواف القدوم، وهو مجمع عليه. وفيه أن الطواف سبعة أشواط. وفيه أن السنة الرمل في الثلاث الأول، ويمشي على عادته في الأربع الأخيرة انتهى (١). (ثُمَّ قَامَ عِنْدَ الْمَقَامِ) أي مقام إبراهيم ﵇ (فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]) ظاهر هذه الرواية أن قراءته ﷺ للآية بعد الصلاة، وظاهر الرواية التالية أن قراءته كان قبل الصلاة، وهو ظاهر رواية مسلم. ويمكن أن يُجمَع بينهما بأن المراد بقوله: "فصلى" أي أراد الصلاة، ثم قرأ عند ذلك، فصلّى الركعتين. ويحتمل أنه قرأ الآية مرتين، مرّة قبل الصلاة، إشارة إلى أنَّ فعله هذا تفسير للآية، ومرّة بعد الصلاة، تنبيهًا للناس حتى يمتثلوا الأمر، ويقتدوا به، ويؤيّد هذا قوله: "ورفع صوته يسمع الناس". واللَّه تعالى أعلم. (وَرَفَعَ صَوْتَهُ، يُسْمِعُ النَّاسَ) جملة في مَحَلّ نصب على الحال: أي حال كونه مسمعًا الناس قراءته (ثُمَّ انْصَرَفَ) أي عن محلّ صلاته (فَاسْتَلَمَ) أي الحجر الأسود. قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: فيه دلالة لما قاله الشافعيّ وغيره من العلماء: إنه يستحبّ للطائف طواف القدوم إذا فرغ من الطواف، وصلاته خلف المقام أن يعود إلى الحجر الأسود، فيستلمه، ثم يخرج من باب الصفا ليسعى، واتفقوا على أن هذا الاستلام ليس بواجب، وإنما هو سنة، لو تركه لم يلزمه دم انتهى (٢). (ثُمَّ ذَهَبَ) وفي رواية: "ثم خرج من الباب إلى الصفا" (فَقَالَ: "نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ"، فّبَدَأَ بِالصَّفَا) أي لأن اللَّه تعالى بدأ بذكره في كتابه، فالترتيب الذكريّ له اعتبار في الأمور الشرعية، إما وجوبًا، وإما استحبابًا، وإن كانت الواو لمطلق الجمع في الآية. قال السنديّ: هذا يفيد أن بداءة اللَّه تعالى ذكرًا تقتضي البداءة عملاً، والظاهر أنه يقتضي ندب البداءة عملاً، لا وجوبًا، والوجوب فيما نحن فيه من دليل آخر انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الوجوب يستفاد من صيغة الأمر في قوله ﷺ في الحديث التالي: "فابدءوا بما بدأ اللَّه به". واللَّه تعالى أعلم. (فَرَقِيَ) بكسر القاف، من باب تعب: أي صعد (عَلَيْهَا) أي على الصفا، وأنثها باعتبار البقعة، وقد ذكر الفيوميّ أنه يذكر، ويؤنث، باعتبار المكان، والبقعة (حَتَى بَدَا لَهُ الْبَيْتُ) أي حتى ظهرت له الكعبة. زاد في رواية: "فاستقبل القبلة" (فَقَالَ: ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: "لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ") أي لا معبود بحقّ إلا اللَّه (وَحْدَهُ) حال مؤكدة، أي منفردًا بالألوهية، أو متوحدًا بالذات (لَا

