← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 13511–13550 · переход к 13516.

стр. 13511

٤٥/ ٥٩٥. ٤ - (أبو سلّام الأسود) ممطور الحبشيّ، ثقة يُرسل [٣] ٢/ ١٣٧٠. ٥ - (خالد بن يزيد) ويقال: ابن زيد الجهنيّ، مقبول [٣]. روى عن عقبة بن عامر في فضل الرمي، وعنه أبو سلام الحبشي، على اختلاف فيه على يحيى بن أبي كثير، فقال مرة: عبد اللَّه بن زيد، وفرق البخاري، وأبو حاتم، وغيرهما بينه وبين خالد بن زيد بن خالد الجهني، الذي يروي عن أبيه في اللقطة، ويروي عنه عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، وذكر الخطيب أنه وهم وأن الصواب أنهما واحد، ولم يأت على ذلك بحجة، إلا أنه روى حديث الرمي رواية أبي سلام، عن خالد بن زيد الجهني، وليس في ذلك ما يمنع كونهما اثنين، ويؤيد ذلك أن في رواية أبي الحسن بن العبد وغيره، عن أبي داود، وفي رواية النسائي: خالد بن يزيد بزيادة ياء في أوله، وكذا وقع عند ابن ماجه من طريق إسماعيل بن رافع، عن خالد بن يزيد، عن عقبة بن عامر، في حديث النذر، فلو لم يكونا اثنين ما اختلف في اسم أبي هذا؛ لأن زيد بن خالد الجهني الصحابي لم يختلف فيه، وقال ابن عساكر في حرف العين: عبد اللَّه بن زيد، ويقال: ابن يزيد، ويقال: خالد بن زيد القاص الأزرق الدمشقي، قاص مسلمة بن عبد الملك، روى عن عقبة بن عامر، وعوف بن مالك، وعنه بكير بن الأشج، ويعقوب بن الأشج، وأبو سلام الحبشي، وغيرهم، ثم روى من حديث بكير ابن الأشج، ويزيد بن خصيفة، عن عبد اللَّه بن زيد، عن عوف بن مالك، حديث: "لا يقص إلا أمير"، ثم روى من حديث يحيى بن أبي كثير وغيره، عن أبي سلام، عن عبد اللَّه بن زيد الأزرق، عن عقبة بن عامر في الرمي، ثم حكى قول البخاري في التفريق بينهما، ثم قال: وعندي أنهما واحد، والقول في هذا كالقول مع الخطيب، فإن الراوي عن عوف بن مالك، لا خلاف أن اسمه عبد اللَّه، وإنما وقع خلاف في اسم أبيه، فقال عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج: زيد، وقال ابن لهيعة في روايته عن بكير، ويزيد بن خصيفة: يزيد، وقول عمرو بن الحارث أولى؛ فإنه أحفظ وأقوى. وخالد بن زيد بن خالد الجهني ذكره ابن حبّان في "الثقات" (١). تفرّد به المصنّف، وأبو داود بحديث الرمي فقط. ٦ - (عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ) الْجُهني الصحابيّ الشهير، تولّى إمرة مصر لمعاوية - رضي اللَّه تعالى عنهما - ثلاث سنين، وكان فقيهًا فاضلاً، مات ﵁ في قرب (٦٠) وتقدّمت ترجمته في ١٠٨/ ١٤٤. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 13512

لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) الْجُهنيّ - رضي اللَّه تعالى عنه - (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ ، يُدْخِلُ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ الْجنَّةَ، بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ) أي سبب رميه على الكفّار (صَانِعَهُ) بالنصب بدل بعض من "ثلاثة"، ويجوز قَطعه (يَحْتَسِبُ) في محلّ نصب على الحال، أي حال كونه محتسبًا، يقال: احسب الأجر على اللَّه. أي ادّخره عنده، لا يرجو ثواب الدنيا، والاسم الْحِسْبَةُ -بالكسر-. قاله الفيّوميّ (فِي صُنْعِهِ) -بضم الصاد المهملة، وسكون النون- وفي بعض النسخ: "في صنعته"، وهو للمرة من الصنع، والجارّ والمجرور متعلّقٌ بـ"يحتسب"، وقوله (الْخَيْرَ) بالنصب مفعول "يحتسب (وَالرَّامِيَ بِهِ) أي الشخص الذي يرمي بذلك النبل احسابًا أيضًا (وَمُنَبِّلَهُ) أي المحسب أيضًا، وهو اسم فاعل من نَبَّلَه -بالتشديد، أو من أنبله: إذا ناوله ليرمي به. والمراد من يقوم بجنب الرامى، أو خلفه، يُناوله النبلَ واحدًا بعد واحدٍ، أو يردّ عليه النبل المرْميَّ به. ويحتمل أن يكّون المراد من يُعطي النَّبْلَ من ماله؛ تجهيزًا للغازي، وإمدادًا له. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي الأولى أن يحمل على ما يعمّ الجميع؛ لأن اللفظ يحتمل الكلّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عقبة بن عامر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا ضعيف؛ لأن في سنده، الوليد بن مسلم مدلّس، وقد عنعنه، وفيه خالد بن يزيد مجهول العين، لم يرو عنه إلا أبو سلّام الأسود، ولذا قال عنه في "التقريب": مقبول، يعني أنه يحتاج إلى متابع. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٦/ ٣١٤٧ وفي "كتاب الخيل" ٨/ ٣٥٧٩ - وفي "الكبرى" ٢٢/ ٤٣٥٤ و"الخيل" ٩/ ٤٤٢٠. وأخرجه (م) في "الجهاد" ١٩١٩ (د) في "الجهاد" ٢٥١٣ (ق) في "الجهاد" ٢٨١٤ (أحمد) في "مسند الشاميين" ١٦٨٤٩ و ١٦٨٧٠ و ١٦٨٨٤ (الدراميّ) في "الجهاد" ٢٤٠٥. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 13513

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢٧ - (بَابُ مَنْ كُلِمَ فِي سَبِيلِ اللهِ -) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وقع في بعض النسخ: "ثواب من كُلم الخ". و"كُلِمَ" بالبناء للمفعول، مخفّف اللام، كجُرِحَ وزنًا ومعنًى، أي هذا باب ذكر الحديثين الدالّين على فضل من جُرِحَ في سبيل اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب ٣١٤٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ أَبِي الزِّنَادِ, عَنِ الأَعْرَجِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللهِ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ- إِلاَّ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ, وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا, اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ, وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن منصور) الجوّاز المكيّ، ثقة [١٠] ٢٠/ ٢١. ٢ - (سفيان) بن عيينة، أبو محمد المكيّ الإمام الحجة الثبت [٨] ١/ ١. ٣ - (أبو الزناد) عبد اللَّه بن ذكوان المدنيّ الثقة الفقيه [٥] ٧/ ٧. ٤ - (الأعرج) عبد الرحمن بن هُرْمُز المدني الثقة الثبت [٣] ٧/ ٧. ٥ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. ومنها: أن فيه مكيّينِ، وهما الأَوَّلان، ومدنيينَ، وهم الباقون. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه من لُقّبٌ بصورة الكنية، وهو أبو الزناد، وكنيته أبو عبد الرحمن، وفيه أبو هريرة ﵁ رأس المكثرين من الرواية، روى (٥٣٧٤) من الأحاديث. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "لَا يُكْلَمُ) -بضمّ أوله،

стр. 13514

وسكون الكاف، وفتح اللام، مبنيًّا للمفعول، أي لا يُجرحُ (أَحَدٌ) قيَده في رواية همّام، عن أبي هريرة بالمسلم، فهذا الفضل خاصّ بالمسلمين؛ لأن من قاتل في كفره لا يُسمّى مقاتلاً في سبيل اللَّه تعالى، كما قيّده بقوله (فِي سَبِيلِ اللهِ) أي لإعلاء كلمة اللَّه تعالى (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ) جملة معترضةٌ، قصد بها التنبيه على شرطيّة الإخلاص في نيل هذا الثواب، فهذا الثواب إنما هو لمن أخلص فيه، وقاتل لتكون كلمة اللَّه هي العليا. قال النووي: قالوا: وهذا الفضل، وإن كان ظاهره أنه في قتال الكفّار، إلا أنه يدخل فيه من خرج في سبيل اللَّه في قتال البغاة، وقُطّاع الطريق، وفي إقامة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ونحو ذلك. واللَّه تعالى أعلم (١). وكذا قال ابن عبد البرّ: إن مخرج الحديث في قتال الكفّار، ويدخل فيه بالمعنى هذه الأمور، واستشهد على ذلك بقوله ﷺ : "من قُتل دون ماله فهو شهيد". لكن تَعَقَّبَ هذا كلّه وليُّ الدين بقوله: وقد يُتَوَقَّفُ في دخول المقاتل دون ماله في هذا الفضل؛ لإشارة النبيّ ﷺ إلى اعتبار الإخلاص في ذلك في قوله: "واللَّه أعلم بمن يُكلم في سبيله"، والمقاتل دون ماله لا يقصد بذلك وجه اللَّه، إنما يقصد صون ماله، وحفظه، فهو يفعل ذلك بداعية الطبع، لا بدّاعية الشرع، ولا يلزم من كونه شهيدًا أن يكون دمه يوم القيامة كريح المسك، وأيّ بذل بذل نفسه فيه للَّه تعالى حتى يستحقّ هذا الفضل، واللَّه أعلم انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله وليّ الدين فيه نظر؛ لأن الذي يقاتل دون ماله لا يستبعد أن يخلص نيته فيه للَّه تعالى، لإن اللَّه تعالى شرع صون المال، وحفظه؛ فإذا قاتل لأجل ذلك فقد حصل قتاله للَّه تعالى. لكن عندي توقّفٌ في صحّة قياس الأشياء المذكورة في كلام النوويّ وغيره؛ إذ قتال الكفّار له المكانة العليا، فلا يستقيم إلحاق غيره به في خصوصيته، فالذي يظهر أن هذا الفضل مخصوص بمن قاتل الكفّار. واللَّه تعالى أعلم. (إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَجُرْحُهُ) -بضمّ الجيم- (يَثْعَبُ دَمًا) بفتح أوله، وسكون المثلّثة، وفتح العين المهملة، آخره موحّدة: أي يَجري متفجّرًا، أي كثيرًا، قال النوويّ: وهو بمعنى الرواية الأخرى: "يتفجّر دمًا" انتهى. قال السنديّ: وكلام بعضهم يقتضي أنه بالبناء للمفعول: أي يسيل انتهى (٣).

