٢ - (وكيع) بن الجراح بن مَليح الرُّؤَاسي بضم الراء وهمزة ثم مهملة، أبو سفيان، الكوفي.
ثقة حافظ عابد من كبار التاسعة، مات في آخر سنة ست، أو أول سنة ١٩٧ وله ٧٠ سنة وتقدم ٩٧/ ٣١.
٣ - (سفيان) بن سعيد بن مسروق بن حبيب بن رافع بن عبد الله بن موهب بن منقذ بن نصر بن الحكم بن الحارث بن مالك بن ملكان بن ثور ابن عبد مناة بن أد بن طابخة على الصحيح، وقيل: هو من ثور همدان، الثوري أبو عبد الله الكوفي، أحد الأعلام. عن زياد بن علاقة، وحبيب بن أبي ثابت، والأسود بن قيس، وحماد بن أبي سليمان، وزيد بن أسلم، وخلائق.
وعنه الأعمش، وابن عجلان من شيوخه، وشعبة، ومالك من أقرانه، وابن المبارك، ويحيى القطان، وابن مهدي، وخلق، قيل رَوى عنه عشرون ألفا، قال ابن المبارك: ما كتبت عن أفضل من سفيان، قال العجلي: كان لا يسمع شيئا إلا حفظ، قال علي بن الفضيل: رأيت سفيان ساجدا حول البيت، فقطعت سبعة أسابيع قبل أن يرفع رأسه قال الثوري: إذا رأيت القارئ مُحَبَّبًا إلى جيرانه فاعلم أنه مداهن.
قال الخطيب: كان الثوري إماما من أئمة المسلمين، وعلما من أعلام الدين، مجمعا على إمامته مع الإتقان، والضبط، والحفظ، والمعرفة، والزهد، والورع، توفي بالبصرة سنة ١٦١ ومولده ٩٧ أخرج له
الجماعة تقدم في ٣٣/ ٣٧.
٤ - (عمرو بن علي) بن بحر بن كُنَيز الفلاس الصيرفي، أبو حفص، البصري الثقة المثبت ١٠ تقدم في ٨٧/ ١٠١، وتقدم في ٤.
٥ - (عبد الرحمن) بن مهدي بن حسان، أبو سعيد البصري الثقة
стр. 1332
الحجة ٩ تقدم في ٤٢/ ٤٩.
٦ - (منصور) بن المعتمر بن عبد الله السلمي، أبو عتاب الكوفي ثقة ثبت، وكان لا يدلس، من طبقة الأعمش مات سنة ١٣٢ ت وتقدم في ٢/ ٢
٧ - (هلال بن يساف) بكسر التحتانية، ثم مهلمة، ثم فاء، ويقال: ابن إساف الأشجعي مولاهم الكوفي، ثقة من الثالثة تقدم في ٧٢/ ٨٩.
٨ - (أبو يحيى) اسمه مصْدعَ الأعرج، المُعَرْقَب مولى عبد الله بن عَمْرو، ويقال: مولى معاذ بن عفراء روى عن علي، والحسن، وابن عباس، وابن عمرو بن العاص، وعائشة، وعنه سعد بن أوس العدوي، وسعيد بن أبي الحسن البصري، وعمار الدُّهْني، وشحر بن عطية، وأبو رزين الأسدي، وهلال بن يساف؛ قال حاتم: مصدع أبو يحيى الأعرج الأنصاري، يقال: مولى ابن عفراء، وكذا قال أحمد،
وقال ابن المديني: سمعت ابن عيينة، قال عمار الدُّهْني كان مصدع عالما بابن عباس.
قال الحافظ: إنما قيل له المعرقب لأن الحجاج، أو بشر بن مروان عرض عليه سب علي، فأبى، فقطع عرقوبه، قال ابن المديني: قلت لسفيان: في أي شيء عرقب؟ قال في التشيع، قال علي: وهو الذي مر به ابن أبي طالب، وهو يقص، فقال: تعرف الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا، قال: هلكت، وأهلكت، وقد ذكره الجوزجاني في الضعفاء، فقال زائغ جائرٌ عن الطريق، يريد بذلك ما نسب إليه من التشيع، والجوزجاني مشهور بالنصب والانحراف، فلا يقدح فيه قوله، وقال ابن حبان في الضعفاء كان يخالف الأثبات في الروايات، وينفرد
стр. 1333
بالمناكير، أخرج له مسلم والأربعة. اهـ تهذيب التهذيب جـ ١٠ ص ١٥٧ - ١٥٨، وفي (ت) مصدع بكسر أوله وسكون ثانيه، وفتح ثالثه أبو يحيى الأعرج المعرقب مقبول من الثالثة. اهـ.
٩ - (عبد الله بن عمرو) بن العاص، السهمي، أبو محمَّد، بينه وبين أبيه إحدى عشرة سنة له سبعمائة (١) حديث، اتفقا على سبعة عشر، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بعشرين، وعنه جبير بن نفير، وابن المسيب، وعروة، وطاوس، وخلائق، كان يلوم أباه على القتال في الفتنة بأدب وتؤدة، ويقول: مالي ولصفين؟ مالي ولقتال المسلمين، لوددت أني مت قبلها بعشرين سنة، قال يحيى بن بكير: مات سنة ٦٥ وقال الليث: سنة ٨، أخرج له الجماعة. اهـ، صة.
لطائف الإسنادين
الإسناد الأول: فيه من اللطائف: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنهم ما بين، بلخي، وهو قتيبة، وبصريين وهم الباقون، إلا أبا هريرة فإنه مدني، ومحمد بن زياد، وإن كان مدنيا إلا أنه سكن البصرة.
وفيه الإخبار، والإنباء، والتحديث، والعنعنة.
والإسناد الثاني: فيه من اللطائف: أنه من سباعياته، وأن رواته كلهم ثقات، إلا أبا يحيى، فمقبول.
وأنهم ما بين مروزي، وهو محمود بن غيلان، فإنه مروزي نزل بغداد، وكوفيين وهم: وكيع، وسفيان، ومنصور، وهلال، وأبو يحيى، وبصريين وهما: عمرو، وعبد الرحمن، ومصري، وهو الصحابي.
стр. 1334
وفيه رواية تابعي، عن تابعي، وهما: هلال، وأبو يحيى.
وفيه الإخبار، والتحديث. والعنعنة.
شرح الحديثين
الحديث الأول
(عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال قال أبو القاسم ﷺ ) كنية النبي ﷺ ، كني بابنه القاسم، أول مولود له، ولد قبل البعثة، ومات صغيرا، وقيل بعد أن بلغ سن التمييز، وقال الزبير بن بكار: حدثني محمَّد بن نضلة عن بعض المشيخة قال: ولدت خديجة القاسم، وعاش حتى مشى.
وأخرج ابن سعد من طريق محمَّد بن جبير بن مطعم، مات القاسم وله سنتان.
وروى عن قتادة نحوه، وعن مجاهد: عاش سبعة أيام، وقال الفضل العلائي: عاش سبعة عشر شهرا بعد البعثة، وقد أخرج يونس ابن بكير في زيادات المغازي عن أبي عبد الله الجعفي هو جابر، عن محمَّد بن علي بن الحسين: كان القاسم قد بلغ أن يركب الدابة، ويسير على النجيبة، فلما قبض قال العاص بن وائل: لقد أصبح محمَّد أبتر، فنزلت ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: آية ١]، عوضا عن مصيبتك يا محمَّد بالقاسم، فهذا يدل على أن القاسم مات بعد البعثة، وكذا ما أخرجه ابن ماجه، والطيالسي، والحربي من طريق فاطمة بنت الحسين، عن أبيها: قال "لما هلك القاسم، قالت خديجة: يا رسول الله: درت لبينة القاسم، فلو كان الله أبقاه حتى يتم رضاعه، قال: كان تمام رضاعه في الجنة" فقال الحربي: أرادت أنها حزنت عليه حتى دَرَّ لبنها عليه.
стр. 1335
وفي سنن ابن ماجه بعد قوله: لم يستكمل رضاعه، فقالت: لو أعلم ذلك يا رسول الله لهون عليَّ أمره، فقال: "إن شئت دعوت الله، فأسمعك صوته" فقالت: بل صدق الله ورسوله" وهذا ظاهر جدًّا في أنه مات في الإسلام، ولكن في السند ضعف، وأما قول أبي نعيم: لا أعلم أحدا من متقدمينا ذكره في الصحابة، وقد ذكر البخاري في التاريخ الأوسط من طريق سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة أن القاسم مات قبل الإسلام.
لكن سيأتي في ترجمة فاطمة بنت أسد حديث "ما أعفي أحد من ضغطة القبر إلا فاطمة بنت أسد" قيل: ولا القاسم قال: "ولا القاسم وإبراهيم". وكان إبراهيم أصغرهما، وهذا أثر فاطمة بنت الحسين يدل
على خلاف رواية هشام بن عروة اهـ الإصابة [جـ ٣ ص ٢٥٤].
(ويل للعقب من النار) الويل: مصدر، لا فعل له من لفظه، ومثله: ويح، ووَيْب وَوْيس، وَوْيه، وَعْول، ولا يثنى ولا يجمع، ويقال: ويلة، ويجمع على ويلات، وإذا أضيف، فالأحسن فيه النصب، ولا يجوز غيره عند بعضهم، وإذا أفردته اختير الرفع، ومعناه: الفضيحة والحسرة، وقال الخليل: شدة الشر، وابن المفضل: الحزن، وغيرهما: الهلكة، وقال الأصمعي: هي كلمة تفجع، وقد تكون ترحما، ومنه ويل أمه، مسعر حرب.
