← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 13266–13305 · переход к 13271.

стр. 13266

يَقُولُ: لَمَّا دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , شَنَقَ نَاقَتَهُ, حَتَّى أَنَّ رَأْسَهَا لَيَمَسُّ وَاسِطَةَ رَحْلِهِ, وَهُوَ يَقُولُ لِلنَّاسِ: «السَّكِينَةَ, السَّكِينَةَ». عَشِيَّةَ عَرَفَةَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن عليّ بن حرب) المروزيّ المعروف بـ"الترك"، ثقة [١١] ١٠٩/ ١٤٨. ٢ - (مُحْرِز بن الوَضّاح) بن مُحرز المروزيّ، مقبول [٩] ١٦/ ٢٤٦٨. ٣ - (إسماعيل بن أميّة) بن سعيد الأمويّ المكيّ ثقة ثبت [٦] ١٦/ ٢٤٦٨. ٤ - (أبو غَطَفَان -بفتحات- ابن طَريف) أو ابن مالك المرّيّ -بالراء- المدنيّ، قيل: اسمه سعد، ثقة، من كبار [٣]. ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل المدينة، وقال: كان قد لزم عثمان، وكتب له، وكتب أيضًا لمروان. وقال النسائيّ في "الكنى": أبو غَطَفَان ثقة، قيل: اسمه سعد. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: أبو غطفان ثقة. وقال الدوريّ، عن أبي بكر بن داود: أبو غطفان مجهول. وفرّق البزّار بين الراوي عن أبي هريرة، وبين الراوي عن ابن عباس، جعلهما اثنين. روى له مسلم، وأبو داود، والمصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنف في هذا الكتاب حديث الباب فقط. ٦ - (ابن عبّاس) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وشيخ شيخه، فإنهما من أفراده. (ومنها): أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، ومن المكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي غَطَفَانَ بْنِ طَريفٍ، حَدَّثَهُ أنَهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (يَقُولُ: لَمَّا دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي رجع من عرفة. قال السنديّ: الدفع متعدّ، لكن شاع استعماله بلا ذكر المفعول في موضع رجع؛ لظهوره، أي دفع نفسه، أو مطيّه حتى إنه يفهم منه اللازم. وقيل: سمي الرجوع من عرفات، ومزدلفة دفعًا؛ لأن في مسيرهم ذاك مدفوعون يدفع بعضهم بعضًا (شَنَقَ نَاقَتَهُ) بفتح نون خفيفة من حدّ ضرب، أي ضمّ، وضيّق زمامها، يقال: شَنَقْتُ البعيرَ إذا كففتَ زمامه، وأنت راكبه (حَتَّى إِن رَأْسهَا لَيَمَسُّ وَاسِطَةَ رَحْلِهِ) أي مقدّمه، قال في "القاموس": واسطة

стр. 13267

الْكُور (١)، وواسطه: مقدّمه. انتهى (وَهُوَ يَقُولُ لِلنَّاسِ: "السَّكِينَةَ، السَّكِينَةَ") أي الزموا السكينة، والتكرار للتأكيد (عَشِيَّةَ عَرَفَةَ) منصوب على الظرفية، متعلّق بـ"يقول"، أو بخبر مبتدإ محذوف، أي ذلك كان عشية عرفة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٢٠٤/ ٣٠٢١ - وفي " الكبرى" ٢٠٣/ ٤٠١٥. وأخرجه (خ) في "الحجّ" ١٦٧١ (د) في "المناسك" ١٩٢٠ (أحمد) في "مسند بني هاشم" ٢٠٨٣ و ٢١٩٤ و٢٤٢٣ و٢٥٠٣. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠٢١ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ, عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ, مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ, وَكَانَ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: فِي عَشِيَّةِ عَرَفَةَ, وَغَدَاةِ جَمْعٍ لِلنَّاسِ, حِينَ دَفَعُوا: «عَلَيْكُمُ السَّكِينَةَ» , وَهُوَ كَافٌّ نَاقَتَهُ, حَتَّى إِذَا دَخَلَ مُحَسِّرًا, وَهُوَ مِنْ مِنًى, قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَذْفِ, الَّذِي يُرْمَى بِهِ» , فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُلَبِّي, حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (الليث) بن سعد المصريّ الإمام الحجة الفقيه الفاضل [٧] ٣١/ ٣٥. ٣ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] ٣١/ ٣٥. ٤ - (أبو معبد) اسمه نافذ -بفاء، وذال معجمة- مولى ابن عبّاس المكيّ، ثقة [٤] ٧٩/ ١٣٣٥. والباقيان تقدّما في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ، والأخ عن أخيه، وتابعي عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 13268

شرح الحديث (عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، هو شقيق عبد اللَّه الراوي عنه، وهو أكبر أولاد العباس - رضي اللَّه تعالى عنه -، وكان يكنى به، استُشهد في خلافة عمر - رضي اللَّه تعالى عنهم -، كما تقدّم قريبًا (وَكَانَ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أي من مزدلفة إلى منى، والجملة معترضة (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: فِي عَشِيَّةِ عَرَفَةَ) هذا سمعه منه ﷺ ، وهو غير رديفه؛ لأن رديفه في ذلك الوقت هو أسامة بن زيد - رضي اللَّه تعالى عنهما - (وَغَدَاةِ جَمْعٍ) أي صباح ليلة المزدلفة، حيث كان رديفه ﷺ (لِلنَّاسِ) متعلقٌ بـ"قال" (حِينَ دَفَعُوا) أي رجعوا من عرفة إلى المزدلفة، ومنها إلى منى ("عَلَيْكُمُ السَّكِينَةَ") أي الزموها، والجملة في محلّ نصب مقول القول (وَهُوَ) ﷺ (كَافٌّ نَاقَتَهُ) بتشديد الفاء، اسم فاعل من الكفّ، وهو المنع، أي مانعها من الإسراع حين الزحام. والجملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (حَتَّى إِذَا دَخَلَ مُحَسِّرًا) بصيغة اسم الفاعل من التحسير، يقال: حسّرتُهُ -بالتثقيل-: أوقعته في الحسرة، اسم واد بين المزدلفة ومنى، سمّي به؛ لأن فيل أَبْرَهَة كَلَّ فيه، وأعيا، فحسّرَ أصحابه بفعله، وأوقعهم في الحسرات. أفاده الفيّوميّ (وَهُوَ مِنْ مِنَى) أي وادي محسّر من جملة منى، وظاهره أنه داخل في حدودها، وعلى هذا فالأمر بالارتفاع عنه؛ لكونه محلّ تحسّر أصحاب الفيل. وقيل: هو من مزدلفة، والتحقيق أنه كالبرزخ بين المزدلفة ومنى، وأن معنى قوله: "وهو من منى" أي هو موضع قريبٌ من منى في آخر المزدلفة (قَالَ: "عَلَيكُمْ بحَصَى الْخَذْفِ") بالخاء، والذال المعجمتين، أي الزموا حصى الرمي، والمراد به الحصى الصغار. قال الفيّوميّ: حذفت الحصاة ونحوها حذفًا، من باب ضرب: رميتها بطرفي الإبهام والسبّابة، وقولهم: يأخذ حصي الخذف: معناه حصى الرمي، والمراد الحصى الصغار، لكنه أطلق مجازًا انتهى. وقوله (الَّذِي يُرْمَى بِهِ) بالبناء للمفعول تأكيد لمعنى حصى الخذف. وفي رواية مسلم: "يُرمى به الجمرةُ"، و"الجمرة" بالرفع نائب فاعل "يُرمَى". (فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُلَبِّي، حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ) أي جمرة العقبة يوم النحر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث الفضل بن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٠٤/ ٣٠٢١ و ٢١٤/ ٣٠٥٣ و ٢١٦/ ٣٠٥٦ و ٢١٨/ ٣٠٥٩ و ٢٢٨/

стр. 13269

٣٠٧٩ و ٢٢٩/ ٣٠٨١ و ٣٥٨٢ و ٣٠٨٣ - وفي "الكبرى" ٢١٧/ ٤٠٥٦ و ٢٣٤/ ٤٠٨٦. وأخرجه (خ) في "الحجّ" ١٥٤٤ و ١٦٨٥ (م) في "الحجّ" ١٢٨١ و ١٢٨٢ (د) في "المناسك" ١٨١٥ (ت) في "الحجّ"٩١٨ (ق) في "المناسك" ٣٠٤٠ (أحمد) في "مسند بني هاشم"١٧٩٤ و ١٨٠١ و ١٨١١ و ١٨٢٤ (الدارميّ) في "المناسك" ١٨٩١ و ١٩٠٢. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو الأمر بلزوم السكينة في الإفاضة من عرفة. (ومنها): الأمر أيضًا بلزومها في الدفع من المزدلفة إلى منى. (ومنها): مشروعيّة التقاط الحصى من طريق منى، وسيأتي بيانه في بابه -٢١٨/ ٣٠٥٩ - إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): استحباب لزوم التلبية إلى أن يرمي جمرة العقبة، وفيه أقوال لأهل العلم، سيأتي بيانها في -٢٢٩/ ٣٠٨١ باب "قطع المحرم التلبية إذا رمى جمرة العقبة"، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠٢٢ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ, عَنْ جَابِرٍ, قَالَ: "أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ, وَأَمَرَهُمْ بِالسَّكِينَةِ, وَأَوْضَعَ فِي وَادِي مُحَسِّرٍ, وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْمُوا الْجَمْرَةَ بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن منصور) بن ثابت الْجَوّاز المكيّ، ثقة [١٠] ٢٠/ ٢١ من أفراد المصنّف. ويحتمل أن يكون محمد بن منصور بن داود الطوسيّ، نزيل بغداد، أبا جعفر العابد، ثقة، من صغار [١٠] ٤٦/ ٧٤١ من أفراد المصنّف، وأبي داود. [تنبيه]: قوله: "محمد بن منصور" هكذا وقع في نسخ "المجتبى" كلها التي عندي، والذي ذكره الحافظ المزّي -رحمه اللَّه تعالى- في "تحفة الأشراف" ٢/ ٣٠٣ أن النسائيّ أخرجه عن "عمرو بن منصور"، ولعله وقع له في النسخة التي عنده هكذا، و"عمرو بن منصور" هو النسائيّ، أبو سعيد، ثقة ثبت [١١] ١٠٨/ ١٤٧، وهو ممن تفرّد به المصنّف، ولم يظهر لي ما هو الصواب، ولكنّ مثل هذا لا يضرّ في صحة السند؛ إذ كلهم ثقات، فليُتنبّه. والحديث أخرجه المصنف في "الكبرى" عن محمد بن المثنّى، عن عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان بالسند المذكور. واللَّه تعالى أعلم. ٢ - (أبو نُعيم) الفضل بن دُكين الملائيّ الكوفيّ، ثقة ثبت [٩] ١١/ ٥١٦.