стр. 13158

شَرِيكَ لَهُ) في الألوهية، فيكون تأكيدًا، أو في الصفات، فيكون تأسيسًا، وهو الأولى (لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْييِ وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ") زاد في رواية مسلم: "أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده" (فَكَبَّرَ اللَّهَ) أي قال: اللَّه أكبر (وَحَمِدَهُ) أي قال: الحمد للَّه (ثُمَّ دَعَا بمَا قُدِّرَ لَهُ) ولفظ مسلم: "ثم دعا بين ذلك، فقال: مثل هذا ثلاث مرات". وفيه أنه يقول الَذكر ثلاث مرات، ويدعو بعد كلّ مرّة. قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: في هذا أنواع من المناسك: منها أن السعي يشترط فيه أن يبدأ من الصفا، وبه قال الشافعيّ، ومالك، والجمهور. ومنها: أن ينبغي أن يرقى على الصفا والمروة، وفي هذا الرقيّ خلاف، قال جمهور أصحابنا: هو سنة، ليس بشرط، ولا واجب، فلو تركه صحّ سعيه، لكن فاتته الفضيلة. قال أصحابنا: يستحبّ أن يرقى على الصفا والمروة حتى يرى البيت إن أمكنه. ومنها: أنه يسنّ أن يقف على الصفا مستقبل الكعبة، ويذكر اللَّه تعالى بهذا الذكر، ويدعو، ويكرر الذكر والدعاء ثلاث مرات. هذا هو المشهور عند أصحابنا. وقال جماعة من أصحابنا: يكرر الذكر ثلاثًا، والدعاء مرتين فقط، والصواب الأول. انتهى (١). (ثُمَّ نَزَلَ مَاشِيًا) أي إلى المروة (حَتَّى تَصَوَّبَتْ قَدَمَاهُ) ولفظ مسلم: "حتى انصبّت قدماه" أي انحدرتا بسهولة، ومنه: "إذا مشى كأنه ينحطّ في صبب" أي موضع منحدر، وهو مجاز من قولهم: صببت الماء، فانصبّ، أي سكبته، فانسكب (فِي بَطْنِ الْمَسِيلِ) وفي رواية مسلم: "في بطن الوادي" والمعنى واحد، وأراد بذلك المنخفض من الوادي (فَسَعَى) أي أسرع في المشي مع تقارب خطاه (حَتَّى صَعِدَتْ قَدَمَاهُ) أي ارتفعتا عن بطن الوادي، وخرجتا منه إلى الطرف الأعلى (ثُمَّ مَشَى) أي سار على السكون، يعني أنه إذا بلغ المرتفع من الوادي مشى باقي المسافة إلى المروة على عادة مشيه. قال النوويّ: فيه استحباب السعي الشديد في بطن الوادي حتى يصعد، ثم يمشي باقي المسافة إلى المروة على عادة مشيه. وهذا السعي مستحبّ في كلّ مرّة من المرّات السبع في هذا الموضمع، والمشي مستحبّ فيما قبل الوادي وبعده، ولو مشى في الجميع، أو سعى في الجميع أجزأه، وفاتته الفضيلة. هذا مذهب الشافعيّ، وموافقيه. وعن مالك فيمن ترك السعي الشديد في موضعه روايتان: إحداهما كما ذُكر. والثانية تجب عليه إعادته انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الشافعيّ، وموافقوه هو الحقّ؛ إذ لا دليل على الوجوب. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 13159

(حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ، فَصَعِدَ فِيهَا) بكسر العين، من باب تعب (ثُمَّ بَدَا) أي ظهر (لَهُ الْبَيْتُ، فَقَالَ: "لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلً شَيء قَدِيرٌ"، قَالَ: ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتِ، ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهَ، وَسَبَّحَهُ، وَحَمِدَهُ، ثُمَّ دَعَا عَلَيْهَا) أي على المروة (بِمَا شَاءَ اللَّهُ، فَعَلَ هَذَا حَتَّى فَرَغَ مِنَ الطَّوَافِ) أي السعي بين الصفا والمروة. ولفظَ مسلم: "حتى إذا كان آخر طوافه على المروة". قال النوويّ: فيه دلالة لمذهب الشافعيّ، والجمهور أن الذهاب من الصفا إلى المروة يُحسب، مرّة، والرجوع إلى الصفا ثانية، والرجوع إلى المروة ثالثة، وهكذا، فيكون ابتداء السبع من الصفا، وآخرها بالمروة. وقال ابن بنت الشافعيّ، وأبو بكر الصيرفيّ من أصحابنا: يحسب الذهاب إلى المروة، والرجوع إلى الصفا مرّة واحدة، فيقع آخر السبع في الصفا. وهذا الحديث يردّ عليهما، وكذلك عمل المسلمين على تعاقب الأزمان. واللَّه أعلم انتهى (١). والحديث أخرجه مسلم، وتقدّم الكلام على مسائله في -٤٦/ ٢٧١٢ - فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٩٦٣ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ, قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَابِرٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , طَافَ سَبْعًا, رَمَلَ ثَلَاثًا, وَمَشَى أَرْبَعًا, ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ , فَصَلَّى سَجْدَتَيْنِ, وَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ, وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ, ثُمَّ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ, ثُمَّ خَرَجَ, فَقَالَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] , فَابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. و"إسماعيل": هو ابن جعفر المدنيّ. والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق تمام البحث فيه في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 13160

