قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن حاتم": هو ابن نعيم المروزيّ الثقة [١٢] ٦٦/ ١٨٠٠. و"سُويد": هو ابن نصر المروزيّ الثقة. و"عبد اللَّه": هو ابن المبارك الإمام المشهور. و"يونس": هو ابن يزيد الأيليّ.
والحديث متفق عليه، وقد تقدّم في -١٦/ ٢٦٥٠ - تمام البحث فيه، وبقي البحث فيما يتعلّق بما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مذاهب أهل العلم في حكم من أهلّ بعمرة، وساق الهدي.
قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح مسلم " -بعد أن أورد الحديث-: ما نصّه: هذا الحديث ظاهر في الدلالة لمذهب أبي حنيفة، وأحمد، وموافقهما في أن المعتمر المتمتّع إذا كان معه هديٌ لا يتحلّل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر. ومذهب مالك، والشافعيّ، وموافقهما أنه إذا طاف وسعى وحلق، حلّ من عمرته، وحلّ له كلّ شيء في الحال، سواء كان ساق هديًا، أم لا، واحتجّوا بالقياس على من لم يسق الهدي، وبأنه تحلّل من نسكه، فوجب أن يحلّ له كلّ شيء، كما لو تحلّل المحرم بالحجّ، وأجابوا عن هذه الرواية بأنها مختصرة من الروايات التي ذكرها مسلم بعدها، والتي ذكرها قبلها عن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ عام حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول اللَّه ﷺ : "من كان معه هديٌ، فليُهلل بالحجّ مع العمرة، ثم لا يحلّ حتى يحلّ منهما جميعًا"، فهذه الرواية مفسرة للمحذوف من الرواية الأخرى التي احتجّ بها أبو حنيفة، وتقديرها: ومن أحرم بعمرة، وأهدى، فليهلل بالحج، ولا يحلّ حتى ينحر هديه، ولا بدّ من هذا التأويل، لأن القضيّة واحدة، والراوي واحد، فيتعيّن الجمع بين الروايتين على ما ذكرنا. واللَّه أعلم انتهى كلام النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (١)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر من صنيع المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أنه يرى ترجيح ما ذهب إليه أبو حنيفة، وأحمد، وهو الظاهر، وأما ما قاله النوويّ، فقال فيه الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى-: لا يخفى ما فيه من التعسّف (٢).
والحاصل أن الراجح هو المذهب الأول؛ لموافقته لظاهر حديث الباب، دون تعسّف. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "ومن أهلّ بحجة، فلم يُتم حجه" هذا بظاهره يقتضي أنه ما أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة، بل أمرهم بالبقاء عليه، مع أن الصحيح الثابت برواية أربعة عشر من
стр. 13197
الصحابة، هو أنه ﷺ أمر من لم يسق الهدي بفسخ الحجّ، وجعلِهِ عمرة، ومن جملتهم عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، وحينئذ لا بدّ من حمل هذا الحديث على من ساق الهدي، وبه تندفع المنافاة بين الأحاديث. قاله السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٩٩٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ, عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ أُمِّهِ, عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ, قَالَتْ: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ, فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ, فَلْيَحْلِلْ, وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ, فَلْيُقِمْ عَلَى إِحْرَامِهِ» , قَالَتْ: وَكَانَ مَعَ الزُّبَيْرِ هَدْيٌ, فَأَقَامَ عَلَى إِحْرَامِهِ, وَلَمْ يَكُنْ مَعِي هَدْيٌ, فَأَحْلَلْتُ, فَلَبِسْتُ ثِيَابِي, وَتَطَيَّبْتُ مِنْ طِيبِي, ثُمَّ جَلَسْتُ إِلَى الزُّبَيْرِ, فَقَالَ: اسْتَأْخِرِي عَنِّي, فَقُلْتُ: أَتَخْشَى أَنْ أَثِبَ عَلَيْكَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن عبد اللَّه بن المبارك) أبو جعفر البغداديّ الْمُخرِّميّ الحافظ الثقة [١١] ٤٣/ ٥٠.
٢ - (أبو هاشم) المغيرة بن سلمة المخزميّ البصريّ الثقة الثبت، من صغار [٩] ٢٨/ ٨١١٥.
٣ - (وهيب بن خالد) أبو بكر الباهليّ مولاهم البصريّ الثقة الثبت [٧] ٢١/ ٤٢٧.
٤ - (منصور بن عبد الرحمن) العبدريّ الحجبيّ المكيّ الثقة [٥] ١٥٩/ ٢٥١.
٥ - (صفية بنت شيبة) بن عثمان بن أبي طلحة العبدرية الحجبية، لها رؤية، وحدّثت عن عائشة، وغيرها من الصحابة، وفي "صحيح البخاريّ" التصريح بسماعها من النبيّ ﷺ ، وأنكر الدارقطنيّ إدراكها (٢). تقدّمت في ١٥٩/ ٢٥١.
٦ - (أسماء بنت أبي بكر) الصديق، زوج الزبير بن العوّام - رضي اللَّه تعالى عنهم -، من كبار الصحابيّات، عاشت مائة سنة، وماتت سنة (٧٤)، وتقدّمت في ١٨٥/ ٢٩٣. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم
стр. 13198
رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية صحابية، عن صحابية، ورواية الابن عن أمه. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) العبدري الحجبي (عَنْ أُمِّهِ) صفية بنت شيبة (عَنْ أَسمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرِ) الصدّيق - رضي اللَّه تعالى عنهما - (قَالَتْ: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، مُهِلينَ بِالْحَجِّ، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ) أي اقتربنا من دخولها (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلْيَحْلِلْ) بفتح أوله، من الحلّ، ثلاثيًا، أو بضمه، من الإحلال، رباعيًّا، يقال: حلّ المحرمُ حِلاًّ بالكسر: خرج من إحرامه، وأحلّ بالألف مثله، فهو مُحِل، وحِلٌّ أيضًا تسمية بالمصدر، وحلالٌ أيضًا. قاله الفيّوميّ (وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلْيُقِمْ) بضم الياء، من الإقامة (عَلَى إِحْرَامِهِ) أي حتى يتحلّل بذبح هديه يوم النحر (قَالَتْ: وَكَانَ مَعَ الزُّبَيْرِ) بن العوام - رضي اللَّه تعالى عنه -، زوجها (هَدْيٌ، فَأَقَامَ عَلَى إِحْرَامِهِ) لأمره ﷺ بذلك لمن كان معه هديٌ (وَلَمْ يَكُنْ مَعِي هَدْيٌ، فَأَحْلَلْتُ، فَلَبِسْتُ ثِيَابِي) أي الثياب التي كانت تلبسها قبل الإحرام، وهذا فيه دليل على أن النساء كالرجل تمتنع في الإحرام عن بعض اللباس، وهو الذي مسه ورس، أو زعفران.
وقد أخرج أبو داود في "سننه" بسند صحيح عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه سمع رسول اللَّه ﷺ "نهى النساء في إحرامهنّ عن القفّازين، والنقاب، وما مسّ الورس، والزعفران، ولتلبس بعد ذلك ما أحبت، من ألوان الثياب، معصفرا، أو خزا، أو حليا، أو سراويل، أو قميصا، أو خفا".
(وَتَطَيَّبْتُ مِنْ طِيبِي) فيه استحباب استعمال الطيب لمن تحلّل من إحرامه (ثُمَّ جَلَسْتُ إِلَى الزُّبَيْرِ، فَقَالَ) الزبير ﵁ (اسْتَأْخِرِي عَنِّي) السين والتاء زائدتان: أي تأخّري، وابتعدي عن مجلسي؛ لئلا يحصل شيء من محظورات الإحرام. ولمسلم: "استرخي عني، استرخي عني" مرتين، أي تباعدي عني. وفي رواية له: "قومي عني". قال النوويّ: إنما أمرها بالقيام؛ مخافة من عارض، قد يَندُر منه، كلمس بشهوة، أو نحوه، فإن اللمس بشهوة حرام في الإحرام، فاحتاط لبفسه بمباعدتها، من حيث إنها زوجته، متحلّلة، تطمع بها النفس. انتهى (١). (فَقُلْتُ: أَتَخْشَى أَنْ أَثِبَ عَلَيْكَ) مضارع وَثَبَ، من باب وَعَد: إذا قَفَز، وُثُوبًا، ووَثِيبًا، فهو وثّاب. تعني بذلك أنها وإن اقتربت منه لا تفعل معه شيئًا يستبب منه وقوعه في محظورات الإحرام. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه
стр. 13199
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أسماء بنت أبي بكر - رضي اللَّه تعالى عنها - أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٨٦/ ٢٩٩٣ - وأخرجه (م) في "الحجّ" ١٢٣٦ (ق) في "المناسك"٢٩٨٣ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٦٤٢١ و ٢٦٤٢٥. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم مَنْ أَهَلَّ بعمرة، وقد أهدى، وهو أنه يؤدي أعمال العمرة، ثم يبقى على إحرامه حتى يتحلّل بنحر هديه يوم النحر. (ومنها): أن من أحرم بالعمرة، ولم يُهد، فإنه يتحلّل بعمل العمرة. (ومنها): أن المتمتع الذي لم يسق الهدي إذا تحلّل بعمل العمرة، فله أن يتطيّب، ويلبس الثياب التي لا يحلّ له أن يلبسها في حالة الإحرام، إلى أن يهلّ بالحجّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٨٧ - (الْخُطْبَةُ قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيةِ)
٢٩٩٤ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي قُرَّةَ, مُوسَى بْنِ طَارِقٍ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ, عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ, عَنْ جَابِرٍ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , حِينَ رَجَعَ مِنْ عُمْرَةِ الْجِعِرَّانَةِ, بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ عَلَى الْحَجِّ, فَأَقْبَلْنَا مَعَهُ, حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْعَرْجِ, ثَوَّبَ بِالصُّبْحِ, ثُمَّ اسْتَوَى لِيُكَبِّرَ, فَسَمِعَ الرُّغْوَةَ خَلْفَ ظَهْرِهِ, فَوَقَفَ عَلَى التَّكْبِيرِ, فَقَالَ: هَذِهِ رُغْوَةُ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْجَدْعَاءِ, لَقَدْ بَدَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْحَجِّ, فَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَنُصَلِّيَ مَعَهُ, فَإِذَا عَلِيٌّ عَلَيْهَا, فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: أَمِيرٌ أَمْ رَسُولٌ, قَالَ: لَا بَلْ رَسُولٌ, أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَرَاءَةَ, أَقْرَؤُهَا عَلَى النَّاسِ,
стр. 13200
فِي مَوَاقِفِ الْحَجِّ, فَقَدِمْنَا مَكَّةَ, فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِيَوْمٍ, قَامَ أَبُو بَكْرٍ ﵁, فَخَطَبَ النَّاسَ, فَحَدَّثَهُمْ عَنْ مَنَاسِكِهِمْ, حَتَّى إِذَا فَرَغَ, قَامَ عَلِيٌّ ﵁, فَقَرَأَ عَلَى النَّاسِ بَرَاءَةَ, حَتَّى خَتَمَهَا, ثُمَّ خَرَجْنَا مَعَهُ, حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ, قَامَ أَبُو بَكْرٍ, فَخَطَبَ النَّاسَ, فَحَدَّثَهُمْ عَنْ مَنَاسِكِهِمْ, حَتَّى إِذَا فَرَغَ, قَامَ عَلِيٌّ, فَقَرَأَ عَلَى النَّاسِ بَرَاءَةَ, حَتَّى خَتَمَهَا, ثُمَّ كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ, فَأَفَضْنَا, فَلَمَّا رَجَعَ أَبُو بَكْرٍ, خَطَبَ النَّاسَ, فَحَدَّثَهُمْ عَنْ إِفَاضَتِهِمْ, وَعَنْ نَحْرِهِمْ, وَعَنْ مَنَاسِكِهِمْ, فَلَمَّا فَرَغَ, قَامَ عَلِيٌّ, فَقَرَأَ عَلَى النَّاسِ بَرَاءَةَ, حَتَّى خَتَمَهَا, فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ النَّفْرِ الأَوَّلُ, قَامَ أَبُو بَكْرٍ, فَخَطَبَ النَّاسَ, فَحَدَّثَهُمْ كَيْفَ يَنْفِرُونَ, وَكَيْفَ يَرْمُونَ, فَعَلَّمَهُمْ مَنَاسِكَهُمْ, فَلَمَّا فَرَغَ, قَامَ عَلِيٌّ, فَقَرَأَ بَرَاءَةَ عَلَى النَّاسِ, حَتَّى خَتَمَهَا.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: بْنُ خُثَيْمٍ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ فِي الْحَدِيثِ, وَإِنَّمَا أَخْرَجْتُ هَذَا؛ لِئَلاَّ يُجْعَلَ ابْنُ جُرَيْجٍ, عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ, وَمَا كَتَبْنَاهُ إِلاَّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ لَمْ يَتْرُكْ حَدِيثَ ابْنِ خُثَيْمٍ, وَلَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ, إِلاَّ أَنَّ عَلِىَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ, قَالَ: ابْنُ خُثَيْمٍ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ, وَكَأَنَّ عَلِىَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ, خُلِقَ لِلْحَدِيثِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت إمام [١٠] ٢/ ٢.
٢ - (أبو قرّة موسى بن طارق) اليمانيّ الزَّبِيديّ، ثقة يُغْرِب [٩].