стр. 13270

٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ المذكور في الباب الماضي. ٤ - (أبو الزبير) المذكور في السند الماضي. ٥ - (جابر) بن عبد اللَّه بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٣١/ ٣٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أن فيه جابرًا - رضي اللَّه تعالى عنه - من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ جَابِرِ) بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: "أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي رجع من المزدلفة إلى منى (وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (وَأَمَرَهُمْ بِالسَّكِينَةِ) أي أمر أصحابه - رضي اللَّه تعالى عنهم - بلزوم السكينة في حال سيرهم (وَأَوْضَعَ) أي أسرع السير بإبله، يقال: وضع البعيرُ وَضعًا: إذا أسرع، وأوضعه صاحبه: إذا حمله على سرعة السير (فِي وَادِي مُحَسِّرٍ) أي أسرع في المرور فيه، ومقدار الإسراع في ذلك الوادي قدر رمية بحجر، فقد روى البيهقيّ من طريق مالك، عن نافع: "أن عبد اللَّه بن عمر، كان يحرّك راحلته في بطن محسّر قد رَمْية بحجر" (١)، وسيأتي مزيد لذلك في بابه -٢١٥/ ٣٠٥٣ - (وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْمُوا الْجَمْرَةَ بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ) تقدّم معناه في الحديث الماضي. ولفظ "الكبرى" من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن الثوريّ: "أفاض رسول اللَّه ﷺ من عرفة، وعليه السكينة، وأمرنا بالسكينة، ثم قال: "خذوا مناسككم، لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا، وارموا بمثل حصى الخذف". قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، وقد تقدّم تخريجه في باب "ترك التسمية عند الإهلال " - ٥١/ ٢٧٤٠ - . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهوحسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠٢٣ - (أَخْبَرَنِي أَبُو دَاوُدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ, عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ, وَجَعَلَ يَقُولُ: «السَّكِينَةَ, عِبَادَ اللَّهِ» , يَقُولُ بِيَدِهِ هَكَذَا, وَأَشَارَ أَيُّوبُ بِبَاطِنِ كَفِّهِ إِلَى السَّمَاءِ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه "أبي

стр. 13271

داود" سليمان بن سيف الحرّاني، وهو ثقة حافظ من أفراده. و"أيوب": هو السختيانيّ. وقوله: "السكينةَ" منصوب على الإغراء. وقوله: "عباد اللَّه" منصوب على أنه منادى حذف منه حرف النداء، أي يا عباد اللَّه. وقوله: "يقول بيده هكذا" أي يشير، ففيه إطلاق القول على الإشارة، وقد سبق غير مرّة. والحديث صحيح، ولا يضرّه عنعنة أبي الزبير، فإنَّ له شواهدَ، وتمام شرحه، والكلام على مسائله يعلمان مما سبق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢٠٥ - (كَيْفَ السَّيْرُ مِنْ عَرَفَةَ) ٣٠٢٤ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ هِشَامٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ, أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مَسِيرِ النَّبِيِّ ﷺ , فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ, قَالَ: "كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ, فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ, -وَالنَّصُّ فَوْقَ الْعَنَقِ-). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يعقوب بن إبراهيم) الدورقيّ، أبو يوسف البغداديّ، ثقة حافظ [١٠] ٢١/ ٢٢. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطّان البصريّ، ثقة ثبت إمام [٩] ٤/ ٤. ٣ - (هشام) بن عروة الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقة فقيه ربما دلّس [٥] ٤٩/ ٦١. ٤ - (أبوه) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٤٠/ ٤٤. ٥ - (أسامة بن زيد) - رضي اللَّه تعالى عنهما - المذكور قبل باب. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين يروى عنهم الجماعة بلا واسطة. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، ويحيى، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه عروة من الفقهاء السبعة. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 13272

شرح الحديث (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) بن حارثة الكلبي - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مَسِيرِ النَّبِيِّ ﷺ ، فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) بفتح الواو، سميت بذلك لأن ﷺ ودعّ الناس فيها، وقال: "لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا"، وغلط من كره تسميتها بذلك. وتسمّى البلاع أيضًا؛ لأنه ﷺ قال فيها: "ألا هل بلّغت". وتسمة حجة الإسلام؛ لأنها التي حجّ فيها بأهل الإسلام ليس فيها مشرك. أفاده العينيّ (١). وفي الرواية الآتية في -٢١٤/ ٣٠٥٢ - من طريق مالك، عن هشام بن عروة: "سئل أسامة بن زيد، وأنا جالس معه، كيف كان رسول اللَّه ﷺ يسير في حجة الوداع؟ ". وفي رواية البخاريّ: "سئل أسامة، وأنا جالس، كيف كان رسول اللَّه ﷺ يسير في حجة الوداع حين دفع؟ "، وفي رواية "الموطإ": "حين دفع من عرفة" (قَالَ) أسامة - رضي اللَّه تعالى عنه - (كَانَ) ﷺ (يَسِيرُ الْعَنَقَ) بفتح المهملة، والنون: هو السير بين الإبطاء والإسراع، قال في "المشارق": هو سير سهل في سرعة. وقال القزّاز: العنق سير سريع. وقيل: المشي الذي يتحرّك به عنق الدّابّة. وفي "الفائق": العنق الخطو الفسيح. وانتصاب "العَنَقَ" على المصدر النوعيّ، كرجعت القهقرى (فَإذَا وَجَدَ فَجْوَةً) -بفتح الفاء، وسكون الجيم-: المكان المتّسع بين الشيئن (٢). ورواه أبو مصعب، ويحيى بن بُكير، وغيرهما عن مالك، بلفظ: "فرجة" -بضمّ الفاء، وسكون الراء- وهو بمعنى الفجوة (نَصَّ) أي أسرع. قال أبو عبيد: النصّ تحريك الدابّة حتى يستخرج به أقصى ما عندها، وأصل النصّ غاية المشي، ومنه نصصت الشيء رفعته، ثم استعمل في ضرب سريع من السير (وَالنَّصُّ فَوْقَ الْعَنَقِ) هذا التفسير من هشام بن عروة، كما بيّن في رواية الشيخين، ففي "صحيح البخاريّ": قال هشام: "والنصّ فوق الْعَنَق". قال في "الفتح": قوله: "قال هشام" يعني ابن عروة الراوي، وكذا بين مسلم من طريق حميد بن عبد الرحمن، وأبو عوانة من طريق أنس بن عياض، كلاهما عن هشام أن التفسير من كلامه، وأدرجه يحيى القطّان فيما أخرجه المصنّف -يعني البخاريّ- في "الجهاد"، وسفيان فيما أخرجه النسائيّ، وعبد الرحيم بن سليمان، ووكيع فيما أخرجه ابن خُزيمة كلهم عن هشام. وقد رواه إسحاق في "مسنده" عن وكيع، ففصله، وجعل التفسير من كلام وكيع. وقد رواه ابن خزيمة من طريق سفيان، ففصله، وجعل التفسير من كلام

стр. 13273

سفيان، ووسفيان ووكيع إنما أخذا التفسير المذكور عن هشام، فرجع التفسير إليه. وقد رواه أكثر رواة "الموطإ" عن مالك، فلم يذكروا التفسير المذكور. وكذا رواه أبو داود الطيالسيّ عن حماد بن سلمة، ومسلم من طريق حماد بن زيد، كلاهما عن هشام. وقال ابن خزيمة: في هذا الحديث دليلٌ على أن الحديث الذي رواه ابن عبّاس عن أسامة أنه قال: "فما رأيت ناقته رافعة يدها حتى أتى جمعًا" أنه محمول على حال الزحام، دون غيره انتهى. وأشار بذلك إلى ما أخرجه حفص من طريق الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، عن أسامة: أن النبيّ ﷺ أردفه حين أفاض من عرفة، وقال: "أيها الناس عليكم بالسكينة، فإن البرّ ليس بالإيجاف"، قال: فما رأيت ناقته رافعة يدها حتى أتى جمعًا … الحديث. أخرجه أبو داود، وأخرجه البخاريّ من حديث ابن عباس، ليس فيه أسامة. وأخرج مسلم من طريق عطاء، عن ابن عباس، عن أسامة في أثناء حديث، قال: "فما زال يسير على هينته حتى أتى جمعًا"، وهذا يشعر بأن ابن عباس إنما أخذه عن أسامة - رضي اللَّه تعالى عنهم -. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أسامة بن زيد - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٠٥/ ٣٠٢٤ و ٢١١/ ٣٠٥١ - وفي "الكبرى" ٢٠٤/ ٤٠١٩ و ٢١٦/ ٤٠٥٧. وأخرجه (خ) في "الحجّ" ١٦٦٦ و"الجهاد" ٢٩٩٩ و"المغازي" ٤٤١٣ (م) في "الحج" ١٢٨٦ (د) في "المناسك" ١٩٢٣ (ق) في "المناسك" ٣٠١٧ (أحمد) في "مسند الأنصار" ٢١٥٤ و ٢١٢٧٦ و ٢١٣٢٤ (الموطأ) في "الحج" ٨٩٣ (الدارمي) في "المناسك" ١٨٨٠. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فى فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان كيفية السير من عرفة إلى المزدلفة، وهو الإسراع إذا أمكنه، وإلا لزوم السكينة، قال الحافظ أبو عمر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: في هذا الحديث كيفية السير في الدفع من عرفة إلى مزدلفة لأجل الاستعجال للصلاة؛ لأن المغرب لا تُصلّى إلا مع العشاء بالمزدلفة، فيجمع بين المصلحتين، من

стр. 13274

الوقار والسكينة عند الزحمة، ومن الإسراع عند عدم الزحام انتهى. (ومنها): ما كان عليه السلف -رحمهم اللَّه تعالى-، من الحرص على السؤال عن كيفية أحواله ﷺ في جميع حركاته، وسكناته؛ ليقتدوا به في ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢٠٦ - (النُّزولُ بَعْدَ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ) ٣٠٢٥ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ, عَنْ كُرَيْبٍ, عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , حَيْثُ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ, مَالَ إِلَى الشِّعْبِ, قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: أَتُصَلِّى الْمَغْرِبَ؟ , قَالَ: «الْمُصَلَّى أَمَامَكَ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"حماد": هو ابن زيد. واللَّه تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم في "كتاب الصلاة" برقم -٥٠/ ٦٠٩ - من رواية كريب، عن ابن عباس، عن أسامة بن زيد - رضي اللَّه تعالى عنهم -، وتقدّم شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. وأخرجه المصنّف هنا من رواية عكرمة، عن أسامة - رضي اللَّه تعالى عنه - هنا -٢٠٦/ ٣٠٢٥ - و ٢٠٣/ ٣٠١٩ و ٢٠٦/ ٣٠٢٦ و ٢٠٧/ ٣٠٣٢ - وفي "الكبرى" ٢٠٥/ ٤٠٢٠ و ٤٠٢١ و ٤٠٢٢٢٠٧/ ٤٠٢٩. وقوله: "مال" أي عدل عن الطريق. وقوله: "إلى الشعب" -بكسر الشين المعجمة، وسكون العين المهملة- الطريق، وقيل: الطريق في الجبل، والمراد هنا الشعب المعهود للحجّاج، كما يدلّ عليه قوله في الحديث التالي: "نزل الشعب الذي ينزله الأمراء". وقوله: "المصلّى أمامك" بضم الميم، وفتح اللام المشدّدة: ظرف مكان: أي المحلّ الذي تجوز فيه الصلاة في هذه الليلة للحجّاج قُدّامك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠٢٦ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ

стр. 13275

إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ, عَنْ كُرَيْبٍ, عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , نَزَلَ الشِّعْبَ الَّذِي يَنْزِلُهُ الأُمَرَاءُ, فَبَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا, فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, الصَّلَاةَ, قَالَ: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ» , فَلَمَّا أَتَيْنَا الْمُزْدَلِفَةَ, لَمْ يَحُلَّ آخِرُ النَّاسِ حَتَّى صَلَّى). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمود بن غيلان) العدويّ مولاهم، أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠] ٣٣/ ٣٧. ٢ - (وكيع) بن الجرّاح المذكور قبل بابين. ٣ - (سفيان) الثوريّ المذكور في الباب الماضي. ٤ - (إبراهيم بن عُقبة) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم المدنيّ، أخو موسى، ثقة [٦] ٥٠/ ٦٠٩. ٥ - (كُريب) بن أبي مسلم الهاشميّ، مولى ابن عبّاس، أبو رِشْدين المدنيّ، ثقة [٣] ١٦١/ ٢٥٣. ٦ - (أُسامة بن زيد) - رضي اللَّه تعالى عنهما - المذكور في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من إبراهيم. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، نَزَلَ الشِّعْبَ الَّذِي يَنْزِلُهُ الأُمَرَاءُ) وأخرج الفاكهيّ عن سعيد بن جبير، قال: "دفعت مع ابن عمر من عرفة، حتى إذا وازينا الشعب الذي يصلي فيه الخلفاء المغرب دخله ابن عمر، فتنفّض فيه، ثم توضأ، وكبّر، فانطلق، حتى جاء جمعًا، فأقام، فصلّى المغرب، فلما سلّم قال: الصلاة، ثم صلّى العشاء". وأصله في الجمع بجمع عند مسلم، وأصحاب السنن. وروى الفاكهيّ أيضًا من طريق ابن جريج، قال: قال عطاء: "أردف النبيّ ﷺ أسامة، فلما جاء الشعب الذي يصلّي فيه الخلفاء الآن المغرب، نزل، فأهراق الماء، ثم توضّأ". قال الحافظ: وظاهر هذين الطريقين أن الخلفاء كانوا يصلّون المغرب عند الشعب المذكور قبل دخول وقت العشاء، وهو خلاف السنّة في الجمع بين الصلاتين بمزدلفة. ووقع عند مسلم من طريق محمد بن عقبة، عن كريب: "الشعب الذي يُنيخ

стр. 13276

الناس فيه للمغرب"، والمراد بالخلفاء، والأمراء في هذا الحديث بنو أميّة، فلم يوافقهم ابن عمر على ذلك، وجاء عن عكرمة إنكار ذلك. وروى الفاكهيّ أيضًا من طريق ابن أبي نَجيح سمعت عكرمة يقول: اتخذه رسول اللَّه ﷺ مبالاً، واتخذتموه مصلّى، وكأنه أنكر بذلك على من ترك الجمع بين الصلاتين لمخالفته السنة في ذلك، وكان جابر يقول: لا صلاة إلا بجمع. أخرجه ابن المنذر بإسناد صحيح. ونقل عن الكوفيين. وعن ابن القاسم صاحب مالك، وجوب الإعادة، وعن أحمد: إن صلّى أجزأه، وهو قول أبي يوسف، والجمهور. قاله في "الفتح" (١). (فَبَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا) أي خفّفه بأن توضّأ مرّةً مرّةً، وخفّف استعمال الماء بالنسبة إلى غالب عادته. وفي رواية البخاريّ من طريق مالك، عن موسى بن عقبة، عن كريب: "ثم توضّأ، ولم يُسبغ الوضوء"، وهو بمعنى قوله هنا: "ثم توضّأ وضوءًا خفيفًا". وأغرب ابن عبد البرّ، فقال: معنى قوله: "فلم يُسبغ الوضوء"، أي استنجى به، وأطلق عليه اسم الوضوء اللغويّ؛ لأنه من الوضاءة، وهي النظافة، ومعنى الإسباغ الإكمال، أي لم يكمل وضوءه، فيتوضّأ للصلاة، قال: وقد قيل: إنه توضّأ وضوءًا خفيفا، ولكن الأصول تدفع هذا؛ لأنه لا يشرع الوضوء لصلاة واحدة مرّتين، وليس ذلك في رواية مالك، ثم قال: وقد قيل: إن معنى قوله: "لم يسبغ الوضوء"، أي لم يتوضأ في جميع أعضاء الوضوء، بل اقتصر على بعضها، واستضعفه انتهى. وحكى ابن بطّال أن عيسى بن دينار من قدماء أصحابهم سبق ابن عبد البرّ إلى ما اختاره أوّلاً. قال الحافظ": وهو متعقّبٌ بهذه الرواية الصريحة، وقد تابع محمد بن أبي حرملة- يعني الراوي عن كريب- عليها محمد بن عقبة أخو موسى، أخرجه مسلم بمثل لفظه، وتابعهما إبراهيم بن عقبة، أخو موسى أيضًا، أخرجه مسلم أيضًا، بلفظ: "فتوضّأ وضوءًا ليس بالبالغ". وأخرجه البخاريّ من طريق موسى بن عقبة بلفظ: "فجعلت أصبّ عليه، ويتوضّأ". ولم تكن عادته ﷺ أن يباشر ذلك أحدٌ منه حال الاستنجاء، ويوضّحه ما أخرجه مسلم أيضًا من طريق عطاء، مولى ابن سباع، عن أسامة في هذه القصّة، قال فيها أيضًا: "ذهب إلى الغائط، فلما رجع صببت عليه من الإداوة". قال القرطبيّ: اختلف الشرّاح في قوله: "ولم يسبغ الوضوء"، هل المراد به اقتصر به على بعض الأعضاء، فيكون وضوءًا لغويًا، أو اقتصر على بعض العدد، فيكون وضوءًا

стр. 13277

شرعيًّا؟، قال: وكلاهما محتمل، لكن يعضد من قال بالثاني قوله في الرواية الأخرى: "وضوءًا خفيفًا"؛ لأنه يقال في الناقص خفيف، ومن موضّحات ذلك أيضًا قول أسامة له: "الصلاة"، فإنه يدلّ على أنه رآه يتوضّأ للصلاة، ولذلك قال له: أتصلّي. كذا قال ابن بطال فيه نظر؛ لأنه لا مانع أن يقول له ذلك؛ لاحتمال أن يكون مراده أتريد الصلاة، فلم لم تتوضّأ وضوءها؟، وجوابه بأن الصلاة أمامك، معناه أن المغرب لا تصلّى هنا، فلا تحتاج إلى وضوء الصلاة، وكأن أسامة ظنّ أن النبيّ ﷺ نسي صلاة المغرب، ورأى وقتها قد كاد أن يخرج، أو خرج، فأعلمه النبيّ ﷺ أنها في تلك الليلة يشرع تأخيرها لتجمع مع العشاء بالمزدلفة، ولم يكن أسامة يعرف تلك السنّة قبل ذلك. وأما اعتلال ابن عبد البرّ بأن الوضوء لا يشرع مرّتين لصلاة واحدة، فليس بلازم؛ لاحتمال أنه توضّأ ثانيًا عن حدث طارىء، وليس الشرط بأنه لا يشرع تجديد الوضوء إلا لمن أدّى به صلاةً، فرضًا، أو نفلاً متّفقًا عليه، بل ذهب جماعة إلى جوازه، وإن كان الأصحّ خلافه. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "وإن كان الأصحّ خلافه" أصحية هذا القول ليس عليه دليل، بل الذي تدلّ عليه الأدلة الصحيحة مشروعية تجديد الوضوء، مطلقًا، سواء أدى به عبادة، أم لا؟؛ لأن الوضوء عبادة بنفسه، وقد تقدّم تحقيق ذلك في "أبواب الطهارة" برقم ١٠٨/ ١٤٧، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم. قال: وإنما توضّأ أوّلاً ليستديم الطهارة، ولا سيّما في تلك الحالة لكثرة الاحتياج إلى ذكر اللَّه حينئذ، وخفف الوضوء لقلة الماء حينئذ. وقال الخطّابيّ: إنما ترك إسباغه حين نزل الشعب ليكون مستصحبًا للطهارة في طريقه، وتجوّز فيه؛ لأنه لم يُرد أن يصلّي به، فلما نزل، وأرادها أسبغه. انتهى (١). قال أسامة - رضي اللَّه تعالى عنه - (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الصَّلَاةَ) قال أبو البقاء: الوجه النصب على تقدير: تريد الصلاةَ؟، أو أتصلّي الصلاةَ؟. وقال القاضي عياض: بالنصب على الإغراء، ويجوز الرفع على إضمار فعل، أي حانت الصلاةُ، أو حَضَرت انتهى. (قَالَ) ﷺ (الصَّلَاة) بالرفع على الابتداء على حذف مضاف، أي محلّ الصلاة (أَمَامَك) منصوب على الظرفية، متعلّق بخبر المبتدا أي كائن قدّامك. وقال في "الفتح": "أمامك" بفتحة الهمزة، والنصب على الظرفية، أي الصلاةُ ستصلّى بين يديك، أو أطلق الصلاة على مكانها، أي المُصَلَّى بين يديك، أو معنى "أمامك" لا تفوتك، وستدركها انتهى (فَلَمَّا أَتيْنَا الْمُزْدَلِفَةَ، لَمْ يَحُلَّ) بفتح حرف المضارعة، وضم

стр. 13278

الحاء المهملة، من الحلّ، ثلاثيًّا، من باب نصر، أي لم يَفُكَّ ما على الجمال من الأحمال (آخِرُ النَّاس) بالرفع على الفاعلية (حَتَّى صَلَى) وفي الرواية الآتية في الباب التالي: "أقبلنا نسير حتى بلغنا المزدلفة، فأناخ، فصلّى المغرب، ثم بعث إلى القوم، فأناخوا في منازلهم، فلم يحلّوا حتى صلى رسول اللَّه ﷺ العشاء الآخرة، ثم حلّ الناس، فنزلوا". وإنما صنعوا ذلك رفقًا بالدوابّ، أو للأمن من تَشَوُّشِهِمْ بها. وفي رواية للبخاريّ من طريق مالك عن موسى بن عقبة: "حتى جاء المزدلفة، فتوضّأ، فأسبغ الوضوء، ثم أُقيمت الصلاة، فصلّى المغرب، ثم أناخ كلّ إنسان بعيره في منزله، ثم أُقيمت الصلاةُ، فصلّى، ولم يُصلّ بينهما". وفيه إشعار بأنه خفّف القراءة في الصلاتين، وأنه لا بأس بالعمل اليسير بين الصلاتين اللتين يُجمع بينهما، ولا يقطع ذلك الجمع، وأنه لا يشرع التنفّل بين الصلاتين. والحديث متّفق عليه، وسبق الكلام في تخريجه في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢٠٧ - (الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاَتيْنِ بِالْمُزْدَلِفَةِ) ٣٠٢٧ - (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ, عَنْ حَمَّادٍ, عَنْ يَحْيَى, عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ, عَنْ أَبِي أَيُّوبَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"حماد": هو ابن زيد. و"يحيى": هو ابن سعيد الأنصاريّ. و"عبد اللَّه بن يزيد" هو الْخَطْميّ الأنصاريّ صحابيّ صغير، ولي الكوفة لابن الزبير - رضي اللَّه تعالى عنهما -. و"أبو أيوب": هو الصحابي المشهور، واسمه خالد بن زيد بن كليب الأنصاريّ من كبار الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم -. وقوله: "بجمع" -بفتح الجيم، وسكون الميم- أي بالمزدلفة، وسميت به لاجتماع

