مسلم في "الوُحْدان" وغيره. وقال ابن سعد: كان عروة بن مضرّس مع خالد بن الوليد حين بَعَثَه أبو بكر إلى أهل الردّة. وقال أيضًا: وهو الذي بعث معه خالد بن الوليد بعُيينة ابن حِصن الفزاريّ لما أسره يوم البطاح إلى أبي بكر - رضي اللَّه تعالى عنه -. وأخرج له الأربعة هذا الحديث فقط، كرره خمس مرّات برقم ٣٠٤٠ و ٣٠٤١ و ٣٠٤٢ و ٣٠٤٣ و ٣٠٤٤. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، والصحابيّ، فمن رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعيين عن تابعيّ، إسماعيل، وداود عن الشعبيّ. (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له إلا هذا الحديث عند الأربعة، راجع "تحفة الأشراف" ٧/ ٢٩٥ - ٢٩٦. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَاقِفًا بِالْمُزْدَلِفَةِ، فَقَالَ) وفي الرواية الآتية: "قال: أتيت النبيّ ﷺ بجمع، فقلت: يا رسول اللَّه، إني أقبلت من جبلي طيّء، لم أدع حَبْلاً إلا وقفت عليه، فهل لي من حجّ؟، فقال رسول اللَّه ﷺ ("مَنْ صَلَّى مَعَنَا صَلَاَتنَا هَذِهِ) أي صلاة الصبح (هَا هُنَا) أي في المزدلفة (ثُمَّ أَقَامَ مَعَنَا) أي وقف بالمشعر الحرام (وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ) جملة حاليّة في محلّ نصب من الفاعل (لَيْلاً أَوْ نَهَارًا) فيه أن من وقف بعرفة في أي وقت من الأوقات، ليلاً، أو نهارًا أجزأ عنه ذلك،. وأن الجمع بين جزء من النهار، وجزء من الليل، -كما يقول به كثير من أهل العلم- ليس شرطًا، فمن أدرك جزءًا من النهار وحده لكفى في تمام الحجّ.
(فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ) قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: أي أمن من الفوات على أحسن وجه، وأكمله، وإلا فأصل التمام بهذا المعنى بوقوف عرفة فيما سبق، وأيضًا شهود الصلاة مع الإمام ليس بشرط للتمام عند أحد. انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "وأيضًا شهود الصلاة الخ" فيه نظرٌ، فإن النصّ الصريح جعله شرطًا للتمام، فكيف يستقيم القول بعدم شرطيته، ففي الرواية التالية: "من أدرك جمعًا مع الإمام، والناسِ، حتى يُفيض منها، فقد أدرك الحجّ، ومن لم يدرك
стр. 13302
مع الناس، والإمام، فلم يدرك". فهذا نصّ صريحٌ في عدم الاعتداد بحج من لم يدرك الوقوف مع الإمام بالمزدلفة، فهل من المعقول أن يقال: إنه ليس بشرط، إن هذا لهو العجب العُجاب.
وأعجب منه قوله: "ليس بشرط عند أحد"، مع أن جماعة من السلف قالوا بذلك، كما سيأتي ذكرهم في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عروة بن مضرّس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٢١١/ ٣٠٤٠ و ٣٠٤١ و ٣٠٤٢ و ٣٠٤٣ و ٣٠٤٤ - وفي "الكبرى" ٢١٢/ ٤٠٤٥ و ٤٠٤٦ و ٤٠٤٧ و ٤٠٤٨ و ٤٠٤٩. وأخرجه (د) في "المناسك" ١٩٥٠ (ت) في "الحج" ٨٩١ (ق) في "المناسك" ٣٠١٦ (أحمد) في "مسند المدنيين" ١٥٧٧٥ و"مسند الكوفيين" ١٧٨٣٦ و ١٧٨٤٠ (الدراميّ) في "المناسك" ١٨٨٨. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم من لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام بالمزدلفة، وهو عدم صحة حجّه، كما نصّ الحديث، إلا من استثناه الشارع، وهم أصحاب الأعذار، كالمرضى، والعجَزَة، ومن يقوم عليهم، فإن حجهم صحيح، وإن يدركوا ذلك. (ومنها): كون الوقوف بعرفة ركنًا من أركان الحجّ، لا يصحّ إلا به. (ومنها): أن الوقوف بعرفة يحصل بالوقوف في جزء من أرض عرفة، ولو لحظة لطيفةً، مطلقًا، سواء كان ليلاً، أو نهارًا، وبهذا قال الجمهور، وحكى النوويّ قولاً: إنه لا يكفي الوقوف ليلاً، ومن اقتصر عليه، فقد فاته الحجّ، وهذا قول باطلٌ، تردّه الأحاديث الصحيحة (١). (ومنها): أن الوقوف لا يختصّ بما بعد الزوال، بل وقته ما بين طلوع الفجر يوم عرفة، وطلوعه يوم العيد، وبه قال أحمد بن حنبل؛ لأن لفظ الليل والنهار مطلقان، وخالفه الجمهور، فقالوا: وقت الوقوف بعد الزوال، وأجابوا عن هذا الحديث بأن المراد بالنهار ما بعد الزوال، بدليل أنه ﷺ والخلفاء الراشدين بعده لم يقفوا
стр. 13303
إلا بعد الزوال، ولم يُنقل عن أحد منهم أنه وقف قبله، فكأنهم جعلوا هذا الفعل مقيّدًا لذلك المطلق، ولا يخفى ما فيه. قاله الشوكانيّ (١).
قال الجامع - عفا الله تعالى عنه -: ما ذهب إليه الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى-، من أنّ وقت الوقوف لا يختص بما بعد الزاول هو الحقّ؛ لحديث عروة بن مضرّس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الوقوف بالمزدلفة:
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الوقوف بالمزدلفة سنة، وليس بواجب. وذهبت طائفة إلى أنه واجب، لا يصحّ الحجٌ إلا به، وقد ذكر الإمام ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى- القائلين بذلك، فقال: روينا من طريق عبد الرحمن بن مهديّ، نا سفيان الثوريّ، عن سلمة بن كهيل، عن الحسن العرنيّ، عن ابن عبّاس ﵄، قال: "من أفاض من عرفة، فلا حجّ له". وعن ابن الزبير رضي الله تعالى عنهما، انه كان يقول في خطبته: "ألا لا صلاة إلا بجمع"، فإذا أبطل الصلاة إلا بمزدلفة، فقد جعلها من فرائض الحجّ. ومن طريق شعبة، عن المغيرة بن مقسم، عن إبراهيم النخعيّ، قال: كان يقال: "من فاته جمعٌ، أو عرفة، فقد فاته الحجّ". ومن طريق عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان الثوريّ، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعيّ، قال: "من فاته عرفة، أو جمع، أو جامع قبل أن يزور، فقد فسد حجه". ومن طريق سفيان الثوريّ أيضا، عن عبد الله بن أبى السفر، عن الشعبيّ، أنه قال: "من فاته جمع جعلها عمرةً". وعن الحسن البصريّ: "من لم يقف بجمع، فلا حجّ له". وعن حمّاد بن سليمان، قال: "من فاته الإفاضة من جمع، فقد فاته الحجّ، فليتحلّل بعمرة، ثم ليحجّ من قابل" (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحق أنّ الوقوف بالمزدلفة من واجبات الحجّ، فلا يصحّ الحجّ إلا به، كالوقوف بعرفة؛ لحديث عروة بن مضرّس - رضي الله تعالى عنه - هذا، فإن قوله ﷺ : "ومن لم يدرك مع الإمام والناس، فلم يدرك" لا يكون أقلّ دلالة على الوجوب من قوله ﷺ : "الحجّ عرفة"، فكما أن من لم يقف بعرفة لم يدرك الحجّ، فكذلك من لم يقف بالمزدلفة، لم يدرك الحج بهذا النصّ.
وهذا كله في غير المرخّص لهم، من النساء، والأطفال، والعَجَزَة، ومن يقوم عليهم، فإنهم لا يجب عليهم الوقوف بالمزدلفة، بل يجوز لهم أن يتقدّموا إلى منى ليلاً، كما نصّ عليه النبي ﷺ بذلك، حيث أمر الضعفة أن يتقدّموا من جمع بليل. والله
стр. 13304
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٠٤١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ, قَالَ: حَدَّثَنِي جَرِيرٌ, عَنْ مُطَرِّفٍ, عَنِ الشَّعْبِيِّ, عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ جَمْعًا مَعَ الإِمَامِ وَالنَّاسِ, حَتَّى يُفِيضَ مِنْهَا, فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ, وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ مَعَ النَّاسِ, وَالإِمَامِ فَلَمْ يُدْرِكْ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به، هو وأبو داود، وهو مصّيصيّ ثقة. و" جرير": هو ابن عبد الحميد.
و"مطرّف": هو ابن طَريف الكوفيّ الثقة الفاضل.
وقوله: "من أدرك جمعًا الخ" أي أدرك الوقف بجمع، وهي المزدلفة. وقوله: "حتى يُفيض منها" أي حتى ينصرف من الجمع مع الإمام والناس. ولفظ "الكبرى": "حين يفيضوا"، والظاهر أن حين مصحفة من "حتى"، أي حتى يرجعوا، وينصرفوا منها. وقوله: "فلم يُدرك" حُذف مفعوله لكونه فضلة، أي لم يدرك الحجّ.
والحديث صحيح، وقد سبق تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٠٤٢ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ, عَنْ شُعْبَةَ, عَنْ سَيَّارٍ, عَنِ الشَّعْبِيِّ, عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ, قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِجَمْعٍ, فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنِّي أَقْبَلْتُ مِنْ جَبَلَىْ طَيِّئٍ, لَمْ أَدَعْ حَبْلاً, إِلاَّ وَقَفْتُ عَلَيْهِ, فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ؟ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صَلَّى هَذِهِ الصَّلَاةَ مَعَنَا, وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ, لَيْلاً أَوْ نَهَارًا, فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ, وَقَضَى تَفَثَهُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو وأبوداود أيضًا، وعلي بن الحسين بن مطر الدرهميّ البصريّ، صدوق من كبار [١١] ١٧/ ١٥٤٧.
و"أمية": هو خالد بن الأسود البصريّ، أخو هُدْبة صدوق [٩] ٤٢/ ١٩٠٦.
و"سيّار": هو ابن أبي سيّار، أبو الحكم الْعَنَزيّ، وأبو سيّار، اسمه وردان، وقيل: ورد، وقيل: دينار. وهو أخو مساور الورّاق، لأمه، ثقة [٦] ٢٦/ ٤٣٢.
وقوله: "من جبلي طيّء" هما جبل سَلْمى، وجبل أجأ. قاله المنذريّ. و"سَلْمَى" كسكرى: جبلٌ لطيّء، شرقيّ المدينة. و"أَجَأ، كجبَلٍ وزنا ومعنى، جبل لطيء. أفاده في "القاموس. و"طيّء" بفتح الطاء المهملة، وتشديد الياء، بعدها همزة: اسم قبيلة.
وقوله: "لم أدع حَبْلاً" بفتح الحاء المهملة، وسكون الموحّدة، قال في "النهاية" هو المستطيل من الرمل. وقيل: الضخم منه، وجمعه حِبَالٌ. وقيل: الحبال من الرمل،
стр. 13305
كالجبال في غير الرمل (١). وقال الخطّابيّ: الحبال ما دون الجبال في الارتفاع. انتهى.
وقوله: "هذه الصلاة" يعني صلاة صبح يوم النحر بالمزدلفة. وفي الرواية الآتية بعد حديث: "من صلّى صلاة الغداة ههنا معنا". وقوله: "قبل ذلك" أي قبل المبيت، والوقوف بالمزدلفة.
وقوله: "قضى تفثه" -بفتح المثتاة الفوقية، والفاء، والمثلّثة، أي أتمّ مدة بقاء التفث، يعني الوسخ وغيره، مما يُناسب المحرم، فحلّ له أن يُزيل عنه التّفّث بحلق الرأس، وقصّ الشارب، والأظفار، وحلق العانة، وإزالة الشعث، والدرن، والوسخ مطلقًا. أَفَادَهُ السنديّ.