стр. 13515

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي اقتضاه كلام هذا البعض هو الذي تقتضيه عبارة المجد في "القاموس"، ونصّه: ثَعَبَ الماءَ والدمَ، كمنع: فَجَرَه، فانثَعَبَ انتهى. ونحوه في "لسان العرب" لابن منظور (١). (اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ) في رواية همّام: "والعَرْف" -بفتح المهملة، وسكون الراء، بَعدها فاء، وهو الرائحة، وتقدّم -٢٥/ ٣١٤٢ - من حديث معاذ بن جبل ﵁، مرفوعًا: "من جُرح جرحًا في سبيل اللَّه، أو نُكب نَكبة، فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت، لونها لون الزعفران، وريحها ريح المسك". وعُرف بهذه الزيادة أن الصفة المذكورة لا تختصّ بالشهيد، بل هي حاصلة لكلّ من جُرِح. ويحتمل أن يكون المراد بهذا الجرح هو ما يموت صاحبه بسببه قبل اندماله، لا ما يندمل في الدنيا، فإن أثر الجراحة، وسيلان الدم يزول، ولا ينفي أن يكون له فضلٌ في الجملة، لكن الظاهر أن الذي "يجيء يوم القيامة يَثعَبُ دمًا" من فارق الدنيا، وجرحه كذلك، ويؤيّده ما وقع في حديث معاذ المذكور: "عليه طابَعُ الشهداء"، وقوله: كأغزر ما كانت" لا ينافي قوله: "كهيئتها"؛ لأن المراد لا ينقص شيئًا بطول العهد. قاله في "الفتح". وقال الحافظ وليّ الدين: وظاهره أنه لا فرق في ذلك بين أن يُستشهد، أو تبرأ جراحته؛ لقوله: "كلّ كَلْم". قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأرجح عندي أنه أعمّ، فيشمل من استُشهد، ومن برىء جرحه، فمات بعد ذلك؛ عملاً بظاهر النصّ. واللَّه تعالى أعلم. قال العلماء: الحكمة في بعثه كذلك أن يكون معه شاهدٌ بفضيلته ببذله نفسه في طاعة اللَّه تعالى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٧/ ٣١٤٨ - وفي "الكبرى" ٢٣/ ٥٣٥٥. وأخرجه (خ) في

стр. 13516

"الوضوء"٢٣٧ و"الجهاد والسير" ٢٨٠٣ و"الذبائح والصيد" ٥٥٣٣ (م) في "الجهاد" ١٨٧٦ (ت) في "فضائل الجهاد" ١٦٥٦ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٧١١٧ و ٧٢٦٠ و ٢٧٤٢٣ و ٢٧٥٤٨ و ٢٧٥٠٩ و ٨٩٤٠ و ١٠٢٧٥ و ١٠٣٦٢ و١٠٤٨٩ و ١٠٥٥٣ (الموطأ) في "الجهاد" ١٠٠١ (الدارميّ) في "الجهاد" ٢٤٠٦. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل من كُلِم في سبيل اللَّه ، وذلك يأتي يوم القيامة، يتفجّر جرحه دمًا، لونه لون الدم، وريحه ريح المسك. (ومنها): أنه استدلّ به على أن الشهيد لا يُزال عنه الدم بغسل، ولا غيره. قال الحافظ وليّ الدين: ولو لم يكن إلا هذا لكان الاستدلال به على ذلك ضعيفًا، فإنه لا يلزم من غسلنا الدم إقامةً لواجب التطهير والغسل ذهاب الفضل الحاصل بالشهادة، ألا ترى أنه لو كان حيًّا لأُلزم بغسله لبقاء التكليف عليه، ومع ذلك يجيىء دمه على هذه الصورة البديعة كما اقتضاه قوله: "كلُّ كَلْم" على ما قدّمناه، لكن قد ورد الأمر بترك غسل دم الشهيد، فوجب اتباعه. انتهى (١). (ومنها): ما قاله الحافظ ابن عبد البرّ: يحتمل أن كلّ ميت يبعث على حاله التي مات عليها، إلا أن فضل الشهيد أن ريح دمه كريح المسك، وليس ذلك لغيره، قال: ومن قال: إن الموتى جملة يُبعثون على هيآتهم، احتجّ بحديث يحيى بن أيوب، عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدريّ ﵁ أنه لَمّا حضرته الوفاة دعا بثياب جُدُد، فلبسها، ثم قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها". قال: ويحتمل أن يكون أبو سعيد سمع الحديث في الشهيد، فتأوّله على العموم، ويكون الميت المذكور في حديثه هو الشهيد الذي أُمر أن يُزمّل بثيابه، ويُدفن فيها، ولا يُغسل عنه دمه، ولا يغيّر شيء من حاله، بدليل حديث ابن عباس، وغيره، عن النبيّ ﷺ أنه قال: "إنكم تُحشرون يوم القيامة، حُفَاةً، عُرَاةً، غُرْلاً، ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ الآية [الأنبياء: ١٠٤]، وأول من يُكسَى يوم القيامة إبراهيم ﵇. قال: وتأوله بعضهم على أنه يُبعث على العمل الذي يختم له به، وظاهره على غير ذلك انتهى.

стр. 13517

قال الحافظ وليّ الدين: والحديث المذكور رواه أبو داود في "سننه". ويحتمل أن أبا سعيد ﵁ إنما نزع الثياب التي كانت عليه لنجاسة فيها، إما محقّقة، وإما مشكوكة، فأراد أن يكون بثياب محقّقة الطهارة، وهذا من جملة الأعمال المأمور بالمحافظة عليها، ولا سيّما عند انختام الآجال، فإن الإنسان محثوث على أن يُختَم أعماله بالصالحات في جميع الأمور، فإن الأعمال بخواتيمها، واللَّه تعالى أعلم (١). (ومنها): أن الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- أورد حديث الباب في "كتاب الطهارة"، وقد استُشكل ذلك قديمًا وحديثًا، وقد طوّل الكلام فيه الحافظ في "الفتح" ١/ ٤٥٩ وكذا الحافظ وليّ الدين في "طرح التثريب" ٧/ ٢٠١ - ٢٠٢. فراجع ما كتباه تستفد. (ومنها): ما قال القاضي عياض: ويحتجّ به أيضًا أبو حنيفة في جواز استعمال الماء المضاف المتغيرة أوصافه؛ لانطلاق اسم الماء عليه، كما انطلق على هذا اسم الدم، وإن تغيّرت أوصافه إلى الطيب، وحجته بذلك تُضَعَّف (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١٤٩ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ, عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ, عَنْ مَعْمَرٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «زَمِّلُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ, فَإِنَّهُ لَيْسَ كَلْمٌ يُكْلَمُ فِي اللَّهِ, إِلاَّ أَتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ جُرْحُهُ يَدْمَى, لَوْنُهُ لَوْنُ دَمٍ, وَرِيحُهُ رِيحُ الْمِسْكِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح (٣)، وقد تقدّم سندًا، ومتنًا في "كتاب الجنائز" رقم - ٨٢/ ٢٠٠٢ - باب "مواراة الشهيد بدمه"، وتقدّم شرحه، والكلام على مسائله هناك. و"ابن المبارك": هو عبد اللَّه الإمام المعروف. و"معمر": هو ابن راشد. و"عبد اللَّه ابن ثعلبة": هو ابن صُعَير، ويقال: ابن أبي صُعَير، له رؤية، ولم يثبت له سماع، مات سنة (٧) أو (٩٨) وقد قارب التسعين، تقدمت ترجمته في ٨٢/ ٢٠٢. وقوله: "زمّلوهم" أي غطّوهم، وادفنوهم. وقوله: "في اللَّه" أي في سبيل اللَّه وقوله: "يَدْمَى" -بفتح أوّله، والميم- أي يسيل منه الدم، يقال: دَمِيَ الْجُرْحُ دَمّى، من باب تَعِبَ، ودَمْيًا أيضًا على التصحيح: خرج منه الدم، فهو دَمٍ على النقص، ويتعدّى بالألف والتشديد. قاله الفيّوميّ. وتمام شرح الحديث قد سبق بالرقم المذكور. واللَّه

стр. 13518

تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢٨ - (مَا يَقُولُ مَنْ يَطْعُنُهُ الْعَدُوُّ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "ما" اسم موصول، بمعنى "الذي"، وهو خبر لمحذوف: أي هذا باب ذكر الحديث المشتمل على ما يقوله من يَطْعُنُهُ العدوّ، وحذف العائد؛ لطول الصلة. و"يَطعُنُه" من باب قتل، وأجاز الفرّاء فتح العين؛ لمكان حرف الحلق، وروي عنه أنه قال: سمعت يَطْعَنُ بالرمح بالفتح (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣١٥٠ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (٢) ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ -وَذَكَرَ آخَرَ قَبْلَهُ- عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ, عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ, عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ, وَوَلَّى النَّاسُ, كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي نَاحِيَةٍ, فِي اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلاً, مِنَ الأَنْصَارِ, وَفِيهِمْ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ, فَأَدْرَكَهُمُ الْمُشْرِكُونَ, فَالْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَقَالَ «مَنْ لِلْقَوْمِ؟» , فَقَالَ طَلْحَةُ: أَنَا, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كَمَا أَنْتَ» , فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ, فَقَالَ: «أَنْتَ» , فَقَاتَلَ, حَتَّى قُتِلَ, ثُمَّ الْتَفَتَ, فَإِذَا الْمُشْرِكُونَ, فَقَالَ: «مَنْ لِلْقَوْمِ؟» , فَقَالَ: طَلْحَةُ أَنَا, قَالَ: «كَمَا أَنْتَ» , فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: أَنَا, فَقَالَ: «أَنْتَ» , فَقَاتَلَ, حَتَّى قُتِلَ, ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَقُولُ ذَلِكَ, وَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ, فَيُقَاتِلُ قِتَالَ مَنْ قَبْلَهُ, حَتَّى يُقْتَلَ, حَتَّى بَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ لِلْقَوْمِ» , فَقَالَ طَلْحَةُ: أَنَا, فَقَاتَلَ طَلْحَةُ قِتَالَ الأَحَدَ عَشَرَ, حَتَّى ضُرِبَتْ يَدُهُ, فَقُطِعَتْ أَصَابِعُهُ, فَقَالَ حَسِّ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ قُلْتَ: بِسْمِ اللَّهِ, لَرَفَعَتْكَ الْمَلَائِكَةُ, وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ» , ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عمرو بن سَوّاد) -بتشديد الواو- ابن الأسود بن عمرو العامريّ، أبو محمد المصريّ، ثقة [١١] ٤٥/ ٥٩٤.