قال الأثرم: سمعت أبا عبد اللَّه ذكر أبا قُرّة، فأثنى عليه خيرًا. وقال غيره، عن أحمد: كان قاضيًا لهم بزَبِيد. وقال أبو حاتم: محله الصدق. وقال مسعود، عن الحاكم: ثقة مأمون. وقال الخليليّ: ثقة قديم. وذَكَرَهُ ابن حبّان في "الثقات"، وقال: كان ممن جمع، وصنّف، وتفقّه، وذاكر، يُغْرِبُ. قال الحافظ: صنّف كتاب "السنن" على الأبواب في مجلّد رأيته، ولا يقول في حديثه: حدثنا، إنما يقول: ذكر فلان. وقد سُئل الدارقطنيّ عن ذلك؟، فقال: كانت أصابت كتبه علّةٌ، فتورّع أن يصرّح بالإخبار انتهى. تفرّد به المصنّف، أخرج له هذا الحديث فقط.
٣ - (ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل [٦] ٢٨/ ٣٢.
٤ - (عبد اللَّه بن عثمان بن خُثيم) -بالمعجمة، والمثلّثة، مصغّرًا- حليف بني زُهرة، أبو عثمان القارىء المكيّ، صدوق [٥].
قال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ثقة حجة. وقال العجليّ: ثقة. وقال أبو حاتم: ما به بأس، صالح الحديث. وقال النسائيّ: ثقة. وقال مرّة: ليس بالقويّ. ونقل هنا
стр. 13201
عن ابن المدينيِّ أنه قال: منكر الحديث. وقال عبد اللَّه بن الدورقيّ، عن ابن معين: أحاديثه ليست بالقويّة. نقله ابن عديّ، وقال: وهو عزيز الحديث، وأحاديثه أحاديث حسان. وقال ابن سعد: توفّي في آخر خلافة أبي العماس، أو أول خلافة أبي جعفر، وكان ثقة، وله أحاديث حسنة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: مات سنة (١٤٤) وقد قيل: سنة (٣٥)، وكان يُخطىء. وقال عمرو بن عليّ: مات سنة (١٣٢). علّق له البخاريّ، وأخرج له الباقون، وله عند المصنف حديثان: حديث الباب، وحديث رقم -٥١١٣ - "إن من خير أكحالكم الإثمد، إنه يجلو البصر، وُينبت الشعر".
٥ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيُّ، صدوقٌ يدلّس [٤] ٣١/ ٣٥.
٦ - (جابر) بن عبد اللَّه بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٣١/ ٣٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير أبي قرّة، فإنه من أفراد المصنف. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين من ابن جريج. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَابِرٍ) بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، حِينَ رَجَعَ مِنْ عُمْرَةِ الْجعِرَّانَةِ) وذلك بعد غزوة حنين (بَعَثَ أُبَا بَكْرٍ) الصديق - رضي اللَّه تعالى عنه - (عَلَى الْحَجِّ) أي حال كونه أميرًا على الناس فيما يتعلّق بالحجّ، حتى يبيّن لهم كيفية أدائه (فَأَقْبَلْنَا مَعَهُ) أي توجّهنا مع أبي بكر - رضي اللَّه تعالى عنه - من المدينة إلى مكة لأداء الحجّ (حَتَّى إِذَا كَانَ بالْعَرْجِ) -بفتح العين المهملة، وسكون الراء، آخره جيم- بوزن فَلْس: اسم موضع بطريق المدينة. قاله الفيّوميّ (ثُوِّبَ بِالصُّبْحِ) بتشديد الواو، مبنيًا للمفعول، أي أقيم لصلاة الصبح، أو بالبناء للفاعل: أي أقام لها.
قال الفيّوميّ: وثوّب الداعي تَثْويبًا: ردّد صوته، ومنه التثويب في الأذان انتهى (ثُمَّ اسْتَوَى) أي قام (لِيُكَبِّرَ، فَسَمِعَ الرَّغْوَةَ) قال في "النهاية": هو بالفتح المرّة من الرُّغاء (١)، وبالضم الاسم، كالغرفة. انتهى (٢) وضَبَط في بعض النسخ الأولى بالفتح، والثانية بالكسر، على أنها للحالة والهيئة. قاله السنديّ (خَلْفَ ظَهْرِهِ) منصوب على الظرفية،
стр. 13202
متعلّق بـ"سمع" (فَوَقَفَ عَلَى التَّكْبِيرِ) الظاهر أن معناه أنه توقف عن التكبير للصلاة، فـ"على" بمعنى "عن" (فَقَالَ: هَذِهِ رَغْوَةُ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْجَدْعَاءِ) هي الناقة المقطوعة الأذن. وقيل: لم تكن ناقته ﷺ مقطوعة الأذن، وإنما كان هذا اسمها. قاله ابن لأثير (١) (لَقَدْ بَدَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْحَجِّ) أي ظهر له أن يحج في هذه السنة بعد أن تركه (فَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) بالنصب خبر "يكون"، واسمها ضمير يعود إلى راكب الناقة، (فَنُصَلِّي مَعَهُ) برفع "نصلي" (فَإِذَا) هي الفجائية، أي ففاجأه (عَلِيٌّ عَلَيْهَا) أي حال كونه راكبًا ناقة رسول اللَّه ﷺ (فَقَالَ: لَهُ أَبُو بَكْرٍ) لعلي ﵄، مستفسرًا لحاله (أَمِيرٌ أَمْ رَسُولٌ) خبر لمحذوف، اْي أأنت أمير عليّ وعلى الناس، أم رسول إليّ وإليهم، وإنما استفسره أبو بكر - رضي اللَّه تعالى - عنهما في ذلك حتى يطيعه، ولا يتقدّم عليه، إن كان أميرًا (قَالَ) عليّ ﵁ (لَا) أي لست أميرًا (بَلْ رَسُولْ، أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَرَاءَةَ) يجوز فيه التنوين بالرفع على الحكاية، وبالجر، ويجوز أن يكون علامة الجر فتحة للعلمية والتأنيث (أَقْرَؤُهَا) جملة في محلّ نصب على الحال (عَلَى النَّاسِ، فِي مَوَاقِفِ الْحَجِّ) الجارّان متعلقان بـ "أقرأ"، والمراد بمواقف الحجّ الأماكن التي يجتمع الناس فيها لأداء النسك، كالمسجد الحرام، وعرفة، ومزدلفة، ومنى (فَقَدِمْنَا مَكَّةَ، فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِيَوْمٍ) أي في اليوم السابع (قَامَ أَبُو بَكْرٍ ﵁، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَدَّثَهُمْ عَنْ مَنَاسِكهِمْ) أي عن الأعمال التي يعملونها بعد ذلك اليوم، من الخروج إلى منى يوم التروية، مهلّين بالحج، ونزولهم منى، وصلاتهم فيها خمس صلوات، ثم ذهابهم إلى عرفة (حَتَّى إِذَا فَرَغَ) أبو بكر - رضي اللَّه تعالى عنه - من خطبته (قَامَ عَليٌّ ﵁، فَقَرَأَ عَلَى النَّاسِ بَرَاءَةٌ) بالرفع والتنوين على الحكاية، وبالنصب غير منصرف؛ لما تقدّم (حَتَّى خَتَمَهَا) فيه تجوّز، وذلك أن المراد من "براءة" بعضها، فيكون المراد بختمها ختم بعضها الذي بُعث به عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه -، فقد قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في "الفتح" في تفسير "سورة التوبة": وفي قوله: "ببراءة" تجوّز؛ لأنه أُمر أن يؤذّن ببضع وثلاثين آية، منتهاها عند قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾، فروى الطبريّ، من طريق أبي معشر، عن محمد بن كعب وغيره، قال: "بعث رسول اللَّه ﷺ أبا بكر أميرًا على الحجّ سنة تسع، وبعث عليًّا بثلاثين آية، أو أربعين آية من براءة". وروى الطبريّ من طريق أبي الصهباء، "قال: سألت عليًّا عن يوم الحجّ الأكبر؟ فقال: إن رسول اللَّه ﷺ بعث أبا بكر يقيم للناس الحجّ، وبعثني بعده بأربعين آية من براءة، حتى أتى عرفة، فخطب، ثم التفت
стр. 13203
إليّ، فقال: يا عليّ قم، فأدّ رسالة رسول اللَّه ﷺ ، فقمت، فقرأت أربعين آية من أول براءة، ثم صَدَرْنا حتى رميت الجمرة، فطفقت أتتبع بها الفساطيط، أقرأها عليهم؛ لأن الجميع لم يكونوا حضروا خطبة أبي بكر يوم عرفة" (١).
(ثُمَّ خَرَجْنَا مَعَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ، قَامَ أَبُو بَكرِ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَدَّثَهُمْ عَنْ مَنَاسِكِهِم، حَتَّى إِذَا فَرَغَ، قَامَ عَليًّ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (فَقَرَأَ عَلَى النَّاسِ بَرَاءَةٌ، حَتَّى خَتَمَهَا، ثُمَّ كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ) "كان " هنا تامّة، ولذا اكتفت بالمرفوع، وهو "يوم النحر"، فمعنى "كان": جاء، و"يوم النحر" فاعله (فَأَفَضْنَا) أي رجعنا من عرفة إلى مزدلفة (فَلَمَّا رَجَعَ أَبُو بَكْرٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (خَطَبَ النَّاسَ، فَحَدَّثَهُمْ عَنْ إِفَاضَتِهِمْ، وَعَنْ نَحْرِهِمْ، وَعَنْ مَنَاسِكِهِمْ) أي عما تبقّى من مناسكهم (فَلَمَّا فَرَغَ) أبو بكر - رضي اللَّه تعالى عنه - من خطبته (قَامَ عَليٌّ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (فَقَرَأَ عَلَى النَّاسِ بَرَاءَةٌ، حَتَّى خَتَمَهَا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ النَّفْرِ الأَوَّلُ) بسكون الفاء، وفتحها (٢)، يقال: نفر الحاجّ من منى، من بابي ضرب، وقعد: إذا دَفَعُوا، وللحاج نَفْرَان: فالأول هو اليوم الثاني من أيام التشريق، والثاني هو اليوم الثالث منها. أفاده الفيّوميّ (قَامَ أَبو بَكْرٍ) - رضي اللَّه تعالى - عنه (فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَدَّثَهُمْ كَيْفَ يَنْفِرُونَ) بكسر الفاء، وضمها، من بابي ضرب، وقعد، أي كيف يذهبون إلى منى (وَكَيفَ يَرْمُونَ، فَعَلَّمَهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَلَمَّا فَرَغَ، قَامَ عَليٌّ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (فَقَرَأَ بَرَاءَةٌ عَلَى النَّاسِ، حَتَّى خَتَمَهَا) وقد سبق قريبًا أن المراد ختم بعضها، وهي بضع وثلاثون آية، منتهاها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾. واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ: أَبو عَبْد الرَّحْمَنِ) النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى- (ابْنُ خُثَيْمِ) هو عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم الراوي عن أبي الزير (لَيْسَ بِالْقَوِيِّ فِي الْحَدِيثِ) تقدّم في ترجمته أن أكثر الأئمة على توثيقه، وأن المصنف وثّقه أيضًا في رواية (وَإِنَّمَا أَخْرَجْتُ هَذَا) أي حديث أبي الزبير عن جابر (لِئَلاَّ يُجْعَلَ ابْنُ جُرَيْجٍ) ببناء الفعل للمفعول (عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ) أي لئلا يقع غلط في إسناده، فيجعل مما رواه ابن جريج عن أبي الزبير مباشرة، دون واسطة ابن خُثيم، حيث اشتهرت روايته عنه (وَمَا كتَبْنَاهُ إِلاَّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) يعني أنه ما كتب هذا الحديث إلا عن شيخه إسحاق ابن راهويه، وغرضه به أنه لم يسمعه من أحد من شيوخه إلا عنه (وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ لَمْ يَتْرُكْ حَدِيثَ ابْنِ خُثَيمٍ، وَلَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بالرفع عطفًا على "يحيى"، فما وقع في النسخة المطبوعة من ضبطه بالجر ضبطَ قلم، فغلط، فتنبّه.
стр. 13204
يعني أن ابن خثيم ليس ممن يُرغب عن الرواية عنه، فقد روى عنه يحيى، وعبد الرحمن، مع أنهما ينتقيان الرجال انتقاء.
(إِلَّا أَنَّ عَلى بْنَ الْمَدِينِيِّ، قَالَ: ابْنُ خُثَيْم مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، وَكَأَنَّ عَليَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ، خُلِقَ لِلْحَدِيثِ) فيه رفع لرتبة ابن المدينيّ، وترجيح له على غيره.