وقال في "النهاية": "التَّفَثُ": هو ما يفعله المحرم بالحجّ إذا حلّ، كقصّ الشارب والأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة. وقيل: إذهاب الشعث، والدرن، والوسخ مطلقا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٠٤٣ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ,, عَنْ شُعْبَةَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ, قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ, يَقُولُ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ مُضَرِّسِ بْنِ أَوْسِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ لأْمٍ (٢) , قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِجَمْعٍ, فَقُلْتُ: هَلْ لِي مِنْ حَجٍّ؟ , فَقَالَ: «مَنْ صَلَّى هَذِهِ الصَّلَاةَ مَعَنَا, وَوَقَفَ هَذَا الْمَوْقِفَ, حَتَّى يُفِيضَ, وَأَفَاضَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ عَرَفَاتٍ, لَيْلاً أَوْ نَهَارًا, فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ, وَقَضَى تَفَثَهُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو بصريّ ثقة.
و"خالد": هو ابن الحارث الْهُجَيميّ. و"عبد اللَّه بن أبي السفَر": هو الثوريّ الكوفيّ الثقة. والحديث صحيح، وقد تقدّم تمام البحث فيه فيما قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٠٤٤ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ إِسْمَاعِيلَ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرٌ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ مُضَرِّسٍ الطَّائِيُّ, قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , فَقُلْتُ: أَتَيْتُكَ مِنْ جَبَلَىْ طَيِّئٍ, أَكْلَلْتُ مَطِيَّتِى, وَأَتْعَبْتُ نَفْسِي, مَا بَقِيَ مِنْ حَبْلٍ, إِلاَّ وَقَفْتُ عَلَيْهِ, فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ؟ , فَقَالَ: «مَنْ صَلَّى صَلَاةَ الْغَدَاةِ, هَا هُنَا مَعَنَا, وَقَدْ أَتَى عَرَفَةَ
стр. 13306
قَبْلَ ذَلِكَ, فَقَدْ قَضَى تَفَثَهُ, وَتَمَّ حَجُّهُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"عمرو بن عليّ": هو الفلّاس. و"يحيى": هو القطّان. و"إسماعيل": هو ابن أبي خالد. و"عامر": هو الشعبيّ.
وقوله: "أكللت مطيّتي" أي أتعبت ناقتي.
والحديث صحيح، وقد سبق بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٠٤٥ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, قَالَ: حَدَّثَنِي بُكَيْرُ بْنُ عَطَاءٍ, قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَعْمَرَ الدِّيلِيَّ, قَالَ: شَهِدْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِعَرَفَةَ, وَأَتَاهُ نَاسٌ مِنْ نَجْدٍ, فَأَمَرُوا رَجُلاً, فَسَأَلَهُ عَنِ الْحَجِّ؟ , فَقَالَ: "الْحَجُّ عَرَفَةُ, مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ, قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ, فَقَدْ أَدْرَكَ حَجَّهُ, أَيَّامُ مِنًى ثَلَاثَةُ, أَيَّامٍ (مَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ, وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ, ثُمَّ أَرْدَفَ رَجُلاً, فَجَعَلَ يُنَادِى بِهَا فِي النَّاسِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير بُكير، وهو ثقة، وعبد الرحمن، وهو صحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنه -. و"يحيى": هو القطان.
و"سفيان": هو الثوريّ.
والحديث صحيحٌ، وقد تقدّم سندًا ومتنًا في ٢٠٣/ ٣٠١٧ - وتقدم شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٠٤٦ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, قَالَ: أَتَيْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ, فَحَدَّثَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «الْمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"يعقوب بن إبراهيم": هو الدورقيّ. و"يحيى بن سعيد" هو: القطّان.
وإلحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله في - ٥١/ ٢٧٤٠، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 13307
٢١٢ - (التَّلْبِيَةَ بِالْمُزْدَلِفَةِ)
٣٠٤٧ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ, فِي حَدِيثِهِ عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ, عَنْ حُصَيْنٍ, عَنْ كَثِيرٍ -وَهُوَ ابْنُ مُدْرِكٍ- عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ, قَالَ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ, وَنَحْنُ بِجَمْعٍ: سَمِعْتُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ, يَقُولُ, فِي هَذَا الْمَكَانِ: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هناد بن السريّ) أبو السريّ التميميّ الكوفيّ، ثقة [١٠] ٢٣/ ٢٥.
٢ - (أبو الأحوص) سلّام بن سُليم الحنفيّ الكوفيّ، ثقة متقن [٧] ٧٩/ ٩٦.
٣ - (حُصين) بن عبد الرحمن السلميّ، أبو الهذيل الكوفيّ، ثقة تغيّر حفظه في الآخر [٥] ٤٧/ ٨٤٦.
٤ - (كثير بن مُدرك) أبو مدرك الأشجعيّ الكوفيّ، ثقة [٢] ووهم من عدّه في الصحابة تقدّم في ٦/ ٥٠٣.
٥ - (عبد الرحمن بن يزيد) بن قيس النخعيّ، أبو بكر الكوفيّ، ثقة، من كبار [٣] مات سنة (٨٣ هـ) تقدّم في -٣٧/ ٤١.
٦ - (ابن مسعود) عبد اللَّه الصحابيّ الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - ٣٥/ ٣٩. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: حُصين، عن كثير، عن عبد الرحمن، ورواية كثير عن عبد الرحمن من رواية الأكابر عن الأصاغر. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ) النخعيّ، أنه (قَالَ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (وَنَحْنُ بِجَمْعٍ) جملة في محلّ نصب على الحال، أي والحال أننا نازلون في جمع، وهي المزدلفة (سَمِعْتُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ) ﷺ ، والجملة مقول القول (يَقُولُ، فِي هَذَا المكَانِ) يعني المزدلفة (لَبَّيكَ اللهُمَّ لَبَّيكَ) في محلّ نصب مقول القول.
والحديث دليلٌ على استحباب التلبية في المزدلفة ليلة النحر، وصباحه، وأنها لا
стр. 13308
تقطع إلا إذا رمى جمرة العقبة في ذلك اليوم، كما سيأتي في حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - في -٢٢٩/ ٣٠٨١ - في باب "قطع التلبية إذا رمى جمرة العقبة"، إن شاء اللَّه تعالى تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٢١٢/ ٣٠٤٧ - وفي "الكبرى" ٢١٤/ ٤٠٥٣. وأخرجه (م) في "الحجّ" ١٢٨٣ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٣٥٣٩ و ٣٩٦٦. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢١٣ - (وَقْتُ الإِفَاضَةِ مِنْ جَمْعٍ)
٣٠٤٨ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ, قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: شَهِدْتُ عُمَرَ بِجَمْعٍ, فَقَالَ: إِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ, كَانُوا لَا يُفِيضُونَ, حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ, وَيَقُولُونَ: أَشْرِقْ ثَبِيرُ, وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَالَفَهُمْ, ثُمَّ أَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إسماعيل بن مسعود) الْجَحْدريّ، أبو مسعود البصريّ، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧.
٢ - (خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧.
٣ - (شعبة) بن الحجّاج الإمام الحجة الثبت البصريّ [٧] ٢٤/ ٢٧.
٤ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد اللَّه الهمدانيّ السَّبيعيّ الكوفيّ، ثقة عابد، اختلط بآخره [٣] ٣٨/ ٤٢.
٥ - (عمرو بن ميمون) الأوديّ، أبو عبد اللَّه، ويقال: أبو يحيى، مخضرم مشهور،
стр. 13309
ثقة، عابد، نزل الكوفة، ومات سنة (٧٤ هـ) وقيل: بعدها، تقدّم في ١٩٢/ ٣٠٧. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالبصريين، والثاني بالكوفيين، غير الصحابيّ، فمدنيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن أبي إسحاق، أنه (قال: سمعته) أي سمعت عمرو بن ميمون (يَقُولُ: شَهِدْتُ عُمَرَ) بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنه - (بجَمْع) أي بالمزدلفة، وسميت بذلك لاجتماع الحجّاج فيها، وقيل: غير ذلك في تَسميتها (فَقَالَ: إِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ) وفي رواية البخاريّ: "شهدت عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - صلّى بجمع الصبحَ، ثم وقف، فقال: إن المشركين كانوا لا يُفيضون … " (كَانُوا لَا يُفِيضُونَ) بضم أوله، من الإفاضة، أي لا يرجعون، وزاد في رواية للبخاريّ من طريق سفيان الثوريّ، عن أبي إسحاق: "من جمع"، وزاد الطبرانيّ، من رواية عبيد اللَّه بن موسى، عن سفيان: "حتى يروا الشمس على ثَبِير" (حَتَّى تَطلُعَ الشَّمْسُ) بضم اللام، يقال: طلع الكوكب والشمس، طُلُوعًا، ومطلَعًا -بفتح اللام، وكسرها-: ظهر، كأطلَعَ بالهمز. أفاده في "القاموس" (وَيَقُولُونَ: أَشْرِقْ) بفتح أوله، فعل أمر من الإشراق، يقال: أشرق: إذا دخل في الشروق، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠] أي حال كونهم داخلين في شروق الشمس، كما يقال: أجنب: إذا دخل في الْجَنُوب، وأشمل: إذا دخل في الشمال، وحاصل معنى: "أشرق ثَبِير": لتطلع عليك الشمس. وقال الهرويّ: يريد ادخل أيها الجبل في الشروق. وقال عياض: "أشرق ثبير" ادخل يا جبل في الإشراق.
وقال ابن التين: وضبطه بعضهم بكسر الهمزة، كأنه ثلاثيّ، من شرق، وليس ببيّنٍ، لأن شرَقَ مستقبله يَشرُقُ -بضم الراء-، والأمر منه "اشرُق" -بضم الهمزة، لا بكسرها- والذي عليه الجماعة -بفتح الهمزة-: أي لتطلُعْ عليك الشمس. وقيل: معناه: أَطلِع الشمسَ يا جبلُ، وليس ببيّن أيضًا انتهى (١) (ثَبِيرُ) بفتح المثلّثة، وكسر الموحّدة: جبلٌ
стр. 13310
معروفٌ هناك، وهو على يسار الذاهب إلى منى، وهو من أعظم جبال مكة، عُرف برجل من هُذيل، اسمه ثَبير، دُفن فيه. وهذا هو المراد، وإن كان للعرب جبال أُخَر كلّ منها ثبير، وهو منصرفٌ، ولكنه هنا بدون التنوين؛ لأنه منادى مفرد معرفة: تقديره: أشرق يا ثبير.
وزاد في رواية الإسماعيليّ من طريق أبي الوليد، عن شعبة: "كيما نُغير"، ومثله لابن ماجه من طريق حجاج بن أرطاة، عن أبي إسحاق. وللطبريّ من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق: "أشرق ثبير، لعلّنا نُغير". قال الطبريّ: معناه كيما ندفع للنحر، وهو من قولهم: أغار الفرسُ: إذا أسرع في عدوه. قال ابن التين: وضبطه بعضهم بسكون الراء في "ثبير"، وفي "نُغير"؛ لإرادة السجع، وهو من محسنات الكلام انتهى (١) (وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَالَفَهُمْ) أي خالف المشركين في إفاضتهم بعد طلوع الشمس (ثُمَّ أَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ) الإفاضة الدفعة. قاله الأصمعيّ، ومنه أفاض القوم في الحديث: إذا دفعوا فيه.
ثم إنه يحتمل أن يكون فاعل "أفاض" ضمير عمر - رضي اللَّه تعالى عنه -، فيكون انتهاء حديثه ما قبل هذا. ويحتمل أن يكون ضمير "رسول اللَّه ﷺ "؛ لعطفه على قوله: "خالفهم "، وهذا هو المعتمد. وقد وقع في رواية أبي داود الطيالسيّ، عن شعبة، عند الترمذيّ: "فأفاض"، وفي رواية الثوريّ: "فخالفهم النبيّ ﷺ ، فأفاض"، وللطبريّ من طريق زكريا، عن أبي إسحاق بسنده: "كان المشركون لا ينفرون حتى تطلع الشمس"، وله من رواية إسرائيل: "فدفع لقدر صلاة القوم المسفرين لصلاة الغداة"، وأوضح من ذلك ما وقع في حديث جابر الطويل عند مسلم: "ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعا اللَّه تعالى، وكبّره، وهلّله، ووحّده، فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًّا، فدفع قبل أن تطلع الشمس".
