← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 13231–13270 · переход к 13236.

стр. 13231

وقال القاضي عياض: وقد وقع الحديث في "صحيح مسلم" مختصرًا، وذكره عبد الرزاق في "مسنده" من رواية ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -: "إن اللَّه ينزل إلى السماء الدنيا، فيباهي بهم الملائكة، يقول: هؤلاء عبادي، جاءوني شُعْثًا، غُبْرًا، يرجون رحمتي، ويخافون عذابي، ولم يروني، فكيف لو رأوني … " وذكر باقي الحديث. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لعل القاضي أراد بالاختصار كونه بمعناه، وإلا فلا معنى لدعوى اختصار حديث صحابيّ عن حديث صحابيّ آخر الاختصار المشهور عند المحدثين. واللَّه تعالى أعلم. (قَالَ: أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ) النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى- (يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ يُونُسَ بْنَ يُوسُفَ، الَّذِي رَوَى عَنْهُ مَالِكٌ، وَاللَهُ تَعَالَى أَعْلَمُ) يعني أن يونس الذي في السند يشبه أن يكون يونس بن يوسف المدنيّ الذي روى عنه مالك، وهو كما قال، فقد صرّح به مسلم في "صحيحه" في سند هذا الحديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): فى درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ١٩٤/ ٣٠٠٤ - وفي "الكبرى" ١٩٢/ ٣٩٩٦. وأخرجه (م) في "الحجّ" ١٣٤٨ (ق) في "المناسك" ٣٠١٤. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل يوم عرفة. قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذا الحديث ظاهر الدلالة في فضل يوم عرفة، وهو كذلك، ولو قال رجل: امرأتي طالق في أفضل الأيام، فلأصحابنا وجهان: أحدهما: تطلق يوم الجمعة؛ لقوله ﷺ : "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة"، كما سبق في "صحيح مسلم". وأصحّهما يوم عرفة؛ للحديث المذكور في هذا الباب، ويتأول حديث يوم الجمعة على أنه أفضل أيام الأسبوع انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث "خير يوم طلعت فيه الشمس … " تقدّم للمصنف -رحمه اللَّه تعالى- في "كتاب الجمعة" برقم ٤/ ١٣٧٣، وأشبعت القول فيه هناك، وللَّه الحمد والمنّة.

стр. 13232

(ومنها): عظيم منّ اللَّه على المؤمنين، واكرامه لهم، حيث يباهي بهم الملائكة لوقوفهم بعرفة. (ومنها): إثبات صفة الدنوّ للَّه على ما يليق بجلاله. (ومنها): إثبات صفة القول أيضًا كذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٩٥ - (النَّهْيُ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ) ٣٠٠٥ - (أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ فَضَالَةَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ -وَهُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ- قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُلَيٍّ, قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي, يُحَدِّثُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ, وَيَوْمَ النَّحْرِ, وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا -أَهْلَ الإِسْلَامِ- وَهِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عبيد اللَّه بن فَضَالة بن إبراهيم) النسائيّ، ثقة ثبت [١١] ١٧/ ٨٩٨. ٢ - (عبد اللَّه بن يزيد المقرىء) أبو عبد الرحمن المكيّ، بصريّ الأصل، أو الأهواز، ثقة فاضل، أقرأ القرآن نيفًا وسبعين سنة [٩] ٤/ ٧٤٦. ٣ - (موسى بن عُليّ) أبو عبد الرحمن المصريّ، صدوق ربّما أخطأ [٧] ٣١/ ٥٦٠. ٤ - (أبوه) عُلي بن رَبَاح اللَّخْميّ المصريّ، ثقة، من صغار [٣] ٣١/ ٥٦٠. [تنبيه]: المشهور في عُليّ ضم العين المهملة مصغّرًا، وكان يغضب منه، وفي "تهذيب التهذيب" ٣/ ١٦١: قال الليث: قال عليّ بن رَباح: لا أجعل في حلّ من سمّاني عُليّ -أي بالضمّ- فإن اسمي عَليّ -أي بالفتح-. وقال المقرىء: كان بنو أميّة إذا سمعوا بمولود اسمه عليّ قتلوه، فبلغ ذلك رَبَاحًا، فقال: هو عُليّ، وكان يغضب من عُليّ، ويُحَرِّج على من سمّاه به: قال: وذكر ابن سعد، وابن معين أن أهل مصر يقولونه بفتح العين، وأن أهل العراق يقولونه بالضمّ. انتهى. واللَّه تعالى أعلم. ٥ - (عقبة بن عامر) الجهنيّ الصحابيّ الفقيه الفاضل، وَليَ إِمْرة مصر لمعاوية - رضي اللَّه تعالى عنه - ثلاث سنين، ومات - رضي اللَّه تعالى عنه - قرب الستّين، تقدّم في ١٠٨/ ١٤٤. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 13233

لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين، غير شيخه، والمقرىء، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ") هو اليوم التاسع من ذي الحجة، وهي علمٌ، فلا يدخلها الألف واللام، وهي ممنوعة من الصرف؛ للتأنيث والعلميّة. ويقال لها: عرفات، وهي موضع وقوف الحجيج، ويقال: بينها وبين مكة نحو تسعة أميال، ويُعرب إعراب مسلمات، ومؤمنات، والتنوين تنوين المقابلة، كما في باب مسلمات، وليس بتنوين صرف؛ لوجود مقتضي المنع من الصرف، وهو العلميّة والتأنيث، ولهذا لا يدخلها الألف واللام. وبعضهم يقول: عرفة هي الجبل، وعرفات جمع عرفة، تقديرًا؛ لأنه يقال: وقفت بعرفة، كما يقال: بعرفات. أفاده الفيّوميّ (وَيَوْمَ النَّحْرِ) هو اليوم العاشر من ذي الحجة، سمي به؛ لأن نحر الهدايا والضحايا فيه (وَأَيَامَ التَّشْرِيقِ) هي ثلاثة أيام بعد يوم النحر، وسميت بذلك لأن لحوم الأضاحي والهدايا تُشَرَّق فيها، أي تُقَدَّد في الشَّرْقَة، وهي الشمس. وقيل: تشريقها: تقطيعها، وتشريحها. وقيل: لأن الهدي لا يُنحر حتى تَشرُق الشمس. وقيل: التشريق التكبير، وظهوره دبر كلّ صلاة (١) (عِيدُنَا) بالرفع خبر "إنّ"، والمراد أن هذه الأيام لا يجوز صيامها؛ لأن اللَّه تعالى أكرمنا بضيافته فيها، فلا ينبغي الإعراض عنها، كما يرشد إليه قوله ﷺ : "وهي أيام أكل وشرب". وقوله (أَهْلَ الْإسْلَامِ) منصوب على الاختصاص، أي أخصّ أهل الإسلام، كما قال ابن مالك ﵀ تعَالى في "خلاصته": الاخْتِصَاصُ كَنِدَاء دُونَ يَا … كَأَيُّهَا الْفَتَى بِإِثْرِ ارْجُونِيَا وَقَدْ يُرَى ذَا دُونَ أَي تِلْوَ "أَلْ" … كَمِثْلِ نَحْنُ الْعُرْبَ أَسْخَى مَنْ بَذَلْ (وَهِيَ أَيَّامُ أَكَلٍ وَشُرْبٍ) قال الخطّابي -رحمه اللَّه تعالى-: وهذا كالتعليل لوجوب الإفطار فيها، فلا يجوز ضيامها تطوعًا، ولا نذرًا، ولا عن صوم التمتّع انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لكن نهي صومها مقيّد بالحاجّ؛ لما سيأتي قريبًا. وكذا قوله: "ولا عن صوم التمتّع" فيه نظر؛ فقد صحّ استثاؤه أيضًا، كما سيأتي قريبًا إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 13234

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عقبة بن عامر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ١٩٥/ ٣٠٠٥ - وفي "الكبرى" ١٩١/ ٣٩٩٥. وأخرجه (د) في " الصوم" ٢٤١٩ (ت) في "الصوم" ٧٧٣ (أحمد) في "مسند الشاميين" ١٦٩٢٨ (الدارميّ) في "الصوم" ١٧٦٤. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان النهي عن صوم يوم عرفة، وسيأتي في المسألة التالية الجمع بين الأدلة المتعارضة فيه، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): تحريم صوم يوم النحر، وهذا مجمع عليه بين أهل العلم. (ومنها): تحريم صوم أيام التشريق، وهذا فيه خلاف سيأتي بيانه قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): بيان حكمة تحريم صوم هذه الأيام، وهو كونها عيدًا، والعيد موسم ضيافة اللَّه تعالى لعباده المسلمين، فينبغي لهم أن يتمتعوا بالأكل والشرب، ونحوهما. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة) في اختلاف أهل العلم في حكم صوم عرفة: ذهب الجمهور، ومنهم: أبو حنيفة، ومالك، والشافعيّ، والثوريّ، وغيرهم إلى أنه يستحبّ فطر يوم عرفة للحاجّ. وهو قول أبي بكر، وعمر، وعثمان بن عفّان، وابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهم -، فقد سئل ابن عمر عن صوم يوم عرفة؟، فقال: حججت مع النبيّ ﷺ ، فلم يصمه، وحججت مع أبي بكر، فلم يصمه، وحججت مع عمر، فلم يصمه، وحججت مع عثمان، فلم يصمه، وأنا لا أصوم، ولا آمر به، ولا أنهى عنه. رواه الدراميّ. والنهي في حديث الباب محمول على الكراهة. قال الخطّابيّ: هذا نهي استحباب، وإنما نهى المحرم عن ذلك خوفًا عليه أن يضعف عن الدعاء، والابتهال في ذلك المقام، فأما من وجد قوّة لا يخاف معها ضعفًا، فصوم ذلك اليوم أفضل له. وذهب بعضهم إلى استحباب صومه، حكاه ابن المنذر عن ابن الزبير، وعثمان بن أبي العاص، وعائشة، وإسحاق بن راهويه. ولعلهم حملوا النهي على من يُضعفه الصوم عن الأعمال. واستحب عطاء صومه في الشتاء، وكرهه في الصيف؛ لأن كراهة صومه معلّلة

стр. 13235

بالضعف، فإذا قوي، أو كان في الشتاء، ولم يضعف زالت الكراهة. ولا وجه لهذه التفرقة. قال الحافظ في "الفتح": ومذهب الجمهور يستحب فيه الصوم، وإن كان حاجًّا إلا من يضعفه الصوم عن الوقوف بعرفات، ويكون مُخِلاً له في الدعوات، واحتجّوا بحديث أبي قتادة - رضي اللَّه تعالى عنه -: "صيام يوم عرفة أحتسب على اللَّه أن يكفّر السنة التي قبله، والسنة التي بعده". رواه مسلم. انتهى. وأما حديث عقبة بن عامر - رضي اللَّه تعالى عنه - المذكور، فأجابوا عنه أنه ليس فيه نهي صريح عن صوم يوم عرفة، وكونه عيدًا لا ينافي الصوم، مع أنه مختصّ بأهل عرفة، والظاهر أن قوله: "أيام أكل، وشرب" راجع إلى يوم النحر، وأيام التشريق. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "الظاهر أن قوله الخ" فيه نظر لا يخفى؛ لأن الظاهر أنه راجع للكل، فالأرجح أن صوم يوم عرفة إنما يُستحبّ لغير من كان بعرفات حاجّاً؛ لأن حديث عقبة - رضي اللَّه تعالى عنه - المذكور في الباب ظاهر في ذلك. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: قيل: الحكمة في ذلك أنه ربّما كان مؤدّيًا إلى الضعف عن الدعاء والذكر، والقيام بأعمال الحجّ في ذلك اليوم. وقيل: الحكمة أنه يوم عيد لأهل الموقف لاجتماعهم فيه. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول الثاني هو الظاهر، لظاهر حديث عقبة بن عامر - رضي اللَّه تعالى عنه - المذكور في الباب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٩٦ - (الرَّوَاحُ يَوْمِ عَرَفَةَ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أراد بالرَّوَاح هنا الذهاب، قال الفيّوميّ: راح يَرُوح رَوَاحًا، وتروح مثله، يكون بمعني الغُدُوّ، وبمعنى الرجوع، وقد طابق بينهما في قوله تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ الآية [سبأ: ١٢] أي ذهابها ورجوعها، وقد يتوهّم بعض الناس أن الرواح لا يكون إلا في آخر النهار، وليس كذلك، بل الرواح، والغدوّ