١٦٤ - (الْقِرَاءَةُ فِي رَكْعَتَي الطَّوَافِ) ٢٩٦٤ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ دِينَارٍ الْحِمْصِيُّ, عَنِ الْوَلِيدِ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , لَمَّا انْتَهَى إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ, قَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ, فَقَرَأَ "فَاتِحَةَ الْكِتَابِ" وَ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثُمَّ عَادَ إِلَى الرُّكْنِ, فَاسْتَلَمَهُ, ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو، وأبو داود، وابن ماجه، وهو ثقة. و"الوليد": هو ابن مسلم الدمشقيّ. و"مالك": هو إمام دار الهجرة. وقوله: "و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، أي قرأ ها بعد الفاتحة في الركعة الثانية. والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٦٥ - (الشُّرْبُ مِنْ زَمْزَمَ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذه الترجمة - واللَّه تعالى أعلم- الإشارة إلى أن شرب ماء زمزم من سنن الحجّ. وفي "المصنّف" عن طاوس، قال: شرب نبيذ السقاية من تمام الحجّ. وعن عطاء: لقد أدركته، وإن الرجل ليشربه، فتلزق شفتاه من حلاوته. وعن ابن جريج، عن نافع: أن ابن عمر لم يكن يشرب من النبيذ في الحجّ. فكأنه لم يثبت عنده أن النبيّ ﷺ شرب منه؛ لأنه كان كثير الاتباع للآثار، أو خشي أن يظنّ الناس أن ذلك من تمام الحج كما نقل عن طاوس (١). وترجم الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه": "باب مما جاء في زمزم"، ثم

стр. 13161

أورد حديث أبي ذرّ ﵁ في غسل صدر النبيّ ﷺ بماء زمزم، حديث الباب. قال في "الفتح": كأنه لم يثبت عنده في فضلها على شرطه صريحًا. وقد وقع في مسلم من حديث أبي ذرّ ﵁: "إنها طعامُ طعم"، زاد الطيالسيّ من الوجه الذي أخرجه منه مسلم: "وشفاء سقم". وفي "المستدرك" من حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - مرفوعًا: "ماء زمزم لما شُرب له". ورجاله موثقون، إلا أنه اختلف في إرساله، ووصله، وإرساله أصحّ، وله شاهد من حديث جابر، وهو أشهر منه، أخرجه الشافعيّ، وابن ماجه، وجاله ثقات، إلا عبد اللَّه بن المؤمل المكيّ، فذكر العقيليّ أنه تفرّد به، لكن ورد من رواية غيره عند البيهقيّ من طريق إبراهيم بن طهمان، ومن طريق حمزة الزيّات كلاهما عن أبي الزبير، عن جابر. ووقع في "فوائد ابن المقري" من طريق سُويد بن سعيد، عن ابن المبارك، عن ابن أبي الموالي، عن ابن المنكدر، عن جابر. وزعم الدمياطيّ أنه على رسم الصحيح، وهو كما قال من حيث الرجال إلا أن سويدًا، وإن أخرج له مسلم، فإنه خلط، وطعنوا فيه، وقد شذّ بإسناده، والمحفوظ عن ابن المبارك عن ابن المؤمل. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٩٦٥ - (أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ, قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (٢) عَاصِمٌ, وَمُغِيرَةُ ح وَأَنْبَأَنَا (٣) يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (٤) عَاصِمٌ, عَنِ الشَّعْبِيِّ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , شَرِبَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ, وَهُوَ قَائِمٌ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (زياد بن أيوب) بن زياد البغداديّ، أبو هاشم الطوسيّ الأصل المعروف بـ"دلويه"، وكان يغضب منه، ولقّبه أحمد شعبة الصغير، ثقة حافظ [١٠] ١٠١/ ١٣٢. ٢ - (يعقوب بن إبراهيم) بن كثير بن أفلح الدورقيّ العبديّ مولاهم، أبو يوسف البغداديّ، ثقة حافظ [١٠] ٢١/ ٢٢. ٣ - (هُشيم) بن بَشير بن القاسم السلمي، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقة ثبت، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] ٨٨/ ١٠٩. ٤ - (عاصم) بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقة [٤] ١٤٨/ ٢٣٩. ٥ - (مغيرة) بن مقسم الضبيّ مولاهم، أبو هشام الكوفيّ الأعمى، ثقة متقنٌ،