وروى ابن المنذر من طريق الثوريّ، عن أبي إسحاق: "سألت عبد الرحمن بن يزيد: متى دفع عبد اللَّه من جمع؟، قال: كانصراف القوم المسفرين من صلاة الغداة". وروى الطبريّ من حديث عليّ، قال: "لما أصبح رسول اللَّه ﷺ بالمزدلفة غدا، فوقف على قُزَحَ، وأردف الفضل، ثم قال: هذا الموقف، وكلّ المزدلفة موقف، حتى إذا أسفر دفع". وأصله عند الترمذيّ، دون قوله: "حتى إذا أسفر"، ولابن خُزيمة، والطبريّ من طريق عكرمة، عن ابن عباس: "كان أهل الجاهليّة يقفون بالمزدلفة، حتى إذا طلعت الشمس، فكانت على رؤوس الجبال كأنها العمائم على رؤوس الرجال
стр. 13311
دفعوا، فدفع رسول اللَّه ﷺ حين أسفر كلّ شيء قبل أن تطلع الشمس"، وللبيهقيّ من حديث المسور بن مخرمة نحوه (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، ونعم الوكيل.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢١٣/ ٣٠٤٨ - وفي "الكبرى" ٢١٥/ ٤٠٥٤. وأخرجه (خ) في "الحجّ" ١٦٨٤ و"المناقب" ٣٨٣٨ (د) في "المناسك" ١٩٣٨ (ت) في "الحجّ"٨٩٦ (ق) في "المناسك" ٣٠٢٢ (أحمد) في "مسند العشرة" ٨٥ و ٢٠٠ و ٢٧٧ و ٢٩٧ و٣٦٠ (الدراميّ) في "المناسك" ١٨٩٠. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان وقت الإفاضة من المزدلفة، وهو قبل طلوع الشمس. (ومنها): فضل الدفع من الموقف بالمزدلفة عند الإسفار؛ حيث إن النبيّ ﷺ دفع وقت الإسفار. (ومنها): أن الوقوف بالمزدلفة من مناسك الحجّ، ونقل الطبريّ الإجماع على أن من لم يقف فيه حتى طلعت الشمس فاته الوقوف، قال ابن المنذر: وكان الشافعيّ، وجمهور أهل العلم يقولون بظاهر هذه الأخبار، وكان مالك يرى أن يدفع قبل الإسفار، واحتجّ له بعض أصحابه بأن النبيّ ﷺ لم يعجل الصلاة مغلّسًا إلا ليدفع قبل طلوع الشمس، فكل من بعُد دفعه من طلوع الشمس كان أولى انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الاحتجاج غير مقبول؛ لكونه في مقابلة النصّ، فما ذهب إليه الجمهور من أن السنة الدفع بعد الإسفار هو الحقّ؛ لحديث جابر ﵁ الطويل: "فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًّا، فدفع قبل أن تطلع الشمس"، ولما أخرجه ابن خزيمة، والطبريّ من طريق عكرمة، عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -: "كان أهل الجاهلية يقفون بالمزدلفة حتى تطلع الشمس، فكانت على رؤوس الجبال كأنها العمائم على رؤوس الرجال دفعوا، فدفع رسول اللَّه ﷺ حين أسفر كلُّ شيء قبل أن تطلع الشمس"، وروى البيهقيّ من حديث المسور بن مخرمة نحوه. واللَّه تعالى أعلم
стр. 13312
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢١٤ - (الرُّخْصَةُ لِلضَّعَفَةِ أَنْ يُصَلُّوا يَوْمَ النَّحْرِ الصُّبْحَ بِمِنَى)
٣٠٤٩ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ, عَنْ أَشْهَبَ, أَنَّ دَاوُدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُمْ, أَنَّ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ حَدَّثَهُ, أَنَّ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ حَدَّثَهُمْ, أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ, يَقُولُ: أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ, فَصَلَّيْنَا الصُّبْحَ بِمِنًى, وَرَمَيْنَا الْجَمْرَةَ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو مصريّ ثقة فقيه [١١] ١٢٠/ ١٦٦. وغير "أشهب" بن عبد العزيز بن داود القيسيّ، أبي عمرو المصريّ، فإنه تفرد به هو، وأبو داود، وهو أيضًا مصريّ ثقة فقيه [١٠] ١٥١/ ٢٤٢.
و"داود بن عبد الرحمن": هو أبو سليمان العطار المكيّ، ثقة [٨] ٢٩/ ٤٤٢.
والحديث صحيح، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله في - ٢٠٨/ ٣٠٣٣ - باب "تقديم النساء والصبيان إلى منى من مزدلفة"، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٠٥٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ بْنِ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ, قَالَتْ: وَدِدْتُ أَنِّي اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , كَمَا اسْتَأْذَنَتْهُ سَوْدَةُ, فَصَلَّيْتُ الْفَجْرَ بِمِنًى, قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ النَّاسُ, وَكَانَتْ سَوْدَةُ امْرَأَةً ثَقِيلَةً ثَبِطَةً, فَاسْتَأْذَنَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , فَأَذِنَ لَهَا, فَصَلَّتِ الْفَجْرَ بِمِنًى, وَرَمَتْ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ النَّاسُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن آدم بن سليمان) الجهنيّ المصّيصيّ، صدوق [١٠] ٩٣/ ١١٥.
٢ - (عبد الرحيم بن بن سليمان) الكنانيّ، أو الطائيّ، أبو عليّ الأشلّ المروزيّ،
стр. 13313
نزيل الكوفة، ثقة له تصانيف، من صغار [٨] ٥٧/ ٢٣٠٥.
٣ - (عبيد اللَّه) بن عمر بن حفص بن عاصم بن الخطاب العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقة ثبت [٥] ١٥/ ١٥.
٤ - (عبد الرحمن بن القاسم) بن محمد التيميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقة جَلِيل، كان أفضل أهل زمانه [٦] ١٢٠/ ١٦٦.
٥ - (أبوه) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصدّيق التيمي المدنيّ، ثقة كان أفضل أهل زمانه، أحد الفقهاء السبعة، من كبار [٣] ١٢٠/ ١٦٦.
٦ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من عبيد اللَّه، وشيخه مصّيصيّ، وعبد الرحيم، فكوفيّ. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن عمّته. (ومنها): أن القاسم من الفقهاء السبعة، وعائشة - رضي اللَّه تعالى - عنها من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أُمً الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنها (قَالَتْ: وَدِدْتُ) من باب تَعِبَ، يقال. ودِدته أَوَدّه وُدًّا بفتح الواو وضمها: أحببته، والاسم الْمَوَدّة، وودِدتُ لو كان كذا أَوَدّ أيضًا وُدًّا، ووَدَادة بالفتح: تمنّيتُه. وَوَدَدتُه بفتحتين، حكاها الكسائيّ، وهو غلطٌ عند البصريين، وقال الزجّاج: لم يقل الكسائيّ إلا ما سمع، ولكنه سمعه ممن لا يوثق بفصاحته. قاله الفيّوميّ (أَنِّي اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) بفتح همزة "أنّ"، لأن مدخولها في تأويل المصدر مفعول "وددت"، أي وددت استئذاني (كَمَا اسْتَأْذَنَتْهُ سَوْدَةُ،) بنت زَمْعَة بن قيس بن عبد شمس العامريّة القرشيّة، أم المؤمنين، تزوّجها النبيّ ﷺ بعد خديجة - رضي اللَّه تعالى - عنها بمكة، وماتت سنة (٥٥ هـ) على الصحيح (فَصَلَّيْتُ الْفَجْرَ بمِنًى، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الناسُ) وفي رواية مسلم: "فأصلي الصبح بمنى، فأرمي الجمرة قبل أَنَّ يأتي الناس" (وَكَانَتْ سَوْدَةُ امْرَأَةٌ ثَقِيلَةً) أي من عظم جسمها (ثَبِطَةً) بفتح المثلّثة، وكسر الموحّدة، بعدها مهملة خفيفة: أي بطيئة الحركة، كأنها تثبط بالأرض، أي تشبّث بها.
[تنبيه]: وقع عند مسلم عن القعنبيّ، عن أفلح بن حُميد ما يُشعر بأن تفسير الثبطة
стр. 13314
بالثقيلة من القاسم، راوي الخبر، ولفظه: "وكانت امرأة ثَبِطة، يقول القاسم: والثبطة الثقيلة"، ولأبي عوانة من طريق ابن أبي فُديك، عن أفلح بعد أن ساق الحديث بلفظ: "وكانت امرأة ثبطة، قال: الثبطة الثقيلة"، وله من طريق أبي عامر العَقَديّ، عن أفلح: "وكانت امرأة ثبطة، يعني ثقيلة".
قال الحافظ: فعلى هذا فقوله هنا: "وكانت امرأة ثقيلة ثبطة" من الإدراج الواقع قبل ما أدرج عليه، وأمثلته قليلة جدًّا، وسببه أن الراوي أدرج التفسير بعد الأصل، فظنّ الراوي الآخر أن اللفظين ثابتان في أصل المتن، فقدّم وأخّر. واللَّه أعلم انتهى بتصرّف (١).
(فَاسْتَأْذَنَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) أي طلبت الإذن منه في الدفع قبل الناس (فَأَذِنَ لَهَا) في ذلك (فَصَلَّتِ الْفَجْرَ بمِنَى، وَرَمَتْ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ النَّاسُ) أي قبل كثرة الزحام في جمرة العقبة. واللَّه تعالى أَعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٢١٤/ ٣٠٥٠ - و ٢٠٩/ ٣٠٣٨ - وفي "الكبرى" ٢٠٨/ ٤٠٣٢ و ٤٠٣٣ و ٤٠٣٤. وأخرجه (خ) في "الحج" ١٦٨٠ و ١٦٨١ (م) في "الحجّ" ١٢٩٠ (ق) في "المناسك" ٣٠٢٧ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٤١١٤ و ٢٤١٥٢ و ٢٤٤٩٦ و ٢٤٧٨٦و ٢٥٢٦٠ (الدارمي) في "المناسك" ١٨٨٦. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو جواز صلاة الصبح بمنى لأصحاب الأعذار، وأما غيرهم فلا يجوز لهم أن يُصَلُّوها إلا بالمزدلفة، على ما هو الراجح من أقوال أهل العلم، كما قدّمناه قبل بابين. (ومنها): جواز الدفع لهم بالليل من المزدلفة إلى منى. (ومنها): ما كان عليه النبيّ ﷺ من سعة الخلق، وحسن العشرة لأزواجه، حيث ينفّذ لهن ما يردنه من المباحة الشرعية. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وحو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 13315
٣٠٥١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) ابْنُ الْقَاسِمِ, قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ, عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ, عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ, أَنَّ مَوْلًى لأَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَخْبَرَهُ, قَالَ: جِئْتُ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ مِنًى بِغَلَسٍ, فَقُلْتُ لَهَا: لَقَدْ جِئْنَا مِنًى بِغَلَسٍ, فَقَالَتْ: قَدْ كُنَّا نَصْنَعُ هَذَا, مَعَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محمد بن سلمة) المراديّ الجمليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت [١١] ١٩/ ٢٠.
٢ - (ابن القاسم) هو عبد الرحمن العُتَقيّ، أبو عبد اللَّه المصريّ الفقيه، ثقة، من كبار [١٠] ١٩/ ٢٠.
٣ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة، أبو عبد اللَّه الحجة الثبت الفقيه [٧] ٧/ ٧.
٤ - (يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقة ثبت [٥] ٢٢/ ٢٣.
٥ - (عطاء بن أبي رباح) واسمه أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة فقيه فاضل [٣] ١١٢/ ١٥٤.
٦ - (مولى أسماء بنت أبي بكر) هو عبد اللَّه بن كيسان القرشيّ التيميّ أبو عمر المدنيّ، ثقة [٣].
رَوَى عن مولاته أسماء، وعن ابن عمر. وعنه صِهْره عطاء بن أبي رباح، وهو من أقرانه، وعمرو بن دينار، وابن جريج، وغيرهم. قال أبو داود: ثَبْتٌ. وقال الحاكم أبو أحمد: من أجلّة التابعين. وذكره ابن حبّان في "الثقات". أخرج له الجماعة، وليس له عند المصنّف غير هذا الحديث. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيّات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من مالك، غير عطاء، فمكيّ، وشيخه، وابن القاسم فمصريّان. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: يحيى، عن عطاء، عن مولى أسماء - رضي اللَّه تعالى عنها -. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ) الإمام المشهور (أَنَّ مَوْلَى لِأَسمَاءَ بنِتِ أَبِي بَكْرٍ) الصدّيق
стр. 13316
- رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَخْبَرَهُ، قَالَ: جِئْتُ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكرٍ) الصدّيق، زوج الزبير بن العوّام - رضي اللَّه تعالى عنهم -، من كبار الصحابيّات، عاشت مائة سنة، وماتت سنة ثلاث، أو أربع وسبعين، تقدّمت ترجمتها في ١٨٥/ ٢٩٣ (مِنّى بِغَلَسٍ) بفتحتين: ظلام آخر الليل.