стр. 13236

عند العرب يُستعملان في المسير أيّ وقت كان من ليل أو نهار. قاله الأزهريّ وغيره (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٠٠٦ - (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: أَخْبَرَنِي أَشْهَبُ, قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكٌ, أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ حَدَّثَهُ, عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ إِلَى الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ, يَأْمُرُهُ أَنْ لَا يُخَالِفَ ابْنَ عُمَرَ, فِي أَمْرِ الْحَجِّ, فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ, جَاءَهُ ابْنُ عُمَرَ, حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ, وَأَنَا مَعَهُ, فَصَاحَ عِنْدَ سُرَادِقِهِ, أَيْنَ هَذَا؟ , فَخَرَجَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ, وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُعَصْفَرَةٌ, فَقَالَ لَهُ: مَا لَكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ, قَالَ: الرَّوَاحَ, إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ, فَقَالَ لَهُ: هَذِهِ السَّاعَةَ؟ , فَقَالَ لَهُ: نَعَمْ, فَقَالَ: أُفِيضُ عَلَيَّ مَاءً, ثُمَّ أَخْرُجُ إِلَيْكَ, فَانْتَظَرَهُ, حَتَّى خَرَجَ, فَسَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي, فَقُلْتُ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُصِيبَ السُّنَّةَ, فَاقْصُرِ الْخُطْبَةَ, وَعَجِّلِ الْوُقُوفَ, فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى ابْنِ عُمَرَ, كَيْمَا يَسْمَعَ ذَلِكَ مِنْهُ, فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ قَالَ: صَدَقَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يونس بن عبد الأعلى) الصدفيّ المصريّ، ثقة، من صغار [١٠] ١٤٤٩. ٢ - (أشهب) بن عبد العزيز بن داود القيسيّ، أبو عمرو المصريّ، يقال: اسمه مسكين، ثقة فقيه [١٠] ١٥١/ ٢٤٢. ٣ - (مالك) بن أنس الإمام الحجة الثبت الفقيه المدنيّ [٧] ٧/ ٧. ٤ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الإمام الحجة الحافظ الفقيه [٤] ١/ ١. ٥ - (سالم بن عبد اللَّه) بن عمر العَدَوِيُّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٢٣/ ٤٩٠. ٦ - (ابن عمر) بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وأشهب، فمصريّان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه سالم أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 13237

شرح الحديث (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمر، أنه (قَالَ: كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ) الأمويّ الخليفة (إِلَى اَلْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ) الثقفي حين أرسله إلى قتال ابن الزبير - رضي اللَّه تعالى عنهما - (يَأْمُرُهُ) جملة في محلّ نصب على الحال، أي حال كونه آمرًا له (أَنْ لَا) نافية (يُخَالِفَ) عبد اللَّه (ابْنَ عُمَرَ) بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنهما - (فِي أَمْرِ الْحَجِّ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ) "كان" هنا تامّة، و"عرفة" مرفوع على الفاعليّة (جَاءَهُ ابْنُ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، وَأَنَا مَعَهُ) القائل هو سالم، ووقع في رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ: "فركب هو وسالم، وأنا معهما"، وفي روايته: "قال ابن شهاب: وكنت يومئذ صائمًا، فلقيت من الحرّ شدّة". واختلف الحفّاظ في رواية معمر هذه، فقال يحيى بن معين: هي وَهَمٌ، ابن شهاب لم ير ابن عمر، ولا سمع منه. وقال الذهليّ: لست أدفع رواية معمر؛ لأن ابن وهب روى عن العمريّ، عن ابن شهاب نحوَ رواية معمر. وروى عنبسة بن خالد، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: "وفَدت إلى مروان، وأنا محتلم". قال الذهليّ: ومروان مات سنة خمس وستين، وهذه القصّة كانت سنة ثلاث وسبعين انتهى. وقال غيره: إن رواية عنبسة هذه أيضًا وَهَمٌ، وإنما قال الزهريّ: وفدت على عبد الملك، ولو كان الزهريّ وفد على مروان لأدرك جلّة الصحابة، ممن ليست له عنهم رواية إلا بواسطة، وقد أدخل مالك، وعُقيلٌ -وإليهما المرجع في حديث الزهريّ- بينه وبين ابن عمر في هذه القصّة سالمًا، فهذا هو المعتمد. قاله في "الفتح" (١). (فَصَاحَ عِنْدَ سُرَادِقِهِ) أي خيمة الحجّاج (أَيْنَ هَذَا؟) أي قائلاً أين هذا، يعني الحجّاج (فَخَرَجَ اِلَيْهِ الْحَجَّاجُ، وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ) بكسر الميم: أي إزار كبيرٌ (مُعَصْفَرَةٌ) أي مصبوغة بالعصفر (فَقَالَ لَهُ: مَما لَكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هي كنية ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - (قَالَ: الرَّوَاحَ) أي قال ابن عمر: الرواح، وهو منصوب على أنه مفعول لفعل محذوف، أي عجّل الرواح، وهو بالفتح: الذهاب (إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ) وفي رواية: "إن كنت تريد أن تصيب السنة" (فَقَالَ: لَهُ: هَذِهِ السَّاعَةَ؟) أي قال الحجّاج السنة في هذه الساعة؟ (فَقَالَ لَهُ) ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - (نَعَمْ) أي السنة الرواح في الساعة (فَقَالَ) الحجاج (أُفِيضُ) بضم الهمزة، أي أصب. وفي رواية البخاريّ: "فأنظرني حتى أفيض على رأسي، ثم أخرجَ". قال في "الفتح": قوله: "فأنظرني" بالهمزة، وكسر الضاء

стр. 13238

المعجمة: أي أخّرني، وللكشميهنيّ بألف، وضم الظاء: أي انتظرني انتهى (عَلَيَّ مَاءً) أراد ماء الغسل (ثُمَّ أَخْرُجُ إِلَيْكَ، فَانْتَظَرَهُ) ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - (حَتَّى خَرَجَ، فَسَارَ بَينِي وَبَينَ أَبِيِ) يعني أن الحجاج سار بين سالم وعبد اللَّه بن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - (فَقُلْتُ) القائل سالم (إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُصِيبَ السُّنَّةَ، فَأَقْصِرِ الْخُطْبَةَ) بهمزة الوصل، وكسر الصاد المهملة (وَعَجِّلِ الْوُقُوفَ) قال الحافظ ابن عبد البرّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: كذا رواه القعنبيّ، وأشهب، وهو عندي غلطٌ؛ لأن أكثر الرواة عن مالك قالوا: "وعجّل الصلاة"، قال: ورواية القعنبيّ لها وجه؛ لأن تعجيل الوقوف يستلزم تعجيل الصلاة. انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد وافق أشهبَ، والقعنبيَّ عبد اللَّه بن يوسف عند البخاريّ، فالظاهر -كما قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- أن الاختلاف فيه من مالك، وكأنه ذكره باللازم؛ لأن الغرض بتعجيل الصلاة حينئذ تعجيل الوقوف. واللَّه تعالى أعلم. (فَجَعَلَ) الحجّاج (يَنْظُرُ إِلَى ابْنِ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (كَيْمَا يَسْمَعَ ذَلِكَ مِنْهُ) أي ليسمع ما قاله سالم من ابن عمر (فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ ابْنُ عُمَر) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (قَالَ: صَدَقَ) أي صدق سالم فيما قاله من أن السنة قصر الخطبة، وتعجيل الوقوف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٩٦/ ٣٠٠٦ - و٢٠٠/ ٣٠١٠ - وفي "الكبرى" ١٩٣/ ٣٩٩٨ و ١٩٧/ ٤٠٠٣. وأخرجه (خ) في "الحجّ" ١٦٦٠ و ١٦٦٣ (الموطأ) في "الحجّ"٩١١. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان استحباب الرواح يوم عرفة. (ومنها): الغسل للوقوف بعرفة؛ لطلب الحجاج من ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - أن ينتظره حتى يغتسل، فانتظره، وأهل العلم يستحبّونه. قاله ابن بطال. قال الحافظ: ويحتمل أن يكون ابن عمر انتظره لحمله على أن اغتساله عن ضرورة. نعم روى مالك في "الموطّإ" عن نافع أن ابن عمر كان يغتسل لوقوفه عشيّة عرفة. (ومنها):

стр. 13239

ما قاله الطحاوي: فيه حجة لمن أجاز لبس المعصفر للمحرم. وتعقّبه ابن المنيّر في "الحاشية" بأن الحجّاج لم يكن يتّقي المنكر الأعظم من سفك الدماء وغيره حتى يتّقي المعصفر، وإنما لم ينهه ابن عمر لعلمه بأنه لا ينجع فيه النهي، ولعلمه بأن الناس لا يقتدون بالحجّاج انتهى ملخّصًا. قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأن الاحتجاج إنما هو بعدم إنكار ابن عمر، فبعد إنكاره يتمسّك الناس في اعتقاد الجواز، وقد تقدّم الكلام على مسألة المعصفر في بابه. (ومنها): ما قاله المهلّب: فيه جواز تأمير الأدون على الأفضل. وتعقّبه ابن المنيّر أيضًا بأن صاحب الأمر في ذلك هو عبد الملك، وليس بحجة، ولا سيما في تأمير الحجاج، وأما ابن عمر، فإنما أطاع لذلك فرارًا من الفتنة. و (منها): ما قاله ابن عبد البرّ: هذا الحديث يدخل عندهم في المسند؛ لأن المراد سنّة رسول اللَّه ﷺ إذا أطلقت، ما لم تضف إلى صاحبها، كسنة العمرين. قال الحافظ: وهي مسألة خلافية عند أهل الحديث والأصول، وجمهورهم على ما قال ابن عبد البرّ، وهي طريقة البخاريّ ومسلم، ويقويه قول سالم لابن شهاب، إذ قال له: "أفعل ذلك رسول اللَّه ﷺ ؟ فقال: وهل تتبعون إلا سنته". رواه البخاريّ. واللَّه تعالى أعلم. (ومنها): أن إقامة الحجّ إلى الخلفاء، ومن جعلوا ذلك إليه، وهو واجب عليهم، فعليهم أن يقيموا من كان عالما به. (ومنها): أن الأمير يعمل في الدين بقول أهل العلم، ويصير إلى رأيهم. (ومنها): أن فيه مُداخلة العلماء السلاطين، وأنه لا نقيصة عليهم في ذلك. (ومنها): فتوى التلميذ بحضرة معلمه عند السلطان وغيره. (ومنها): ابتداء العالم بالفتوى قبل أن يسأل عنه. (ومنها): تعليم الفاجر السنن لمنفعة الناس. (ومنها): احتمال المفسدة الخفيفة لتحصيل المنفعة الكبيرة، يؤخذ ذلك من مضيّ ابن عمر إلى الحجاج، وتعليمه. (ومنها): الحرص على نشر العلم لانتفاع الناس به. (ومنها): صحة الصلاة خلف الفاجر من الولاة ما لم تخرجه بدعته عن الإسلام. (ومنها): أن التوجّه إلى المسجد الذي بعرفة حين تزول الشمس للجمع بين الظهر والعصر في أول وقت الظهر سنة، ولا يضرّ التأخّر بقدر ما يشتغل به المرء من متعلّقات الصلاة كالغسل ونحوه. (ومنها): أن تعجيل الصلاة يوم عرفة سنة مجمع عليها في أول وقت الظهر، ثم يصلي العصر بِإِثْرِ السلام والفراغ. (ومنها): مشروعية الخطبة يوم عرفة، وأن السنّة فيها أن تكون قصيرة. (ومنها): المبادرة إلى الوقوف بعد الجمع بين الظهر والعصر في أول وقت الظهر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 13240

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٩٧ - (التَّلْبِيَةُ بِعَرَفَةَ) ٣٠٠٧ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ الأَوْدِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ, عَنْ مَيْسَرَةَ بْنِ حَبِيبٍ, عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِعَرَفَاتٍ, فَقَالَ: مَا لِي لَا أَسْمَعُ النَّاسَ يُلَبُّونَ؟ , قُلْتُ: يَخَافُونَ مِنْ مُعَاوِيَةَ, فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ فُسْطَاطِهِ, فَقَالَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ, فَإِنَّهُمْ قَدْ تَرَكُوا السُّنَّةَ مِنْ بُغْضِ عَلِيٍّ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أحمد بن عثمان بن حكيم الأوديّ) أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقة [١١] ١٦٠/ ٢٥٢. ٢ - (خالد بن مخلد) القطوانيّ، أبو الهيثم البجليّ مولاهم الكوفيّ، صدوق يتشيّع، وله أفراد، من كبار [١٠] ١٩٦/ ٣٠٧. ٣ - (علي بن صالح) بن صالح بن حيّ الهمدانيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقة عابد، أخو الحسن بن صالح [٧] ١٩٢/ ٣٠٧. ٤ - (ميسرة بن حبيب) النَّهْديّ -بفتح، فسكون- أبو حازم الكوفيّ، صدوق [٧] ١٣/ ٨٩٢. ٥ - (المنهال بن عمرو) الأسديّ مولاهم الكوفي، صدوقٌ ربما وهم [٥] ١٣/ ٨٩٢. ٦ - (سعيد بن جبير) الأسديّ الكوفىّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢٨/ ٤٣٦. ٧ - (ابن عباس) عبد اللَّه البحر الحبر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيّات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحَيح، غير ميسرة، فقد تفرّد به المصنف، وأبو داود، والترمذيّ. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، ومن المشهورين بالفتيا. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 13241