стр. 13162

يدلس [٦] ١٨٨/ ٣٠١. ٦ - (الشعبيّ) عامر بن شَرَاحيل الهمداني الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه فاضل [٣] ٦٦/ ٨٢. ٧ - (ابن عباس) عبد اللَّه البحر الحبر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه يعقوب أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى من الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم -. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، شَرِبَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ) بمنع الصرف للتأنيث، والعلميّة. قال النووي -رحمه اللَّه تعالى- في "تهذيب الأسماء واللغات": زمزم- زادها اللَّه تعالى شرفًا- بزايين، وفتحهما، وإسكان الميم، بينهما، وهي بئر في المسجد الحرام- زاده اللَّه تعالى شرفًا-، بينها وبين الكعبة- زادها اللَّه تعالى شرفًا- ثمان وثلاثون ذراعًا. قيل: سميت زمزم؛ لكثرة مائها، يقال: ماء زمزم، وزمزوم، وزمزام إذا كان كثيرًا. وقيل: لضم هاجر ﵍ لمائها حين انفجرت، وزمها إياها. وقيل: لزمزمة جبريل ﵇، وكلامه عند فجره إياها. وقيل: إنها غير مشتقّة. ولها أسماء أُخر ذكرها الأزرقيّ وغيره: هزمة جبريل -والهزمة الغمزة بالعقب في الأرض- وبَرّة، وشُباعة (١)، والمضنونة، وتُكْتَم (٢)، ويقال لها: طعام طعم، وشفاء سقم، وشراب الأبرار. وجاء في الحديث: "ماء زمزم طعام طعم، وشفاء سقم". وجاء: "ماء زمزم لما شرب له (٣) ". ومعناه من شربه لحاجة نالها، وقد جرّبه العلماء، والصالحون لحاجات أخروية، ودنيوية، فنالوها بحمد اللَّه تعالى وفضله. وفي "الصحيح" عن أبي ذرّ الغفاريّ ﵁ أنه أقام شهرًا بمكة لا قوت له إلا ماء زمزم. وفضائلها أكثر من أن تحصر. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 13163

وروى الأزرقيّ عن العباس بن عبد المطّلب - رضي اللَّه تعالى عنه - قال: تنافس الناس في زمزم في زمن الجاهلية، حتى إن كان أهل العيال يفدون بعيالهم، فيشربون، فيكون صبوحًا لهم، وقد كنا نعدّها عونًا على العيال. قال العباس: وكانت زمزم في الجاهلية تسمى شُبَاعة. وفي غريب الحديث لابن قُتيبة عن عليّ بن أبي طالب ﵁ قال: "خير بئر في الأرض زمزم، وشر بئر في الأرض برهوت". قال ابن قُتيبة: برهوت بئر بحضرموت، يقال: إن أرواح الكفّار فيها، وذكر له دلائل. قال الأزرقيّ: كان ذرع زمزم من أعلاها إلى أسفلها ستين ذراعًا، كلّ ذلك بنيان، وما بقي فهو جبل منقور، وهي تسعة وعشرون ذراعًا، وذَرْعُ تدويرِ فم زمزم أحد وعشرون ذراعًا، وسعة فم زمزم ثلاث أذرع وثلثا ذراع، وعلى البئر مكبس ساج مربع، فيه اثنتا بكرة يستقى عليها. وأول من عمل الرخام على زمزم، وعلى الشباك، وفرش أرضها بالرخام أبو جعفر أمير المؤمنين في خلافته، قال الأزرقيّ: ولم تزل السقاية بيد عبد مناف، فكان يستقي الماء من بئر كرادم، وبئر خم على الإبل في المزاد، والقِرَب، ثم يسكب ذلك الماء في حياض من أدم بفناء الكعبة، فيرده الحاج، حتى يتفرّقوا، وكان يستعذب لذلك الماء، ثم وليها من بعده ابنه هاشم بن عبد مناف، ولم يزل يسقي الحاجّ حتى توفّي، فقام بأمر السياقة من بعده ابنه عبد المطلب بن هاشم، فلم يزل كذلك حتى حفر بئر زمزم، فعفت على آبار مكة كلها، فكان منها يشرب الحاجّ، وكانت لعبد المطلب إبل كثيرة، فإذا كان الموسم جمعها، ثم يسقي من لبنها بالعسل في حوض من أدم عند زمزم، ويشتري الزبيب، فينبذه بماء زمزم، وكانت إذ ذاك غليظة جدًّا، وكان للناس أسقية كثيرة، يستقون منها الماء، ثم ينبذون فيها القبضات من الزبيب والتمر؛ لكثر غلظ الماء، وكان الماء العذب بمكة عزيزًا، لا يوجد إلا لإنسان يُستعذب له من بئر ميمون، وخارج من مكة (١)، فلبث عبد المطلب يسقي الناس حتى توفي، فقام بأمر السقاية بعده ابنه العباس بن عبد المطلب، فلم تزل في يده، وكان للعباس كَرْمٌ بالطائف، فكان يحمل زبيبه، وكان يداين أهل الطائف، ويقتضي منهم الزبيب، فينبذ ذلك كله، ويسقيه الحاجّ في أيام الموسم، حتى مضت الجاهلية، وصدر من الإسلام، ثم أقرها النبيّ ﷺ في يد العباس يوم الفتح، ثم لم تزل في يد العباس حتى توفي، فوليها بعده ابنه عبد اللَّه بن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، فكان يفعل ذلك كفعله، ولا