وفي رواية البخاريّ من طريق ابن جريج قال حدثني عبد اللَّه، مولى أسماء، عن أسماء، أنها نزلت ليلة جمع، عند المزدلفة، فقامت تصلي، فصلت ساعة، ثم قالت: يا بُنيّ، هل غاب القمر؟ قلت: لا، فصلت ساعة، ثم قالت: يا بني هل غاب القمر؟، قلت: نعم، قالت: فارتحلوا، فارتحلنا، ومضينا، حتى رمت الجمرة، ثم رجعت، فصلت الصبح في منزلها، فقلت لها: يا هَنْتَاه، ما أُرانا إلا قد غَلّسنا، قالت: يا بُنيّ، إن رسول اللَّه ﷺ أَذِنَ للظُّعُن.
(فَقُلْتُ لَهَا: لَقَدْ جِئْنَا مِنًى بِغَلَسٍ) أراد أن هذا الوقت ليس الوقت الذي يُشرع فيه الدفع من المزدلفة (فَقَالَتْ) أسماء - رضي اللَّه تعالى عنها - (قَدْ كُنَّا نَصْنَعُ هَذَا، مَعَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ) تريد النبيّ ﷺ ، وفي رواية أبي داود: "إنا كنا نصنع هذا على عهد رسول اللَّه ﷺ . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أسماء بنت أبي بكر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٢١٤/ ٣٠٥١ - وفي "الكبرى" ٢٠٩/ ٤٠٤١. وأخرجه (خ) في "الحجّ" ١٦٧٩ (م) في "الحجّ" ١٢٩١ (د) في "المناسك" ١٩٤٣ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٦٤٠١ و ٢٦٤٢٦ (الموطأ) في "الحجّ" ٨٨٩. واللَّه تعالى أعلم.
ودلالة الحديث على الترجمة واضحة، حيث يدلّ على الرخصة أن يدفعوا من المزدلفة إلى منى، قبل الفجر، فيصلّوا هناك الصبح، كما صلّت أسماء - رضي اللَّه تعالى عنها -، وسيأتي اختلاف المذاهب في حكم الرمي قبل طلوع الشمس بعد سبعة أبواب، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٠٥٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ, قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ, عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةُ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: سُئِلَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ, وَأَنَا جَالِسٌ مَعَهُ, كَيْفَ
стр. 13317
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , يَسِيرُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ, حِينَ دَفَعَ؟ , قَالَ: كَانَ يُسَيِّرُ نَاقَتَهُ, فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن ترجمة هذا الحديث، والذي بعده سقطت من نسخ "المجتبى"، إذ لا مناسبة بينهما وبين الباب هنا، وقد ثبتت الترجمة في "الكبرى"، ولفظها: "كيف السير من جمع؟ ".
وقوله: "يُسَيِّر ناقته" بتشديد الياء الثانية، والمراد يسير بها سيرًا وسطًا معتادًا. وقوله: "فإذا وجد فجوة نصّ" بفتح الفاء، وسكون الجيم: أي إذا وجد موضعًا متّسعًا حرّك ناقته، ليستخرج أقصى سيرها.
والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم في -٢٠٥/ ٣٠٢٤ - باب "كيف السير من عرفة؟ "، وتقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٠٥٣ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ, عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ, عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لِلنَّاسِ, حِينَ دَفَعُوا عَشِيَّةَ عَرَفَةَ, وَغَدَاةَ جَمْعٍ: «عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ» , وَهُوَ كَافٌّ نَاقَتَهُ, حَتَّى إِذَا دَخَلَ مِنًى, فَهَبَطَ حِينَ هَبَطَ مُحَسِّرًا, قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَذْفِ, الَّذِي يُرْمَى بِهِ الْجَمْرَةُ» , وَقَالَ قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ , يُشِيرُ بِيَدِهِ, كَمَا يَخْذِفُ الإِنْسَانُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد ذكرت عدم مناسبته للباب في الحديث الذي قبله، فتنبّه.
و"عبيد اللَّه بن سعيد": هو أبو قُدامة السرخسيّ الثقة الحافظ. و"يحيى": هو ابن سعيد القطّان. و"أبو معبد": هو مولى ابن عباس، واسمه نافذ بالفاء، والذال المعجمة.
وقوله: "وهو كافّ" بتشديد الفاء، من الكفّ، وهو المنع، والجملة في محلّ نصب على الحال، أي والحال أنه مانع ناقته عن الإسراع.
وقوله: "قال النبيّ ﷺ "، أي أشار، ففيه إطلاق القول على الإشارة، فيكون قوله: "يشير بيده" حالاً مؤكّدة لـ" قال". وقوله: "كما يخذف الإنسان" أراد به الإشارة إلى صغر الحصى.
والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم في -٢٠٤/ ٣٠٢١ - باب "الأمر بالسكينة في الإفاضة من عرفة"، وتقدّم شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 13318
٢١٥ - (الإِيضَاعُ فِي وَادِي مُحَسِّرٍ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الإيضاع" بكسر الهمزة مصدر "أوضع رِكَابه": إذا حمله على الإسراع. و"وادي مُحَسِّر" -بضم الميم، وفتح الحاء المهملة، وكسر السين المهملة المشدّدة، وبالراء-: موضع فاصل بين منى ومزدلفة، وليس من واحد منهما.
قال الأزرقيّ: "وادي محسّر" خمسمائة ذراع وخمس وأربعون ذراعًا (١) وسمّي بذلك لأن فيل أصحاب الفيل حسر فيه، أي أعيى، وكَلَّ عن السير، ومنه قوله تعالى: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤] (٢).
وفي "المرعاة": اختلفوا في محسّر، فقيل: هو واد بين مزدلفة ومنى، قال ابن القيّم: ومُحَسِّر برزخٌ بين منى ومزدلفة، لا من هذه، ولا من هذه. وقيل: ما صبّ منه في المزدلفة فهو منها، وما صبّ منه في منى فهو منها، وصوّبه بعضهم. وقد جاء "ومزدلفة كلها موقف إلا بطن محسّر"، فيكون على هذا قد أطلق بطن محسّر، والمراد منه ما خرج من مزدلفة، وإطلاق اسم الكل على البعض جائز، مجازًا شائعًا. وقال الطحاويّ: ليس وادي محسّر من منى، ولا من المزدلفة، فالاستثناء في قوله: "إلا وادي محسّر" منقطع.
قال الطبريّ: سمي بذلك لأنه حسر فيه فيل أصحاب الفيل، أي أعيَى. وقيل: لأنه يحسُر سالكيه، ويُتعبهم، يقال: حَسَرتُ (٣) الناقةَ: أتعبتها، وأهل مكة يسمّون هذا الوادي وادي النار، يقال: إن رجلاً اصطاد فيه، فنزلت نار، فأحرقته. انتهى (٤). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٠٥٤ - (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ, عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , أَوْضَعَ فِي وَادِي مُحَسِّرٍ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فقد
стр. 13319
تفرّد به هو وأبو داود، وهو أبو إسحاق المعمريّ، قاضي البصرة، ثقة.
و"يحيى": هو القطّان. و"سفيان": هو الثوريّ. والحديث فيه عنعنة أبي الزبير، وهو مدلّس، لكنه صحيح بما بعده، وقد تقدّم تمام البحث فيه في - ٢٠٤/ ٣٠٢٢ - باب "الأمر بالسكينة في الإفاضة من عرفة"، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٠٥٥ - (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَارُونَ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ, قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ, بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ , فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , دَفَعَ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ, قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ, وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ بْنَ الْعَبَّاسِ, حَتَّى أَتَى مُحَسِّرًا, حَرَّكَ قَلِيلاً, ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى, الَّتِي تُخْرِجُكَ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى, حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ, الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ, فَرَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ, يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا, حَصَى الْخَذْفِ, رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إبراهيم بن هارون) البلْخِيّ، صدوقٌ عابدٌ [١١] ٢٤/ ٥٤٣.
٢ - (حاتم بن إسماعيل) الحارثيّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، كوفيّ الأصل، صدوقٌ يَهِم، صحيح الكتاب [٨] ٢٤/ ٥٤٣.
٣ - (جعفر بن محمد) بن عليّ الهاشميّ، المعروف بالصادق، أبو عبد اللَّه المدنيّ، صدوقٌ فقيةٌ إمام [٦] ١٢٣/ ١٨٢.
٤ - (أبوه) محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ، أبو جعفر المدنيّ المعروف بالباقر، ثقة فاضل [٤] ١٢٣/ ١٨٢.
٥ - (جابر بن عبد اللَّه) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٣١/ ٣٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه تفرّد به هو والترمذيّ في "الشمائل". (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه أيضًا، فبلخيّ. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. (ومنها): أن فيه جابرًا - رضي اللَّه تعالى عنه - من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 13320
شرح الحديث
عن محمد بن عليّ الباقر -رحمه اللَّه تعالى-، أنه (قال: دَخَلْنَا عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، دَفَعَ) أي رجع إلى منى (مِنَ المُزْدَلِفَةِ قَبْلَ أَنَّ تَطلُعَ الشَّمْسُ) فيه أن السنة أن يدفع الحجّاج من المزدلفة إلى منى قبل طلوع الشمس، مخالفهّ للجاهلية، حيث كانوا لا يفيضون إلا بعد طلوعها.
قال النوويّ: قال ابن مسعود، وابن عمر، وأبو حنيفة، والشافعيّ، وجماهير العلماء: لا يزال واقفًا فيه يدعو، ويذكر حتى يُسفر الصبح جدًّا، كما في الحديث. وقال مالك: يدفع منه قبل الإسفار. وقال الطبريّ: قال أهل العلم: وهذه سنة الإسلام أن يدفع من المزدلفة عند الإسفار قبل طلوع الشمس. قال طاوس: كان أهل الجاهليّة يدفعون من عرفة قبل أن تغيب الشمس، ومن المزدلفة بعد أن تطلع الشمس، ويقولون: أَشرِقْ ثَبِير كيما نُغير، فأخّر اللَّه هذه، وقدّم هذه. قال الشافعيّ: يعني قدّم المزدلفة قبل أن تطلع الشمس، وأخّر عرفة إلى أن تغيب الشمس (١) (وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ بْنَ الْعَبَّاسِ) بدل أسامة (حَتَّى أَتَى مُحَسِّرًا، حَرَّكَ قَلِيلاً) أي حرّك ناقته، وأسرع السير قليلاً.
قال النوويّ: هي سنة من سنن السير في ذلك الموضع، قال أصحابنا: يسرع الماشي، ويحرّك الراكب دابته في وادي محسّر، ويكون قدر رمية بحجر انتهى (٢).
وقال الشافعيّ في "الأمّ": وتحريكه ﷺ الراحلة فيه يجوز أن يكون فعل ذلك لسعة الموضع. قال الطبريّ: وهكذا كلّ من خرج من مضيق في فضاء جرت العادة بتحريكه فيه. وقيل: يجوز أن يكون فعله لأنه مأوى الشياطين. وقيل: لأنه كان موقفًا للنصارى، فاستحب الإسراع فيه. وقال الإسنويّ: وظهر لي معنى آخر في حكمة الإسراع، وهو أنه مكان نزل فيه العذاب على أصحاب الفيل القاصدين هدم البيت، فاستحبّ فيه الإسراع؛ لما ثبت في الصحيح أمره المارّ على ديار ثمود، ونحوهم بذلك.
وقال ابن القيّم: وهذه كانت عادته ﷺ في المواضع التي نزل فيها بأس اللَّه بأعدائه، وكذلك فعل في سلوكه الحجر، وديار ثمود، تقنّع بثوبه، وأسرع السير انتهى.
وقال الشاه وليّ اللَّه الدهلويّ: إنما أوضع بالمحسّر لأنه محلّ هلاك أصحاب الفيل، فمن شأن من خاف اللَّه، وسطوته أن يستشعر الخوف في ذلك الموطن، ويهرب من
стр. 13321
الغضب، ولما كان استشعاره أمرًا خفيًّا، ضُبِطَ بفعلٍ ظاهرٍ، مذكّرٍ له منبّه للنفس عليه. انتهى.