شرح الحديث (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) -رحمه اللَّه تعالى-، أنه (قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاس) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (بعَرَفَاتِ، فَقَالَ: مَا لِي لَا أَسْمَعُ النَّاسَ يُلَبُّونَ؟، قُلْتُ: يَخَافُونَ مِنْ مُعَاوِيَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، ولعله -واللَّه أعلم- لا يرى التلبية في عرفة، ويُعْتَذَرُ عنه بأنه لم يعلم بالسنة (فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (مِنْ فُسْطَاطِهِ) بضم الفاء، وكسره: بيتٌ من الشعر، جمعه فَساطيط (فَقَالَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ تَرَكُوا السُّنَّةَ مِنْ بُغضِ عَلِيٍّ) - رضي اللَّه تعالى عنه -. يعني أنه كان يتقيّد بالسنة، فكان يلبّي يوم عرفة. وهذا الذي قاله ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - يحتمل أن يكون لما رأى معاوية - رضي اللَّه تعالى عنه - ترك التلبية بعرفة ظنّ أن تركه لبغض عليّ - رضي اللَّه تعالى - عنه -، والظن قد يخطىء. والذي يظهر أن معاوية إنما تركه لعدم علمه بسنية التلبية فيها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. والحديث صحيح الإسناد، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا - ١٩٧/ ٣٠٠٧ - فقط. ودلالته على الترجمة واضحة، حيث إن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - قال: "تركوا السنة"، وقد سبق قريبًا أن قول الصحابيّ: "من السنة كذا" له حكم الرفع، عند جماهير المحدّثين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٩٨ - (الْخُطْبَةُ بِعَرَفَةَ قَبْلَ الصَّلَاةِ) ٣٠٠٨ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُبَيْطٍ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَخْطُبُ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ, بِعَرَفَةَ, قَبْلَ الصَّلَاةِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عمرو بن عليّ) الفلّاس البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/ ٤. ٢ - (يحيى) بن سعيد بن فرّوخ القطّان البصريّ الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/ ٤. ٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ الإمام الحجة الثبت الكوفيّ [٧] ٣٣/ ٣٧. ٤ - (سلمة نُبيط) -بنون، وموحّدة، مصغّرًا- ابن شَرِيط -بفتح المعجمة- ابن أنس

стр. 13242

الأشجعيّ، أبو فِرَاس الكوفيّ، ثقة، يقال: اختلط [٥]. وثّقه أحمد، وأبو داود، وابن معين، والنسائيّ، والعجليّ، وعثمان بن أبي شيبة، وابن حبّان. وقال أبو حاتم: صالح ما به بأس. وكان وكيع يفتخر به، يقول: حدثنا سلمة بن نُبيط، وكان ثقة. وقال محمد بن عبد اللَّه بن نُمير: من الثقات، كان أبو نعيم يفتخر به. وقال البخاريّ: يقال: اختلط بأخرة. روى له أبو داود، والترمذيّ في "الشمائل"، والمصنّف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده بعده. ٥ - (أبوه) نُبيط بن شَريط -الأول بالتصغير، والثاني بفتح الشين المعجمة- الأشجعيّ الكوفيّ، صحابيّ صغير، يكنى أبا سلمة. رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعن سالم بن عُبيد، وأنس بن مالك. وعنه ابنه سلمة، ونعيم بن أبي هند، وأبو مالك الأشجعيّ. قال ابن أبي حاتم: نُبيط بن شَريط الأشجعيّ الكوفيّ والد سلمة بن نُبيط، له صحبة، وهو نُبيط بن شريط بن جابر، من بني مالك بن النجّار، زوّجه النبيّ ﷺ الفريعة بنت أسعد بن زُرارة، وبقي نُبيط بعد النبيّ ﷺ زمانًا. قال عثمان الدراميّ: سألت ابن معين عن نبيط ابن شَريط؟ فقال: هو أبو سلمة ثقة. كذا قال ابن أبي حاتم: وقد فرق ابن عبد البرّ في "الصحابة" بين نُبيط بن شَريط بن أنس بن هلال الأشجعيّ، وبين نُبيط بن جابر الأنصاريّ النجاريّ، وهو الصواب. قال الحافظ: واعتمد صاحب "الكمال" قول ابن حاتم، فقال: إن اسم شَرِيط جابر، وهذا ليس بشيء؛ لأن الأشجعيّ، والنجّاريّ لا يجتمعان في نسب واحد. وممن فرّق بينهما ابن سعد، فذكر نُبيط بن جابر فيمن شهد أحدًا. وأما أبو القاسم البغويّ، فقال في نُبيط بن جابر: ليس له حديث، وقال في نُبيط بعد أن أورد له حديثه أنه قال: كنت مع أبي في حجة الوداع الحديث: لا أعلم له غير هذا انتهى. وإنما قال ابن معين فيه: إنه ثقة، لأنه ليس له عنده إلا مجرّد الرؤية، فبنى على أنه تابعيّ. انتهى. روى له أبو داود، والترمذيّ في "الشمائل"، والمصنّف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده بعده. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير سلمة بن نُبَيْط وأبيه، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، ويحيى، فبصريان. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. (ومنها): أن صحابيه من المقلّين من الرواية، فليس له إلا هذا الحديث عند المصنّف، وأبي داود، وابن ماجه كما مرّ آنفًا. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 13243

شرح الحديث (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُبَيْطِ، عَنْ أَبِيهِ) هكذا عند المصنف بدون واسطة، وهو الصحيح، ووقع عند أبي داود: "عن سلمة بن نبيط، عن رجل من الحيّ، عن أبيه نبيط"، فأدخل واسطة بين سلمة، وأبيه، والصحيح الأول، فقد وقع التصريح بالتحديث في رواية أحمد من طريق عبد الحميد بن عبد الرحمن الْحِمّانيّ، قال: ثنا سلمة بن نبيط، قال: كان أبي، وجدّي، وعمّي مع النبيّ ﷺ ، قال: أخبرني أبي، قال: رأيت النبيّ ﷺ يخطب عشية عرفة على جمل أحمر … " (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ ، يَخْطُبُ عَلَى جَمَل أَحْمَرَ) [فإن قلت]: هذا الحديث يعارض ما ثبت في حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - الطويل أنه ﷺ كان يخطب على ناقته القصواء، ونحوه في حديث أسامة - رضي اللَّه تعالى عنه - الآتي بعد ثلاثة أبواب، فكيف يجمع بينهما؟. [أجيب]: بأنه يحتمل أن نُبيطًا رآه ﷺ على بُعْد، فظنّ أنه على بعير، فأخبر به. ويحتمل أنه ﷺ فعل الاثنين؛ لطول وقت الوقوف فركب ناقة، ثم جملاً، أو بالعكس؛ تخفيفًا على الدابّة. واللَّه تعالى أعلم. (بعَرَفَةَ، قَبْلَ الصَّلَاةِ) فيه أن محلّ الخطبة قبل الصلاة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث نُبيط بن شريط - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا ١٩٨/ ٣٠٠٨ - وفي "الكبرى" ١٩٥/ ٤٠٠٠. وأخرجه (د) في "المناسك" ١٩١٦ (ق) في "المناسك" ١٢٨٦ (أحمد) في "مسند الكوفيين"١٨٢٤٦ و ١٨٢٤٨. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو استحباب الخطبة بعرفة قبل الصلاة. قال الزرقانيّ: في الحديث أنه يستحبّ للإمام أن يخطب يوم عرفة في هذا الموضع، وبه قال الجمهور، والمدنيّون، والمغاربة من المالكيّة، وهو المشهور، فقول النوويّ: خالف المالكيّة. فيه نظر، إنما هو قول العراقيين منهم، والمشهور خلافه، واتفق الشافعيّة أيضًا على استحبابها خلافًا لما توهّمه عياض، والقرطبيّ انتهى.

стр. 13244

قال النوويّ: ومذهب الشافعيّ أن في الحجّ أربع خطب مسنونة: إحداها يوم السابع من ذي الحجة يخطب عند الكعبة بعد صلاة الظهر. والثانية هذه التي ببطن عرنة يوم عرفة. والثالثة يوم النحر. والرابعة يوم النفر الأول، وهو اليوم الثاني من أيام التشريق. قال أصحابنا: وكلّ هذه الخطب أفراد، وبعد الظهر إلا التي يوم عرفات، فإنها خطبتان، وقبل الصلاة، قال أصحابنا: ويعلّمهم في كلّ خطبة من هذه ما يحتاجون إليه إلى الخطبة الأخرى. واللَّه أعلم انتهى كلام النوويّ (١). وعند الحنفيّة في الحجّ ثلاث خطب أولاها وثانيتها ما ذكره النوويّ، وثالثها بمنى في اليوم الحادي عشر، فيفصل بين كلّ خطبتين بيوم، وكلها سنة. والراجح في تعيين أيام الخطبة هو ما ذهب إليه الشافعية (٢)، كما سبق في كلام النوويّ. واللَّه تعالى أعلم. (ومنها): استحباب وقوف الإمام على الدابة؛ ليراه الناس، فيتعلّموا منه أفعال الحجّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٩٩ - (الْخُطْبَةُ يَوْمَ عَرَفَةَ عَلَى النَّاقَةِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث الذي أورده المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في الباب ليس مطابقًا للترجمة، إلا على تكلّف، وذلك أنه لا فرق بين الجمل والناقة في الركوب حال الخطبة، فإذا ثبَتَ أنه ﷺ خطب على الجمل جازت الخطبة على الناقة من غير فرق. لكن كان الأولى له أن يأتي بالأحاديث التي فيها النصّ على أنه ﷺ خطب على الناقة، فإنها أصحّ من حديث الجمل، فقد أخرجها مسلم وغيره، وقد أجاد في "الكبرى" حيث أورد حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - فيه، فقال:

стр. 13245

٤٠٠١ - ١ - أخبرني إبراهيم بن هارون، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، قال: حدثنا جعفر بن محمد بن عليّ بن حسين، عن أبيه، قال: دخلنا على جابر بن عبد اللَّه، فقلت: أخبرني عن حجة النبيّ ﷺ ، قال: جاز رسول اللَّه ﷺ حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضُربت له بنَمِرَةَ، فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء، فرُحلت له حتى إذا انتهى إلى بطن الوادي خطب الناس، فقال: "إن دماءكم، وأموالكم حرامٌ عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كلّ شيء من أمر الجاهليّة تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وأول دم أَضَعُهُ دماؤنا (١)، دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضَعًا في بني سعد، وقتلته هُذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربًا أضع ربا عباس بن عبد المطّلب، فإنه موضوع كلّه، اتقوا اللَّه في النساء، فإنكم أخذتموهنّ بأمانة اللَّه، واستحللتم فروجهنّ بكلمة اللَّه، وإن عليهم (٢) أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك، فاضربوهنّ ضربًا غير مبرّح، ولهنّ عليكم رزقهن، وكسوتهنّ بالمعروف، فقد تركت فيكم ما لن تضلّوا بعدي، إن اعتصمتم به، كتاب اللَّه، وأنتم مسؤولون عنّي، فما أنتم قائلون؟ "، قالوا: نشهد أن قد بلّغت، وأدّيت، ونصحت، فقال بإصبعه السبّابة، يرفعها إلى السماء، ويسلتها (٣) إلى الأرض: "اللَّهم اشهد، اللَّهمّ اشهد" ثلاثًا (٤). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٠٠٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ, عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ, عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُبَيْطٍ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَخْطُبُ يَوْمَ عَرَفَةَ, عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن آدم": هو الجهني المصّيصيّ، صدوق [١٠] ٩٣/ ١١٥. و"ابن المبارك": هو عبد اللَّه الإمام الحجة المشهور. [تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٥٤) من رباعيات الكتاب. واللَّه تعالى أعلم. والحديث صحيحٌ، وقد سبق تمام البحث فيه في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم

стр. 13246

بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢٠٠ - (قَصْرُ الْخُطْبَةِ بِعَرَفَةَ) ٣٠١٠ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ, أَخْبَرَنِي مَالِكٌ (١) عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ, جَاءَ إِلَى الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ, يَوْمَ عَرَفَةَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ, وَأَنَا مَعَهُ, فَقَالَ: الرَّوَاحَ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ, فَقَالَ: هَذِهِ السَّاعَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ, قَالَ: سَالِمٌ: فَقُلْتُ لِلْحَجَّاجِ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُصِيبَ الْيَوْمَ السُّنَّةَ, فَاقْصُرِ الْخُطْبَةَ, وَعَجِّلِ الصَّلَاةَ, فَقَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: صَدَقَ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث أخرجه البخاريّ، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله قبل ثلاثة أبواب، ودلالته على الترجمة واضحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢٠١ - (الْجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ) ٣٠١١ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, عَنْ خَالِدٍ, عَنْ شُعْبَةَ, عَنْ سُلَيْمَانَ, عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , يُصَلِّي الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا, إِلاَّ بِجَمْعٍ وَعَرَفَاتٍ). قال الجامع عفا اللَّه تعالىَ عنه: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدم في "كتاب

стр. 13247

الصلاة" برقم -٤٩/ ٦٠٨ - وتقدّم شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. ورجال الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فمن أفراده، وهو ثقة. و"خالد": هو ابن الحارث الْهُجيميّ البصريّ. و"سليمان": هو الأعمش. و"عمارة ابن عمير": هو التيميّ الكوفيّ. و"عبد الرحمن بن يزيد": هو النخعيّ الكوفيّ، أخو الأسود. و"عبد اللَّه": هو ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -. وقوله: "يصلي الصلاة لوقتها الخ" وفي الرواية المتقدّمة في الباب المذكور، من طريق سفيان الثوريّ، عن الأعمش: "ما رأيت النبيّ ﷺ جمع بين صلاتين إلا بجمع، وصلى الصبح يومئذ قبل وقتها". وهذا الحديث احتجّ به الحنفيّة على منع الجمع بين الصلاتين في السفر؛ لأن ابن مسعود من ملازمي النبيّ ﷺ ، وقد أخبر أنه ما رآه يجمع إلا في المزدلفة. وأجاب الجمهور القائلون بجواز الجمع في السفر بأنه نفى علمه، والمثبت مقدم على النافي؛ لأن معه زيادة علم. وقال النوويّ في "شرح مسلم": والجواب عنه أنه مفهوم، والحنفيّة لا يقولون به، ونحن نقول بالمفهوم، ولكن إذا عارضه منطوق قدمناه على المفهوم، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بجواز الجمع، ثم هو متروك الظاهر بالإجماع في صلاتي الظهر والعصر بعرفات. واللَّه أعلم (١). وقد تقدّم تمام البحث في مسألة الجمع بين الصلاتين، وتحقيق الخلاف فيها، وأن الحقّ مع القائلين به في "كتاب الصلاة"، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢٠٢ - (بَابُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الدُّعَاءِ بِعَرَفَةَ) ٣٠١٢ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ هُشَيْمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ, عَنْ عَطَاءٍ, قَالَ: قَالَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ: كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ ﷺ بِعَرَفَاتٍ, فَرَفَعَ يَدَيْهِ يَدْعُو, فَمَالَتْ بِهِ نَاقَتُهُ, فَسَقَطَ خِطَامُهَا, فَتَنَاوَلَ الْخِطَامَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ, وَهُوَ رَافِعٌ يَدَهُ الأُخْرَى).

стр. 13248

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا، غير مرّة. و"يعقوب بن إبراهيم": هو الدورقيّ. و"عبد الملك": هو ابن أبي سليمان ميسرة العرزميّ الكوفيّ. و"عطاء": هو ابن أبي رباح. ودلالة الحديث على الترجمة واضحة، فإنه صريح في مشروعيّة رفع اليدين عند الدعاء بعرفة، وفيه أنه لا بأس بتناول شيء بإحدى يديه، إذا اضطرّ إلى ذلك، وتبقى الأخرى مرفوعة. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "وسقط خطامها" -بكسر الخاء المعجمة، وتخفيف الطاء المهملة-: ما يُجعل على خطم البعير، وهو مقدم أنفه وفمه، وجمعه خُطُم -بضمتين- مثلُ كتاب وكتُب. والحديث صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا -٢٠٢/ ٣٠١٢ - وفي "الكبرى" ٢٠١/ ٤٠٠٧. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠١٣ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) أَبُو مُعَاوِيَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: كَانَتْ قُرَيْشٌ تَقِفُ بِالْمُزْدَلِفَةِ, وَيُسَمَّوْنَ الْحُمْسَ, وَسَائِرُ الْعَرَبِ, تَقِفُ بِعَرَفَةَ, فَأَمَرَ اللَّهُ ﵎ نَبِيَّهُ ﷺ , أَنْ يَقِفَ بِعَرَفَةَ, ثُمَّ يَدْفَعُ مِنْهَا, فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت [١٠] ٢/ ٢. ٢ - (أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم في حديث غيره [٩] ٢٦/ ٣٠. ٣ - (هشام) بن عروة الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقة فقيه، ربّما دلّس [٥] ٤٩/ ٦١. ٤ - (أبوه) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٤٠/ ٤٤. ٥ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فمروزيّ، وأبي معاوية، فكوفيّ. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن خالته، وتابعي عن تابعيّ. (ومنها):

стр. 13249

أن فيه عروة من الفقهاء السبعة، وعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: كَانَتْ قُرَيْشٌ تَقِفُ بِالْمُزدَلِفَةِ) تَعْنِي أنها لا تجاوزها، بل تفيض منها إلى منى، وذلك لأن الشيطان استهواهم، فقال لهم: إنكم إن عظّمتم غير حرمكم استخفّ الناس بحرمكم، فكانوا لا يخرجون من الحرم (وَيُسَمَّوْنَ الْحُمْسَ) -بضمّ، فسكون- جمع أحمس، والأحمس في اللغة: الشديد، قال في "القاموس": حَمِسَ، كفرِحَ: اشتدّ، وصَلُبَ في الدين والقتال، فهو حَمِسٌ، وأحمس، وهم حُمْسٌ، والحمسُ: الأمكنة الصُّلْبة، جمع أحمس، وهو لقب قُريش، وكنانة، وجَدِيلة، ومن تابعهم في الجاهليّة؛ لتحمّسهم في دينهم، أو لالتجائهم بالحَمْساء، وهي الكعبة؛ لأن حجرها أبيض إلى السواد انتهى. وروى إبراهيم الحربيّ في "غريب الحديث" من طريق ابن جريج، عن مجاهد، قال: الحُمْس: قريش، ومن كان يأخذ مأخذها من القبائل، كالأوس، والخزرج، وخزاعة، وثقيف، وغزوان، وبني عامر، وبني صعصعة، وبني كنانة، إلا بني بكر. والأحمس في كلام العرب الشديد، وسمّوا بذلك لما شدّدوا على أنفسهم، وكانوا إذا أهلّوا بحجّ، أو عمرة لا يأكلون لحمًا، ولا يضربون وَبَرًا، ولا شعرًا، وإذا قدموا مكة وضعوا ثيابهم التي كانت عليهم. وذكر الحربيّ أيضًا في "غريبه" عن أبي عبيدة معمر بن المثنّى، قال: كانت قريش إذا خطب إليهم الغريب اشترطوا عليه أن ولدها على دينهم، فدخل في الحمس من غير قريش ثقيف، وليث، وخزاعة، وبنو عامر بن صعصعة -يعني وغيرهم- قال الحافظ: وعرف من هذا أن المراد بهذه القبائل من كانت له من أمهاته قريشية، لا جميع القبائل المذكورة انتهى (١). (وَسَائِرُ الْعَرَب، تَقِفُ بِعَرَفَةَ) أنث الفعل مع أن ضمير الفاعل يعود إلى "سائر"؛ لإضافته إلى "العرب"، وهي مؤنثة باعتبار القبيلة (فَأَمَرَ اللَّهُ ﵎ نَبيهُ ﷺ ، أَنَّ يقِفَ بِعَرَفَةَ، ثُمَّ يَدْفَعَ مِنْهَا) أي يرجع من عرفة إلى المزدلفة (فَأَنزَلَ اللَّهُ : ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾) أي ادفعوا أنفسكم، أو مطاياكم يا معشر قريش. وقال في "الفتح": وعُرف برواية عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - أن المخاطب بقوله

стр. 13250

تعالى: ﴿أَفِيضُوا﴾ النبيّ ﷺ ، والمراد من كان لا يقف بعرفة من قريش وغيرهم انتهى. (﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾) أي غيركم، وهو عرفات، والمقصود رجوعهم من ذلك المكان، ولا شكّ أن الرجوع منه يستلزم الوقوف فيه؛ لأنه مسبوق به، فلزم من ذلك الأمر بالوقوف من حيث وقف الناس، وهو عرفة (١). واختلف المفسّرون في المراد بالناس، فقيل: سائر الناس، غير الحُمْس. وروى ابن أبي حاتم وغيره، عن الضحّاك أن المراد به هنا إبراهيم الخليل ﵇، ويؤيّده حديث يزيد بن شيبان الآتي قريبًا، وعنه المراد به الإمام، وقيل: آدم ﵇. ويؤيّده القراءة في الشواذّ "الناسي" بكسر السين، بوزن القاضي، من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه: ١١٥]. والأول أصحّ. نعم الوقوف بعرفة موروث عن إبراهيم ﵇، كما سيأتي في حديث يزيد بن شيان الآتي قريبًا، ولا يلزم من ذلك أن يكون هو المراد خاصّة بقوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾، بل هو أعمّ من ذلك، والسبب فيه ما حكته عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -. وأما الإتيان في الآية بقوله: ﴿ثُمَّ﴾ فقيل: هي بمعنى الواو، وهذا اختيار الطحاويّ. وقيل: لقصد التأكيد، لا لمحض الترتيب، والمعنى: فإذا أفضتم من عرفات، فاذكروا اللَّه عند المشعر الحرام، ثم اجعلوا الإفاضة التي تفيضونها من حيث أفاض الناس، لا من حيث كنتم تُفيضون. قال الزمخشريّ: وموقع "ثم" هنا موقعها من قولك: أحسن إلى الناس، ثم لا تحسن إلى غير كريم، فتأتي "ثم" لتفاوت ما بين الإحسان إلى الكريم، والإحسان إلى غيره، فكذلك حين أمرهم بالذكر عند الإفاضة من عرفات بَيَّنَ لهم مكان الإفاضة، فقال: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾ لتفاوت ما بين الإفاضتين، وأن إحداهما صواب، والأخرى خطأ. وقال الخطابيّ: تضمن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ الأمر بالوقوف بعرفة؛ لأن الإفاضة إنما تكون عند اجتماع قبله، وكذا قال ابن بطال، وزاد: وبَيَّنَ الشارع مبتدأ الوقوف بعرفة ومنتهاه انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته:

стр. 13251

حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا ٢٠٢/ ٣٠١٣ - وفي "الكبرى" في ٢٠٢/ ٤٠١٣ وفي "التفسير" ١١٠٣٤. وأخرجه (خ) في "الحجّ" ١٦٦٥ وفي "التفسير" ٤٥٢٠ (م) في "الحجّ" ١٢١٩ (د) في "المناسك" ١٩١٠ (ت) في "الحجّ" ٨٨٤ (ق) في "المناسك" ٣٠١٨. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): وجوب الوقوف بعرفة، وأنّ الحجّ لا يتمّ إلا به. (ومنها): بيان سبب نزول الآية المذكورة، وذلك حيث امتنعت قريش من الوقوف بعرفة؛ لكونه خارج الحرم، فأمروا به.، فالمراد بالإفاضة الإفاضة من عرفة، هان كان ظاهر سياق الآية أنها الإفاضة من مزدلفة؛ لأنها ذكرت بلفظة "ثم" بعد ذكر الأمر بالذكر عند المشعر الحرام. وأجاب بعض المفسّرين بأن الأمر بالذكر عند المشعر الحرام بعد الإفاضة من عرفات التي سيقت بلفظ الخبر لما ورد منه على المكان الذي تشرع الإفاضة منه، فالتقدير: فإذا أفضتم اذكروا، ثم لتكن إفاضتكم من حيث أفاض الناس، لا من حيث كان الحمس يفيضون، أو التقدير: فإذا أفضتم من عرفات إلى المشعر الحرام، فاذكروا اللَّه عنده، ولتكن إفاضتكم من المكان الذي يفيض فيه الناس غير الحمس (١). (ومنها): أن الوقوف بها كان من شريعة إبراهيم ﵇، فكانت العرب متمسّكة به، إلا ما كان من قريش، فهدى اللَّه تعالى نبيّه ﷺ إليه. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: هذا الحديث، والأحاديث المذكورة بعده ليست مطابقة لترجمة الباب، بل هي من أحاديث الباب التالي، فكان الأولى للمصنّف إيرادها هناك، فليتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠١٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: أَضْلَلْتُ بَعِيرًا لِي, فَذَهَبْتُ أَطْلُبُهُ بِعَرَفَةَ, يَوْمَ عَرَفَةَ, فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَاقِفًا, فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ هَذَا؟ إِنَّمَا هَذَا مِنَ الْحُمْسِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيبة بن سعيد) الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (سفيان) بن عيينة المكيّ الإمام الحجة الحافظ [٨] ١/ ١. ٣ - (عمرو بن دينار) الأثرم الجمحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة

стр. 13252

ثبت [٤] ١١٢/ ١٥٤. ٤ - (محمد بن جبير بن مطعم) النوفليّ، أبو سعيد المدنيّ، ثقة عارف بالنسب [٣] ٦٥/ ٩٨٧. ٥ - (أبوه) جُبير بن مطعم بن عديّ بن نوفل بن عبد مناف القرشيّ النوفليّ الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنه -، كان عارفًا بالأنساب، مات سنة ثمان، أو تسع وخمسين، وتقدم في ١٥٨/ ٢٥٠. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ مُحَمَدِ بْنِ جُبَير بْنِ مُطْعِم) -رحمه اللَّه تعالى- (عَنْ أَبيهِ) جبير بن مطعم - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: أَضْلَلْتُ بَعِيرًا لِي) أي فقدته، يقال: ضَلّ البعير: إذا غاب، وخفي موضعه، وأضللته بالألف: فقدته، قال الأزهريّ: وأضللت الشيءَ بالألف: إذا ضاع منك، فلم تعرف موضعه، كالدّابّة، والناقة، وما أشبههما، فإن أخطأت موضع الشيء الثابت، كالدار، قلت: ضَلَلْتُهُ، وضَلِلْته، ولا تقل: أضللته بالألف. وقال ابن الأعرابيّ: أضلّني كذا بالألف: إذا عجزت عنه، فلم تقدر عليه. وقال في "البارع": ضَلَّني فلانٌ، وكذا في غير الإنسان يَضِلُّني: إذا ذهب عنك، وعجزت عنه، وإذا طلبت حيوانًا، فأخطأت مكانه، ولم تهتد إليه، فهو بمنزلة الثوابت، فتقول: ضَلَلْته. وقال الفارابيّ: أضللتُهُ بالألف: أضعته. انتهى (١) (فَذَهَبْتُ أَطْلُبُهُ بعَرَفَةَ، يَوْمَ عَرَفَةَ) الجارّ، والظرف متعلقان بـ"أطلب" يعني أنه ذهب لطلب بعيره في الموضع المسمّى بعرفة، في يوم بعرفة (فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَاقِفًا) أي بعرفة (فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ هَذَا؟) إشارة إلى النبيّ ﷺ . وهذا تعجب من جبير بن مطعم، وإنكار منه لما رأى النبيّ ﷺ واقفا بعرفة (إِنَّمَا هَذَا مِنَ الْحُمْسِ) تقدّم معناه. أي فما باله يقف بعرفة، والحمس لا يقفون بها؛ لأنهم لا يخرجون من الحرم. وفي رواية الإسماعيليّ من طريق عثمان بن أبي شيبة، وابن أبي عمر جميعًا عن سفيان: "فما له خرج من الحرم". وزاد مسلم في روايته عن عمرو الناقد، وأبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان بعد قوله: "فما شأنه ههنا؟ ": "وكانت قريش تُعدّ من الحمس". وهذه الزيادة توهم أنها من أصل الحديث، وليس كذلك، بل هي من قول سفيان، بينه الحميديّ في "مسنده" عنه، ولفظه متّصلاً بقوله: "فما شأنه ههنا؟ " قال سفيان: والأحمس الشديد على دينه، وكانت قريش تُسمّى الحمس، وكان الشيطان قد استهواهم، فقال لهم: إنكم إن عظّمتم غير حرمكم، استخفّ الناس بحرمكم، فكانوا

стр. 13253

لا يخرجون من الحرم. ووقع عند الإسماعيليّ من طريقيه بعد قوله: "فما له خرج من الحرم؟ " قال سفيان: الحمس -يعني قريشًا- وكانت تسمّى الحمس، وكانت لا تجاوز الحرم، ويقولون: نحن أهل اللَّه، لا نخرج من الحرم، وكان سائر الناس يقف بعرفة، وذلك قوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]. انتهى. وروى ابن خزيمة، وإسحاق بن راهويه في "مسنده" موصولاً من طريق ابن إسحاق، حدثنا عبد اللَّه بن أبي بكر، عن عثمان بن أبي سليمان، عن عمّه نافع بن جبير، عن أبيه، قال: "كانت قريش إنما تدفع من المزدلفة، ويقولون: نحن الحمس، فلا نخرج من الحرم، وقد تركوا الموقف بعرفة، قال: فرأيت رسول اللَّه ﷺ في الجاهليّة يقف مع الناس بعرفة على جمل له، ثم يصبح مع قومه بالمزدلفة، فيقف معهم، ويدفع إذا دفعوا". ولفظ يونس بن بكير، عن ابن إسحاق في "المغازي" مختصرًا، وفيه: "توفيقًا من اللَّه له". وأخرجه إسحاق أيضًا عن الفضل بن موسى، عن عثمان بن الأسود، عن عطاء أن جبير بن مطعم، قال: "أضللت حمارًا لي في الجاهليّة، فوجدته بعرفة، فرأيت رسول اللَّه ﷺ واقفًا بعرفات مع الناس، فلما أسلمت علمت أن اللَّه وفّقه لذلك". قال الحافظ: وأفادت هذه الرواية أن رواية جبير له لذلك كانت قبل الهجرة، وذلك قبل أن يسلم جبير، وهو نظير روايته أنه سمعه يقرأ في المغرب بالطور، وذلك قبل أن يسلم جبير أيضًا، كما تقدّم. وتضمّن ذلك التعقيب على السهيليّ حيث ظنّ أن رواية جبير لذلك كانت في الإسلام في حجة الوداع، فقال: انظر كيف أنكر جبير هذا، وقد حجّ بالناس عتّاب سنة ثمان، وأبو بكر سنة تسع، ثم قال: إما أن يكونا وقفا بجمع، كما كانت قريش تصنع، وإما أن يكون جبير لم يشهد معهما الموسم. وقال الكرمانيّ: وقفة رسول اللَّه ﷺ بعرفة كانت سنة عشر، وكان جبير حينئذ مسلمًا؛ لأنه أسلم يوم الفتح، فإن كان سؤاله عن ذلك إنكارًا، أو تعجبًا، فلعله لم يبلغه نزول قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾، وإن كان للاستفهام عن حكمة المخالفة عما كانت عليه الحمس، فلا إشكال، ويحتمل أن يكون لرسول اللَّه ﷺ وقفة بعرفة قبل الهجرة انتهى ملخصًا. قال الحافظ: وهذا الأخير هو المعتمد كما بيّنته قبلُ بدلائله، وكأنه تبع السهيليّ في ظنّه أنها حجة الوداع، أو وقع له اتفافًا. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 13254

مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث جبير بن مطعم - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٢٠٢/ ٣٠١٤ - وفي " الكبرى" ٢٠١/ ٤٠٠٩. وأخرجه (خ) في "الحجّ" ١٦٦٤ (م) في "الحجّ" ١٢٢٠ (أحمد) في "مسند المدنيين" ١٦٢٩٥و ١٦٢٣٥ (الدارميّ) في "المناسك"١٨٧٨. وفوائد الحديث تعلم مما سبق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠١٥ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ, عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ, أَنَّ يَزِيدَ بْنَ شَيْبَانَ قَالَ: كُنَّا وُقُوفًا بِعَرَفَةَ, مَكَانًا بَعِيدًا مِنَ الْمَوْقِفِ, فَأَتَانَا ابْنُ مِرْبَعٍ الأَنْصَارِيُّ, فَقَالَ: إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَيْكُمْ, يَقُولُ: «كُونُوا عَلَى مَشَاعِرِكُمْ, فَإِنَّكُمْ عَلَى إِرْثٍ مِنْ إِرْثِ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ﵇»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عمرو بن عبد اللَّه بن صفوان) بن أُميّة بن خَلَف الجمحيّ المكيّ، صدوق شريف [٤]. روى عن كَلَدَة بن الحنبل، ويزيد بن شيبان، وعبد اللَّه بن السائب المخزوميّ، ومحمد بن الأسود بن خلف. وعنه عمرو بن دينار، وعمرو، ومحمد ابنا أبي سفيان الجمحيّ، والحكم بن جميع السَّدُوسيّ. قال الزبير عن بعض أصحابه: توالى خمسة في الشرف، فذكر جماعة عمرو فيهم. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن سعد: كان قليل الحديث. وقال الزبير: فيه يقول الفرزدق: تَمْشِي تَبَخْتَرُ حَوْلَ الْبَيْتِ مُنْتَحِيًا … لَوْ كُنْتَ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ اللَّهِ لَمْ تَزِدِ قال: وكان له رقيقٌ يتّجرون، فكان ذلك يُعينه على مكارمه. روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والأربعة، وله عند المصنّف حديث الباب فقط. ٢ - (يزيد بن شيبان) الأزديّ، صحابيّ، روى عنه عمرو بن عبد اللَّه بن صفوان الجمحيّ. قال أبو حاتم: هو خال عمرو المذكور. وقال البخاريّ: له رؤية. روى له الأربعة حديث الباب فقط. ٣ - (ابن مِرْبع) -بكسر الميم، وسكون الراء، وفتح الموحّدة- هو زيد بن مربع بن قيظيّ -بفتح، فسكون- بن عمرو بن زيد بن جشم بن مَجْدعة بن الحارث الأوسيّ الأنصاريّ،

стр. 13255

هكذا سماه أحمد، وابن معين، وابن الْبَرْقيّ. عنه، وقيل اسمه يزيد، وقيل: عبد اللَّه، وأكثر ما يجيء في الحديث غير مسمّى. روى عن النبيّ ﷺ ، وعنه يزيد بن شيبان. روى له الأربعة حديث الباب فقط. والباقون تقدّموا في السند الماضي. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀. ومنها: أن رجاله رجال الصحيح إلى عمرو بن دينار، والباقون من رجال الأربعة. ومنها: أنه مسلسل بالمكيين غير شيخه فبغلاني. ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وصحابي عن صحابي. ومنها: أن صحابيه من المقلين من الرواية، فليس له من الحديث إلا حديث الباب عند أصحاب "السنن". انظر "تحفة الأشراف" ١١/ ١٢١ - ١٢٢ واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث عن يزيد بن شيبان الأزديّ - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قال: كُنَّا وُقُوفًا) جمع واقف (بعَرَفَةَ، مَكَانًا بَعِيدًا مِنَ الْمَوْقِفِ) أي من موقف رسول اللَّه ﷺ (فَأَتَانَا) زيد (ابْنُ مِرْبَع الأَنصَارِيُّ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (فَقَالَ: إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَيْكُمْ، يَقُولُ: "كُونُوا عَلَى مَشَاعِرِكُمْ) جمع مَشعَر -بفتح الميم، والعين- أي على مواضع نسككم، ومواقفكم القديمة التي عهدتم الوقوف فيها بعرفة (فَإنَّكُمْ عَلَى إرْثِ مِنْ إِرْثِ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ﵇) الفاء للتعليل؛ أي لأنكم موافقون لَما كان عليه إبراهيم ﵇، وهو علّة للأمر بالاستقرار، والثبات على الوقوف في مواقفهم، علّل ذلك بأنه موقفهم هو موقف إبراهيم ﵇ ورثوه عنه، ولم يخطئوا في الوقوف فيه عن سنته، فإن عرفة كلها موقف، والواقف فيها بأي جزء من أجزائها آت بسنّته، متبعٌ لطريقته، ولو بَعُدَ ذلك الموقف عن موقف رسول اللَّه ﷺ . وإنما قال لهم ذلك تطيبًا لقلوبهم لئلا يحزنوا على بعدهم عن موقفه ﷺ ، فيظنّوا أن ذلك نقصٌ في حجهم، أو يتوهّموا أن ذلك المكان ليس موقفًا يُعتدّ به؛ لبعده عن موقف النبيّ ﷺ . قال السنديّ: ويحتمل أن المراد بيان أن هذا خير مما كان عليه قريش من الوقوف بمزدلفة، وأنه شيء اخترعوه من أنفسهم، والذي ورّثه إبراهيم ﵇ هو الوقوف بعرفة انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المعنى الأول أقرب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن مربع الأنصاريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.