стр. 13279

الحجّاج فيها، وقيل غير ذلك، مما تقدم من الأقوال في سبب تسميتها. واللَّه تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم في "كتاب الصلاة" برقم -٤٩/ ٦٠٥ - باب "الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة"، وتقدّم شرحه مستوفًى، وكذا بيان مسائله هناك، ولنذكر هنا مسألتين مما تتعلّق بالترجمة، فنقول: (المسألة الأولى): في اختلاف أهل العلم في حكم الجمع، والقصر في عرفة، والمزدلفة، ومنى: (اعلم): أنه لا خلاف بين أهل العلم في مشروعية الجمع بين الظهر والعصر بعرفة، والمغرب والعشاء بالمزدلفة، وإنما الخلاف، هل هو للنسك، أو لمطلق السفر، أو للسفر الطويل؟، فمن قال: للنسك، وهو الحقّ، قال: يجمع أهل مكة، ومنى، وعرفة، والمزدلفة، ومن قال: لمطلق السفر، قال: يجمعون، سوى أهل المزدلفة، ومن قال: للسفر الطويل، قال: يُتمّ أهل مكة، ومنى، وعرفة، والمزدلفة، وجميع من كان بينه وبينها دون مسافة القصر، ويقصر من طال سفره. قال ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى- في "المغني": ما ملخّصه: يجوز الجمع لكلّ من بعرفة من مكيّ وغيره، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الإمام يَجمع بين الظهر والعصر بعرفة، وكذلك من صلّى مع الإمام. قال: فأما قصر الصلاة، فلا يجوز لأهل مكّة، وبهذا قال عطاء، ومجاهد، والزهريّ، وابن جريج، والثوريّ، ويحيى القطّان، والشافعيّ، وأصحاب الرأي، وابن المنذر. وقال القاسم بن محمد، وسالم، ومالك، والأوزاعيّ: لهم القصر؛ لأن لهم الجمع، فكان لهم القصر كغيرهم. انتهى كلام ابن قُدامة باختصار. (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه القائلون بمشروعيّة الجمع والقصر في عرفة، والمزدلفة، وكذا القصر في أيام منى لكلّ من أحرم بالحجّ، سواء كان مسافرًا، أم غير مسافر هو الحقّ؛ لأن النبيّ ﷺ جمع وقصر بمن معه من الحجاج، ولم يأمر أهل مكة، ولا غيرهم بالإتمام، فدلّ على أن ذلك للنسك. وأما احتجاج بعضهم بما أخرجه الترمذيّ في جامعه من حديث عمران بن حُصين - رضي اللَّه تعالى عنهما - أنه ﷺ كان يصلّي بمكة ركعتين، ويقول: "يا أهل مكة أَتِمُّوا، فإنا قوم سَفْرٌ"، قال: وكأنه ترك إعلامهم بذلك بمنى استغناءً بما تقدّم بمكة. فمتعقّبٌ بأن الحديث ضعيف؛ لأنه من رواية عليّ بن زيد بن جُدْعان، وهو

стр. 13280

ضعيف، ولو صحّ فالقصّة كانت زمن الفتح، وقصّة منى في حجة الوداع، وكان لا بدّ من بيان ذلك؛ لبعد العهد، ولكثرة من حضر في الحجّ ممن لم يحضر الفتح، فتأمّل بالإنصاف، ولا تتحيّر بالاعتساف. والحاصل أن الحقّ قول من قال: إن الجمع والقصر للنسك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في حكم صلاة المغرب قبل المزدلفة: قال الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى-- بعد ذكر الحديث-: ما نصّه: والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم، أنه لا يصلي المغرب دون جمع. قال الحافظ العراقيّ -رحمه اللَّه تعالى-: كأنه أراد العمل عليه مشروعيّةً، واستحبابًا، لا تحتمًا، ولا لزومًا، فإنهم لم يتّفقوا على ذلك، بل اختلفوا فيه، فقال سفيان الثوريّ: لا يصليهما حتى يأتي جمعًا، وله السعة في ذلك إلى نصف الليل، فإن صلاهما دون جمع أعاد، وكذا قال أبو حنيفة: إن صلاهما قبل المزدلفة فعليه الإعادة، وسواء صلاهما قبل مغيب الشفق، أو بعده، فعليه أن يعيدهما إذا أتى المزدلفة. وقال مالك: لا يصليهما أحد قبل جمع، إلا من عذر، ولم يجمع بينهما حتى يغيب الشفق. وذهب الشافعيّ إلى أن هذا هو الأفضل، وأنه إن جمع بينهما في وقت المغرب، أو في وقت العشاء بأرض عرفات، أو غيرها، أو صلّى كلّ صلاة في وقتها جاز ذلك، وبه قال الأوزاعيّ، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، وأبو يوسف، وأشهب، وحكاه النوويّ عن أصحاب الحديث، وبه قال عطاء، من التابعين، وعروة، وسالم، والقاسم، وسعيد بن جبير. قاله العينيّ (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأرجح عندي قول من قال: لا يجمع قبل المزدلفة، فإن جع أعاد، ولا بدّ؛ لقوله ﷺ لأسامة بن زيد - رضي اللَّه تعالى عنهما - حين سأله عن الصلاة في الطريق: "الصلاة أمامك"، وفي لفظ: "المصلّى أمامك"، فبيّن أن محلّ الصلاتين، ووقتهما عند الوصول إلى المزدلفة، لا قبل ذلك، وقد تقدّم هذا البحث في "كتاب الصلاة" برقم ٤٩/ ٦٠٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠٢٨ - (أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا, قَالَ: حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ, عَنْ دَاوُدَ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ عُمَارَةَ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ, عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ).

стр. 13281

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الحديث كلهم رجال الصحيح، غير داود، فإنه من أفراد المصنّف، وهو ثقة فقيه، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"القاسم بن زكريا": هو الكوفيّ الطحّان الثقة. ودامصعب بن المقدام": هو أبو عبد اللَّه الكوفيّ، صدوق، له أوهام. و"داود": هو ابن نُصير أبو سليمان الطائيّ الكوفيّ الثقة الفقيه الزاهد، من أفراد المصنّف. و"عمارة": هو ابن عُمير التيميّ الكوفيّ الثقة الثبت. و"عبد الرحمن بن يزيد": هو النخعيّ الكوفيّ التابعيّ الحجة الثبت، أخو الأسود. والحديث متّفق عليه، وتقدم للمصنّف برقم -٤٩/ ٦٠٨ - في الباب المتقدم، وتقدم شرحه، ومسائله هناك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠٢٩ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ, عَنْ سَالِمٍ, عَنْ أَبِيهِ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ, بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ, لَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا, وَلَا عَلَى إِثْرِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"يحيى": هو القطّان. و"ابن أبي ذئب": هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب. وقوله: "بإقامة واحدة" أي لكلّ واحدة منهما بدليل الرواية المتقدّمة في "كتاب الصلاة" رقم ٢٠/ ٦٦٠ - بلفظ: "صلّى كلّ واحدة منهما بإقامة". [تنبيه]: لم يُذكَر الأذان في حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا، وقد اختلف أهل العلم في ذلك على ستة أقوال؛ لاختلاف الآثار في ذلك: (أحدها): أنه يقيم لكلّ منهما، ولا يؤذن لواحدة منهما، وهو قول القاسم بن محمد، وسالم، وهو إحدى الروايتين عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وبه قال إسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل في أحد القولين عنه، وهو قول الشافعيّ، وأصحابه فيما حكاه الخطّابيّ، والبغويّ، وغير واحد. وقال النوويّ في "شرح مسلم": الصحيح عند أصحابنا أنه يصليهما بأذان للأولى، وإقامتين لكلّ واحدة. وقال في "الإيضاح": إنه الأصحّ. (الثاني): أنه يصليهما بإقامة واحدة للأولى، وهو إحدى الروايتين عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وهو قول سفيان الثوريّ، فيما حكاه الترمذيّ، والخطابيّ، وابن عبد البرّ، وغيرهم.

стр. 13282

(الثالث): أن يؤذِّن للأولى، ويقيم لكلّ واحدة منهما، وهو قول أحمد بن حنبل في أصحّ قوليه، وبه قال أبو ثور، وعبد الملك بن الماجشون، من المالكيّة، والطحاويّ، وقال الخطابيّ: هو قول أهل الرأي. وذكر ابن عبد البرّ أن الجوزجانيّ حكاه عن محمد ابن الحسن، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة. (الرابع): أنه يؤذن للأولى، ويقيم لها، ولا يؤذّن للثانية، ولا يقيم لها، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف. حكاه النوويّ، وغيره. قال العينيّ: هذا هو مذهب أصحابنا، وعند زفر بأذان وإقامتين. (الخامس): أنه يؤذّن لكلّ منهما، ويقيم، وبه قال عمر بن الخطاب، وعبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وهو قول مالك، وأصحابه، إلا ابن الماجشون، وليس لهم في ذلك حديث مرفوع. قاله ابن عبد البرّ. (السادس): أنه لا يؤذّن لواحد منهما، ولا يقيم. حكاه المحب الطبريّ عن بعض السلف. وهذا كله في جمع التأخير. وأما جمع التقديم، كالظهر والعصر بنمرة، ففيه ثلاثة أقوال: (أحدها): أنه يؤذّن للأولى، ويقيم لكل واحدة منهما، وهو قول الشافعيّ، وجمهور أصحابه. (الثاني): أن يؤذّن للأولى، ويقيم لها، ولا يقيم للثانية، وهو مذهب أبي حنيفة. (الثالث): أنه يؤذّن لكلّ منهما، ويقيم، وهو وجه حكاه الرافعيّ عن ابن كجّ، عن أبي الحسين القطان أنه أخرجه وجهًا. قال العينيّ: [فإن قلت]: ما الأصل في هذه الأقوال؟: [قلت]: الذي قال بأذان وإقامتين قال برواية جابر، والذي قال بلا أذان، ولا إقامة، قال بحديث أبي أيوب، وابن عمر، فإنه ليس فيهما أذان، ولا إقامة، وكذا رواه طلق بن حبيب، وابن سيرين، ونافع عن ابن عمر من فعله. والذي قال بإقامة واحدة قال بحديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -يعني المذكور في الباب، وكذا رواه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - مرفوعًا عند مسلم. والذي قال بإقامة للمغرب، وإقامة للعشاء قال بحديث أسامة، وكذا فعله عمر بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنه -. فهذه الأحاديث التي رويت كلها مسندة، قاله ابن حزم، وقال: أشدّ الاضطراب في ذلك عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، فإنه روي عنه من فعله الجمع بينهما بلا أذان، ولا إقامة، وروي عنه أيضًا بإقامة واحدة، وروي عنه موقوفًا بأذان واحد، وإقامة واحدة، وروي عنه مسندًا الجمع بينهما بإقامتين، وروي عنه مسندًا بأذان واحد، وإقامة واحدة، قال: وهنا قول سادس لم نجده مرويًّا عن النبيّ ﷺ ، وهو ما رويناه عن ابن

