← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 13161–13200 · переход к 13166.

стр. 13161

أورد حديث أبي ذرّ ﵁ في غسل صدر النبيّ ﷺ بماء زمزم، حديث الباب. قال في "الفتح": كأنه لم يثبت عنده في فضلها على شرطه صريحًا. وقد وقع في مسلم من حديث أبي ذرّ ﵁: "إنها طعامُ طعم"، زاد الطيالسيّ من الوجه الذي أخرجه منه مسلم: "وشفاء سقم". وفي "المستدرك" من حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - مرفوعًا: "ماء زمزم لما شُرب له". ورجاله موثقون، إلا أنه اختلف في إرساله، ووصله، وإرساله أصحّ، وله شاهد من حديث جابر، وهو أشهر منه، أخرجه الشافعيّ، وابن ماجه، وجاله ثقات، إلا عبد اللَّه بن المؤمل المكيّ، فذكر العقيليّ أنه تفرّد به، لكن ورد من رواية غيره عند البيهقيّ من طريق إبراهيم بن طهمان، ومن طريق حمزة الزيّات كلاهما عن أبي الزبير، عن جابر. ووقع في "فوائد ابن المقري" من طريق سُويد بن سعيد، عن ابن المبارك، عن ابن أبي الموالي، عن ابن المنكدر، عن جابر. وزعم الدمياطيّ أنه على رسم الصحيح، وهو كما قال من حيث الرجال إلا أن سويدًا، وإن أخرج له مسلم، فإنه خلط، وطعنوا فيه، وقد شذّ بإسناده، والمحفوظ عن ابن المبارك عن ابن المؤمل. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٩٦٥ - (أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ, قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (٢) عَاصِمٌ, وَمُغِيرَةُ ح وَأَنْبَأَنَا (٣) يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (٤) عَاصِمٌ, عَنِ الشَّعْبِيِّ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , شَرِبَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ, وَهُوَ قَائِمٌ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (زياد بن أيوب) بن زياد البغداديّ، أبو هاشم الطوسيّ الأصل المعروف بـ"دلويه"، وكان يغضب منه، ولقّبه أحمد شعبة الصغير، ثقة حافظ [١٠] ١٠١/ ١٣٢. ٢ - (يعقوب بن إبراهيم) بن كثير بن أفلح الدورقيّ العبديّ مولاهم، أبو يوسف البغداديّ، ثقة حافظ [١٠] ٢١/ ٢٢. ٣ - (هُشيم) بن بَشير بن القاسم السلمي، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقة ثبت، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] ٨٨/ ١٠٩. ٤ - (عاصم) بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقة [٤] ١٤٨/ ٢٣٩. ٥ - (مغيرة) بن مقسم الضبيّ مولاهم، أبو هشام الكوفيّ الأعمى، ثقة متقنٌ،

стр. 13162

يدلس [٦] ١٨٨/ ٣٠١. ٦ - (الشعبيّ) عامر بن شَرَاحيل الهمداني الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه فاضل [٣] ٦٦/ ٨٢. ٧ - (ابن عباس) عبد اللَّه البحر الحبر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه يعقوب أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى من الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم -. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، شَرِبَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ) بمنع الصرف للتأنيث، والعلميّة. قال النووي -رحمه اللَّه تعالى- في "تهذيب الأسماء واللغات": زمزم- زادها اللَّه تعالى شرفًا- بزايين، وفتحهما، وإسكان الميم، بينهما، وهي بئر في المسجد الحرام- زاده اللَّه تعالى شرفًا-، بينها وبين الكعبة- زادها اللَّه تعالى شرفًا- ثمان وثلاثون ذراعًا. قيل: سميت زمزم؛ لكثرة مائها، يقال: ماء زمزم، وزمزوم، وزمزام إذا كان كثيرًا. وقيل: لضم هاجر ﵍ لمائها حين انفجرت، وزمها إياها. وقيل: لزمزمة جبريل ﵇، وكلامه عند فجره إياها. وقيل: إنها غير مشتقّة. ولها أسماء أُخر ذكرها الأزرقيّ وغيره: هزمة جبريل -والهزمة الغمزة بالعقب في الأرض- وبَرّة، وشُباعة (١)، والمضنونة، وتُكْتَم (٢)، ويقال لها: طعام طعم، وشفاء سقم، وشراب الأبرار. وجاء في الحديث: "ماء زمزم طعام طعم، وشفاء سقم". وجاء: "ماء زمزم لما شرب له (٣) ". ومعناه من شربه لحاجة نالها، وقد جرّبه العلماء، والصالحون لحاجات أخروية، ودنيوية، فنالوها بحمد اللَّه تعالى وفضله. وفي "الصحيح" عن أبي ذرّ الغفاريّ ﵁ أنه أقام شهرًا بمكة لا قوت له إلا ماء زمزم. وفضائلها أكثر من أن تحصر. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 13163

وروى الأزرقيّ عن العباس بن عبد المطّلب - رضي اللَّه تعالى عنه - قال: تنافس الناس في زمزم في زمن الجاهلية، حتى إن كان أهل العيال يفدون بعيالهم، فيشربون، فيكون صبوحًا لهم، وقد كنا نعدّها عونًا على العيال. قال العباس: وكانت زمزم في الجاهلية تسمى شُبَاعة. وفي غريب الحديث لابن قُتيبة عن عليّ بن أبي طالب ﵁ قال: "خير بئر في الأرض زمزم، وشر بئر في الأرض برهوت". قال ابن قُتيبة: برهوت بئر بحضرموت، يقال: إن أرواح الكفّار فيها، وذكر له دلائل. قال الأزرقيّ: كان ذرع زمزم من أعلاها إلى أسفلها ستين ذراعًا، كلّ ذلك بنيان، وما بقي فهو جبل منقور، وهي تسعة وعشرون ذراعًا، وذَرْعُ تدويرِ فم زمزم أحد وعشرون ذراعًا، وسعة فم زمزم ثلاث أذرع وثلثا ذراع، وعلى البئر مكبس ساج مربع، فيه اثنتا بكرة يستقى عليها. وأول من عمل الرخام على زمزم، وعلى الشباك، وفرش أرضها بالرخام أبو جعفر أمير المؤمنين في خلافته، قال الأزرقيّ: ولم تزل السقاية بيد عبد مناف، فكان يستقي الماء من بئر كرادم، وبئر خم على الإبل في المزاد، والقِرَب، ثم يسكب ذلك الماء في حياض من أدم بفناء الكعبة، فيرده الحاج، حتى يتفرّقوا، وكان يستعذب لذلك الماء، ثم وليها من بعده ابنه هاشم بن عبد مناف، ولم يزل يسقي الحاجّ حتى توفّي، فقام بأمر السياقة من بعده ابنه عبد المطلب بن هاشم، فلم يزل كذلك حتى حفر بئر زمزم، فعفت على آبار مكة كلها، فكان منها يشرب الحاجّ، وكانت لعبد المطلب إبل كثيرة، فإذا كان الموسم جمعها، ثم يسقي من لبنها بالعسل في حوض من أدم عند زمزم، ويشتري الزبيب، فينبذه بماء زمزم، وكانت إذ ذاك غليظة جدًّا، وكان للناس أسقية كثيرة، يستقون منها الماء، ثم ينبذون فيها القبضات من الزبيب والتمر؛ لكثر غلظ الماء، وكان الماء العذب بمكة عزيزًا، لا يوجد إلا لإنسان يُستعذب له من بئر ميمون، وخارج من مكة (١)، فلبث عبد المطلب يسقي الناس حتى توفي، فقام بأمر السقاية بعده ابنه العباس بن عبد المطلب، فلم تزل في يده، وكان للعباس كَرْمٌ بالطائف، فكان يحمل زبيبه، وكان يداين أهل الطائف، ويقتضي منهم الزبيب، فينبذ ذلك كله، ويسقيه الحاجّ في أيام الموسم، حتى مضت الجاهلية، وصدر من الإسلام، ثم أقرها النبيّ ﷺ في يد العباس يوم الفتح، ثم لم تزل في يد العباس حتى توفي، فوليها بعده ابنه عبد اللَّه بن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، فكان يفعل ذلك كفعله، ولا

стр. 13164

ينازعه فيها منازع حتى توفّي، فكانت بيد ابنه عليّ بن عبد اللَّه يفعل كفعل أبيه، وجده، يأتيه الزبيب من الطائف، فينبذه حتى توفي، ثم كانت بيده إلى الآن. انتهى كلام النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- (١). (وَهُوَ قَائِمٌ) فيه بيان جواز الشرب قائمًا، وقد تقدّم اختلاف أهل العلم في حكم الشرب قائمًا في أبواب الطهارة - "باب الانتفاع بفضل الوضوء" -١٠٣/ ١٣٦ فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ١٦٥/ ٢٩٦٥ و ١٦٦/ ٢٩٦٦ - وفى "الكبرى" ١٦٥/ ٣٩٥٦ و ٣٩٥٧. وأخرجه (خ) في "الحج" ١٦٣٧ و"الأشربة" ٥٦١٧ (م) في "الأشربة" ٢٠٢٧ (ت) في "الأشربة" ١٨٨٢ (ق) في "الأشربة" ٣٤٢٢ (أحمد) في "مسند بني هاشم" ١٨٤١ و ١٩٠٦و ٣١٧٦ و ٣٤٨٧ و ٥٣١٧. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان أن من السنة للحاجّ أن يشرب من ماء زمزم. (ومنها): بيان فضل ماء زمزم، حيث اعتنى النبيّ ﷺ بشربها، وحث على شربها، حيث قال: "ماء زمزم لما شُرب له"، وهو حديث صحيح بمجموع طرقه. (ومنها): بيان جواز الشرب من زمزم قائمًا، وقد سبق تحقيق الخلاف فيه في "أبواب الطهارة" ١٠٣/ ١٣٦. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 13165

١٦٦ - (الشُّرْبُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ قَائِمًا) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: جمع المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في "الكبرى" بين حديثي البابين تحت هذه الترجمة، وهو الأولى؛ اختصارًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٩٦٦ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ, عَنْ عَاصِمٍ, عَنِ الشَّعْبِيِّ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: "سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ زَمْزَمَ, فَشَرِبَهُ وَهُوَ قَائِمٌ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"عاصم": هو ابن سليمان الأحول البصريّ. والحديث متّفق عليه، كما سبق بيانه في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٦٧ - (ذِكْرُ خُرُوجِ النَّبِي ﷺ إِلَى الصَّفَا مِنَ الْبَابِ الَّذِي يُخْرَجُ مِنْهُ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "يُخرج منه" بالبناء للمفعول، والضمير المجرور للباب، أي يخرج الناس من ذلك الباب إلى الصفا، وفي "الكبرى": "إليه" بدل "منه"، فيكون الضمير للصفا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٩٦٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ, قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: "لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ, طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا, ثُمَّ صَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ, ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا, مِنَ الْبَابِ الَّذِي يُخْرَجُ مِنْهُ (٢) , فَطَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. قَالَ شُعْبَةُ: وَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ, عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, أَنَّهُ قَالَ: سُنَّةٌ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدموا

стр. 13166

غير مرة. و"محمد": هو ابن جعفر غندر. وقوله: "الذي يُخرج منه" ببناء الفعل للمفعول، أي الباب الذي عُهد خروجُ الناس منه. وقوله: "قال شعبة الخ" أراد به أن شعبة روى هذا الحديث عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر بلفظ: "لما قدم رسول اللَّه ﷺ مكة … " الحديث، ورواه عن أيوب، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر بلفظ: "أنه قال: سنة"، وليس بين السياقين تخالف، بل السياق الأول تفسير، وتوضيح للسياق الثاني. واللَّه تعالى أعلم. والحديث متفق عليه، وقد تقدّم تمام شرحه، وتخريجه في - ٥٠/ ٢٧٣٢ - واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٦٨ - (ذِكْرُ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الصفا"، و"المروة" جبلا السعي اللذان يُسعى من أحدهما إلى الآخر. و"الصفا" في الأصل، جمع صفاة، وهي الصخرة، والحجر الأملس. و"المروة" في الأصل حجر أبيض برّاق. وقيل: هي الحجارة التي تُقدح منها النار (١). وقال أبو عبد اللَّه القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: أصل الصفا في اللغة الحجر الأملس، وهو هنا جبل بمكة معروف، وكذلك المروة جبل أيضًا، ولذلك أخرجهما بلفظ التعريف. وذكّر الصفا لأن آدم ﵇ وقف عليه، فسمي به. ووقفت حوّاء على المروة، فسميت باسم المرأة، فأنث لذلك. وقال الشعبيّ: كان على الصفا صنم يسمى إسافًا، وعلى المروة صنم يدعى نائلة، فاطرد ذلك في التذكير والتأنيث، وقدم المذكر. وهذا حسن؛ لأن الأحاديث المذكورة تدلّ على هذا المعنى، وما كان كراهة من كره الطواف بينهما إلا من أجل هذا؛ حتى رفع اللَّه الحرج في ذلك. وزعم أهل الكتاب أنهما زنيا في الكعبة، فمسخهما اللَّه حجرين، فوضعهما على الصفا والمروة؛ ليُعتبر بهما؛ فلما طالت المدة عُبدا من دون اللَّه. والصفا مقصور: جمع صفاة، وهي الحجارة الْمُلْسُ. وقيل: الصفا اسم مفرد، وجمعه صُفِي-بضم الصاد-، وأصفاء، على مثل أرحاء. قال الراجز:

стр. 13167

كَأَنَّ مَتْنَيهِ مِنَ النَّفِيِّ … مَوَاقِعُ الطَّيْرِ عَلَى الصُّفِيِّ وقيل: من شروط الصفا البياض، والصلابة، واشتقاقه من صفا يصفو: أي خَلَص من التراب والطين. والمروة: واحدة المرو، وهي الحجارة الصغار التي فيها لين، وقد قيل: إنها الصلاب، والصحيح أن المرو الحجارة صليبها، ورخوها الذي يتشظّى، وترقّ حاشيته، وفي هذا يقال: المرو أكثر، ويقال في الصليب، قال الشاعر [من الرمل]: وَتَوَلَّى الأَرْضَ خُفَّا ذَابِلاً … فَإِذَا مَا صَادَفَ الْمَرْوَ رَضَخْ وقال أبو ذُؤيب [من الكامل]: حَتَّى كَأَنِّي لِلْحَوَادِثِ مَرْوَةٌ … بِصَفَا الْمُشَقِّرِ (١) كُلَّ يَوْمٍ تُقْرَعُ وقد قيل: إنها الحجارة السُّودُ. وقيل: حجارة بيضٌ برّاقة تكون فيها النار. انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٩٦٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عُرْوَةَ, قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى عَائِشَةَ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] , قُلْتُ: مَا أُبَالِي أَنْ لَا أَطُوفَ بَيْنَهُمَا, فَقَالَتْ: بِئْسَمَا قُلْتَ: إِنَّمَا كَانَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ, لَا يَطُوفُونَ بَيْنَهُمَا, فَلَمَّا كَانَ الإِسْلَامُ, وَنَزَلَ الْقُرْآنُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٥٨] , فَطَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَطُفْنَا مَعَهُ, فَكَانَتْ سُنَّةً). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن منصور) بن ثابت بن خالد الْخُزَاعيّ الجوّاز المكيّ، ثقة [١٠] ٢٠/ ٢١. ٢ - (سفيان) بن عيينة الهلالي مولاهم، أبو محمد المكيّ الإمام الثقة الثبت الحجة [٨] ١/ ١. ٣ - (الزهريّ) محمد بن مسلم المدنيّ الإمام الحافظ الثبت الحجة [٤] ١/ ١. ٥ - (عروة) بن الزبير بن العوّام الأسديّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٤٠/ ٤٤. ٦ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم

стр. 13168

رجال الصحيح، غير شيخه، فمن أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وسفيان، فمكيّان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن عروة من الفقهاء السبعة. (ومنها): أن فيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزبير، أنه (قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى عَائِشَةَ) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى - عنها، وهي خالته، وقوله (﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة:١٥٨]) مفعول قرأت؛ لقصد لفظه، أي قرأت عليها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ الآية [البقرة: ١٥٨] (قُلْتُ: مَا أُبَالِي أَنْ لَا أَطُوفَ بَيْنَهُمَا) أي لا أهتمّ، ولا أكترث في عدم الطواف بين الصفا والمروة؛ لأن اللَّه تعالى قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (فَقَالَتْ) عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - (بئْسَمَا قُلْتَ) أي بئس القول قولك هذا؛ حيث لم تفهم مدلول الآية، واحتججت بها على ما لا تكون دليلا عليه، وخالفت سنة رسول اللَّه ﷺ من الطواف بهما. زاد في الرواية التالية: "يا ابن أختي إن هذه الآية، لو كانت كما أولتها، كانت: فلا حناح عليه أن لا يطّوّف بهما". ومحصل كلام عروة -رحمه اللَّه تعالى- أنه احتجّ للإباحة باقتصار الآية على رفع الجناح، فلو كان واجبًا لما اكتفى بذلك؛ لأن رفع الإثم علامة المباح، ويزداد المستحبّ بإثبات الأجر، ويزداد الوجوب عليهما بعقاب التارك. وحاصل جواب عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - أن الآية ساكتة عن الوجوب وعدمه، مصرّحة برفع الإثم عن الفاعل، وأما المباح فيحتاج إلى رفع الإثم عن التارك، والحكمة في التعبير بذلك مطابقة جواب السائلين؛ لأنهم توهّموا من كونهم كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية أنه لا يستمرّ في الإسلام، فخرج الجواب مطابقًا لسؤالهم، وأما الوجوب فيستفاد من دليل آخر. ولا مانع أن يكون الفعل واجبًا، ويعتقد إنسان امتناع إيقاعه على صفة مخصوصة، فيقال له: لا جناح عليك في ذلك، ولا يستلزم ذلك نفي الوجوب، ولا يلزم من نفي الإثم عن الفاعل نفي الإثم عن التارك، فلو كان المراد مطلق الإباحة لنفي الإثم عن التارك. وقد وقع في بعض الشواذّ باللفظ الذي قالت عائشة أنها لو كانت للإباحة لكانت كذلك. حكاه الطبريّ، وابن أبي داود في "المصاحف"، وابن المنذر، وغيرهم عن أبيّ ابن كعب، وابن مسعود، وابن عباس. وأجاب الطبريّ بأنها محمولة على القراءة

стр. 13169

المشهورة. وقال الطحاويّ أيضًا: لا حجة لمن قال: إن السعي مستحبّ بقوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٥٨]؛ لأنه راجع إلى أصل الحجّ والعمرة، لا إلى خصوص السعي؛ لإجماع المسلمين على أن التطوّع بالسعي لغير الحاج والمعتمر غير مشروع. واللَّه أعلم. قاله في "الفتح" (١). (إِنَّمَا كَانَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ) سيأتي في الرواية التالية أنهم الأنصار قبل أن يسلموا، كانوا يهلّون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند الْمُشَلْل (لَا يَطُوفُونَ بَيْنَهُمَا) لأنهم يتحرجون عن الطواف لغير آلهتم (فَلَمَّا كَانَ) أي جاء، فـ"كان" تامّة، وقوله (الْإسْلَامُ) فاعلها (وَنَزَلَ الْقُرْآنُ) أي جوابًا عن سؤالهم النبيّ ﷺ ، حيث قالوا: يا رسول اللَّه، إنا كنا نتحرّج أن نطوف بين الصفا والمروة؟، فأنزل اللَّه تعالى الآية المذكورة وقوله (﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ بدل من "القرآن؛ لقصد لفظه. وقوله ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾) أي من معالم دينه، ومواضع عباداته. قال الأزهريّ: الشعائر: المعالم التي ندب اللَّه إليها، وأمر بالقيام عليها. وقال في "النهاية": شعائر الحج آثاره، وعلاماته، جمع شعيرة. وقيل: هو كلّ ما كان من أعماله، كالوقوف، والطواف، والسعي، والرمي، والذبح، وغير ذلك. وقال في "الصحاح": الشعائر أعمال الحجّ، وكل ما جعل علمًا لطاعة اللَّه. قال الأصمعيّ: الواحدة شعيرة، قال: وقال بعضهم: شعارة، والمشاعر مواضع النسك (٢). وقال الحافظ، ابن كثير -رحمه اللَّه تعالى-: قد بين اللَّه تعالى أن الطواف بين الصفا والمروة من شعائر اللَّه، أي مما شرع اللَّه تعالى لإبراهيم في مناسك الحج، وقد ثبت في حديث ابن عباس أن أصل ذلك مأخوذ من طواف هاجر، وتردادها بين الصفا والمروة في طلب الماء لولدها لما نفد ماؤهما وزادهما، حين تركهما إبراهيم ﵇ هنالك، وليس عندهما أحد من الناس، فلما خافت على ولدها الضيعة هنالك، ونفد ما عندهما، قامت تطلب الغوث من اللَّه ، فدم تزل تتردّد في هذه البقعة المشرّفة بين الصفا والمروة متذلّلة خائفة وجلة مضطربة فقيرة إلى اللَّه حتى كشف اللَّه كربتها، وآنس غربتها، وفرّج شدتها، وأنبع لها زمزم التي ماؤها "طعام طعم، وشفاء سقم"، فالساعي بينهما ينبغي له أن يستحضر فقره، وذُلّه، وحاجته إلى اللَّه في هداية قلبه، وصلاح حاله، وغفران ذنبه، وأن يلتجىء إلى اللَّه لتفريج ما هو به من النقائص والعيوب، وأن يهديه إلى الصراط المستقيم، وأن يثبّته عليه إلى مماته، وأن

стр. 13170

يحوّله من حاله الذي هو عليه من الذنوب والمعاصي إلى حال الكمال والغفران والسداد والاستقامة، كما فعل بهاجر ﵍ انتهى (١). وقوله (الْآيَةَ) يجوز رفعه، ونصبه، وجرّه، فالرفع على أنه مبتدأ، حذف خبره، أي الآية مقروءة إلى آخرها، والنصب على أنه مفعول لفعل مقدّر، أي اقرإ الآية بتمامها، والجرّ -وهو قليل- على أنه مجرور بحرف مقدّر، أي اقرأ إلى آخر الآية. (فَطَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَطُفْنَا مَعَهُ، فَكَانَتْ سُنَّةً) أي كان الطواف بينهما سنة، والتأنيث باعتبار الخبر، وأرادت بذلك ثبوته بالسنة، وأنه مطلوب في الشرع، فليس مما لا مبالاة بتركه، كما بينته في الرواية التالية، حيث قالت: "ثم قد سنّ رسول اللَّه ﷺ الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما". والحاصل أنها أرادت بالسنة الفرض، أي هي فرض من فرائض الحج، وليس المراد السنة التي هي خلاف الفرض، بدديل قولها: "فليس لأحد الخ"، وقولها: "لم يتم اللَّه حجّ أحدكم، ولا عمرته ما لم يطف بينهما". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٦٨/ ٢٩٦٨ و ٢٩٦٩ - وفي "الكبرى" ١٦٦/ ٣٩٦٠ و٣٩٦١. وأخرجه (خ) في "الحج" ١٦٤٣ و١٧٩٠ و"التفسير" ٤٤٩٥و ٤٨٦١ (م) في "الحج" ١٢٧٧ (د) في "المناسك" ١٩٠١ (ت) في "التفسير" ٢٩٦٥ (ق) في "المناسك" ٢٩٨٦ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٤٥٨٨و ٢٤٧٧٠و٢٥٣٧٧ (الموطأ) في "الحج" ٨٣٨. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم السعي بين الصفا والمروة: اختلفوا في هذه المسألة على مذاهب: (المذهب الأول): أنه ركن في الحجّ، لا يصحّ إلا به، وكذلك في العمرة، وهذا مذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد في المشهور عنه. وحكاه النوويّ عن جماهير العلماء، من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم. ورواه ابن أبي شيبة في "مصنّفه" عن