ومحله رفع بالابتداء خبره الجار والمجرور، فإن كان عَلَمًا لواد في جهنم يهوي به الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره كما ورد في بعض الروايات (١) وفي بعضها أنه جبل فيها، فمسوغه ظاهر، ولا فالمسوغ كونه دعاء، وقد حول عن المصدر المنصوب للدلالة على الدوام
стр. 1336
والثبات، ومثله يجوز فيه ذلك لأنه غير مخبر عنه، وقيل: لتخصص النكرة فيه بالداعي كما تخصص "سلام" في سلام عليك بالمسلّم، فإن المعنى سلامي عليك، وكذلك المعنى ها هنا دعائي على العقب بالهلاك ثابت لها.
أفاد نحو هذا التقرير العلامة الآلوسي في روح العاني عند تفسير قوله ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ (١) [جـ ١ ص ٣٠٢].
والعقب -بفتح العين، وكسر القاف- مؤخر القدم، وهي أنثى، والسكون للتخفيف جائز، والجمع أعقاب أفاده في المصباح.
والمعنى أنه دعا على أصحاب الأعقاب التي لم يصبها الماء في الوضوء، أو أخبر بهذا الوعيد الشديد، وقال البغوي: معناه: ويل لأصحاب الأعقاب المقصرين في غسلها نحو ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: آية ٨٢] وقيل: أراد أن الأعقاب تختص بالعذاب إذا قصر في غسلها اهـ زهر.
وقال السندي: والمراد بالعقب الجنس، والجمع في الحديث الثاني لأنه جاء في قوم تسامحوا في غسل الرجلين ولا حاجة إلى حمل الجمع على معنى التثنية، والمراد ويل لأعقابهم أو أعقاب من يصنع صنيعهم اهـ
قال الحافظ: وإنما خصت بالذكر لصورة السبب كما في حديث عبد الله بن عمرو الآتي، فيلتحق بها ما في معناها من جميع الأعضاء التي قد يحصل التساهل في إسباغها.
وفي رواية الحاكم وغيره من حديث عبد الله بن الحارث "ويل للأعقاب، وبطون الأقدام من النار " اهـ فتح [جـ ١ ص ٣٢١].
وقوله (من النار) قال العلامة العيني كلمة "من" للبيان كما في قوله
стр. 1337
تعالى ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: آية ٣٠]، ويحتمل أن تكون بمعنى "في" كما في قوله تعالى ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: آية ٩] أي في يوم الجمعة اهـ عمدة [١/ ٣٨٣]، وبالله التوفيق، وعليه التكلان.
شرح الحديث الثاني
(عن عبد الله بن عمرو) بن العاص ﵄، أنه (قال: رأى رسول الله ﷺ قوما يتوضئون) وذلك في سفر كما في الصحيحين، ولفظ مسلم "رجعنا مع رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة، حتى إذا كنا في الطريق، تعجل قوم عند العصر، فتوضئوا" الحديث.
(فرأى أعقابهم) جمع عَقب، وتقدم وجه الجمع عن السندي في الحديث الذي قبله (تلوح) أي تظهر، وتُضيء، يقال: لاح، يلوح، لَوْحا بالفتح، ولُؤُوحا بالضم والهمز، ولَوَحَانا، بالتحريك، وليَاحا:
إذا بَدَا، وظهر، أفاده في اللسان.
والمعنى أن تلك الأعقاب تظهر للعين من بين سائر الرجل بأنها لم يمسها الماء (فقال) ﷺ (ويل للأعقاب من النار) ويل مرفوع بالابتداء سوغه كونه مصدرا في معنى الدعاء كما في "سلام عليكم"، وهي كلمة تقابل ويح، تقال: لمن وقع فيما لا يستحقه ترحما عليه، وعن أبي سعيد
الخدري ﵁ "ويل: واد في جهنم، لو أرسلت فيه الجبال لماعت من حره، وقيل: ويل صديد أهل النار (١).
وهي من المصادر التي لا أفعال لها، وهي كلمة عذاب وهلاك.
стр. 1338
وقوله: (للأعقاب) جار ومجرور خبر المبتدإ، وهو جمع عقب مثال كَبد، وهو المستأخر الذي يمسك مؤخر شراك النعل، وقال أبو حاتم: عَقب وعُقْب: مثال كَبد وصُفْر، وهي مؤنثة، ولم يكسروا العين كما في كَبد، وكَتف، وقال النضر بن شُميل: العقب: يكون في المتن والساقين مختلط باللحم يمشق منه مشقا، ويهذب، ويُنَقَّى من اللحم، ويسوى منه الوَتَر، وأما العصب فالعلياء الغليظ ولا خير فيه.
وقال الليث: العقب مؤخر القدم فهو من العصب لا من العقب، وقال الأصمعي: العقب: ما أصاب الأرض من مؤخر الرجل إلى موضع الشراك. وفي المخصص: عرش القدم: أصول سُلَامِيَاتهَا المنتشرة
القريبة من الأصابع وعَقبُها: مؤخرها الذي يفصل عن مؤخر القدم وهو موقع الشراك من خلفها. قاله العلامة العيني في عمدته [جـ١ ص ٣٨٢]
(من النار) بيان للويل، أو بمعنى "في" أي ويل لها في النار.
(أسبغوا الوضوء) أي بالغوا في إتمامه.
يقالط سَبَغَ الشيء يَسبُغ سُبُوغًا أي من باب دخل: طال إلى الأرض واتسع، وأسبغه هو، وسبغ الشعر سبوغا، وسبغت الدرع، وكل شيء طال إلى الأرض فهو سابغ. أفاده في اللسان.
قال السندي: ﵀ فيه دليل على أن التهديد كان لتسامحهم في الوضوء لا لنجاسة على أعقابهم، فيلزم من الحديث بطلان المسح على الرجلين على الوجه الذي يقول به من يجوز المسح عليها، وهو أن يكون على ظاهر القدمين.
وهذا ظاهر، فتعين الغسل، وهو المطلوب، وأما القول بالمسح على وجه يستوعب ظاهر القدم وباطنه، وكذا القول بأن اللازم أحد الأمرين
стр. 1339
إما الغسل وإما المسح على الظاهر، وهم قد اختاروا الغسل فلزمهم استيعابه فورد الوعيد لتركهم ذلك فهو ما لم يقل به أحد فلا يضر احتماله لبطلانه باتفاق اهـ كلام السندي.
وقال العلامة العيني: عند قول البخاري "ونحن نتوضأ فجعلنا نمسح على أرجلنا" ما نصه: قال القاضي عياض: معناه نغسل كما هو المراد في الآية بدليل تباين الروايات، وليس معناه ما أشار إليه بعضهم أنه دليل على أنهم كانوا يمسحون فنهاهم النبي ﷺ عن ذلك وأمرهم بالغسل وقالوا أيضا: لو كان غسلا لأمرهم بالإعادة لما صلوا، وهذا لا حجة فيه لقائله لأنه ﵊ قد أعلمهم بأنهم مستوجبون النار على فعلهم بقوله "ويل للأعقاب من النار" وهذا لا يكون إلا في الواجب، وقد أمرهم بالغسل بقوله "أسبغوا الوضوء" ولم يأت أنهم صلوا بهذا الوضوء، ولا أنها كانت عادتهم قبل، فيلزم أمرهم بالإعادة.
وقال الطحاوي ما ملخصه: إنهم كانوا يمسحون عليها مثل مسح الرأس، ثم إن رسول الله ﷺ منعهم عن ذلك وأمرهم بالغسل فهذا يدل على انتساخ ما كانوا يفعلونه من المسح، وفيه نظر؛ لأن قوله نمسح على أرجلنا يحتمل أن يكون معناه نغسل غسلا خفيفا مبقعا حتى كأنه مسح، والدليل عليه ما في الرواية الأخرى "رأى قوما توضئوا، وكأنهم تركوا من أرجلهم شيئا فهذا يدل على أنهم كانوا يغسلون، ولكن غسلا قريبا من المسح، فلذلك قال لهم: "أسبغوا الوضوء" وأيضا إنما يكون الوعيد على ترك الفرض، ولو لم يكن الغسل في الأول فرضا عندهم لما توجه الوعيد؛ لأن المسح لو كان هو المشهور فيما بينهم كان يأمرهم بتركه، وانتقالهم إلى الغسل بدون الوعيد، ولأجل ذلك قال القاضي عياض: معناه نغسل كما ذكرناه آنفا، والصواب أن يقال: إن أمر رسول الله ﷺ بإسباغ الوضوء ووعيده وإنكاره عليهم في ذلك الغسل يدل على أن
стр. 1340
وظيفة الرجلين هو الغسل الوافي لا الغسل المشابه بالمسح، كغسل هؤلاء، وقول عياض: وقد أمرهم بالغسل بقوله "أسبغوا الوضوء" غير مسلم لأن الأمر بالإسباغ أمر بتكميل الغسل، والأمر بالغسل فهم من الوعيد، لأنه لا يكون إلا في ترك الواجب، فلما فُهِمَ ذلك من الوعيد، أكده بقوله: "أسبغوا الوضوء" ولهذا ترك العاطف فوقع هذا تأكيدا عاما يشمل الرجلين وغيرهما من أعضاء الوضوء؛ لأنه لم يقل: أسبغوا الرجلين؛ بل قال: "أسبغوا الوضوء" والوضوء هو غسل الأعضاء الثلاثة، ومسح الرأس، ومطلوبية الإسباغ غير مختصة بالرجلين، فكما أنه مطلوب فيهما، فكذلك مطلوب في غيرهما.