стр. 13283

مسعود ﵁ أنه صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة كل واحد منهما بأذان وإقامة، ذكره العينيّ في "شرح البخاريّ" (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأرجح عندي قول من قال: إنه يجمع بينهما بأذان واحد، وإقامة لكلّ واحدة منهما؛ لحديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - الطويل بذلك، وهو مرفوع صريح في ذلك، وما عداه، إما موقوف، كحديث عمر، وابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أو قابل للتأويل، كحديث أسامة، وابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهم -، وقد تقدّم تحقيق ذلك في "كتاب الصلاة" برقم -٢٠/ ٦٦٠ - فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. وقوله: "ولم يسبّح بينهما" أي لم يتنفّل بين الصلاتين. وقوله: "ولا على إثر واحدة منهما" أي ولا عقب كلّ واحدة من الصلاتين، لا عقب الأولى، ولا عقب الثانية، وهذا تأكيد بالنظر إلى الأولى، وتأسيس بالنظر إلى الثانية. قال في "الفتح": ويستفاد منه أنه ترك التنفّل عقب المغرب، وعقب العشاء، ولما لم يكن بين المغرب والعشاء مهلة صرّح بأنه لم يتنفّل بينهما، بخلاف العشاء، فإنه يحتمل أن يكون المراد أنه لم يتنفّل عقبها، لكنه تنفّل بعد ذلك في أثناء الليل، ومن ثمّ قال الفقهاء: تؤخّر سنة العشاء عنهما، ونقل ابن المنذر الإجماع على ترك التطوّع بين الصلاتين بالمزدلفة؛ لأنهم اتفقوا على أن السنّة الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، ومن تنفّل بينهما لم يصحّ أنه جمع بينهما انتهى. قال الحافظ: ويعكر على نقل الاتفاق فعل ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - الآتي في الباب التالي. انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أشار به إلى ما أخرجه البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى-، من طريق أبي إسحاق، قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد، يقول: حجّ عبد اللَّه ﵁، فأتينا المزدلفة، حين الأذان بالعتمة، أو قريبًا من ذلك، فأمر رجلا، فأذن، وأقام، ثم صلى المغرب، وصلى بعدها ركعتين، ثم دعا بعشائه، فتعشى، ثم أمر -أرى- فأذن، وأقام، قال عمرو: لا أعلم الشكّ إلا من زهير، ثم صلى العشاء ركعتين، فلما طلع الفجر، قال إن النبيّ ﷺ ، كان لا يصلي هذه الساعة، إلا هذه الصلاة، في هذا المكان، من هذا اليوم، قال عبد اللَّه: هما صلاتان تحُوَّلان عن وقتهما: صلاة المغرب، بعد ما يأتي الناس المزدلفة، والفجر حين يبزغ الفجر، قال: رأيت النبي ﷺ يفعله انتهى (٢).

стр. 13284

وحديث الباب متّفق عليه، وتقدم للمصنّف بالرقم المذكور، وتقدم هناك تمام شرحه، وبيان مسائله، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠٣٠ - (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ, عَنْ يُونُسَ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ, أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ, قَالَ: جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ, لَيْسَ بَيْنَهُمَا سَجْدَةٌ, صَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ, وَالْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ, وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَجْمَعُ كَذَلِكَ, حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو، وأبو داود. و"عيسى بن إبراهيم": هو الغافقيّ المثروديّ المصريّ الثقة. و"عبيد اللَّه بن عبد اللَّه": ولد عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب المدنيّ الثقة، شقيق سالم (١). والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم البحث فيه في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠٣١ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ سَلَمَةَ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِجَمْعٍ, بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه عمرو ابن منصور النسائيّ، فمن أفراده، وهو ثقة. و"أبو نعيم": هو فضل بن دُكين. و"سفيان": هو الثوريّ. و"سلمة": هو ابن كُهيل. وقوله: "بإقامه واحدة" تقدّم أن المعنى بإقامة واحدة لكلّ واحدة منهما، جمعًا بين هذه الرواية، وبين الرواية التي تقدّمت في "الصلاة" من طريق سالم، عن أبيه، بلفظ: "صلّى كلّ واحدة منهما بإقامة"، ولا داعي لدعوى الشذوذ، مع إمكان الجمع بما ذكر، فتنبّه. والحديث صحيح، لكن بزيادة: "لكلّ واحدة منهما"، كما تقدّم بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠٣٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (٢) حِبَّانُ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (٣) عَبْدُ اللَّهِ, عَنْ

стр. 13285

إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ, أَنَّ كُرَيْبًا قَالَ: سَأَلْتُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ, وَكَانَ رِدْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , عَشِيَّةَ عَرَفَةَ, فَقُلْتُ: كَيْفَ فَعَلْتُمْ؟ , قَالَ: أَقْبَلْنَا نَسِيرُ, حَتَّى بَلَغْنَا الْمُزْدَلِفَةَ, فَأَنَاخَ, فَصَلَّى الْمَغْرِبَ, ثُمَّ بَعَثَ إِلَى الْقَوْمِ, فَأَنَاخُوا فِي مَنَازِلِهِمْ, فَلَمْ يَحِلُّوا, حَتَّى صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , الْعِشَاءَ الآخِرَةَ, ثُمَّ حَلَّ النَّاسُ, فَنَزَلُوا, فَلَمَّا أَصْبَحْنَا, انْطَلَقْتُ عَلَى رِجْلِيَّ, فِي سُبَّاقِ قُرَيْشٍ, وَرَدِفَهُ الْفَضْلُ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه "محمد ابن حاتم" بن نُعيم المروزيّ، فإنه من أفراده، وهو ثقة، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"حبان" -بكسر الحاء المهملة-: هو ابن موسى المروزيّ الثقة. و"عبد اللَّه": هو ابن المبارك. وقوله: "أقبلنا نسير حتى بلغنا المزدلفة" ظاهره أنه ما نزل في الطريق، وهو مخالف لما سبق عن أسامة - رضي اللَّه تعالى عنه -، من أنه ﷺ نزل في الشِّعْب، فلا بدّ من تأويل ما هنا بأن المراد أنه ﷺ ما نزل قبل المزدلفة لأجل الصلاة، وإنما نزل لقضاء الحاجة. وقوله: "فلم يَحُلُّوا" بفتح حرف المضارعة، وضم الحاء المهملة. وقوله: "في سُبّاق قريش" -بضم السين المهملة، وتشديد الموحّدة- جمع سابق، أي في جملة من سبق النبيّ ﷺ ، متقدّمًا عليه من المزدلفة إلى منى. وقوله: "على رجليّ" بتشديد الياء على التثنية. وقوله: "وردفه الفضل" -بفتح الراء، وكسر الدال المهملة- أي ركب خلفه، والجملة حالية. والحديث صحيحٌ، وتقدّم تمام البحث فيه قبل ثلاثة أبواب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢٠٨ - (تَقْدِيمُ النِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانِ إِلَى مَنَى مِنَ الْمُزْدَلِفَةَ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا الترجمة في بعض نسخ "المجتبى"، وهو الصواب، وهو الذي في "الكبرى"، وأما ما وقع في معظم نسخ "المجتبى": "تقديم

стр. 13286

النساء والصبيان إلى منازلهم بالمزدلفة"، فغير صحيح، فتنبّه. و"الصبيان" -بكسر الصاد المهملة، ويجوز ضمها- جمع صبيّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٠٣٣ - (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ, قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: أَنَا مِمَّنْ قَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ , لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ, فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (الحسين بن حُريث) الخزاعيّ مولاهم، أبو عمّار المروزيّ، ثقة [١٠] ٤٤/ ٥٢. ٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحافظ الحجة الثبت المكيّ [٨] ١/ ١. ٣ - (عُبيد اللَّه بن أيي يزيد) المكيّ، مولى آل قارظ بن شيبة، ثقة كثير الحديث من [٤] مات سنة (١٢٦هـ) وله (٨٦) سنة، من رجال الجماعة، تقدّم في ٧٠/ ٢٣٧٠. ٤ - (ابن عباس) عبد اللَّه الحبر البحر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من رباعيّات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٥٥) من رباعيّات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - حبر الأمة، وبحرها، وترجمان القرآن، ومن المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ بْن أَبِي يَزِيدَ) -رحمه اللَّه تعالى- أنه (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (يَقُولُ: أَنا مِمَّنْ قَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ ) أي قدّمه، فحذف العائد؛ لكونه فضلة (لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ) أي إلى منى (فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ) -بفتح الضاد المعجمة، والعين المهملة، جمع ضعيف، قال ابن مالك في "توضيحه": جمع ضعيف على ضعفة غريبٌ، ومثله خبيث وخَبَثَةٌ انتهى (١). وقال الفيّوميّ: ما حاصله: جمع ضعيف ضُعَفاءُ، وضِعَافٌ، وجاء ضَعَفَةٌ، وضَعْفَى؛ لأن فعيلاً إذا كان صفة، وهو بمعنى مفعول جمُع على فَعْلَى، مثل قَتيل وقَتْلَى، وجَريح وجَرْحَى، قال الخليل: قالوا: هَلْكَى، ومَوْتَى، ذهابًا إلى أن المعنى معنى مفعول،

стр. 13287

وقالوا: أحمق وحَمْقَى، وأنوَكُ ونَوْكَى (١)؛ لأنه عيبٌ أُصيبوا به، فكان بمعنى مفعول، وشذّ من ذلك سَقِيمٌ، فجُمع على سِقَام -بالكسر- لا على سَقْمَى، ذهابًا إلى أن المعنى معنى فاعل، ولوحظ في ضعيفِ معنى فاعل، فجُمع على ضعافِ، وضَعَفَة، مثلُ كافر وكَفَرَة انتهى (٢). والمراد بالضَّعَفَة هنا هم النساء، والصبيان، والْخَدَم، والمشايخ العاجزون، وأصحاب الأمراض. وقال ابن حزم: الضعفة، هم الصبيان والنساء فقط، والحديث يرد عليه لأنه أعمّ من ذلك. فيدخل فيه الرجال العاجزون، والمرضى؛ لحديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى - عنهما التالي: "أن النبيّ ﷺ أمر ضَعَفَة بني هاشم أن ينفروا من جمع بليل". وقوله: "ضعفة بني هاشم" أعمّ من النساء، والصبيان، والمشايخ العاجزين، وأصحاب الأمراض؛ لأن العلّة خوف الزحام عليهم. ويؤيّده رواية الطحاويّ، عن عطاء، عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: قال رسول اللَّه ﷺ للعبّاس ليلة المزدلفة: "اذهب بضعفائنا، ونسائنا، فليصلّوا الصبح بمنى، وليرموا جمرة العقبة قبل أن تُصيبهم دفعة الناس"، قال: فكان عطاء يفعله بعد ما كبر وضعف. ولأبي داود من طريق حبيب، عن عطاء، عن ابن عباس: "كان رسول اللَّه ﷺ يقدّم ضعفاء أهله بغلس". ولأبي عوانة في "صحيحه" من طريق أبي الزبير، عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، كان رسول اللَّه ﷺ يقدّم العيال، والضعفة إلى منى من المزدلفة أفاده في "الفتح" (٣). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الصحيح جواز تقدُّم أصحاب الأعذار بالليل من المزدلفة إلى منى، سواء كانوا رجالاً، أو نساءً، وكذا من يقوم عليهم ممن يخدُمهم، وإن كان قويًا في نفسه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