стр. 13519

٢ - (ابن وهب) عبد اللَّه الثقة الحافظ العابد، أبو محمد المصري [٩] ٩/ ٩. ٣ - (يحيى بن أيّوب) الغافقيّ، أبو العباس المصريّ صدوقٌ، ربما أخطأ [٧] ٦٠/ ١٧٧١. [تنبيه]: قوله: "وذكر آخر قبله" أي ذكر ابن وهب قبل يحيى بن أيوب رجلاً آخر، شاركه في رواية هذا الحديث عن عمارة بن غزيّة، والظاهر أن الرجل هو عبد اللَّه بن لهيعة، فإن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- كثيرًا ما يُبهمه، وهو ممن روى عنه ابن وهب، وروى عن عمارة بن غزيّة (١). واللَّه تعالى أعلم. ٤ - (عمارة بن غَزيّة) -بفتح الغين المعجمة، وكسر الزاي، بعدها تحتانية ثقيلة- الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، لا بأس به [٦] ١٦٨/ ١١٣٧. ٥ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوق يدلّس [٤] ٣١/ ٣٥. ٦ - (جابر) بن عبد اللَّه بن عمرو بن حرام الصحابي ابن الصحابي - رضي اللَّه تعالى - عنهما ٣١/ ٣٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى عمارة، وهو مدني، وأبو الزبير مكي، وجابر مدني، ومكي أيضًا. (ومنها): أن جابرًا ﵁ من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبدِ اللَّهِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ) بالرفع على الفاعلية؛ لأن "كان" هنا تامّة، بمعنى "وقع"، أو نحوه (وَوَلَّى النَّاسُ) -بتشديد اللام-: أي ولّوا ظهورهم، كناية عن الفرار. وفي رواية البيهقيّ في "دلائل النبوّة" من طريق عبد اللَّه بن صالح، عن يحيى بن أيوب: "انهزم الناس عن رسول اللَّه ﷺ يوم أحد … " (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي نَاحِيَةٍ) أي في جهة من المكان. وفي رواية البيهقيّ: "وهو يصعد في الجبل … " (فِي اثْنَي عَشَرَ رَجُلاً) أي معهم، فـ"في" بمعنى "مع". وفي رواية البيهقيّ المذكورة: "بقي معه أحد عشر رجلاً من الأنصار، فيهم طلحة بن عبيد اللَّه … " (مِنَ الْأَنْصَارِ، وَفِيهِمْ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ) بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة التيميّ، أبو محمد المدنيّ، أحد العشرة المشهود لهم بالجنّة،

стр. 13520

استُشهد يوم الجمل سنة (٣٦) وهو ابن (٦٣) سنة، تقدّمت ترجمته في ٤/ ٤٥٨. ثم إن الظاهر أن طلحة واحد من الاثني عشر، وإنما عُدَّ الكلُّ أنصاريًّا تغليبًا، وإلا فطلحة من المهاجرين، وهذا هو الصواب، وأما احتمال أن يكون زائدًا عليهم، فيردّه قوله آخر الحديث: "فقاتل طلحة قتال الأحد عشر" (فَأَدْرَكَهُمُ الْمُشْرِكُونَ) أي الاثني عشر رجلاً الذين هم مع رسول اللَّه ﷺ ، مريدين إلحاق الضرر بهم (فَالْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ: مَنْ لِلْقَوْمِ؟) "من" استفهاميّة مبتدأ، خبره الجارّ والمجرور، أي من يقوم إليهم ليدفعهم عنّا. وفي رواية البيهقيّ: "ألا أحد لهؤلاء؟ … " (فَقَالَ طَلْحَةُ: أَنَا) أي أنا أقوم إليهم، فأدفعهم عنا (قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : كَمَا أَنْتَ) أي كن على الحال التي أنت عليها، واثْبُتْ عليها، ولا تقاتلهم. وهذا على أن الكاف بمعنى "على"، و"ما" موصولة، والعائد محذوف. وقال الأندلسيّ في "شرح المُفَضَّل": قولهم: "كما أنت"، فيه وجهان: أحدهما أن يكون بمعنى الذي، والكاف حرف، وبعض الصلة محذوف، أي كالذي هو أنت. ويحتمل أن يكون الخبر محذوفًا، أي كالذي أنت عليه. والثاني: أن تكون كافّة، خبرًا لمبتدأ محذوف (١)، أي كما أنت كائن. وقال الكرمانيّ: "ما" موصولة، و"أنت" مبتدأ، وخبره محذوف، أي عليه، أو فيه، والكاف للتشبيه، أي كن مشابهًا لما أنت عليه، أي يكون حالك في المستقبل مشابهًا لحالك في الماضي، أو الكاف زائدة، أي الزم الذي أنت عليه (٢). (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ) أي أنا أقوم إليهم (فَقَالَ: "أَنْتَ) أي فقال رسول اللَّه ﷺ : أنت أعلم بذلك، أو أنت أحسن من يفعل ذلك (فَقَاتَلَ، حَتَّى قُتِلَ) بالبناء للمفعول، أي قتله المشركون (ثُمَّ الْتَفَتَ) ﷺ (فَإِذَا الْمُشرِكُونَ) "إذا" فجائيّة، و"المشركون" مبتدأ، وخبره محذوف، أي حاضرون (فَقَالَ) ﷺ (مَنْ لِلْقَوْم؟، فَقَالَ: طَلْحَةُ أنَا، قَالَ: "كَمَا أَنْتَ"، فَقَالَ: رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: أَنَا، فَقَالَ: "أَنْتَ"، فَقَاتَلَ، حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ) ﷺ (يَقُولُ ذَلِكَ، وَيَخْرُجُ إِلَيهِمْ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَيُقَاتِلُ قِتَالَ مَنْ قَبْلَهُ، حَتَّى يُقْتَلَ) وفي نسخة: "قُتل" (حَتَّى بَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ لِلْقَوْمِ"، فَقَالَ: طَلْحَةُ: أَنَا، فَقَاتَلَ طَلْحَةُ قِتَالَ الْأَحَدَ عَشَرَ، حَتَّى ضُرِبَتْ يَدُهُ، فَقُطِعَتْ أَصَابِعُهُ، فَقَالَ: حَسِّ) بكسر السين المشدّدة كلمة يقولها الإنسان إذا

стр. 13521

أصابه ما مَضَّهُ (١)، وأحرقه غفلةً، كالجمرة، والضَّرْبَة، ونحوهما. قاله ابن الأثير (٢). وقال ابن منظور: و"حَسِّ" بفتح الحاء، وكسر السين، وترك التنوين: كلمة تقال عند الألم، ويقال: إني لأجد حَسًّا من وَجَع؛ قال العجاج: فَمَا أَرَاهُمْ جَزَعًا بِحَسِّ … عَطْفَ الْبَلَايَا الْمَسَّ بَعْدَ الْمَسّ وَحَرَكَاتِ الْبَأْسِ بَعْدَ الْبَأْسِ … أَنْ يَسْمَهِرُّوا لِضِرَاسِ الضَّرْسِ "يَسْمَهِرُّوا": يشتدّوا. و"الضِّرَاس": الْمُعَاضَّةُ. و"الضَّرْسُ": الْعَضُّ. قال: والعرب تقول عند لَذعَةِ النارِ، والوَجَعِ الحادّ: حَسِّ بَسِّ، وضُرِبَ فما قال: حَسِّ، ولا بَسِّ، بالجرّ والتنوين. ومنهم من يُجَرّ، ولا يُنوّن. ومنهم من يكسر الحاء والباء، فيقول: حِسٍّ، ولا بِسِّ. ومنهم من يقول: حَسًّا، ولا بَسًّا. يعني التوجّع انتهى كلام ابن منظور باختصار (٣). (فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : لَوْ قُلْتَ: بِسْمِ اللَّهِ) وفي رواية البيهقيّ المذكورة: "لو قلت: بسم اللَّه، أو ذكرت اسم اللَّه … " (لَرَفَعَتكَ الْمَلَائِكَةُ، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ) جملة في محلّ نصب على الحال. وفي رواية البيهقيّ المذكورة: "لرفعتك الملائكة، والناس ينظرون إليك حتى تَلِجَ بك في جوّ السماء، ثم صَعِدَ رسول اللَّه ﷺ إلى أصحابه، وهم مجتمعون". قال السنديّ: أُخذ منه أن من يَطعُنُه العدوّ ينبغي له أن يقول "بسم اللَّه"، أو نحو ذلك، ولا ينبغي أن يُظهر التوجّع. ولا يلزم من هذا أن كلّ من يقول: "بسم اللَّه" إذا طُعِن، أو قُطعت أصابعه ترفعه الملائكة، بل الظاهر أن المراد الإخبار بما قُدِّر لطلحة بخصوصه تقديرًا مطلقًا. واللَّه تعالى أعلم (٤) (ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ) أي كفى اللَّه تعالى نبيه ﷺ ، فردّ كيدهم عنه، فرجعوا خائبين، والحمد للَّه رب العالمين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا فيه عنعنة أبي الزبير، وقد وُصف بالتدليس، لكن مع هذا حسّنه الشيخ الألبانيّ -رحمه اللَّه تعالى- بشواهده، وقد خرّج تلك الشواهد في "السلسلة الصحيحة" ٥/ ٢٠٣ - ٢٠٤ رقم ٢١٧١

стр. 13522

و ٦/ ٧٠١ - ٧٠٢ رقم ٢٧٩٦. وعندي في ذلك نظر؛ إذ تلك الشواهد شديدة الضعف، لا ينبغي الاستشهاد بها؛ كما يتبيّن ذلك لمن طالع ما كتبه الشيخ هناك، ففي بعضها سليمان بن أيوب، وهو صاحب مناكير، وجدّه لا يُعرف، وفي بعضها أبان بن سفيان متروك، وفي بعضها الحسين بن الفرج متروك، والواقدي متهم بالكذب، كما بين ذلك كله الشيخ نفسه، فهي لا تصلح للاستشهاد بها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه]: أخرج الإمام مسلم -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" من حديث أنس ﵁، فقال: ١٧٨٩ - وحدثنا هَدّاب بن خالد الأزدي، حدثنا حماد بن سلمة، عن عليّ بن زيد، وثابت البناني، عن أنس بن مالك، أن رسول اللَّه ﷺ ، أُفْرِد يوم أحد، في سبعة من الأنصار، ورجلين من قريش، فلما رَهِقُوه (١) قال: "من يرُدُّهم عنا، وله الجنّة"، أو "هو رفيقي في الجنّة"، فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل، حتى قُتل، ثم رَهِقُوه أيضًا، فقال: "مَن يردهم عنا، وله الجنّة"، أو "هو رفيقي في الجنّة"، فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول اللَّه ﷺ لصاحبيه: "ما أنصفنا أصحابنا" انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢٩ - (بَابُ مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَارْتَدّ عَلَيْهِ سَيْفُهُ، فَقَتَلَهُ) وفي نسخة: "ثواب من قاتل الخ". ٣١٥١ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي (٢) يُونُسُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ, وَعَبْدُ اللَّهِ, ابْنَا كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ, أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ الأَكْوَعِ, قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ, قَاتَلَ أَخِي قِتَالاً شَدِيدًا, مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَارْتَدَّ

стр. 13523

عَلَيْهِ سَيْفُهُ, فَقَتَلَهُ, فَقَالَ: أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ -وَشَكُّوا فِيهِ-: رَجُلٌ مَاتَ بِسِلَاحِهِ, قَالَ سَلَمَةُ: فَقَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ خَيْبَرَ, فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ, أَتَأْذَنُ لِي, أَنْ أَرْتَجِزَ بِكَ, فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: اعْلَمْ مَا تَقُولُ, فَقُلْتُ (١): وَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا … وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صَدَقْتَ». فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً … عَلَيْنَا وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا … وَالْمُشْرِكُونَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا فَلَمَّا قَضَيْتُ رَجَزِي, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قَالَ هَذَا؟» , قُلْتُ: أَخِي, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَرْحَمُهُ اللَّهُ» , فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ, وَاللَّهِ إِنَّ نَاسًا لَيَهَابُونَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ, يَقُولُونَ: رَجُلٌ مَاتَ بِسِلَاحِهِ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَاتَ جَاهِدًا, مُجَاهِدًا» , قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: ثُمَّ سَأَلْتُ ابْنًا لِسَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ, فَحَدَّثَنِي عَنْ أَبِيهِ, مِثْلَ ذَلِكَ, غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ -حِينَ قُلْتُ: إِنَّ نَاسًا لَيَهَابُونَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ-: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كَذَبُوا, مَاتَ جَاهِدًا, مُجَاهِدًا, فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ» , وَأَشَارَ بِأُصْبُعَيْهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ و ٢ - تقدما في الباب الماضي. ٣ - (يونس) بن يزيد بن أبي النِّجّاد، أبو يزيد الأيليّ، ثقة، من كبار [٧] ٩/ ٩. ٤ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري المذكور قبل باب. ٥ - (عبد الرحمن) بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك الأنصاريّ، أبو الخطّابيّ المدنيّ، ثقة عالم [٣] ٣٨/ ٧٣١. [تنبيه]: قوله: "وعبد اللَّه ابنا كعب" غلط، والصواب "أخبرني عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب"، فعبد اللَّه والد عبد الرحمن مذكور في نسب ابنه، وليس له رواية لهذا الحديث، ولذا لم أترجم له، وسيأتي تحقيق ذلك قريبًا إن شاء اللَّه تعالى. ٦ - (سلمة بن الأكوع) هو سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلميّ، نُسب لجدّه، أبو مسلم، أو أبو إياس، شهد بيعة الرضوان، ومات ﵁ سنة (٦٤) وتقدّمت ترجمته في ١٥/ ٧٦٥ - . واللَّه تعالى أعلم.

стр. 13524

لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى يونس، وبعده بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعي: ابن شهاب، عن عبد الرحمن. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ، أنه (قَالَ: أَخبَرَنِي عَبدُ الرَّحْمَنِ، وَعَبْدُ اللَّهِ، ابْنَا كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ) هكذا رواية الِمصنّف، ونحوها رواية أبي داود، ولفظه: "عن ابن شهاب، أخبرني عبد الرحمن، وعبد اللَّه بن كعب بن مالك". لكن قال الحفّاظ: هذا خطأ، والصواب: "عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك، أنّ سلمة ابن الأكوع … الخ". ولفظ الإمام مسلم -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه": "عن ابن شهاب، أخبرني عبد الرحمن -ونسبه غير ابن وهب، فقال: ابنُ عبد اللَّه بن كعب بن مالك- أن سلمة بن الأكوع قال: لما كان يومُ خيبر … الخ". قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرحه": هكذا هو في جميع نسخ "صحيح مسلم"، وهو صحيحٌ، وهذا من فضائل مسلم، ودقيق نظره، وحسن خِبْرته، وعظيم إتقانه. وسبب هذا أن أبا داود، والنسائيّ، وغيرهما، من الأئمة رووا هذا الحديث بهذا الإسناد عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبد الرحمن، وعبد اللَّه بن (١) كعب بن مالك، عن سلمة. قال أبو داود: قال أحمد بن صالح: الصواب عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه ابن كعب. وأحمد بن صالح هذا هو شيخ أبي داود في هذا الحديث وغيره، وهو راويه عن ابن وهب. قال الحفّاظ: والوهم في هذا من ابن وهب، فجعل عبد اللَّه بن كعب روايًا عن سلمة، وجعل عبد الرحمن راويًا عن عبد اللَّه (٢)، وليس كذلك، بل عبد الرحمن يرويه عن سلمة، وإنما عبد اللَّه والده، فذُكر في نسبه، لا أن له روايةً في هذا الحديث،

стр. 13525

فاحتاط مسلم -رحمه اللَّه تعالى-، فلم يذكر في روايته عبد الرحمن، وعبد اللَّه، كما رواه ابن وهب، بل اقتصر على "عبد الرحمن"، ولم ينسبه؛ لأن ابن وهب لم ينسبه، وأراد مسلم تعريفه، فقال: قال غير ابن وهب: هو عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب، فحصل تعريفه من غير إضافة للتعريف إلى ابن وهب، وحذف مسلم ذكر "عبد اللَّه" من رواية ابن وهب، وهذا جائزٌ، فقد اتفق العلماء على أنه إذا كان الحديث عن رجلين، كان له حذف أحدهما، والاقتصار على الآخر، فأجازوا هذا الكلام إذا لم يكن عذر، فإذا كان عذرٌ، بأن ذُكر ذلك المحذوف غلطًا، كما في هذه الصورة، كان الجواز أولى انتهى كلام النوويّ (١). وهذا الذي قاله النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- قاله غيره أيضًا، فقال قبله القاضي عياض، نقلاً عن المازريّ -رحمهما اللَّه تعالى-: ما نصّه: قال بعضهم: كان ابن وهب يَهِم في إسناد هذا الحديث، فيقول: "عن الزهريّ، عن عبد الرحمن، وعبد اللَّه ابني كعب بن مالك"، فغيّره مسلم، وأصلحه؛ ولذلك قال: ونسبه غير ابن وهب. قال: هكذا قال أحمد بن صالح وغيره: عن ابن وهب. وقال الدارقطنيّ: خالف ابنَ وهب في هذا القاسم بن مبرور، ورواه عن يونس، عن الزهريّ، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب، قال: وهو الصواب. وقال بعضهم: وقد نبّه أبو داود في "كتاب السنن" على وَهَم ابن وهب في هذا الإسناد، وكذلك فعل أبو عبد الرحمن النسائيّ، وذكر الصواب في ذلك انتهى كلام القاضي (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: خلاصة القول أن الصواب في هذا الإسناد: "عن ابن شهاب، أخبرني عبدُ الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك، أن سلمة بن الأكوع قال: لما كان يوم خيبر … الخ. ثم إن هذا الذي نُسب إلى النسائيّ من الكلام على هذا السند لم أجده في "المجتبى"، ولا في "الكبرى"، فاللَّه تعالى أعلم. (أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ الأَكْوَعِ) تقدّم أنه سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلميّ، نُسب لجدّه ﵁ (قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ) "كان" تامّة، و"يوم" بالرفع فاعل، أي لما جاء يوم خيبر (قَاتَلَ أَخِي) هو عامر بن سنان بن عبد اللَّه بن قُشَير الأسلميّ المعروف بابن الأكوع، واسم الأكوع سِنَان.

стр. 13526

صرّح في هذه الرواية بأنه أخوه، وصرّح في بعض الروايات أنه عمه. قال الحافظ في "الإصابة": فيمكن التوفيق بأن يكون أخاه من أمّه على ما كانت الجاهليّة تفعله، أو من الرضاع. انتهى (١) (قِتَالاً شَدِيدًا، مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَارْتَدَّ عَلَيْهِ سَيْفْهُ) أي عاد إليه سيف نفسه حينما يحاول أن يضرب به مرحبًا اليهوديّ، حيث بارزه، يرتجز، ويقول: قَدْ عَلِمَتْ خَيبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ … شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مّجَرَّبُ إِذَا الْحُرُوبِ … أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ فقال عامر: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي عَامِرُ … شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مَغَامِرُ فاختلفا بضربتين، فوقع سيف مرحب في ترس عامر، ورجع سيف عامر على ساقه. ثم إن رسول اللَّه ﷺ أعطى الراية لعليّ ﵁، وكان أرمد، فبصق ﷺ في عينيه فبرأ، وخرج مرحب، فقال: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ إلى آخر ما تقدّم، فقال عليّ ﵁: أَنَا الَّذِي سَمَّتنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ (٢) … كَلَيْثِ غَابَاتٍ كَرِيهِ الْمَنْظَرَهْ أُوفِيهِمُ بِالصَّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ (٣) فضرب رأس مرحب، فقتله، ثم كان الفتح على يديه - رضي اللَّه تعالى عنه -. (فَقَتَلَهُ) أي قتل أخاه سيف نفسه (فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ) أي شأن قتل عامر نفسه بنفسه (وَشَكُّوا فِيهِ) بتشديد الكاف، والجملة معترضة بين القول ومقوله، ويحتمل أن تكون حالية، والحال أنهم شكّوا في صحّة شهادته (رَجُلٌ مَاتَ بِسِلَاحِهِ) أي خبر لمحذوف، والجملة في محلّ نصب مقول القول، أي قالوا: هو رجل مات بسبب

стр. 13527

ضرب نفسه بسلاحه. (قَالَ سَلَمَةُ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (فَقَفَل) بقاف، فاء: أي رجع (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ خَيْبَرَ) قاصدًا المدينة (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَأذَنُ لِي، أَنْ أَرْتَجِزَ بِكَ) أي أُنشد الرجز عندك؛ لتنشيط الجمال ونحوه، والرجز نوع من البحور الشعريّة الستة عشر المعروفة في فن "العروض والقافية"، وأجزاؤه: "مستفعلن" ستّ مرّات (فَأَذِنَ لَهُ) فيه التفات؛ إذ الظاهر أن يقول: فأذن لي (رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أي سمح له في أن يرتجز عنده (فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب ﵁: اعْلَمْ مَا تَقُولُ) أي تثبّتْ مما تقوله عند رسول اللَّه ﷺ ، فإنه مما ينبغي التثبّت له (فَقُلْتُ) وفي نسخة: "قلت": وَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهتَدَينَا … وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (صَدَقْتَ) أي فيما أنشدته من البيت، فإنه تضمّن التبرّي من الحول والقوة، وتفويض الأمور إلى اللَّه تعالى. فَأَنْزِلَنْ سَكِينَة عَلَينَا وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَينَا وَالْمُشرِكُونَ قَدْ بَغَوْا عَلَينَا فَلَمَّا قَضَيْتُ رَجَزِي، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ قَالَ هَذَا؟) أي من نظم هذا، أنت، أم غيرك؟ (قُلْتُ: أَخِي) أي نظمه أخي، وتقدّم الجمع بينه، وبين رواية: "عمّي" (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَرْحَمُهُ اللَّهُ) دعاله النبيّ ﷺ بأن -يرحمه اللَّه تعالى-، مكافأة على إحسانه بهذا الرجز المتضمّن للمعاني السامية (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَاللَّهِ إِنَّ نَاسًا لَيَهَابُونَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ) أي ليخافون أن يترحّموا عليه، ويدعوا له بالرحمة من اللَّه تعالى، أو هابوا أن يصلّوا عليه صلاة الجنازة يوم مات، فالمضارع بمعنى الماضي، وعلى الثاني ففيه نوع تأنيس؛ لقول من يقول: يُصلّى على الشهيد. أفاده السنديّ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأرجح أن الصلاة على الشهيد جائزة؛ كما تقدّم تحقيقه في بابه من "كتاب الجنائز". واللَّه تعالى أعلم. (يَقُولُونَ) أي في بيان سبب ذلك (رَجُلٌ مَاتَ بسِلَاحِهِ) أي فلا يستحقّ الصلاة عليه؛ لكونه قاتل نفسه بزعمهم (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :) مبيّنًا خطأهم في رأيهم هذا (مَاتَ جَاهِدًا) أي جادًّا مبالغًا في سبيل البرّ (مُجَاهِدًا) للكفّار. ولفظ مسلم: "إنه لجاهد مجاهد". قال النوويّ: هكذا رواه الجمهور من المتقدّمين، والمتأخرين "لجاهد" -بكسر الهاء، وتنوين الدال-. "مجاهد" -بضم الميم، وتنوين الدال أيضًا- وفسّروا الجاهد بالجاد في علمه وعمله، أي إنه لجادّ في طاعة اللَّه. والمجاهد هو المجاهد في سبيل اللَّه، وهو الغازي. وقال القاضي عياض: وقوله: "لجاهد مجاهد" بكسر الهاء فيهما، وضمّ الميم