стр. 13171

عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، وعن مجاهد، وابراهيم النخعيّ أنهما قالا: إذا نسي الطواف بين الصفا والمروة، وهو حاج، فعليه الحجّ، فإن كان معتمرًا، فعليه العمرة، ولا يجزيه إلا الطواف بينهما. وحكاه ابن المنذر عن إسحاق بن راهويه، وأبي ثور. وبه قال ابن حزم. واستدل هؤلاء على الوجوب بأمور: (أحدها): ما رواه الشافعيّ، وأحمد في "مسنده"، والدارقطنيّ، والبيهقيّ، وغيرهم من رواية صفية بنت شيبة، قالت: أخبرتني ابنة أبي تَجْرَاة (١)، أنها سمعت رسول اللَّه ﷺ ، وقد استقبل الناس في المسعى، وقال: "يا أيها الناس، اسعَوْا، فإن السعي قد كُتب عليكم" (٢). قال الحافظ وليّ الدين: وذكر النوويّ في "شرح المهذب" في أول كلامه الطريقَ الأول، وقال: ليس بقويّ، واسناده ضعيف، قال ابن عبد البرّ في "الاستيعاب": فيه اضطراب. ثم ذكر الطريق الثاني في آخر كلامه، وقال: إسناده حسن. فعدّ ذلك شيخنا جمال الدين عبد الرحيم الإسنويّ في "المهمات" تناقضًا، وقال: اختلف فيه كلام النوويّ. وجوابه أن ذلك باعتبار طريقين، فإن في الأول عبد اللَّه بن المؤمّل، وليس في الثاني، فلذلك ضعّف الأول، وحسّن الثاني. قال ابن المنذر في "الإشراف": إن ثبت حديث بنت أبي تجراة وجب فرض السعي، وإن لم يثبت فلا أعلم دلالة توجبه، والذي رواه عبد اللَّه بن المؤمّل، وقد تكلّموا في حديثه انتهى. وقد أشار الإسنويّ في بقية كلامه لذلك، فقال: وحسّنه أيضًا الشيخ زكيّ الدين في كلامه على أحاديث "المهذّب"، إلا أن الحديث المذكور روي بإسنادين انتهى. ومع ذلك ففي جعلهما طريقين، وتضعيف الأول، وتحسين الثاني نظر، فهو حديث واحد مداره على صفية بنت شيبة

стр. 13172

وقع الاختلاف فيه، وقد سلك ذلك البيهقيّ وغيره، وتقدّم قول ابن عبد البرّ: إن فيه اضطرابًا، لكنه قال في "الاستذكار": اضطرب فيه غير الشافعيّ، وأبي نعيم الفضل بن دكين على عبد اللَّه بن المؤمل، وجوّدوا إسناده ومعناه، وقد رواه مع ابن المؤمّل غيره، وابن المؤمّل لم يطعن عليه أحد إلا من سوء حفظه، ولم يخالفه فيه غيره، فيتبيّنَ فيه سوء حفظه. وقال الحافظ في "الفتح": قلت: له طريق أخرى في "صحيح ابن خزيمة" مختصرة. وعند الطبرانيّ عن ابن عباس كالأولى، واذا انضمّت إلى الأولى قويت، واختلف على صفية بنت شيبة في اسم الصحابية التي أخبرتها به، ويجوز أن تكون أخذته عن جماعة، فقد وقع عند الطبرانيّ عنها: "أخبرتني نسوة من بني عبد الدار"، فلا يضرّ الاختلاف. انتهى (١). قال الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وهذا عندنا -واللَّه أعلم- على إيجاب السعي بين الصفا والمروة من قبل أن هذا الحديث لا يحتمل إلا السعي بينهما، أو السعي في بطن الوادي، فإذا وجب السعي في بطن الوادي، وهو بعض العمل وجب في كلّه. انتهى. (الثاني): استدلّ البيهقيّ على ذلك بحديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - المذكور في الباب، وقولها فيه: "ثم قد سن رسول اللَّه ﷺ الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما". وبقولها أيضًا في "صحيح مسلم": "ولعمري ما أتمّ اللَّه حجّ من لم يطف بين الصفا والمروة". (الثالث): استدلّ البيهقيّ، وابن عبد البرّ، والنوويّ، وغيرهم على ذلك أيضًا بكونه ﷺ كان يسعى بينهما في حجه، وعمرته، وقال: "خذوا عني مناسككم". (الرابع): استدلّ البيهقيّ على ذلك أيضًا بما في "صحيح البخاري" عن عمرو بن دينار، قال: سألنا ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - عن رجل قدم بعمرة، فطاف بالبيت، ولم يطف بين الصفا والمروة، أيأتي امرأته؟ فقال: قدم النبيّ ﷺ ، فطاف بالبيت سبعًا، وصلى خلف المقام ركعتين، وطاف بالصفا والمروة سبعًا، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. وقال عمرو: سألنا جابرًا؟ فقال: لا يقربها حتى يطوف بين الصفا والمروة. (الخامس): استدلّ ابن حزم على ذلك بما في "الصحيحين" عن أبي موسى الأشعريّ ﵁، قال: قدمت على رسول اللَّه ﷺ ، وهو مُنيخٌ بالبطحاء، فقال:

стр. 13173

"أحججت؟، فقلت: نعم، فقال: "بم أهللت؟ "، فقلت: لبيك بإهلال، كإهلال رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "قد أحسنت، طف بالبيت، وبالصفا والمروة، وأحلّ". قال ابن حزم: بهذا صار السعي بين الصفا والمروة في العمرة فرضًا انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الدليل الذي استدلّ به ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى- أقوى دليل للمسألة، فلو لم يكن من الأدلة غيره، مع قوله ﷺ : "خذوا عني مناسككم" لكفى في وجوب السعي بين الصفا والمروة، فكيف، وقد انضمّ إليه ما تقدم من الأدلة التي ذكرت قبله. واللَّه تعالى أعلم. (المذهب الثاني): أنه واجب، ويجبر تركه بالدم، ويصحّ الحجّ بدونه. وهذا مذهب أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، وذكر النوويّ أنه الأصحّ عنه. ورواه ابن أبي شيبة في "مصنّفه" عن الحسن البصريّ، وعطاء بن أبي رباح. وحكاه ابن المنذر عن قتادة، وسفيان الثوريّ. وحكى ابن عبد البرّ عن الثوريّ أنه إن نسيه حتى رجع إلى بلده أجزأه دم. وعن أبي حنيفة، وصاحبيه إن تركه عمدًا، أو نسيانًا، فعليه دم. وذكر صاحب "الهداية" من الحنفيّة أن قوله تعالى: ﴿لا جناح﴾ يستعمل مثله للإباحة، فينفي الركنيّة، والإيجاب، ولأن الركنيّة لا تثبت إلا بدليل مقطوع به، ولم يوجد. ثم معنى ما روي كتب استحبابًا، كما في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ الآية [البقرة: ١٨٠]. انتهى. قال الحافظ وليّ الدين: [فإن قلت]: قد قال أوّلاً بالوجوب، فكيف قال آخرًا بالاستحباب؟ [قلت]: لم يقل آخرًا بالاستحباب، وإنما قال: إن مثل هذه الصيغة، وهي "كُتب" تستعمل في الاستحباب، كما في الآية التي استشهد بها، ثم هو منازع فيما ذكره في هذه الآية، بل هي على بابها من الوجوب، وكانت قبل نزول آية المواريث، ثم نسخت بها، كما هو مقرر في التفسير. واللَّه أعلم انتهى. (المذهب الثالث): أنه سنة، ليس بركن، ولا واجب، وهو رواية عن أحمد. ورواه ابن أبي شيبة عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه قال: إن شاء سعى، وإن شاء لم يسع. وعن عطاء أنه كان لا يرى على من لم يسع شيئًا، قيل له: قد ترك شيئًا من سنة رسول اللَّه ﷺ ، قال: ليس عليه، وكان يفتي في العلانية بدم. وقال ابن المنذر: كان أنس بن مالك، وعبد اللَّه بن الزبير، وابن سيرين ﵃ يقولون: هو تطوع. وقد روينا أن في مصحف أُبيّ بن كعب، وابن مسعود: "فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما". وحكى ابن حزم أن ابن عباس كان يقرأ: "فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما"، ثم قال: هذا قول من ابن عباس، لا إدخال منه في القرآن، ثم حكى ابن حزم هذه القراءة عن

стр. 13174

أنس، قال: وهو قول عطاء، ومجاهد، وميمون بن مهران. وروى البيهقيّ في "المعرفة" هذه القراءة عن ابن عباس، وأنه قال: فنسختها هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]، فلما نزلت طافوا بين الصفا والمروة. قال البيهقيّ: وهذه الرواية إن صحّت تدلّ على أن الأمر فيه صار إلى الوجوب. (المذهب الرابع): أن على من ترك السعي أن يأتي بعمرة. رواه ابن أبي شيبة عن طاوس، وحكاه عنه ابن المنذر. (المذهب الخامس): أنه إن ترك من السعي أربعة أشواط، فعليه دم، وإن ترك دونها لزم لكلّ شوط نصف صاع. حكاه ابن المنذر عن أصحاب الرأي، وحكاه الدارميّ من الشافعيّة عن أبي حنيفة، قال: وحكى ابن القطّان عن أبي عليّ قولاً كمذهب أبي حنيفة. قال النوويّ في "شرح المهذب": وهذا القول شاذّ غلطٌ. وقال ابن المنذر: واختُلف عن عطاء، فروي عنه أنه لا شيء على من تركه. وروي عنه أنه قال: عليه دم. وروي عنه أنه قال: يطعم مساكين، أو يذبح شاة يطعمها المساكين انتهى. وهذه الرواية الأخير عن عطاء قول سادس. واعلم أن ابن العربيّ في "شرح الترمذيّ" حكى إجماع الأمة على أن السعي ركن في العمرة، وجعل الخلاف في الحجّ فقط. قال الحافظ وليّ الدين: ولم أر لغيره تعرّضًا لذلك، ويخالفه صريحًا كلام ابن حزم، فإنه حكى الخلاف في العمرة، وحكي عن ابن عباس أنه قال: العمرة الطواف بالبيت، وكذلك ابن عبد البرّ حكى الخلاف عن أبي حنيفة، وصاحبيه في الحجّ والعمرة. انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أرجح المذاهب عندي المذهب الأول، وهو مذهب الجمهور، وهو أن السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحجّ والعمرة؛ لقوة أدلّته، كما أسلفتُ بيانها قريبًا. والحاصل أن القول بركنيّة السعي هو الحقّ الذي لا مرية فيه، وليس لمخالفيه دليلٌ يُعتمد عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٩٦٩ - (أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, عَنْ شُعَيْبٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عُرْوَةَ, قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ, عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ فَوَاللَّهِ مَا عَلَى أَحَدٍ جُنَاحٌ, أَنْ لَا يَطُوفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ, قَالَتْ عَائِشَةُ: بِئْسَمَا قُلْتَ: يَا