وحاصل ما أشار إليه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أن حديث الباب غير صحيح؛ لأن ابن خثيم، وإن روى عنه يحيى، وعبد الرحمن، فقد ضعّفه ابن المدينيّ، وهو أعلم بالحديث، فيقدّم على من وثّقه. هذا حاصل ما أشار إليه، لكن الذي يبدو أن توثيقه يقدّم؛ لأنه مذهب جلّ الحفّاظ، كما سبق في ترجمته، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا ضعيف؛ لعنعنة أبي الزبير؛ لأنه مدلّسٌ، وأما تضعيف المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- له بابن خُثيم، فقد عرفتَ ما فيه آنفًا، وهو من أفراد المصنّف، أخرجه هنا -١٨٧/ ٢٩٩٤ - وفي "الكبرى" ١٨٣/ ٣٩٨٤. وأخرجه الدارميّ في "المناسك" ١٨٣٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٨٨ - (الْمُتَمَتِّعُ مَتَى يِهُلُّ بِالْحَجِّ)
٢٩٩٥ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنْ جَابِرٍ, قَالَ: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , لأَرْبَعٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ, فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَحِلُّوا, وَاجْعَلُوهَا عُمْرَةً» , فَضَاقَتْ بِذَلِكَ صُدُورُنَا, وَكَبُرَ عَلَيْنَا, فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ , فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَحِلُّوا, فَلَوْلَا الْهَدْيُ الَّذِي مَعِي, لَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِي تَفْعَلُونَ» , فَأَحْلَلْنَا, حَتَّى وَطِئْنَا النِّسَاءَ, وَفَعَلْنَا مَا يَفْعَلُ الْحَلَالُ, حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ, وَجَعَلْنَا مَكَّةَ بِظَهْرٍ, لَبَّيْنَا بِالْحَجِّ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إسماعيل بن مسعود) الْجَحدريّ، أبو مسعود البصريّ، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧.
стр. 13205
٢ - (خالد) بن الحارث الْهُجَيمي، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧.
٣ - (عبد الملك) بن أبي سليمان ميسرة العَرْزَميّ الكوفيّ، صدوق له أوهام [٥] ٧/ ٤٠٦.
٤ - (عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة فقيه فاضل [٣] ١١٢/ ١٥٤.
٥ - (جابر) بن عبد اللَّه بن عمرو بن حَرَام - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٣١/ ٣٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فمن أفراده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه جابر ﵁ من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَابِرٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لِأَرْبَعِ) أي لأربع ليال (مَضَينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَقَالَ: النَّبِيُّ ﷺ : "أَحِلُّوا) أمرٌ من الإحلال (وَاجْعَلُوهَا عُمْرَةً) فيه مشروعيّة فسخ الحجّ إلى العمرة، وتقدّم اختلاف أهل العلم فيه، وأن الراجح أنه ثابت، وليس بمنسوخ (فَضَاقَتْ بِذَلِكَ صُدُورُنَا، وَكَبُرَ عَلَيْنَا) بضم الباء الموحدة، من باب كَرُمَ: أي شقّ علينا التحلّل (فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَحِلُّوا، فَلَوْلَا الْهَدْيُ الَّذِي مَعِي، لَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِي تَفْعَلُونَ"، فَأَحْلَلْنَا، حَتَى وَطِئْنَا النِّسَاءَ، وَفَعَلْنَا مَا يَفْعَلُ الْحَلَالُ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ) "كان" هنا تامّة، كما سبق في الباب الماضي، أي جاء يوم التروية، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، وسمي التروية؛ لأنهم كانوا يروّون فيها إبلهم، ويتروّون من الماء؛ لأن تلك الأماكن لم تكن إذ ذاك فيها آبار ولا عيون، وقد تقدّمت أقوال أخرى في سبب تسميته بهذه الاسم (وَجَعَلْنَا مَكَّةَ بِظَهْرِ) أي وراء ظهورنا، يعني أنهم أحرموا بالحجّ بعد خروجهم من منازلهم، وتوجههم إلى منى. وفي رواية أبي الزبير، عن جابر عند أحمد، ومسلم: "قال: أمرنا رسول اللَّه ﷺ إذا أحللنا أن نُحرم إذا توجّهنا إلى منى، قال: فأهللنا من الأبطح" (لَبَّيْنَا بِالْحَجِّ) قال النوويّ: فيه دليل للشافعيّ وموافقيه أن المتمتّع، وكلّ من بمكة، وأراد الإحرام بالحجّ، فالسنّة له أن يُحرم يوم التروية انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 13206
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٨٨/ ٢٩٩٥ - وفي "الكبرى" ١٨٤/ ٣٩٨٥. وأخرجه (م) في "الحجّ"٢٩٣٦ (الدارمي) في "المناسك" ١٩١٥. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان وقت إهلال المتمتّع بالحجّ، وذلك يوم التروية-وهو الثامن من ذي الحجة- فيُهِلّ بعد خروجه من منزله، وتوجهه إلى منى. (ومنها): جواز فسخ الحجّ إلى العمرة، وهو باق إلى يوم القيامة على الأصح من أقوال العلماء. (ومنها): أن المتمتّع إذا تحلّل من عمرته جاز له كلّ شيء حتى النساء. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٨٩ - (مَا ذُكِرَ فِي مِنَى)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أنه أراد ما ذُكر من الفضل لمنى، فمناسبة الحديث الأول للترجمة واضحةٌ، وأما الحديث الثانى فمناسبته لها غير واضحة، فليتأمّل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٩٩٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ, حَدَّثَنِي مَالِكٌ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ الدُّؤَلِيِّ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ الأَنْصَارِيِّ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: عَدَلَ إِلَيَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ, وَأَنَا نَازِلٌ تَحْتَ سَرْحَةٍ, بِطَرِيقِ مَكَّةَ, فَقَالَ: مَا أَنْزَلَكَ تَحْتَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ؟ , فَقُلْتُ أَنْزَلَنِي ظِلُّهَا, قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا كُنْتَ بَيْنَ الأَخْشَبَيْنِ مِنْ مِنًى, وَنَفَخَ - بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ, فَإِنَّ هُنَاكَ وَادِيًا, يُقَالُ لَهُ: السُّرَّبَةُ", وَفِي حَدِيثِ الْحَارِثِ: "يُقَالُ لَهُ السُّرَرُ, بِهِ سَرْحَةٌ, سُرَّ تَحْتَهَا سَبْعُونَ نَبِيًّا»).
стр. 13207
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (محمد بن سلمة) المراديّ الْجمليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت [١١] ١٩/ ٢٠.
٢ - (الحارث بن مسكين) الأمويّ مولاهم، أبو عمرو المصريّ القاضي، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩.
٣ - (ابن القاسم) هو عبد الرحمن الْعُتَقيّ، أبو عبد اللَّه المصريّ الفقيه، ثقة، من كبار [١٠] ١٩/ ٢٠.
٤ - (مالك) بن أنس الإمام المدنيّ الحجة الثبت [٧] ٧/ ٧.
٥ - (محمد بن عمرو بن حلحلة) الديليّ المدنيّ، ثقة [٦] ١٦/ ١٨٥٩.
٦ - (محمد بن عمران الأنصاريّ) المدنىّ، مجهول [٦].
روى عن أبيه لقي ابن عمر، فحدّثه. وعنه محمد بن عمرو بن حلحلة. ذكره البخاريّ، فلم يذكر فيه جرحًا. وذكره ابن حبّان في "الثقات". تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
[تنبيه]: وقع في بعض نسخ "المجتبى" محمد بن عمرو، وهو غلطٌ والصواب: "محمد بن عمران"، كما هنا، انظر "تحفة الأشراف" ٦/ ٢١. واللَّه تعالى أعلم.
٧ - (أبوه) عمران الأنصاريّ المدنيّ، مقبول [٤].
روى عن ابن عمر حديث الباب فقط. وعنه ابنه محمد. قال مسلمة بن قاسم: لا بأس به. تفرّد به المصنّف، فأخرج له حديث الباب فقط. واللَّه تعالى أعلم.
٨ - (عبد اللَّه بن عمر) بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ الْأَنْصَارِيِّ) قال ابن عبد البرّ: لا أعرفه إلا بهذا الحديث (عَنْ أَبِيهِ) إن لم يكن عمران بن حبّان الأنصاريّ، أو عمران بن سَوَادة، فلا أدري من هو؟.
أنه (قَالَ: عَدَلَ إِلَيَّ) أي مال إلي عن طريقه (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب رضي اللَّه تعالى عنهما (وَأَنا نَازِلٌ تحتَ سَرْحَة) بفتح السين، والحاء المهملتين، بينهما راء ساكنة: الشجرة العظيمة التي لها شُعَب (بطَرِيقِ مَكةَ، فَقَالَ) أي ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - (مَا أَنْزَلَكَ) "ما" استفهامية، أي أَيُّ شيء جعلك نازلاً (تَحَتَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ؟) وفي رواية "الموطإ": "تحت هذه السرحة" (فَقُلْتُ: أَنْزَلَنِي ظِلُّهَا) وفي رواية "الموطإ": "فقلت: أردت ظلّها، فقال: هل غير ذلك؟ فقلت: لا، ما أنزلني إلا ذلك" (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ) بن
стр. 13208
عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا كُنْتَ بَيْنَ الأَخْشَبَيْنِ مِنْ مِنًى) بلفظ التثنية: جبلا مكّة المطيفان بها. قال ابن الأثير: وهما أبو قبيس والأحمر، وهو جبل مشرف وجهه على قُعَيقعان. وقال ياقوت: جبلان يضافان إلى مكة، وتارة إلى منى، وهما واحد، أحدهما أبو قبيس، والآخر قُعَيعان، ويقال: بل هما أبو قبيس، والجبل الأحمر المشرف هنالك انتهى (١). وقال ابن وهب: أراد بهما الجبلين اللذين تحت العقبة بمنى، فوق المسجد، والأخشاب الجبالُ. وقال إسماعيل: الأخشاب يقال: إنها اسم لجبال مكة ومنى خاصّة. قاله الزرقانيّ (٢) (وَنَفَحَ بِيَدِهِ) هكذا في النسخة "الهندية" بالحاء المهملة، وقال السندي -رحمه اللَّه تعالى- في شرحه: "ونفح بيده" بالحاء المهملة: أي رمى، وأشار بيده انتهى.
ووقع في النسخ المطبوعة من "المجتبى"، وكذا في "الكبرى" مضبوطًا بخاء معجمة، والظاهر أنه تصحيف.
قال العلامة أحمد محمد شاكر -رحمه اللَّه تعالى- فيما كتبه على "مسند أحمد": ما نصّه: "نفح بيده" بالحاء المهملة، كما ثبت في "ك م" المخطوطتين من "المسند"، وكذلك في نسخة من النسائيّ عندي، مخطوطة سنة (١١١٣)، وكذلك في النسختين المطبوعتين منه بمصر والهند، وزاد مصحح الطبعة الهندية (ص٤٧٠) ضبطها بحاء مهملة، وكذلك هي بالحاء المهملة في نسخة "الموطإ" مخطوطة الشيخ عابد السنديّ، وكذلك رسم بالمهملة في "معجم ما استعجم" للبكريّ عند ذكره الحديث مرّتين ١٢٤، ٧٣٣.
وفي "المسند"، و"الموطإ" طبعة الحلبيّ، والنسائيّ مخطوطة الشيخ عابد السنديّ: "نفخ" بنقطة فوق الخاء، وكذلك ضبطه الزرقانيّ في "شرح الموطإ" ٢/ ٢٨٤ بخاء معجمه.
قال: وأنا أرجّح أن يكون بالحاء المهملة؛ لأن النفخ بالمعجمة هو المعروف من إخراج الريح من الفم وغيره، واستعماله في معنى الإشارة باليد من المجاز البعيد الذي يحتاج إلى تكقف شديد. وأما النفح بالمهملة، فإنه الضرب والرمي باليد، أو الرجل، ومنه حديث: "المكثرون هم المقلّون، إلا من نفح فيه يمينه وشماله". قال ابن الأثير: أي ضرب بيده فيه بالعطاء، ومنه قولهم: نفحت الدابّة: أي رمحت برجلها، ورمت بحدّ حافرها. انتهى كلام أحمد محمد شاكر -رحمه اللَّه تعالى- (٣).
стр. 13209
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما رجّحه أحمد شاكر -رحمه اللَّه تعالى- من ضبط "نفح" بالحاء المهملة هو الذي يترجّح عندي. واللَّه تعالى أعلم.
(نَحْوَ الْمَشْرِقِ) قال البونيّ: أحسب ابن عمر ظنّ أن عمران يعلم الوادي الذي فيه المزدلفة، ولذلك كرّر عليه السؤال انتهى (فَإِن هُنَاكَ وَادِيًا) وهو على أربعة أميال منها، قال أبو ذؤيب:
بِآيَةِ مَا وَقَفْتُ وَالرِّكَا … ب بَيْنَ الْحَجُونِ وَبَيْنَ السِّرَرْ
وفي بعض الأحاديث إنها بالمَأْزِمَين من منى، كانت فيه دَوْحة. أفاده المرتضى في "شرح القاموس" (١).
(يُقَالُ لَهُ: السُّرَّبَةُ) هكذا نسخ "المجتبى" بالباء الموحّدة بعد الراء، وضبطه السنديّ في "شرحه" بضمّ السين، وفتح الراء المشدّدة. والذي في "الكبرى": "السّريّة" بالياء التحتانيّة، والظاهر أنه الصواب، والأول تصحيف، وهو بضم السين، وتشديد الراء بلفظ النسبة إلى السُّرّ.
(وَفِي حَدِيثِ الْحَارِثِ) يعني ابن مسكين (يُقَالُ لَهُ: السُّرَرُ) بضمّ السين، وفتح الراء. وقيل: هو بفتح السين والراء. وقيل: بكسر السين. قاله ابن الأثير (٢).