قال الزرقانيّ: وهذا الجواب، أي ما قاله الطبريّ، وابن القيّم، والإسنويّ في وجه التسمية بمحسّر، وفي حكمة الإسراع فيه مبنيّ على قولٍ الأصحُّ خلافه، وهو أن أصحاب الفيل لم يدخلوا الحرم، وانما أهلكوا قرب أوله. وقال القاري: المرجّح عند غير هؤلاء أنهم لم يدخلوه، وانما أصابهم العذاب قبيل الحرم، قرب عرفة، فلم ينج منهم إلا واحد أخبر من ورائهم انتهى (١).
(ثُمَّ سَلَكَ الطَرِيقَ الْوُسْطَى) وهي غير طريق ذهابه إلى عرفات، وذلك كان بطريق ضبّ، وهذا طريق المأزمين، وهما جبلان.
قال النوويّ: فيه أن سلوك هذا الطريق في الرجوع من عرفات سنة، وهو غير الطريق الذي ذهب فيه إلى عرفات، وهذا معنى قول أصحابنا: يذهب إلى عرفات في طريق ضبّ، ويرجع في طريق المأزمين؛ ليخالف الطريق تفاؤلاً بغِيَر الحال، كما فعل ﷺ في دخول مكة حين دخلها من الثنية العليا، وخرج من الثنية السفلى، وخرج إلى العيد في طريق، ورجع في طريق آخر، وحوّل رداءه في الاستسقاء انتهى (الَّتِي تُخْرِجُك) بضم التاء من الإخراج، ولفظ مسلم: "التي تَخْرُج" بفتح التاء (عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى) التي هي جمرة العقبة (حَتَّى أَتَى) عطف على "سلك" أي حتى وصل (الْجَمْرَةَ، الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ) هذا يدلّ على أنه كان إذ ذاك هناك شجرة (فَرَمَى) قال الشاه وليّ اللَّه الدهلويّ: والسرّ في رمي الجمار ما ورد في نفس الحديث من أنه إنما جُعل لإقامة ذكر اللَّه ، وتفصيله أن أحسن أنواع توقيت الذكر، وأكملها، وأجمعها لوجوه التوقيت أن يوقّت بزمان، وبمكان، ويقام معه ما يكون حافظًا لعدده، محقّقًا لوجوده على رؤوس الأشهاد، حيث لا يخفى شيء، وذكر اللَّه نوعان: نوع يقصد به الإعلان بانقياده لدين اللَّه، والأصل فيه اختيار مجامع الناس، دون الإكثار، ومنه الرمي، ولذلك لم يؤمر بالإكثار هناك. ونوع يُقصد به انصباغ النفس بالتطلّع للجبروت، وفيه الإكثار، وأيضًا ورد في الأخبار ما يقتضي أنه سنة إبراهيم ﵇ حين طرد الشيطان، ففي حكاية مثل هذا الفعل تنبيه للنفس أيّ تنبيه انتهى (٢).
وقال النوويّ: فيه أن السنة للحاج إذا دفع من مزدلفة، فوصل منى أن يبدأ بجمرة العقبة، ولا يفعل شيئًا قبل رميها، ويكون ذلك قبل نزوله انتهى.
стр. 13322
(بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ) فيه أن الرمي يكون بسبع حصيات. قال النوويّ: ويجب رميها بسبع حصيات، فلو بقيت منهنّ واحدة لم يكفه الستّ انتهى. وعند الحنفيّة إذا ترك أكثر السبع لزمه دم، كما لو لم يرم أصلاً، وإن ترك أقلّ منه كثلاث، فما دونها فعليه لكلّ حصاة صدقة، ولا يشترط الموالاة بين الرميات، بل يسنّ، ويكره تركها. وقال النوويّ: ولا يجوز عند الشافعيّ، والجمهور الرمي بالكحل، والزرنيخ، والذهب، والفضّة، وغير ذلك مما يسمّى حجرًا، وجوّزه أبو حنيفة بكلّ ما كان من أجزاء الأرض (يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا) قال النوويّ: فيه أنه يسنّ التكبير مع كلّ حصاة، وفيه أنه يجب التفريق بين الحصيات، فيرميهنّ واحدة واحدة، فإن رمى السبعة رمية واحدة حُسب ذلك كله حصاة واحدة عندنا وعند الأكثرين، وموضع الدلالة لهذه المسألة قوله: "يكبّر مع كلّ حصاة"، فهذا تصريح بأنه رمى كلّ حصاة وحدها، مع قوله ﷺ : "لتأخذوا عتي مناسككم" انتهى (حَصَى الخَذْفِ) هكذا نسخ "المجتبى"، و"السنن الكبرى" بلفظ "حصى الخذف" بدون لفظة "مثل"، وهكذا هو في "صحيح مسلم".
قال النووي في "شرح مسلم": هكذا هو في النسخ، وكذا نقله القاضي عياض عن معظم النسخ. قال: وصوابه "مثل حصى الخذف"، قال: وكذلك رواه غير مسلم، وكذا رواه بعض رواة مسلم. قال النوويّ: والذي في النسخ من غير لفظة "مثل" هو الصواب، بل لا يتّجه غيره، ولا يتمّ الكلام إلا كذلك، ويكون قوله: "حصى الخذف" متعلقًا بحصيات، أي رماها بسبع حصيات حصى الخذف، يكبّر مع كلّ حصاة، فحصى الخذف متصلٌ بحصيات، واعترض بينهما "يكبّر مع كلّ حصاة"، وهذا هو الصواب. واللَّه أعلم انتهى كلام النوويّ (١).
قال القاري بعد نقل كلام النوويّ: وعندي أن اتصال حصى الخذف بقوله: "مع كلّ حصاة، أقرب لفظًا، وأنسب معنى، ومع هذا الاعتراض، ولا تخطئة على إحدى النسختين، فإن تعلّقه بحصاة، أو حصيات، لا ينافي وجود مثل لفظًا، أو تقديرًا، غايته أنه إذا كان موجودا فهو واضح معنى، وإلا فيكون من باب التشبيه البليغ، وهو حذف أداة التشبيه، أي كحصى الخذف، بل لا يظهر للتعلّق غير هذا المعنى، فالروايتان صحيحتان، وما سيأتي في الحديث عن جابر رواه الترمذيّ بلفظ: "وأمرهم أن يرموا بمثل حصى الخذف"، وروى مسلم عنه بلفظ: "رمى الجمرة بمثل حصى الحذف" يرجّح وجود المثل، ويؤيّد تقديره (٢).
стр. 13323
قال في "النهاية": الخذف -أي بفتح الخاء، وسكون الذال المعجمتين- هو رميك حصاة، أو نواة تأخذها بين سبابتين، وترمي بها. والمراد بيان مقدار الحصى التي يُرمى بها في الصغر والكبر، وفسّروا حصى الخذف بقدر حبّة الباقلّاء.
قال النوويّ: فيه أن قدر الحصيات بقدر حصى الخذف، وهو نحو حبّة الباقلّاء، وينبغي أن لا يكون أكبر، ولا أصغر، فإن كان أكبر، أو أصغر أجزأه بشرط كونه حجرًا. وقال المحبّ الطبريّ: قال عطاء بن أبي رباح حصى الخذف مثل طرف الإصبع. وقال الشافعيّ: هو أصغر من الأنملة طولاً وعرضًا، ومنهم من قال: كقدر النواة، ومنهم من قال بقدر الباقلّاء. وفيه تنبيه على استحباب الرمي بذلك انتهى (رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي) قال القاري: بدل من قوله: "رماها"، أو استئناف مبيّن، وهو الأظهر. قال النوويّ: فيه أن السنّة أن يقف للرمي في بطن الوادي بحيث تكون منى، وعرفات، والمزدلفة عن يمينه، ومكة عن يساره، وهذا هو الصحيح الذي جاءت به الأحاديث الصحيحة. وقيل: يقف مستقبل الكعبة، وكيفما رمى أجزأه بحيث يسمى رميًا بما يُسَمَّى حجرًا.
وأما حكم الرمي، فالمشروع منه يوم النحر رمى جمرة العقبة، لا غير بإجماعهم، ومذهبنا أنه واجب ليس بركن، فإن تركه حتى فاتته أيام الرمي، عصى، ولزمه دم، وصحّ حجه. وقال مالك: يفسد حجه، وبجب رميها بسبع حصيات، فلو بقيت منهنّ واحدة لم تكفه الستّ انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم تخريجه، وما يتعلّق به من المسائل في - ٥١/ ٢٧٤٠ - باب "ترك التسمية عند الإهلال"، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢١٦ - (التَّلْبِيَةُ فِي السَّيْرِ)
٣٠٥٦ - (أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ, عَنْ سُفْيَانَ -وَهُوَ ابْنُ حَبِيبٍ- عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ جُرَيْجٍ, وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّهُ كَانَ رَدِيفَ النَّبِيِّ ﷺ , فَلَمْ يَزَلْ يُلَبِّي, حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ).
стр. 13324
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير سفيان بن حبيب البصريّ البزّاز، فإنه من رجال الأربعة، وهو ثقة [٩] ٦٧/ ٨٢.
و"عبد المك بن أبي سليمان": هو العرزميّ الكوفيّ، صدوق له أوهام [٥] ٧/ ٤٠٦. و"عطاء": هو ابن أبي رباح.
والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله في -٢٠٤/ ٣٠٢١ - ودلاته على الترجمة واضحة، حيث يدلّ على استحباب لزوم التلبية في الدفع من المزدلفة إلى منى حتى يأخذ في رمي جمرة العقبة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٠٥٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ حَبِيبٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَبَّى, حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"عبد الرحمن": هو ابن مهديّ. و"سفيان": هو الثوريّ. و"حبيب": هو ابن أبي ثابت.
[تنبيه]: وقع في معظم نسخ "المجتبى" هنا: ما لفظه: "حدّثنا سفيان بن حبيب"، وهو غلط فاحش، والصواب ما في بعض النسخ، و"الكبرى": "حدثنا سفيان، عن حبيب"، بلفظ "عن"، وهو حبيب بن أبي ثابت، كما أسلفته آنفًا. فتنبّه.
[تنبيه آخر]: ظاهر هذا الرواية أن الحديث من مسند ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، والمحفوظ من الروايات في "الصحيحين" وغيرهما أن ابن عباس أخذه عن الفضل بن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهم -، فيكون هذا من مرسل ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، ولا يضرّ ذلك؛ لأن مرسل الصحابيّ في حكم المتّصل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢١٧ - (الْتِقَاطُ الْحَصَى)
٣٠٥٨ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ حُصَيْنٍ, عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ, قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ, قَالَ لِي
стр. 13325
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , غَدَاةَ الْعَقَبَةِ, وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ: «هَاتِ الْقُطْ لِي» , فَلَقَطْتُ لَهُ حَصَيَاتٍ, هُنَّ حَصَى الْخَذْفِ, فَلَمَّا وَضَعْتُهُنَّ فِي يَدِهِ, قَالَ: بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ, «وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ, فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرَقيّ) أبو يوسف البغداديّ، ثقة حافظ [١٠] ٢١/ ٢٢.
٢ - (ابن عليّة) هو إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسَم الأسديّ موهم، أبو بشر البصريّ، ثقة ثبت [٨] ١٨/ ١٩.
٣ - (عوف) بن أبي جمَيلة بَنْدَويه الأعرابيّ العبديّ البصريّ، ثقة رُمي بالقدر والتشيّع [٦] ٤٦/ ٥٧.
٤ - (زياد بن الحصين) بن قيس الحنظليّ اليربوعيّ، ويقال: الرياحيّ، أبو جَهْمَة البصريّ، ثقة يرسل [٤].
قال العجليّ: بصريّ ثقة. وقال أبو حاتم: أبو جَهْمة عن ابن عباس مرسل. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له مسلم حديثًا واحدًا في قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١]. والمصنف هذا الحديث، والحديث الآتي بعد باب، وابن ماجه حديثين.
٥ - (أبو العالية) رُفيع بن مِهْران الرِّيَاحيّ الكوفيّ، ثقة، كثير الإرسال [٢] ٣٢/ ٥٦٢.