فإن قلت: لم ذكر الإسباغ عاما، والوعيد خاصا؟ قلت: لأنهم ما قصروا إلا في وظيفة الرجلين، فلذلك ذكر لفظ الأعقاب فيكون الوعيد في مقابلة ذلك التقصير الخاص اهـ كلام العيني في عمدته [جـ ١ ص ٣٨٣]. والله ولي التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بحديثى الباب
المسألة الأولى: في درجتهما:
أما حديث أبي هريرة فهو متفق عليه. وأما حديث عبد الله بن عمرو عن طريق أبي يحيى الأعرج فأخرجه مسلم. وقد أخرجاه عن طريق يوسف بن ماهَك عن عبد الله بن عمرو بلفظ: " تخلف عنا النبي ﷺ في سفرة سافرناها، فأدركنا، وقد أرهقتنا الصلاة ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: ويل للأعقاب من النار مرتين أو ثلاثًا" هذا لفظ البخاري ونحوه لمسلم.
стр. 1341
المسألة الثانية في بيان مواضع ذكر المصنف لهما، وفيمن أخرجهما معه.
أما حديث أبي هريرة فأخرجه المصنف هنا -٨٩/ ١١٠ - وفي الكبرى -٧٩/ ١١٣ - عن قتيبة، عن يزيد بن زريع، عن شعبة، وعن مؤمل بن هشام، عن ابن علية، عن شعبة، عن محمَّد بن زياد، عنه.
وأخرجه البخاري في الطهارة، عن آدم، عن شعبة به.
وأخرجه مسلم في الطهارة أيضا عن قتيبة، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كريب ثلاثتهم عن وكيع، عن شعبة به.
وأما حديث عبد الله بن عمرو. فأخرجه المصنف هنا -٨٩/ ١١١ - وفي الكبرى -٧٩/ ١١٤ - عن محمود بن غيلان، عن وكيع -وعن عمرو بن علي، عن ابن مهدي- كلاهما عن سفيان، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن أبي يحيى، عنه. وفي -١٠٦/ ١٤٢ - وفي الكبرى -٩٢/ ١٣٧ - عن قتيبة، عن جرير، عن منصور به ببعضه "أسبغوا الوضوء".
وأخرجه مسلم في الطهارة عن زهير بن حرب، وإسحاق بن إبراهيم، كلاهما عن جرير، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان، عن شعبة، ثلاثتهم، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن أبي
يحيى به.
وأخرجه أبو داود في الطهارة عن مسدد، عن يحيى القطان، عن سفيان به.
وأخرجه ابن ماجه في الطهارة أيضا عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعلي ابن محمَّد كلاهما عن وكيع به. أفاده أبو الحجاج المزي ﵀.
стр. 1342
المسألة الثالثة: في ذكر مذاهب العلماء في غسل الرجلين:
قال العلامة ابن رشد في بداية المجتهد: ما نصه:
اتفق العلماء على أن الرجلين من أعضاء الوضوء، واختلفوا في نوع طهارتهما: فقال قوم: طهارتهما الغسل، وهم الجمهور، وقال قوم: فرضهما المسح، وقال قوم: بل طهارتهما تجوز. بالنوعين: الغسل، والمسح، وأن ذلك راجع إلى اختيار المكلف.
وسبب اختلافهم القراءتان المشهورتان في آية الوضوء: أعني قراءة من قرأ "وأرجلكم" بالنصب عطف على المغسول، وقراء ة من قرأ وأرجلكم" بالخفض عطفا على الممسوح وذلك أن قراءة النصب ظاهرة في الغسل، وقراءة الخفض ظاهرة في المسح، كظهور تلك في الغسل، فمن ذهب إلى أن فرضهما واحد من هاتين الطهارتين على التعيين إما الغسل، وإما المسح ذهب إلى ترجيح ظاهر إحدى القراءتين على القراءة الثانية، وصرف بالتأويل ظاهر القراءة الثانية إلى معنى ظاهر القراءة التي ترجحت عنده، ومن اعتقد أن دلالة كل واحدة من القراءتين على ظاهرها أيضا جعل ذلك من الواجب المخير ككفارة اليمين، وغير ذلك، وبه قال الطبري، وداود.
وللجمهور تأويلات في قراء الخفض أجودها أن ذلك عطف على اللفظ لا على المعنى إذ كان ذلك موجودًا في كلام العرب مثل قول الشاعر: (من الكامل):
لعِبَ الزَّمَانُ بِهَا وَغَيَّرَهَا … بَعْدِي سَوَافي (١) المُور وَالقَطْرِ
بالخفض، ولو عطف على المعنى لرفع القطر.
وأما الفريق الثاني، وهم الذين أوجبوا المسح فإنهم تأولوا قراءة
стр. 1343
النصب على أنها عطف على الموضع كما قال الشاعر (من الوافر):
فَلَسْنَا بالجبَالِ وَلَا الحَديدَا
وقد رجح الجمهور قراءتهم هذه بالثابت عنه ﵊ إذ قال في قوم لم يستوفوا غسل أقدامهم في الوضوء "ويل للأعقاب من النار" قالوا: فهذا يدل على أن الغسل هو الفرض لأن الواجب هو الذي يتعلق بتركه العقاب، وهذا ليس فيه حجة؛ لأنه إنما وقع الوعيد على أنهم تركوا أعقابهم دون غسل، ولا شك أن من شرع في الغسل ففرضه الغسل في جميع القدم كما أن من شرع في المسح ففرضه المسح عند من يخير بين الأمرين. وقد دل على هذا ما جاء في أثر أخرجه مسلم (١) أيضا أنه قال: "فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادى ويل للأعقاب من النار" وهذا الأثر، وإن كانت العادة قد جرت بالاحتجاج به في منع المسح، فهو أدل على جوازه منه على منعه. لأن الوعيد انما تعلق فيه بترك التعميم لا بنوع الطهارة، بل سكت عن نوعها، وذلك دليل على جوازها، وجواز المسح هو أيضا مروي عن بعض الصحابة، والتابعين ولكن من طريق المَعْنَى فالغسل أشد مناسبة للقدمين من المسح كما أن المسح أشد مناسبة للرأس من الغسل إذ كانت القدمان لا يُنقَّى دنسهما غالبا إلا بالغسل. وينقى دنس الرأس بالمسح، وذلك أيضا غالب، والمصالح المعقولة لا يمتنع أن تكون أسبابا للعبادات المفروضة حتى يكون الشرع لاحظ فيها معنيين: معنى مصلحيا، ومعنى عباديا وأعني بالمصلحي ما رجع إلى الأمور المحسوسة، وبالعبادي ما رجع إلى زكاة النفس، وكذلك اختلفوا في الكعبين هل يدخلان في المسح أو في الغسل عند من أجاز المسح؟.
стр. 1344
وأصل اختلافهم الاشتراك الذي في حرف "إلى" أعني في قوله تعالى ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: آية ٦] وقد تقدم القول في اشتراك هذا الحرف في قوله تعالى ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائة: آية ٦] لكن الاشتراك وقع هنالك من جهتين من اشتراك اسم "اليد"، ومن اشتراك حرف "إلى"، وهنا من قبيل اشتراك حرف "إلى" فقط.
وقد اختلفوا في الكتب ما هو؟ وذلك لاشتراك اسم الكعب، واختلاف أهل اللغة في دلالته، فقيل: هما العظمان اللذان عند معقد الشراك، وقيل: هما العظمان الناتئان في طرف الساق، ولا خلاف فيما أحسب في دخولهما في الغسل عند من يرى أنهما عند معقد الشراك إذ كان جزءا من القدم لذلك قال قوم: إنه إذا كان الحد من جنس المحدود دخلت الغاية فيه، أعني الشيء الذي يدل عليه حرف "إلى"، وإذا لم يكن من جنس المحدود لم يدخل فيه مثل قوله تعالى ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: آية ١٨٧] اهـ كلام ابن رشد في بدايته [جـ ١ ص ١٥، ١٦].
وقال القرطبي في "جامع الأحكام"، عند قوله تعالى ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ ما نصه: قرأ نافع، وابن عا مر، والكسائي ﴿وأرجلكم﴾ بالنصب، وروى الوليد بن مسلم عن نافع أنه قرأ ﴿وأرجلُكُم﴾ بالرفع، وهي قراءة الحسن والأعمش سليمانَ، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة ﴿وأرجلكم﴾ بالخفض، وبحسب هذه القراءات اختلف الصحابة والتابعون، فمن قرأ بالنصب جعل العامل اغسلوا، وبنى على أن الفرض في الرجلين الغسل دون المسح، وهذا مذهب الجمهور والكافة من العلماء، وهو الثابت من فعل النبي ﷺ .
واللازم من قوله في غير ما حديث وقد رأى قومًا يتوضؤون، وأعقابهم تلوح فنادى بأعلى صوته "ويل للأعقاب من النار أسبغوا الوضوء".
стр. 1345
ثم إن الله حددهما فقال ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ كما قال في اليدين ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ فدل على وجوب غسلهما، والله أعلم.
ومن قرأ بالخفض جعل العامل الباء، قال ابن العربي: اتفقت العلماء على وجوب غسلهما، وما علمت من ردّ ذلك سوى الطبري من فقهاء المسلمين، والرافضة من غيرهم، وتعلق الطبري بقراءة الخفض.
قلت قد رُويَ عن ابن عباس أنه قال: الوضوء غسلتان ومسحتان، وروي أن الحجاج خطب بالأهواز فذكر الوضوء فقال: اغسلوا وجوهكم وامسحوا برؤسكم وأرجلكم فإنه ليس شيء من ابن آدم أقرب من خبثه من قدميه فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما، فسمع ذلك أنس بن مالك فقال: صدق الله، وكذب الحجاج، قال الله تعالي، ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: آية ٦] قال: وكان إذا مسح رجليه بلّهما، وروي عن أنس أيضا أنه قال: نزل القرآن بالمسح والسنة بالغسل وكان عكرمة يمسح رجليه، وقال: ليس في الرجلين غسل إنما نزل فيهما المسح وقال عامر الشعبي: نزل جبريل بالمسح، ألا ترى أن التيمم يمسح فيه ما كان غسلا، ويُلغَى ما كان مسحا، وقال قتادة:
افترض الله غسلتين ومسحتين.
وذهب ابن جرير الطبري إلى أن فرضهما التخيير بين الغسل والمسح، وجعل القراءتين كالروايتين، قال النحاس: ومن أحسن ما قيل فيه: إن المسح والغسل واجبان جميعا، فالمسح واجب على قراءة من قرأ بالخفض والغسل واجب على قراءة من قرأ بالنصب، والقراءتان بمنزلة آيتين.
وقال ابن عطية: وذهب قوم ممن يقرأ بالكسر إلى أن المسح في الرجلين هو الغسل.
стр. 1346
قلت (١): هو الصحيح، فإن لفظ المسح مشترك يطلق بمعنى المسح، ويطلق بمعنى الغسل، قال الهروي: أخبرنا الأزهري، أخبرنا أبو بكر محمَّد بن عثمان بن سعيد الدَّاريّ، عن أبي حاتم، عن أبي زيد الأنصاري، قال: المسح في كلام العرب يكون غسلا، ويكون مسحا، ومنه يقال للرجل إذا توضأ فغسل أعضاءه: قد تمسح، ويقال: مسح الله ما بك: إذا غسلك، وطهرك من الذنوب.
فهذا ثبت بالنقل عن العرب أن المسح يكون بمعنى الغسل، فترجح قول من قال: إن المراد بقراءة الخفض الغسل، وبقراءة (٢) النصب التي لا احتمال فيها، وبكثرة الأحاديث الثابتة بالغسل، والتوعد على ترك غسلها في أخبار صحاح لا تحصى كثرة أخرجها الأئمة.
ثم إن المسح في الرأس إنما دخل بين ما يغسل لبيان الترتيب على أنه مفعول قبل الرجلين، التقدير فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين، وامسحوا برؤسكم، فلما كان الرأس مفعولا قبل الرجلين قدم عليهما في التلاوة، والله أعلم، لا أنهما مشتركان مع الرأس، لتقدمه عليهما في صفة التطهير.
وقد روى عاصم بن كليب عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: قرأ الحسن، والحسين رحمة الله عليهما عَليَّ "وأرجلكم" أي بالجر فسمع علي ذلك، وكان يقضي بين الناس فقال "وأرجلكم" أي بالنصب هذا من المقدم والمؤخر من الكلام.
وروى أبو إسحاق عن الحارث عن علي ﵁ قال: اغسلوا الأقدام إلى الكعبين، وكذا روي عن ابن مسعود، وابن عباس أنهما قرءَا
стр. 1347
﴿وأرجلكم﴾ بالنصب وقد قيل: إن الخفض في الرجلين إنما جاء مقيدا لمسحهما لكن إذا كان عليهما خفان، وتلقينا هذا القيد من رسول الله ﷺ إذ لم يصح عنه أنه مسح رجليه إلا وعليهما خفان، فبين ﷺ بفعله الحال التي تغسل فيه الرجل، والحال التي تمسح فيه، وهذا حسن.
وقد قيل: إن قوله تعالى: "وأرجلكم" معطوف على اللفظ دون المعنى، وهذا أيضا يدل على الغسل فإن المراعى المعنى، لا اللفظ، وإنما خفض للجوار كما تفعل العرب، وقد جاء هذا في القرآن وغيره قال الله تعالى ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾ [الرحمن: آية ٣٥]، بالجر لأن النحاس الدخان، وقال: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾ [البروج: آية ٢١، ٢٢] [البروج: آية ٢١، ٢٢] بالجر (١)، قال إمرؤ القيس (من الطويل):
كبيرُ أنَاسٍ في بِجَادٍ مُزَمَّل (٢)
فخفض مزمل بالجوار وأن المزمل الرجل وإعرابه الرفع.
قال زهير: (من الكامل)
لَعِبَ الزَّمَانُ بِها وَغَيَّرَهَا … بَعْدي سَوَافِي (٣) الموُرِ والقَطْرِ
قال أبو حاتم: كان الوجه القطر بالرفع، ولكنه جره على جوار المور، كما قالت العرب هذا جحر ضب خَرِبٍ فجروه، وإنما هو رفع. وهذا مذهب الأخفش، وأبي عبيدة، ورده النحاس وقال: هذا القول غلط عظيم، لأن الجوار لا يكون في الكلام أن ينقاس عليه، وإنما هو غلط ونظيره الإقواء.
стр. 1348
قلت (١): والقاطع في الباب من أن فرض الرجلين الغسل ما قدمناه، وما ثبت من قوله ﷺ "ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار" فخوفنا بذكر النار على مخالفة مراد الله ، ومعلوم أن النار لا يعذب بها إلا من ترك الواجب، ومعلوم أن المسح ليس شأنه الاستيعاب ولا خلاف بين القائلين بالمسح أن ذلك على ظهورهما لا على بطونهما عندهم، وإنما ذلك يدرك بالغسل لا بالمسح.
ودليل آخر من جهة الإجماع، وذلك أنهم اتفقوا على أن من غسل قدميه فقد أدى الواجب عليه، واختلفوا فيمن مسح قدميه، فاليقين ما أجمعوا عليه دون ما اختلفوا فيه.
ونقل الجمهور كافة عن كافة عن نبيهم ﷺ أنه كان يغسل رجليه في وضوئه مرة واثنين وثلاثا حتي ينقيها، وحسبك بهذا حجة في الغسل مع ما بيناه فقد وضح وظهر أن قراءة الخفض المعنى فيها الغسل لا المسح كما ذكرناه، وأن العامل في قوله ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ قوله ﴿فَاغْسِلُوا﴾.
والعرب قد تعطف الشيء على الشيء بفعل ينفرد به أحدهما تقول: أكلت الخبز واللبن أي وشربت اللبن، ومنه قول الشاعر:
عَلفْتُهَا تبْنًا وَمَاءً بَارِدًا (٢) … ...........
وقال الآخر (من الكامل):
وَرآيْتُ زَوْجَكِ في الوَغَى … مُتَقلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحًا
стр. 1349
وقال آخر (من الكامل أيضًا):
وَأَطفَلتْ بِالجَلهَتَيْن ظبَاؤُهَا وَنَعَامُهَا (١)
وقال آخر:
شَرَّابُ ألبْانٍ وَتَمْرٍ وَأقِطْ
التقدير: علفتها تبنا وسقيتها ماء، ومتقلدا سيفا وحاملا رمحا، وأطفلت بالجلهتين ظباؤها، وفرخت نعامها، والنعام لا يطفل إنما يَفرخ، وأطفلت كان لها أطفال والجلهتان: جنبتا الوادي. وشراب ألبان
وآكل تمر، فيكون قوله: وامسحوا برءوسكم وأرجلكم عطف بالغسل على المسح حملا على المعنى.
والمراد الغسل اهـ جامع الأحكام [جـ ٦ ص ٩١، ٩٤].
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله العلامة القرطبي تقرير حسن جدًّا والله أعلم.
وقال العلامة ابن دقيق العيد في إحكام الأحكام: ما نصه: قوله (ثم غسل كلتا رجليه) صريح في الرد على الروافض في أن واجب الرجلين المسح، وقد تبين هذا من حديث عثمان، وجماعة وصفوا وضوء رسول الله ﷺ ، ومن أحسن ما جاء فيه حديث عمرو بن عَبَسَة، بفتح العين والباء، "أن رسول الله ﷺ قال "ما منكم من أحد يقرب وَضُوءه" إلى أن قال: "ثم يغسل رجليه كما أمره الله " فمن هذا الحديث انضم القول إلى الفعل، وتبين أن المأمور به الغسل في الرجلين. اهـ[جـ ١/ ص ١٨٢].
стр. 1350
قال الجامع عفا الله عنه: حديث عمرو هذا أخرجه مسلم وهو نص في تفسير الآية من أن المراد بها الغسل سواء قرئت بالنصب أو بالجر، والله أعلم.
وكتب العلامة الصنعاني في حاشيته في هذا المحل ما نصه:
أقول: اختلف الناس في الواجب في الرجلين على أربعة أقوال، وهي الاحتمال المتعقلة التي تعقل في المسألة: الغسل، والمسح، والجمع، والتخيير: فالأكثر على الغسل، وذهبت الرافضة (١) إلى أنه المسح، وروي عن جماعة من الصحابة والتابعين. وذهب بعض
الظاهرية إلى وجوب الجمع بين المسح والغسل، وذهب ابن جرير الطبري وآخرون إلى التخيير بين الأمرين، كخصال الكفارة. ودليل الجمهور الأحاديث الثابتة في فعله وتعليمه ﷺ ، وبحديث "ويل للأعقاب من النار" واستدل من قال بإيجاب المسح بقراءة ﴿وأرجلكم﴾ بالجر عطفا على ﴿برؤسكم﴾ وأجاب الجمهور بأنها قرئت بالنصب عطفا على أيديكم وبأنه معطوف على محل برؤسكم، وبأنها تحمل قراءة الجر في الآية على مسح الخفين، وقراءة النصب على غسل الرجلين، وقرر هذا ابن العربي بما فيه بعض الطول، وأيد مذهب الجمهور من جهة المعنى بأن الغسل أشد مناسبة للقدمين من المسح، كما أن المسح أشد مناسبة للرأس من الغسل، إذ كانت القدمان لا ينقى درنهما غالبا إلا بالغسل، وينقى درن الرأس بالمسح، وذلك أيضا غالب. والمصالح المعقولة لا تمنع أن تكون أسبابا للعبادات المفروضة حتى يكون الشرع لحفظ معنيين معنى مصلحي، ومعنى عبادي وأعني بالمصلحي ما يرجع
стр. 1351
إلى الأمور المحسوسة، وبالعبادي ما يرجع إلى زكاة النفس. انتهى.
واستدل موجب الجمع بأنه الأحوط، واستدل المخير بأنه ليس إحدى القراءتين بأولى بالعمل من الأخرى، ولا شك أن ما ذهب إليه الجمهور أقوى دليلا لتعارض قراءة النصب، والقول، والفعل النبوي، وليس مع قراءة الجر سنة فعلية، ولا قولية. وأما الجمع، فلم تأت السنة به، ولا مَعْنَى للمسح مع الغسل فإنه إتيان بما لا حاجة إليه، وبما دخل معناه تحت الغسل.
وقد بسط العاملي في شرح الأربعين القول في ترجيح مذهب الإمامية، وذكر مناظرة بين الفريقين، فأما الآية فلا تنهض لأحد الفريقين للاحتمال، ولكن البيان في السنة فإنه لم يأت فيها المسح، ولكن العاملي على قواعد أهل مذهبه يدفع الأحاديث الصحيحة، أو يعارضها بروايات غير ثابتة عند خصمه، فلا تقوم الحجة بها عليه، وإنما أشرنا إلى كلامه لأنه قد أبدى قوة ساعده في المسألة، فلا يغتر به الناظر اهـ ما كتبه الصنعاني ﵀ [جـ ١/ ص ١٨٢، ١٨٣].
وقال الحافظ ﵀: وقد تواترت الأخبار عن النبي ﷺ في صفة وضوئه أنه غسل رجليه، وهو المبين لأمر الله، وقد قال في حديث عمرو بن عبَسَةَ الذي رواه ابن خزيمة وغيره مطولا في فضل الوضوء "ثم غَسَل قدميه كما أمره الله".
ولم يثبت عن أحد من الصحابة خلاف ذلك إلا عن علي، وابن عباس، وأنس، وقد ثبت عنهم الرجوع عن ذلك.
قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أجمع أصحاب رسول الله ﷺ على غسل القدمين، رواه سعيد بن منصور. وادعى الطحاوي، وابن حزم أن المسح منسوخ والله أعلم اهـ فتح [جـ ١ ص ٣٢٠].
стр. 1352
قال الجامع عفا الله عنه: فتحصل من هذا كله أن الراجح هو مذهب الجمهور، فالواجب في الرجلين الغسل، ولا يجوز المسح إلا لمن لبس الخفين، والله أعلم.
المسألة الرابعة: ذكر العلامة العيني في هذا الحديث من الفوائد على طريق السؤال والجواب: قال ﵀: "الأسئلة والأجوبة":
منها ما قيل: والرَّجُل له رجلان، وليس له أرجل، فالقياس أن يقال على رجلينا: أجيب بأن الجمع إذا قوبل بالجمع يفيد التوزيع، فتوزع الأرجل على الرجال.
ومنها ما قيل: فعلى هذا يكون لكل رَجُل رجل؟ أجيب بأن جنس الرجل يتناول الواحد، والاثنين، والعقل يعين المقصود، سيما فيما هو محسوس.
ومنها ما قيل: إن المسح على ظهر القدم، لا على الرجل كلها، أجيب بأنه أطلق الرجل وأريد به البعض، أي ظهر القدم، ولقرينة العرف الشرعي، إذ المعهود مسح ذلك، وهذا فيه نظر؛ لأنهم ما كانوا يمسحون مثل مسح الرأس، وإنما كانوا يغسلون، ولكن غسلا خفيفا، فلذلك أطلقوا عليه المسح، وقد حققناه قريبا.
ومنها ما قيل: لم خص الأعقاب بالعذاب؟ أجيب بأنها العضو التي لم تغسل، وفي "الغريبين": وفي الحديث "ويل للعقب من النار" أي لصاحب العقب المقصّر عن غسلها، كما قال "واسأل القرية" أي أهل القرية، وقيل: إن العقب يخص بالمؤلم من العقاب، إذا قصر في غسلها، وفي المنتهى في اللغة "ويل للأعقاب من النار" أراد التغليظ في إسباغ الوضوء، وهو التكميل، والإتمام.
ومنها ما قيل: ما الألف واللام في الأعقاب؟ أجيب بأنها للعهد: أي
стр. 1353
الأعقاب التي رآها كذلك لم يمسها الماء، أو يكون المراد الأعقاب التي صفتها هذه، لا كل الأعقاب. ومنها ما قيل: إن اللام للاختصاص النافع، إذا المشهور أن اللام تستعمل في الخير "وعلى" في الشر، نحو ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: آية ٢٨٦].
وأجيب بأنها للإختصاص ها هنا نحو ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] ونحو ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠]، قلت: وقد تستعمل اللام في موضع "على"، وقالوا: إن اللام في "وإن أسأتم فلها" بمعنى عليها.
ومنها ما قيل: كيف أخر الصحابة ﵃ الصلاة عن الوقت الفاضل، أجيب بأنهم إنما أخروها عنه طمعا أن يصلوها مع النبي ﷺ لفضل الصلاة معه، فلما خافوا الفوات استعجلوا فأنكر عليهم النبي ﷺ .
ومنها ما قيل: رَوَى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ ، رأى رجلا لم يغسل عقبه فقال: "ويل للأعقاب من النار" وكذلك حديث مسلم عن عبد الله بن عمرو الذي مضى ذكره عن قريب، وفيه "فانتهينا إليهم، وأعقابهم تلوح، لم يمسها الماء" فقال ﵊: "ويل للأعقاب من النار" وهذان الحديثان تصريح بأن الوعيد وقع على عدم استيعاب الرجل بالماء، وحديث البخاري يدل على أن المسح لا يجزئ عن الغسل في الرجل وأجيب بأنه تُرَّدُ الأحاديث إلى معنى واحد، ويكون معنى قوله: "لم يسمها الماء" أي بالغسل، وإن مسها بالمسح، فيكون الوعيد وقع على الاقتصار على المسح دون الغسل. اهـ عمدة القارئ [جـ ١ ص ٣٨٤]. والله تعالى أعلم.
стр. 1354
٩٠ - باب بِأَيِّ الرِّجْلَيْنِ يَبْدَأُ بِالْغَسْلِ؟
أي هذا باب ذكر الحديث الذي يجاب به من سأل بأي الرجلين يبدأ المتوضئ في حال غسله؟
فالجار والمجرور الأول يتعلق بالفعل بعده، وكذا الثاني إلا أن الباء فيه بمعنى "في" أي في الغسل.
١١٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الأَشْعَثُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ وَذَكَرَتْ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ مَا اسْتَطَاعَ فِي طُهُورِهِ وَنَعْلِهِ وَتَرَجُّلِهِ".
قَالَ شُعْبَةُ: ثُمَّ سَمِعْتُ الأَشْعَثَ بِوَاسِطٍ يَقُولُ: يُحِبُّ التَّيَامُنَ. فَذَكَرَ شَأْنَهُ كُلَّهُ، ثُمَّ سَمِعْتُهُ بِالْكُوفَةِ يَقُولُ: يُحِبُّ التَّيَامُنَ مَا اسْتَطَاعَ.
رجال الإسناد: سبعة
١ - (محمَّد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصري، ثقة من العاشرة مات سنة ٢٤٥ وتقدم في ٥٣/ ٦٧.
٢ - (خالد) بن الحارث بن عُبَيد بن سُليم الهُجَيمي، أبو عثمان البصري، ثقة ثبت من الثامنة، مات سنة ١٨٦ ومولده سنة ١٢٠، تقدم
стр. 1355
٤٧/ ٤٢.
٣ - (شعبة) بن الحجاج، أبو بسطام الإمام الحجة البصري، تقدم ٨٨/ ١٠٦.
٤ - (الأشعث) بن أبي الشعثاء المحاربي الكوفي، ثقة من السادسة، وثقه ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي، وقدمه أحمد على سماك بن حرب، وقال العجلي: من ثقات شيوخ الكوفيين، وليس بكثير
الحديث إلا أنه شيخ غال. ووثقه أبو داود، والبزار، وابن حبان، وابن شاهين. وقال ابن سعد: توفي في إمارة يوسف بن عمر بالكوفة. مات سنة -١٢٥ - أخرج له الجماعة.
٥ - (أبو الشعثاء) سليم بن الأسود بن حنظلة الكوفي، المحاربي، ثقة باتفاق من كبار الثالثة وثقة أحمد، وابن معين، والعجلي، وابن سعد، وابن حبان، وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة. مات في زمن
الحجاج، وأرخه ابن قانع سنة ٨٥ أخرج له الجماعة.
٦ - (مسروق) بن الأجدع بن مالك بن أمية بن عبد الله بن مرة بن سلامان بن معمر بن الحارث بن سعد الهمداني الوادعي، أبو عائشة الكوفي، ثقة فقيه عابد مخضرم من الثانية مات سنة ٢ ويقال سنة ٦٣ أخرج له الجماعة، وفي "تت" مسروق بن الأجدع بن مالك بن أمية ابن عبد الله بن مر بن سلامان بن معمر بن الحارث بن سعد بن عبد الله ابن وداعة الهمداني الوادعي الكوفي العابد أبو عائشة الفقيه. قال له عمر ما اسمك؟ فقال: مسروق بن الأجدع، قال: الأجدع شيطان، أنت مسروق بن عبد الرحمن. قال أبو السفر: ما ولدت همدانية مثل مسروق. وقال الشعبي: ما رأيت أطلب للعلم منه. وذكره إبراهيم في أصحاب عبد الله بن مسعود الذين كانوا يعلمون الناس السنة، وعن الشعبي: كان مسروق أعلم بالفتوى من شريح. وكان شريح أعلم بالقضاء. وعن أبي إسحاق حج مسروق، فلم ينم إلا ساجدًا. وقالت
стр. 1356
امرأة مسروق: كان يصلي حتى تَرم قدماه. وعن ابن المديني: ما أقدّم على مسروق من أصحاب عبد الله أحدًا، صلى خلف أبي بكر، ولقي عمر، وعليا، ولم يرو عن عثمان شيئًا. ووثقه ابن معين، والعجلي، وابن سعد، وابن حبان، وغيرهم.
٧ - (عائشة) أم المؤمنين ﵁، تقدمت في ٥/ ٥.
لطائف الإسناد
منها: أنه من سباعيات المصنف، ومنها أن رواته كلهم ثقات، وأنهم ما بين بصريين، وهم الثلاثة الأولون، وكوفيين، وهم الثلاثة الباقون، ومدنية، وهي الصحابية. ومنها أن فيه رواية الراوي عن أبيه، ومنها أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وهما: سُليم، ومسروق وهما من كبار التابعين، كما أن شعبة والأشعث قرينان وهما من كبار أتباع التابعين، كما قال الحافظ في الفتح.
ومنها: أن صحابيته ممن أكثر الرواية عنه ﷺ روت ٢٢١٠ حديثًا.
ومنها: أن فيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة.
شرح الحديث
قال الأشعث: (سمعت أبي) سليم بن الأسود، قال العلامة العيني ﵀: اختلف النحاة في سمعت: هل يتعدى إلى مفعولين، على قولين: أحدهما: نعم، وهو مذهب الفارسي، قال: لكن لابد أن يكون الثاني مما يسمع، كقولك سمعت زيدا، يقول: كذا، ولو قال: سمعت زيدا أخاك لم يجز.
والصحيح أنه لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد، والفعل الواقع بعد المفعول في موضع الحال: أي سمعته حال قوله كذا اهـ عمدة [١/ ٢٥].
(يحدث) أي حال كونه محدثا (عن مسروق) بن الأجدع، (عن عائشة ﵂ جملة دعائية لا محل لها من الإعراب (وذكرت) عائشة ﵂، والجملة حال من عائشة بتقدير "قد" على رأي
стр. 1357
البصريين، ومفعول يحدث محذوف، أي يحدث الناس بحديثها، ويحتمل كون الواو زائدة فيكون الفعل بتقدير حرف مصدري مفعول يحدث، أي أنها ذكرت (أن رسول الله ﷺ كان يحب التيامن) أي استعمال اليمين في الأشياء (ما استطاع) قال النووي: فيه إشارة إلى شدة محافظته على التيامن. اهـ.
وما مصدرية ظرفية، أي مدة استطاعته على ذلك، تعني بذلك ملازمته في غالب أفعاله الاختيارية التي هي أمن باب التكريم والتشريف، لحديثها الآخر عند أبي داود وغيره، قالت "كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه، وما كان من أذى" فدل أن ما ليس من باب التشريف يكون باليسرى (في طهوره) أي يبدأ في وضوئه بغسل اليد اليمنى، والرجل اليمنى، وفي غسله بالشق الأيمن والطهور بضم الطاء المهملة، وفتحها روايتان بمعنى، وهو مصدر مضاف إلى الفاعل، وقيل بضم الفعل، وبالفتح اسم لما يتطهر به، وعليه فيقدر مضاف، أي لاستعمال طهوره، وقال سيبويه: الطهور بالفتح يقع على الماء، والمصدر معا اهـ المنهل [جـ ١ ص ١٢٦].
(ونعله) أي يبدأ في لبس النعل بالرجل اليمنى، والنعل: بفتح فسكون، هي التي تلبس في الرجل عند المشي، وهي مؤنثة جمعها أنْعُل، ونِعَال، مثل سهم، وأسهُم، وسِهام، وهو على حذف مضاف: أي لبس نعله.
وفي (ق) النعل: ما وقيت به القدم من الأرض كالنعلة، مؤنثة جمعها: نعال ونَعِلَ، كفرِح، وتنعل، وانتعل: لبسها، اهـ.
وفي روايات البخاري كلها "في تنعله" بفتح التاء المثناة من فوق، وفتح النون، وتشديد العين، وهكذا ذكره الحميدي، والحافظ عبد الحق في كتابيهما: الجمع بين الصحيحين، وفي رواية مسلم "في نعله"
كالمصنف على إفراد النعل، وفي بعض الروايات "نعليه"، بالتثنية،
стр. 1358
قال النووي: وهما صحيحان، ولم يُرَ في شيء من نسخ بلادنا غيرُ هذين الوجهين، قال العلامة العيني: الروايات كلها صحيحة اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه:
وجه صحة الإفراد أنه مفرد مضاف، فيعم؛ لأن المفرد المضاف إلى معرفة يفيد العموم، كما في قوله تعالى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] أي كل أمر لله تعالى، كما تقرر في الأصول.
(وترجله) قال في اللسان: الترجل، والترجيل: تسريح الشعر، وتنظيفه، وتحسينه، اهـ[جـ ١١ ص ٢٧٠] وفي المصباح: ورجّلت الشعر ترجيلا: سرّحته، سواء كان شعرك أو شعر غيرك اهـ[جـ ١ ص ٢٢١]، وقال العيني: أي في تمشيطه الشعر، وهو تسريحه، وهو أعم من أن يكون في الرأس، أو في اللحية اهـ[جـ ٢ ص ٣٢٨] أي يبدأ في تسريح شعره بالشق الأيمن من الرأس.
(قال شعبة) بن الحجاج (سمعت الأشعث) بن سليم (بواسط) قال في اللسان: و"واسط ": موضع بين الجزيرة ونجد، يُصرَف ولا يصرف، و"واسط": موضع بين البصرة، والكوفة، وصف به لتوسطه ما بينهما، وغلبت الصفة وصار اسمًا.
قال سيبويه: سموه واسطا لأنه مكان بين البصرة، والكوفة، فلو أرادوا التأنيث، قالوا: واسطة، ومعني الصفة فيه، وإن لم يكن في لفظه لام (١).
وقال الجوهري: وواسط: بلد، سمي بالقصر الذي بناه الحجاج بين الكوفة والبصرة، وهو مذكر مصروف؛ لأن أسماء البلدان الغالب عليها التأنيث وترك الصرف، إلا مني والشام، والعراق، وواسطا،
ودابقا، وفَلحًا، وهَجَرا، فإنها تذكر، وتصرف، قال: ويجوز أن تريد بها
стр. 1359
البقعة، أو البلدة، فلا تصرفه اهـ لسان [جـ ٧ ص ٤٣٢] وقال ابن الأثير: واسط: خمسة مواضع: واسط العراق، وهي مدينة مشهورة، وواسط الرَّقَّة، وواسط نوقان (١) وهي قرية على باب نُوقان طوس، يقال لها: واسط اليهود، وواسط مرزاباذ، وهي قرية بالقرب من مطيراباذ، وواسط بلخ، وهي قرية من قرى بلخ. اهـ لباب باختصار.
(يقول) جملة حالية من الأشعث (يحب التيامن فذكر "شأنه كله") أي إن الأشعث: اقتصر في المرة الثانية على ذكر شأنه كله (ثم سمعته) بعد ذلك (بالكوفة) بالضم: مدينة مشهورة بالعراق: قيل سميت كوفة لاستدارة بنائها؛ لأنه يقال: تكوف القوم: إذا اجتمعوا، واستداروا. قاله في المصباح.
وقال ياقوت في معجمه: الكوفة بالضم: العصر المشهور بأرض بابل من سواد العراق، ويسميها قوم خَدَّ العَذْراء: قال أبو بكر محمَّد بن القاسم: سميت الكوفة لاستدارتها أخذا من قول العرب: رأيت كوفانًا وكَوْفانا بضم الكاف وفتحها، للرُّمَيْلة المستديرة، وقيل: سميت الكوفة لاجتماع الناس بها، من قولهم: قد تكوف الرمل، وقيل: غير ذلك، وأما تمصيرها، وأوليته، فكانت في أيام عمر بن الخطاب ﵁ في السنة التي مُصِّرَت فيها البصرة، وهي سنة ١٧: بعد البصرة بعامين سنة ١٩ وقيل ١٨ اهـ معجم البلدان باختصار [جـ ٤ ص ٤٩٠].
(يقول) الأشعث جملة حالية من مفعول سمعته.
(يحب التيامن ما استطاع) أي إنه اقتصر على هذه الجملة في المرة الثالثة.