стр. 13256

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٠٢/ ٣٠١٥ - وفي "الكبرى" ٢٠١/ ٤٠١٠. وأخرجه (د) في "المناسك" ١٩١٩ (ت) في "الحجّ" ٨٨٣ (ق) في "المناسك" ٣٠١١ (أحمد) في "مسند الشاميين" ١٦٧٨٢. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): أن عرفة كلها موقف، فمن وقف في أي جزء من أجزائها، فحجه صحيح، ومن وقف خارجها، ولو بعرنة، فلا يصحّ حجه، لحديث جبير بن مطعم - رضي اللَّه تعالى عنه - أن النبيّ ﷺ قال: "كلّ عرفات موقف، وارفعوا عن بطن عرنة، وكلّ مزِدلفة موقف، وارفعوا عن بطن محسّر، وكل فجاج منى منحرٌ، وكل أيام التشريق ذَبْحٌ" حديث صحيح، أخرجه أحمد، وابن حبّان، والطبرانيّ في "الكبير". (ومنها): ما كان عليه النبيّ ﷺ من مكارم الأخلاق، فإنه لما أحسّ أنهم لبعدهم عنه تنكسر قلوبهم، جبرهم بأنهم على صواب، وأن بعدهم لا يؤثّر في صحة حجهم. (ومنها): أن الوقوف بعرفة كان من سنة إبراهيم ﵇ القديمة، غير أن قريشًا غيّرتها، وبدّلتها، فجاء النبيّ ﷺ ، فأحياها، فمن وقف فيها فقد وافق سنته، فتمّ حجه، ومن لم يقف فيها لم يتمّ حجه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠١٦ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, قَالَ: أَتَيْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ, فَسَأَلْنَاهُ عَنْ حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ , فَحَدَّثَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث أخرجه مسلم، وهو قطعة من حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - الطويل في صفة حجة النبيّ ﷺ ، وقد تقدّم بطوله في هذا الشرح في - ٥١/ ٢٧٤٠ - باب "ترك التسمية عند الإهلال" وتقدّم بيان ما يتعلّق به من التخريج وغيره هناك، فراجعه تستفد. و"يعقوب بن إبراهيم": هو الدورقيّ. و"يحيى بن سعيد": هو القطّان. و"جعفر": هو المعروف بالصادق. و"أبوه": هو المعروف بمحمد الباقر. وقوله: "فحدّثنا أن نبيّ اللَّه ﷺ قال" أي فحدّثنا حديثًا طويلاً من جملته هذا. وقوله: "عرفة كلها موقف" يعني أن أجزاء عرفة كلها سواء في إجزاء الوقوف بها، فمن وقف داخل حدود عرفة، أجزأه، سواء كان قريبًا من موقف النبيّ ﷺ ، وهو عند الصخرات التي في أسفل جبل الرحمة، وهو الجبل الذي بوسط أرض عرفات، أو كان بعيدًا منه. قال النوويّ: يستحب أن يقف عند الصخرات المذكورات، وهي صخرات مفترشات في أسفل جبل الرحمة، فهذا هو الموقف المستحبّ. وأما ما اشتهر بين

стр. 13257

العوام من الاعتناء بصعود الجبل، وتوهّمهم أنه لا يصحّ الوقوف إلا فيه، فغلط، بل الصواب جواز الوقوف في كلّ جزء من أرض عرفات، وأن الفضيلة في موقف رسول اللَّه ﷺ عند الصخرات، فإن عجز فليقرب منه بحسب الإمكان. قال: وأما عرفات فحدّها ما جاوز وادي عُرنة إلى الجبال القابلة مما يلي بساتين ابن عامر، هكذا نصّ عليه الشافعيّ، وجميع أصحابه. ونقل الأزرقيّ عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - أنه قال: حدّ عرفات من الجبل المشرف على بطن عرنة إلى جبال عرفات إلى وَصِيق -بفتح الواو، وكسر الصاد المهملة، وآخره قاف- إلى ملتقى وَصِيق وادي عرنة. وقيل في حدها غير هذا مما هو مقارب له. انتهى كلام النوويّ باختصار (١). وكتب بعضهم: ما نصّه: وعرفة واد بين مزدلفة والطائف، يمتدّ من علمي عرفة إلى جبل عرفات الذي يحيط بالوادي من الشرق على هيئة قوس، وفي طرفه من الجنوب الطريق إلى الطائف، وفي طرفه من الشمال لسان يبرز إلى المغرب يسمّى جبل الرحمة، وسفحه الجنوبيّ هو حدّ عرفة الشمالي، وفي طرفه الغربيّ صخرة عالية هي موقف الخطيب، وفي أسفله مصلّى يُسمّى مسجد الصخرات، والمسافة من علمي عرفة إلى سفح جبل الرحمة تبلغ نحو كيلو متر ونصف كيلو. انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢٠٣ - (فَرْضُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ) ٣٠١٧ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا وَكِيعٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَطَاءٍ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ, قَالَ: شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , فَأَتَاهُ نَاسٌ, فَسَأَلُوهُ عَنِ الْحَجِّ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْحَجُّ عَرَفَةُ, فَمَنْ أَدْرَكَ لَيْلَةَ عَرَفَةَ, قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ, مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ, فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إسحاق بن إبرهيم) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت [١٠] ٢/ ٢.

стр. 13258

٢ - (وكيع) بن الْجَرّاح بن مَلِيح الرُّؤَاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة ثبت عابد [٩] ٢٣/ ٢٥. ٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ الكوفيّ الإمام الحجة الثبت [٧] ٧/ ٧. ٤ - (بُكير بن عطاء) الليثيّ الكوفيّ، ثقة [٤]. قال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: شيخ صالح، لا بأس به. وقال البخاريّ: قال عبد الرزّاق، قال الثوريّ: كان عنده حديثان، سمع شعبة أحدهما، ولم يسمع الآخر. وقال شبابة، عن شعبة، عن بُكير بن عطاء، عن ابن يعمر: نهى النبيّ ﷺ عن الجر. ولم يصحّ. وقال الآجرّيّ، عن أبي داود: ثقة حدّث عنه الثوريّ وشعبة بحديث أصل من الأصول: "الحجّ عرفة". وقال يعقوب بن سفيان: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وأخرج له في "صحيحه". روى له الأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث برقم ٣٠١٧ و٣٠٤٥ و ٥٦٢٨. ٥ - (عبد الرحمن بن يعمر) الدِّيلي له صحبة، عِداده في أهل الكوفة، روى عن النبيّ ﷺ حديث: "الحجّ عرفة"، وحديث: "النهي عن الدبّاء، والمزفّت". وعنه بُكير بن عطاء الليثيّ. ذكره ابن حبّان في الصحابة أنه مكيّ، سكن الكوفة، قال: ويقال: مات بخراسان. وقال مسلم، والأزديّ، وغيرهما: لم يرو عنه غير بُكير بن عطاء. روى له الأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث، وهي المذكورة في ترجمة بُكير ابن عطاء الراوي عنه. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير بكير، والصحابيّ، فمن رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فمروزيّ، ثم نيسابوريّ. (ومنها): أن صحابيه من المقلّين من الرواية، فليس له إلا هذا الحديث عند الأربعة، وحديث: "أن النبيّ ﷺ نهى عن الدبّاء"، والمزفّت، عندهم إلا أبا داود. راجع "تحفة الأشراف" ٧/ ٢١٨ - ٢١٩. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن يَعْمَرَ) بفتح، فسكون، ففتح الميم، أو ضمّها غير منصرف (قَالَ: شَهِدْتُ رَسُولَ اللُهِ ﷺ ، فَأَتَاهُ نَاسٌ) وفي الرواية الآتية في - ٢١١/ ٣٠٤٥ - من طريق يحيى القطان: "وأتاه ناس من نجد"، وفي رواية الترمذيّ: "أن ناسًا من أهل نجد أتوا رسول اللَّه ﷺ ، وهو بعرفة … " (فَسَأَلُوهُ عَنِ الْحَجِّ) وفي

стр. 13259

رواية يحيى المذكورة: "فأمروا رجلاً، فسأله عن الحجّ؟، فقال: الحجّ عرفة"، ولأبي داود: "فأمروا رجلاً، فنادى رسول اللَّه ﷺ ، كيف الحجّ؟، فأمر رسول اللَّه ﷺ رجلاً، فنادى: الحجّ الحج (١) عرفة" (فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْحَجُ عَرَفَةُ) وفي رواية للبيهقيّ: "الحجّ عرفات، الحجّ عرفات". أي الحجّ الصحيح حجّ من أدرك الوقوف بعرفة، فمن أدركه، فقد أمن فوت الحجّ. وقيل: معناه: مِلَاكُ الحجّ، ومعظم أركانه وقوف عرفة؛ لأنه يفوت بفوته. وقال الشيخ عزّ الدين ابن عبد السلام في "أماليه": فإن قيل: أيّ أركان الحجّ أفضل؟. قلنا: الطواف؛ لأنه يشتمل على الصلاة، وهو مُشَبَّه بالصلاة، والصلاة أفضل من الحجّ، والمشتمل على الأفضل أفضل. فإن قيل: قوله ﷺ : "الحجّ عرفة" يدلّ على أفضلية عرفة؛ لأن التقدير معظم الحجّ وقوف عرفة. فالجواب أن لا نُقَدِّر ذلك، بل نقدّر أمرًا مجمعًا عليه، وهو إدراك الحجّ وقوف عرفة. انتهى (٢). (فَمَنْ أَدْرَكَ لَيْلَةً عَرَفَةَ) الظاهر أن "عرفة" مفعول "أدرك"، و"ليلة" منصوب على الظرفية لـ"أدرك"، وليس مضافًا إلى "عرفة"، أي من أدرك وقوف عرفة ليلاً (قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ) بفتح الجيم، وسكون الميم، أي من الليلة التي يبيت الحجّاج فيها بجمع، وهي مزدلفة (فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ") أي فقد أمن من الفوات، وإلا فلا بدّ من الطواف. وزاد في رواية يحيى القطان المتقدّمة: "أيامُ منى ثلاثة أيام، من تعجّل في يومين، فلا إثم عليه، ومن تأخّر فلا إثم عليه، ثم أردف رجلاً، فجعل يُنادي بها في الناس". وقوله: "أيام منى ثلاثة أيام" مبتدأ وخبر، أي الأيام التي يقيم فيها الحجاج للرمي في منى ثلاثة أيام: وهي الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من ذي الحجة، وهي الأيام المعدودات، وأيام التشريق، وأيام رمي الجمار، وليس منها يوم النحر؛ للإجماع على أنه لا يجوز النفر في اليوم التالي له، ولو كان منها لجاز النفر لمن شاء في ثانيه. وقال السنديّ: إنما لم يعدّ يوم النحر من أيام منى؛ لأنه ليس مخصوصًا بمنى، بل فيه مناسك كثيرة انتهى. وقوله: "من تعجّل في يومين الخ" أي تعجّل ونفر من منى إلى مكة في ثاني يومين، من أيام التشريق، فلا إثم عليه في تعجله، ومن تأخر عن النفر في اليوم الثاني، وبقي إلى الثالث، ونفر بعد رمي الجمار، فلا إثم عليه في التأخر، بل هو الأفضل؛ لأنه الذي

стр. 13260

فعله النبيّ ﷺ في حجة الوداع، والمراد أنه لا إثم عليه في ترك رخصة التعجل، أو أنه نفى الإثم عن المتأخّر مشاكلة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد الرحمن بن يعمر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. قال الإمام الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى- بعد أن رواه عن ابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة، عن سفيان الثوريّ، عن بكير بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يعمر، عن النبيّ ﷺ : ما نصّه: قال ابن أبي عمر: قال سفيان بن عيينة: وهذا أجود حديث رواه سفيان الثوريّ. قال: وقد روى شعبة عن بكير بن عطاء نحو حديث الثوريّ، قال: وسمعت الجارود يقول: سمعت وكيعًا يقول، وروى هذا الحديث، فقال: هذا الحديث أم المناسك. انتهى. وعلّق السيوطيّ -رحمه اللَّه تعالى- على قوله: "أجود حديث راوه سفيان": أي من أحاديث أهل الكوفة، وذلك لأن أهل الكوفة يكثر فيهم التدليس، والاختلاف، وهذا الحديث سالم من ذلك، فإن الثوريّ سمعه من بكير، وسمعه بكير من عبد الرحمن، وسمعه عبد الرحمن من النبيّ ﷺ ، ولم يختلف رواته في إسناده، وقام الإجماع على العمل به. انتهى. ونقل ابن ماجه في "سننه" عن شيخه محمد بن يحيى: ما أرى للثوريّ حديثًا أشرف من هذا. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٠٣/ ٣٠١٧ - وفي "الكبرى" ٢٠٢/ ٤٠١١. وأخرجه (د) في " المناسك"١٩٤٩ (ت) في "الحجّ" ٨٨٩ (ق) في "المناسك" ٣٠١٥ (أحمد) في "مسند الكوفيين" ١٨٢٩٦و١٨٤٧٥ (الدراميّ) في "المناسك"١٨٨٧. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): أن الوقوف بعرفة ركن من أركان الحجّ، لا يصحّ إلا به، وهو أشهر أركان الحجّ؛ للحديث الصحيح: "الحجّ عرفة"، وأجمع المسلمون على كونه ركنًا (٢). قال الإمام الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى- بعد أن أخرج الحديث: ما نصّه: والعمل على

стр. 13261

حديث عبد الرحمن بن يعمر عند أهل العلم من أصحاب النبيّ ﷺ وغيرهم أن من لم يقف بعرفات قبل طلوع الفجر، فقد فاته الحجّ، ولا يجزىء عنه إن جاء بعد طلوع الفجر، ويجعلها عمرة، وعليه الحجّ من قابل، وهو قول الثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق انتهى (١). (ومنها): أنه يكفي الوقوف بعرفة ليلاً، وبه قال الجمهور، وهو الحقّ. وحكى النوويّ قولاً: إنه لا يكفي الوقوف ليلاً، ومن اقتصر عليه، فقد فاته الحجّ. والأحاديث الصحيحة تردّ عليه. (ومنها): أنه يكفي الوقوف بعرفة ولو لحظة لطيفة من ليل أو نهار، وفيه حديث عروة ابن مضرّس ﵁ الآتي بعد سبعة أبواب، وفيه: "من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك ليلاً، أو نهارًا، فقد تمّ حجّه، وقضى تفثه". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠١٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حِبَّانُ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (٢) عَبْدُ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَرَفَاتٍ, وَرِدْفُهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ, فَجَالَتْ بِهِ النَّاقَةُ, وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ, لَا تُجَاوِزَانِ رَأْسَهُ, فَمَا زَالَ يَسِيرُ عَلَى هِينَتِهِ, حَتَّى انْتَهَى إِلَى جَمْعٍ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (محمد بن حاتم) بن نُعيم المروزيّ، ثقة [١٢] ٦٦/ ١٨٠٠. ٢ - (حِبّان) -بكسر الحاء المهملة- ابن موسى بن سوّار السلمىّ، أبو محمد المروزيّ، ثقة [١٠] ١/ ٣٩٧. ٣ - (عبد اللَّه) بن المبارك الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت حجة إمام [٨] ٣٢/ ٣٦. ٤ - (عبد الملك بن أبي سليمان) ميسرة الْعَرْزميّ الكوفيّ، صدوق له أوهام [٥] ٧/ ٤٠٦. ٥ - (عطاء) بن رباح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبت فقيه فاضل [٣] ١١٢/ ١٥٤. ٦ - (ابن عبّاس) عبد اللَّه البحر الحبر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. ٧ - (الفضل بن عبّاس) بن عبد المطّلب بن هاشم الهاشميّ ابن عمّ رسول اللَّه ﷺ ، وأكبر أولاد العباس، استُشهِد في خلافة عمر - رضي اللَّه تعالى عنهم -، وتقدّم في ٧/

стр. 13262

٧٥٣. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ، والأخ عن أخيه، وتابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: أَفَاضَ) أي رجع (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَرَفَاتٍ، وَرِدْفُهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ) جملة في محلّ نصب على الحال، و"الرِّدْف" -بكسر الراء، وسكون الدال المهملة- هو الراكب خلفه، وفيه جواز الارتداف على دابة، إذا أطاقت ذلك (فَجَالَتْ بِهِ النَّاقَةُ) أي دارت به، يقال: جال يجول جَوْلةً: إذا دار. قاله ابن الأثير (١). وقال عياض في "المشارق": جالت به الفرس: أي ذهبت عن مكانها، ومشت انتهى (٢) (وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ) أي يجتذب بها رأسها إليه ليمنعها من السرعة في السير (لَا تُجَاوِزَانِ رَأْسَهُ) بالنزول عنه إلى ما تحته (فَمَا زَالَ يَسِيرُ عَلَى هِيئَتِهِ) بكسر الهاء: أي سكينته، والظاهر أن ذلك كان إذا لم يجد فجوة، لحديث أسامة بن زيد -- رضي اللَّه تعالى عنهما - الآتي بعد باب: "فإذا وجد فجوةً نصّ". وفيه استحباب السكينة في الإفاضة من عرفة إلى مزدلفة، وقد عقد له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- الباب التالي (حَتَى انْتَهَى إِلَى جَمْعٍ) بفتح، فسكون: أي مزدلفة، سمّيت به لاجتماع الحجّاج فيها، وقيل: لغير ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث الفضل بن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا -٢٠٣/ ٣٠١٨ - وأخرجه (أحمد) في "مسند بني هاشم" ١٨١١. [تنبيه]: هذا الحديث، والذي بعده لا مطابقة بينهما، وبين الترجمة، بل هما من أحاديث الباب التالي، فكان الأولى للمصنّف أن يوردهما هناك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠١٩ - (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ,

стр. 13263

عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ, قَالَ: أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ, وَأَنَا رَدِيفُهُ فَجَعَلَ يَكْبَحُ رَاحِلَتَهُ, حَتَّى أَنَّ ذِفْرَاهَا, لَيَكَادُ يُصِيبُ قَادِمَةَ الرَّحْلِ, وَهُوَ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ, وَالْوَقَارِ, فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ فِي إِيضَاعِ الإِبِلِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إبراهيم بن يونس بن محمد) البغداديّ، نزيل طرسوي، لقبه حَرَميّ، صدوق [١١] ٥٤/ ١٧٥٣ من أفراد المصنّف. ٢ - (أبوه) يونس بن محمد بن مسلم البغداديّ، أبو محمد المؤدّب، ثقة ثبت، من صغار [٩] ١٥/ ١٦٣٢. ٣ - (حماد) بن سلمة البصريّ، ثقة عابد، تغيّر حفظه بأخَرَة، من كبار [٨] ١٨١/ ٢٨٨. ٤ - (قيس بن سعد) أبو عبد الملك المكيّ، ثقة [٦] ١١٥/ ١٠٦٦. ٥ - (أسامة بن زيد) بن حارثة بن شَرَاحيل الكلبيّ الأمير، أبو محمد، أو أبو زيد الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما -، مات بالمدينة سنة (٥٤) وهو ابن (٧٥)، وتقدّم في ٩٦/ ١٢٠. والباقيان تقدّما في السند السابق. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيّات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَاسٍ، أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهم -، (قَالَ: أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ) أي رجع منها متوجهًا نحو مزدلفة (وَأَنَا رَدِيفُهُ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (فَجَعَلَ يَكْبَحُ رَاحِلَتَهُ) أي يجذب رأسها إليه. قال ابن الأثير: كبحتُ الدابة: إذا جذبت رأسها إليك، وأنت راكب، ومنعتها من الْجِمَاح، وسُرْعة السير انتهى (١). وقال الفيّوميّ: كَبَحتُ الدابّة باللجام، كَبْحًا، من باب نفع: جذبته به ليقف، وأكمحته بالألف والميم: جذبت عِنَانه لينتصب رأسه انتهى (٢). ووقع في "الكبرى": كتح" بالتاء المثنّاة بعد الكاف، بدل الباء الموحّدة، وهو

стр. 13264

تصحيف، فليُتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. (حَتَّى إِنَّ ذِفْرَاهَا) بكسر همزة "إنّ"، لوقوعها بعد "حتى" الابتدائية، وقد صرّح بذلك ابن هشام الأنصاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "مغني اللبيب" (١). و"ذفرى البعير" -بكسر الذال المعجمة: أصل أذنه، وهما ذِفْرَيان، والذَّفْرَى مؤنّثة، وألفها للتأنيث، أو للإلحاق. قاله ابن الأثير (٢). وفي "القاموس": الذِّفْرَى بالكسر من جميع الحيوانات: ما من لدن الْمَقَذٍّ (٣) إلى نصف الْقَذَال، أو العظمُ الشاخص خلف الأذن، جمعه ذِفْرَيَات، وذَفَارَى، ويقال: هذه ذِفْرى أَسِيلَةٌ (٤)، غير منوّنة، وقد تنوّن، وتُجعل الألف للإلحاق بدِهَم انتهى. ووقع في "الكبرى" "دفراها" بالدل المهملة، بدل الذال المعجمة، وهو تصحيف، فليُتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. (لَيَكَادُ) بالياء، والتاء، كما في "الهندية" (يُصِيبُ قَادِمَةَ الرَّحْلِ) أي طرف الرحل الذي قُدّام الراكب، ويقال له: مُقَدَّمة الرحل بضم الميم، وفتح الدال المشدّدة، أو بضمّ الميم، وتخفيف الدال المفتوحة، وحذف الهاء من الثلاثة لغات. أفاده الفيّوميّ (وَهُوَ يَقُولُ: "يَا أَيها النَّاسُ عَلَيكُمْ بالسَّكِينَةِ") أي الزموا السكينة، وهو بتخفيف الكاف: المهابة، والرَّزَانة، والوقار. وحَكى في النوار تشديد الكاف، قال: ولا يُعرف في كلام العرب فَعِّلَةٌ مثقّل العين إلا هذا الحرف شاذًّا. قاله الفيّوميّ. والمراد السير بالرفق، وعدم المزاحمة. (وَالْوَقَارِ) بفتح الواو: الحلم، والرَّزَانة، وهو مصدر وَقُرَ بالضمّ، مثل جَمُلَ جَمَالاً. قاله الفيّوميّ. فيكون عطفه على السكينة من عطف المرادف للتوكيد (فَإِنَّ الْبِرَّ) بكسر الموحّدة: أي الخير، والفضل، والطاعة (لَيْسَ فِي إِيضَاع الْإبِلِ) بكسر الهمزة مصدر أوضع، أي إسراعها في السير، ومنه أوضع البعير: إذا حَمله على سرعة السير. يعني أن طاعة اللَّه لا توجد في إسراع الإبل، وإنما هي في لزوم السنة، والسنة في هذا الموضع لزم السكينة، والوقار، وتعظيم حرمات اللَّه تعالى. قال في "الفتح": قوله: "فإن البرّ ليس بالإيضاع". أي السير السريع، ويقال: هو

стр. 13265

سير مثل الْخَبَب، فبيّن ﷺ أن تكلّف الإسراع في السير ليس من البرّ، أي مما يُتقرّب به. ومن هذا أخذ عمر بن عبد العزيز قوله لما خطب بعرفة: "ليس السابق من سبق بعيره وفرسه، ولكن السابق من غُفر له". وقال المهلّب: إنما نهاهم عن الإسراع؛ إبقاءً عليهم؛ لئلا يُجحفوا بأنفسهم مع بعد المسافة. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أسامة بن زيد - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٠٣/ ٣٠١٩ و ٢٠٥/ ٣٠٢٤ و ٢٠٦/ ٣٠٢٥ و ٢٠٧/ ٣٠٣٢ وفي "الصلاة" ٥٠/ ٦٠٩ - وفي "الكبرى" ٢٠٢/ ٤٠١٤ و ٢٠٥/ ٤٠٢٠ و٤٠٢١ و ٤٠٢٢ و ٢٠٧/ ٤٠٢٩. وأخرجه (خ) في "الوضوء" ١٣٩ و١٨١ و"الحجّ" ١٦٦٧ و ١٦٧٢ (م) في "الحجّ" ١٢٨٠ (د) في "المناسك" ١٩٢١ و ١٩٢٥ (ق) في "المناسك" ٣٠١٩ (أحمد) في "مسند الأنصار" ٢١٢٣٥ و ٢١٢٤٩ و ٢١٢٥٤ و ٢١٣٢٤ (الموطأ) في "الحجّ" ٩١٤ (الدارميّ) في "المناسك" ١٨٨١. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢٠٤ - (الأَمْرُ بِالسَّكِينَةِ فِي الإِفَاضَةِ مِنْ عَرَفَةَ) ٣٠٢٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَرْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحْرِزُ بْنُ الْوَضَّاحِ, عَنْ إِسْمَاعِيلَ -يَعْنِي ابْنَ أُمَيَّةَ- عَنْ أَبِي غَطَفَانَ (٢) بْنِ طَرِيفٍ, حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ,