стр. 13175

ابْنَ أُخْتِي, إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَوْ كَانَتَ كَمَا أَوَّلْتَهَا, كَانَتْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا, وَلَكِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الأَنْصَارِ, قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا كَانُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ, الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ عِنْدَ الْمُشَلَّلِ, وَكَانَ مَنْ أَهَلَّ لَهَا, يَتَحَرَّجُ أَنْ يَطُوفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ, فَلَمَّا سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ, أَنْزَلَ اللَّهُ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ , ثُمَّ قَدْ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا, فَلَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بِهِمَا). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عمرو بن عثمان": هو أبو حفص الحمصيّ، صدوق [١٠] ٢١/ ٥٣٥. و"أبوه": هو عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار، أبو عمرو الحمصيّ، ثقة عابد [٩] ٦٩/ ٨٥. و"شعيب": هو ابن أبي حمزة الحمصيّ الثقة الثبت. وقوله: "أن لا يطوّف" أي بأن لا يطوف، أو في أن لا يطوف، فهو بتقدير حرف الجرّ. وقوله: "لو كانت كما أولتها الخ" أي لو كان المراد بالنصّ ما تقول، وهو عدم الوجوب، لكان نظمه: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، تريد أن الذي يُستعمل للدلالة على عدم الوجوب عينًا، هو رفع الإثم عن الترك، وأما رفع الإثم عن الفعل، فقد يستعمل في المباح، وقد يستعمل في المندوب، أو الواجب أيضًا، بناء على أن المخاطب يتوهّم فيه الإثم، فيخاطب بنفي الإثم، وإن كان الفعل في نفسه واجبًا، وفيما نحن فيه كذلك، فلو كان المقصود في هذا المقام الدلالة على عدم الوجوب عينًا لكان الكلام اللائق بهذه الدلالة أن يقال: فلا جناح عليه أن لا يتطوّف بهما. قاله السنديّ (١). وقال الحافظ السيوطيّ: هذا من بديع فقهها؛ لأن ظاهر الآية رفع الجناح عن الطائف بالصفا والمروة، وليس هو بنصّ فى سقوط الوجوب، فأخبرته أن ذلك محتمل، ولو كان نصًّا في ذلك لقال: فلا جناح عليه أن لا يطوف؛ لأن هذا يتضمّن سقوط الإثم عمن ترك الطواف، ثم أخبرته أن ذلك إنما كان؛ لأن الأنصار تحرّجوا بذلك الموضع في الإسلام، فأخبروا أن لا حرج عليهم انتهى (٢). وقوله: "يهُلّون " بضم الياء، من الإهلال، أي يحجون. وقوله: "لمناة" بفتح الميم والنون الخفيفة: صنمٌ كان في الجاهلية. وقال ابن الكلبيّ: كانت صخرة نصبها عمرو بن لُحيّ لهُذيل، وكانوا يعبدونها، والطاغية صفة لها إسلامية.

стр. 13176

وقوله: "بالمشلّل" بضم أوله، وفتح المعجمة، ولامين، الأولى مفتوحة مثقّلة، هي الثنيّة المشرفة على قُديد. وفي رواية للبخاريّ: "كانوا يُهلّون لمناة، وكانت مناة حَذْوَ قُديد". أي مقابله، و"قُديد" بقاف مصغّرًا: قرية جامعة، بين مكة والمدينة، كثيرة المياه. قاله أبو عُبيد البكريّ (١). وقوله: "وكان من أهلّ لها يتحرج أن يطوف الخ" قال في "الفتح": ظاهره أنهم كانوا في الجاهلية لا يطوفون بين الصفا والمروة، ويقتصرون على الطواف بمناة، فسألوا عن حكم الإسلام في ذلك، ويصرّح بذلك رواية سفيان بلفظ: "إنما كان من أهلّ بمناة الطاغية التي بالمشلّل لا يطوفون بين الصفا والمروة". وفي رواية معمر عن الزهريّ: "إنا كنا لا نطوف بين الصفا والمروة تعظيمًا لمناة". أخرجه البخاريّ تعليقًا، ووصله أحمد وغيره. وفي رواية يونس، عن الزهريّ، عند مسلم: "إن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا هم وغسّان يُهلّون لمناة، فتحرّجوا أن يطوفوا بين الصفا والمروة، وكان ذلك سنة في آبائهم، من أحرم لمناة لم يطف بين الصفا والمروة". فطرق الزهريّ متّفقة، وقد اختلف فيه على هشام بن عروة، عن أبيه، فرواه مالك عنه بنحو رواية شعيب عن الزهريّ، ورواه أبو أسامة عنه بلفظ: "إنما أنزل اللَّه هذا في أناس من الأنصار كانوا إذا أهلّوا لمناة في الجاهلية، فلا يحلّ لهم أن يطوفوا بين الصفا والمروة"، أخرجه مسلم. وظاهره يوافق رواية الزهريّ، وبذلك جزم محمد بن إسحاق فيما رواه الفاكهيّ من طريق عثمان بن وَسّاج، عنه: "أن عمرو بن لُحيّ نَصب مناةَ على ساحل البحر مما يلي قُديدًا، فكانت الأزد، وغسّان يحجونها، ويعظّمونها، إذا طافوا بالبيت، وأفاضوا من عرفات، وفرغوا من منى أتوا مناة، فأهلّوا لها، فمن أهلّ لها لم يطف بين الصفا والمروة، قال: وكانت مناة للأوس، والخزرج، والأزد، من غسّان، ومن دان دينهم من أهل يثرب". فهذا يوافق رواية الزهريّ. وأخرج مسلم من طريق أبي معاوية، عن هشام هذا الحديث، فخالف جميع ما تقدّم، ولفظه: "إنما كان ذلك؛ لأن الأنصار كانوا يهُلّون في الجاهليّة لصنمين على شطّ البحر، يقال لهما: إساف، ونائلة، فيطوفون بين الصفا والمروة، ثم يحلّون، فلما جاء الإسلام كرهوا أن يطوفوا بينهما للذي كانوا يصنعون في الجاهلية". فهذه الرواية تقتضي أن تحرّجهم إنما كان لئلا يفعلوا في الإسلام شيئًا كانوا يفعلونه في الجاهليّة؛ لأن الإسلام أبطل أفعال الجاهلية إلا ما أذن فيه الشارع، فخَشُوا أن يكون ذلك من أمر الجاهلية الذي أبطله الشارع، فهذه الرواية توجيهها ظاهر، بخلاف رواية أبي أسامة، فإنها تقتضي أن التحرّج عن الطواف بين

стр. 13177

الصفا والمروة؛ لكونهم كانوا لا يفعلونه في الجاهلية، ولا يلزم من تركهم فعل شيء في الجاهلية أن يتحرّجوا من فعله في الإسلام، ولولا الزيادة التي من طريق يونس، حيث قال: وكانت سنة في آبائهم الخ، لكان الجمع بين الروايتين ممكنًا بأن نقول: وقع في رواية الزهريّ حذف تقديره أنهم كانوا يُهلون في الجاهلية لمناة، ثم يطوفون بين الصفا والمروة، فكان من أهلّ أي بعد ذلك في الإسلام يتحرّج أن يطوف بين الصفا والمروة؛ لئلا يضاهي فعل الجاهليّة. ويمكن أيضًا أن يكون في رواية أبي أسامة حذف تقديره: كانوا إذا أهلّوا لمناة في الجاهلية، فجاء الإسلام، فظنّوا أنه أبطل ذلك، فلا يحلّ لهم. ويبيّن ذلك رواية أبي معاوية المذكورة، حيث قال فيها: "فلما جاء الإسلام كرهوا أن يطوفوا بينهما للذي كانوا يصنعون في الجاهليّة". إلا أنه وقع فيها وهَمٌ غير هذا، نبّه عليه عياض، فقال: قوله: "لصنمين على شطّ البحر" وَهَمٌ، فإنهما ما كانا قطّ على شطّ البحر، وإنما كانا على الصفا والمروة، إنما كانت مناة مما يلي جهة البحر انتهى. وسقط من روايته أيضًا إهلالهم أوّلاً لمناة، فكأنهم كانوا يهلون لمناة، فيبدؤون بها، ثم يطوفون بين الصفا والمروة لأجل إساف ونائلة، فمن ثمّ تحرّجوا من الطواف بينهما في الإسلام. ويؤيّد ما ذكرناه حديث أنس المذكور عند البخاريّ بلفظ: "أكنتم تكرهون السعي بين الصفا والمروة؟ فقال: نعم؛ لأنها كانت من شعار الجاهلية". وروى النسائيّ بإسناد قوي، عن زيد بن حارثة، قال: "كان على الصفا والمروة صنمان من نحاس، يقال لهما إساف ونائلة، كان المشركون إذا طافوا تمسّحوا بهما … " الحديث. وروى الطبرانيّ، وابن أبي حاتم في "التفسير" بإسناد حسن، من حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: "قالت الأنصار: إن السعي بين الصفا والمروة من أمر الجاهليّة، فأنزل اللَّه : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ١٥٨]. وروى الفاكهيّ، وإسماعيل القاضي في "الأحكام" بإسناد صحيح عن الشعبيّ، قال: "كان صنم بالصفا يُدْعَى إساف، ووثن بالمروة يدعى نائلة، فكان أهل الجاهلية يسعون بينهما، فلما جاء الإسلام رمى (١) بهما، وقالوا: إنما كان ذلك يصنعه أهل الجاهلية من أجل أوثانهم، فأمسكوا عن السعي بينهما، قال: فأنزل اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ١٥٨]. وذكر الواحديّ في "أسبابه" عن ابن عباس نحو هذا، وزاد فيه: يزعم أهل الكتاب أنهما زنيا في الكعبة، فمسخا حجرين، فوضعا على الصفا والمروة ليعتبر بهما، فلما طالت المدة عُبِدَا، والباقي نحوه. وروى الفاكهي بإسناد صحيح إلى أبي مجلز نحوه. وفي "كتاب مكة" لعمر بن شبّه بإسناد قويّ عن مجاهد في هذه الآية، قال: قالت الأنصار: إن السعي بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية،

стр. 13178

فنزلت. ومن طريق الكلبيّ، قال: كان الناس أول ما أسلموا كرهوا الطواف بينهما لأنه كان على كل واحد منهما صنم، فنزلت، فهذا كله يوضح قوة رواية أبي معاوية، وتقدّمها على رواية غيره. ويحتمل أن يكون الأنصار في الجاهلية كانوا فريقين منهم من كان يطوف بينهما على ما اقتضته رواية أبي معاوية، ومنهم من كان لا يقربهما على ما اقتضته رواية الزهريّ، واشترك الفريقان في الإسلام على التوقّف عن الطواف بينهما لكونه كان عندهم جميعًا من أفعال الجاهلية، فيجمع بين الروايتين بهذا، وقد أشار إلى نحو هذا الجمع البيهقيّ. واللَّه تعالى أعلم. انتهى "الفتح" (١). [تنبيه]: قول عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "سنّ رسول اللَّه ﷺ الطواف بين الصفا والمروة" معناه: فرضه بالسنّة، وليس مرادها نفي فرضيته، ويؤيّده قولها: "لم يُتمّ اللَّه حجْ أحدكم، ولا عمرته ما لم يطف بينهما". قاله في "الفتح" (٢). [تنبيه آخر]: زاد الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في آخر هذا الحديث من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ: ما نصّه: ثم أَخبرتُ أبا بكر بن عبد الرحمن، فقال: إن هذا لعلمٌ، ما كنت سمعته، ولقد سمعت رجالاً من أهل العلم يذكرون أن الناس إلا من ذكرت عائشة، ممن كان يُهلّ بمناة كانوا يطوفون كلهم بالصفا والمروة، فلما ذكر اللَّه تعالى الطواف بالبيت، ولم يذكر الصفا والمروة في القرآن، قالوا: يا رسول اللَّه، كنا نطوف بالصفا والمروة، وإن اللَّه أنزل الطواف بالبيت، فلم يذكر الصفا، فهل علينا من حرج أن نطوف بالصفا والمروة؟، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ١٥٨]. قال أبو بكر: فأسمع هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما، في الذين كانوا يتحرّجون أن يطوفوا بالجاهلية بالصفا والمروة، والذين يطوفون، ثم تحرّجوا أن يطوفوا بهما في الإسلام من أجل أن اللَّه أمر بالطواف بالبيت، ولم يذكر الصفا، حتى ذكر ذلك بعد ما ذكر الطواف بالبيت. وقوله: "ثم أخبرت الخ" القائل هو الزهريّ. وقوله: "إن هذا العلم" كذا للأكثر: أي إن هذا هو العلم المتين، وللكشميهني: "إن هذا لعلمٌ" بفتح اللام المؤكّدة، وبالتنوين، على أنه الخبر. وقوله: "إلا من ذكرت عائشة" إنما ساغ له هذا الاستثناء مع أن الرجال الذين أخبروه أطلقوا ذلك؛ لبيان الخبر عنده من رواية الزهري له عن عروة عنها. ومحصل ما أخبر به أبو بكر بن عبد الرحمن، أن المانع لهم من التطوف بينهما، أنهم