стр. 13288

أخرجه هنا -٢٠٨/ ٣٠٣٣ و ٣٠٣٤ و ٣٠٤٤ - و ٢١٤/ ٣٠٤٩ - وفي "الكبرى" ٢٥٩/ ٤٠٣٥ و ٤٠٣٦ و ٤٠٣٧ و ٤٠٣٨ و ٢١٦/ ٤٠٥٥. وأخرجه (خ) في "الحج" ١٦٧٧ و ١٦٧٨ و ١٨٥٦ و"المغازي" ٤١٩٦ و"الأدب" ٦١٤٨ (م) في "الحج" ١٢٩٣ و ١٢٩٤ (د) في "المناسك" ١٩٤٠ و ١٩٤١ و"الجهاد" ٢٥٣٨ (ق) في "المناسك" ٣٠٢٥ و ٣٠٢٦ (أحمد) في "مسند بني هاشم" ٢٠٨٣ و ٢٤٢٣ و ٢٥٠٣ و ٢٨٣٧ و ٢٩٩٦ و ٣١٨٢ و ٣١٩٢. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو جواز التقدّم يوم النحر من المزدلفة إلى منى قبل الصبح للضعفاء. (ومنها): صحة صلاة الصبح بمنى يوم النحر لهم. (ومنها): سماحة الدين، وسهولة تكاليفه، فليس القويّ والضعيف في ذلك سواء، بل يُكَلِّف كلاًّ بقدر استطاعته، فقد سهّل للضعفة في موضع الحرج بسبب شدّة الزحام، فرخص لهم أن يرموا قبل وقوع الزحام. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم المبيت بالمزدلفة ليلة النحر: ذهب أبو حنيفة، وأصحابه، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، والشافعيّ في أحد قوليه، إلى وجوب المبيت بها، وهو قول عطاء، والزهريّ، وقتادة، ومجاهد. وعن الشافعيّ: سنة، وهو قول مالك -رحمهم اللَّه تعالى-. أفاده العينيّ (١). وقال النوويّ: المشهور من مذهب الشافعيّ أنه ليس بركن، فلو تركه صحّ حجه، قال القاضي أبو الطيب، وأصحابنا: وبهذا قال جماهير العلماء من السلف والخلف. وقال خمسة من أئمة التابعين: هو ركن، لا يصحّ الحجّ إلا به، كالوقوف بعرفات. هذا قول علقمة، والأسود، والشعبيّ، والنخعيّ، والحسن البصريّ، وبه قال من الشافعيّة ابن بنت الشافعيّ، وأبو بكر بن خزيمة، واحتجّ لهم بقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وبالحديث المرويّ عن النبيّ ﷺ ، أنه قال: "من فاته المبيت بالمزدلفة، فقد فاته الحجّ". وأجيب بأن الأمر في الآية إنما هو الذكر، وليس هو بركن بالإجماع. وأما الحديث فليس بثابت، ولا معروف، ولو صحّ لحمل على فوات كمال الحجّ، لا فوات أصله. قال: واحتجّ أصحابنا بحديث عروة بن مضرّس - رضي اللَّه تعالى عنه -، قال: أتيت رسول اللَّه ﷺ بالمزدلفة حين خرج للصلاة، فقلت: يا رسول اللَّه، إني جئت من جبل

стр. 13289

طيّء، أكللت مطيّتي، وأتعبت نفسي، واللَّه ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حجّ؟، فقال رسول اللَّه ﷺ : "من شهِد صلاتنا هذه، فوقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً، أو نهارًا، فقد تمّ حجه، وقضى تفثه". رواه أبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وغيرهم بأسانيد صحيحة. قال الترمذيّ: هو حديث حسنٌ صحيح. انتهى كلام النوويّ بتصرّف (١). وقال العينيّ: وقال الشافعيّ: يحصل المبيت بساعة في النصف الثاني من الليل، دون الأول، وعن مالك: النزول بالمزدلفة واجب، والمبيت بها سنة، وكذا الوقوف مع الإمام سنة. وقال أهل الظاهر: من لم يدرك مع الإمام صلاة الصبح بالمزدلفة بطل حجه، بخلاف النساء والصبيان، والضعفاء. وقال الحنفيّة: لو ترك الوقوف بها بعد الصبح من غير عذر فعليه دم، وإن كان بعذر الزحام، فتعجل السير إلى منى، فلا شيء عليه، والمأمور في الآية الكريمة الذكر، دون الوقوف، ووقت الوقوف بالمشعر الحرام بعد طلوع الفجر من يوم النحر إلى أن يسفر جدًّا. وعن مالك: لا يقف أحد إلى الإسفار، بل يدفعون قبل ذلك انتهى كلام العينيّ (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأرجح عندي أن المبيت بالمزدلفة سنة؛ لأنه ﷺ بات بها، وأما شهود صلاة الصبح، والوقوف بعدها إلى أن يدفع الإمام، فواجب إلا لأهل الأعذار؛ لحديث عروة بن مضرّس - رضي اللَّه تعالى عنه - المذكور آنفًا، فإنه ﷺ ذكره لصحة الحجّ، وتمامه، فقال: "من شهِد صلاتنا هذه، فوقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً، أو نهارًا، فقد تمّ حجه، وقضى تفثه". فما ذكر المبيت بها لتمام الحجّ، وإنما ذكر الوقوف بعرفة، وشهود صلاة الصبح، والدفع معه، وقد أوجبت الآية المذكورة الذكر عند المشعر الحرام، فأفادت أن الوقوف به من واجبات الحجّ، فتأمل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠٣٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عَمْرٍو, عَنْ عَطَاءٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: "كُنْتُ فِيمَنْ قَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ , لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ, فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، "محمد بن منصور" الجوّاز المكيّ الثقة، فإنه من أفراده. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"عمرو": هو ابن دينار. و"عطاء": هو ابن أبي رباح. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق البحث فيه مستوفًى في الحديث الذي قبله. واللَّه

стр. 13290

تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠٣٥ - (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ, وَعَفَّانُ, وَسُلَيْمَانُ, عَنْ شُعْبَةَ,, عَنْ مُشَاشٍ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, عَنِ الْفَضْلِ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , أَمَرَ ضَعَفَةَ بَنِي هَاشِمٍ, أَنْ يَنْفِرُوا مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ). قال الجامع عفا اللَّه تعالىَ عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه أبي داود، سليمان بن سيف الحرّانيّ الثقة، فإنه من أفراده. و"أبو عاصم": الضحّاك بن مَخلَد النبيل. و"عفّان": هو ابن مسلم الصفّار. و"سليمان": هو ابن حرب الأزديّ المكيّ البصريّ الأصل. و"مُشاش" -بمعجمتين- أبو ساسان، ويقال: أبو الأزهر السَّلِيميّ -بفتح المهملة- البصريّ، ويقال: المروزيّ، وقيل: هما اثنان، ثقة (١) [٦]. روى عن عطاء، وطاوس، والضحّاك بن مزاحم. وعنه شعبة، وهُشيم. قال ابن أبي حاتم: مُشاش الخراسانيّ، أبو ساسان، سألت أبي عنه؟، فقال: إذا رأيت شعبة يُحدّث عن رجل، فاعلم أنه ثقة، إلا نفرًا بأعيانهم، قلت: فما تقول أنت فيه؟، قال: صدوق، صالح الحديث، سئل عنه أبو زرعة، فقال: أبو ساسان بصريٌّ، ليس به بأس، وقال أبي ثقة. ثم قال: مُشاش أبو الأزهر السَّليميّ، قال البخاريّ: هما مُشاشان، وقال أبي: هما مُشاش. وقال حاتم بن الليث الجوهريّ، عن ابن معين: مُشاش السَّلِيميّ، لم يرو عنه غير شعبة، ومُشاش أبو ساسان روى عنه هشيم، كان يكنيه، وكان شعبة يسمّيه. وقال عثمان الدراميّ، عن ابن معين: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". تفرّد به المصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديث الباب فقط. والحديث صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا -٢٠٨/ ٣٠٣٥ - وفي "الكبرى" ٢٠٩/ ٤٠٣٨. والحديث يدلّ أن من كان من الضعفاء، سواء كان رجلاً، أو امرأةً له أن يتقدّم إلى منى بليل، وقد تقدّم تمام البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠٣٦ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَطَاءٌ, عَنْ سَالِمِ بْنِ شَوَّالٍ, أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ, أَخْبَرَتْهُ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , أَمَرَهَا أَنْ تُغَلِّسَ, مِنْ جَمْعٍ, إِلَى مِنًى).

стр. 13291

رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عمرو بن عليّ) الفلّاس البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/ ٤. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطّان الإمام الحجة الثبت البصريّ [٩] ٤/ ٤. ٣ - (ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل، يدلس ويرسل [٦] ٢٨/ ٣٢. ٤ - (عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة فقيه فاضل، كثير الإرسال [٣] ١١٢/ ١٥٤. ٥ - (سالم بن شوّال) -باسم الشهر- المكيّ، مولى أم حَبيبة، ثقة [٣]. روى عن مولاته. وعنه عطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار. قال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال ابن عُيينة: وسالم بن شوّال رجل من أهل مكة، لم نسمع أحدًا، يُحدث عنه إلا عمرو بن دينار. تفرّد به مسلم، والمصنّف، وله عندهما حديث الباب فقط. ٦ - (أم حبيبة) رملة بن أبي سفيان بن حرب الأمويّة، أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى - عنها، مشهورة بكنيتها، ماتت سنة اثنتين، أو أربع، وقيل: تسع وأربعين، وقيل: تسع وخمسين، تقدّمت ترجمتها في ١٣/ ٧٠٤. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين من ابن جريج، وشيخه، ويحيى بصريان. (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سَالِم بْنِ شَوّالٍ) مولى أم حبيبة (أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ النْبِيَّ ﷺ ، أَمَرَهَا أَنْ تغَلِّسَ) بتشديدَ اللام، من التغليس، وهو السير بغلس، قال الفيّوميّ: الغَلَس بفتحين: ظلام آخر الليل، وغلس القوم تغليسًا: خرجوا بغَلَس، وغلّس في الصلاة: صلّاها بغَلَس انتهى (مِنْ جَمْعٍ) -بفتح الجيم، وسكون الميم- هي مزدلفة، تقدم سبب تسميتها بذلك قريبًا (إِلَى مِنًى) واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 13292

مسالتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أم حبيبة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا ٢٠٨/ ٣٠٣٦ و٣٠٣٧ - وفي "الكبرى" ٢٠٩/ ٤٠٣٩ و ٤٠٤٠. وأخرجه (م) في "الحجّ" ١٢٩٢ (أحمد) في "مسند القبائل" ٢٦٨٥٠ و ٢٦٨٥٩ (الدراميّ) في "المناسك" ١٨٨٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠٣٧ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ عَمْرٍو, عَنْ سَالِمِ بْنِ شَوَّالٍ, عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ, قَالَتْ: كُنَّا نُغَلِّسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"عبد الجبار بن العلاء": هو أبو بكر العطار البصريّ، نزيل مكة، لا بأس به، من صغار [١٠] ١٣٢/ ١٩٩. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"عمرو": هو ابن دينار. والحديث أخرجه مسلم، كما تقدّم بيانه في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢٠٩ - (الرُّخْصَةُ لِلنِّسَاءِ فِي الإِفَاضَةِ مِنْ جَمعٍ قَبْلَ الصُّبْحِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن هذه الترجمة، والتي قبلها متقاربتان في المعنى، فكان الأولى جعلهما ترجمة واحدة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٠٣٨ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) مَنْصُورٌ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ, عَنِ الْقَاسِمِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: إِنَّمَا أَذِنَ النَّبِيُّ ﷺ لِسَوْدَةَ فِي الإِفَاضَةِ, قَبْلَ الصُّبْحِ, مِنْ جَمْعٍ؛ لأَنَّهَا كَانَتِ امْرَأَةً ثَبِطَةً). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم

стр. 13293

تقدّموا غير مرّة. و"يعقوب بن إبراهيم": هو الدورقيّ. و"القاسم": هو ابن محمد بن أبي بكر الصدّيق، أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة. وقوله: "ثبطة" -بفتح المثلّثة، وكسر الموحّدة، أو سكونها، وطاء مهملة: أي ثقيلة بطيئة. قال السيوطيّ في "شرحه": وروي: "بطينة" انتهى. والحديث متّفقٌ عليه، وسيأتي بأتمّ مما هنا في -٢١٤/ ٣٠٥٠ - ويأتي شرحه، وبيان مسائله هناك، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢١٠ - (الْوَقْتُ الَّذِي يُصَلَّى فِيهِ الصُّبْحُ بِالْمُزْدَلِفَةِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "يُصَلَّى" بالبناء للمفعول، و"الصبح" نائب فاعله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٠٣٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ عُمَارَةَ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , صَلَّى صَلَاةً قَطُّ إِلاَّ لِمِيقَاتِهَا, إِلاَّ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ, صَلاَّهُمَا بِجَمْعٍ, وَصَلَاةَ الْفَجْرِ يَوْمَئِذٍ قَبْلَ مِيقَاتِهَا). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الحديث كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"أبو معاوية": هو محمد بن خازم الضرير. و"عمارة": هو ابن عمير الليثيّ الكوفيّ، الثقة الثبت. و"عبد الرحمن بن يزيد": هو النخعيّ الكوفيّ الثبت، أخو الأسود. وقوله: "وصلاة الفجر" بالنصب بتقدير فعل، أي وصلّى صلاة الفجر الخ. ولفظ "الكبرى": "وصلّى الفجرَ" بصيغة الفعل، وهو واضح. قال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: المراد به قبل وقتها المعتاد، لا قبل طلوع الفجر؛ لأن ذلك ليس بجائز بإجماع المسلمين، والغرض أن استحباب الصلاة في أول الوقت في هذا اليوم أشدّ، وآكد، وقال أصحابنا: معناه أنه ﷺ كان في غير هذا اليوم يتأخّر عن أول

стр. 13294

طلوع الفجر لحظة إلى أن يأتيه بلالٌ، وفي هذا اليوم لم يتأخّر لكثرة المناسك فيه، فيحتاج إلى المبالغة في التبكير؛ ليتّسع الوقت لفعل المناسك. انتهى (١). وقال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذا الحديث من مشكلات الأحاديث، وقد تكلّمتُ عليه في "حاشية صحيح البخاريّ"، وأبي داود، والصحيح في معناه أن مراده ما رأيته ﷺ صلّى صلاةً لغير وقتها المعتاد لقصد تحويلها عن وقتها المعتاد، وتقريرها في غير وقتها المعتاد؟ لما في "صحيح البخاريّ" من روايته - رضي اللَّه تعالى عنه - أن رسول اللَّه ﷺ قال: إن هاتين الصلاتين حُوّلتا عن وقتهما في هذا المكان"، وهذا معنى وجيه، ويُحمل قوله: "قبل ميقاتها" على هذا الميقات المعتاد، ويقال على أنه غلّس تغليسًا شديدًا، يخالف التغليس المعتاد، لا أنه صلّى قبل أن يطلع الفجر، فقد جاء في حديثه، وحديث غيره أنه صلّى بعد طلوع الفجر، وعلى هذا المعنى لا يرد شيء سوى الجمع بعرفة، ولعله كان يرى ذلك للسفر. واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام السنديّ (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أن المراد بقوله: "قبل ميقاتها" الوقت المعتاد، لا أنه صلّى قبل طلوع الفجر؛ لما في رواية البخاريّ، في حديث عبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -، وفيه: "فلما طلع الفجر، قال: إن النبيّ ﷺ كان لا يصلّي هذه الساعة إلا هذه الصلاة، في هذا المكان، من هذا اليوم، قال عبد اللَّه: هما صلاتان تُحوّلان عن وقتهما: صلاة المغرب بعد ما يأتي الناس المزدلفة، والفجر حين يبزغ الفجر، قال رأيت النبيّ ﷺ يفعله". فهذا نصّ صريح من ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - في كونه ﷺ ما صلى الصبح إلا بعد طلوع الفجر، فتبيّن بهذا أن المراد بقوله: "قبل ميقاتها" هو الوقت المعتاد. واللَّه تعالى أعلم. والحديث متّفق عليه، وقد سبق البحث فيه مُستَوفًى في "كتاب الصلاة" برقم ٤٩/ ٦٠٨، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 13295

قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير، محمد ابن الشيخ عليّ بن آدم بن موسى الإِتْيُوبيّ الولويّ، نزيل مكة المكرّمة، - عفا اللَّه تعالى عنه - وعن والديه ومشايخه آمين: قد انتهيت من كتابة الجزء الخامس والعشرين من شرح سنن الإمام الحافظ الحجة أبي عبد الرحمن النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى-، المسمّى "ذخيرةَ العُقْبَى في شرح المجتبى"، أو "غاية المنى في شرح المجتنى". وذلك بحيّ الزهراء، مخطط الأمير طلال، فى مكة المكرمة زادها اللَّه تعالى تشريفًا وتعظيمًا، وجعلني من خيار أهلها حيًّا وميتًا، وأَعْظِمْ به تكريمًا. وأخر دعوانا ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. "اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد". "السلام عليك أيها النبيّ، ورحمة اللَّه، وبركاته". ويليه - إن شاء اللَّه تعالى- الجزء السادس والعشرون مفتتحًا بالباب ٢١١ "فيمن لم يُدرك صلاة الصبح مع الإمام بالمزدلفة" الحديث رقم ٣٠٤٠. "سبحانك اللهمّ، وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك".

стр. 13296

شرح سنن النسائي المسمَّى ذخيرة العقبى في شرح المجتبى لجامعه الفقير إلى مولاه الغتي القدير محمد ابن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى الأيتوبي الوَلَّوي المدرس بدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة عفا اللَّه عنه وعن والديه آمين الجزء الخامس والعشرون دار آل بروم للنشر والتوزيع

стр. 13297

جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى ١٤٢٤هـ - ٢٠٠٣م دار آل بروم للنشر والتوزيع المملكة العربية السعودية - مكة المكرمة - المكتب الرئيسي التنعيم ص ب: ٤١٤٥ - (تلفاكس ٥٢١١٥٧٦ - جوّال ٠٥٥٥٤١٠٢٦)

стр. 13298

شرح سنن النسائي

стр. 13299

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 13300

٢١١ - (فِيمَنْ لَمْ يُدْرِكْ صَلَاةَ الصُّبْحِ مَعَ الإِمَام بِالْمُزْدَلِفَةِ) ٣٠٤٠ - (أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ إِسْمَاعِيلَ, وَدَاوُدَ, وَزَكَرِيَّا, عَنِ الشَّعْبِيِّ, عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ, قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , وَاقِفًا بِالْمُزْدَلِفَةِ, فَقَالَ: «مَنْ صَلَّى مَعَنَا صَلَاتَنَا هَذِهِ, هَا هُنَا, ثُمَّ أَقَامَ مَعَنَا, وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ, لَيْلاً أَوْ نَهَارًا, فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (سعيد بن عبد الرحمن) بن حسّان المخزوميّ المكيّ، ثقة، من صغار [١٠] ٤١/ ١٢٧٧. ٢ - (سفيان) بن عيينة المذكور قبل بابين. ٣ - (إسماعيل) بن أبي خالد البجليّ الأحمسيّ مولاهم، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقة ثبت [٤] ١٣/ ٤٧١. ٤ - (داود) بن أبي هند القرشيّ مولاهم البصريّ، ثقة متقنٌ، كان يَهِم بآخره [٥] ٢١/ ٥٣٨. ٥ - (زكريا) بن أبي زائدة خالد، أو هُبيرة بن ميمون بن فيروز الهمدانيّ الوادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقة يدلّس [٦] ٩٣/ ١١٥. ٦ - (الشعبيّ) عامر بن شَرَاحيل الهمدانيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة فقيه فاضل [٣] ٦٦/ ٨٢. ٧ - (عروة بن مُضَرّس) -بمعجمة، ثم راء مشددة مكسورة، ثم مهملة- ابن أوس بن حارثة بن لام الطائيّ، شهد مع النبيّ ﷺ حجة الوداع. وروى عنه حديثَ الباب، رواه عنه الشعبيّ، وقال عليّ بن المدينيّ: لم يرو عنه غير الشعبيّ. وقد روى عنه أيضًا ابن عمه حُميد بن مُنْهِب بن حارثة بن حزم. قال الحافظ: لكن قال الأزديّ في "المخزون" لم يرو عنه الشعبيّ. قال: وروى عن حُميد بن مُنهِب عنه، ولا يقوم. وذكر أبو صالح المؤذّن أنه وقعت له رواية عبد اللَّه بن عباس عنه أيضًا. وروى الحاكم في "المستدرك" الحديث المذكور في الحجّ من رواية عروة بن الزبير، عن عروة بن مضرّس، لكن إسناده ضعيف. والحديث قد ذكره الدارقطنيّ في "الإلزامات" من طريق الشعبيّ حسبُ. وقال الدارقطنيّ أيضًا: لم يرو عن عروة بن مضرّس غير الشعبيّ، وكذا قال

стр. 13301

مسلم في "الوُحْدان" وغيره. وقال ابن سعد: كان عروة بن مضرّس مع خالد بن الوليد حين بَعَثَه أبو بكر إلى أهل الردّة. وقال أيضًا: وهو الذي بعث معه خالد بن الوليد بعُيينة ابن حِصن الفزاريّ لما أسره يوم البطاح إلى أبي بكر - رضي اللَّه تعالى عنه -. وأخرج له الأربعة هذا الحديث فقط، كرره خمس مرّات برقم ٣٠٤٠ و ٣٠٤١ و ٣٠٤٢ و ٣٠٤٣ و ٣٠٤٤. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، والصحابيّ، فمن رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعيين عن تابعيّ، إسماعيل، وداود عن الشعبيّ. (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له إلا هذا الحديث عند الأربعة، راجع "تحفة الأشراف" ٧/ ٢٩٥ - ٢٩٦. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَاقِفًا بِالْمُزْدَلِفَةِ، فَقَالَ) وفي الرواية الآتية: "قال: أتيت النبيّ ﷺ بجمع، فقلت: يا رسول اللَّه، إني أقبلت من جبلي طيّء، لم أدع حَبْلاً إلا وقفت عليه، فهل لي من حجّ؟، فقال رسول اللَّه ﷺ ("مَنْ صَلَّى مَعَنَا صَلَاَتنَا هَذِهِ) أي صلاة الصبح (هَا هُنَا) أي في المزدلفة (ثُمَّ أَقَامَ مَعَنَا) أي وقف بالمشعر الحرام (وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ) جملة حاليّة في محلّ نصب من الفاعل (لَيْلاً أَوْ نَهَارًا) فيه أن من وقف بعرفة في أي وقت من الأوقات، ليلاً، أو نهارًا أجزأ عنه ذلك،. وأن الجمع بين جزء من النهار، وجزء من الليل، -كما يقول به كثير من أهل العلم- ليس شرطًا، فمن أدرك جزءًا من النهار وحده لكفى في تمام الحجّ. (فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ) قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: أي أمن من الفوات على أحسن وجه، وأكمله، وإلا فأصل التمام بهذا المعنى بوقوف عرفة فيما سبق، وأيضًا شهود الصلاة مع الإمام ليس بشرط للتمام عند أحد. انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "وأيضًا شهود الصلاة الخ" فيه نظرٌ، فإن النصّ الصريح جعله شرطًا للتمام، فكيف يستقيم القول بعدم شرطيته، ففي الرواية التالية: "من أدرك جمعًا مع الإمام، والناسِ، حتى يُفيض منها، فقد أدرك الحجّ، ومن لم يدرك