стр. 13528

والدال، وتنوينها في الحرفين، كذا لأكثر شيوخنا. وعند ابن أبي جعفر: "لجاهَدَ مَجَاهِدَ -بفتح الهاء في الأول، وفتح الميم، وكسر الهاء من الثاني، وفتح الدال فيهما. وكذا أيضًا عند بعض رواة البخاريّ، والأول الصواب، ووجه الكلام، وكذا جاء في الحديث الآخر بعده: "مات جاهدًا مجاهدًا". قال: كرّر بين اللفظين للمبالغة. وقال ابن الأنباريّ: العرب إذا بالغت في الكلام اشتقّت من اللفظة الأولى لفظة على غير بنائها زيادة في التوكيد، ثمّ أتبعوها إعرابها، فقالوا: جادٌ مُجِدٌّ، وليلٌ لائلٌ، وشعرٌ شاعرٌ، وقد يكون قوله: " جاهد" أي جادّ مبالغ في سبيل الخير والبرّ، وإعلاء كلمة الإسلام، مجاهد عِداه انتهى (١). وقال القرطبيّ بعد ما ذكر نحو ما تقدّم: وقد يكون "جاهد" أي مبالغ في سبيل الخير. و"مجاهد" لأعدئه. قلت: ويظهر لي أن هذا القول أحسن بدليل قوله في الرواية الأخرى: "مات جاهدًا مجاهدًا، فله أجره مرّتين" فأشار بفاء التعليل إلى الجهتين اللتين يُؤجر منهما، وهما جاهدٌ، ومجاهدٌ، فمعنى أحدهما غير الآخر انتهى (٢). (قَالَ: ابْنُ شِهَاب: ثُمَّ سَأَلْتْ ابْنًا لسَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَع) يحتمل أن يكون هو إياس بن سلمة. واللَّه تعالىَ أعلم (فَحَدَّثَنِي عَنْ أَبيهِ، مِثْلَ ذَلِكَ) أي مثل تحديث عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب، عن سلمة (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ -حِينَ قُلْتُ:. إِنَّ نَاسًا لَيَهَابُونَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ-: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كَذَبُوا، مَاتَ جَاهِدًا، مُجَاهِدًا، فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ"، وَأَشَارَ بِإصْبَعَيْهِ) تأكيدًا لثبوت أجره مرّتين، بموته جاهدًا في سبل الخير والبرّ، ومجاهدًا لأعداء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث سلمة بن الأكوع - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٢٩/ ٣١٥١ - وفي "الكبرى" ٢٤/ ٤٣٥٧. وأخرجه (خ) في "المغازي" ٤١٩٦ و"الأدب" ٦١٤٨ (م) في "الجهاد والسير" ١٨٠٢ (د) في "الجهاد"٢٥٣٨ (أحمد) في "مسند المدنيين" ١٦٠٦٨ و ١٦٠٧٦ و ١٦١٠٣. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 13529

(المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم من قاتل في سبيل اللَّه تعالى، فارتدّ عليه سيفه، فقتله، وذلك أنه لا ينقص من أجره شيئًا، بل له أجره كاملاً. (ومنها): بيان فضل عامر أخي سلمة - رضي اللَّه تعالى عنه -، حيث شهد له النبيّ ﷺ بأنه مات جاهدًا مجاهدًا. (ومنها): جواز إنشاد الشعر. (ومنها): تحريم قتل الإنسان نفسه متعمّدًا، وأنه من الكبائر التي تمنع الصلاة عليه؛ إهانة له، وتنكيلاً به، وزجرًا لغيره، وقد تقدّم تحقيق ذلك مستوفًى في "كتاب الجنائز" ٦٨/ ١٩٦٤ - باب "ترك الصلاة على من قتل نفسه". (ومنها): الإنكار على من أخطأ رأيه، والردّ عليه بالتكذيب بمعنى التخطئة. (ومنها): استعمال الإشارة، توضيحًا للمقصود. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٣٠ - (بَابُ تَمَنِّي الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى) ٣١٥٢ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى -يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ- عَنْ يَحْيَى -يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيَّ- قَالَ: حَدَّثَنِي ذَكْوَانُ, أَبُو صَالِحٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي, لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ سَرِيَّةٍ, وَلَكِنْ لَا يَجِدُونَ حَمُولَةً, وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ, وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي, وَلَوَدِدْتُ أَنِّي قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ, ثُمَّ أُحْيِيتُ, ثُمَّ قُتِلْتُ, ثُمَّ أُحْيِيتُ, ثُمَّ قُتِلْتُ ثَلَاثًا»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. وقوله: "حَمُولة" -بفتح الحاء المهملة-: ما يُحمل عليه، من بعير، أو فرس، أو بغل، أو حمار، أو نحو ذلك. وقوله: "ثلاثًا" أي كرّره ثلاث مرّات. والحديث متّفق عليه، وتقدّم في -٣/ ٣٠٩٨ - رواه عن أحمد بن يحيى بن الوزير بن سليمان، عن سعيد بن كثير بن عُفير، عن الليث بن سعد، عن عبد الرحمن بن خالد بن

стр. 13530

مسافر، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وسعيد بن المسيّب، كلاهما ممن أبي هريرة ﵁، وتقدّم هناك شرحه مستوفًى، وكذا بيان مسائله، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١٥٣ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, عَنْ شُعَيْبٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ,, قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ,, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ , يَقُولُ «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ, لَوْلَا أَنَّ رِجَالاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ, لَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ بِأَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي, وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ, مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ, تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ, وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ, لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ, ثُمَّ أُحْيَا, ثُمَّ أُقْتَلُ, ثُمَّ أُحْيَا, ثُمَّ أُقْتَلُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وشيخ شيخه، فقد تفرد بهما المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وهما ثقات. و"شعيب" هنا: هو ابن أبي حمزة. والحديث صحيح، والكلام فيه كالكلام على ما قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١٥٤ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ, عَنْ بَحِيرِ بْنِ سَعْدٍ, عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ, عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ, عَنِ ابْنِ أَبِي عَمِيرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , قَالَ: «مَا مِنَ النَّاسِ, مِنْ نَفْسٍ مُسْلِمَةٍ, يَقْبِضُهَا رَبُّهَا, تُحِبُّ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْكُمْ, وَأَنَّ لَهَا الدُّنْيَا, وَمَا فِيهَا غَيْرُ الشَّهِيدِ». قَالَ ابْنُ أَبِي عَمِيرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «وَلأَنْ أُقْتَلَ فِي سَبِيلِ اللهِ, أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي أَهْلُ الْوَبَرِ وَالْمَدَرِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عمرو بن عثمان) أبو حفص الحمصي، صدوق [١٠] ٢١/ ٥٣٥، وهو المتقدّم في السند الماضي. ٢ - (بقية) الوليد الحمصيّ، صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء، ويُسَوّي [٨] ٤٥/ ٥٥. ٣ - (بحير بن سعد) أبو خالد السَّحُوليّ الحمصيّ، ثقة ثبت [٦] ١/ ٦٨٨. [تنبيه]: "بَحِير" -بفتح الموحّدة، وكسر الحاء المهملة، و"سعد" بفتح، فسكون هو الصواب، ويقع فيه التصحيف في الكتب كثيرًا إلى "سعيد"، فليُتنبّه،. واللَّه تعالى أعلم. ٤ - (خالد بن معدان) أبو عبد اللَّه الحمصيّ، ثقة عابد [٣] ١/ ٦٨٨. ٥ - (جُبير بن نُفير) الحمصيّ المخضرم الثقة الجليل [٢] ٥٠/ ٦٢.

стр. 13531

٦ - (ابن أبي عَمِيَرةَ) هو محمد بن أبي عَمِيرة- بفتح أوله- المزنيّ، صحابيّ سكن الشام، روى عن النبيّ ﷺ حديث الباب، وعنه جبير بن نُفير به. ورواه النسائيّ عن ابن أبي عَميرة، ولم يسمه، وقد روى عنه جبير بن نفير حديثًا آخر، وسمّاه محمدًا، وأخوه عبد الرحمن بن أبي عَميرة يروي عنه ربيعة بن يزيد، والقاسم أبو عبد الرحمن. وقال الأزديّ: تفرّد جُبير بن نُفير بالرواية عنه. قاله في "تهذيب التهذيب" ٣/ ٦٦٦ و "التقريب". وقال في "الإصابة" -٦/ ٢٩: محمد بن أبي عميرة المزني، ذكره البخاري، وقال: له صحبة يُعَدُّ في الشاميين، ثم أخرج من طريق ابن المبارك، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن محمد بن أبي عَمِيرة من أصحاب النبي ﷺ ، قال: "لو أن عبدا خرّ على وجهه من يوم وُلد إلى أن يموت هَرَمًا في طاعة اللَّه ، لحقره ذلك اليوم، ولَوَدّ أنه ازداد كما يزداد من الأجر والثواب"، وسنده قوي، وأخرجه ابن شاهين من طريقه، لكن وقع عنده محمد بن عَميرة، وأخرجه ابن أبي عاصم، والبغوي من طريق الوليد بن مسلم، عن ثور موقوفا، لكن ذكر ابن منده أن رواية ابن أبي عاصم أراه ذكره عن النبي ﷺ ، وأخرجه ابن منده من رواية محمد بن شعيب، عن ثور موقوفا، ومن رواية معاوية بن صالح عن بعض شيوخه، عن خالد بن معدان كذلك، ورواه عيسى بن يونس، عن ثور كالأول، وأخرجه أحمد من طريق بقية، عن بَجير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن عقبة بن عبد السلمي مرفوعا، وأخرج ابن السكن، وابن شاهين بسند صحيح إلى بقية، عن بَحِير بن سعد، عن خالد ابن معدان، عن جبير بن نفير، عن ابن أبي عَميرة، عن النبيّ ﷺ ، أنه قال: "يا أيها الناس ما من نفس منفوسة، تحب أن تعود إلى الدنيا .. " ثم قال ابن السكن: يقال: ابن أبي عميرة اسمه محمد. وأخرج النسائي حديثا، فقال ابن أبي عميرة، ولم يسمه أيضا، وأورده البغوي في ترجمة محمد عقب الحديث الأول، وقال: لا أعلمه روى غير هذين الحديثين. انتهت عبارة "الإصابة". تفرّد به المصنف بحديث الباب فقط. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: لمحمد بن أبي عَمِيرة هذا أخ يقال له: عبد الرحمن، أخرج له الترمذيّ حديثًا واحدًا في ذكر معاوية ﵁، قال عنه في "التقريب": عبد الرحمن بن أبي عَمِيرة المزني، ويقال: الأزديّ، مختلف في صحبته، سكن حمص. انتهى. وإنما نبّهت عليه لئلا يقع الغلط في سند المصنف هنا، حيث قال: ابن أبي عَميرة، ولم يذكر اسمه، فليُتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 13532

لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أنه مسلسل بالحمصيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي مخضرم. (ومنها): أن صحابيه من المقلّين من الرواية، ليس في الكتب الستة إلا هذا الحديث عند المصنف فقط. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ) محمد (بْنِ أَبِي عَمِيرَةَ) -بفتح المهملة، وكسر الميم- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "مَا مِنَ النَّاسِ) متعلّق بحال محذوف؛ لأنه في الأصل صفة لـ"نفس"، فقدم، فصار حالاً؛ لأن نعت النكرة إذا قُدّم يعرب حالاً (مِنْ نَفْسٍ) "من" زائدة، و"نفس" اسم "ما" الحجازيّة، وخبرها جملة "تُحبّ الخ"، أو مبتدأ، إن كانت "ما" تميميّة. وفي نسخة: "في الناس" بدل "من الناس" (مُسْلِمَة) صفة لـ"نفس" (يَقْبِضُهَا رَبُّهَا) أي يتوفّاها، وهو نحو قولها تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ الآية [الزمر: ٤٢]، والجملة صفة بعد صفة، أو حال (تُحِبُّ أَنَّ تَرْجِعَ إِلَيْكُمْ) أي إلى أهل الدنيا (وَأَنَّ لَهَا الدُّنْيَا، وَمَا فِيهَا) قال الطيبيّ: يجوز أن يكون هو معطوفًا على "أن يرجع"، وأن يكون حالاً، إن روي بكسر "إن" انتهى (١). (غَيْرُ الشَّهِيدِ) يحتمل أن يكون مرفوعًا بدلاً من فاعل "تُحبّ"، ويحتمل أن يكون منصوبًا على الاستثناء. (قَالَ) محمد (بْنُ أَبِي عَمِيرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَلَأَنْ أُقْتَل) بفتح اللام، وهي للابتداء، والفعل مبنيّ للمفعول، أي لَقَتْلي (فِي سَبِيلِ اللهِ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِن أَنْ يَكُونَ لِي) أي مملوكي (أَهْلُ الْوَبَرِ) -بفتحتين- أي أهل البوادي، فإنهم يتّخذون بيوتهم من وَبَر الإبل (وَالْمَدَرِ) -بفتحتين أيضًا- جمع مَدَرَة: وهي اللبنة، أي أهل المدن والقرى، والمراد أن يكون لي هؤلاء عبيدًا، فأُعتقهم. أفاده السنديّ (٢). وقال الطيبيّ: المراد بـ"أهل الوبر" سكّان البوادي؛ لأن خباءهم من الوبر غالبًا، وبـ"أهل المدر" سُكّان القرى والأمصار، وأراد به الدنيا وما فيها، كما سبق، فغلّب العقلاء على غيرهم، كما قوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ في أحد وجهيه، وأسند المحبّة إلى نفسه الزكيّة صلوات اللَّه وسلامه عليه، والمراد به غيره ﷺ . انتهى. قال القاري:

стр. 13533

ولا بُعد أن يكون الإسناد على حقيقته، وله زيادة ثواب على نيّته في تمنّيه ومودّته انتهى (١). قلت: ما قاله القاري هو الظاهر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث محمد بن أبي عَمِيرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. [فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه بقيّة، وهو معروف بالتدليس؟. [قلت]: حديثه له شواهد، فجزؤه الأول يشهد له حديث أنس ﵁، مرفوعًا: "ما من أحد يدخل الجنّة، يُحبّ أن يرجع إلى الدنيا، وله ما في الأرض من شيء، إلا الشهيد، يتمنّى أن يرجع إلى الدنيا، فيُقتل عشر مرّات؛ لما يَرَى من الكرامة". متّفقٌ عليه، وسيأتي للمصنّف برقم -٣٤/ ٣١٦٠ - بنحوه. وسيأتي للمصنّف أيضًا حديث عبادة بن الصامت ﵁، برقم -٣٣/ ٣١٦٠ - وهو حديث صحيح. وجزؤه الثاني يشهد حديث أبي هريرة ﵁ المذكور في الباب، وغيرُه من الأحاديث التي تمنّى فيها النبيّ ﷺ أن يُقتل في سبيل اللَّه تعالى، وكحديث: "غَدوة، أو روحة في سبيل اللَّه خير من الدنيا، وما فيها" متّفقٌ عليه، وتقدّم للمصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بنحوه رقم ٣١١٨. وأيضًا فقد صرّح بقيّة بالتحديث عند الإمام أحمد في "مسنده" ٤/ ٢١٦ - فقال: حدّثني بَحِير بن سَعْد، وهذا وإن كان لا يكفي في تدليس التسوية، إلا أن الشواهد تقوّيه. واللَّه تعالى أعلم. والحديث من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا- ٣٠/ ٣١٥٤ - وفي "الكبرى" ٢٦/ ٤٣٦١. وأخرجه أحمد في "مسند الشاميين" ١٧٤٣٧. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، واليه أنيب". …

стр. 13534

٣١ - (ثَوَابُ مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ -) وفي نسخة: "باب" بدل "ثواب". ٣١٥٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عَمْرٍو, قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا, يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ يَوْمَ أُحُدٍ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ, فَأَيْنَ أَنَا, قَالَ: «فِي الْجَنَّةِ» , فَأَلْقَى تَمَرَاتٍ فِي يَدِهِ, ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (محمد بن منصور) الْجَوَّاز المكيّ الثقة [١٠] ٢٠/ ٢١. تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - ("سفيان) بن عيينة الإمام الحجة المشهور [٨] ١/ ١، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (عمرو) بن دينار، أبو محمد الأثرم الْجُمَحيّ المكيّ، ثقة ثبت [٤] ١١٢/ ١٥٤. ٤ - (جابر) بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - المذكور قبل بابين. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٥٧) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخهِ، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين. (ومنها): أن فيه جابرًا - رضي اللَّه تعالى عنه - أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) من الأحاديث. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَمْرٍو) بن دينار، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا) ابن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - (يَقُولُ: قَالَ: رَجُلٌ) قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: لم أقف على اسمه، وزعم ابن بشكوال أنه عُمير بن الْحُمَام -وهو بضمّ المهملة، وتخفيف الميم- وسبقه إلى ذلك الخطيب، واحتجّ بما أخرجه مسلم من حديث أنس ﵁: "إن عُمير بن الْحُمَام أخرج تمرات، فجعل يأكل منهنّ، ثم قال: لئن حيِيتُ حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، ثم قاتل حتى قُتِل". قال الحافظ: لكن وقع التصريح في حديث أنس ﵁ أن ذلك كان يوم بدر، والقصّة اِلتي في الباب وقع التصريح في حديث جابر أنها كانت يوم أحد، فالذي يظهر أنهما

стр. 13535

قصّتان وقعتا لرجلين. واللَّه أعلم انتهى (١) (يَوْمَ أُحُدٍ) أي يوم وقعة أحد (أَرَأَيْتَ) أي أخبرني (إِنْ قُتِلْت) بالبناء للمفعول، أي إن قتلني العدوّ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي في إعلاء كلمة اللَّه تعالى (فَأَيْنَ أَنَا) أي في أي مكان أكون، في الجنّة، أم في غيرها؟ (قَالَ: "فِي الجَنَّةِ) أي أنت في الجنَّة حالاً، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]. وقد أخرج الإمام مسلم -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" من طريق الأعمش، عن عبد اللَّه بن مرّة، عن مسروق، قال: سألنا عبد اللَّه، عن هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك، فقال: "أرواحهم في جوف طير خُضْر، لها قناديل معلقة بالعرش، تَسْرَح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطّلَع إليهم ربهم اطِّلَاعَة فقال: "هل تشتهون شيئا؟ "، قالوا: أيَّ شيء نشتهي، ونحن نَسرَح من الجنّة حيث شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يُسألوا، قالوا: يا رب نريد أن تُردَّ أرواحنا في أجسادنا، حتى نُقتَل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تُرِكوا". (فَأَلْقَى تَمَرَاتٍ فِي يَدِهِ) استبطاء للموت (ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ) بالبناء للمفعول. وإنما سأل الرجل هذا السؤال، وإن كان معلومًا عندهم أن مآل من قاتل في سبيل اللَّه في الجنّة؛ لأنه لا يضمن الانسان من نفسه ذلك؛ إذ ربما يكون عنده ما يمنعه من ذلك، فأراد أن يتثبّت لنفسه، فأخبره ﷺ بأنه من أهل الجنّة، فلذا ألقى ما في يده من التمرات شوقًا إلى الجنّة، فقاتل حتى استُشهد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٣١/ ٣١٥٥ - وفي "الكبرى" ٢٧/ ٤٣٦٢. وأخرجه (خ) في "المغازي" ٤٠٤٦ (م) في "الإمارة" ١٨٩٩ (أحمد) في باقي "مسند المكثرين" ١٣٩٠٢. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ثواب من قُتل في سبيل

стр. 13536

اللَّه ، وهو الجنّة. (ومنها): بيان عظم شأن الجهاد في سبيل اللَّه تعالى، حيث إن جزاءه الجنّة. (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة ﵁ من حبّ نصر الإسلام، والرغبة في الشهادة. (ومنها): المبادرة بالخير، وأنه لا ينبغي الاشتغال عنه بحظوظ الدنيا. (ومنها): الانغماس في صفوف الكفّار، والتعرّض للشهادة، وهو جائزٌ، لا كراهة فيه عند جمهور العلماء (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٣٢ - (مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ) ٣١٥٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ, عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ , وَهُوَ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ, فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ, صَابِرًا, مُحْتَسِبًا, مُقْبِلاً, غَيْرَ مُدْبِرٍ, أَيُكَفِّرُ اللَّهُ عَنِّي سَيِّئَاتِي؟ , قَالَ: «نَعَمْ» , ثُمَّ سَكَتَ سَاعَةً, قَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ آنِفًا؟» , فَقَالَ الرَّجُلُ: هَا أَنَا ذَا, قَالَ: «مَا قُلْتَ؟» , قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ, صَابِرًا, مُحْتَسِبًا, مُقْبِلاً, غَيْرَ مُدْبِرٍ, أَيُكَفِّرُ اللَّهُ عَنِّي سَيِّئَاتِي؟ , قَالَ: «نَعَمْ, إِلاَّ الدَّيْنَ, سَارَّنِي بِهِ جِبْرِيلُ آنِفًا»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن بشّار) بُندار البصريّ، ثقة حافظ [١٠]. ٢ - (أبو عاصم) الضحاك بن مَخلَد بن مسلم الشيبانيّ البصريّ، ثقة ثبت [٩] ١٩/ ٤٢٤. ٣ - (محمد بن عجلان) المدني، صدوق، اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة [٥] ٣٦/ ٤٠.