٦ - (ابن عبّاس) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها). أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فبغداديّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، غَدَاةَ الْعَقَبَةِ) أي صباح رمي جمرة العقبة، وهو صباح يوم النحر (وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل (هَاتِ) بكسر التاء، قال الرضيّ: هاتِ بمعنى أعطِ، وتتصرّف بحسب المأمور إفرادًا، وتثنيةً، وجمعًا، وتأنيثًا، تقول: هاتِ، هاتيا، هاتوا، إلى هاتين، وتصرّفه دليل فعليته. وقال صاحب "المفتاح": والأصحّ عندي أنه ليس باسم فعل،
стр. 13326
وإنما هو فعل أمر، من أتى الشيء: إذا أعطاه، أُبدلت همزته هاء، وهو مذهب الخليل. وقيل: هي اسم فعل أمر (١) (الْقُطْ لِي") بضم القاف، فعل أمر من لَقَطَ الشيءَ لَقْطًا، من باب قتل: إذا أخذه، وأصله الأخذ من حيث لا يُحَس. قاله الفيّوميّ (فَلَقَطْتُ لَهُ حَصَيَاتٍ، هُنَّ حَصَى الْخَذْفِ) أي مثل حصى الخذف في الصغر (فَلَمَّا وَضَعْتُهُنَّ فِي يَدِهِ، قَالَ: "بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ) متعلّق بمحذوف، أي ارموا بأمثال هؤلاء الحصيات في الحجم، وفي "الكبرى": "بأمثال هؤلاء، بأمثال هؤلاء" مكرّرًا (وإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ) أي احذروا مجاوزة الحدّ في أمور الدين. و"إياكم" منصوب على التحذير، وعامله محذوف وجوبًا، أي إياكم احذَرُوا، و"الغلو" بالنصب عطف عليه، كما قال ابن مالك في "خلاصته":
إِيَّاكَ وَالشَّرَّ وَنَحْوَهُ نَصَبْ … مُحَذِّرٌ بِمَا اسْتِتَارُهُ وَجَبْ
قال ابن الأثير -رحمه اللَّه تعالى-: "إياكم والغلوّ في الدين": أي التشدّد فيه، ومجاوزة الحدّ، كحديثه الآخر: "إن هذا الدين مَتينٌ، فأوغِلوا فيه برفق" (٢). وقيل: معناه: البحث عن بواطن الأشياء، والكشف عن عِلَلها، وغوامض مُتَعَبّداتها. ومنه الحديث: "وحامل القرآن غير الغالي فيه، ولا الجافي عنه" (٣)، إنما قال ذلك؛ لأن من أخلاقه، وآدابه التي أمر بها القصد في الأمور، وخير الأمور أوساطها، و:
............... كِلَا طَرَفَيْ قَصْدِ الأُمُورِ ذَمِيمُ (٤)
(فَإنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ) يعني أن الغلوّ في أمور الدين هو الذي أهلك الأمم السابقة، فلا ينبغي لهذه الأمة أن تتأسّى بهم؛ لئلا يصبيها ما أصابهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
стр. 13327
أخرجه هنا - ٢١٧/ ٣٠٥٨ و ٢١٩/ ٣٠٦٠ - وفي "الكبرى" ٢٢١/ ٤٠٦٣ و ٢٢٣/ ٤٠٦٥. وأخرجه (ق) في "المناسك" ٣٠٢٩ (أحمد) ج ١/ ٢١٥ و ٣٤٧ (ابن خزيمة) ١/ ٢٨٢ (ابن حبّان) رقم ١٠١١ (الحاكم) ١/ ٣٦٦ (البيهقيّ) ٥/ ١٢٧. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مشروعيّة التقاط الحصى من طريق منى. (ومنها): النهي عن الغلوّ في أمور الدين، فيحرم التنطّع فيه، ومجاوزة الحدّ، فإن النبيّ ﷺ قال: "إن الدين يسر، ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه، فسددوا، وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة، وشيء من الدلجة" رواه البخاريّ. (ومنها): أن الغلوّ سبب الهلاك؛ لأن فيه مضادّة لحكم اللَّه تعالى، حيث إنه شرع لعباده ما لا يشقّ عليهم، فإذا سلك الشخص مسلك التشديد فكأنه يعتقد أن التشريع الإلهي غير كاف، فكان معترضًا على اللَّه تعالى، مستوجبًا لعقابه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢١٨ - (مِنْ أَيْنَ يُلْتَقَطُ الْحَصَى؟)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "يَلتَقِط" بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير الملتقط المفهوم من الفعل، ويحتمل أن يكون بالبناء للمفعول، و"الحصى" نائب فاعله. وهو صغار الحجارة، الواحدة حصاة، والجمع حصيات، وحُصِيّ -بضمّ الحاء، وكسرها، مع كسر الصاد، وتشديد الياء. وقال أبو زيد: حَصَاة وحَصًا مثلُ قَنَاة وقَنا، ونَوَاة ونَوَى. انتهى "القاموس" بزيادة من هامشه. وقال في "اللسان": الحصى: ما حذفت به حَذْفًا، وهو ما كان مثل بعر الغنم. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٠٥٩ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ, عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ, عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لِلنَّاسِ, حِينَ دَفَعُوا عَشِيَّةَ عَرَفَةَ, وَغَدَاةَ جَمْعٍ: «عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ» , وَهُوَ كَافٌّ نَاقَتَهُ, حَتَّى إِذَا دَخَلَ مِنًى, فَهَبَطَ حِينَ هَبَطَ مُحَسِّرًا, قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِحَصَى
стр. 13328
الْخَذْفِ, الَّذِي تُرْمَى بِهِ الْجَمْرَةُ» , قَالَ: وَالنَّبِيُّ ﷺ يُشِيرُ بِيَدِهِ, كَمَا يَخْذِفُ الإِنْسَانُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم قبل ثلاثة أبواب سندًا ومتنًا.
ودلالته على ما ترجم له واضحة، حيث بين أن موضع التقاط الحصى هو منى، عقب مجاوزة وادي محسّر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢١٩ - (قَدْرُ حَصَى الرَّمْيِ)
٣٠٦٠ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ حُصَيْنٍ, عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , غَدَاةَ الْعَقَبَةِ, وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى رَاحِلَتِهِ: «هَاتِ, الْقُطْ لِي» , فَلَقَطْتُ لَهُ حَصَيَاتٍ, هُنَّ حَصَى الْخَذْفِ, فَوَضَعْتُهُنَّ فِي يَدِهِ, وَجَعَلَ: يَقُولُ بِهِنَّ فِي يَدِهِ -وَوَصَفَ يَحْيَى, تَحْرِيكَهُنَّ فِي يَدِهِ- "بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ").
قالَ الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، وقد تقدّم تمام البحث فيه قبل باب.
و"عبيد اللَّه بن سعيد" هو: أبو قدامة السرخسي. و"يحيى" هو: ابن سعيد القطان. والباقون تقدموا قبل باب.
وقوله: "وجعل يقول بهنّ في يده" أي شرع النبيّ ﷺ يحرّكهنّ، ويقلّبهنّ في يده. وقوله: "ووصف يحيى" هو يحيى بن سعيد القطّان الراوي عن عوف بن أبي جميلة. وقوله: "بأمثال هؤلاء" متعلّق بمحذوف، أي ارموا بأمثال هؤلاء، ويعني بذلك صغر حجم الحصيات. ودلالة الحديث على الترجمة واضحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 13329
٢٢٠ - (الرُّكُوبُ إِلَى الْجِمَارِ، وَاسْتِظْلَالُ الْمُحْرِمِ)
٣٠٦١ - (أَخْبَرَنِي (١) عَمْرُو بْنُ هِشَامٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحِيمِ, عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ, عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحُصَيْنِ, عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ حُصَيْنٍ, قَالَتْ: حَجَجْتُ فِي حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ , فَرَأَيْتُ بِلَالاً, يَقُودُ بِخِطَامِ رَاحِلَتِهِ, وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ رَافِعٌ عَلَيْهِ ثَوْبَهُ, يُظِلُّهُ مِنَ الْحَرِّ, وَهُوَ مُحْرِمٌ, حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ, ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ, فَحَمِدَ اللَّهَ, وَأَثْنَى عَلَيْهِ, وَذَكَرَ قَوْلاً كَثِيرًا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عمرو بن هشام) أبو أميّة الحرّانيّ، ثقة [١٠] ١٤١/ ٢٢٢.
٢ - (محمد بن سلمة) بن عبد اللَّه الباهليّ مولاهم الحرّانيّ، ثقة [٩] ١٩١/ ٣٠٦.
٣ - (أبو عبد الرحيم) خالد بن أبي يزيد سماك بن رستم الأمويّ مولاهم الحرّانيّ، خال محمد بن سلمة (٢)، ثقة [٦] ١٩١/ ٣٠٦.
٤ - (زيد بن أبي أُنيسة) أبو أسامة الجزريّ، كوفيّ الأصل، ثم سكن الرها، ثقة له أفراد [٦] ١٩١/ ٣٠٦.
٥ - (يحيى بن الحصين) الأحمسيّ البجليّ، ثقة [٤].
روى عن جدته أم الحصين، ولها صحبة، وعن طارق بن شهاب. وعنه أبو إسحاق السبيعيّ، وزيد بن أبي أنيسة. وشعبة. قال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وزاد أبو حاتم: صدوق. وقال العجليّ: كوفيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له الجماعة، سوى البخاريّ، والترمذيّ. وله ولجدّته عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا ٢٢٠/ ٣٠٦١، وحديث باب "الحضّ على طاعة الإمام" ٢٦/ ٤١٩٣.
٦ - (جدّته أم الحصين) بنت إسحاق الأحمسيّة، شَهِدت خطبة حجة الوداع، وروتها عن النبيّ ﷺ ، وغير ذلك. وروى عنها ابن ابنها يحيى بن الحصين، والعَيْزار بن
стр. 13330
حُريث. أخرج لها الجماعة، سوى البخاريّ. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن جدّته. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحُصَينِ) الأحمسي البجليّ (عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ حُصَيْنٍ) الأحمسيّة - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: حَجَجْتُ فِي حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ (أي في عام حجته ﷺ ، ولفظ مسلم: "حججت مع رسول اللَّه ﷺ حجة الوداع " (فَرَأَيْتُ بلَالاً) - رضي اللَّه تعالى عنه - (يَقُودُ بِخِطَامِ رَاحِلَتِهِ) أي يقود ناقته ﷺ وهو آخذ بخطامها -بكسر الخاء المعجمة- وهو الزمام، سمي بذلك لأنه يقع على خَطْم الدابة، وهو مقدَّم الأنف والفم (وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ) ابن حارثة - رضي اللَّه تعالى عنهما - (رَافِعٌ عَلَيْهِ) ﷺ (ثَوْبَهُ، يُظِلُّهُ مِنَ الْحَرِّ) أي يقيه بظلّ ثوبه من حرّ الشمس (وَهُوَ مُحْرِمٌ) أي والحال أنه ﷺ محرم بالحجّ (حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ) أي حتى انتهى رمي جمرة العقبة. وفي رواية مسلم: "فرأيته حين رمى جمرة العقبة، وانصرف، وهو على راحلته … " وفيه أن الإظلال كان بعد رمي الجمار، ويمكن الجمع بينه وبين رواية المصنّف أنه أظلّه في الحالين، حال الرمي، وحال الانصراف. واللَّه تعالى أعلم (ثُمَّ خَطَبَ) ﷺ (الناسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ قَوْلاً كَثِيرًا) أي ذكر النبيّ ﷺ في تلك الخطبة أحكامًا كثيرة، ومن جملهَ ذلك ما سيأتي للمصنّف في "الجهاد" -٢٦/ ٤١٩٣ - باب "الحضّ على طاعة الإمام" من طريق شعبة، عن يحيى بن حصين، قال: سمعت جدّتي تقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول في حجة الوداع: "ولو استُعمل عليكم عبدٌ حبشيّ، يقودكم بكتاب اللَّه، فاسمعوا له، وأطيعوا". ومنها: ما أخرجه أحمد من طريق روح، عن شعبة: "سمعت نبيّ اللَّه ﷺ بعرفات يخطب، يقول: "غفر اللَّه للمحلّق" ثلاث مرّار، قالوا: والمقصّر، فقال: "والمقصّرين"، في الرابعة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
حديث أم الحصين - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
стр. 13331
أخرجه هنا - ٢٢٠/ ٣٠٦٢ - وفي " الكبرى" ٢٢٤/ ٤٠٦٦. وأخرجه (م) في "الحجّ" ١٢٩٨و ١٣٠٣ و"الإماراة" ١٨٣٨ (د) في "المناسك" ١٨٣٤ (ت) في "الجهاد" ١٧٠٦ (ق) في "الجهاد" ٢٨٦١ (أحمد) في "مسند القبائل" ٢٦٧١٥. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان جواز الركوب عند المشي إلى الجمرات. (ومنها): جواز الرمي راكبًا. (ومنها): جواز استظلال المحرم على رأسه بثوب، أو غيره، قال النوويّ: وهو مذهبنا، ومذهب جماهير العلماء، سواء كان راكبا، أو نازلاً. وقال مالك، وأحمد: لا يجوز، وإن فعله لزمته الفدية. وعن أحمد رواية أنه لا فدية، وأجمعوا على أنه لو قعد تحت خيمة، أو سقف جاز، ووافقونا على أنه إن كان الزمان يسيرًا في المحمل لا فدية، وكذا لو استظلّ بيده، وقد يحتجّون بحديث عبد اللَّه بن عباس بن ربيعة، قال: صحبت عمر بن الخطاب ﵁، فما رأيته مضربًا فسطاطًا حتى رجع. رواه الشافعيّ، والبيهقيّ بإسناد حسن. وعن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - أنه أبصر رجلاً على بعيره، وهو محرم، قد استظلّ بينه وبين الشمس، فقال: "اضْحَ لمن أحرمت له". رواه البيهقيّ بإسناد صحيح. وعن جابر ﵁، عن النبيّ ﷺ ، قال: "ما من محرم يضحى للشمس حتى تغرب، إلا غربت بذنوبه حتى يعود كما ولدته أمه". رواه البيهقيّ، وضعّفه.