стр. 13179

كانوا يطوفون بالبيت وبين الصفا والمروة في الجاهلية، فلما أنزل اللَّه الطواف بالبيت، ولم يذكر الطواف بينهما ظنوا رفع ذلك الحكم، فسألوا هل عليهم من حرج إن فعلوا ذلك، بناء على ما ظنوه من أن التطوف بينهما من فعل الجاهلية. وقوله: "فأسمع هذه الآية نزلت في الفريقين"، وفي رواية: "فأُراها نزلت" وهو بضم الهمزة: أي أظنها. وحاصل كلامه أن سبب نزول الآية على هذا الأسلوب، كان للرد على الفريقين، الذين تحرجوا أن يطوفوا بينهما لكونه عندهم من أفعال الجاهلية، والذين امتنعوا من الطواف بينهما لكونهما لم يذكرا. وقوله: "حتى ذكر ذلك بعد ما ذكر الطواف بالبيت" يعني تأخر نزول آية البقرة في الصفا والمروة عن آية الحجّ، وهي قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحجّ: ٢٩] (١). والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق بيانه في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٩٧٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (٢) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ, قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ, عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَابِرٍ, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , حِينَ خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ, وَهُوَ يُرِيدُ الصَّفَا, وَهُوَ يَقُولُ: «نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا. والحديث أخرجه مسلم، وتقدّم شرحه، وبيان مسائله في باب "ترك التسمية عند الإهلال" -٥١/ ٢٧٤٠ - فراجعه تستفد. ودلالته على الترجمة هنا واضحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٩٧١ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي, قَالَ: حَدَّثَنَا جَابِرٌ, قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الصَّفَا, وَقَالَ: «نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ». ثُمَّ قَرَأَ: «(إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذه الإسناد أيضًا كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"يعقوب بن إبراهيم": هو الدَّوْرَقيّ. و"يحيى بن سعيد": هو القطّان. والحديث أخرجه مسلم، كما تقدم بيانه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 13180

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٦٩ - (مَوْضِعُ الْقِيَام عَلَى الصَّفَا) ٢٩٧٢ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي: قَالَ: حَدَّثَنَا جَابِرٌ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , رَقِيَ عَلَى الصَّفَا, حَتَّى إِذَا نَظَرَ إِلَى الْبَيْتِ, كَبَّرَ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد هم المذكورن في الباب الماضي. وقوله: "رَقِي على الصفا" بفتح الراء، وكسر القاف-: أي صَعِد عليه، قال في "القاموس": رَقِي إليه، كرضِي رَقْيًا، ورُقيًّا: صَعِد، كارتقى، وترقّى انتهى. والحديث أخرجه مسلم، كما مرّ بيانه قريبًا، ودلالته على الترجمة واضحة، حيث إنه يدلّ على أن موضع القيام من الصفا يكون على مكان يُرى فيه البيت؛ ليتوجّه إليه عند الدعاء. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٧٠ - (التَّكْبِيرُ عَلَى الصَّفَا) ٢٩٧٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, وَاللَّفْظُ لَهُ, عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ, قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ, عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَابِرٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , كَانَ إِذَا وَقَفَ عَلَى الصَّفَا, يُكَبِّرُ ثَلَاثًا, وَيَقُولُ: «لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ, لَا شَرِيكَ لَهُ, لَهُ الْمُلْكُ, وَلَهُ الْحَمْدُ, وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» , يَصْنَعُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ, وَيَدْعُو, وَيَصْنَعُ عَلَى الْمَرْوَةِ مِثْلَ ذَلِكَ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الإسناد تقدم قبل باب، سوى الحارث، وهو ثقة فقيه. والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدم مطوّلاً قبل سبعة أبواب في -١٦٣/ ٢٩٦٢ -

стр. 13181

وتقدّم البحث فيه مُسْتَوْفًى هناك، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٧١ - (التَّهْلِيلُ عَلَى الصَّفَا) ٢٩٧٤ - (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ يَزِيدَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) شُعَيْبٌ, قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ, أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يُحَدِّثُ, أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا, عَنْ حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ , ثُمَّ وَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الصَّفَا, يُهَلِّلُ اللَّهَ , وَيَدْعُو بَيْنَ ذَلِكَ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عمران بن يزيد": هو عمران خالد بن يزيد الدمشقيّ، صدوق [١٠] ١٨/ ٤٢٢. و"شعيب": هو ابن إسحاق البصريّ، ثم الدمشقيّ، ثقة رمي بالإرجاء، من كبار [٩] ٦٠/ ١٧٦٦. وقوله: "عن حجة النبيّ ﷺ " متعلّق بمحذوف، أي يحدّث عن حجة النبيّ ﷺ . وقوله: "ويدعو بين ذلك" أي بين مرّات هذا الذكر. وفيه إشارة إلى أن الدعاء يكون بين الأذكار. والحديث أخرجه مسلم، وسبق الكلام عليه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٧٢ - (الذِّكْرُ وَالدُّعَاءُ عَلَى الصَّفَا) ٢٩٧٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ, عَنْ شُعَيْبٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (٢) اللَّيْثُ, عَنِ ابْنِ الْهَادِ, عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَابِرٍ, قَالَ: طَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ,

стр. 13182

بِالْبَيْتِ سَبْعًا, رَمَلَ مِنْهَا ثَلَاثًا, وَمَشَى أَرْبَعًا, ثُمَّ قَامَ عِنْدَ الْمَقَامِ, فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ, وَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ , وَرَفَعَ صَوْتَهُ, يُسْمِعُ النَّاسَ, ثُمَّ انْصَرَفَ, فَاسْتَلَمَ, ثُمَّ ذَهَبَ, فَقَالَ: «نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» , فَبَدَأَ بِالصَّفَا, فَرَقِيَ عَلَيْهَا, حَتَّى بَدَا لَهُ الْبَيْتُ, وَقَالَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: «لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ, وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ, لَهُ الْمُلْكُ, وَلَهُ الْحَمْدُ, يُحْيِى وَيُمِيتُ, وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» , وَكَبَّرَ اللَّهَ, وَحَمِدَهُ, ثُمَّ دَعَا بِمَا قُدِّرَ لَهُ, ثُمَّ نَزَلَ مَاشِيًا, حَتَّى تَصَوَّبَتْ قَدَمَاهُ, فِي بَطْنِ الْمَسِيلِ, فَسَعَى حَتَّى صَعِدَتْ قَدَمَاهُ, ثُمَّ مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ, فَصَعِدَ فِيهَا, ثُمَّ بَدَا لَهُ الْبَيْتُ, فَقَالَ: «لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ, لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ, وَلَهُ الْحَمْدُ, وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» , قَالَ: ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ, ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهَ, وَسَبَّحَهُ, وَحَمِدَهُ, ثُمَّ دَعَا عَلَيْهَا, بِمَا شَاءَ اللَّهُ, فَعَلَ هَذَا حَتَّى فَرَغَ مِنَ الطَّوَافِ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن عبد اللَّه بن عبدالحكم": هو المصريّ الفقيه الثقة، من أفراد المصنّف. و"شعيب": هو ابن الليث بن سعد المصريّ الفقيه الثقة النبيل. و"الليث": هو ابن سعد الإمام الحجة المصريّ. و"ابن الهاد": هو يزيد بن عبد اللَّه بن أسامة بن الهاد المدنيّ. وقوله: "حتى تصوّبت": أي انحدرت. وقوله: "رقي" بفتح الراء، وكسر القاف. وقوله: "صَعِد" بفتح الصاد، وكسر العين المهملتين، من باب تعب. والحديث أخرجه مسدم، وتقدم الكلام عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب". … ١٧٣ - (الطوَافُ بَينُ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ) ٢٩٧٦ - (أَخْبَرَنِي عِمْرَانُ بْنُ يَزِيدَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعَيْبٌ, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ, أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ, يَقُولُ: طَافَ النَّبِيُّ ﷺ , فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ, عَلَى رَاحِلَتِهِ بِالْبَيْتِ, وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؛ لِيَرَاهُ النَّاسُ, وَلِيُشْرِفَ, وَلِيَسْأَلُوهُ إِنَّ النَّاسَ غَشُوهُ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه

стр. 13183

من أفراده. و"شعيب": هو ابن إسحاق. وقوله: "طاف على راحلته" لا تنافي بينه وبين ما تقدّم في الباب الماضي من أنه ﷺ طاف ماشيًا، رمل في الثلاثة الأشواط الأول، ومشى أربعًا؛ لأنه يحمل هذا على طواف الإفاضة، أو الوداع، وذاك على طواف القدوم. وقوله: "وليُشْرِفَ" بالبناء للفاعل، أي ليطلع على أعمال الناس، حتى لا يقعوا في الخطأ، يقال: أشرفت عليه: إذا اطّلعت. ويحتمل أن يكون المعنى: ليشرف، أي ليرتفع عن الناس، حتى لا يؤذوه، يقال: أشرف المكانُ: إذا ارتفع، كما تفيده عبارة "المصباح". وقوله: "غشُوهُ" بفتح الغين، وضمّ الشين المعجمتين: أي ازدحموا عليه، وكثُروا. والحديث أخرجه مسلم، وسبق الكلام عليه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٧٤ - (الْمَشْيُ بَيْنَهُمَا) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الْمَشْيُ" -بفتح، فسكون-: مصدرٌ، يقال: مَشَى يَمْشِي مَشْيًا، من باب ضرب: إذا كان على رجليه، سريعًا كان، أو بَطيئًا، فهو ماشٍ، والجمع مُشاةٌ، ويتعدّى بالهمزة والتضعيف. أفاده في "المصباح"، والمراد به هنا خلاف الإسراع بدليل مقابلته بقوله في الباب التالي: "الرمَلُ بينهما": أي الإسراع، والضمير في "بينهما" للصفا والمروة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٩٧٧ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ, عَنْ كَثِيرِ بْنِ جُمْهَانَ, قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ, يَمْشِي بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ, فَقَالَ: إِنْ أَمْشِي, فَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي, وَإِنْ أَسْعَ, فَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْعَى وَأَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمود بن غيلان) العدويّ مولاهم، أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد،

стр. 13184

ثقة [١٠] ٣٣/ ٣٧. ٢ - (بشر بن السريّ) الأفوه، أبو عمرو البصريّ، سكن مكة، وكان واعظًا، ثقة متقنٌ، طُعن فيه برأي جهم، ثم اعتذر، وتاب [٩] ١٠٤/ ١٣٦٥. ٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ الإمام الحافظ الحجة [٧] ٣٣/ ٣٧. ٤ - (عطاء بن السائب) الثقفيّ، أبو محمد، أبو أبو السائب الكوفيّ، صدوقٌ اختلط بآخره [٥] ١٥٢/ ٢٤٣. ٥ - (كثير بن جُمهان) -بضم الجيم، وسكون الميم- السلميّ، ويقال: الأسلميّ، أبو جعفر الكوفي، مقبول [٣]. روى عن أبي هريرة، وابن عمر، وأبي عياض. وعنه عطاء بن السائب، وليث بن أبي سُليم. قال أبو حاتم: شيخٌ يُكتب حديثه. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له الأربعة، وله عندهم حديث الباب فقط. ٦ - (ابن عمر) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير كثير بن جمُهان، فمن رجال الأربعة، وهو مقبول. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ كَثِيرِ بْن جُمْهَانَ) السلمي، أنه (قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (يَمْشِي بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ) أي يذهب من غير إسراع (فَقَالَ) أي ابن عمر لَمّا سُئل عن مشيه (إِنْ أَمْشِ) هكذا النسخة "الهنديّة" بحذف الياء للجزم، وكذا في قوله: "وإن أسع"، وهو الذي في "الكبرى"، وهو الجاري على القاعدة؛ لأن الفعل مجزوم بـ"إن"، فتحذف منه حرف العلة. ووقع في النسخ المطبوعة من "المجتبى": "إن أمشي" بإثبات الياء، وكذا: "وإن أسعى" بإثبات الألف، وهو جائز في اللغة، كما حققه السيوطيّ في "همع الهوامع" في النحو، وخرّج عليه قراء قنبل ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] بإثبات الياء، وجزم يصبر، وقيل: الموجود حرف إشباع، والحرف الأصليّ حذف للجازم. وتعقّب بأن حرف الإشباع لا يكتب (١).