وحاصل ما أشار إليه شعبة ﵀ أنه سمع هذا الحديث من الأشعث بن سليم ثلاث مرات، ففي المرة الأولى سمعه يقول: "كان يحب التيامن ما استطاع في طهوره ونعله وترجله" وفي المرة الثانية سمعه يقول "يحب التيامن في شأنه كله"، وفي المرة الثالثة سمعه يقول "يحب التيامن ما استطاع"، والشأن الحال والخطب، وهو بالهمزة الساكنة،
стр. 1360
وتخفف: بقلبها ألفا لكثرة الاستعمال.
وأكده بقوله (كله) ليدل على التعميم لأن التأكيد يرفع المجاز، فيمكن أن يقال: حقيقة الشأن: ما كان فعلا مقصودا، وما يستحب فيه التياسر، ليس من الأفعال المقصودة، بل هي إما تروك، وإما غير مقصودة أفاده في الفتح [جـ ١ ص ٣٢٤].
وقال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد: هو عام مخصوص؛ لأن دخول الخلاء والخروج من المسجد، ونحوهما يبدأ فيها باليسار اهـ.
وقال البدر العيني: هذا عام مخصوص بالأدلة الخارجية اهـ.
مسائل تتعلق بحديث الباب
المسألة الأولى في درجته: حديث عائشة ﵂ متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٩٠/ ١١٢ - وفي الكبرى -١٨/ ١١٦ - عن محمَّد بن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، عن الأشعث، عن أبيه، عن مسروق، عنها. وفي الكبرى في الزينة عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن شعبة به.
أخرجه الجماعة، فأما البخاري فأخرجه في الطهارة عن حفص بن عمر، وفي الصلاة عن سليمان بن حرب، وفي اللباس عن أبي الوليد، وعن حجاج بن منهال، وفي الأطعمة عن عبدان، عن عبد الله بن
المبارك، خمستهم عن شعبة، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن أبيه به.
وأما مسلم: فأخرجه في الطهارة عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة به. وعن يحيى بن يحيى، عن أبي الأحوص، عن أشعث به.
وأما أبو داود فأخرجه في اللباس عن حفص بن عمر، ومسلم بن إبراهيم، كلاهما عن شعبة به.
وأما الترمذي فأخرجه في آخر الصلاة عن هناد بن السري، عن أبي الأحوص به وقال: حسن صحيح، وفي الشمائل عن أبي موسى، عن غندر، عن شعبة به.
стр. 1361
وأما ابن ماجه فأخرجه في الطهارة -٤٢: ١ - عن هناد به و-٤٢: ١ - عن سفيان بن وكيع عن عمر بن عبيد، عن أشعث به.
أفاده المزي [جـ ١٢ ص ٣٢٤] وأخرجه أحمد، وابن حبان.
المسألة الثالثة: أنه وقع اختلاف في ألفاظ هذا الحديث فعند البخاري في الطهارة "كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله، وترجله، وطهوره، في شأنه كله".
قال الحافظ: كذا للأكثر من الرواة بغير واو، وفي رواية أبي الوقت بإثبات الواو، وهي التي اعتمدها صاحب العمدة.
وعند مسلم "يحب التيمن في شأنه كله، في نعليه، وترجله، وطهوره".
وعند البخاري في الأطعمة من طريق عبد الله بن المبارك، عن شعبة أن أشعث شيخه كان يحدث به تارة مقتصرا على قوله "في شأنه كله" وتارة على قوله "في تنعله الخ" وزاد الإسماعيلي من طريق غندر، عن شعبة، أن عائشة أيضا كانت تجمله تارة، وتبينه أخرى، قاله في الفتح [جـ ١ ص ٣٢٥].
وعند ابن حبان "كان يحب التيامن في كل شيء حتى في الترجل، والانتعال".
وفي رواية ابن منده "كان يحب التيامن في الوضوء، والانتعال" أفاده في العمدة [جـ ٢ ص ٣٣١].
المسألة الرابعة: قال ابن المنذر: أجمعوا على أن لا إعادة على من بدأ بيساره في وضوئه قبل يمينه.
وروينا عن علي، وابن مسعود ﵂، أنهما قالا "لا تبال
стр. 1362
بأي شيء بدأت" زاد الدارقطني أبا هريرة، ونقل المرتضى الشيعي عن الشافعي في القديم وجوب تقديم اليمين على اليسرى ونُسب المرتضى في ذلك إلى الغلط، فكأنه ظن أن ذلك لازم من وجوب الترتيب عند الشافعي، وقال النووي: أجمع العلماء على أن تقديم اليمنى في الوضوء سنة من خالفها فاته الفضل، وتم وضوءه.
والمراد من قوله "العلماء": أهل السنة؛ لأن مذهب الشيعة الوجوب. وقد صحف العمراني في البيان، والبندنيجي في التجريد: الشيعة بالشين المعجمة بالسبعة من العدد، في نسبتهما القول بالوجوب إلى الفقهاء السبعة، وفي كلام الرافعي أيضا ما يوهم أن أحمد بن حنبل قال بوجوبه، وليس كذلك، لأن صاحب المغني قال: لا نعلم في عدم الوجوب خلافًا.
فإن قلت: روى أبو داود، والترمذي بإسناد جيد عن أبي هريرة ﵁ أنه ﵊ قال: "إذا توضأتم فابدؤا بميامنكم" وفي أكثر طرقه "بأيامنكم" جمع أيمن "إذا لبستم وإذا توضأتم" قلت: الأمر فيه للاستحباب.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث أبي هريرة المذكور أخرجه الأربعة، وصححه ابن خزيمة، كما قاله الحافظ في بلوغه. فالذي يظهر لي أن الأمر للوجوب؛ لأنه لا صارف له إلى الاستحباب، إلا أن يصح
الإجماع المذكور والله أعلم.
وقال النووي: واعلم أن الابتداء باليسار، وإن كان مجزئا فهو مكروه نص عليه الشافعي ﵁ في الأم، وقال أيضا: ثم اعلم أن من الأعضاء في الوضوء ما لا يستحب فيه التيامن، وهو الأذنان، والكفان والخدان، بل يطهران دفعة واحدة، فإن تعذر ذلك كما في الأقطع ونحوه قدم اليمين.
стр. 1363
ومما روي في هذا الباب: عن ابن عمر قال: "خير المسجد المُقَدَّم، ثم ميامن المسجد" وقال سعيد بن المسيب: يصلي في الشق الأيمن من المسجد، وكان إبراهيم يعجبه أن يقوم على يمين الإمام، وكان أنس يصلي في الشق الأيمن، وكذا عن الحسن، وابن سيرين اهـ عمدة القارئ [جـ ٢ ص ٣٣٠].
المسألة الخامسة: في بعض ما يستفاد من الحديث:
ومما يستفاد من حديث الباب: استحباب البداءة بالرجل اليمنى في التنعل، وبالشق الأيمن ني تسريح شعر الرأس، وغسله، وحلقه، ولا يقال: هو من باب الإزالة فيبدأ فيه بالأيسر، بل هو من باب العبادة
والتزين (١)، وفيه البداءة باليد اليمنى والرجل اليمنى في الوضوء، وبالشق الأيمن في الغسل، واستدل به على استحباب الصلاة عن يمين الإمام وفي ميمنة المسجد، وفي الأكل والشرب باليمين، وقد أورده
البخاري في هذه المواضع كلها.
قال النووي ﵀: قاعدة الشرع المستمرة: استحباب البداءة باليمين في كل ما كان من باب التكريم، والتزيين، وما كان بضدهما استحب فيه التياسر، أفاده الحافظ [جـ ١ ص ٣٢٥].
وعبارة النووي في شرح مسلم: هذه قاعدة مستمرة في الشرع، وهي أن ما كان من باب التكريم والتشريف كلبس الثوب، والسروايل، والخف، ودخول المسجد، والسواك، والاكتحال، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، وترجيل الشعر، وهو مشطه، ونتف الإبط، وحلق الرأس، والسلام من الصلاة، وغسل أعضاء الطهارة، والخروج من
стр. 1364
الخلاء، والأكل والشرب، والمصافحة، واستلام الحجر الأسود، وغير ذلك، مما هو في معناه يستحب التيامن فيه.
وأما ما كان بضده كدخول الخلاء، والخروج من المسجد، والإمتخاط والاستنجاء، وخلع الثوب والسراويل والخف، وما أشبه ذلك فيستحب التياسر فيه، وذلك كله لكرامة اليمين وشرفها، والله أعلم اهـ[جـ ٢ ص ١٦٠].
وقال في المنهل: ومما يطلب استعمال اليد اليسرى فيه حمل النعل، فما يقع من بعض أهل العلم، وغيرهم من حملهم كتبهم بشمائلهم، ونعالهم بأيمانهم مخالف للسنة المطهرة، قال في شرح المشكاة: وكثيرا ما رأينا عوام طلبة العلم يأخذون الكتاب باليسار، والنعال باليمين، إما لجهلهم، أو غفلتهم اهـ[ج ٩ ص ١٢٦].
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 1365
٩١ - غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ بِالْيَدَيْنِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية غسل الرجلين باليدين.
١١٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو جَعْفَرٍ الْمَدَنِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ -يَعْنِى عُمَارَةَ- قَالَ: حَدَّثَنِي الْقَيْسِيُّ: أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَأُتِيَ بِمَاءٍ، فَقَالَ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الإِنَاءِ فَغَسَلَهُمَا مَرَّةً، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ مَرَّةً مَرَّةً، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ بِيَمِينِهِ كِلْتَيْهِمَا.