стр. 13537

٤ - (سعيد المقبريّ) ابن أبي سعيد كيسان المدنيّ، ثقة [٣] ٩٥/ ١١٧. ٥ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين غير شيخه، وشيخ شيخه، فبصريان. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: ابن عجلان، عن المقبريّ، وفيه أبو هريرة ﵁ رأس المكثرين من الرواية، روى (٥٣٧٤) من الأحاديث. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ يَخْطُبُ) جملة حالية من "النبيّ"، (عَلَى الْمِنْبَرِ) متعلّق بـ"يخطُبُ" قيّده به؛ لبيان مكان خطبته، إذ يحتمل أن يكون قائمًا على الأرض (فَقَالَ: أَرَأَيْتَ) أي أخبرني (إِنْ قَاتَلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ، صَابِرًا) أي غير جَزع، وانتصابه وما بعده على الحال المترادف، أو المتداخل (مُحْتَسِبًا) قال النوويّ: والمحستب: هو المخلص للَّه تعالى، فإن قاتل لعصبيّة، أو لغنيمة، أو لصيب، أو نحو ذلك، فليس له هذا الثواب، ولا غيره. انتهى (١) (مُقْبِلاً) أي على العدوّ (غَيْرَ مُدْبِرٍ) أي عنه، وهو تأكيد لما قبله. قال النوويّ: لعله احتراز ممن يُقبل في وقت، ويُدبر في وقت (أَيُكَفِّرُ اللَّهُ عَنِّي سَيِّئَاتِي؟) أي كلّها (قَالَ) ﷺ (نَعَمْ) أي يكفّر اللَّه تعالى عنك سيّآتك (ثُمَّ سَكَت) ﷺ (سَاعَةً، قَالَ) وفي "الكبرى" "فقال" بالفاء (أَينَ السَّائِلُ آنِفًا؟) أي في الوقت القريب. قال المجد في "القاموس": ﴿قال آنفًا﴾ كصاحب، وكَتِفٍ، وقُرىء بهما: أي مذ ساعة، أي في أول وقت يقرُبُ منّا انتهى (فَقَالَ الرَّجُلُ: هَا) وفي نسخة: "فها" (أَنَا ذَا) "ها" للتنبيه دخلت على "أنا"، وهو مبتدأ خبره اسم الإشارة، أي أنا الحاضر عندك (قَالَ: "مَا قُلْتَ؟) أي أيّ شيء قلت في سؤلك. قال الطيبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: [فإن قلت]: كيف قال ﷺ : "كيف قلت": وقد أحاط بسؤاله علمًا، وأجابه بذلك الجواب؟. [قلت]: ليسأل ثانيًا، ويجيبه بذلك الجواب، ويُعلّق به "إلا الدين"، استدراكًا بعد

стр. 13538

إعلام جبريل ﵁ إياه ﷺ انتهى (١). (قَالَ) الرجل (أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ، صَابِرًا، مُحْتَسِبًا، مُقْبِلاً، غَيْرَ مُدْبِرٍ، أَيُكَفِّرُ اللَّهُ عَنِّي سَيئَاتِي؟، قَالَ) ﷺ (نَعَمْ، إِلَّا الدَّيْنَ) أي تكفّر سيآتك كلها، غيّر الدين، فإن قتلك في سبيل اللَّه تعالى لا يكفّره. قال في "المرقاة": الاستثناء منقطع، ويجوز أن يكون متّصلاً، أي الدين الذي لا ينوي أداءه. قال التوربشتيّ: أراد بالدين هنا ما يتعلّق بذمّته من حقوق المسلمين. ثمّ بين ﷺ أن استثناء الدين من تكفير السيآت بالوحي، فقال (سَارَّنِي بِهِ جِبْرِيلُ آنِفًا) أي كلّمني به سرًّا عن الحاضرين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أبي هريرة ﵁ عنه هذا وإن كان فيه محمد بن عجلان، وقد سبق أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة ﵁، إلا أنه يشهد له الحديث التالي، فهو صحيح به، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-٣٢/ ٣١٥٦ - وفي "الكبرى" ٢٨/ ٤٣٦٣. وأخرجه (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٨٠١٤ و ٨١٧١. وفوائده تأتي في الحديث التاليّ، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١٥٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ, قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ, عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ , فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ, أَرَأَيْتَ, إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ, صَابِرًا, مُحْتَسِبًا, مُقْبِلاً, غَيْرَ مُدْبِرٍ, أَيُكَفِّرُ اللَّهُ عَنِّي خَطَايَايَ, قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «نَعَمْ» , فَلَمَّا وَلَّى الرَّجُلُ, نَادَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ , أَوْ أَمَرَ بِهِ, فَنُودِيَ لَهُ, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , كَيْفَ قُلْتَ: فَأَعَادَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «نَعَمْ, إِلاَّ الدَّيْنَ, كَذَلِكَ قَالَ لِي جِبْرِيلُ ﵇»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (محمد بن سلمة) المرادي الجملي المصريّ، ثقة ثبت [١١] ١٩/ ٢٠. ٢ - (الحارث بن مسكين) بن محمد، أبو عمرو المصريّ القاضى، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩.

стр. 13539

٣ - (ابن القاسم) عبد الرحمن الْعُتَقيّ المصريّ، ثقة فقيه، من كبار [١٠] ١٩/ ٢٠. ٤ - (مالك) بن أنس الإمام المدنيّ الحجة الثبت [٧] ٧ م ٧. ٥ - (يحيى بن سعيد) الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ، ثقة ثبت [٥] ٢٢/ ٢٣. ٦ - (سعيد بن أي سعيد) المقبريّ المذكور في السند الماضي. ٧ - (عبد اللَّه بن أبي قتادة) الأنصاريّ المدنيّ، ثقة [٣] ٢٣/ ٢٤. ٨ - (أبوه) أبو قتادة الحارث، أو عمرو، أو النعمان بن رِبْعيّ بن بُلْدُمة الأنصاريّ السَّلَمي المدني، الصحابيّ المشهور، فارس رسول اللَّه ﷺ ، شهد أُحُدًا وما بعدها، ولم يشهد بدرًا، ومات ﵁ سنة (٥٤) على الأصحّ، وتقدّمت ترجمته في ٢٣/ ٢٤. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فتفرد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من مالك، والباقون مصريون. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين المدنيين يروي بعضهم عن بعض: يحيى، عن سعيد، عن عبد اللَّه بن أبي قتادة. وفيه رواية الابن عن أبيه واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) المقبريّ. قال الحافظ أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى-: كذا رواه يحيى -يعني ابن يحيى- وابن وهب، وابن القاسم، ومُطرّفٌ، وابن بُكير، وأبو مصعب، والجمهور. ورواه مَعْن بن عيسى، والقعنبيّ، عن مالك، عن سعيد بن أبي سعيد، لم يذكرا يحيى بن سعيد فيه، فيمكن أن مالكًا سمعه من يحيى بن سعيد، عن سعيد، ثم سمعه من سعيد. وقد رواه الليث، وابن أبي ذئب عن سعيد المقبريّ انتهى. قال الزرقانيّ: أي بلا واسطة يحيى بن سعيد، وهذا يؤيّد أن مالكًا حدّث به بالوجهين انتهى (١) (عَنْ عَبدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ) الأنصاريّ المدنيّ (عَنْ أَبِيهِ) أبي قتاد الحارث بن ربعيّ ﵁ أنه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵁) وفي رواية الليث التالية: "أنه ﷺ قام فيهم، فذَكَرَ لهم أن الجهاد في سبيل اللَّه، والإيمان باللَّه أفضل الأعمال، فقام رجلٌ … " (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيتَ، إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي لإعلاء كلمة اللَّه تعالى، حال كوني (صَابِرًا، مُحْتَسِبًا) مخلصًا (مُقْبِلاً) على العدوّ (غَيْرَ مُدْبِرِ) عنه، زاده لبيان كون الإقبال في جميع الأحوال، إذ قد يُقبل مرّة، ويُدبرُ مرّةً