стр. 13185

(فَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي) لعله رآه يمشي في الزحام، حينما لم يمكنه السعي، فاستدلّ به على أن المشي مثل السعي، إذا كان هناك عذر، كما اعتذر هو بأنه شيخ كبير (وَإِنْ أَسْعَ) تقدّم الكلام عليه آنفًا، أي إن أمش مشيًا سريعًا (فَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْعَى) أراد ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - بهذا الكلام الاعتذار في تركه السعي في المسعى، ففي رواية الترمذيّ، عن كثير بن جمهان، قال: رأيت ابن عمر يمشي في المسعى، فقلت له: أتمشي في المسعى بين الصفا والمروة؟ فقال: لئن سعيت، فقد رأيت … " الحديث. وحاصل اعتذاره أنه في كلتا الحالتين متّبع للنبيّ ﷺ ، ومن كان متّبعا فلا لوم عليه. وقوله: (وأنا شيخ كبير) اعتذار آخر من ابن عمر لتركه السعي، وهو أنه كبير السنّ يشق عليه السعي. [تنبيه]: سقط قوله "وأنا شيخ كبير" من نسخ "المجتبى" المطبوعة، وثبت في النسخة "الهندية"، و"الكبرى"، وهو الصواب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح. [فإن قلت]: في سنده عطاء بن السائب، وقد اختلط، فكيف يصحّ؟ [قلت]: قد رواه هنا عنه سفيان الثوريّ، وهو ممن روى عنه قبل اختلاطه، فلا يضرّ، وأيضًا تشهد له الرواية التالية. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه المصنّف هنا -١٧٤/ ٢٩٧٧ و ٢٩٧٨ - وفي "الكبرى" ١٧٥/ ٣٩٧٠ و٣٩٧١. وأخرجه (د) في "المناسك" ١٩٠٤ (ت) في "الحجّ" ٨٦٥ (ق) في "المناسك" ٢٩٨٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٩٧٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا الثَّوْرِيُّ, عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ … وَذَكَرَ نَحْوَهُ, إِلاَّ أَنَّهُ قَالَ: وَأَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"عبد الكريم الجزريّ": هو عبد الكريم بن مالك، أبو سعيد مولى بني أُميّة الْخِضرميّ -بالخاء والضاد المعجمتين: نسبة إلى قرية من اليمامة، ثقة [٦] ٩٦/ ٢٨٥٢.

стр. 13186

وقوله: "رأيت ابن عمر" -بضم العين، وفتح الميم- هذا هو الصواب، وهو الذي في "الكبرى"، وأما ما وقع في النسخ المطبوعة "ابن عمرو" -بفتح العين، وسكون الميم- فتصحيف، فتنبّه. وقوله: "ذكر نحوه" الضمير لسعيد بن جبير، أي ذكر سعيد نحو رواية كثير بن جُمْهان. ويحتمل أن يكون للثوريّ، أي ذكر الثوريّ، عن عبد الكريم الجزريّ، نحو روايته عن عطاء بن السائب. أو لعبد الرزاق، أي ذكر عبد الرزاق عن الثوريّ، نحو رواية بشر ابن السريّ عنه، والظاهر الأول. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "إلا أنه قال الخ" ظاهره أن قوله: "وأنا شيخ كبير" من رواية سعيد بن جبير عن ابن عمر، وليس كذلك، بل من رواية كثير بن جُمْهان، عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، كما قدّمناه عن النسخة "الهندية"، وهو الذي في "الكبرى"، و"جامع الترمذيّ". وقال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرحه": "قوله: إلا قال: وأنا شيخ كبير"، أي إلا قوله: وأنا شيخ كبير، فإن سعيد بن جبير لم يذكره. انتهى. وهذا يدلّ على أنه وجد نسخة بحذف كلمة "أنه"، وعليه يستقيم المعنى، غير أنه يستدعي ثبوت الجملة في الرواية الأولى؛ حتى يصحّ الاستثناء، وإلا فلا يستقيم الاستثناء، وقد قدّمنا أن ثبوتها هو الصواب، فتنبّه .. والحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 13187

١٧٥ - (الرَّمَلُ بَيْنَهُمَا) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أنه أراد بالرمل السعي بينهما، ويؤيّده حديث جابر ﵁ الآتي بعد ثلاثة أبواب، لكن في التعبير به تجوّز؛ لأن السعي أشدّ إسراعًا من الرمل، والحديث الذي احتجّ به ضعيف، كما سيأتي الكلام عليه، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٩٧٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, قَالَ: حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ يَسَارٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, قَالَ: سَأَلُوا ابْنَ عُمَرَ, هَلْ رَأَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , رَمَلَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؟ , فَقَالَ: كَانَ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ, فَرَمَلُوا, فَلَا أُرَاهُمْ رَمَلُوا, إِلاَّ بِرَمَلِهِ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن منصور": هو الْجَوّاز المكيّ. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"صدقة بن يسار" الْجَزَريّ، نزيل مكة، ثقة [١٠]. قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: ثقة من الثقات. وقال ابن معين، والنسائيّ، ويعقوب بن سفيان: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. وقال الآجرّيّ، عن أبي داود: ثقة، قال: قلت له: من أهل مكة؟ فقال: من أهل الجزيرة سكن مكة. وقال له سفيان: بلغني أنك من الخوارج؟ قال: كنت منهم، فعافاني اللَّه منه. قال أبو داود: كان متوحّشًا، يصلي بمكة جمعة، وبالمدينة جمعة. وقال ابن سعد: توفّي في أول خلافة بني العباس، وكان ثقة، قليل الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات". وذكر بعضهم أنه عمّ محمد بن إسحاق بن يسار، وهو وَهَمٌ ممن قاله. روى له الجماعة، إلا البخاريّ، والترمذي. وليس له عند المصنّف غير حديث الباب. وقوله: "فلا أُراهم" بضم الهمزة، أي فلا أظنهم. والحديث ضعيف؛ للانقطاع، فإن الزهريّ لم يسمع من ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - شيئًا، كما نصّ على ذلك الأئمة: أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، وغيرهم -رحمهم اللَّه تعالى-، انظر ترجمته في "تهذيب التهذيب" ٣/ ٦٩٨ - ٦٩٩. وهو من أفراد المصنف، أخرجه هنا - ١٧٥/ ٢٩٧٩ - وفي "الكبرى" ١٧٥/ ٣٩٧٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 13188

١٧٦ - (السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) ٢٩٨٠ - (أَخْبَرَنَا أَبُو عَمَّارٍ, الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) سُفْيَانُ, عَنْ عَمْرٍو, عَنْ عَطَاءٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: "إِنَّمَا سَعَى النَّبِيُّ ﷺ , بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؛ لِيُرِيَ الْمُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة، و"سفيان": هو ابن عيينة. و"عمرو": هو ابن دينار. و"عطاء": هو ابن أبي رباح. وقوله: "ليُري" بضم الياء، من الإراءة. والحديث متّفق عليه، وتقدّم شرحه، وبيان مسائله في -١٥٥/ ٢٩٤٥ - فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٧٧ - (السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) ٢٩٨١ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ بُدَيْلٍ, عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ حَكِيمٍ, عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ, عَنِ امْرَأَةٍ, قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْعَى فِي بَطْنِ الْمَسِيلِ, وَيَقُولُ: «لَا يُقْطَعُ الْوَادِي إِلاَّ شَدًّا»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا. و"حماد": هو ابن زيد. و"بُديل": هو ابن ميسرة العقيليّ البصريّ، ثقة [٥] ٥٥/ ٨٥٩. و"المغيرة بن حكيم": هو الصنعانيّ، ثقة [٤] ٢١/ ٥٣٦. وقوله: "عن امرأة" قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: اسم هذه المرأة الصحابيّة حبيبة بن أبي تَجْرَاة. وقيل: تملك، وهي أم ولد شيبة انتهى (٢). وفي رواية ابن ماجه من طريق هشام الدستوائيّ، عن بديل بن ميسرة، عن صفية بنت

стр. 13189

شيبة، عن أم ولد لشيبة، ولم يذكر المغيرة بن حكيم. وقال الحافظ المزّيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: قد روت صفية بنت شيبة، عن أم عثمان- وهي أم ولد شيبة الأكابر- عن النبيّ ﷺ حديثًا غير هذا (١). وقوله: "إلا شدًّا" أي عدوًا. والحديث صحيح، أخرجه المصنّف هنا -١٧٧/ ٢٩٨١ - وفي "الكبرى" ١٧٦/ ٣٩٧٤. وأخرجه ابن ماجه في "المناسك" ٢٩٨٧. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٧٨ - (مَوْضِعُ الْمَشْيِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لفظ "الكبرى": "موضع السعي"، ولا تخالف بينهما؛ لأن الحديث فيه بيان الموضعين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٩٨٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ, قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ, عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , كَانَ إِذَا نَزَلَ مِنَ الصَّفَا مَشَى, حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ, فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى, حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الإسناد تقدّم قبل سبعة أبواب. وقوله: "حتى إذا انصبّت قدماه سعى الخ": بتشديد الباء: أي انحدرتا بسهولة، حتى وصلتا إلى بطن الوادي أسرع في المشي حتى يخرج من بطن الوادي. والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق تمام البحث فيه في -٥١/ ٢٧٤٥ - فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 13190

١٧٩ - (مَوْضَعُ الرَّمَلِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لفظ "الكبرى": "موضع المشي"، وقد سبق في الباب الماضي عدم التخالف بينهما، فلا تَنْسَ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٩٨٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى,, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ جَعْفَرٍ, عَنْ أَبِيهِ,, عَنْ جَابِرٍ, قَالَ: "لَمَّا تَصَوَّبَتْ قَدَمَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَطْنِ الْوَادِي, رَمَلَ حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح و"سفيان": هو ابن عيينة. والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٩٨٤ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي, قَالَ: حَدَّثَنَا جَابِرٌ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , نَزَلَ -يَعْنِي عَنِ الصَّفَا- حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي الْوَادِي, رَمَلَ حَتَّى إِذَا صَعِدَ مَشَى"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"يعقوب ابن إبراهيم": هو الدَّوْرقيّ. و"يحيى بن سعيد": هو القطّان. والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٨٠ - (مَوْضِعُ الْقِيَام عَلَى الْمَرْوَةِ) ٢٩٨٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ, عَنْ شُعَيْبٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) اللَّيْثُ, عَنِ ابْنِ الْهَادِ, عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , الْمَرْوَةَ فَصَعِدَ فِيهَا, ثُمَّ بَدَا لَهُ الْبَيْتُ, فَقَالَ: «لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ, لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ, وَلَهُ الْحَمْدُ, وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» , قَالَ: ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ, ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهَ, وَسَبَّحَهُ, وَحَمِدَهُ, ثُمَّ دَعَا بِمَا شَاءَ اللَّهُ, فَعَلَ هَذَا حَتَّى فَرَغَ مِنَ الطَّوَافِ).