واحتجّ الجمهور بحديث أم الحصين - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا المذكور في الباب؛ ولأنه لا يسمّى لبسًا، وأما حديث جابر فضعيف، كما ذكرنا، مع أنه ليس فيه نهي، وكذا فعل عمر، وقول ابن عمر ﵄ ليس فيه نهي، ولو كان، فحديث أم الحصين مقدّم عليه. واللَّه أعلم انتهى كلام النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه الجمهور هو الحقّ؛ لما ذكره النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٠٦٢ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (٢) وَكِيعٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَيْمَنُ بْنُ نَابِلٍ, عَنْ قُدَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَرْمِى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ, عَلَى نَاقَةٍ لَهُ صَهْبَاءَ, لَا ضَرْبَ, وَلَا طَرْدَ, وَلَا إِلَيْكَ إِلَيْكَ).
стр. 13332
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، نزيل نيسابور، ثقة ثبت [١٠] ٢/ ٢.
٢ - (وكيع) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة حافظ [٩] ٢٣/ ٢٥.
٣ - (أيمن بن نابل) -بنون، وموحّدة- أبو عمران، أو أبو عمرو الحبشيّ المكيّ، نزيل عسقلان، صدوق يهم [٥] ١٩٤/ ١١٧٥.
٤ - (قُدامة بن عبد اللَّه) بن عمّار بن معاوية الكلابيّ، أبو عبد اللَّه العامريّ، عداده في أهل الحجاز. قال ابن عبد البرّ: أسلم قديمًا، ولم يهاجر، وأقام برُكبةَ في البدو، من بلاد نجد. روى عن النبيّ ﷺ . وعنه ابن أخيه حُميد بن كلاب، وأيمن نابل.
واعترض الحافظ على الحافظ المزيّ بأنه تبع ابن عبد البرّ في أن حميد بن كلاب روى عن قُدامة. وذكر مسلم في "الوُحْدان"، والحاكم، والأزديّ، وأبو صالح المؤذّن، والدّارقطنيّ أن أيمن تفرد بالرواية عنه، فينظر أيَّ شيء روى عنه ابن أخيه حميد بن كلاب، وهل يصحّ، أم لا يصحّ؟، ثم وجدتها في "معجم البغويّ"، وفي السند يعقوب ابن محمد الزهريّ، وقال: إنه تفرّد به، وفيه لين. انتهى كلام الحافظ. أخرج له المصنّف، والترمذيّ، وابن ماجه حديث الباب فقط. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من رباعيّات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٥٦) من رباعيّات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير الصحابيّ، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له إلا هذا الحديث. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ قُدَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) -بضم القاف، وتخفيف الدال المهملة - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَرْمِي جمرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ، عَلَى نَاقَةِ لَهُ صَهْبَاءَ) -بفتح الصاد المهملة، وسكون الهاء-: هي التي يخالط بياضها حمرة، وذلك بأن يحمرّ أعلى الوبر، وتبيض أجوافه. وقال الطيبيّ: الصهبة كالشُّقرة. وقال الجزريّ: المعروف أن الصهبة مختصّة بالشعر، وهي حمرة يعلوها سواد. وقال الفيّومي: الصُّهْبَة، والصُّهُوبة: احمرار الشعر، وصَهِبَ صَهَبًا، من باب تعب، فالذكر أصهب، والأنثى صهباء، والجمع صُهْب -بضم، فسكون- مثلُ أحمر، وحمراء، وحُمر. انتهى (لَا
стр. 13333
ضَرْبَ) أي لا يُضرب أحد أمامه (وَلَا طَرْدَ) أي لا يبعد أحد من عنده (وَلَا إِلَيْكَ إِلَيْكَ) اسم فعل أمر، منقول من الجار والمجرور، أي تنحَّ، وابتعد. قال الطيبيّ: والتكرار للتأكيد.
والمراد أنه ﷺ على سجيته المتواضعة كان يرمي، من غير أن يكون هناك ضرب، ولا طرد للناس، ولا قول: إليك، فلا فعل يصدر للضرب، والطرد، ولا قول يسمع، للتبعيد والتنحية. وفيه تعريض للأمراء بأنهم أحدثوا هذه الأمور. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث قُدامة بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٢٢٠/ ٣٠٦٢ - وفي "الكبرى" ٢٢٥/ ٤٠٦٧. وأخرجه (ت) في "الحجّ" ٩٠٣ (ق) في "المناسك" ٣٠٣٥ (أحمد) في "مسند المكيين" ١٤٩٨٤ و ١٤٩٨٥ (الدراميّ) في "المناسك" ١٩٠١. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان جواز الركوب حال رمي الجمار.
قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: فيه دلالة لما قاله الشافعيّ، وموافقوه أنه يستحبّ لمن وصل منى راكبًا أن يرمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا، ولو رماها ماشيًا جاز، وأما من وصلها ماشيًا فيرميها ماشيًا، وهذا في يوم النحر، وأما اليومان الأولان من أيام التشريق، فالسنة أن يرمي فيهما جميع الجمرات ماشيًا، وفي اليوم الثالث يرمي راكبًا، وينفر، هذا كله مذهب مالك، والشافعيّ، وغيرهما. وقال أحمد، وإسحاق: يستحبّ يوم النحر أن يرمي ماشيًا. قال ابن المنذر: وكان ابن عمر، وابن الزبير، وسالم يرمون مُشاةً، قال: وأجمعوا على أن الرمي يجزيه على أيّ حال رماه، إذا وقع في المرمى انتهى كلام النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- (١).
(ومنها): ما كان عليه النبيّ ﷺ ، من حسن الأخلاق، حيث كان لا يضرب أحد في حضرته، ولا يطرد، ولا يقال له إليك، إليك، بخلاف عادة الملوك، فإن هذا يكثر في
стр. 13334
حضرتهم (ومنها): كراهة طرد الناس، وإيذائهم عند رمي الجمرات، بل ينبغي أن يلزم كلّ أحد حسن التعامل، ويسلك مسلك الأدب والاحترام. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٠٦٣ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) ابْنُ جُرَيْجٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ, أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ, يَقُولُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَرْمِى الْجَمْرَةَ, وَهُوَ عَلَى بَعِيرِهِ, وَهُوَ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ, خُذُوا مَنَاسِكَكُمْ, فَإِنِّي لَا أَدْرِي, لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ عَامِى هَذَا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
وقوله: "خذوا عني مناسككم"، وفي رواية مسلم: "لتأخذوا عني مناسككم"، بلام الأمر. قال النوويّ: تقديره: هذه الأمور التي أتيت بها في حجتي، من الأقوال، والأفعالط، والهيئات هي أمور الحجّ وصفته، وهي مناسككم، فخذوها عنّي، واقبلوها، واحفظوها، واعملوا بها، وعلّموها الناس، وهذا الحديث أصلٌ عظيم في مناسك الحجّ، وهو نحو قوله ﷺ في الصلاة: "صلّوا كما رأيتموني أصلّي".
وقوله: "لا أدري" مفعوله محذوف، أي لا أعلم ماذا يكون.
وقوله: "لعلي لا أحج بعد عامي هذا"، ولمسلم: "بعد حجتي هذه". فيه إشارة إلى توديعهم، وإعلامهم بقرب وفاته ﷺ ، وحثّهم على الاعتناء بالأخذ عنه، وانتهاز الفرصة، من ملازمته، وتعلّم أمور الدين، وبهذا سميت حجة الوداع انتهى كلام النوويّ.
وقال السنديّ: وهذا لا يدلّ على وجوب المناسك، وإنما يدلّ على وجوب الأخذ والتعلّم، فمن استدلّ به على وجوب شيء من المخاسك، فدليله في محلّ نظر، فليتأمل انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- حسنٌ جدًّا، وحاصله أن مجرد فعله ﷺ لشيء من مناسك الحجّ لا يدلّ على وجوبه، بل لا بدّ من دليل آخر يُضمّ إلى الفعل، مثل الأمر. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث أخرجه مسلم، وتقدّم تخريجه في - ٥١/ ٢٧٤٠ - واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 13335
٢٢١ - (وَقْتُ رَمْي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ)
٣٠٦٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الثَّقَفِيُّ, الْمَرْوَزِيُّ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ, عَنْ جَابِرٍ, قَالَ: رَمَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى, وَرَمَى بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ, إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو، والترمذيّ، وهو ثقة حافظ [١٠] ١٦٢/ ٢٥٤.
وقوله: "الجمرة" أي جمرة العقبة. وقوله: "ضُحى" قال العراقيّ: الرواية فيه بالتنوين على أنه مصروف، وهو مذهب النحاة من أهل البصرة، سواء قُصد التعريف، أو التنكير. وقال الجوهريّ: تقول: لقيته ضُحىً، وضُحَى، إذا أردت به ضحى يومك لم تنوّنه. قال: وضحوة النهار بعد طلوع الشمس، ثم بعده الضحى، وهي حين تشرق الشمس مقصورة، تؤنّث وتذكّر، فمن أنّث ذهب إلى أنها جمع ضحوة، ومن ذكّر ذهب إلى أنه اسم على فُعَل، مثل صُرد ونُغَرٍ، وهو ظرف غير متمكن، مثل سحر، قال. ثم بعده الضَّحَاء ممدود مذكّر، وهو عند ارتفاع النهار الأعلى. انتهى (٢).
والحديث أخرجه مسلم، وتقدّم تخريجه في - ٥١/ ٢٧٤٠ - ودلالته على الترجمة واضحة، حيث إنه يدلّ على أن وقتَ رمي جمرة العقبة يوم النحر في الضحى، وأما في سائر الأيام فبعد الزوال.
قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: وهذا المذكور في جمرة يوم النحر سنة باتفاقهم، وعندنا يجوز تقديمه من نصف ليلة النحر، وأما أيام التشريق، فمذهبنا، ومذهب مالك، وأحمد، وجماهير العلماء: أنه لا يجوز الرمي في الأيام الثلاثة إلا بعد الزوال؛ لهذا الحديث الصحيح، وقال طاوس، وعطاء: يجزئه في الأيام الثلاثة قبل الزوال. وقال أبو حنيفة، وإسحاق بن راهويه: يجوز في اليوم الثالث قبل الزوال، دليلنا أنه ﷺ رمى كما ذكرنا، وقال ﷺ : "لتأخذوا عني مناسككم" (٣).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: استدلاله بالحديث المذكور فيه نظر؛ لما أسلفناه في
стр. 13336
الباب الماضي.
والحاصل أن الأولى أن لا يرمي بعد يوم النحر إلا بعد الزوال؛ اتباعًا لما ثبت من فعله ﷺ ، وأما عدم إجزائه قبل الزوال فمحلّ نظر، فليُتأمّل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢٢٢ - (النَّهْيُ عَنْ رَمْي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ)
٣٠٦٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ, عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ, عَنِ الْحَسَنِ الْعُرَنِيِّ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , أُغَيْلِمَةَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ, عَلَى حُمُرَاتٍ, يَلْطَحُ أَفْخَاذَنَا, وَيَقُولُ: «أُبَيْنِيَّ, لَا تَرْمُوا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ, حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ) أبو يحيى المكيّ، ثقة [١١] ١١/ ١١.