стр. 13302

مع الناس، والإمام، فلم يدرك". فهذا نصّ صريحٌ في عدم الاعتداد بحج من لم يدرك الوقوف مع الإمام بالمزدلفة، فهل من المعقول أن يقال: إنه ليس بشرط، إن هذا لهو العجب العُجاب. وأعجب منه قوله: "ليس بشرط عند أحد"، مع أن جماعة من السلف قالوا بذلك، كما سيأتي ذكرهم في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عروة بن مضرّس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٢١١/ ٣٠٤٠ و ٣٠٤١ و ٣٠٤٢ و ٣٠٤٣ و ٣٠٤٤ - وفي "الكبرى" ٢١٢/ ٤٠٤٥ و ٤٠٤٦ و ٤٠٤٧ و ٤٠٤٨ و ٤٠٤٩. وأخرجه (د) في "المناسك" ١٩٥٠ (ت) في "الحج" ٨٩١ (ق) في "المناسك" ٣٠١٦ (أحمد) في "مسند المدنيين" ١٥٧٧٥ و"مسند الكوفيين" ١٧٨٣٦ و ١٧٨٤٠ (الدراميّ) في "المناسك" ١٨٨٨. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم من لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام بالمزدلفة، وهو عدم صحة حجّه، كما نصّ الحديث، إلا من استثناه الشارع، وهم أصحاب الأعذار، كالمرضى، والعجَزَة، ومن يقوم عليهم، فإن حجهم صحيح، وإن يدركوا ذلك. (ومنها): كون الوقوف بعرفة ركنًا من أركان الحجّ، لا يصحّ إلا به. (ومنها): أن الوقوف بعرفة يحصل بالوقوف في جزء من أرض عرفة، ولو لحظة لطيفةً، مطلقًا، سواء كان ليلاً، أو نهارًا، وبهذا قال الجمهور، وحكى النوويّ قولاً: إنه لا يكفي الوقوف ليلاً، ومن اقتصر عليه، فقد فاته الحجّ، وهذا قول باطلٌ، تردّه الأحاديث الصحيحة (١). (ومنها): أن الوقوف لا يختصّ بما بعد الزوال، بل وقته ما بين طلوع الفجر يوم عرفة، وطلوعه يوم العيد، وبه قال أحمد بن حنبل؛ لأن لفظ الليل والنهار مطلقان، وخالفه الجمهور، فقالوا: وقت الوقوف بعد الزوال، وأجابوا عن هذا الحديث بأن المراد بالنهار ما بعد الزوال، بدليل أنه ﷺ والخلفاء الراشدين بعده لم يقفوا

стр. 13303

إلا بعد الزوال، ولم يُنقل عن أحد منهم أنه وقف قبله، فكأنهم جعلوا هذا الفعل مقيّدًا لذلك المطلق، ولا يخفى ما فيه. قاله الشوكانيّ (١). قال الجامع - عفا الله تعالى عنه -: ما ذهب إليه الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى-، من أنّ وقت الوقوف لا يختص بما بعد الزاول هو الحقّ؛ لحديث عروة بن مضرّس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الوقوف بالمزدلفة: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الوقوف بالمزدلفة سنة، وليس بواجب. وذهبت طائفة إلى أنه واجب، لا يصحّ الحجٌ إلا به، وقد ذكر الإمام ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى- القائلين بذلك، فقال: روينا من طريق عبد الرحمن بن مهديّ، نا سفيان الثوريّ، عن سلمة بن كهيل، عن الحسن العرنيّ، عن ابن عبّاس ﵄، قال: "من أفاض من عرفة، فلا حجّ له". وعن ابن الزبير رضي الله تعالى عنهما، انه كان يقول في خطبته: "ألا لا صلاة إلا بجمع"، فإذا أبطل الصلاة إلا بمزدلفة، فقد جعلها من فرائض الحجّ. ومن طريق شعبة، عن المغيرة بن مقسم، عن إبراهيم النخعيّ، قال: كان يقال: "من فاته جمعٌ، أو عرفة، فقد فاته الحجّ". ومن طريق عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان الثوريّ، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعيّ، قال: "من فاته عرفة، أو جمع، أو جامع قبل أن يزور، فقد فسد حجه". ومن طريق سفيان الثوريّ أيضا، عن عبد الله بن أبى السفر، عن الشعبيّ، أنه قال: "من فاته جمع جعلها عمرةً". وعن الحسن البصريّ: "من لم يقف بجمع، فلا حجّ له". وعن حمّاد بن سليمان، قال: "من فاته الإفاضة من جمع، فقد فاته الحجّ، فليتحلّل بعمرة، ثم ليحجّ من قابل" (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحق أنّ الوقوف بالمزدلفة من واجبات الحجّ، فلا يصحّ الحجّ إلا به، كالوقوف بعرفة؛ لحديث عروة بن مضرّس - رضي الله تعالى عنه - هذا، فإن قوله ﷺ : "ومن لم يدرك مع الإمام والناس، فلم يدرك" لا يكون أقلّ دلالة على الوجوب من قوله ﷺ : "الحجّ عرفة"، فكما أن من لم يقف بعرفة لم يدرك الحجّ، فكذلك من لم يقف بالمزدلفة، لم يدرك الحج بهذا النصّ. وهذا كله في غير المرخّص لهم، من النساء، والأطفال، والعَجَزَة، ومن يقوم عليهم، فإنهم لا يجب عليهم الوقوف بالمزدلفة، بل يجوز لهم أن يتقدّموا إلى منى ليلاً، كما نصّ عليه النبي ﷺ بذلك، حيث أمر الضعفة أن يتقدّموا من جمع بليل. والله

стр. 13304

تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠٤١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ, قَالَ: حَدَّثَنِي جَرِيرٌ, عَنْ مُطَرِّفٍ, عَنِ الشَّعْبِيِّ, عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ جَمْعًا مَعَ الإِمَامِ وَالنَّاسِ, حَتَّى يُفِيضَ مِنْهَا, فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ, وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ مَعَ النَّاسِ, وَالإِمَامِ فَلَمْ يُدْرِكْ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به، هو وأبو داود، وهو مصّيصيّ ثقة. و" جرير": هو ابن عبد الحميد. و"مطرّف": هو ابن طَريف الكوفيّ الثقة الفاضل. وقوله: "من أدرك جمعًا الخ" أي أدرك الوقف بجمع، وهي المزدلفة. وقوله: "حتى يُفيض منها" أي حتى ينصرف من الجمع مع الإمام والناس. ولفظ "الكبرى": "حين يفيضوا"، والظاهر أن حين مصحفة من "حتى"، أي حتى يرجعوا، وينصرفوا منها. وقوله: "فلم يُدرك" حُذف مفعوله لكونه فضلة، أي لم يدرك الحجّ. والحديث صحيح، وقد سبق تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠٤٢ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ, عَنْ شُعْبَةَ, عَنْ سَيَّارٍ, عَنِ الشَّعْبِيِّ, عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ, قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِجَمْعٍ, فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنِّي أَقْبَلْتُ مِنْ جَبَلَىْ طَيِّئٍ, لَمْ أَدَعْ حَبْلاً, إِلاَّ وَقَفْتُ عَلَيْهِ, فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ؟ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صَلَّى هَذِهِ الصَّلَاةَ مَعَنَا, وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ, لَيْلاً أَوْ نَهَارًا, فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ, وَقَضَى تَفَثَهُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو وأبوداود أيضًا، وعلي بن الحسين بن مطر الدرهميّ البصريّ، صدوق من كبار [١١] ١٧/ ١٥٤٧. و"أمية": هو خالد بن الأسود البصريّ، أخو هُدْبة صدوق [٩] ٤٢/ ١٩٠٦. و"سيّار": هو ابن أبي سيّار، أبو الحكم الْعَنَزيّ، وأبو سيّار، اسمه وردان، وقيل: ورد، وقيل: دينار. وهو أخو مساور الورّاق، لأمه، ثقة [٦] ٢٦/ ٤٣٢. وقوله: "من جبلي طيّء" هما جبل سَلْمى، وجبل أجأ. قاله المنذريّ. و"سَلْمَى" كسكرى: جبلٌ لطيّء، شرقيّ المدينة. و"أَجَأ، كجبَلٍ وزنا ومعنى، جبل لطيء. أفاده في "القاموس. و"طيّء" بفتح الطاء المهملة، وتشديد الياء، بعدها همزة: اسم قبيلة. وقوله: "لم أدع حَبْلاً" بفتح الحاء المهملة، وسكون الموحّدة، قال في "النهاية" هو المستطيل من الرمل. وقيل: الضخم منه، وجمعه حِبَالٌ. وقيل: الحبال من الرمل،

стр. 13305

كالجبال في غير الرمل (١). وقال الخطّابيّ: الحبال ما دون الجبال في الارتفاع. انتهى. وقوله: "هذه الصلاة" يعني صلاة صبح يوم النحر بالمزدلفة. وفي الرواية الآتية بعد حديث: "من صلّى صلاة الغداة ههنا معنا". وقوله: "قبل ذلك" أي قبل المبيت، والوقوف بالمزدلفة. وقوله: "قضى تفثه" -بفتح المثتاة الفوقية، والفاء، والمثلّثة، أي أتمّ مدة بقاء التفث، يعني الوسخ وغيره، مما يُناسب المحرم، فحلّ له أن يُزيل عنه التّفّث بحلق الرأس، وقصّ الشارب، والأظفار، وحلق العانة، وإزالة الشعث، والدرن، والوسخ مطلقًا. أَفَادَهُ السنديّ. وقال في "النهاية": "التَّفَثُ": هو ما يفعله المحرم بالحجّ إذا حلّ، كقصّ الشارب والأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة. وقيل: إذهاب الشعث، والدرن، والوسخ مطلقا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠٤٣ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ,, عَنْ شُعْبَةَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ, قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ, يَقُولُ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ مُضَرِّسِ بْنِ أَوْسِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ لأْمٍ (٢) , قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِجَمْعٍ, فَقُلْتُ: هَلْ لِي مِنْ حَجٍّ؟ , فَقَالَ: «مَنْ صَلَّى هَذِهِ الصَّلَاةَ مَعَنَا, وَوَقَفَ هَذَا الْمَوْقِفَ, حَتَّى يُفِيضَ, وَأَفَاضَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ عَرَفَاتٍ, لَيْلاً أَوْ نَهَارًا, فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ, وَقَضَى تَفَثَهُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو بصريّ ثقة. و"خالد": هو ابن الحارث الْهُجَيميّ. و"عبد اللَّه بن أبي السفَر": هو الثوريّ الكوفيّ الثقة. والحديث صحيح، وقد تقدّم تمام البحث فيه فيما قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠٤٤ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ إِسْمَاعِيلَ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرٌ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ مُضَرِّسٍ الطَّائِيُّ, قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , فَقُلْتُ: أَتَيْتُكَ مِنْ جَبَلَىْ طَيِّئٍ, أَكْلَلْتُ مَطِيَّتِى, وَأَتْعَبْتُ نَفْسِي, مَا بَقِيَ مِنْ حَبْلٍ, إِلاَّ وَقَفْتُ عَلَيْهِ, فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ؟ , فَقَالَ: «مَنْ صَلَّى صَلَاةَ الْغَدَاةِ, هَا هُنَا مَعَنَا, وَقَدْ أَتَى عَرَفَةَ
следующие страницы →