стр. 13191

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم بأطول مما هنا قبل سبعة أبواب في -١٧٢/ ٢٩٧٥ - وسبق الكلام عليه هناك، فراجعه تستفد. وموضع الاستدلال على الترجمة هنا قوله: "فصعد فيها"، فإنه يدلّ على أن موضع القيام للدعاء على المروة يكون على رأسها، لا في أسفلها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٨١ - (التَّكْبِيرُ عَلَيْهَا) أي على المروة. ٢٩٨٦ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَابِرٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , ذَهَبَ إِلَى الصَّفَا, فَرَقِيَ عَلَيْهَا, حَتَّى بَدَا لَهُ الْبَيْتُ, ثُمَّ وَحَّدَ اللَّهَ , وَكَبَّرَ, وَقَالَ: «لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ, لَهُ الْمُلْكُ, وَلَهُ الْحَمْدُ, يُحْيِي وَيُمِيتُ, وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» , ثُمَّ مَشَى, حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ سَعَى, حَتَّى إِذَا صَعِدَتْ قَدَمَاهُ مَشَى, حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ, فَفَعَلَ عَلَيْهَا كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا, حَتَّى قَضَى طَوَافَهُ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"عليّ بن حُجْر": هو السعديّ المروزيّ، نزيل بغداد، ثم مرو، ثقة حافظ، من صغار [٩] ١٣/ ١٣. و"إسماعيل": هو ابن جعفر بن أبي كثير الأنصاريّ القارىء، أبو إسحاق المدنيّ، ثقة ثبت [٨] ١٦/ ١٧. وقوله: "فرقي" بكسر القاف، من باب رضي. وقوله: "حتى قضى طوافه" أي فرغ من سعيه بين الصفا والمروة. والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه فيما قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 13192

١٨٢ - (كَمْ طَوَافُ الْقَارِنِ، وَالْمُتَمَتِّعِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) ٢٩٨٧ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) ابْنُ جُرَيْجٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ, أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا, يَقُولُ: "لَمْ يَطُفِ النَّبِيُّ ﷺ , وَأَصْحَابُهُ, بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ, إِلاَّ طَوَافًا وَاحِدًا"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: و"عمرو بن عليّ": هو الفلّاس. و"يحيى": هو ابن سعيد القطّان. وقوده: "وأصحابه" قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: أي الذين وافقوه في القران. وقيل: بل مطلقًا، والصحابة كانوا ما بين قارن ومتمتّع، وكلّ منهما يكفيه سعيٌ واحدٌ، وعليه بنى المصنف ترجمته. واللَّه تعالى أعلم انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحديث يدلّ على أن سعي القارن والمتمتّع بين الصفا والمروة سعيٌ واحد، فلا يشرع له التكرار. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم الكلام عليه غير مرّة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٨٣ - (أَيْنَ يُقَصِّرُ الْمُعْتَمِرُ) ٢٩٨٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ, أَنَّ طَاوُسًا أَخْبَرَهُ, أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ, عَنْ مُعَاوِيَةَ, "أَنَّهُ قَصَّرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِشْقَصٍ, فِي عُمْرَةٍ, عَلَى الْمَرْوَةِ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة.

стр. 13193

وقوله: "بمشقص" -بكسر الميم، وسكون الشين المعجمة، وفتح القاف، آخره صاد مهملة- قال القزّاز: هو نصلٌ عريض يرمي به الوحش. وقال صاحب "المحكم": هو الطويل من النصال، وليس بعريض، وكذا قال أبو عبيد (١). وقوله: "في عمرة" هي عمرة الجعرانة، وقد تقدّم اختلاف الروايات فيها، واختلاف العلماء في الجمع بينها في -٥٠/ ٢٧٣٧. وأن الأرجح-كما رجحه النوويّ، والمحبّ الطبريّ، وابن القيّم- أن معاوية ﵁ قصر عنه ﷺ في الجعرانة. وأما الرواية التي تدلّ على أن ذلك كان في حجة الوداع فهي غلط من بعض الرواة، أو أن معاوية ﵁ نفسه ظن ذلك؛ حيث نسي، كما قاله ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم في - ٥٠/ ٢٧٣٧ - وتقدّم البحث فيه مستوفًى هناك، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٩٨٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (٢) مَعْمَرٌ, عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, عَنْ مُعَاوِيَةَ, قَالَ: "قَصَّرْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , عَلَى الْمَرْوَةِ, بِمِشْقَصِ أَعْرَابِيٍّ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"محمد بن يحعى بن عبد اللَّه": هو الحافظ الذُّهليّ النيسابوريّ. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق البحث فيه فيما قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٨٤ - (كَيْفَ يُقَصِّرُ) ٢٩٩٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ, عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنْ مُعَاوِيَةَ, قَالَ: أَخَذْتُ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِ

стр. 13194

رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , بِمِشْقَصٍ كَانَ مَعِي, بَعْدَ مَا طَافَ بِالْبَيْتِ, وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ, فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ". قَالَ قَيْسٌ: وَالنَّاسُ يُنْكِرُونَ هَذَا عَلَى مُعَاوِيَةَ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه "محمد بن منصور" الطوسيّ، نزيل بغداد، أبي جعفر العابد الثقة، من صغار [١٠] ٤٦/ ٧٤١، فتفرّد به هو وأبو داود. و"الحسن بن موسى": هو الأشيب البغداديّ القاضي الثقة [٩] ١٣/ ٣٤٧. و"قيس ابن سعد": هو المكيّ الثقة [٦] ١١٥/ ١٠٦٦. وقوله: "في أيام العشر" أي عشر ذي الحجة. وهذه الزيادة منكرة؛ لأنه ﷺ كان في حجته قارنًا، ولم يتحلّل إلا في منى يوم النحر. وقال الإمام ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-: الأحاديث الصحيحة المستفيضة تدلّ على أنه ﷺ لم يحلّ من إحرامه إلى يوم النحر، كما أخبر عن نفسه بقوله: "فلا أحلّ حتى أنحر"، وهو خبر لا يدخله الوهم، بخلاف خبر غيره. ثم قال: ولعلّ معاوية قصر عنه في عمرة الجعرانة، فنسي بعد ذلك، وظنّ أنه كان في حجته انتهى. وقال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ما خلاصته: إنها زيادة شاذّة، وأظنّ قيسًا رواها بالمعنى، ثم حدّث بها، فوقع له ذلك. انتهى (١). والحديث صحيح، غير قوله: "في أيام العشر"، فإنها زيادةٌ شاذةٌ، كما سبق آنفًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٨٥ - (مَا يَفْعَلُ مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَأَهْدَى) قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: حاصل هذه الترجمة، والتي ستجيء أن الذي أهدى لا يفسخ، ولا يخرج من إحرامه إلا بالنحر حاجًّا، أو معتمرًا. واللَّه تعالى أعلم (٢).

стр. 13195

٢٩٩١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ, عَنْ يَحْيَى -وَهُوَ ابْنُ آدَمَ- عَنْ سُفْيَانَ -وَهُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , لَا نُرَى إِلاَّ الْحَجَّ, قَالَتْ: فَلَمَّا أَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ, وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ, قَالَ: «مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ, فَلْيُقِمْ عَلَى إِحْرَامِهِ, وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ, فَلْيَحْلِلْ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا، غير مرّة. وهذا الإسناد من أصحّ أسانيد عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، فقد أخرج الخطيب البغداديّ في "الكفاية" عن ابن معين أنه قال: عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ليس إسناد أثبت من هذا (١). وقوله: "لا نُرى" بضم النون بالبناء للمفعول، أي لا نظنّ، ولا نقصد. وقوله: "فليقم" بضم الياء، من الإقامة، أي فليستمرّ على إحرامه، ولا يتحلّل. وقوله: "فيحلل" بفتح الياء، من الحلّ، أو ضمها، من الإحلال. والحديث متفق عليه، وقد سبق البحث عنه مستوفى في -١٦/ ٢٦٥٠ - فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٨٦ - (مَا يَفْعَلُ مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَأَهْدَى) ٢٩٩٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (٢) سُوَيْدٌ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (٣) عَبْدُ اللَّهِ, عَنْ يُونُسَ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ, فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ, وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ, فَلْيَحْلِلْ, وَمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَأَهْدَى, فَلَا يَحِلَّ, وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ, فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ». قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكُنْتُ مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ".

стр. 13196

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن حاتم": هو ابن نعيم المروزيّ الثقة [١٢] ٦٦/ ١٨٠٠. و"سُويد": هو ابن نصر المروزيّ الثقة. و"عبد اللَّه": هو ابن المبارك الإمام المشهور. و"يونس": هو ابن يزيد الأيليّ. والحديث متفق عليه، وقد تقدّم في -١٦/ ٢٦٥٠ - تمام البحث فيه، وبقي البحث فيما يتعلّق بما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مذاهب أهل العلم في حكم من أهلّ بعمرة، وساق الهدي. قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح مسلم " -بعد أن أورد الحديث-: ما نصّه: هذا الحديث ظاهر في الدلالة لمذهب أبي حنيفة، وأحمد، وموافقهما في أن المعتمر المتمتّع إذا كان معه هديٌ لا يتحلّل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر. ومذهب مالك، والشافعيّ، وموافقهما أنه إذا طاف وسعى وحلق، حلّ من عمرته، وحلّ له كلّ شيء في الحال، سواء كان ساق هديًا، أم لا، واحتجّوا بالقياس على من لم يسق الهدي، وبأنه تحلّل من نسكه، فوجب أن يحلّ له كلّ شيء، كما لو تحلّل المحرم بالحجّ، وأجابوا عن هذه الرواية بأنها مختصرة من الروايات التي ذكرها مسلم بعدها، والتي ذكرها قبلها عن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ عام حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول اللَّه ﷺ : "من كان معه هديٌ، فليُهلل بالحجّ مع العمرة، ثم لا يحلّ حتى يحلّ منهما جميعًا"، فهذه الرواية مفسرة للمحذوف من الرواية الأخرى التي احتجّ بها أبو حنيفة، وتقديرها: ومن أحرم بعمرة، وأهدى، فليهلل بالحج، ولا يحلّ حتى ينحر هديه، ولا بدّ من هذا التأويل، لأن القضيّة واحدة، والراوي واحد، فيتعيّن الجمع بين الروايتين على ما ذكرنا. واللَّه أعلم انتهى كلام النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (١) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر من صنيع المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أنه يرى ترجيح ما ذهب إليه أبو حنيفة، وأحمد، وهو الظاهر، وأما ما قاله النوويّ، فقال فيه الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى-: لا يخفى ما فيه من التعسّف (٢). والحاصل أن الراجح هو المذهب الأول؛ لموافقته لظاهر حديث الباب، دون تعسّف. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "ومن أهلّ بحجة، فلم يُتم حجه" هذا بظاهره يقتضي أنه ما أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة، بل أمرهم بالبقاء عليه، مع أن الصحيح الثابت برواية أربعة عشر من