وقال المرتضى في "شرح القاموس": وهذا الموضع يسمى وادي السرر -بضم السين، وفتح الراء. وقيل: هو بالتحريك. وقيل: بالكسر، كما ضبطه صاحب "القاموس"، وبالتحريك ضبطه العلّامة عبد القادر بن عمر البغدادي اللغويّ في "شرح شواهد الرضيّ".
(بِهِ) أي فيه (سَرْحَةٌ) وفي رواية "الموطإ": "شجرة" (سُرَّ) بضم السين، وتشديد الراء (تحتَهَا سَبْعُونَ نَبِيًّا) أي وُلِدوا تحت تلك السّرْحة، فقُطع سُرُّهم، وهو بالضمّ: ما تقطعه القابلة من سُرّة الصبيّ، كما في "النهاية"، قال الزرقانيّ: فقول السيوطيّ: أي قُمعت سُرّتهم، إذ وُلدوا تحتها مجازٌ، سُمّي السُّرُّ سُرّةً؛ لعلاقة المجاورة.
وقال مالك: بُشروا تحتها بما يسرّهم. قال ابن حبيب: فهو من السرور: أي تنبّؤوا تحتها واحدٌ بعد واحد، فسُرّوا بذلك، وبه أقول انتهى كلام الزرقاني (٣). قال أحمد شاكر: والظاهر عندي أنه الأصحّ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي نُقل عن مالك في معنى "سُرّ" أقرب
стр. 13210
عندي، كما قال الزرقانيّ، وابن شاكر.
وحاصله أن معنى سُرّ من السرور، أي استبشروا وفرحوا بما أوتوا من النبوّة في هذا المكان. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
حديث عبد اللَّه بن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا حسنٌ.
[تنبيه]: ضعّف هذا الحديث الشيخ الألبانيّ، وصحّح إسناده العلامة أحمد محمد شاكر، فقال فيما كتبه على "المسند": إسناده صحيح، محمد بن عمران الأنصاريّ، قال في "التهذيب": ذكره ابن حبّان في "الثقات"، ثم ذكر الحافظ أنه ذكره البخاريّ، فلم يذكر فيه جرحًا، وهذا إشارة منه إلى كفاية هذا في توثيقه، كما قلنا مرارًا، وهو في "الكبير" ١/ ١/٢٠٢: محمد بن عمران الأنصاريّ عن أبيه سمع ابن عمر، قاله مالك، عن محمد بن عمرو بن حلحلة. أبوه عمران الأنصاريّ: قال في "التهذيب": عن ابن عمر في فضل وادي السرر، روى عنه ابنه محمد، أخرج له النسائيّ هذا الحديث الواحد. وقال مسلمة بن قاسم: لا بأس به … إلى أن قال:
وأقول: إن مالكًا أعلم الناس بالأنصار، وبرواة الحديث من أهل المدينة، وهو يتحرّى الرجال والأحاديث. ثم عمران الأنصاريّ هذا تابعي عُرف اسمه وشخصه، فهو على الثقة والستر، وإن جهل نسبه، واسم أبيه انتهى ما كتبه أحمد شاكر -رحمه اللَّه تعالى- (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله أحمد محمد شاكر -رحمه اللَّه تعالى- هو الحقّ عندي؛ لأن محمد بن عمران، وأباه ثقتان عند مالك -رحمه اللَّه تعالى-، فقد سأله بشر بن عمر الزهرانيّ عن رجل أثقة هو؟، فقال: هل رأيته في كتبي؟، قال: لا، قال: لو كان ثقة لرأيته في كتبي، فثبت أن ما أثبته مالك في كتبه ثقة عنده، لا سيما إذا كان مدنيًّا، ولا يعترض هذا بعبد الكريم بن أبي المخارق؛ لأنه معروت بالضعف، وإنما الكلام فيمن كان مثل محمد بن عمران، وأبيه، ممن لم يتكلّم فيه أحد.
والحاصل أن الحديث لا يقلّ عن درجة الحسن. فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحيّر بالاعتساف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
والحديث من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا -١٨٩/ ٢٩٩٦ - وفي "الكبرى" ١٨٥/ ٣٩٨٦. وأخرجه (أحمد) في "مسند المكثرين" ٦١٩٧ و (مالك في الموطإ) في "الحج" ٩٦٦. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 13211
٢٩٩٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ نُعَيْمٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا سُوَيْدٌ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ, عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ, ثِقَةٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الأَعْرَجُ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ, عَنْ رَجُلٍ مِنْهُمْ, يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُعَاذٍ, قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى, فَفَتَحَ اللَّهُ أَسْمَاعَنَا, حَتَّى إِنْ كُنَّا لَنَسْمَعُ مَا يَقُولُ, وَنَحْنُ فِي مَنَازِلِنَا, فَطَفِقَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَلِّمُهُمْ مَنَاسِكَهُمْ, حَتَّى بَلَغَ الْجِمَارَ, فَقَالَ: "بِحَصَى الْخَذْفِ", وَأَمَرَ الْمُهَاجِرِينَ أَنْ يَنْزِلُوا فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ, وَأَمَرَ الأَنْصَارَ أَنْ يَنْزِلُوا فِي مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محمد بن حاتم بن نُعيم) المروزيّ، ثقة [١٢] ٦٦/ ١٨٠٠.
٢ - (سُويد) بن نصر، أبو الفضل المروزيّ، لقبه شاه، راوية ابن المبارك، ثقة [١٠] ٤٥/ ٥٥.
٣ - (عبد اللَّه) بن المبارك الإمام الحنظليّ المروزيّ الإمام الحجة المشهور [٨] ٣٢/ ٣٦.
٤ - (عبد الوارث) بن سعيد بن ذكوان العنبريّ البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٦/ ٦.
٥ - (حُميد الأعرج) بن قيس المكيّ، أبو صفوان القارىء الأسديّ مولاهم، وقيل: مولى عفراء، ليس به بأس [٦].
قال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، وكان قارىء أهل مكّة. وقال أبو طالب: سألت أحمد عنه؟ فقال: هو ثقة، هو أخو سَنْدَل. وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: ليس هو بالقويّ في الحديث. وقال المفضّل الغَلابيّ، عن ابن معين: ثبت، روى عنه مالك، وأخوه سَنْدَل ليس بثقة. وقال أبو زرعة: حميد الأعرج ثقة. وقال أبو حاتم: مكيّ ليس به بأس، وابن أبي نَجِيح أحبّ إليّ منه. وقال أبو زرعة الدمشقيّ: حميد بن قيس من الثقات. وقال أبو داود: ثقة. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وقال ابن خِرَاش: ثقة صدوق. وقال ابن عديّ: لا بأس بحديثه، وانما يُؤتَى مما يقع في حديثه من الإنكار من جهة من يروي عنه. وقال العجليّ: مكيّ ثقة. وقال الترمذيّ في "العلل الكبير": قال البخاريّ: هو ثقة. وكذا قال يعقوب بن سفيان. قال ابن حبّان: مات سنة (١٣٠) وقال ابن سعد: توفّي في خلافة أبي العباس. روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب خمسة أحاديث برقم-٢٩٩٧ و ٤٥٢٩ و ٤٥٣١ و ٤٥٦٨ و ٤٦٢٧.
٦ - (محمد بن إبراهيم التيميّ) أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة، له أفراد [٤] ٦٠/ ٧٥.
٧ - (عبد الرحمن بن مُعاذ) بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة بن كعب القرشيّ التيميّ، ابن عمّ طلحة بن عبيد اللَّه، جزم البخاريّ، والترمذيّ، وابن
стр. 13212
حبّان وابن منده، بأن له صحبة. وكذا ذكره في الصحابة ابنُ عبد البرّ، وأبو نُعيم، وابن زَبْر، والباورديّ، وغيرهم، وعدّه ابن سعد فيمن شهد الفتح. روى له أبو داود، والمصنّف حديث الباب فقط. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيمِيِّ، عَنْ رَجُلِ مِنْهُمْ) أي من قومه التيميين (يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُعَاذٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه -. وفي رواية أبي داود: "عن عبد الرحمن بن معاذ، عن رجل من أصحاب النبيّ ﷺ … " (قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى، فَفَتَحَ اللَّهُ أَسْمَاعَنَا) يعني أنه حينما خطب النبيّ ﷺ في ذلك المكان قوّى اللَّه تعالى أسماعهم، وبارك فيها، معجزةً له ﷺ ، فصار يسمعه الداني والقاصي. وفي رواية أبي داود: "ففُتحت أسماعنا" بالبناء للمفعول (حَتَّى إِنْ كُنَّا) "إن" مخفّفة من الثقيلة، ودخلت اللام في قوله (لَنَسْمَعُ) فرقًا بينها وبين "إن" النافية، كما قال ابن مالك في "الخلاصة":
وَخُفَّفَتْ "إِنَّ" فَقَلَّ الْعَمَلُ … وَتَلْزَمُ اللَّامُ إِذَا مَا تُهْمَلُ
وَرُبَّمَا اسْتُغْنِيَ عَنْهَا إِنْ بَدَا … مَا نَاطِقٌ أَرَادَهُ مُعْتَمِدًا
(مَا يَقُولُ، وَنَحْنُ فِي مَنَازِلِنَا) قال الشوكانيّ: فيه دليل على أنهم لم يذهبوا لسماع الخطبة، بل وقفوا في رحالهم، وهم يسمعونها، ولعلّ هذا كان فيمن كان له عذر منعه من الحضور لاستماعها، وهو اللائق بحال الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم - انتهى (١) (فَطَفِقَ النَّبِيُّ ﷺ ) أي شرع. وفي "القاموس": طَفِقَ يفعل كذا، كفرِحَ، وضَرَب، طَفْقًا، وطُفُوقًا: إذا واصل الفعلَ، خاصّ بالإثبات، لا يقال: ما طَفِق انتهى (يُعَلِّمُهُمْ) هذا انتقال من التكلّم إلى الغيبة، وهو أسلوب من أساليب البلاغة مستحسن (٢) (مَنَاسِكَهُمْ) أي أعمال حجّهم، وأحكامها، واسترسل في التعليم (حَتَّى بَلَغَ الْجِمَارَ) يعني المكان الذي ترمى فيه الجمار، والجمار هي الحصى الصغار التي يُرمى بها الجمرات (فَقَالَ: "بِحَصَى الْخَذْفِ") متعلّق بفعل مقدّر: أي قال: ارموا بحصى الخذف. قال الفيّوميّ: خَذَفتُ الحصاة ونحوها خَذْفًا، من باب ضرب: رَميتُها بطرفي الإبهام، والسبّابة، وقولهم: يأخذ حَصَى الخذف: معناه حصى الرمي، والمراد الحصى الصغار، لكنه أُطلق مجازًا انتهى.
وقال الأزهريّ: حصى الخذف صغار مثل النوى يرمي بها بين أصبعين، قال
стр. 13213
الشافعيّ: حصى الخذف أصغر من الأنملة طولاً وعرضًا، ومنهم من قال بقدر الباقلاً.
وقال النوويّ: بقدر النواة، وكل هذه المقادير متقاربة لأن الخذف بالمعجمتين لا يكون إلا بالصغير (١).
وفي رواية أبي داود: "فوضع إصبعيه السبّابتين، وفي بعض النسخ: "فوضع إصبعيه السبابتين في أذنيه، ثم قال: "بحصى الخَذْف". قال الشوكانيّ: وإنما فعل ذلك؛ ليكون أبلغ، وأجمع لصوته في خطبته، ولهذا كان بلالٌ يضع إصبعيه في صماخ أذنيه في الأذان، وعلى هذا ففي الكلام تقديم، وتأخير، وتقديره: فوضع إصبعيه السبابتين في أذنيه حتى بلغ الجمار.
قال: قوله: "ثم قال" يحتمل أن يكون المراد بالقول القول النفسيّ كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [سورة المجادلة: ٨]، ويكون المراد به هنا النيّة للرمي، قال أبو حيّان: وتراكيب القول الست (٢) تدلّ على معنى الخفّة والسرعة، فلهذا عبّر هنا بالقول. وعند البيهقيّ: "ووضع إصبعيه السبابتين إحداهما على الأخرى". أي ليريهم مقدار الحصى الذي يُرمى به الجمار، وعليه فيكون هذا بيانًا بالفعل.
(وَأَمَرَ الْمُهَاجِرِينَ أَنْ يَنْزِلُوا فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ) أي مقدّم مسجد الخيف الذي بمنى، ولعلّ المراد بالمقدم الجهة أي جهة مقدم المَسجد (وَأَمَرَ الْأَنْصَارَ أَنْ يَنْزِلُوا فِي مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ) زاد في رواية: "ثم نَزَلَ الناسُ بعد ذلك". بتخفيف الزاي، ورفع "الناس" على الفاعلية، أو بتشديها، ونصب "الناس". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الرحمن بن معاذ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه- ١٨٩/ ٢٩٩٧ - وأخرجه (د) في "المناسك" ١٩٥٧ (أحمد) في "مسند المدنيين" ١٦١٥٢. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): استحباب خطبة الإمام في منى؛ ليعلّمهم ما تبقّى من أعمال الحجّ.