стр. 13266

يَقُولُ: لَمَّا دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , شَنَقَ نَاقَتَهُ, حَتَّى أَنَّ رَأْسَهَا لَيَمَسُّ وَاسِطَةَ رَحْلِهِ, وَهُوَ يَقُولُ لِلنَّاسِ: «السَّكِينَةَ, السَّكِينَةَ». عَشِيَّةَ عَرَفَةَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن عليّ بن حرب) المروزيّ المعروف بـ"الترك"، ثقة [١١] ١٠٩/ ١٤٨. ٢ - (مُحْرِز بن الوَضّاح) بن مُحرز المروزيّ، مقبول [٩] ١٦/ ٢٤٦٨. ٣ - (إسماعيل بن أميّة) بن سعيد الأمويّ المكيّ ثقة ثبت [٦] ١٦/ ٢٤٦٨. ٤ - (أبو غَطَفَان -بفتحات- ابن طَريف) أو ابن مالك المرّيّ -بالراء- المدنيّ، قيل: اسمه سعد، ثقة، من كبار [٣]. ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل المدينة، وقال: كان قد لزم عثمان، وكتب له، وكتب أيضًا لمروان. وقال النسائيّ في "الكنى": أبو غَطَفَان ثقة، قيل: اسمه سعد. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: أبو غطفان ثقة. وقال الدوريّ، عن أبي بكر بن داود: أبو غطفان مجهول. وفرّق البزّار بين الراوي عن أبي هريرة، وبين الراوي عن ابن عباس، جعلهما اثنين. روى له مسلم، وأبو داود، والمصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنف في هذا الكتاب حديث الباب فقط. ٦ - (ابن عبّاس) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وشيخ شيخه، فإنهما من أفراده. (ومنها): أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، ومن المكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي غَطَفَانَ بْنِ طَريفٍ، حَدَّثَهُ أنَهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (يَقُولُ: لَمَّا دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي رجع من عرفة. قال السنديّ: الدفع متعدّ، لكن شاع استعماله بلا ذكر المفعول في موضع رجع؛ لظهوره، أي دفع نفسه، أو مطيّه حتى إنه يفهم منه اللازم. وقيل: سمي الرجوع من عرفات، ومزدلفة دفعًا؛ لأن في مسيرهم ذاك مدفوعون يدفع بعضهم بعضًا (شَنَقَ نَاقَتَهُ) بفتح نون خفيفة من حدّ ضرب، أي ضمّ، وضيّق زمامها، يقال: شَنَقْتُ البعيرَ إذا كففتَ زمامه، وأنت راكبه (حَتَّى إِن رَأْسهَا لَيَمَسُّ وَاسِطَةَ رَحْلِهِ) أي مقدّمه، قال في "القاموس": واسطة

стр. 13267

الْكُور (١)، وواسطه: مقدّمه. انتهى (وَهُوَ يَقُولُ لِلنَّاسِ: "السَّكِينَةَ، السَّكِينَةَ") أي الزموا السكينة، والتكرار للتأكيد (عَشِيَّةَ عَرَفَةَ) منصوب على الظرفية، متعلّق بـ"يقول"، أو بخبر مبتدإ محذوف، أي ذلك كان عشية عرفة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٢٠٤/ ٣٠٢١ - وفي " الكبرى" ٢٠٣/ ٤٠١٥. وأخرجه (خ) في "الحجّ" ١٦٧١ (د) في "المناسك" ١٩٢٠ (أحمد) في "مسند بني هاشم" ٢٠٨٣ و ٢١٩٤ و٢٤٢٣ و٢٥٠٣. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠٢١ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ, عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ, مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ, وَكَانَ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: فِي عَشِيَّةِ عَرَفَةَ, وَغَدَاةِ جَمْعٍ لِلنَّاسِ, حِينَ دَفَعُوا: «عَلَيْكُمُ السَّكِينَةَ» , وَهُوَ كَافٌّ نَاقَتَهُ, حَتَّى إِذَا دَخَلَ مُحَسِّرًا, وَهُوَ مِنْ مِنًى, قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَذْفِ, الَّذِي يُرْمَى بِهِ» , فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُلَبِّي, حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (الليث) بن سعد المصريّ الإمام الحجة الفقيه الفاضل [٧] ٣١/ ٣٥. ٣ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] ٣١/ ٣٥. ٤ - (أبو معبد) اسمه نافذ -بفاء، وذال معجمة- مولى ابن عبّاس المكيّ، ثقة [٤] ٧٩/ ١٣٣٥. والباقيان تقدّما في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ، والأخ عن أخيه، وتابعي عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 13268

شرح الحديث (عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، هو شقيق عبد اللَّه الراوي عنه، وهو أكبر أولاد العباس - رضي اللَّه تعالى عنه -، وكان يكنى به، استُشهد في خلافة عمر - رضي اللَّه تعالى عنهم -، كما تقدّم قريبًا (وَكَانَ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أي من مزدلفة إلى منى، والجملة معترضة (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: فِي عَشِيَّةِ عَرَفَةَ) هذا سمعه منه ﷺ ، وهو غير رديفه؛ لأن رديفه في ذلك الوقت هو أسامة بن زيد - رضي اللَّه تعالى عنهما - (وَغَدَاةِ جَمْعٍ) أي صباح ليلة المزدلفة، حيث كان رديفه ﷺ (لِلنَّاسِ) متعلقٌ بـ"قال" (حِينَ دَفَعُوا) أي رجعوا من عرفة إلى المزدلفة، ومنها إلى منى ("عَلَيْكُمُ السَّكِينَةَ") أي الزموها، والجملة في محلّ نصب مقول القول (وَهُوَ) ﷺ (كَافٌّ نَاقَتَهُ) بتشديد الفاء، اسم فاعل من الكفّ، وهو المنع، أي مانعها من الإسراع حين الزحام. والجملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (حَتَّى إِذَا دَخَلَ مُحَسِّرًا) بصيغة اسم الفاعل من التحسير، يقال: حسّرتُهُ -بالتثقيل-: أوقعته في الحسرة، اسم واد بين المزدلفة ومنى، سمّي به؛ لأن فيل أَبْرَهَة كَلَّ فيه، وأعيا، فحسّرَ أصحابه بفعله، وأوقعهم في الحسرات. أفاده الفيّوميّ (وَهُوَ مِنْ مِنَى) أي وادي محسّر من جملة منى، وظاهره أنه داخل في حدودها، وعلى هذا فالأمر بالارتفاع عنه؛ لكونه محلّ تحسّر أصحاب الفيل. وقيل: هو من مزدلفة، والتحقيق أنه كالبرزخ بين المزدلفة ومنى، وأن معنى قوله: "وهو من منى" أي هو موضع قريبٌ من منى في آخر المزدلفة (قَالَ: "عَلَيكُمْ بحَصَى الْخَذْفِ") بالخاء، والذال المعجمتين، أي الزموا حصى الرمي، والمراد به الحصى الصغار. قال الفيّوميّ: حذفت الحصاة ونحوها حذفًا، من باب ضرب: رميتها بطرفي الإبهام والسبّابة، وقولهم: يأخذ حصي الخذف: معناه حصى الرمي، والمراد الحصى الصغار، لكنه أطلق مجازًا انتهى. وقوله (الَّذِي يُرْمَى بِهِ) بالبناء للمفعول تأكيد لمعنى حصى الخذف. وفي رواية مسلم: "يُرمى به الجمرةُ"، و"الجمرة" بالرفع نائب فاعل "يُرمَى". (فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُلَبِّي، حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ) أي جمرة العقبة يوم النحر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث الفضل بن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٠٤/ ٣٠٢١ و ٢١٤/ ٣٠٥٣ و ٢١٦/ ٣٠٥٦ و ٢١٨/ ٣٠٥٩ و ٢٢٨/

стр. 13269

٣٠٧٩ و ٢٢٩/ ٣٠٨١ و ٣٥٨٢ و ٣٠٨٣ - وفي "الكبرى" ٢١٧/ ٤٠٥٦ و ٢٣٤/ ٤٠٨٦. وأخرجه (خ) في "الحجّ" ١٥٤٤ و ١٦٨٥ (م) في "الحجّ" ١٢٨١ و ١٢٨٢ (د) في "المناسك" ١٨١٥ (ت) في "الحجّ"٩١٨ (ق) في "المناسك" ٣٠٤٠ (أحمد) في "مسند بني هاشم"١٧٩٤ و ١٨٠١ و ١٨١١ و ١٨٢٤ (الدارميّ) في "المناسك" ١٨٩١ و ١٩٠٢. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو الأمر بلزوم السكينة في الإفاضة من عرفة. (ومنها): الأمر أيضًا بلزومها في الدفع من المزدلفة إلى منى. (ومنها): مشروعيّة التقاط الحصى من طريق منى، وسيأتي بيانه في بابه -٢١٨/ ٣٠٥٩ - إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): استحباب لزوم التلبية إلى أن يرمي جمرة العقبة، وفيه أقوال لأهل العلم، سيأتي بيانها في -٢٢٩/ ٣٠٨١ باب "قطع المحرم التلبية إذا رمى جمرة العقبة"، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠٢٢ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ, عَنْ جَابِرٍ, قَالَ: "أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ, وَأَمَرَهُمْ بِالسَّكِينَةِ, وَأَوْضَعَ فِي وَادِي مُحَسِّرٍ, وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْمُوا الْجَمْرَةَ بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن منصور) بن ثابت الْجَوّاز المكيّ، ثقة [١٠] ٢٠/ ٢١ من أفراد المصنّف. ويحتمل أن يكون محمد بن منصور بن داود الطوسيّ، نزيل بغداد، أبا جعفر العابد، ثقة، من صغار [١٠] ٤٦/ ٧٤١ من أفراد المصنّف، وأبي داود. [تنبيه]: قوله: "محمد بن منصور" هكذا وقع في نسخ "المجتبى" كلها التي عندي، والذي ذكره الحافظ المزّي -رحمه اللَّه تعالى- في "تحفة الأشراف" ٢/ ٣٠٣ أن النسائيّ أخرجه عن "عمرو بن منصور"، ولعله وقع له في النسخة التي عنده هكذا، و"عمرو بن منصور" هو النسائيّ، أبو سعيد، ثقة ثبت [١١] ١٠٨/ ١٤٧، وهو ممن تفرّد به المصنّف، ولم يظهر لي ما هو الصواب، ولكنّ مثل هذا لا يضرّ في صحة السند؛ إذ كلهم ثقات، فليُتنبّه. والحديث أخرجه المصنف في "الكبرى" عن محمد بن المثنّى، عن عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان بالسند المذكور. واللَّه تعالى أعلم. ٢ - (أبو نُعيم) الفضل بن دُكين الملائيّ الكوفيّ، ثقة ثبت [٩] ١١/ ٥١٦.

стр. 13270

٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ المذكور في الباب الماضي. ٤ - (أبو الزبير) المذكور في السند الماضي. ٥ - (جابر) بن عبد اللَّه بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٣١/ ٣٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أن فيه جابرًا - رضي اللَّه تعالى عنه - من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ جَابِرِ) بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: "أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي رجع من المزدلفة إلى منى (وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (وَأَمَرَهُمْ بِالسَّكِينَةِ) أي أمر أصحابه - رضي اللَّه تعالى عنهم - بلزوم السكينة في حال سيرهم (وَأَوْضَعَ) أي أسرع السير بإبله، يقال: وضع البعيرُ وَضعًا: إذا أسرع، وأوضعه صاحبه: إذا حمله على سرعة السير (فِي وَادِي مُحَسِّرٍ) أي أسرع في المرور فيه، ومقدار الإسراع في ذلك الوادي قدر رمية بحجر، فقد روى البيهقيّ من طريق مالك، عن نافع: "أن عبد اللَّه بن عمر، كان يحرّك راحلته في بطن محسّر قد رَمْية بحجر" (١)، وسيأتي مزيد لذلك في بابه -٢١٥/ ٣٠٥٣ - (وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْمُوا الْجَمْرَةَ بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ) تقدّم معناه في الحديث الماضي. ولفظ "الكبرى" من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن الثوريّ: "أفاض رسول اللَّه ﷺ من عرفة، وعليه السكينة، وأمرنا بالسكينة، ثم قال: "خذوا مناسككم، لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا، وارموا بمثل حصى الخذف". قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، وقد تقدّم تخريجه في باب "ترك التسمية عند الإهلال " - ٥١/ ٢٧٤٠ - . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهوحسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠٢٣ - (أَخْبَرَنِي أَبُو دَاوُدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ, عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ, وَجَعَلَ يَقُولُ: «السَّكِينَةَ, عِبَادَ اللَّهِ» , يَقُولُ بِيَدِهِ هَكَذَا, وَأَشَارَ أَيُّوبُ بِبَاطِنِ كَفِّهِ إِلَى السَّمَاءِ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه "أبي
следующие страницы →