стр. 13197

الصحابة، هو أنه ﷺ أمر من لم يسق الهدي بفسخ الحجّ، وجعلِهِ عمرة، ومن جملتهم عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، وحينئذ لا بدّ من حمل هذا الحديث على من ساق الهدي، وبه تندفع المنافاة بين الأحاديث. قاله السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٩٩٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ, عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ أُمِّهِ, عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ, قَالَتْ: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ, فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ, فَلْيَحْلِلْ, وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ, فَلْيُقِمْ عَلَى إِحْرَامِهِ» , قَالَتْ: وَكَانَ مَعَ الزُّبَيْرِ هَدْيٌ, فَأَقَامَ عَلَى إِحْرَامِهِ, وَلَمْ يَكُنْ مَعِي هَدْيٌ, فَأَحْلَلْتُ, فَلَبِسْتُ ثِيَابِي, وَتَطَيَّبْتُ مِنْ طِيبِي, ثُمَّ جَلَسْتُ إِلَى الزُّبَيْرِ, فَقَالَ: اسْتَأْخِرِي عَنِّي, فَقُلْتُ: أَتَخْشَى أَنْ أَثِبَ عَلَيْكَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن عبد اللَّه بن المبارك) أبو جعفر البغداديّ الْمُخرِّميّ الحافظ الثقة [١١] ٤٣/ ٥٠. ٢ - (أبو هاشم) المغيرة بن سلمة المخزميّ البصريّ الثقة الثبت، من صغار [٩] ٢٨/ ٨١١٥. ٣ - (وهيب بن خالد) أبو بكر الباهليّ مولاهم البصريّ الثقة الثبت [٧] ٢١/ ٤٢٧. ٤ - (منصور بن عبد الرحمن) العبدريّ الحجبيّ المكيّ الثقة [٥] ١٥٩/ ٢٥١. ٥ - (صفية بنت شيبة) بن عثمان بن أبي طلحة العبدرية الحجبية، لها رؤية، وحدّثت عن عائشة، وغيرها من الصحابة، وفي "صحيح البخاريّ" التصريح بسماعها من النبيّ ﷺ ، وأنكر الدارقطنيّ إدراكها (٢). تقدّمت في ١٥٩/ ٢٥١. ٦ - (أسماء بنت أبي بكر) الصديق، زوج الزبير بن العوّام - رضي اللَّه تعالى عنهم -، من كبار الصحابيّات، عاشت مائة سنة، وماتت سنة (٧٤)، وتقدّمت في ١٨٥/ ٢٩٣. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم

стр. 13198

رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية صحابية، عن صحابية، ورواية الابن عن أمه. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) العبدري الحجبي (عَنْ أُمِّهِ) صفية بنت شيبة (عَنْ أَسمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرِ) الصدّيق - رضي اللَّه تعالى عنهما - (قَالَتْ: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، مُهِلينَ بِالْحَجِّ، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ) أي اقتربنا من دخولها (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلْيَحْلِلْ) بفتح أوله، من الحلّ، ثلاثيًا، أو بضمه، من الإحلال، رباعيًّا، يقال: حلّ المحرمُ حِلاًّ بالكسر: خرج من إحرامه، وأحلّ بالألف مثله، فهو مُحِل، وحِلٌّ أيضًا تسمية بالمصدر، وحلالٌ أيضًا. قاله الفيّوميّ (وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلْيُقِمْ) بضم الياء، من الإقامة (عَلَى إِحْرَامِهِ) أي حتى يتحلّل بذبح هديه يوم النحر (قَالَتْ: وَكَانَ مَعَ الزُّبَيْرِ) بن العوام - رضي اللَّه تعالى عنه -، زوجها (هَدْيٌ، فَأَقَامَ عَلَى إِحْرَامِهِ) لأمره ﷺ بذلك لمن كان معه هديٌ (وَلَمْ يَكُنْ مَعِي هَدْيٌ، فَأَحْلَلْتُ، فَلَبِسْتُ ثِيَابِي) أي الثياب التي كانت تلبسها قبل الإحرام، وهذا فيه دليل على أن النساء كالرجل تمتنع في الإحرام عن بعض اللباس، وهو الذي مسه ورس، أو زعفران. وقد أخرج أبو داود في "سننه" بسند صحيح عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه سمع رسول اللَّه ﷺ "نهى النساء في إحرامهنّ عن القفّازين، والنقاب، وما مسّ الورس، والزعفران، ولتلبس بعد ذلك ما أحبت، من ألوان الثياب، معصفرا، أو خزا، أو حليا، أو سراويل، أو قميصا، أو خفا". (وَتَطَيَّبْتُ مِنْ طِيبِي) فيه استحباب استعمال الطيب لمن تحلّل من إحرامه (ثُمَّ جَلَسْتُ إِلَى الزُّبَيْرِ، فَقَالَ) الزبير ﵁ (اسْتَأْخِرِي عَنِّي) السين والتاء زائدتان: أي تأخّري، وابتعدي عن مجلسي؛ لئلا يحصل شيء من محظورات الإحرام. ولمسلم: "استرخي عني، استرخي عني" مرتين، أي تباعدي عني. وفي رواية له: "قومي عني". قال النوويّ: إنما أمرها بالقيام؛ مخافة من عارض، قد يَندُر منه، كلمس بشهوة، أو نحوه، فإن اللمس بشهوة حرام في الإحرام، فاحتاط لبفسه بمباعدتها، من حيث إنها زوجته، متحلّلة، تطمع بها النفس. انتهى (١). (فَقُلْتُ: أَتَخْشَى أَنْ أَثِبَ عَلَيْكَ) مضارع وَثَبَ، من باب وَعَد: إذا قَفَز، وُثُوبًا، ووَثِيبًا، فهو وثّاب. تعني بذلك أنها وإن اقتربت منه لا تفعل معه شيئًا يستبب منه وقوعه في محظورات الإحرام. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه

стр. 13199

المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أسماء بنت أبي بكر - رضي اللَّه تعالى عنها - أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٨٦/ ٢٩٩٣ - وأخرجه (م) في "الحجّ" ١٢٣٦ (ق) في "المناسك"٢٩٨٣ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٦٤٢١ و ٢٦٤٢٥. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم مَنْ أَهَلَّ بعمرة، وقد أهدى، وهو أنه يؤدي أعمال العمرة، ثم يبقى على إحرامه حتى يتحلّل بنحر هديه يوم النحر. (ومنها): أن من أحرم بالعمرة، ولم يُهد، فإنه يتحلّل بعمل العمرة. (ومنها): أن المتمتع الذي لم يسق الهدي إذا تحلّل بعمل العمرة، فله أن يتطيّب، ويلبس الثياب التي لا يحلّ له أن يلبسها في حالة الإحرام، إلى أن يهلّ بالحجّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٨٧ - (الْخُطْبَةُ قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيةِ) ٢٩٩٤ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي قُرَّةَ, مُوسَى بْنِ طَارِقٍ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ, عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ, عَنْ جَابِرٍ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , حِينَ رَجَعَ مِنْ عُمْرَةِ الْجِعِرَّانَةِ, بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ عَلَى الْحَجِّ, فَأَقْبَلْنَا مَعَهُ, حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْعَرْجِ, ثَوَّبَ بِالصُّبْحِ, ثُمَّ اسْتَوَى لِيُكَبِّرَ, فَسَمِعَ الرُّغْوَةَ خَلْفَ ظَهْرِهِ, فَوَقَفَ عَلَى التَّكْبِيرِ, فَقَالَ: هَذِهِ رُغْوَةُ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْجَدْعَاءِ, لَقَدْ بَدَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْحَجِّ, فَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَنُصَلِّيَ مَعَهُ, فَإِذَا عَلِيٌّ عَلَيْهَا, فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: أَمِيرٌ أَمْ رَسُولٌ, قَالَ: لَا بَلْ رَسُولٌ, أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَرَاءَةَ, أَقْرَؤُهَا عَلَى النَّاسِ,

стр. 13200

فِي مَوَاقِفِ الْحَجِّ, فَقَدِمْنَا مَكَّةَ, فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِيَوْمٍ, قَامَ أَبُو بَكْرٍ ﵁, فَخَطَبَ النَّاسَ, فَحَدَّثَهُمْ عَنْ مَنَاسِكِهِمْ, حَتَّى إِذَا فَرَغَ, قَامَ عَلِيٌّ ﵁, فَقَرَأَ عَلَى النَّاسِ بَرَاءَةَ, حَتَّى خَتَمَهَا, ثُمَّ خَرَجْنَا مَعَهُ, حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ, قَامَ أَبُو بَكْرٍ, فَخَطَبَ النَّاسَ, فَحَدَّثَهُمْ عَنْ مَنَاسِكِهِمْ, حَتَّى إِذَا فَرَغَ, قَامَ عَلِيٌّ, فَقَرَأَ عَلَى النَّاسِ بَرَاءَةَ, حَتَّى خَتَمَهَا, ثُمَّ كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ, فَأَفَضْنَا, فَلَمَّا رَجَعَ أَبُو بَكْرٍ, خَطَبَ النَّاسَ, فَحَدَّثَهُمْ عَنْ إِفَاضَتِهِمْ, وَعَنْ نَحْرِهِمْ, وَعَنْ مَنَاسِكِهِمْ, فَلَمَّا فَرَغَ, قَامَ عَلِيٌّ, فَقَرَأَ عَلَى النَّاسِ بَرَاءَةَ, حَتَّى خَتَمَهَا, فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ النَّفْرِ الأَوَّلُ, قَامَ أَبُو بَكْرٍ, فَخَطَبَ النَّاسَ, فَحَدَّثَهُمْ كَيْفَ يَنْفِرُونَ, وَكَيْفَ يَرْمُونَ, فَعَلَّمَهُمْ مَنَاسِكَهُمْ, فَلَمَّا فَرَغَ, قَامَ عَلِيٌّ, فَقَرَأَ بَرَاءَةَ عَلَى النَّاسِ, حَتَّى خَتَمَهَا. قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: بْنُ خُثَيْمٍ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ فِي الْحَدِيثِ, وَإِنَّمَا أَخْرَجْتُ هَذَا؛ لِئَلاَّ يُجْعَلَ ابْنُ جُرَيْجٍ, عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ, وَمَا كَتَبْنَاهُ إِلاَّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ لَمْ يَتْرُكْ حَدِيثَ ابْنِ خُثَيْمٍ, وَلَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ, إِلاَّ أَنَّ عَلِىَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ, قَالَ: ابْنُ خُثَيْمٍ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ, وَكَأَنَّ عَلِىَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ, خُلِقَ لِلْحَدِيثِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت إمام [١٠] ٢/ ٢. ٢ - (أبو قرّة موسى بن طارق) اليمانيّ الزَّبِيديّ، ثقة يُغْرِب [٩]. قال الأثرم: سمعت أبا عبد اللَّه ذكر أبا قُرّة، فأثنى عليه خيرًا. وقال غيره، عن أحمد: كان قاضيًا لهم بزَبِيد. وقال أبو حاتم: محله الصدق. وقال مسعود، عن الحاكم: ثقة مأمون. وقال الخليليّ: ثقة قديم. وذَكَرَهُ ابن حبّان في "الثقات"، وقال: كان ممن جمع، وصنّف، وتفقّه، وذاكر، يُغْرِبُ. قال الحافظ: صنّف كتاب "السنن" على الأبواب في مجلّد رأيته، ولا يقول في حديثه: حدثنا، إنما يقول: ذكر فلان. وقد سُئل الدارقطنيّ عن ذلك؟، فقال: كانت أصابت كتبه علّةٌ، فتورّع أن يصرّح بالإخبار انتهى. تفرّد به المصنّف، أخرج له هذا الحديث فقط. ٣ - (ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل [٦] ٢٨/ ٣٢. ٤ - (عبد اللَّه بن عثمان بن خُثيم) -بالمعجمة، والمثلّثة، مصغّرًا- حليف بني زُهرة، أبو عثمان القارىء المكيّ، صدوق [٥]. قال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ثقة حجة. وقال العجليّ: ثقة. وقال أبو حاتم: ما به بأس، صالح الحديث. وقال النسائيّ: ثقة. وقال مرّة: ليس بالقويّ. ونقل هنا
следующие страницы →