стр. 13164

ينازعه فيها منازع حتى توفّي، فكانت بيد ابنه عليّ بن عبد اللَّه يفعل كفعل أبيه، وجده، يأتيه الزبيب من الطائف، فينبذه حتى توفي، ثم كانت بيده إلى الآن. انتهى كلام النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- (١). (وَهُوَ قَائِمٌ) فيه بيان جواز الشرب قائمًا، وقد تقدّم اختلاف أهل العلم في حكم الشرب قائمًا في أبواب الطهارة - "باب الانتفاع بفضل الوضوء" -١٠٣/ ١٣٦ فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ١٦٥/ ٢٩٦٥ و ١٦٦/ ٢٩٦٦ - وفى "الكبرى" ١٦٥/ ٣٩٥٦ و ٣٩٥٧. وأخرجه (خ) في "الحج" ١٦٣٧ و"الأشربة" ٥٦١٧ (م) في "الأشربة" ٢٠٢٧ (ت) في "الأشربة" ١٨٨٢ (ق) في "الأشربة" ٣٤٢٢ (أحمد) في "مسند بني هاشم" ١٨٤١ و ١٩٠٦و ٣١٧٦ و ٣٤٨٧ و ٥٣١٧. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان أن من السنة للحاجّ أن يشرب من ماء زمزم. (ومنها): بيان فضل ماء زمزم، حيث اعتنى النبيّ ﷺ بشربها، وحث على شربها، حيث قال: "ماء زمزم لما شُرب له"، وهو حديث صحيح بمجموع طرقه. (ومنها): بيان جواز الشرب من زمزم قائمًا، وقد سبق تحقيق الخلاف فيه في "أبواب الطهارة" ١٠٣/ ١٣٦. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 13165

١٦٦ - (الشُّرْبُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ قَائِمًا) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: جمع المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في "الكبرى" بين حديثي البابين تحت هذه الترجمة، وهو الأولى؛ اختصارًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٩٦٦ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ, عَنْ عَاصِمٍ, عَنِ الشَّعْبِيِّ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: "سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ زَمْزَمَ, فَشَرِبَهُ وَهُوَ قَائِمٌ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"عاصم": هو ابن سليمان الأحول البصريّ. والحديث متّفق عليه، كما سبق بيانه في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٦٧ - (ذِكْرُ خُرُوجِ النَّبِي ﷺ إِلَى الصَّفَا مِنَ الْبَابِ الَّذِي يُخْرَجُ مِنْهُ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "يُخرج منه" بالبناء للمفعول، والضمير المجرور للباب، أي يخرج الناس من ذلك الباب إلى الصفا، وفي "الكبرى": "إليه" بدل "منه"، فيكون الضمير للصفا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٩٦٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ, قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: "لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ, طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا, ثُمَّ صَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ, ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا, مِنَ الْبَابِ الَّذِي يُخْرَجُ مِنْهُ (٢) , فَطَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. قَالَ شُعْبَةُ: وَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ, عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, أَنَّهُ قَالَ: سُنَّةٌ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدموا
следующие страницы →