стр. 13214
(ومنها): ما وقع للنبيّ ﷺ من المعجزة، حيث أسمع اللَّه خطبته كلّ من حضر منى، القريب منهم والبعيد. (ومنها): بيان مقدار ما يُرمى به من الحصى، وذلك بمثل حصى الحذف، وقدّره العلماء بقدر الباقلّاء ونحوها. (ومنها): أنه ينبغي للإمام أن يراعي مصالح رعيّته، فَيُنَزِّلُهُمْ منازلهم اللائقة بهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٩٠ - (أَيْنَ يُصَلِّي الإِمَامُ الظَّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: يوم التروية، هو اليوم الثامن من ذي الحجة. وهو - بفتح التاء المثنّاة الفوقية، وسكون الراء، وكسر الواو، وتخفيف الياء- سمي بذلك لأنهم كانوا يتروون بحمل الماء معهم من مكّة إلى عرفات. وقيل: إلى منى. وقيل: لأن آدم ﵇ رأى فيه حوّاء ﵍. وقيل: لأن جبريل ﵇ أرى إبراهيم ﵇ المناسك. وقيل: لأنهم كانوا يروّون إبلهم فيه. وقيل: لأن إبراهيم ﵇ رأى تلك الليلة في منامه أنه يذبح ولده بأمر اللَّه تعالى، فلما أصبح كان يَتَرَوَّى، ويتفكّر في رؤياه فيه، وفي التاسع عرف، وفي العاشر استعمل (١). وقيل: هو من الرواية؛ لأن الإمام يروي للناس مناسكهم.
قال العلامة العينيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وذكره الجوهريّ في باب رَوِي معتلّ العين واللام، وذكر فيه موادّ كثيرة، ثم قال: وسمي يوم التروية لأنهم كانوا يرتوون فيه من الماء لما بعدُ، ويكون أصله من رَوِيت من الماء بالكسر أَرْوَى رَيًّا ورِيًّا، ورِوّى، مثل رِضًى، وتكون التروية مصدرًا، من باب التفعيل، تقول: رؤيته الماء ترويةً. وأما قول من قال: لأن آدم ﵇ رأى فيه حوّاء، فغير صحيح من حيث الاشتقاق، لأنه رأى الذي هو من الرؤية، مهموز العين، معتلّ اللام، نعم جاء من هذا الباب ترئية، وتريّة، ولم يجىء تروية، فالأول من قولك: رأَت المرأة ترئية: إذا رأت الدم القليل عند الحيض، والثاني اسم الخرقة التي
стр. 13215
تعرف بها المرأة حيضها من طهرها، وأما بقية الأقوال، فكون أصلها من الرؤية غير مستبعد، ولكن لم يجىء لفظ التروية منها لعدم المناسبة بينهما في الاشتقاق. وأما قول من قال: هو من الرواية، فبعيد جدًّا؛ لأنه لم يجىء تروية من هذا الباب؛ لعدم الاشتقاق بينهما انتهى كلام العينيّ -رحمه اللَّه تعالى- (١).
وقال في "الفتح": وقد روى الفاكهيّ في "كتاب مكة" من طريق مجاهد، قال: قال عبد اللَّه بن عمر: يا مجاهد، إذا رأيت الماء بطريق مكة، ورأيت البناء يعلو أخاشبها، فخذ حذرك، وفي رواية: فاعلم أن الأمر قد أظلّك انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٩٩٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلاَّمٍ, قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الأَزْرَقُ, عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ, عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ, قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ, فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ, عَقَلْتَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟ , قَالَ: بِمِنًى. فَقُلْتُ: أَيْنَ صَلَّى الْعَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ؟ , قَالَ: بِالأَبْطَحِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن إسماعيل بن إبراهيم) المعروف أبوه بابن عُليّة البصريّ، نزيل دمشق، وقاضيها، ثقة حافظ [١١] ٢٢/ ٤٨٩.
٢ - (عبد الرحمن بن محمد بن سلّام) -بالتشديد- الهاشميّ مولاهم، أبو القاسم البغداديّ، ثم الطرسوسيّ، لا بأس به [١١] ١٧٢/ ١١٤١.
٣ - (إسحاق الأزرق) هو ابن يوسف بن مِرْداس الواسطيّ، ثقة [٩] ٢٢/ ٤٨٩.
٤ - (سفيان الثوريّ) ابن سعيد، أبو عبد اللَّه الكوفيّ الإمام الحجة الثبت [٧] ٣٣/ ٣٧.
٥ - (عبد العزيز بن رُفيع) -بضم الراء، مصغّرًا- الأسديّ، أبو عبد اللَّه المكيّ الطائفيّ، نزيل الكوفة، ثقة [٤].
قال أحمد، ويحيى، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقة. وقال العجليّ: تابعيّ ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: يقوم حديثه مقام الحجة. وقال جرير: كان أتى عليه نيّفٌ وتسعون سنة، فكان يتزوّج، فلا تمكث المرأة معه من كثرة جماعه. قال مطيّن: مات سنة (١٣٠) وقال ابن حبّان في "الثقات": مات بعد (١٣٠). روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب سبعة أحاديث برقم- ٢٩٩٨ و ٣٢٧٩ و ٣٧٨٦ و ٣٧٨٧ و ٤٠٤٨ و ٤٦٠٣ و ٤٧٤٣.
стр. 13216
٦ - (أنس بن مالك) بن النضر الصحابيّ الخادم الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخيه، فالأول من أفراده، والثاني من أفراده، وأبي داود. (ومنها): أن فيه أنسًا ﵁ من المكثرين السبعة، وهو آخر من مات من الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم بالبصرة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ) الأسديّ، أنه (قَالَ: سَأَلْتُ أنَسَ بْنَ مَالِكٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (فَقُلْتُ: أَخبِرْنِي بشَيْءٍ، عَقَلْتَهُ) أي أدركته، وفهمته، والجملة في محلّ جرّ صفة لـ"شيء" (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟) أي في أيّ مكان صلّاها في اليوم الثامن من ذي الحجة؟ (قَالَ) أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - (بمِنَى) الباء بمعنى "في"، متعلّق بفعل مقدّر يدلّ عليه السؤال، أي صلّاها في "منى" (فَقُلْتُ: أَينَ صَلَّى الْعَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ؟) بفتح النون، وسكون الفاء، وتفتح: وهو الرجوع من منى بعد انقضاء أعمال الحجّ، وللحجاج نَفْران: الأول: هو اليوم الثاني من أيام التشريق، والثاني: هو اليوم الثالث منها، وهو الثالث عشر من ذي الحجة، وهو المراد هنا؛ لأنه الذي نَفَرَ فيه النبيّ ﷺ في حجته (قَالَ: بِالْأَبْطَحِ) أي صلّاها فيه، وهو مكان متّسع بين مكة ومنى، والمراد به المحصّب. زاد في رواية البخاريّ: "ثم قال: افعل كما يفعل أمراؤك". وفي رواية: "فقال: انظر حيث يصلّي أمراؤك، فصل".
وإنما قال أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - ذلك؛ لأنه لما بين له المكان الذي صلى فيه النبيّ ﷺ الظهر يوم التروية، وهو منى، خشي عليه أن يَحرص على ذلك، فيُنسَبَ إلى المخالفة، أو تفوته الصلاة مع الجماعة، فقال له: صلّ مع الأمراء حيث يصلّون. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ١٩٠/ ٢٩٩٨ - وفي "الكبرى" ١٨٥/ ٣٩٨٧. وأخرجه (خ) في "الحجّ"
стр. 13217
١٦٥٣و ١٦٥٤و١٧٦٥ (م) في "الحجّ" ١٣٠٩ (د) في "المناسك" ١٩١٢ (ت) في "الحجّ" ٩٦٤ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١١٥٦٤ (الدارميّ) في "المناسك" ١٨٧٢. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان المكان الذي يصلي فيه الحجاج الظهر يوم التروية، وهو منى، فيستحبّ إقامة الظهر يوم التروية بمنى، بل يصلي فيه الصلوات الخمس؛ لأنه ﷺ خرج إلى منى، فصلى خمس صلوات. وذكر أبو سعيد النيسابوريّ في "كتاب شرف المصطفى" أن خروجه ﷺ يوم التروية كان ضحى. وفي "سيرة الملا" أنه ﷺ خرج إلى منى بعد ما زاغت الشمس. وفي "شرح الموطإ" لأبي عبد اللَّه القرطبيّ: خرج ﷺ إلى منى عشيّة يوم التروية.
(ومنها): الإشارة إلى متابعة أُولي الأمر، والاحتراز عن مخالفة الجماعة، لأن أنسًا - رضي اللَّه تعالى عنه - قال: "صلّ حيث يصلي أمرؤك". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فيما قاله أهل العلم في الصلاة بمنى يوم التروية:
قال الحافظ: وفي الحديث أن السنة أن يصلّي الحاجّ الظهر يوم التروية بمنى، وهو قول الجمهور. وروى الثوريّ في "جامعه" عن عمرو بن دينار، قال: رأيت ابن الزبير صلّى الظهر يوم التروية بمكة. وقد روى القاسم عنه أن السنّة أن يصليها بمنى، فلعله فعل ما نقله عمرو عنه للضرورة، أو لبيان الجواز. وروى ابن المنذر من طريق ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: "إذا زاغت الشمس، فليرح إلى منى". قال ابن المنذر في حديث ابن الزبير: أن من السنة أن يصلي الإمام الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والصبح بمنى. قال به علماء الأمصار. قال: ولا أحفظ عن أحد من أهل العلم أنه أوجب على من تخلّف عن منى ليلة التاسع شيئًا. ثم روى عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - أنها لم تخرج من مكّة يوم التروية حتى دخل الليل، وذهب ثلثه. قال ابن المنذر: والخروج إلى منى في كلّ وقت مباح، إلا أن الحسن، وعطاء، قالا: لا بأس أن يتقدّم الحاجّ إلى منى قبل يوم التروية بيوم، أو يومين. وكرهه مالك، وكره الإقامة بمكة يوم التروية حتى يمسي، إلا إن أدركه وقت الجمعة، فعليه أن يصلّيها قبل أن يخرج. انتهى ما في "الفتح" (١).
وقال العينيّ: وقال النوويّ: ويكون خروجهم بعد صلاة الصبح بمكة حتى يُصَلُّوا
стр. 13218
الظهر في أول وقتها، هذا هو الصحيح المشهور من منصوص الشافعيّ. وفيه قول ضعيف أنهم يصلّون الظهر بمكة، ثم يخرجون. وقال المهلّب: الناس في سعة من هذا، يخرجون متى أحبّوا، ويصلّون حيث أمكنهم، ولذلك قال أنس: "صلّ حيث يصلي أمرؤك". والمستحبّ في ذلك ما فعله الشارع: "صلى الظهر والعصر بمنى". وهو قول مالك، والثوريّ، وأبي حنيفة، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور. وقال ابن حبيب: إذا مالت الشمس يطوف بالبيت سبعًا، ويركع، ويخرج، وإن خرج قبل ذلك فلا حرج. وعادة أهل مكة أن يخرجوا إلى منى بعد صلاة العشاء. وكانت عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - تخرج ثلث الليل. وهذا يدلّ على التوسعة، وكذلك المبيت عن منى (١) ليلة عرفة ليس فيه حرج، إذا وافى عرفة ذلك الوقت الذي يخيّر، وليس فيه جبر كما يجبر ترك المبيت بها بعد الوقوف، أيام رمي الجمار، وبه قال أبو حنيفة، والشافعيّ، وأبو ثور انتهى كلام العينيّ (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: التي تؤيّده الأدلة الصحيحة استحباب الصلوات الخمس في منى من ظهر يوم التروية إلى فجر عرفة، ففي حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - الطويل عند مسلم: "فلما كان يوم التروية توجّهوا إلى منى، فأهلّوا بالحجّ، وركب رسول اللَّه ﷺ ، فصلّى بها الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر … " الحديث. وروى أبو داود، والترمذيّ، وأحمد، والحاكم، من حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: "صلّى النبيّ ﷺ الظهر يوم التروية، والفجر يوم عرفة بمنى". ولأحمد من حديثه: "صلّى النبيّ ﷺ بمنى خمس صلوات". ولابن خزيمة، والحاكم من طريق القاسم بن محمد، عن عبد اللَّه بن الزبير، قال: "من سنة الحجّ أن يصلّي الإمام الظهر وما بعدها، والفجر بمنى، ثم يغدون إلى عرفة".
فلا ينبغي للحاجّ أن يُهمل هذه السنة، فيتأَخّرَ بمكة، وكذا لا ينبغي له أن يتقدّم قبل يوم التروية بيوم أو يومين، إذ ليس عليه دليل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 13219
١٩١ - (الْغُدُوُّ مِنْ مِنَى إِلَى عَرَفَةَ)
٢٩٩٩ - (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, قَالَ: "غَدَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَةَ, فَمِنَّا الْمُلَبِّى, وَمِنَّا الْمُكَبِّرُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يحيى بن حبيب بن عربيّ) البصريّ، ثقة [١٠] ٦٠/ ٧٥.
٢ - (حماد) بن زيد بن درهم، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت فقيه، من كبار [٨] ٣/ ٣.
٣ - (يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاريّ القاضي، أبو سعيد المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٥] ٢٢/ ٢٣.
٥ - (عبد اللَّه بن أبي سلمة) الماجشون التيميّ مولاهم المدنيّ، ثقة [٣] ٥٢/ ٨٥٦.