٢ - (سفيان) بن عيينة الهلاليّ، أبو محمد بن أبي عمران ميمون الكوفيّ، نزيل مكة، ثقة ثبت حجة [٨] ١/ ١.
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقة ثبت إمام فقيه [٧] ٣٣/ ٣٧.
٤ - (سلمة بن كُهيل) الحضرميّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقة [٤] ١٩٥/ ٣١٢.
٥ - (الحسن العُرَنيّ) -بضم العين المهملة، وفتح الراء، بعدها نون- هو: ابن عبد اللَّه البجليّ الكوفيّ ثقة، أرسل عن ابن عباس [٤].
قال ابن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين: صدوقٌ ليس به بأس، إنما يقال: إنه لم يسمع من أبن عباس. وقال أبو زرعة: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث. وقال العجليّ: كوفيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: يخطىء. وقال أحمد ابن حنبل: الحسن العُرَنيّ لم يسمع من ابن عباس شيئًا. وقال أبو حاتم: لم يدركه. وحديثه عند البخاريّ مقرون بغيره. روى له الجماعة، سوى الترمذيّ، وله عند
стр. 13337
المصنّف في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث برقم -٢٢٢/ ٣٠٦٥ و ٢٣١/ ٣٠٨٥ و ٢٣/ ٥١٩٩.
٦ - (ابن عبّاس) - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو، وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه، فمكي. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ: سلمة، عن الحسن، وهو من رواية الأقران. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أُغَيْلِمَةَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِب) تصغير أغلمة، والمراد الصبيان، ولذا صغّرهم، وهو بالنصب بدل من الضمير في "بعثنا"، وقال القاري: نصبه على الاختصاص، أو على إضمار "أعني"، أو عطف بيان لضمير "بعثنا".
قال في "النهاية": "أُغَيلمة" تصغير أَغْلِمة، جمع غُلام في القياس، ولم يَرِد في جمعه أَغْلِمَة، وإنما قالوا: غِلْمَة، ومثله أُصَيبية، تصغير صِبْيَة، ويريد بالأغيلمة الصبيانَ، ولذلك صغّرهم انتهى (١).
وقالط الخطّابيّ: هو تصغير الغِلْمَة، وكان القياس غُلَيمة، لكنهم ردّوه إلى أَفْعِلَة، فقالوا: أُغَيلمة، كما قالوا: أُصيبية، في تصغير صِبْية. وقال الجوهريّ: الغلام جمعه أَغْلِمَة، وإن كانوا لم يقولوه (عَلَى حُمُرَاتٍ) جمع مؤنث سالم لحُمُر، متعلّق بحال محذوف، أي حال كوننا راكبين على حمرات (يَلْطَحُ) بفتح الياء التحتيّة، والطاء المهملة، بعدها حاء مهملة- من اللطح، وهو الضرب الخفيف. قال أبو داود في "سننه": اللَّطْحُ: الضرب الليّن. وقال في "النهاية": هو الضرب الخفيف بالكفّ، وليس بالشديد (٢) (أَفْخَاذَنَا) بفتح الهمزة، جمع فخذ (وَيَقُولُ: "أُبيْتِيَّ) بضم الهمزة، وفتح الموحّدة، وسكون المثنّاة التحتانيّة، ثم نون مكسورة، ثم ياء مشدّدة.
قال ابن الأثير -رحمه اللَّه تعالى-: وقد اختُلف في صيغتها، ومعناها، فقيل: إنه تصغير أَبْنَى، كأَعْمَى، وأُعَيمَى، وهو اسم مفرد، يدلّ على الجمع. وقيل: إن ابنًا
стр. 13338
يُجمع على أبناء مقصورًا، وممدودًا. وقيل: هو تصغير ابن، وفيه نظر. وقال أبو عُبيد: هو تصغير بَنِيَّ، جمع ابن مضافًا إلى النفس، فهذا يوجب أن تكون صيغة اللفظة في الحديث أُبَيْنِيّ، بوزن سُرَيْجِيّ، وهذه التقديرات على اختلاف الروايات انتهى (١).
وقال الحافظ السيوطيّ في "شرحه" لهذا الكتاب بعد نقل كلام صاحب "النهاية": قال ابن الحاجب في "أماليه": قوله ﷺ : "أُبيني لا ترموا جمرة العقبة … "، الأولى أن يقال: إنه تصغير بَنِيّ مجموعًا، وكان أصل "بنيّ" بُنيّون، أضفته إلى ياء المتكلّم، فصار بُنَيّويَ في الرفع، وبُنيي في النصب والجرّ، فوجب أن تُقلب الواو ياء، وتُدغم على ما هو قياسها في مثل قولك: ضاربيّ، وكذلك النصب والجرّ، ولذلك كان لفظ "ضاربيّ" في الأحوال الثلاث سواءً، كرهوا اجتماع الياءات، والكسرة، فقلبوا اللام إلى موضع الفاء، فصار أُبينيّ، وليس في هذا الوجه إلا قلب اللام إلى موضع الفاء، وهو قريب لما ذكرناه من الاستثقال في قلب الواو المضمومة همزة، وهو جائزٌ قياسًا، وهذا أولى من قول من يقول: إنه تصغير أبناء، رُدّ إلى الواحد، وروعي مشاكلة الهمزة؛ لأنه لو كان تصغيره لقيل: أُبَيْنَاي، ولم يُردّ إلى الواحد؛ لأن أفعالاً من جمع القلّة، فتصغّر من غير ردّ، كقولك: أُجيمال، وهو أيضًا أولى من قول من قال: إنه جمع أبنا، مقصورًا على وزن أَفعَل، اسم جمع للأبناء، صُغّر، وجمع بالواو والنون؛ لأنه لا يعرف ذلك مفردًا، فلا ينبغي أن يُحمل الجمع عليه، ولأنه لا يُجمَع أفعل اسمًا جمع التصحيح انتهى ما كتبه السيوطيّ في "شرحه" (٢).
(لَا تَرْمُوا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، حَتَى تَطْلُعَ الشَّمْسُ) فيه دليلٌ على أن وقت رمي جمرة العقبة يوم النحر من بعد طلوع الشمس، وإن كان الرامي ممن أُبيح له التقدّم إلى منى، وأُذن له في عدم المبيت بالمزدلفة، لكن الأرجح أن هذا محمول على الاستحباب؛ جمعًا بينه وبين الأحاديث الأخرى الآتية قريبًا التي تبيح الرمي قبله، وفي ذلك خلاف بين أهل العلم، سيأتي تحقيقه قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان، تتعلّقان بحديث الباب:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح.
[فإن قلت]: قد تقدّم أن الحسن الْعُرَنيّ لم يسمع من ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى
стр. 13339
عنهما، كما سبق في ترجمته، فكيف يصحّ مع هذا الانقطاع؟.
[قلت]: إنما صحّ بمجموع طرقه المتعدّدة، فقد رواه البخاريّ في "التاريخ الصغير"، وأحمد، والترمذيّ، والطحاويّ من طريق مقسم، عن ابن عبّاس بمعناه، وزيادة ونقص، وصحّحه الترمذيّ وغيره.
وقال الحافظ في "الفتح": بعد ذكر حديث الباب: هو حديث حسنٌ، أخرجه أبو داود، والنسائيّ، والطحاويّ، وابن حبّان، من طريق الحسن العرَنيّ عن ابن عباس، وأخرجه الترمذيّ، والطحاويّ من طريق الحكم، عن مقسم، عنه. وأخرجه أبو داود من طريق حبيب، عن عطاء (١)، وهذه الطرق يقوّي بعضها بعضًا، ومن ثمّ صححه الترمذيّ، وابن حبّان انتهى. وقد تقدّم تخريجه في - ٢٠٨/ ٣٠٣٣ - واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في أول وقت الرمي:
اعلم أنهم اختلفوا في الوقت الذي يجوز فيه رمي جمرة العقبة للضعفة، وغيرهم، مع إجماعهم على أن من رماها بعد طلوع الشمس أجزأه:
فذهبت أسماء بنت أبي بكر، وعكرمة، وخالد، وطاوس، والشعبيّ، وعطاء، والشافعيّ، وأحمد، إلى أن أول الوقت الذي يجزىء فيه رمي جمرة العقبة، هو ابتداء النصف الأخير من ليلة النحر، واستُدلّ لهم بحديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - الآتي في الباب التالي، وحديثها عند أبي داود بإسناد صحيح، قالت: أرسل النبيّ ﷺ بأم سلمة ليلة النحر، فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت، فأفاضت، وكان ذلك اليوم اليوم الذي يكون عندها رسول اللَّه (٢) ﷺ . ويعتضد بما رواه الخلّال من طريق سليمان ابن أبي داود، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: أخبرتني أم سلمة، قالت: قدّمني رسول اللَّه ﷺ فيمن قدّم من أهله ليلة المزدلفة، قالت: فرميت بليل، ثم مضيت إلى مكة، فصليت بها الصبح، ثم رجعت إلى منى. كذا ذكره ابن القيّم.
وذهب جماعة إلى أن أول وقته بعد طلوع الفجر، وأول الوقت المستحبّ بعد طلوع الشمس، وما بعد الزوال إلى الغروب وقت الجواز بلا إساءة، فإن رمى قبل طلوع الشمس، وبعد طلوع الفجر جاز، وإن رماها قبل الفجر أعادها. وبهذا قال مالك، وأبو حنيفة، واستدلّ لهم بما رواه الطحاويّ بسنده عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أن رسول اللَّه ﷺ كان يأمر نساءه وثقله صبيحة جمع أن يُفيضوا مع أول الفجر بسواد، ولا يرموا إلا مصبحين، وفي رواية أن رسول اللَّه ﷺ بعثه في الثقل، وقال: لا ترموا الجمار
стр. 13340
حتى تصبحوا.
وذهب النخعيّ، ومجاهد، والثوريّ، وأبو ثور إلى أن أول وقته يبتدىء من بعد طلوع الشمس، فلا يجوز رميها عندهم إلا بعد طلوع الشمس. واستدلوا بحديث ابن عباس المذكور في الباب، قالوا. إذا كان من رُخّص له مُنع أن يرمي قبل طلوع الشمس، فمن لم يرخّص له أولى.
وذهب بعضهم إلى أن أول وقته للضعفة من طلوع الفجر، ولغيرهم من بعد طلوع الشمس، وهو اختيار ابن القيّم. واستدلّ لذلك بما تقدّم عن أسماء - رضي اللَّه تعالى - عنها - أنها رمت الجمرة، ثم رجعت، فصلت الصبح في منزلها، وقالت: إن رسول اللَّه ﷺ أذن في ذلك للظعن، والحديث في "الصحيحين".
فهذا صريح في أنها رمت الجمرة قبل طلوع الشمس، بل بغلس، وقد صرّحت بأنه ﷺ أذن في ذلك للظعن، ومفهومه أنه لم يأذن للأقوياء الذكور. واستدلّ لذلك أيضًا بحديث ابن عمر عند الشيخين أنه كان يقدّم ضعفة أهله، فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بليل، فيذكرون اللَّه ما بدا لهم، ثم يرجعون قبل أن يقف الإمام، وقبل أن يدفع، فمنهم من يقدم لصلاة الفجر، ومنهم من يقدَم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة، وكان ابن عمر يقول: أرخص في أولئك رسول اللَّه ﷺ .
وقال ابن المنذر: السنة أن لا يرمي إلا بعد طلوع الشمس، كما فعل النبيّ ﷺ ، ولا يجوز الرمي قبل طلوع الفجر؛ لأن فاعله مخالف للسنة، ومن رمى حينئذ فلا إعادة عليه، إذ لا أعلم أحدًا قال: لا يجزئه. انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي الأرجح ما ذهب إليه الأولون من جواز الرمي قبل طلوع الشمس، ويُحمَل حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - المذكور في الباب على الاستحباب؛ جمعًا بينه وبين أحاديث أسماء، وعائشة، وابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهم - المتقدّمة، فالمستحبّ أن لا يرمي إلا بعد طلوع الشمس، ولو رمى قبله أجزأه؛ لهذه الأحاديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٠٦٦ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ حَبِيبٍ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَدَّمَ أَهْلَهُ, وَأَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ).