٤ - (أبو جعفر المدني) عُمير بن يزيد بن عمير بن حبيب، بن خماشة ويقال: حباشة، الأنصاري الخطمي بفتح الخاء وسكون الطاء- نزيل البصرة، أمه بنت عقبة بن الفاكه بن سعد، لجديه عمير بن حبيب، ولفاكه بن سعد صحبة. روى عن أبيه، وخاله عبد الرحمن بن عقبة، وأبي أمامة بن سهل بن حنيف، وسعيد بن المسيب، ومحمد بن كعب القرظي، وعمارة بن خزيمة بن ثابت، والحارث بن فضيل الخطمي، وعمارة بن عثمان بن حنيف. وعنه هشام الدستوائي، وعدي بن الفضل، وشعبة، وروح بن القاسم، وحماد بن سلمة، ويوسف السمتي، ويحيى القطان. قال ابن معين، والنسائي: ثقة، وذكره ابن
حبان في الثقات، وقال عبد الرحمن بن مهدي: كان أبو جعفر، وأبوه وجده، قوما يتوارثون الصدق بعضهم، عن بعض.
قال الحافظ: قلت: وقال أبو الحسن بن المديني: هو مدني قدم البصرة، وليس لأهل المدينة عنه أثر، ولا يعرفونه، ووثقه ابن نمير، والعجلي فيما نقله ابن خلفون، وقال الطبراني في الأوسط: ثقة اهـ تهذيب التهذيب [جـ ٨ ص ١٥١] روى له الأربعة. وفي (ت) صدوق من السادسة.
٥ - (عمارة بن عثمان بن حنيف) بحاء مضمومة، ونون مفتوحة مصغرا الأنصاري، المدني، روى عن خزيمة بن ثابت، والقيسي، وروى عنه أبو جعفر الخطمي، قال الحافظ: قلت: هو معروف النسب، لكن لم أر فيه توثيقا، وقرأت بخط الذهبي في الميزان: أنه لا يعرف. اهـ تهذيب التهذيب [جـ ٧ ص ٤٢٠] أخرج له الصنف فقط، وفي (ت) مقبول من الثالثة.
٦ - (القيسي) صحابي، روى عنه عمارة بن عثمان بن حنيف،
стр. 1367
ويقال هو عبد الرحمن بن أبي قراد اهـ ت، وفي تهذيب التهذيب: القيسي: عن النبي ﷺ في الوضوء وعنه عمارة بن عثمان بن حنيف، قلت هو من رواية شعبة عن أبي جعفر الخطمي عن عمارة، ورواه يحيى القطان، عن أبي جعفر عن عمارة بن خزيمة (١) عن عبد الرحمن بن أبي قراد، قال أبو زرعة: حديث يحيى القطان، هو الصحيح اهـ[جـ ١٢ ص ٣٣٠] وفي أسد الغابة: القيسي: منسوب إلى قيس، روى عمارة بن عثمان بن حنيف عن القيسي "انه كان مع رسول الله ﷺ ، في سفر، قال فأتي بماء، فقال على يديه من الإناء فغلسهما مرة، ثم غسل وجهه وذراعيه مرة، وغسل رجليه بيمينه كلاهما" أخرجه أبو موسى وقال: هذا حديث حسن مختلف في إسناده اهـ[جـ ٤ ص ٢٣٠].
لطائف الإسناد
أنه من سداسياته، وأن رواته ما بين بصريين، وهم الأربعة الأولون، ومدني، وهو عمارة. وفيه أن شيخ المصنف: أحد من اتفق الستة في الرواية عنه من دون واسطة، وقد تقدم غير مرة، وفيه الإخبار في موضعين، والتحديث في ثلاثة مواضع، والسماع في موضع، وفيه قوله: يعني عمارة، فصل بين ما سمعه من شيخه، وبين ما زاد هو للإيضاح، وقد تقدم غير مرة.
شرح الحديث
(حدثني القيسي) ﵁، (أنه كان مع رسول الله ﷺ في سفر فأتي) بالبناء للمجهول، ونائب فاعله قوله: (بماء) أو ضمير النبي ﷺ والجار متعلق به (فقال على يديه من الإناء) أي صب عليهما من الماء الذي في الإناء، قال ابن الأنباري: قال: يجيء بمعنى تكلم، وضرب
стр. 1368
وغلب، ومات، ومال، واستراح، وأقبل، ويعبر بها عن التهيؤ للأفعال، والاستعداد لها، يقال: قال، فأكل، وقال، فضرب، وقال فتكلم، ونحوه، كقال بيده: أخذ، وبرجله: مشى، أو ضرب وبرأسه: أشار، وبالماء على يده: صبه، وبثوبه: رفعه قال الشاعر:
وَقَالتْ لهُ العَيْنَانِ: سَمْعًا وَطاعَةً.
أي أومأت، وروي في حديث السهو: ما يقول ذو اليدين؟: قالوا: صَدَقَ، روي أنهم أومئوا برؤوسهم، أي نعم، ولم يتكلموا. اهـ (ق) بزيادة من شرحه التاج [جـ ٨ ص ٩١].
(فغسلهما مرة، وغسل وجهه وذراعيه مرة مرة، وغسل رجليه، بيديه كلتيهما) هكذا في النسخة الهندية: بيديه بالتثنية، وكلتيهما بالجر تأكيدا ليديه، وهذه النسخة هي التي توافق ترجمة المصنف حيث ترجم بقوله: غسل الرجلين باليدين، وفي النسخة المصرية: وغسل رجليه بيمينه، كلتاهما، وعليها فقدله: "كلتاهما" يكون تأكيدًا لرجليه على لغة من يلزم المثنى والملحقَ به الألف مطلقا: رفعا، ونصبا، وجرا، فيقول: جاء الزيدان كلاهما، ورأيت الزيدين كلاهما، ومررت بالزيدين كلاهما. وهي لغة كنانة، وبني الحارث بن كعب، وبني العنبر، وبني هجيم، وبطون من ربيعة بن بكر بن وائل، وزبيد، وخثعم، ووعذرة، قال الشاعر [من الطويل]:
تَزَوَّدَ منَّا بَيْنَ أذناهُ طعْنَةً … دَعَتْهُ إلى هَالِي التُّرَابِ عَقيمُ
انظر منحة الجليل على شرح ابن عقيل للمحقق محمَّد محيى الدين عبد الحميد [جـ ١ ص ٥٨] وعلى هذه النسخة يكون المعنى: أنه غسل رجليه كلتيهما بيده اليمنى، فقط. وبالله التوفيق، وعليه التكلان.
стр. 1369
مسائل تتعلق بحديث الباب
المسألة الأولى: في درجته: حديث القيسي: ضعيف لجهل عمارة ابن عثمان كما تقدم.
المسألة الثانية: حديث الباب من أفراد المصنف أخرجه هنا -٩١/ ١١٣ - ولم يخرجه من أصحاب الأصول غيره.
المسألة الثالثة: الرواية التي أشار إليها أبو زرعة أخرجها المصنف في الباب ١٦/ ١ قال: حدثنا عمرو بن علي، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا: أبو جعفر الخطمي، عمير بن يزيد، قال: حدثني الحارث ابن فضيل، وعمارة بن خزيمة بن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي قراد: قال: "خرجت مع رسول الله ﷺ إلى الخلاء وكان إذا أراد الحاجة أبعد".
وأخرجه أيضا ابن ماجه: في الطهارة عن أبي بكر بن أبي شيبة، وابن بشار، عن يحيى بن سعيد بالسند المذكور، ولفظه: "حججت مع النبي ﷺ فذهب لحاجته فأبعد". والله أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 1370
٩٢ - الأَمْرِ بِتَخْلِيلِ الأَصَابِعِ
أي هذا باب ذكر الحديث المبين للأمر بتخليل الأصابع، والتخليل: مصدر خلّل، ويقال: خَلَّل الرّجُلُ لحيته: أوصل الماء إلى خِلالها، وهي البشرة التي بين الشعر، وكأنه مأخوذ من تخللتُ القومَ: إذا دخلت
بين خَلَلهم وخلالهم، أفاده في المصباح.
١١٤ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ كَثِيرٍ، وَكَانَ يُكْنَى أَبَا هَاشِمٍ (ح) وَأَخْبَرَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ لَقِيطٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا تَوَضَّأْتَ فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابِعِ".
رجال الإسناد: ثمانية
١ - (إسحاق بن إبراهيم) بن مخلد بن إبراهيم بن مطر، أبو يعقوب، الحنظلي المعروف بابن راهويه (٢)، المروزي، نزيل نيسابور، أحد الأئمة طاف البلاد.
стр. 1371
روى عن ابن عيينة، وابن علية، وجرير، وبشر بن المفضل، وحفص بن غياث، وسليمان بن نافع العبدي، ولأبيه رؤية، ومعتمر ابن سليمان، وابن إدريس، وابن المبارك، وعبد الرزاق، والدراوردي، وعتاب بن بشير، وعيسى بن يونس، وأبى معاوية، وغندر، وبقية، وشعيب بن إسحاق، وخلق.
وعنه الجماعة، سوى ابن ماجه، وبقية بن الوليد، ويحيى بن آدم، وهما من شيوخه، وأحمد بن حنبل، وإسحاق الكوسج، ومحمد بن رافع، ويحيى بن معين، وهؤلاء من أقرانه، والذهلي، وزكرياء السجزي، ومحمد بن أفلح، وأبو العباس السرّاج وهو آخر من حدث عنه.
قال محمَّد بن موسى الباشاني (١)، ولد سنة ١٦١، وكان سمع من ابن المبارك، وهو حدث، فترك الرواية عنه لحداثته، وقال موسى بن هارون: كان مولد إسحاق سنة ١٦٦ فيما أرى قال وهب بن جرير: جزى الله إسحاق بن راهويه عن الإسلام خيرا. وقال نعيم بن حماد: إذا رأيت الخراساني يتكلم في إسحاق فاتهمه في دينه.
وقال أحمد: لم يَعْبُر الجسر إلى خراسان مثله، وقال أيضا: لا أعرف له بالعراق نظيرا، وقال مرة لما سئل عنه: إسحاق عندنا إمام من أئمة المسلمين، وقال محمَّد بن أسلم الطوسي لما مات: كان أعلم الناس، ولو عاش الثوري لاحتاج إلى إسحاق.
وقال النسائي: إسحاق أحد الأئمة، وقال أيضا: ثقة مأمون. وقال ابن خزيمة: والله لو كان في التابعين لأقروا له بحفظه وعلمه وفقهه.
وقال أبو داود الخفاف،: سمعت إسحاق يقول: لكأني انظر إلى مائة ألف حديث في كتبي، وثلاثين ألفا أسردها.
стр. 1372
وقال: أملى علينا إسحاق أحد عشر ألف حديث من حفظه، ثم قرأها علينا، فما زاد حرفا، ولا نقص حرفا. وقال أبو حاتم: ذكرت لأبي زرعة إسحاق، وحفظه للأسانيد، والمتون، فقال أبو زرعة: ما رؤي أحفظ من إسحاق؛ قال أبو حاتم: والعجب من إتقانه، وسلامته من الغلط، مع ما رزق من الحفظ؛ وقال أحمد بن سلمة: قلت لأبي حاتم: إنه أملى التفسير عن ظهر قلب، فقال أبو حاتم: وهذا أعجب، فإن ضبط الأحاديث المسندة أسهل، وأهون من ضبط أسانيد التفسير، وألفاظها وقال إبراهيم بن أبي طالب: أملى المسند كله من حفظه مرة، وقرأه من حفظه مرة وقال الآجري: سمعت أبا داود يقول: إسحاق بن راهويه تغير قبل أن يموت بخمسة أشهر. وسمعت منه في ذلك الأيام فرميت به. ومات سنة ٧ أو ٢٣٨ وقال حسين (١) القَبَّاني: مات ليلة النصف من شعبان سنة ٢٣٨ وقال البخاري: مات وهو ابن ٧٧ سنة (٢) قال الحافظ: قلت: وفي تاريخ البخاري: مات ليلة السبت لأربع عشرة خلت من شعبان من السنة، وفي الكنى للدولابي: مات ليلة نصف شعبان قال: وفي ذلك يقول الشاعر (من البسيط)
يَا هَدَّةً مَّا هُددْنَا ليْلَةَ الْأَحَد … في نِصْفِ شَعْبَانَ لَا تُنْسَى مَدَى الأَبَدِ
وساق الدولابي نسبه إلى حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، فقال: إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم بن عبد الله بن بكر بن عبيد الله ابن غالب بن عبد الوارث بن عبد الله بن عطية بن مرة بن كعب بن همام ابن تميم بن مرة بن عمرو بن حنظلة. وقال ابن حبان في الثقات: كان إسحاق من سادات أهل زمانه فقها وعلما وحفظا، وصنف الكتب،
стр. 1373
وفرّع على السنن، وذب عنها، وقمع من خالفها، وأورد الذهبي في الميزان حديث إسحاق، عن شبابة، عن الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أنس "كان رسول الله ﷺ إذا كان في سفر، فزالت الشمس صلى الظهر والعصر، ثم ارتحل".
وقال: رواه مسلم عن عمرو الناقد، عن شبابة، لفظه "إذا كان في سفر، وأراد الجمع أخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر، ثم يجمع بينهما" تابعه الزعفراني، عن شبابة، إلى أن قال: ولا ريب أن إسحاق
كان يحدث الناس من حفظه، فلعله اشتبه عليه.
والله أعلم اهـ تهذيب التهذيب [جـ ١ ص ٢١٦، ٢١٩]. وأخرج له الجماعة. وفي (ت) ثقة، حافظ مجتهد، قرين أحمد بن حنبل ذكر أبو داود أنه تغير قبل موته بيسير.
٢ - (يحيى بن سليم) القرشي الطائفي، أبو محمَّد، ويقال أبو زكرياء المكي، الحَذاّء، الخزّاز، قال ابن سعد: طائفي سكن مكة. روى عن عبيد الله بن عمر العمري، وموسى بن عقبة، وداود بن أبي هند، وابن جريج، وإسماعيل بن أمية، وعبد الله بن عثمان بن خثيم، وعثمان بن الأسود، وعثمان بن كثير، والثوري، وعمران القصير، وغيرهم.
روى عنه وكيع، وهو من أقرانه، والشافعي، وابن المبارك، ومات قبله، وأبو بكر ابن أبي شيبة، وبشر بن عبيس، وإسحاق بن راهويه، والحميدي، وقتيبة، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر، وهشام بن عمارة، والحسين بن حريث، ويوسف بن محمَّد العصفري، ومحمد بن عبد الملك ابن أبي الشوارب، وأحمد بن عبدة الضبي، والحسين بن محمَّد الزعفراني، والحسن بن عرفة، وآخرون.
стр. 1374
قال الميموني عن أحمد بن حنبل: سمعت منه حديثا واحدا، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: يحيى بن سليم كذ وكذا، والله إن حديثه، يعني فيه شيء، وكأنه لم يحمده، وقال في موضع آخر: كان قد أتقن حديث ابن خثيم، فقلنا له: أعطنا كتابك، فقال: أعطوني رهنا، وقال الدوري عن ابن معين: ثقة: وقال أبو حاتم: شيخ صالح محله الصدق ولم يكن بالحافظ، يكتب حديثه، ولا يحتج به.
وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال النسائي: ليس به بأس، وهو منكر الحديث عن عبيد الله بن عمر. وقال الدولابي: ليس بالقوي، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال يخطىء. مات سنة ٣ أو ١٩٤ وقال البخاري عن أحمد بن محمَّد بن القاسم بن أبي بَزَّةَ مات سنة ٩٥ وهو مكي، كان يختلف إلى الطائف فنسب إليه. قال الحافظ: قلت: وقال الشافعي: فاضل كنا نعده من الأبدال.
وقال العجلي: ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: سني، رجل، صالح، وكتابه لا بأس به، وإذا حدث من كتابه فحديثه حسن، وإذا حدث حفظا، فيعرف، وينكر. وقال النسائي في الكنى: ليس بالقوي. وقال العجلي: قال أحمد بن حنبل: أتيته فكتبت عنه شيئا، فرأيته يخلط في الأحاديث، فتركته، وفيه شيء قال أبو جعفر: ولين أمره.
وقال الساجي: صدوق يهم في الحديث، وأخطأ في أحاديث رواها عبيد الله بن عمر، لم يحمده أحمد. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالحافظ عندهم. وقال الدارقطني: سيىء الحفظ، وقال البخاري في تاريخه في ترجمة عبد الرحمن بن نافع ما حدث الحميدي، عن يحيى بن سليم، فهو صحيح "تت" [جـ ١١ ص ٢٢٦، ٢٢٧]، أخرج له الجماعة. وفي (ت) صدوق سيء الحفظ من التاسعة.
стр. 1375
٣ - (إسماعيل بن كثير) الحجازي، أبو هاشم، المكي، روى عن عاصم بن لقيط بن صبرة، وسعيد بن جبير، ومجاهد وغيرهم. وعنه الثوري، وابن جريج، ويحيى بن سليم الطائفي، ومِسْعَرَ بن كدَام، وغيرهم. قال أحمد، والنسائي: ثقة. وقال ابن سعد: ثقة كثير الحديث وقال أبو حاتم: صالح الحديث.
وقال الحافظ: ذكره ابن حبان في الثقات. وقال يعقوب بن شيبة، ويعقوب بن سفيان، والعجلي: مكي ثقة، وصحح حديثه في الوضوء ابن خزيمة، وابن الجارود، والترمذي، وابن حبان، والحاكم،
وغيرهم. وقال الآجري عن أبي داود: كان من تَبَالةَ (١)، وهو صاحب مجاهد. تت [جـ ٢ ص ٣٢٦]، أخرج له الأربعة وفي (ت) ثقة ٦.
٤ - (محمَّد بن رافع) بن أبي زيد، واسمه سابور، القشيري، مولاهم، أبو عبد الله النيسابوري، الزاهد. روى عن ابن عيينة، وأبي معاوية الضرير، وأبي أحمد الزُّبيْريّ، وأبي داود الحَفَري، وأبي داود الطيالسي، وحسين بن علي الجعفي، وأبي أسامة، وأبي عامر العقدي، وأزهر بن سعد السمان، وزيد بن الحباب، ومحمد بن إسماعيل بن أبي فديك، وأبي النضر، وحسين بن محمَّد، وعبد الرزاق فأكثر عنه، وعبد الله بن إبراهيم بن عمر بن كيسان، وإبراهيم بن عمر الصنعاني، وإسحاق بن سليمان الرازي، وأبي المنذر: إسماعيل بن عمر، وإسحاق بن عيسى بن الطبَّاع، وحُجَين بن المثنى، وزكرياء بن عدي، وسريج بن النعمان، وشبابة بن سوّار، وقُرَاد أبي نوح، ومصعب بن المقدام، ومحمد بن الحسن بن أَتش، وهشام بن سعيد الطالقاني، ويحيى بن آدم، ويحيى بن إسحاق السَّيْلَحيني، وأبي بكر
стр. 1376
الحنفي، وأبي بكر بن أبي أويس، وخلق كثير.
وروى عنه الجماعة، سوى ابن ماجه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وإبراهيم بن أبي طالب، ومحمد بن يحيى الذهلي، وابن خزيمة، وأبو العباس السراج، وأبو بكر بن أبي داود، ومحمد بن عقيل الخزاعي، وحاجب بن أحمد الطوسي، وغيرهم.
قال عبد الله بن عبد الوهاب الخوارزمي عن أحمد: محمَّد بن يحيى أحفظ، ومحمد بن رافع أورع، وقال البخاري: ثنا محمَّد بن رافع بن سابور، وكان من خيار عباد الله، وقال النسائي: أنا محمَّد بن رافع الثقة المأمون، وقال ابن أبي حاتم، عن أبي زرعة: شيخ صدوق، قدم علينا، وكان قد رحل مع أحمد. وقال زكرياء بن دلويه: بعث طاهر بن عبد الله ابن طاهر إلى محمَّد بن رافع بخمسة آلاف، فردها. قال زكرياء: وكان يخرج إلينا في الشتاء الشاتي، وقد لبس لحافه الذي يلبسه بالليل. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مات سنة ٢٤٥ وكان ثبتا فاضلا، وفيها أرخه البخاري، وغيره. قال الحافظ: قال الحاكم: هو شيخ عصره بخراسان في الصدق، والرحلة، حدثنا ابن صالح، حدثنا ابن رجاء، قال: قلت لعثمان بن أبي شبية: تعرف محمَّد بن رافع؟ فقال: ذاك الزاهد، وقال جعفر بن أحمد بن نصر الحافظ: ما رأيت من المحدثين أهيب منه، كان يستند فيأخذ الكتاب، فيقرأ بنفسه، فلا ينطق أحد ولا يتبسم، سمعت محمَّد بن صالح يقول: سمعت أحمد بن سلمة يقول: سمعت مسلم بن الحجاج، يقول: محمَّد بن رافع ثقة مأمون، صحيح الكتاب، وقال ابن صالح: وثنا محمَّد بن شاذان، حدثنا محمَّد بن رافع الثقة المأمون. وقال أحمد بن سيار في ذكر مشايخ نيسابور: محمَّد بن رافع كان ثقة حسن الرواية عن أهل اليمن. وقال النسائي في مشيخته، ومسلمة في الصلة: ثقة ثبت، وفي الزهرة: روى
стр. 1377
عنه البخاري ١٧ حديثا، ومسلم ٣٦٢ حديثا "تت" [جـ ٩ ص ١٦٢] أخرج له الجماعة. وفي (ت) ثقة عابد ١١.
٥ - (يحيى بن أدم) بن سليمان الأموي، مولى آل أبي معيط، أبو زكرياء الكوفي.
روى عن عيسى بن طهمان، وفطر بن خليفة، وإسرائيل، والثوري، وجرير بن حازم، والحسن بن حي، والحسن بن عياش، وزهير بن معاوية، وأبي الأحوص، وعمار بن رزيق، وفضيل بن مرزوق،
ومفضل بن مهلهل، وورقاء، ووهيب، وأبي بكر بن عياش، وخلق. وعنه أحمد، وإسحاق، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، والحسن على الخلال، وأحمد بن أبي رجاء الهروي، وأبو كريب، والمسندي،
وابنا أبي شيبة، وعبدة بن عبد الله الصفار، وعباس بن حسين القنطري ومحمد بن رافع، ومحمود بن غيلان، وهارون الحمال، والحسن بن علي بن عفان العامري، وآخرون.
قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، وكذا قال النسائي. وقال الآجري سئل أبو داود عن معاوية بن هشام، ويحيى بن آدم؟ فقال: يحيى بن آدم واحد الناس. وقال أبو حاتم: كان يتفقه، وهو ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة كثير الحديث، فقيه البدن، ولم يكن له سن متقدم، سمعت علي بن المديني يقول: يرحم الله تعالى يحيى بن آدم أيّ علم كان عنده؟ وجعل يطريه، وقال أبو أسامة: ما رأيت يحيى بن آدم إلا ذكرت الشعبي، وقال ابن سعد وغيره: مات (١) في ربيع الأول سنة ٢٠٣.
قال الحافظ: تتمة كلام ابن سعد: وكان ثقة، وقال العجلي: كان
стр. 1378
ثقة جامعا للعلم، عاقلا، ثبتا في الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال كان متقنا يتفقه. وقال ابن شاهين في الثقات: قال يحيى ابن أبي شيبة: ثقة صدوق، ثبت، حجة، ما لم يخالف من هو فوقة، مثل، وكيع تت [جـ ١١ ص ١٧٥، ١٧٦] أخرج له الجماعة. وفي (ت) ثقة حافظ فاضل من كبار ٩.
٦ - (سفيان) بن سعيد بن مسروق، الثوري الحجة المثبت ٧، تقدم ٨٩/ ١١١.
٧ - (عاصم بن لقيط) بفتح اللام، وكسر القاف بن صبرة بفتح الصاد المهملة وكسر الموحدة، العقيلي بالتصغير ثقة من الثالثة وتقدم ٧١/ ٨٧.
٨ - (عن أبيه) لقيط بن صبرة الصحابي المشهور، ويقال: إن صبرة جده، واسم أبيه عامر، وهو أبو رزين العقيلي، والأكثر على أنهما اثنان، وقد تقدم الكلام في هذا محققا في ٧١/ ٨٧ فأرجع إليه.
لطائف الإسناد
منها: أنه من خماسياته عن طريق إسحاق، ومن سداسياته عن طريق محمَّد بن رافع، فهو عال في الأول برجل، ومنها أن رواته كلهم ثقات، إلا يحيى بن سليم فإنه صدوق سيئ الحفظ كما قال الحافظ في
التقريب، وسبق الكلام عليه قريبًا.
ومنها: أنهم ما بين نيسابوريين، وهما إسحاق، ومحمد بن رافع، ومكيين: وهما يحيى، وإسماعيل، وكوفيين: وهما: يحيى، وسفيان. ويمنيين: وهما: عاصم، وأبوه لقيط. كما بينه ابن حبان في كتابه: مشاهير علماء الأمصار. ص ٥٨، وص ١٢٤ قال في عاصم بعد أن عده من التابعيين اليمانيين: كان يسكن الطائف في آخر أيامه.
стр. 1379
وفيه (ح) للتحويل من سند إلى آخر، فإنه انتقل من إسحاق، عن يحيى، عن إسماعيل إلى محمَّد بن رافع عن يحيى، عن سفيان، عن أبي هاشم، وهو إسماعيل بن كثير، فإسماعيل ملتقى الإسنادين جميعا، والسند الأول عال، والثانى نازل كما مر آنفا، وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة، والإنباء، والقول، وفيه رواية الابن عن أبيه.
شرح الحديث
(عن عاصم بن لقيط) بفتح اللام، وكسر القاف (عن أبيه) لقيط بن صبرة بفتح الصاد المهملة وكسر الباء وسكنها بعضهم، الصحابي المشهور ﵁.
قال ابن حبان: أبو رزين العقيلي، اسمه لقيط بن عامر بن صبرة بن المنتفق، وهو الذي يقال له: وافد بني المنتفق، له صحبة، ومن قال: لقيط بن صبرة: فقد نسبه إلى جده اهـ مشاهير علماء الأمصار ص ٥٨.
وقد تقدم في [٧٢/ ٨٧]، أن الحافظ ﵀ رجح كونهما اثنين: لقيط بن عامر، ولقيط بن صبرة، فأرجع إليه.
(قال: قال رسول الله ﷺ : إذا توضأت) أي شرعت في الوضوء (فأسبغ الوضوء) أمر من الإسباغ، وهو الإكمال.
قال في اللسان: وإسباغ الوضوء: المبالغة فيه، وإكماله اهـ أي أكمل الوضوء، ولا تترك شيئا من فرائضه، وسننه، ومستحباته (وخلل بين الأصابع) أمر من التخليل. قال في اللسان: وخَلّل فلان أصابعه بالماء: أسال الماء بينها في الوضوء وكذلك خلل لحيته إذا توضأ، فأدخل الماء بين شعرها، وأوصل الماء إلى بشرته بأصابعه.
وقال أيضا: التخليل تفريق شعر اللحية، وأصابع اليدين. والرجلين في الوضوء، وأصله من إدخال الشيء في خلَال الشيء، وهو وسطه اهـ[جـ ١ ص ٢١٣].
стр. 1380
والمعنى: بالغ في تنظيف اليدين، والرجلين بتفريق أصابعها، فإطلاق الأصابع يشمل أصابع اليدين والرجلين كما قاله السندي [جـ١ ص ٧٩]. وبالله التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بحديث الباب
المسألة الأولى: في درجته: حديث الباب: صحيح كما تقدم في الباب [٧١ ح ٨٧].
المسألة الثانية: فيمن أخرجه: أخرج حديث الباب: المصنف، وأبو داود، وابن ماجه، والشافعي، وأحمد، وابن الجارود، وابن خزيمة، وابن حبان والحاكم، والبيهقي وتقدم تمام البحث في هذا في [٧١/ ٨٧].
المسألة الثالثة: في الأحاديث الواردة في تخليل الأصابع:
منها: حديث الباب، وهو صحيح كما عرفت، ومنها حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "إذا توضأت فخلل أصابع يديك، ورجليك" رواه أحمد، وابن ماجه والترمذي، والحاكم، وفيه صالح مولى التوأمة، وهو ضعيف.
قال الحافظ: لكن حسنه البخاري؛ لأنه من رواية موسى بن عقبة عن صالح وسماع موسى منه قبل أن يختلط اهـ تلخيص الحبير [١/ ٩٤].
ومنها: حديث المستورد بن شَدَّاد قال: "رأيت النبي ﷺ إذا توضأ، يدلك أصابع رجليه بخنصره" رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وفي رواية له "يخلل" بدل "يدلك"، وفي إسناده ابن لهيعة، لكن تابعه الليث بن سعد، وعمرو بن الحارث. أخرجه البيهقي، وأبو بشر الدولابي، والدارقطني في غرائب مالك من طريق ابن وهب عن الثلاثة، وصححه ابن القطان. وكذا الشيخ الألباني، في صحيح ابن
стр. 1381
ماجه رقم ٤٤٦. وحديث عبد الله بن زيد بن عاصم "أن النبي ﷺ توضأ فجعل يقول: هكذا، يدلك" رواه أحمد.
ومنها: حديث عثمان "أنه خلل أصابع قدميه ثلاثًا، وقال: رأيت رسول الله ﷺ فعل كما فعلت" رواه الدارقطني. وحديث الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ، رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده ضعيف. وحديث عائشة: رواه الدارقطني، وفيه عمرو بن قيس، وهو منكر الحديث. وحديث
وائل بن حجر، رواه الطبراني في الكبير، وفيه ضعف، وانقطاع.
وحديث ابن مسعود، رواه زيد بن أبي الزرقاء عن الثوري، عن أبي مسكين واسمه حسن بن مسكين، عن هزيل بن شرحبيل، عن عبد الله مرفوعًا، بلفظ "ليُنْهكَنَّ أحدكم أصابعه قبل أن تُنْهِكَه النارُ" قال ابن أبي حاتم: رفعه منكر.
قال الحافظ: وهو في جامع الثوري موقوف، وكذا في مصنف عبد الرزاق، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة، عن أبي الأحوص، عن أبي مسكين موقوفا، وجاء ذلك عن علي، وابن عمر، موقوفا. وحديث
أبي أيوب. رواه أبو بكر بن أبي شيبة في المصنف. وحديث أبي هريرة بلفظ "خللوا أصابعكم، لا يخللها الله يوم القيامة بالنار" وحديث أبي رافع عند أحمد، والدارقطني، من حديث معمر بن محمَّد بن عبيد الله
ابن أبي رافع قال البخاري: هو منكر الحديث.
المسألة الرابعة: في مذاهب العلماء في حكم تخليل الأصابع: ذهب المالكية إلى أن تخليل أصابع اليدين واجب، بخلاف أصابع الرجلين، فإن تخليلها مندوب، وذلك لإيجابهم تدليك كل عضو، ولتفرق أصابع اليدين اعتبر كل أصبع كعضو مستقل، يلزم تدليكه، وأما أصابع الرجلين فلشدة اتصالها اعتبرت كعضوا واحد، فلا يلزم تخليلها.
стр. 1382
وذهب غيرهم إلى أن تخليل أصابع اليدين، والرجلين مسنون، وحملوا أحاديث الباب على الندب جمعا بينها وبين سائر الروايات التي حكي فيها صفة وضوئه ﷺ ، فإنها لم يذكر فيها التخليل.
ومحل هذا كله: إذا وصل الماء إلى ما بين الأصابع بدون تخليل، وإلا فيجب اتفاقا.
قال الترمذي ﵀ بعد تخريج حديث لقيط بن صبرة: والعمل على هذا عند أهل العلم: أنه يخلل أصابع رجليه في الوضوء، وبه يقول أحمد، وإسحاق، وقال إسحاق: يخلل أصابع يديه، ورجليه في الوضوء اهـ[جـ ١ ص ١٥٠] من نسخة الشارح المباركفوري.
وقال ابن سيد الناس في شرح الترمذي: قال أصحابنا من سنن الوضوء تخليل أصابع الرجلين في غسلهما. قال: وهذا إذا كان الماء يصل إليهما من غير تخليل، فلو كانت الأصابع ملتفة لا يصل الماء إليها إلا بتخليل، فحيئذ يجب التخليل لا لذاته، لكن لأداء فرض الغسل.
قال الشوكاني: والأحاديث قد صرحت بوجوب التخليل، وثبت من قوله ﷺ وفعله، ولا فرق بين إمكان وصول الماء بدون تخليل، وعدمه، ولا بين أصابع اليدين، والرجلين، فالتقييد بأصابع الرجلين، أو بعدم إمكان وصول الماء لا دليل عليه اهـ نيل [جـ ١ ص ٢٣٢].
وقد اعترض عليه العلامة محمود محمَّد خطاب في المنهل بما نصه:
أقول قد علمت أن في كل حديث من أحاديث التخليل مقالا، فلا تنتهض دليلا على الوجوب، وعلى فرض صحتها فهي محمولة على الندب جمعا بينها وبين سائر الروايات الصحيحة الكثيرة التي لم يذكر فيها التخليل، وقد سيقت لبيان صفة الوضوء، فلذا ذهب الجمهور إلى استحباب تخليل أصابع اليدين والرجلين اهـ المنهل [جـ ٢ ص ٨٩، ٩٠].
стр. 1383
قال الجامع عفا الله عنه:
وفيما قاله نظر لا يخفى، بل الراجح ما قاله الشوكاني، فإن الحديث صح قولا وفعلا كما مر قريبا ولا صارف للأمر عن الوجوب فالحق وجوبه.
وأما قوله: وقد سيقت لبيان صفة الوضوء، فهذا غير صحيح: فإن كثيرا من الأحاديث التي سيقت لبيان صفة الوضوء، ما استوفت جميع صفة الوضوء بمفرداتها، بل كلما زادت رواية أخذنا بها، فصارت مشروعة، فالبيان حصل بمجموعها، وها هنا أيضا حصلت زيادة على الروايات الأخرى التي أطلقت فيلزم الأخذ بها سواءً فتبصر والله أعلم.
المسألة الخامسة: في كيفية التخليل: ذهب بعضهم إلى أن تخليل أصابع الرجلين يكون بخنصر اليسرى، ويكون من أسفل القدم، مبتدئا بخنصر رجله اليمنى، ويختم بخنصر اليسرى.
وذهب بعضهم إلى أنه يستحب أن يخلل بخنصر يده اليمنى من تحت الرجل.
وذهب بعضهم إلى التخيير في ذلك، قال إمام الحرمين: لست أرى لتعيين اليد اليمنى أو اليسرى في ذلك أصلا، إلا النهي عن الاستنجاء باليمين، وليس تخليل الأصابع مشابها له، فلا حَجر على المتوضئ في استعمال اليمين أو اليسار، فإن الأمر كذلك، في غسل الرجلين وخَلَلُ الأصابع جزء منها، ولم يثبت عندي في تعيين إحدى اليدين شيء. وقيل يخلل ما بين كل أصبعين من أصابع رجليه بأصبع من أصابع يده ليكون بماء جديد ويترك الإبهامين فلا يخلل بهما لما فيه من العسر، وهذه الأقوال محكية في مذهب الإمام الشافعي ذكرها النووي في مجموعه.
قال بعد ذكر الأقوال: فحصل من مجموع هذا أن التخليل من أسفل الرجل، ويبدأ من خنصر اليمين، وفي الأصبع التي يخلل بها أوجه:
стр. 1384
الأشهر أنها خنصر اليسرى، والثاني: خنصر اليمنى. والثالث: أنه يخلل ما بين كل أصبعين من أصابع رجليه بأصبع من أصابع يده، والرابع: أنه لا يتعين في استحباب ذلك يد، وهو الراجح المختار. اهـ
المجموع بتصرف واختصار [جـ ١ ص ٤٢٥].
قال الجامع عفا الله:
ما رجحه الإمام النووي هو الذي لا يترجح غيره عندي، لعدم نص قاطع بتعيين اليمين، أو اليسار، بل هو أمر موسع فيه كما قال إمام الحرمين، والله أعلم.
هذا في تخليل أصابع الرجل، وأما أصابع اليدين، فقال النووي ﵀: لم يتعرض له الجمهور، وجاء فيه حديث ابن عباس، ونقل الترمذي: استحبابه عن إسحاق بن راهويه، ويدل عليه حديث لقيط بن صبرة، فإن الأصابع تشملها، وعلى هذا، فيكون تخليلها بالتشبيك بينها اهـ المجموع بتغيير، واختصار.
قال الجامع عفا الله عنه:
قد أسلفنا تحقيق العلامة الشوكاني في هذا الموضوع فالراجح وجوب التخليل في أصابع اليدين والرجلين، والله أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 1385
٩٣ - عَدَدُ غسْل الرِّجْلَيْنِ
أي هذا باب يذكر فيه الحديث الدال على عدد غسل الرجلين.
١١٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ، عَنِ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي وَغَيْرُهُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي حَيَّةَ الْوَادِعِيِّ، قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا تَوَضَّأَ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا، وَتَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: هَذَا وُضُوءُ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
رجال الإسناد: ستة
١ - (محمَّد بن آدم) بن سليمان، الجهني المصيصي. رَوَى عن ابن المبارك، وحفص بن غياث، وأبي خالد الأحمر، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة. وعبدة بن سليمان، ومروان بن معاوية، وأبي معاوية الضرير، وعلي بن هاشم بن البريد، ويحيى بن أبي عنَبَةَ، وعبد الرحيم بن سليمان وعمرو بن عبيد الطنافسي، ومحمد بن فضيل بن غَزْوان، وغيرهم.
روى عنه أبو داود، والنسائي، وأبو حاتم، وأبو عبد الملك البسري، والفضل بن العباس الحلبي، وأبو علي الحسين بن إبراهيم بن فيل
стр. 1386
الأنطاكي، وعبد الله بن محمَّد بن بشر بن صالح، وعمرو بن بحر الأسدي، وأبو يوسف الصَّفَّار، ومحمد بن عبد الرحيم الديباجي، وأبو بكر بن أبي داود، وآخرون، وقال ابن أبي داود: كان يقال: إنه من الأبدال. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: ثقة، وفي موضع آخر: صدوق، لا بأس به. وقال ابن عساكر: مات سنة ٢٥٠ وقال الحافظ: قلت: وقال مسلمة في الصلة: ثقة، ووهم صاحب الزهرة، فقال: محمَّد بن إبراهيم بن آدم بن سليمان، وذكر وفاته في سنة ٥٠ كما تقدم تت [جـ ٩ ص ٣٤، ٣٥] أخرج له المصنف، وأبو داود. وفي (ت) صدوق من العاشرة.
٢ - (ابن أبي زئدة) هو يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة، واسمه خالد ابن ميمون بن فيروز، الهمداني، الوادعي، أبو سعيد، الكوفي.
روى عن أبيه، والأعمش، وابن عون، وعاصم الأحول، وهشام ابن عروة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وداود بن أبي هند، وحارثة ابن أبي الرجال، وإسماعيل بن أبي خالد، وعبد الرحمن بن الغسيل، وحسين بن الحارث الجدلي، وعكرمة بن عمار، وعبد الله بن عمر العمري، وأبي مالك الأشجعي، وحجاج بن أرطاة، وإسرائيل، وعبد الملك بن حميد بن أبي غَنيَّة، ومسعر، وهاشم بن هاشم بن عُتْبَةَ ابن أبي وقاص، وموسى الجهني، وجماعة.
وعنه يحيى بن آدم، وأبو داود الحَفَري، وأحمد بن حنبل، ويحيى ابن معين، وابنا أبي شيبة، وعلي بن المديني، وداود بن رشيد، ويحيى ابن يحيى النيسابوري، وإبراهيم بن موسى، وأبو كريب، وشجاع بن مخلد، وسريج بن يونس، وأحمد بن منيع، وسويد بن سعيد، وعلى ابن مسلم الطُّوسي، وسهل بن عثمان العسكري، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، وهارون بن معروف، وهناد بن السري، والحسن بن عرفة،
وآخرون.
стр. 1387
قال إبراهيم بن موسى، عن أبي خالد الأحمر: كان جيد الأخذ.
وقال أيضا عن الحسن بن ثابت: نزلت بأفقه أهل الكوفة، يعنيه، وقال عمرو الناقد، عن ابن عيينة: ما قدم علينا مثل ابن المبارك، ويحيى بن أبي زائدة. وقال الحارث بن سريج، عن يحيى القطان: ما خالفني أحد بالكوفة أشد علي من ابن أبي زائدة. وقال أحمد، وابن معين: ثقة. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: إسماعيل بن زكريا أحب إليك، أو يحيى بن أبي زائدة؟ قال: يحيى أحب إلى. قلت: هما أخوان عندك؟ قال: لا، وقال ابن المديني: هو من الثقات، وقال أيضا: لم يكن بالكوفة بعد الثوري أثبت منه.
وقال أيضا: انتهى العلم إليه في زمانه. وقال ابن نمير: كان في الإتقان أكثر من ابن إدريس، وقال أبو حاتم: مستقيم الحديث. ثقة صدوق. وقال النسائي: ثقة ثبت. وقال العجلي: ثقة. وهو ممن جمع له الفقه، والحديث، وكان على قضاء المدائن، ويعد من حفاظ الكوفيين للحديث، متقنا، ثبتا، صاحب سنة، ووكيع إنما صنف كتبه على كتب يحيى بن أبي زائدة. وذكر ابن أبي حاتم: أنه أول من صنف الكتب بالكوفة. وقال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة: يحيى بن أبي زائدة في الحديث مثل العروس المعطرة. وقال الدُّوري عن ابن معين: كان يحيى بن زكريا كيسا. ولا أعلمه أخطأ إلاَّ في حديث واحد، عن سفيان، عن أبي إسحاق. عن قبيصة بن بُرْمَة: قال: قال عبد الله: "ما أحب أن يكون عبيدكم مؤدبيكم" وإنما هو عن واصل، عن قبيصة وقال الغلابي عن ابن معين: نحو ذلك. وقال حنبل، عن محمَّد بن داود: سمعت عيسى بن يونس، وسئل عن يحيى بن أبي زائدة؟ فقال: ثقة ورأيت زكريا بن أبي زائدة يجىء به إلى مجالد. وقال زياد بن أيوب: كان يحدث حفظا وقال علي بن المديني: مات سنة ١٨٢، وقال
стр. 1388
ابن سعد، وغيره: مات بالمدائن وهو قاض بها سنة ٨٣ وفيها أرخه غير واحد. زاد يعقوب بن شيبة: وبلغ من السنن يوم مات ٦٣ سنة.
وقال ثقة حسن الحديث، ويقولون: إنه أول من صنف الكتب بالكوفة، وكان يعد في فقهاء محدثي أهل الكوفة، وكانت وفاته في جمادى الأولى. وقال خليفة، وابن حبان مات سنة ثلاث، أو أربع،
وقال ابن قانع: مات سنة أربع.
قال الحافظ: قلت: وقال ابن أبي حاتم في العلل سألت أبي، وأبا زرعة عن حديث رواه ابن أبي زائدة، عن يحيى بن سعيد، عن مسلم بن يسار، عن ابن عمير في العبث بالحصى، فقالا: وهم ابن أبي زائدة، وإنما هو مسلم بن أبي مريم، عن علي بن عبد الرحمن، عن ابن عمير. قال أبو زرعة: يحيى قلما يخطئ، فهذا أخطأ أتى بالعظائم انتهى، وهذا يرد على الذي ذكره ابن معين: قال عمر بن شَبَّةَ: ثنا أبو نعيم، ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وما هو بأهل أن يحدث عنه، عن ابن أبي خالد، قوله: قال: ولو كان فقيها ما حدث به عنه. وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله تعالى، وقال ابن شاهين في الثقات: قيل ليحيى بن معين: إن زكريا بن عدي لم يحدث عنه، قال: هو خير من زكرياء بن عدي، ومن أهل قريته. تت [جـ ١١ ص ٢٠٨، ٢١٠] أخرج له الجماعة وفي (ت) ثقة من كبار التاسعة.
٣ - (زكرياء بن (١) أبي زائدة) خالد بن ميمون بن فيروز، وقال بحشل: اسم أبي زائدة هبيرة، الهمداني، الوادعي (٢) مولاهم، أبو يحيى، الكوفي.
стр. 1389
روى عن أبي إسحاق السبيعي، وعامر الشعبي، وفراس، وسماك ابن حرب، وسعد بن إبراهيم، وخالد بن سلمة، ومصعب بن شيبة. وعبد الملك بن عمير، وغيرهم.
وعنه ابنه يحيى، والثوري، وشعبة، وابن المبارك، وعيسى بن يونس، والقطان، ووكيع، وأبو أسامة، وأبو نعيم، وغيرهم. قال القطان: ليس به بأس، وليس عندي مثل إسماعيل بن أبي خالد. وقال صالح بن أحمد، عن أبيه: إذا اختلف زكرياء، وإسرائيل، فإن زكرياء أحب إلى في أبي إسحاق، ثم قال: ما أقربهما، وحديثهما عن أبي إسحاق لين، سمعا منه بآخره، وقال عبد الله عن أبيه: ثقة، حلو الحديث، ما أقربه من إسماعيل بن أبي خالد. وقال عباس: عن ابن معين: صالح. وقال عثمان عنه: زكريا أحب إلى في كل شيء، وابن أبي ليلى، ضعيف، وقال العجلي: كان ثقة، إلا أن سماعه من أبي إسحاق بآخره، ويقال: إن شريكا أقدم سماعا منه، وقال أبو زرعة: صويلح يدلس كثيرًا عن الشعبي، وقال أبو حاتم: لين الحديث، كان يدلس، وإسرائيل أحب إلى منه، ويقال: إن المسائل التي كان يرويها عن الشعبي، لم يسمعها منه إنما أخذها عن أبي حريز، وقال الآجري عن أبي داود: وزكريا أرفع منه يعني من أجلح مائة درجة، قال أبو داود: وزكريا ثقة، إلا أنه يدلس. قال يحيى بن زكرياء: لو شئت سميت لك من بين أبي وبين الشعبي، وقال النسائي: ثقة.
قال ابن نمير: مات سنة ١٤٧ وقال أبو نعيم: مات سنة ٤٨. وقال محمَّد بن سعد، وعمرو بن علي: سنة ٤٩. قال الحافظ: وقال ابن حبان في الثقات: اسم أبي زائدة: فيروز، وقيل: خالد. مات سنة ٤٨ أو ٤٩. وقال أبو بكر البرديجي: ليس به بأس. وقال يعقوب بن سفيان، وأبو بكر البزار: ثقة.
стр. 1390
وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال ابن قانع: كان قاضيا بالكوفة. اهـ تت [جـ ٣ ص ٣٢٩] أخرج له الجماعة. وفي (ت) ثقة، وكان يدلس، وسماعه من أبي إسحاق بآخره [٦].
٤ - (أبو اسحاق) عمرو بن عبد الله الهمداني، السَّبيعي بفتح المهملة وكسر الموحدة مكثر ثقة عابد، من الثالثة اختلط بآخره، مات سنة ١٢٩ وقيل قبل ذلك وتقدم ٣٧/ ٤٢.
٥ - (أبو حية الوادعي) بن قيس الكوفي، قيل: اسمه عمرو بن نصر، وقيل: عبد الله، وقيل: عامر بن الحارث، وقال أبو أحمد الحاكم، وغيره: لا يعرف اسمه مقبول من الثالثة تقدم في ٧٩/ ٩٦.
٦ - (علي) بن أبي طالب الهاشمي أبو الحسن، رابع الخلفاء الراشدين، ﵁ تقدم ٧٤/ ٩١.
لطائف الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، ومنها أن رواته كلهم ثقات، إلا أبا حية فمقبول، وأنهم كلهم كوفيون، إلا شيخ المصنف فمصيصي.
وفيه رواية تابعي، عن تابعي، أبو إسحاق، عن أبي حية، وفيه الإخبار، والعنعنة، والتحديث. وأن رجاله ممن أخرج لهم الجماعة إلا شيخه فأخرج عنه هو وأبو داود فقط، وإلا أبا حية: فالأربعة.
شرح الحديث
(عن ابن أبي زائدة) يحيى بن زكرياء بن خالد بن ميمون، أبي سعيد الكوفي، أنه قال (حدثني أبي) زكرياء بن خالد (وغيره) أي غير أبيه (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي (عن أبي حية) بن قيس (الوادعي) بكسر الدال نسبة إلى وادعة بن عمرو، بطن من همدان أفاده
стр. 1391
في اللباب [جـ ٣ ص ٣٤٤] أنه (قال: رأيت عليا) ﵁ (توضأ) جملة حالية؛ لأن "رأى" بصرية وجملة قوله (فغسل كفيه ثلاثا) تفصيل، وتوضيح لمعنى توضأ (وتمضمض، واستنشق ثلاثا) راجع لكل من التمضمض، والاستنشاق، لما تقدم للمصنف "ثم تمضمض ثلاثا، واستنشق ثلاثا" (وغسل وجهه ثلاثا، وذراعيه) قال في المصباح: الذراع: اليد من كل حيوان، لكنها من الإنسان من المرفق إلى أطراف الأصابع اهـ[جـ ١ ص ٢٠٧] (ثلاثا ثلاثا) أي كل واحد منهما، وفي الرواية السابقة ٧٥/ ٩٢ "وغسل يده اليمنى ثلاثا ويده الشمال ثلاثا".
(ومسح برأسه) أي مرة واحدة لما تقدم في [٧٥/ ٩٢] "ومسح برأسه مرة واحدة" (وغسل رجليه ثلاثا ثلاثا) وتقدم قوله: "ثم غسل رجله اليمنى ثلاثا، ورجله الشمال ثلاثا" (ثم قال) علي ﵁ (هذا وضوء رسول الله ﷺ ) يعني أنه مثله، أو أطلقه مبالغة.
وموضع الترجمة قوله: "وغسل رجليه ثلاثا، ثلاثا". والله أعلم.
مسائل: تتعلق بحديث الباب
المسألة الأولى: في درجة الحديث:
حديث الباب صحيح بشواهده، وقد قدمنا في [٧٩/ ٩٦] أن ابن السكن وغيره صححوا حديث أبي حية، وقد تابعه في روايته عن علي ﵁: عبد خير، والحسين بن علي ﵄.
المسألة الثانية: فيمن أخرجه من الستة:
حديث علي ﵁ أخرجه المصنف وأبو داود، والترمذي، وقد تقدم تفاصيل ذلك كله في [٧٩/ ٩٦].
стр. 1392
المسألة الثالثة: في فوائد الحديث:
يستفاد من الحديث: مشروعية غسل الكفين ثلاثا، والمضمضة ثلاثا، وغسل الوجه ثلاثا، وغسل الذراعين ثلاثا، ومسح الرأس، مرة واحدة وغسل الرجلين ثلاثا، ثلاثا، وحرص الشخص على متابعة سنة رسول الله ﷺ ، وتعليمها للجاهل؛ لأن عليا ﵁ توضأ تعليما للناس.
وقد تقدمت بقية فوائده. في [٧٩/ ٩٦] فأرجع إليها.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 1393
٩٤ - بَابُ حَدِّ الغُسْلِ
أي هذا باب في ذكر الحديث الدال على حد غسل الرجلين.
وقال السندي: ما نصه: ذكر فيه حديث عثمان الدال على أن اليد إلى المرفق والرجل إلى الكعب أو الدال على أن الغسل يثلث دون المسح اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه:
الأولى ما ذكرته من أن المراد بحد الغسل حد غسل الرجلين؛ لأنه تقدم له نظير هذا في غسل اليدين حيث قال "باب صفة الوضوء" "باب غسل اليدين" "باب حد الغسل" ثم ذكرالأبواب المتعلقة بالمسح، ثم قال
"باب إيجاب غسل الرجلين" إلى أن قال "عدد غسل الرجلين" "باب حد الغسل" فأراد بحد الغسل في الأول غسل اليدين، وفي الثاني غسل الرجلين. والله أعلم.
١١٦ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ اللَّيْثِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عُثْمَانَ دَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمِرْفَقِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ
стр. 1394
غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: "مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".
رجال الإسناد: ثمانية
١ - (أحمد بن عمرو بن السرح) هو أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السرح بمهملات، أبو الطاهر المصري، ثقة من العاشرة، مات سنة ٢٥٠ تقدم في ٣٥/ ٣٩.
٢ - (الحارث بن مسكين) بن محمَّد بن يوسف مولى بني أمية، أبو عمرو المصري، قاضيها، ثقة، فقيه من العاشرة مات سنة ٢٥٠، وله ٩٦، سنة، وتقدم في ٩/ ٩ وفي ٨٠/ ٩٧.
٣ - (ابن وهب) هو عبد الله بن وهب بن مسلم، القرشي، مولاهم، أبو محمَّد، المصري، الفقيه، ثقة، حافظ، عابد، من التاسعة مات سنة ١٩٧. وله ٧٢ سنة وتقدم في ٩/ ٩.
٤ - (يونس) بن يزيد بن أبي النِّجَاد، الأيلي، بفتح الهمزة، وسكون التحتانية، بعدها لام، أبو يزيد، مولى آل أبي سفيان، ثقة إلا أن في روايته عن الزهري وَهَما قليلًا، وفي غير الزهري خطأ، من كبار السابعة، مات سنة ١٥٩، على الصحيح، وقيل بعدها سنة ١٦٠، وتقدم في ٩/ ٩.
стр. 1395
٥ - (ابن شهاب) محمَّد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب ابن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، القرشي، الزهري، وكنيته: أبو بكر، الفقيه الحافظ، متفق على جلالته، وإتقانه وثبته،
وهو من رؤوس الطبقة الرابعة، مات سنة ١٢٥، وقيل: قبل ذلك بسنة أو بسنتين، وتقدم في ١/ ١.
٦ - (عطاء بن يزيد الليثي) المدني، نزيل الشام، ثقة من الثالثة، مات سنة ٥/ أو ١٠٧، وقد جاوز ٨٠ وتقدم في ٦٨/ ٨٤.
٧ - (حمران) بضم أوله ابن أبان مولى عثمان بن عفان، اشتراه في زمن أبي بكر الصديق، ثقة من الثانية مات سنة ٧٥ وقيل غير ذلك، وتقدم في ٦٨/ ٨٤.
٨ - (عثمان) بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، الأموي أمير المؤمنين، ذو النورين، أحد السابقين الأولين، والخلفاء الأربعة، والعشرة المبشرة، استشهد في ذي الحجة بعد عيد الأضحى سنة ٣٥، وكانت خلافته ١٢ سنة، عمره ٨٠، وقيل أكثر، وقيل: أقل، وتقدم في ٦٨/ ٨٤.
لطائف الإسناد
منها: أنه من سباعيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم ما بين مصريين، وهم الثلاثة الأولون، وأيلي، وهو يزيد. ومدنيين: وهم الباقون. وأن فيه التحديث، والإخبار، والعنعنة. وأن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض وهم ابن شهاب، وعطاء، وحمران.
شرح الحديث
(أن حمران مولى عثمان أخبره) أي أخبر عطاء (أن عثمان) بن عفان
стр. 1396
رضي الله عنه (دعا بوضوء) بفتح الواو، لا غير؛ لأن المراد الماء الذي يتوضأ به (فنوضأ) من ذلك الماء (فغسل كفيه) الفاء تفسيرية لأن قوله: توضأ مجمل، فصله قوله: غسل. إلخ. وفي الرواية المتقدمة في [٦٨/ ٨٤]. "فأفرغ على يديه" وقلنا هناك، الراد كفيه (ثلاث مرات) صفة لمصدر محذوف: أي غسلا ثلاثا أفاده العيني.
ثم إن الظاهر أنه غسل الكفين معا. قال الإمام ابن دقيق العيد: غسلُهما قدر مشترك بين كونه غسلهما مجموعتين، أو مفترقتين، والفقهاء اختلفوا أيهما أفضل؟ اهـ جـ ١ ص ١٦٨ وكتب العلامة الصنعاني: ما نصه: قوله أفضل، أقول: إن غسلهما مجموعتين أعون على إذهاب ما عساه فيهما، لقوة الدلك.، وغسل كل واحدة على حدة فيه زيادة عمل بإفراد كل واحدة بطهارة، والأظهر أن الوجهين متكافئان، والمكلف مخير اهـ عدة [جـ ١ ص ١٦٨].
قال الجامع عفا الله عنه:
بل الأظهر غسلهما معا، كما أسلفنا قريبا.
وفيه استحباب غسل الكفين قبل إدخالهما الإناء، ولو لم يكن عقب النوم، وهو إجماع بين العلماء لمن لم يستيقظ، وقد مر الخلاف في وجوب غسلهما عقب النوم في ١/ ١.
(ثم مضمض) أي حرك الماء في فمه، وأصل المضمضة، كما قال الفارابي صوت الحية، ونحوها، ويقال: هو تحريكها لسانها. قاله في المصباح.
وقال الحافظ: أصل المضمضة في اللغة التحريك، ثم اشتهر استعماله في وضع الماء في الفم وتحريكه وأما معناه في الوضوء الشرعي، فأكمله أن يضع الماء في الفم، ثم يديره، ثم يمجه اهـ وقال ابن دقيق: قال
стр. 1397
بعض الفقهاء: المضمضة أن يجعل الماء في فمه، ثم يمجه، فأدخل المج في حقيقة المضمضة، فعلى هذا لو ابتلع الماء لم يكن مؤديا للسنة، وهذا الذي يكثر في أفعال المتوضئيين، أعني الجعل، والمج، ويمكن أن يكون ذكر ذلك بناء على أنه الأغلب والعادة، لا أنه يتوقف تأدية السنة على مجه اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه:
إدخال المج في مفهوم المضمضة ليس بشيء؛ لأن المضمضة كما أسلفنا هو التحريك، ولم يرد في السنة زيادة على معناه اللغوي، فلا ينبغي زيادته في مفهومها، والله أعلم.
(واستنشق) أي جعل الماء في أنفه، وجذبه بنَفَسه، ليزول ما فيه من الأوساخ، وأصل الاستنشاق: شم الريح مع قوة، كما تقيده عبارة اللسان ثم إنه لم يرد في طرق هذا الحديث تقييد المضمضة، والاستنشاق بعدد غير طريق يونس عن الزهري، فيما ذكره ابن المنذر، وكذا فيما ذكره أبو داود، من وجهين آخرين عن عثمان ﵁ فإن في أحدهما "فتمضمض ثلاثا، واستنثر ثلاثا"، وفي الآخر "ثم تمضمض، واستنثر ثلاثا" أفاده العيني [جـ ٢ ص ٣٠٠].
(ثم غسل وجهه) عطفه بثم إشارة إلى أن غسل الوجه يتأخر عن المضمضة، والاستنشاق. قال العلامة ابن دقيق العيد: فيه دليل على الترتيب بين غسل الوجه، والمضمضة والاستنشاق، وتأخيره عنهما، فيؤخذ منه الترتيب بين المفروض، والمسنون. اهـ إحكام ج ١ ص ١٧١.
قلت: هذا: إذا قلنا: بسنيتهما، وقد عرفت أن الراجح وجوبهما، فتنبه. وكتب العلامة الصنعاني على قوله: فيؤخذ منه الترتيب: الخ: ما نصه: إلا أنه قد ورد ما يعارضه، فأخرج أحمد، وأبو داود من
стр. 1398
حديث المقدام بن معدي كرب، قال: "أتي رسول الله ﷺ بوضوء فتوضأ، فغسل كفيه ثلاثا، ثم غسل ذراعيه ثلاثا، ثم مضمض، واستنشق ثلاثا" وعليه ترجم ابن تيمية، يعني المجد عبد السلام صاحب المنتقى "باب جواز تأخيرهما من غسل الوجه واليدين" وأخرج عن الرُّبيِّع بنت معوذ مثله، إلا أنها قالت: "فغسل وجهه ثلاثا، ثم تمضمض".
وقال النووي: إنهم يتأولون هذه الرواية على أن لفظة "ثم" ليست هنا للترتيب، بل لعطف جملة على جملة؛ لأن المراد ذكر الجمل، لا صفة الترتيب، ولهذا لم يذكر غسل الرجلين في هذه الرواية انتهى.
قال الصنعاني: قلت: قد روى أبو داود في رواية المقدام: "غسل رجليه ثلاثا" وذهب ابن تيمية إلى ترجيح رواية تقدم المضمضة، فإنها عن علي، وعثمان، وهما أقعد بمعرفة أحواله ﷺ ، ولأن روايتهما أخرجها الشيخان.
وما أخرجاه مقدم على غيره كما عرف في أصول الحديث اهـ كلام الصنعاني في العدة [جـ ١ ص ١٧١، ١٧٢].
وسيأتي تمام البحث في وجوب الترتيب، وعدمه في المسائل آخر الباب إن شاء الله تعالى.
(ثلاث مرات) وهذا التثليث مستحب بالإجماع (ثم يده اليمنى) مؤنث اليمين، ضد اليسار. وأنثه لأن اليد مؤنثة (إلى المرفق) بفتح الميم وكسر الفاء، وعكسه، لغتان، وهو موصل الذراع بالعضد (ثلاث مرات) أي غسلا ثلاث مرات (ثم غسل يده اليسرى) تأنيث اليسار (مثل ذلك) أي ثلاث مرات. ولا خلاف في وجوب غسل اليدين للنص، والجمهور على وجوب غسل الرفق، وخالف في ذلك زفر من الحنفية،
стр. 1399
وداود الظاهري. وقد تقدم ترجيح وجوب دخولهما في الغسل في شرح حديث عبد الله بن زيد في الباب ٨٠/ ٩٧.
(ثم مسح برأسه) بزيادة الباء، وفي رواية للبخاري: "رأسه" بلاباء وهي رواية أبي داود. وقد تقدم الكلام في هذه الباء، وفي معنى المسح، وأن مسح جميع الرأس واجب في شرح حديث عثمان في الباب ٦٨/ ٨٤ (ثم غسل رجله اليمنى) وفي الرواية السابقة قدمه اليمنى. ورجل الإنسان التي يمشي بها من أصل الفخد إلى القدم وهي: أنثى، وجمعها: أرْجُل، ولا جمع لها غير ذلك. قاله في المصباح. [جـ ١ ص ٢٢٠].
(إلى الكعبين) تثنية كعب. قال في المصباح: الكتب من الإنسان: اختلف فيه أئمة اللغة، فقال أبو عمرو بن العلاء، والأصمعي، وجماعة: هو العظم الناشز في جانب القدم عند ملتقى الساق، والقدم، فيكون لكل قدم كعبان عن يمنتها، ويسرتها، وقد صرح بهذا الأزهري، وغيره. وقال ابن الأعرابي، وجماعة: الكعب: هو المفصل بين الساق، والقدم، والجمع كعوب، وأكعب، وكعاب.
قال الأزهري: الكعبان: الناتئان في منتهى الساق مع القدم عن يمنة القدم ويسرتها. وذهب الشيعة إلى أن الكعب في ظهر القدم، وأنكره أئمة اللغة كالأصمعي، وغيره اهـ[٢/ ٥٣٥].
قلت: وتقدم عن محمَّد بن الحسن مثل مذهب الشيعة إلا أن ذلك في تفسير حديث المحرم "وإذا لم يجد النعلين، فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل الكعبين" لا أنه فسر به آية الوضوء، كما حققه العلامة بدر الدين
العيني في العمدة.
وقد ذكر الحافظ في الفتح: أنه مروي عن مالك أيضا، والكلام في
стр. 1400
دخول الكعبين في وجوب الغسل كالكلام في المرفقين قد مر تحقيقه في الباب ٨٠ في الحديث ٩٧.
(ثلاث مرات) فيه دليل على استحباب التكرار في غسل الرجلين ثلاثا، وبعض الفقهاء لا يرى ذلك، وقد استدلوا بما في بعض الروايات "فغسل رجليه حتى أنقاهما" ولم يذكر عددا.
وأكدوا ذلك أيضا من جهة المعنى: بأن الرجل لقربها من الأرض في المشي عليها تكثر فيها الأوساخ. والأدران، فيُحَالُ الأمر فيها على مجرد الإنقاء من غير اعتبار العدد. قال العلامة ابن دقيق العيد ﵀: والرواية التي ذكر فيها العدد زائدة على الرواية التي لم يذكر فيها، فالأخذ بها متعين. والمعنى المذكور، لا ينافي اعتبار العدد، فليعمل بما دل عليه لفظ الحديث اهـ إحكام [جـ ١ ص ١٨٤].
قال الجامع: هذا الكلام في غاية التحقيق (ثم غسل رجله اليسرى مثل ذلك) أي إلى الكعبين، ثلاث مرات (ثم) بعد وضوئه على هذه الكيفية (قال) عثمان ﵁ (رأيت رسول الله ﷺ توضأ) جملة حالية من المفعول، لأن "رأى" هنا بصرية فلا تنصب مفعولين كما تقدم.
(نحو وضوئي هذا) أي مثله (ثم قال) عثمان ﵁ (قال رسول الله ﷺ : من توضأ نحو وضوئي هذا) أي مثله في الكيفية والكمية.
قال العلامة ابن دقيق العيد: لفظة "نحو" لا تطابق لفظة "مثل" فإن لفظه "مثل" يقتضي ظاهرها المساواة من كل وجه، إلا في الوجه الذي يقتضي التغاير بين الحقيقتين، بحيث يخرجها عن الوحدة ولفظة "نحو" لا تعطي ذلك، ولعلها استعلمت بمعنى المثل مجازا، أو لعله لم يترك مما يقتضي المثلية إلا ما لا يقدح في المقصود، فقد يظهر في الفعل
стр. 1401
المخصوص أن فيه أشياء ملغاة عن الاعتبار في المقصود من الفعل.
فإذا تركت هذه الأشياء لم يكن الفعل مماثلا حقيقة لذلك الفعل، ولم يقدح تركها في المقصود منه، وهو رفع الحدث، وترتب الثواب.
وإنما احتجنا إلى هذا، وقلنا به لأن هذا الحديث ذكر لبيان فعل يقتدى به، ويحصل الثواب الموعود عليه، فلابد أن يكون الوضوء المحكي المفعول محصلا لهذا الغرض، فلهذا قلنا: إما أن يكون استعمل "نحو" في غير حقيقتها أي بمعنى "مثل" أو يكون ترك ما علم قطعا أنه لا يخل بالمقصود، فاستعمل "نحو" في حقيقتها مع عدم فوات المقصود. والله أعلم.
ويمكن أن يقال: إن الثواب يترتب على مقارنة ذلك الفعل، تسهيلا وتوسيعا على المخاطبين من غير تضييق، وتقييد بما ذكرناه أوّلا، إلا أن الأول أقرب إلى مقصود البيان.
ثم قال: هذا الثواب الموعود به يترتب على مجموع أمرين:
أحدهما: الوضوء على النحو المذكور والثاني: صلاة ركعتين بعده بالوصف المذكور بعده في الحديث، والمرتب على مجموع أمرين لا يلزم ترتبه على أحدهما إلا بدليل خارج.
وقد أدخل قوم هذا الحديث في فضل الوضوء، وعليهم في ذلك هذا السؤال الذي ذكرناه، ويجاب عنه: بأن كون الشيء جزءا مما يترتب عليه الثواب العظيم كاف في كونه ذا فضل، فيحصل المقصود من كون الحديث دالا على فضيلة الوضوء، ويظهر بذلك الفرق بين حصول الثواب المخصوص، وحصول مطلق الثواب، فالثواب المخصوص يترتب على مجموع الوضوء على النحو المذكور، والصلاة الموصوفة بالوصف المذكور. ومطلق الثواب قد يحصل بما دون ذلك. اهـ إحكام الأحكام [جـ ١ ص ١٨٤، ١٨٩].
стр. 1402
(ثم قام فركع ركعتين) وهاتان الركعتان مستحبتان، كما تقدم في الباب ٦٨/ ٨٤ وقوله: (لا يحدث فيهما نفسه) جملة في محل نصب صفة لركعتين، وتقدم في ٦٨/ ٨٤ زيادة "بشيء" والمراد أنه لا يحدث نفسه بشيء من أمور الدنيا.
لما في رواية الترمذي الحكيم في هذا الحديث "لا يحدث نفسه بشيء من الدنيا".
وهي في الزهد لابن المبارك أيضا، والمصنَّف لابن أبي شيبة قاله في الفتح [جـ ١ ص ٣١٢]، وقال العلامة ابن دقيق العيد: قوله:"لا يحدث فيهما نفسه" إشارة إلى الخواطر، والوساوس الواردة على
النفس، وهي على قسمين: أحدهما: ما يهجُم هجما يتعذر دفعه عن النفس. والثاني: ما تسترسل معه النفس، ويمكن قطعه ودفعه. فيمكن أن يحمل هذا الحديث على هذا النوع الثاني.
فيخرج عنه النوع الأول لعسر اعتباره. ويشهد لذلك لفظة "يحدث نفسه" فإنه يقتضي تكسبا منه، وتفعلا، لهذا الحديث (١)، ويمكن أن يحمل على النوعين معا، إلا أن العسر إنما يجب دفعه عفا يتعلق بالتكاليف.
والحديث إنما يقتضي ترتب ثواب مخصوص على عمل مخصوص.
فمن حصل له ذلك العمل: حصل له ذلك الثواب، ومن لا فلا.
وليس ذلك من باب التكاليف حتى يلزم دفع العسر عنه. نعم لابد وأن تكون تلك الحالة ممكنة الحصول.
أعني الوصف المرتب عليه الثواب المخصوص، والأمر كذلك فإن المتجردين عن شواغل الدنيا الذين غلب ذكر الله على قلوبهم وغمرها تحصل لهم تلك الحالة، وقد حكى بعضهم ذلك. اهـ إحكام [جـ ١ ص ١٩٠، ١٩٢].
стр. 1403
ثم إن تلك الخواطر منها ما يتعلق بالدنيا، والمراد دفعه مطلقا، ومنها ما يتعلق بالآخرة فإن كان أجنبيا أشبه أحوال الدنيا، وإن كان من متعلقات الصلاة كالتفكر في معاني القرآن والأذكار فلا، أفاده في الفتح جـ ١ ص ٣١٣.
(غفر له ما تقدم من ذنبه) قال العلامة ابن دقيق العيد ﵀: ظاهره العموم في جميع الذنوب، وقد خصوا مثله بالصغائر.
وقالوا: إن الكبائر إنما تكفر بالتوبة وكأن المستند في ذلك أنه ورد مقيدا في مواضع، كقوله ﷺ "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر" فجعلوا هذا القيد في هذه الأمور مقيدا للمطلق في غيرها. اهـ إحكام جـ ١ ص ١٩٢، ١٩٣.
وقال العلامة الصنعاني في حاشيته عليه: ما نصه: اتفقت كلمتهم في أحاديث الترغيب الموعود فيها بالغفران على أعمال من البر أنه خاص بغفران الصغائر دون الكبائر، فإنها لا تغفر إلا بالتوبة كقوله: ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ إلى قوله ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠﴾، فلو كان لها مكفر غير التوبة لذكر، وبأنه ﷺ قيد كثيرا من غفران الذنوب بأنواع من الطاعات بقيد "ما اجتنبت الكبائر" فدل على أنها لا تكفر الكبائر بالطاعات غير التوبة، ودلت الآية على أنها لا تكفر الصغائر إلا بشرط اجتناب الكبائر.
فههنا دعويان: إحداهما: أن الصغائر لا تكفر بالطاعات إلا بشرط اجتناب فاعلها الكبائر، والثانية: أن الكبائر لا تكفر إلا بالتوبة.
أما دليل الأولى فإنه ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية النساء ٣١.
وحديث "الصلوات الخمس" إلى آخره، أخرجه أحمد، ومسلم،
стр. 1404
والترمذي، من حديث أبي هريرة، وهذه أمهات الطاعات، فهذا قيدت بذلك فاعتبار التقييد في غيرها بالأولى.
وأما دليل الثانية: فهذا الحديث أيضا، فإنها إذا اشترط اجتناب الكبائر في التكفير للصغائر دل أنها لا تكفر بطاعة سوى التوبة كما دلت لذلك الآيات المصرحة بذلك، وقد سلف بعضها.
فقول الشارح المحقق: وكأن المستند في ذلك أي فيما قيد من الحكمين، وإن كان صريح كلامه في أحدهما، فالثاني يدل له المقام.
وقوله: وكأن، فيه، إشارة إلى أن للمناقشة مجالا في هذا بأن يقال: مقادير الطاعات مختلفة، لا يعلم قدر كل طاعة إلا الله، فيجوز أن يكون من الطاعات ما يكفر الكبائر كما ورد في الحج أنه "يخرج منه كيوم ولدته أمه" وغيره مما لم يقيد بذلك القيد كما ورد في المريض "أنه لا يزال به البلاء حتى يتركه يمشي، وليس عليه خطيئة " فحمل هذه المطلقات على تلك المقيدات لا يتم، إلا إذا علم تساويهما في قدر الجزاء عند الله، وهو لا يعلم إلا بإعلام الله، ورسوله ﷺ ، وحينئذ فيجوز أن بعض الطاعات تكفر الكبائر، فلا يتم اطراد التقييد، وكأنه لذلك نسبه إليهم بقوله: فقالوا، على أنه لا يخفى عليك أن هذا كله مشي معهم على ظاهر قولهم: أن هذه الطلقات مقيدات بما قيد به بعض الطاعات من قيد اجتناب الكبائر، وعلم من الأصول أنه لا يلحق المطلق بالمقيد إلا إذا اتحد سببهما وحكمهما، وهنا الاختلافات أوضح من الشمس، ولا سبيل إلى القياس لما سمعت من عدم الجامع وتعيينه. اهـ عدة جـ ١ ص ١٩٢، ١٩٣.
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الصنعاني ﵀ أخيرًا هو الذي يترجح عندي، وحاصله عدم تقييد النصوص بقيد اجتناب الكبائر، بل
стр. 1405
الطاعات التي أطلق الشارع عليها بأنها تكفر الذنوب، ولم يقيدها بشيء فإنها تكفر مطلقا، لما ذكر من التعليل ولأن هذا من باب الفضل والكرم فلله أن يجعل لبعض الطاعات خصوصية ليست لغيرها، وإن كانت مفضولة وإنما التقييد يجري في الأحكام التكليفية كما لا يخفى. والله أعلم.
مسائل تتعلق بحديث الباب
المسألة الأولى: في درجة الحديث: حديث الباب متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان المواضع التي ذكره المصنف فيها، وفيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول وغيرهم.
أخرجه المصنف هنا وفي الباب ٦٨، وفي الباب ٦٩ وقد ذكرنا تفصيله في الباب ٦٨.
وأخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والدراقطني، والبيهقي كما تقدم تفصيله هناك.
المسألة الثالثة: في ذكر اختلاف العلماء في وجوب الترتيب:
قال العلامة ابن رشد في بدايته: اختلفوا في وجوب ترتيب أفعال الوضوء على نسق الآية فقال قوم: هو سنة، وهو الذي حكاه المتأخرون من أصحاب مالك عن المذهب، وبه قال أبو حنيفة، والثوري، وداود.
وقال قوم: هو فريضة، وبه قال الشافعي، وأحمد، وأبو عبيد، وهذا كله في ترتيب المفروض مع المفروض، وأما ترتيب الأفعال المفروضة مع الأفعال المسنونة، فهو عند مالك مستحب، وقال أبو حنيفة: هو سنة: وسبب اختلافهم شيئان: أحدهما: الاشتراك الذي في واو العطف، وذلك أنه قد يعطف بها الأشياء المرتبة بعضها على بعض، وقد يعطف بها غير المرتبة، وذلك ظاهر من استقراء كلام