٦ - (ابن عمر) - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وحماد، فبصريّان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: "غَدَوْنَا") من باب قعد بمعنى ذهبنا غُدْوَةً، وهي ما بين صلاة الصبح، وطلوع الشمس، وجمع الغُذوة غُدًى، مثلُ مُدْيةٍ ومُدَى، هذا أصله، ثم كثر حتى استُعْمل في الذهاب، والانطلاق أيَّ وقت كان، ومنه قوله ﷺ : "واغدُ يا أنيسُ"، أي انطلق. قاله الفيّوميّ (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، مِنْ مِنَى إِلَى عَرَفَةَ، فَمِنَّا الْمُلَبِّي، وَمِنَّا الْمُكَبِّرُ) يعني أنهم يجمعون بين التلبية والتكبير، فمرّة يلبّي هؤلاء، ويكبّر آخرون، ومرّة بالعكس، فيصدُق في كلّ مرّة أن البعض يكبّر، والبعض يلبّي، والظاهر أنهم ما فعلوا ذلك، إلا لأنهم وجدوا النبيّ ﷺ فعل مثله، فقد أخرج أحمد، وابن أبي شيبة، والطحاويّ، من حديث عبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -، من طريق مجاهد، عن أبي مَعْمَر، عنه، قال: "خرجت مع رسول اللَّه ﷺ ، فما
стр. 13220
ترك التلبية حتى رمى جمرة العقبة إلا أن يخلطها بتكبير" (١).
فهذا صريح بأنه ﷺ كان يلبّي في غالب أحواله، ويكبّر أحيانًا، فالمستحبّ للحاجّ أن يأتي بالذكرين جميعًا، لكن يكثر التلبية، ويأتي بالتكبير في أثنائها، كما هو صريح فعله ﷺ .
وفي رواية مسلم من طريق عمر بن حسين، عن عبد اللَّه بن أبي سلمة، عن عبد اللَّه ابن عبد اللَّه بن عمر، عن أبيه، قال: "كنّا مع رسول اللَّه ﷺ في غداة عرفة، فمنا المكبر، ومنا المهلّل، فأما نحن فنكبّر، قال: قلت: واللَّه لعجبًا منكم، كيف لم تقولوا له: ماذا رأيت رسول اللَّه ﷺ يصنع؟ ".
وأراد عبد اللَّه بن أبي سلمة بذلك الوقوفَ على الأفضل؛ لأن الحديث يدلّ على التخيير بين التكبير والتلبية من تقريره لهم ﷺ على ذلك، فأراد أن يعرف ما كان يصنع هو ليعرف الأفضل من الأمرين. قاله في "الفتح" (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لكن قد تبيّن من حديث ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - الذي ذكرناه ما كان يصنعه ﷺ ، فكان يلبي غالبًا، ويكبّر خلالها، فالأفضل للحاجّ أن يجمع بينهما، مع تغليب التلبية، كما مرّ آنفًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد اللَّه بن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ١٩١/ ٢٩٩٩ و٢٢٠٠ - وفي "الكبرى" ١٨٦/ ٣٩٨٩ و٣٩٩٠. وأخرجه (م) في "الحجّ" ١٢٨٤ (د) في "المناسك" ١٨١٦ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٤٤٤٤ (الموطأ) ٧٤١ (الدارميّ) في "المناسك" ١٨٧٦. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو استحباب الغدوّ، أي الذهاب مبكرًا، قبل طلوع الشمس من منى إلى عرفة. (ومنها): استحباب إكثار التلبية أثناء المسير إلى عرفة. (ومنها): استحباب التكبير مع التلبية أيضًا. واللَّه تعالى أعلم
стр. 13221
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٠٠٠ - (١) (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ (٢) , قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, قَالَ: "غَدَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , إِلَى عَرَفَاتٍ, فَمِنَّا الْمُلَبِّى, وَمِنَّا الْمُكَبِّرُ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -. رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا، و"هشيم": هو ابن بشير. و"يحيى": هو ابن سعيد الأنصاريّ، والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٩٢ - (التَّكْبِيرُ فِي الْمَسِيرِ إِلَى عَرَفَةَ)
٣٠٠١ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا الْمُلَائِيُّ -يَعْنِي أَبَا نُعَيْمٍ الْفَضْلَ بْنَ دُكَيْنٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ, قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الثَّقَفِيُّ, قَالَ: قُلْتُ لأَنَسٍ: وَنَحْنُ غَادِيَانِ, مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَاتٍ, مَا كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ فِي التَّلْبِيَةِ, مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فِي هَذَا الْيَوْمِ؟ , قَالَ: كَانَ الْمُلَبِّى يُلَبِّي, فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ, وَيُكَبِّرُ الْمُكَبِّرُ, فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت إمام [١٠] ٢/ ٢.
٢ - (أبو نُعيم الفضل بن دُكين) التيميّ مولاهم، الأحول، مشهور بكنيته، ثقة ثبت [٩] ١١/ ٥١٦.
[تنبيه]: قوله: "الْمُلائيّ" -بضم الميم-: نسبة إلى بيع الْمُلاءة التي يَلتَحِف بها
стр. 13222
النساء، قال في "اللباب" جـ٣/ص٢٧٧ - ٢٧٨: اشتهر بهذه النسبة أبو بكر عبد السلام بن حرب الملائيّ الكوفيّ، وأبو نُعيم الفضل بن دُكين. و"دُكين" لقبه، واسمه عمرو بن حماد بن زُهير بن درهم الأحول الملائيّ، مولى آل طلحة بن عُبيد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنه -. انتهى. واللَّه تعالى أعلم.
٣ - (مالك) بن أنس الإمام الحجة الفقيه الثبت المدنيّ [٧] ٧/ ٧.
٤ - (محمد بن أبي بكر) بن عوف بن رَبَاح الثقفيّ المدنيّ، ثقة [٤].
روى عن أنس حديث الباب فقط. وعنه ابنه أبو بكر، وموسى بن عقبة، ومالك، وغيرهم. قال النسائيّ: ثقة. وقال العجليّ: مدنيّ تابعي ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له البخاريّ، ومسلم، والمصنّف، وابن ماجه، وله عندهم حديث الباب فقط.
٥ - (أنس) بن مالك الصحابيّ الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فمروزيّ، والملائيّ، فكوفيّ. (ومنها): أن فيه أنسًا - رضي اللَّه تعالى عنه - من المكثرين السبعة، ومن المعمّرين، عاش فوق مائة، وهو آخر من مات من الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم - بالبصرة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن محمد بن أبي بكر الثقفيّ -رحمه اللَّه تعالى-، أنه (قال: قُلْتُ لِأَنَس) بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - (وَنَحْنُ غَادِيَانِ) جملة في محلّ نصب على الحال، أي حال كوننا ذاهبين وقت الغداة (مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَاتٍ، مَا كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ فِي التَّلْبِيَةِ) أي في شأن التلبية، هل كنتم تلزمونها، أم يكون معها ذكر آخر؟ (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فِي هَذَا الْيَوْمِ؟، قَالَ) أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - (كَانَ الْمُلَبِّي يُلَبِّي، فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ) بضم أوله على البناء للمجهول (وَيُكَبِّرُ الْمُكَبِّرُ، فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ) وهذا محلّ الترجمة، ففيه بيان مشروعيّة التكبير في المسير إلى عرفة.
وفي الرواية الآتية في الباب التالي: "سرت مع رسول اللَّه ﷺ ، وأصحابه، وكان منهم المهل، ومنهم المكبّر، فلا يُنكر أحدٌ منهم على صاحبه".
стр. 13223
قال العيني: والتكبير المذكور نوع من الذكر أدخله الملبّي في خلال التلبية من غير ترك التلبية؛ لأن المرويّ عن الشارع أنه لم يقطع التلبية حتى رمى جمرة العقبة، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعيّ، وقال مالك: يقطع إذا زالت الشمس، وقال مرّة أخرى: إذا وقف. وقال أيضًا: إذا راح إلى مسجد عرفة. وقال الخطّابيّ: السنة المشهورة فيه أن لا يقطع التلبية حتى يرمي أوّل حصاة من جمرة العقبة يوم النحر، وعليها العمل، وأما قول أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا فقد يحتمل أن يكون تكبير المكبّر منهم شيئًا من الذكر يُدخلونه في خلال التلبية الثابتة في السنة من غير ترك التلبية. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ١٩٢/ ٣٠٠١ و ١٩٣/ ٣٠٠٢ - وفي "الكبرى" ١٨٧/ ٣٩٩١ و١٨٨/ ٣٩٩٢. وأخرجه (خ) في "الجمعة" ٩٧٠ و"الحجّ" ١٦٥٩ (م) في "الحجّ" ١٢٨٥ (ق) في "المناسك" ٣٠٠٨ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١١٦٥٩ (الموطأ) في "الحجّ" ٧٥٣ (الدارميّ) في "المناسك" ١٨٧٧. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٩٣ - (التَّلْبِيَةُ فِيهِ)
أي في المسير إلى عرفة. ولفظ "الكبرى": "التلبية في المسير إلى عرفة".
٣٠٠٢ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ -وَهُوَ الثَّقَفِيُّ- قَالَ: قُلْتُ لأَنَسٍ: غَدَاةَ عَرَفَةَ: مَا تَقُولُ فِي التَّلْبِيَةِ فِي هَذَا الْيَوْمِ؟ , قَالَ: "سِرْتُ هَذَا الْمَسِيرَ, مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وَأَصْحَابِهِ, وَكَانَ مِنْهُمُ الْمُهِلُّ, وَمِنْهُمُ الْمُكَبِّرُ, فَلَا يُنْكِرُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى صَاحِبِهِ").
стр. 13224
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "إسحاق بن إبراهيم": هو ابن راهويه المذكور في الباب الماضي. ووقع في "الكبرى": "محمد بن إسحاق بن إبراهيم"، وهو غلط، فتنبّه.
و"عبد اللَّه بن رجاء": المكيّ، أبو عمران البصريّ، نزيل مكة، ثقة تغيّر حفظه قليلاً، من صغار [٨].
قال الأثرم: سئل أحمد، فحسّن أمره. وقال الميمونيّ، عن أحمد: رأيته سنة (٨٧)(١). وقال الدوريّ وغيره، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال أبو زرعة: شيخٌ صالح. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات".
وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، وكان من أهل البصرة، فانتقل إلى مكة، فنزلها إلى أن مات بها. وقال ابن أبي خيثمة: حدثنا إبراهيم بن محمد الشافعيّ، حدثنا عبد اللَّه ابن رجاء المكيّ الحافظ المأمون. وقال يعقوب بن سفيان: سمعت صدقة يُحسن الثناء عليه، ويوثقه. وقال الساجيّ: عنده مناكير، اختلف أحمد، ويحيى فيه، قال أحمد: زعموا أن كتبه ذهبت، فكان يكتب من حفظه، فعنده مناكير، وما سمعت منه إلا حديثين. وحكى نحوه العقيليّ عن أحمد. وفي "التقريب": مات في حدود التسعين. أي بعد المائة. انتهى. روى له البخاريّ في "جزء القراءة"، والباقون، إلا الترمذيّ، وله عند المصنف في هذا الكتاب حديثان، هذا، وحديث رقم -٣٧٦٣ في "كتاب الأيمان والنذور".
و"موسى بن عقبة": هو الأسديّ مولاهم المدنيّ الثقة الفقيه الإمام في المغازي [٥] ٩٦/ ١٢٢.
وقوله: "غداة عرفة" بفتح الغين المعجمة: الضَّحْوة، وهي مؤنثة. قال ابن الأنباريّ: ولم يُسمع تذكيرها، ولو حملها حامل على معنى النهار، جاز له التذكير، والجمع غَدَوات. قاله الفيّوميّ.
وقوله: "ما تقول في التلبية في هذا اليوم؟ " "ما" استفهامية، أي أيّ شيء تقول في التلبية في يوم عرفة؟.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم الكلام عليه في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 13225
١٩٤ - (مَا ذُكِرَ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ)
٣٠٠٣ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ, عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ, قَالَ: قَالَ يَهُوديٌّ لِعُمَرَ: لَوْ عَلَيْنَا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ, لَاتَّخَذْنَاهُ عِيدًا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] , قَالَ عُمَرُ: قَدْ عَلِمْتُ الْيَوْمَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ, وَاللَّيْلَةَ الَّتِي أُنْزِلَتْ, لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ, وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَرَفَاتٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) هو ابن راهويه المترجم قريبًا.
٢ - (عبد اللَّه بن إدريس) الأوديّ الكوفيّ، ثقة فقيه عابد [٨] ٨٥/ ١٠٢.
٣ - (أبوه) إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأوديّ الكوفيّ، ثقة [٧] ٢٤/ ٢٤٨٦.
٤ - (قيس بن مسلم) الجَدَليّ الكوفيّ، ثقة رُمي بالإرجاء [٦] ٥٠/ ٢٧٣٨.
٥ - (طارق بن شهاب) البجليّ الأحمسيّ الكوفيّ، ثقة [٢] ٢٠٤/ ٣٢٤.