رجال الإسناد: ستة
١ - (محمَّد بن بشار) بن عثمان العبدي، أبو بكر الملقب ببندار، الحجة المثبت البصري ١٠ تقدم مات سنة ٢٥٢ وله بضع ٨٠ سنة. (ع).
٢ - (محمَّد) هو بن جعفر الملقب بغندر البصري ثقة صحيح الكتاب إلا أن فيه غفلة من التاسعة مات ٣ أو ١٩٤. (ع) تقدم في ٢١/ ٢٢.
٣ - (شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم، أبو بسطام الواسطي، ثم البصري، ثقة، حافظ، متقن، كان الثوري يقول: هو أمير المؤمنين في الحديث، وهو أول من فتش بالعراق عن الرجال، وذب عن السنة، وكان عابدا، من السابعة، مات سنة ستين ومائة، وتقدم في ٨٦/ ١٠٦ (ع).
стр. 1366
٤ - (أبو جعفر المدني) عُمير بن يزيد بن عمير بن حبيب، بن خماشة ويقال: حباشة، الأنصاري الخطمي بفتح الخاء وسكون الطاء- نزيل البصرة، أمه بنت عقبة بن الفاكه بن سعد، لجديه عمير بن حبيب، ولفاكه بن سعد صحبة. روى عن أبيه، وخاله عبد الرحمن بن عقبة، وأبي أمامة بن سهل بن حنيف، وسعيد بن المسيب، ومحمد بن كعب القرظي، وعمارة بن خزيمة بن ثابت، والحارث بن فضيل الخطمي، وعمارة بن عثمان بن حنيف. وعنه هشام الدستوائي، وعدي بن الفضل، وشعبة، وروح بن القاسم، وحماد بن سلمة، ويوسف السمتي، ويحيى القطان. قال ابن معين، والنسائي: ثقة، وذكره ابن
حبان في الثقات، وقال عبد الرحمن بن مهدي: كان أبو جعفر، وأبوه وجده، قوما يتوارثون الصدق بعضهم، عن بعض.
قال الحافظ: قلت: وقال أبو الحسن بن المديني: هو مدني قدم البصرة، وليس لأهل المدينة عنه أثر، ولا يعرفونه، ووثقه ابن نمير، والعجلي فيما نقله ابن خلفون، وقال الطبراني في الأوسط: ثقة اهـ تهذيب التهذيب [جـ ٨ ص ١٥١] روى له الأربعة. وفي (ت) صدوق من السادسة.
٥ - (عمارة بن عثمان بن حنيف) بحاء مضمومة، ونون مفتوحة مصغرا الأنصاري، المدني، روى عن خزيمة بن ثابت، والقيسي، وروى عنه أبو جعفر الخطمي، قال الحافظ: قلت: هو معروف النسب، لكن لم أر فيه توثيقا، وقرأت بخط الذهبي في الميزان: أنه لا يعرف. اهـ تهذيب التهذيب [جـ ٧ ص ٤٢٠] أخرج له الصنف فقط، وفي (ت) مقبول من الثالثة.
٦ - (القيسي) صحابي، روى عنه عمارة بن عثمان بن حنيف،
стр. 1367
ويقال هو عبد الرحمن بن أبي قراد اهـ ت، وفي تهذيب التهذيب: القيسي: عن النبي ﷺ في الوضوء وعنه عمارة بن عثمان بن حنيف، قلت هو من رواية شعبة عن أبي جعفر الخطمي عن عمارة، ورواه يحيى القطان، عن أبي جعفر عن عمارة بن خزيمة (١) عن عبد الرحمن بن أبي قراد، قال أبو زرعة: حديث يحيى القطان، هو الصحيح اهـ[جـ ١٢ ص ٣٣٠] وفي أسد الغابة: القيسي: منسوب إلى قيس، روى عمارة بن عثمان بن حنيف عن القيسي "انه كان مع رسول الله ﷺ ، في سفر، قال فأتي بماء، فقال على يديه من الإناء فغلسهما مرة، ثم غسل وجهه وذراعيه مرة، وغسل رجليه بيمينه كلاهما" أخرجه أبو موسى وقال: هذا حديث حسن مختلف في إسناده اهـ[جـ ٤ ص ٢٣٠].
لطائف الإسناد
أنه من سداسياته، وأن رواته ما بين بصريين، وهم الأربعة الأولون، ومدني، وهو عمارة. وفيه أن شيخ المصنف: أحد من اتفق الستة في الرواية عنه من دون واسطة، وقد تقدم غير مرة، وفيه الإخبار في موضعين، والتحديث في ثلاثة مواضع، والسماع في موضع، وفيه قوله: يعني عمارة، فصل بين ما سمعه من شيخه، وبين ما زاد هو للإيضاح، وقد تقدم غير مرة.
شرح الحديث
(حدثني القيسي) ﵁، (أنه كان مع رسول الله ﷺ في سفر فأتي) بالبناء للمجهول، ونائب فاعله قوله: (بماء) أو ضمير النبي ﷺ والجار متعلق به (فقال على يديه من الإناء) أي صب عليهما من الماء الذي في الإناء، قال ابن الأنباري: قال: يجيء بمعنى تكلم، وضرب
стр. 1368
وغلب، ومات، ومال، واستراح، وأقبل، ويعبر بها عن التهيؤ للأفعال، والاستعداد لها، يقال: قال، فأكل، وقال، فضرب، وقال فتكلم، ونحوه، كقال بيده: أخذ، وبرجله: مشى، أو ضرب وبرأسه: أشار، وبالماء على يده: صبه، وبثوبه: رفعه قال الشاعر:
وَقَالتْ لهُ العَيْنَانِ: سَمْعًا وَطاعَةً.
أي أومأت، وروي في حديث السهو: ما يقول ذو اليدين؟: قالوا: صَدَقَ، روي أنهم أومئوا برؤوسهم، أي نعم، ولم يتكلموا. اهـ (ق) بزيادة من شرحه التاج [جـ ٨ ص ٩١].
(فغسلهما مرة، وغسل وجهه وذراعيه مرة مرة، وغسل رجليه، بيديه كلتيهما) هكذا في النسخة الهندية: بيديه بالتثنية، وكلتيهما بالجر تأكيدا ليديه، وهذه النسخة هي التي توافق ترجمة المصنف حيث ترجم بقوله: غسل الرجلين باليدين، وفي النسخة المصرية: وغسل رجليه بيمينه، كلتاهما، وعليها فقدله: "كلتاهما" يكون تأكيدًا لرجليه على لغة من يلزم المثنى والملحقَ به الألف مطلقا: رفعا، ونصبا، وجرا، فيقول: جاء الزيدان كلاهما، ورأيت الزيدين كلاهما، ومررت بالزيدين كلاهما. وهي لغة كنانة، وبني الحارث بن كعب، وبني العنبر، وبني هجيم، وبطون من ربيعة بن بكر بن وائل، وزبيد، وخثعم، ووعذرة، قال الشاعر [من الطويل]:
تَزَوَّدَ منَّا بَيْنَ أذناهُ طعْنَةً … دَعَتْهُ إلى هَالِي التُّرَابِ عَقيمُ
انظر منحة الجليل على شرح ابن عقيل للمحقق محمَّد محيى الدين عبد الحميد [جـ ١ ص ٥٨] وعلى هذه النسخة يكون المعنى: أنه غسل رجليه كلتيهما بيده اليمنى، فقط. وبالله التوفيق، وعليه التكلان.
стр. 1369
مسائل تتعلق بحديث الباب
المسألة الأولى: في درجته: حديث القيسي: ضعيف لجهل عمارة ابن عثمان كما تقدم.
المسألة الثانية: حديث الباب من أفراد المصنف أخرجه هنا -٩١/ ١١٣ - ولم يخرجه من أصحاب الأصول غيره.
المسألة الثالثة: الرواية التي أشار إليها أبو زرعة أخرجها المصنف في الباب ١٦/ ١ قال: حدثنا عمرو بن علي، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا: أبو جعفر الخطمي، عمير بن يزيد، قال: حدثني الحارث ابن فضيل، وعمارة بن خزيمة بن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي قراد: قال: "خرجت مع رسول الله ﷺ إلى الخلاء وكان إذا أراد الحاجة أبعد".
وأخرجه أيضا ابن ماجه: في الطهارة عن أبي بكر بن أبي شيبة، وابن بشار، عن يحيى بن سعيد بالسند المذكور، ولفظه: "حججت مع النبي ﷺ فذهب لحاجته فأبعد". والله أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 1370
٩٢ - الأَمْرِ بِتَخْلِيلِ الأَصَابِعِ
أي هذا باب ذكر الحديث المبين للأمر بتخليل الأصابع، والتخليل: مصدر خلّل، ويقال: خَلَّل الرّجُلُ لحيته: أوصل الماء إلى خِلالها، وهي البشرة التي بين الشعر، وكأنه مأخوذ من تخللتُ القومَ: إذا دخلت
بين خَلَلهم وخلالهم، أفاده في المصباح.
١١٤ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ كَثِيرٍ، وَكَانَ يُكْنَى أَبَا هَاشِمٍ (ح) وَأَخْبَرَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ لَقِيطٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا تَوَضَّأْتَ فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابِعِ".
رجال الإسناد: ثمانية
١ - (إسحاق بن إبراهيم) بن مخلد بن إبراهيم بن مطر، أبو يعقوب، الحنظلي المعروف بابن راهويه (٢)، المروزي، نزيل نيسابور، أحد الأئمة طاف البلاد.