٦ - (عمر) بن الخطّاب الخليفة الراشد - رضي اللَّه تعالى عنه -٦٠/ ٧٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فمروزيّ، وعمر ﵁ فمدنيّ. (ومنها): أن صحابيه أحد الخلفاء الأربعة، والعشرة المبشّرين بالجنّة - رضي اللَّه تعالى عنهم -. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ) قال أبو داود: رأى النبيّ ﷺ ، ولم يسمع منه شيئًا، أنه (قَالَ: قَالَ: يَهُودِيٌّ) أي رجل منسوب إلى اليهود، وهو علم لقوم موسى ﵇. وإنما سموا به اشتقاقًا من هادوا: أي مالوا، أي في عبادة العجل، أو من دين موسى ﵇، أو من هاد: إذا رجع من خير إلى شرّ، ومن شرّ إلى خير؛ لكثرة انتقالهم من مذاهبهم. وقيل: لأنهم يتهوّدون، أي يتحرّكون عند قراءة التوراة. وقيل: معرّب من يهوذا بن يعقوب بالذال المعجمة، ثم نسب إليه، فقيل: يهوديّ، ثم حذفت الياء في
стр. 13226
الجمع، فقيل: يهود، وكلّ منسوب إلى جنس الفرقُ بينه وبين واحده بالياء وعدمها، نحو روم ورميّ، وزنج وزنجيّ. أفاده العينيّ (١).
[تنبيه]: اسم هذا الرجل هو كعب الأحبار، بين ذلك مسدّدٌ في "مسنده"، والطبريّ في "تفسيره"، والطبرانيّ في "الأوسط"، كلهم من طريق رجاء بن أبي سلمة، عن عبادة بن نُسيّ-بضم النون، وفتح المهملة- عن إسحاق بن خَرَشَة، عن قبيصة بن ذؤيب، عن كعب. وللبخاريّ في "المغازي" من طريق الثوريّ، عن قيس بن مسلم، أن ناسًا من اليهود. وله في "التفسير" من هذا الوجه بلفظ: قالت اليهود. فيحمل على أنهم كانوا حين سؤال كعب عن ذلك جماعة، وتكلم كعبٌ على لسانهم. قاله في "الفتح" (٢).
(لِعُمَرَ) بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنه - (لَوْ عَلَيْنَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ) وفي رواية البخاريّ: "أن رجلاً من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين، آية فِي كتابكم، تقرءونها، لو علينا معشر اليهود نزلت، لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا … (لَاتخذنَاهُ عِيدًا) الضمير ليوم النزول، أي لعظّمناه، وجعلناه عيدًا لنا في كلّ سنة؛ لعظم ما حصل فيه من إكمال الدين. والعيد فِعْلٌ من العود، وإنما سمي به؛ لأنه يعود في كلّ عام.
(﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾) خبر لمحذوف، أي هي قوله تعالى: ﴿اليوم﴾ الآية (قَالَ: عُمَرُ) - رضي اللَّه تعالى - عنه (قَدْ عَلِمْتُ الْيَوْمَ) معناه أني ما أهملت، ولا خفي عليّ زمان نزولها، ولا مكانه، بل ضبطت جميع ما يتعلّق بذلك، من صفة النبيّ ﷺ ، وموضعه وقت نزولها، وهو كونه ﷺ قائمًا بعرفة، وهذا في غاية الضبط. وقال النوويّ: معناه: ما تركنا تعظيم ذلك اليوم والمكان،- أما المكان فهو عرفات، وهو معظم الحجّ الذي هو أحد أركان الإسلام. وأما الزمان فهو يوم الجمعة، ويوم عرفة، وهو يوم اجتمع فيه فضلان، وشرفان، ومعلوم تعظيمنا لكلّ واحد منهما، فإذا اجتمعا زاد التعظيم، فقد اتخذنا ذلك اليوم عيدًا، وعظّمنا مكانه أيضًا، وهذا كان في حجة الوداع، وعاش النبيّ ﷺ بعدها ثلاثة أشهر انتهى (٣) (الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ، وَاللَّيلَةَ الَّتِي أُنْزِلَتْ) أي فيها (لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ) يحتمل النصب على أنه متعلّق بفعل مقدّر، أي أُنزلت ليلة الجمعة، ويحتمل الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي هي ليلة الجمعة.
قال السنديّ: لعل المراد بها ليلة السبت، فأضيفت إلى الجمعة لاتصالها بها، والمراد أنها نزلت يوم الجمعة في قرب الليلة، فاللَّه تعالى جمع لنا فيه بين عيدين: عيد الجمعة،
стр. 13227
وعيد عرفات، من غير تصنّع منا، رحمةً علينا، فله المنّة والفضل انتهى (١).
(وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَرَفَاتٍ) جملة في محلّ نصب على الحال.
وفي رواية البخاريّ: "قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم، والمكان الذي نزلت فيه على النبيّ ﷺ ، وهو قائم بعرفة، يوم جمعة". وفي رواية مسلم: "إني لأعلم اليوم الذي أُنزلت فيه، والمكان الذي نزلت فيه". وزاد في رواية: "والساعة التي نزلت فيها على النبيّ ﷺ ".
[فإن قيل]: كيف طابق الجواب السؤال؛ لأنه قال: "لاتخذناه عيدًا"، وأجاب عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - بمعرفة الوقت، والمكان، ولم يقل: جعلناه عيدًا؟.
[والجواب عن هذا]: أنها نزلت في أُخريات نهار عرفة، ويومُ العيد إنما يتحقّق بأوله، وقد قال الفقهاء: إن رؤية الهلال بعد الزوال للقابلة. قاله هكذا بعض من تقدّم.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وعندي أن هذه الرواية اكتفي فيها بالإشارة، والا فرواية إسحاق، عن قبيصة نصّت على المراد، ولفظه: "نزلت يوم جمعة، يوم عرفة، وكلاهما -بحمد اللَّه- لنا عيد". لفظ الطبريّ، وللطبرانيّ: "هما لنا عيدان". وكذا عند الترمذيّ من حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -: "أن يهوديًّا سأله عن ذلك؟، فقال: نزلت في يوم عيدين، يوم جمعة، ويوم عرفة".
فظهر أن الجواب تضمّن أنهم اتخذوا ذلك اليوم عيدًا، وهو يوم الجمعة، واتخذوا يوم عرفة عيدًا؛ لأنه يليه العيد (٢) كما جاء في حديث: "شهرا عيد لا ينقصان، رمضان، وذو الحجة"، فسمي رمضان عيدًا؛ لأنه يعقبه العيد. انتهى كلام الحافظ ببعض تصرّف (٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ١٩٤/ ٣٠٠٣ و"كتاب الأيمان وشرائعه" ٥٠١٣ - وأخرجه (خ) في "الإيمان" ٤٥ و"المغازي" ٤٤٠٧ و"التفسير" ٤٦٠٦ و"الاعتصام بالكتاب والسنة" ٧٢٦٨
стр. 13228
(م) "التفسير" ٣٠١٧ (ت) "التفسير" ٣٠٤٣ (أحمد) في "مسند العشرة" ١٨٩ و ٢٧٤. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل يوم عرفة، حيث إنه نزلت فيه هذه الآية الكريمة. (ومنها): بيان وقت، ومكان نزول هذه الآية. (ومنها): ما كان عليه عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - من العناية بمكان نزول الآية، وزمانها. (ومنها): أن هذه الآية فيها بيان ما منّ اللَّه تعالى به على هذه الأمة، حيث أكمل دينها، وأتمّ نعمه عليها، بحيث لا تحتاج إلى زيادة في أمر الدين، فكل ما حدث بعد أن أكمله اللَّه تعالى، مما لا دليل له منه يعتبر بدعة ضلالة، كما ثبت ذلك من حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، عن النبيّ ﷺ قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو ردّ"، متّفق عليه، وفي رواية لمسلم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٠٠٤ - (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ, عَنِ ابْنِ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: سَمِعْتُ يُونُسَ, عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ, مِنْ أَنْ يَعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا أَوْ أَمَةً مِنَ النَّارِ, مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ, إِنَّهُ لَيَدْنُو, ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ, وَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ».
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ يُونُسَ بْنَ يُوسُفَ, الَّذِي رَوَى عَنْهُ مَالِكٌ, وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عيسى بن إبراهيم) بن عيسى بن مَثْرُود، أبو موسى الغافقيّ المصريّ، ثقة، من صغار [١٠] ٣١/ ٨١٩.
٢ - (ابن وهب) هو عبد اللَّه المصريّ، ثقة ثبت حافظ [٩] ٩/ ٩.
٣ - (مخرمة) بن بُكير بن عبد اللَّه بن الأشجّ المدنيّ، صدوق، وروايته عن أبيه وجادة من كتابه، قاله أحمد، وابن معين، وغيرهما، وقال ابن المدينيّ سمع من أبيه قليلاً [٧] ٢٨/ ٤٣٨.
٤ - (أبوه) بكير بن عبد اللَّه بن الأشجّ المدنيّ، نزيل مصر، ثقة [٥] ١٣٥/ ٢١١.
٥ - (يونس) بن يوسف بن حِمَاس -بكسر المهملة، وتخفيف الميم، وآخره مهملة- ابن عمرو الليثيّ المدنيّ. وقيل: يوسف بن يونس بن حِمَاس، ثقة عابد [٦].
قال أبو حاتم: محلّه الصدق، لا بأس به. وقال النسائيّ: ثقة. وقال البزّار: صالح
стр. 13229
الحديث. وذكره ابن حبّان في "الثقات" فيمن اسمه يوسف، وقال: وهو الذي يُخطىء فيه عبد اللَّه بن يوسف التِّنِّيسيّ عن مالك، فيقول: يونس بن يوسف، وكان من عُبّاد أهل المدينة، لَمَح يومًا امرأة، فدعا اللَّه تعالى، فأذهب عينيه، ثم دعا، فردّ عليه بصره. روى له مسلم، والمصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنف في هذا الكتاب حديث الباب، وحديث في "كتاب الجهاد" برقم-٣١٣٧ فقط.
٦ - (ابن المسيّب) هو سعيد المخزوميّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت، من كبار [٣] ٩/ ٩.
٧ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فتفرّد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وابن وهب، فمصريان. (ومنها): أن رواية بكير عن يونس من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأن بكيرًا من الطبقة الخامسة، ويونس من السادسة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ) قال أبو العباس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: روينا "أكثر" رفعًا، ونصبًا، فرفعه على التميميّة، ونصبه على الحجازيّة، وهو في الحالين خبر، لا وصفٌ، والمجروران بعده مبيّنان، فـ"من يوم عرفة" يبيّن الأكثرية، مما هي؟، ومن "أن يُعتق" يبيّن المميّز، وتقدير الكلام: ما يومٌ أكثر من يوم عرفة عتيقًا من النار انتهى (١) (مِنْ أَنْ يُعْتِقَ) بضم أوله، من الإعتاق رباعيًا (اللَّهُ فيه) أي في ذلك اليوم (عَبْدًا أَوْ أَمَةً مِنَ النَّارِ) متعلّق بـ"يُعتق" (مِنْ يَوْم عَرَفَةَ) متعلّق بـ"أكثر" (وإِنَّهُ) (لَيَدْنُو) من الدنوّ، وهو القرب. قال القرَطبيّ: قوله: "وإنه ليدنو" هذا الضمير عائدٌ إلى اللَّه تعالى، والدنو دنوّ إفضال وإكرام، لا دنوّ انتقال ومكان؛ إذ يتعالى عنه، ويتقدّس انتهى.
وقال النوويّ: قال القاضي عياض: قال المازريّ: معنى "يدنو" في هذا الحديث: أي تدنو رحمته وكرامته، لا دنوّ مسافة ومماسّة. قال القاضي: يتأول فيه ما سبق في حديث النزول إلى السماء الدنيا، كما جاء في الحديث الآخر من غيظ الشيطان يوم عرفة؛ لما يرى من تنزّل الرحمة. قال القاضي: وقد يريد دنوّ الملائكة إلى الأرض، أو إلى السماء بما ينزل معهم من الرحمة، ومباهاة الملائكة بهم عن أمره
стр. 13230
انتهى ما ذكره النوويّ (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي ذكروه من تأويل هذا الحديث غير صحيح، والصواب إثبات صفة الدنوّ للَّه حقيقة، على ما يليق بجلاله، وإنما أداهم إلى هذا التأويل قياسهم الغائب بالشاهد، فظنوا أنهم لو أثبتوا ذلك له لزم تشبيهه سبحانه بخلقه، وهذا زعم باطل، فاللَّه سبحانه له الصفات العلى، لا تشبه الصفات، كما أن له ذات لا تشبه الذوات، فالمخلوق له ذاته، وصفاته الخاصّة به، والخالق له ذاته، وصفاته اللائقة به، ولا يلزم من هذا الإثبات تشبيه أصلاً، وقد ذكرنا غير مرّة أن مذهب السلف قاطبة في مثل هذا الحديث أن يؤمنوا به كما جاء، ويفوّضون الكيفية إلى اللَّه تعالى، فيؤمنون بأن للَّه تعالى دنوًّا حقيقيًّا، على ما يليق بجلاله، وكذلك له نزول كل ليلة إلى السماء الدنيا، وأن له استواءً على العرش كما يليق به، وغير ذلك مما أثبته لنفسه من الصفات، أو أثبته له رسوله ﷺ فيما صحّ عنه، وأن الدنوّ، والنزول، والاستواء معان معلومة لكلّ من يعرف كلام العرب، فهي ثابتة له تعالى، وإنما المجهول كيفيتها.
فالحقّ أن اللَّه له الدنوّ، والنزول، والاستواء، وغيرها من الصفات الثابتة له حقيقة، لا مجازًا، على كيفية يعلمها هو، لا نعلمها، وقد أشبعت الكلام على هذا البحث في غير هذا الموضع من هذا الشرح، وللَّه الحمد. واللَّه أعلم بالصواب.
(ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ) أي يفاخرهم بهم. وقال القرطبيّ: أي يثني عليهم عندهم، ويعظمهم بحضرتهم، كما في الحديث الآخر: "يقول للملائكة: انظروا إلى عبادي جاءوني شُعْثا غُبْرًا، أُشهدكم أني قد غفرت لهم" (٢). قال: وكأن هذا -واللَّه أعلم- تذكير للملائكة بقول: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] وإظهار لتحقيق قوله تعالى ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] انتهى كلام القرطبيّ (٣).
(وَيَقُولُ) (مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟) "ما" استفهامية، والاستفهام هنا للتعجّب، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ﴾.
قال القرطبيّ: أي إنما حملهم على ذلك حتى خرجوا من أوطانهم، وفارقوا أهاليهم، ولذّاتهم، ابتغاء مرضاتي، وامتئال أمري انتهى.
стр. 13231
وقال القاضي عياض: وقد وقع الحديث في "صحيح مسلم" مختصرًا، وذكره عبد الرزاق في "مسنده" من رواية ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -: "إن اللَّه ينزل إلى السماء الدنيا، فيباهي بهم الملائكة، يقول: هؤلاء عبادي، جاءوني شُعْثًا، غُبْرًا، يرجون رحمتي، ويخافون عذابي، ولم يروني، فكيف لو رأوني … " وذكر باقي الحديث.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لعل القاضي أراد بالاختصار كونه بمعناه، وإلا فلا معنى لدعوى اختصار حديث صحابيّ عن حديث صحابيّ آخر الاختصار المشهور عند المحدثين. واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ: أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ) النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى- (يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ يُونُسَ بْنَ يُوسُفَ، الَّذِي رَوَى عَنْهُ مَالِكٌ، وَاللَهُ تَعَالَى أَعْلَمُ) يعني أن يونس الذي في السند يشبه أن يكون يونس بن يوسف المدنيّ الذي روى عنه مالك، وهو كما قال، فقد صرّح به مسلم في "صحيحه" في سند هذا الحديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): فى درجته:
حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ١٩٤/ ٣٠٠٤ - وفي "الكبرى" ١٩٢/ ٣٩٩٦. وأخرجه (م) في "الحجّ" ١٣٤٨ (ق) في "المناسك" ٣٠١٤. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل يوم عرفة. قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذا الحديث ظاهر الدلالة في فضل يوم عرفة، وهو كذلك، ولو قال رجل: امرأتي طالق في أفضل الأيام، فلأصحابنا وجهان: أحدهما: تطلق يوم الجمعة؛ لقوله ﷺ : "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة"، كما سبق في "صحيح مسلم". وأصحّهما يوم عرفة؛ للحديث المذكور في هذا الباب، ويتأول حديث يوم الجمعة على أنه أفضل أيام الأسبوع انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث "خير يوم طلعت فيه الشمس … " تقدّم للمصنف -رحمه اللَّه تعالى- في "كتاب الجمعة" برقم ٤/ ١٣٧٣، وأشبعت القول فيه هناك، وللَّه الحمد والمنّة.
стр. 13232
(ومنها): عظيم منّ اللَّه على المؤمنين، واكرامه لهم، حيث يباهي بهم الملائكة لوقوفهم بعرفة. (ومنها): إثبات صفة الدنوّ للَّه على ما يليق بجلاله. (ومنها): إثبات صفة القول أيضًا كذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٩٥ - (النَّهْيُ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ)
٣٠٠٥ - (أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ فَضَالَةَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ -وَهُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ- قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُلَيٍّ, قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي, يُحَدِّثُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ, وَيَوْمَ النَّحْرِ, وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا -أَهْلَ الإِسْلَامِ- وَهِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عبيد اللَّه بن فَضَالة بن إبراهيم) النسائيّ، ثقة ثبت [١١] ١٧/ ٨٩٨.
٢ - (عبد اللَّه بن يزيد المقرىء) أبو عبد الرحمن المكيّ، بصريّ الأصل، أو الأهواز، ثقة فاضل، أقرأ القرآن نيفًا وسبعين سنة [٩] ٤/ ٧٤٦.
٣ - (موسى بن عُليّ) أبو عبد الرحمن المصريّ، صدوق ربّما أخطأ [٧] ٣١/ ٥٦٠.
٤ - (أبوه) عُلي بن رَبَاح اللَّخْميّ المصريّ، ثقة، من صغار [٣] ٣١/ ٥٦٠.
[تنبيه]: المشهور في عُليّ ضم العين المهملة مصغّرًا، وكان يغضب منه، وفي "تهذيب التهذيب" ٣/ ١٦١: قال الليث: قال عليّ بن رَباح: لا أجعل في حلّ من سمّاني عُليّ -أي بالضمّ- فإن اسمي عَليّ -أي بالفتح-. وقال المقرىء: كان بنو أميّة إذا سمعوا بمولود اسمه عليّ قتلوه، فبلغ ذلك رَبَاحًا، فقال: هو عُليّ، وكان يغضب من عُليّ، ويُحَرِّج على من سمّاه به: قال: وذكر ابن سعد، وابن معين أن أهل مصر يقولونه بفتح العين، وأن أهل العراق يقولونه بالضمّ. انتهى. واللَّه تعالى أعلم.
٥ - (عقبة بن عامر) الجهنيّ الصحابيّ الفقيه الفاضل، وَليَ إِمْرة مصر لمعاوية - رضي اللَّه تعالى عنه - ثلاث سنين، ومات - رضي اللَّه تعالى عنه - قرب الستّين، تقدّم في ١٠٨/ ١٤٤. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 13233
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين، غير شيخه، والمقرىء، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ") هو اليوم التاسع من ذي الحجة، وهي علمٌ، فلا يدخلها الألف واللام، وهي ممنوعة من الصرف؛ للتأنيث والعلميّة. ويقال لها: عرفات، وهي موضع وقوف الحجيج، ويقال: بينها وبين مكة نحو تسعة أميال، ويُعرب إعراب مسلمات، ومؤمنات، والتنوين تنوين المقابلة، كما في باب مسلمات، وليس بتنوين صرف؛ لوجود مقتضي المنع من الصرف، وهو العلميّة والتأنيث، ولهذا لا يدخلها الألف واللام. وبعضهم يقول: عرفة هي الجبل، وعرفات جمع عرفة، تقديرًا؛ لأنه يقال: وقفت بعرفة، كما يقال: بعرفات. أفاده الفيّوميّ (وَيَوْمَ النَّحْرِ) هو اليوم العاشر من ذي الحجة، سمي به؛ لأن نحر الهدايا والضحايا فيه (وَأَيَامَ التَّشْرِيقِ) هي ثلاثة أيام بعد يوم النحر، وسميت بذلك لأن لحوم الأضاحي والهدايا تُشَرَّق فيها، أي تُقَدَّد في الشَّرْقَة، وهي الشمس. وقيل: تشريقها: تقطيعها، وتشريحها. وقيل: لأن الهدي لا يُنحر حتى تَشرُق الشمس. وقيل: التشريق التكبير، وظهوره دبر كلّ صلاة (١) (عِيدُنَا) بالرفع خبر "إنّ"، والمراد أن هذه الأيام لا يجوز صيامها؛ لأن اللَّه تعالى أكرمنا بضيافته فيها، فلا ينبغي الإعراض عنها، كما يرشد إليه قوله ﷺ : "وهي أيام أكل وشرب". وقوله (أَهْلَ الْإسْلَامِ) منصوب على الاختصاص، أي أخصّ أهل الإسلام، كما قال ابن مالك ﵀ تعَالى في "خلاصته":
الاخْتِصَاصُ كَنِدَاء دُونَ يَا … كَأَيُّهَا الْفَتَى بِإِثْرِ ارْجُونِيَا
وَقَدْ يُرَى ذَا دُونَ أَي تِلْوَ "أَلْ" … كَمِثْلِ نَحْنُ الْعُرْبَ أَسْخَى مَنْ بَذَلْ
(وَهِيَ أَيَّامُ أَكَلٍ وَشُرْبٍ) قال الخطّابي -رحمه اللَّه تعالى-: وهذا كالتعليل لوجوب الإفطار فيها، فلا يجوز ضيامها تطوعًا، ولا نذرًا، ولا عن صوم التمتّع انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لكن نهي صومها مقيّد بالحاجّ؛ لما سيأتي قريبًا. وكذا قوله: "ولا عن صوم التمتّع" فيه نظر؛ فقد صحّ استثاؤه أيضًا، كما سيأتي قريبًا إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 13234
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عقبة بن عامر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ١٩٥/ ٣٠٠٥ - وفي "الكبرى" ١٩١/ ٣٩٩٥. وأخرجه (د) في " الصوم" ٢٤١٩ (ت) في "الصوم" ٧٧٣ (أحمد) في "مسند الشاميين" ١٦٩٢٨ (الدارميّ) في "الصوم" ١٧٦٤. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان النهي عن صوم يوم عرفة، وسيأتي في المسألة التالية الجمع بين الأدلة المتعارضة فيه، إن شاء اللَّه تعالى.
(ومنها): تحريم صوم يوم النحر، وهذا مجمع عليه بين أهل العلم. (ومنها): تحريم صوم أيام التشريق، وهذا فيه خلاف سيأتي بيانه قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): بيان حكمة تحريم صوم هذه الأيام، وهو كونها عيدًا، والعيد موسم ضيافة اللَّه تعالى لعباده المسلمين، فينبغي لهم أن يتمتعوا بالأكل والشرب، ونحوهما. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة) في اختلاف أهل العلم في حكم صوم عرفة:
ذهب الجمهور، ومنهم: أبو حنيفة، ومالك، والشافعيّ، والثوريّ، وغيرهم إلى أنه يستحبّ فطر يوم عرفة للحاجّ. وهو قول أبي بكر، وعمر، وعثمان بن عفّان، وابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهم -، فقد سئل ابن عمر عن صوم يوم عرفة؟، فقال: حججت مع النبيّ ﷺ ، فلم يصمه، وحججت مع أبي بكر، فلم يصمه، وحججت مع عمر، فلم يصمه، وحججت مع عثمان، فلم يصمه، وأنا لا أصوم، ولا آمر به، ولا أنهى عنه. رواه الدراميّ.
والنهي في حديث الباب محمول على الكراهة. قال الخطّابيّ: هذا نهي استحباب، وإنما نهى المحرم عن ذلك خوفًا عليه أن يضعف عن الدعاء، والابتهال في ذلك المقام، فأما من وجد قوّة لا يخاف معها ضعفًا، فصوم ذلك اليوم أفضل له.
وذهب بعضهم إلى استحباب صومه، حكاه ابن المنذر عن ابن الزبير، وعثمان بن أبي العاص، وعائشة، وإسحاق بن راهويه. ولعلهم حملوا النهي على من يُضعفه الصوم عن الأعمال.
واستحب عطاء صومه في الشتاء، وكرهه في الصيف؛ لأن كراهة صومه معلّلة
стр. 13235
بالضعف، فإذا قوي، أو كان في الشتاء، ولم يضعف زالت الكراهة. ولا وجه لهذه التفرقة.
قال الحافظ في "الفتح": ومذهب الجمهور يستحب فيه الصوم، وإن كان حاجًّا إلا من يضعفه الصوم عن الوقوف بعرفات، ويكون مُخِلاً له في الدعوات، واحتجّوا بحديث أبي قتادة - رضي اللَّه تعالى عنه -: "صيام يوم عرفة أحتسب على اللَّه أن يكفّر السنة التي قبله، والسنة التي بعده". رواه مسلم. انتهى.
وأما حديث عقبة بن عامر - رضي اللَّه تعالى عنه - المذكور، فأجابوا عنه أنه ليس فيه نهي صريح عن صوم يوم عرفة، وكونه عيدًا لا ينافي الصوم، مع أنه مختصّ بأهل عرفة، والظاهر أن قوله: "أيام أكل، وشرب" راجع إلى يوم النحر، وأيام التشريق.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "الظاهر أن قوله الخ" فيه نظر لا يخفى؛ لأن الظاهر أنه راجع للكل، فالأرجح أن صوم يوم عرفة إنما يُستحبّ لغير من كان بعرفات حاجّاً؛ لأن حديث عقبة - رضي اللَّه تعالى عنه - المذكور في الباب ظاهر في ذلك. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: قيل: الحكمة في ذلك أنه ربّما كان مؤدّيًا إلى الضعف عن الدعاء والذكر، والقيام بأعمال الحجّ في ذلك اليوم. وقيل: الحكمة أنه يوم عيد لأهل الموقف لاجتماعهم فيه.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول الثاني هو الظاهر، لظاهر حديث عقبة بن عامر - رضي اللَّه تعالى عنه - المذكور في الباب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٩٦ - (الرَّوَاحُ يَوْمِ عَرَفَةَ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أراد بالرَّوَاح هنا الذهاب، قال الفيّوميّ: راح يَرُوح رَوَاحًا، وتروح مثله، يكون بمعني الغُدُوّ، وبمعنى الرجوع، وقد طابق بينهما في قوله تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ الآية [سبأ: ١٢] أي ذهابها ورجوعها، وقد يتوهّم بعض الناس أن الرواح لا يكون إلا في آخر النهار، وليس كذلك، بل الرواح، والغدوّ