стр. 13540

أخرى، فيَصدُق عليه أنه مُقبل (أَيُكَفرُ اللَّهُ عَنِّي خَطَايَايَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَعَمْ) يكفّرها (فَلَمَّا وَلَّى الرَّجُلُ، نَادَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) بنفسه (أَوْ) للشكّ من الراوي (أَمَرَ بِهِ) غيره (فَنُودِيَ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :، كَيْفَ قُلْتَ: فَأَعَادَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ) المذكور (فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَعَمْ) يكفّر عنك الخطايا كلها (إِلَّا الدَّيْنَ) بفتح الدال المهملة، والنصب على الاستثناء، أي فلا يكفِّرُه عنك إلا عفو صاحبه، أو استيفاؤه. قال الحافظ أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى-: فيه أن الخطايا تكفّر بالأعمال الصالحة مع الاحتساب، والنيّة في العمل، وأن أعمال البرّ المقبولة لا تُكفِّرُ من الذنوب إلا ما بين العبد، وبين ربّه، فأما التبعات فلا بدّ فيها من القصاص. قال: وهذا في دين ترك له وفاءً، ولم يوص به، أو قدر على الأداء، فلم يؤدّ، أو أدّاه في غير حقّ، أو أسرف، ومات، ولم يوفه، أما من ادّانَ في حقّ واجب؛ لفاقة، وعسر، ومات، ولم يترك وفاءً، فلا يُحبس عن الجنّة؛ لأن على السلطان فرضًا أن يؤدّي عنه دينه من الصدقات، أو سهم الغارمين، أو الفيء. وقد قيل: إن تشديده ﷺ في الدين كان قبل الفتوح انتهى. وقال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: يستفاد منه أن الشهادة لا تكفّر التبعات، وهي لا تمنع درجة الشهادة، وليس للشهادة معنى إلا أن تُثبت لمن حصلت له ثوابًا مخصوصًا، وتُكرمه كرامة زائدةً، وقد بين في الحديث أنه يكفّر عنه ما عدا التبعات، فإن كان له عمل صالحٌ كفّرت الشهادة سيّئاته، غير التبعات، ونفعه عمله الصالح في مُوازنة ما عليه من التبعات، وتبقى له درجة الشهادة خالصةً، فإن لم يكن له عملٌ صالحٌ فهو تحت المشيئة انتهى. وقال ابن الزملكانيّ -رحمه اللَّه تعالى-: فيه تنبيهٌ على أن حقوق الآدميين لا تكفّر؛ لكونها مبنيّة على المشاحّة والتضييق. ويمكن أن يقال: هذا محمول على الدين الذي هو خطيئةٌ، وهو ما استدانه صاحبه على وجه لا يجوز له فعله، بأن أخذه بحيلة، أو غَصَبَه، فثبت في ذمّته البدلُ، أو ادّان غير عازم على الوفاء؛ لأنه استثنى ذلك من الخطايا، والأصل في الاستثناء أن يكون من الجنس، ويكون الدين المأذون فيه مسكوتًا عنه في هذا الاستثناء، فلا يلزم المؤاخذة به؛ لما لطف اللَّه بعبده من استيهابه له، وتعويض صاحبه من فضل اللَّه. [فإن قيل]: ما تقول فيمن مات، وهو عاجز عن الوفاء، ولو وجد وفاءً وفى؟. [قلت]: إن كان المال الذي لزم ذمّته إنما لزمها بطريق لا يجوز تعاطي مثله، كغصب، وإتلافٍ مقصودٍ، فلا تبرأ الذّمّة من ذلك إلا بوصوله إلى من وجب له، أو بإبرائه منه، ولا تُسقِطه التوبةُ، وإنما تنفع التوبة في إسقاط العقوبة الأخرويّة فيما يختصّ

стр. 13541

بحق اللَّه تعالى؛ لمخالفته لما نهى اللَّه عنه، وإن كان المال لزمه بطريق سائغ، وهو عازم على الوفاء، ولم يقدر، فهذا ليس بصاحب ذنب، حتى يتوب عنه، وُيرجى له الخير في العقبى، ما دام على هذا الحال انتهى. قال الزرقانيّ: وهو نفيس، وقد سبقه إلى معناه أبو عمر كما رأيته انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا التقرير حسنٌ جدًّا، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" من طريق أبي الغيث، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "من أخذ أموال الناس، يريد أداءها، أَدَّى اللَّه عنه، ومن أخذ يريد إتلافها، أتلفه اللَّه". فقد بيّن ﷺ أن من أخذ أموال الناس، سواء كان بالاستدانة، أو غيره من الأوجه المشروعة، وفي نيته أن يؤدّيها إليهم، أدّى اللَّه تعالى عنه، وإن لم يتمكّن هو من أدائها، وأما من أخذها، ومن نيّته أن لا يؤدّيها إليهم، فإنه آثم، يؤاخذ بجريمته، ومثله من كان أخذه على وجه غير مشروع، كالغصب، والسرقة، ونحوهما. فيستفاد منه أن الشهيد الذي يمنع من تكفير الشهادة الدين عنه هو القسم الثاني. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (كَذَلِكَ قَالَ: لِي جِبْرِيلُ ﵇) وفي رواية عند أبي عمر: "إلا الدين، فإنه مأخوذٌ، كما زعم جبريل". أي قال، من إطلاق الزعم على القول الحقّ. [فإن قلت]: يعارض حديث الباب ما أخرجه الطبرانيّ برجالٍ ثقات، عن ابن مسعود ﵁، رفعه: "القتل في سبيل اللَّه، يكفّر الذنوب كلّها، إلا الأمانة، والأمانة في الصلاة، والأمانة في الصوم، والأمانة في الحديث، وأشدّ من ذلك الودائع". فإنه يدلّ على أن الشهادة لا تُكَفِّرُ الأمانة بمعناها المذكور، وحديث الباب ظاهرٌ في أنه يكفّر جميع حقوق اللَّه، ومنها الصلاة، والصوم، فكيف يُجمع بينهما؟. [قلت]: حديث الطبرانيّ ضعيف (٢)، فلا يُعارض ما في "الصحيح"، وعلى تقدير صحّته يُحمَل على مطلق القتل، وحديث الباب مقيّدٌ بأنه صابر محتسبٌ، مقبلٌ غير مدبر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي قتادة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.

стр. 13542

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٢/ ٣١٥٧ و ٣١٥٨ و ٣١٥٩ - وفي "الكبرى" ٢٨/ ٤٣٦٤ و٤٣٦٥ و ٤٣٦٦. وأخرجه (م) في "الإمارة" ١٨٨٥ (ت) في "الجهاد" ١٧١٢ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٢٠٣٦ و ٢٢٠٧٩ و ٢٢١٢٠ (الموطأ) في "الحجّ" ١٠٣ (الدراميّ) في "الحجّ" ٢٤١٢. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم من قاتل في سبيل اللَّه ، فقُتل، وعليه دين، وذلك أن شهادته لا تكفّر عنه دينه، وقد تقدّم تفصيل ذلك مستوفًى قريبًا. (ومنها): أن الأجر في ذلك لمن صدقت نيّته، واحتسب أجره، ولم يُقاتل حميّةً، ولا لطلب دنيا، ولطلب ذكر وثناء. (ومنها): أن من قُتل مدبرًا، فإنه ليس له من هذا الأجر شيء. (ومنها): أن حقوق الآدميين، والتبعات التي للعباد لا تكفّرها الأعمال الصالحة، وإنما تكفّر ما بين العبد وربّه. (ومنها): أن فيه أد جبريل ﵁ كان ينزل على النبيّ ﷺ من الوحي لما يُتلى من القرآن، وبما لا يُتلى من السنّة، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٤] إن الآيات القرآنُ، والحكمة السنّة، وكلّ من اللَّه، فإنه ﷺ لا ينطق عن الهوى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١٥٨ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ, عَنْ أَبِي قَتَادَةَ, أَنَّهُ سَمِعَهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ , أَنَّهُ قَامَ فِيهِمْ, فَذَكَرَ لَهُمْ أَنَّ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ, وَالإِيمَانَ بِاللَّهِ, أَفْضَلُ الأَعْمَالِ, فَقَامَ رَجُلٌ, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ, أَرَأَيْتَ, إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ, أَيُكَفِّرُ اللَّهُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ , فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : «نَعَمْ, إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللهِ, وَأَنْتَ صَابِرٌ, مُحْتَسِبٌ, مُقْبِلٌ, غَيْرُ مُدْبِرٍ, إِلاَّ الدَّيْنَ, فَإِنَّ جِبْرِيلَ ﵇, قَالَ لِي ذَلِكَ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وهم المذكورون شي السند الماضي، غير "قتيبة" وهو: ابن سعيد. و"الليث" وهو: ابن سعد. وقوله: "إن قُتلت في سبيل اللَّه" بالبناء للمفعول. والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١٥٩ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عَمْرٍو, سَمِعَ مُحَمَّدَ

стр. 13543

بْنَ قَيْسٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ, عَنْ أَبِيهِ,, قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ , وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ, أَرَأَيْتَ إِنْ ضَرَبْتُ بِسَيْفِي فِي سَبِيلِ اللهِ, صَابِرًا, مُحْتَسِبًا, مُقْبِلاً, غَيْرَ مُدْبِرٍ, حَتَّى أُقْتَلَ, أَيُكَفِّرُ اللَّهُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ قَالَ: «نَعَمْ» , فَلَمَّا أَدْبَرَ, دَعَاهُ, فَقَالَ: «هَذَا جِبْرِيلُ يَقُولُ: إِلاَّ أَنْ يَكُونَ عَلَيْكَ دَيْنٌ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"سفيان": هو ابن عُيينة. و"عمرو": هو ابن دينار. و"محمد بن قيس": المدنيّ القاصّ، ثقة [٦] ٥١/ ٩٦٢. والحديث أخرجه مسلم، وشرحه، والكلام على مسائله تقدّما قبل حديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٣٣ - (مَايَتَمَنَّى فِي سَبِيلِ اللهِ -) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا نسخ "المجتبى"، والظاهر أنه سقط بعد قوله: "ما يتمنّى" لفظ: "من قُتل"، والأصل: "مَا يَتَمَنَّى مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ ". وعبارة "الكبرى" "تَمَنّي مَنْ قُتِلَ فِي سَبيلِ اللَّهِ"، وهي واضحة. و"ما" يحتمل أن تكون مصدريّةً، أيَ تمنّي من قُتل الخ، وهو الذي تدلّ عليه ترجمة "الكبرى". ويحتمل أن تكون موصولةً، والعائد محذوف، أي ما يتمنّاه من قُتل الخ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣١٦٠ - (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَكَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى -وَهُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ بْنِ سُمَيْعٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَاقِدٍ, عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ, أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ حَدَّثَهُمْ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا عَلَى الأَرْضِ, مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ, وَلَهَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ, تُحِبُّ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْكُمْ, وَلَهَا الدُّنْيَا, إِلاَّ الْقَتِيلُ, فَإِنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ, فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى»). رجال هذا الإسناد: خمسة:

стр. 13544

١ - (هارون بن محمد بن بَكّار) العامليّ الدمشقيّ، صدوق [١١] ١٢٨/ ١٠٩١. ٢ - (محمد بن عيسى بن القاسم بن سُمَيع) -بالتصغير- الأمويّ مولاهم الدمشقيّ، صدوق يُخطىء، ويُدلّس، ورُمي بالقدر [٩] ٢٤/ ١٦٦٣. ٣ - (زيد بن واقد) القرشيّ الدمشقيّ، ثقة [٦] ٢٩/ ٩٢٠. ٤ - (كثير بن مُرّة) الحضرميّ الحمصيّ، ثقة [٢] ووهم من عدّه في الصحابة ١/ ٦٨٨. ٥ - (عبادة بن الصامت) الأنصاري الخزرجي الصحابي الشهير - رضي اللَّه تعالى - عنه ٦/ ٤٦١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أنه مسلسل بالدمشقيين. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ) الحضرميّ (أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ) بن قيس الأنصاريّ الخزرجيّ - رضي اللَّه تعالى عنه - (حَدَّثَهُمْ) أي حدّث كثير بن مرّة ومن معه من الحاضرين (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَا عَلَى الأرْضِ، مِنْ نَفْسِ) "من" زائدة، و"نفس" اسم "ما"، على تقدير كونها حجازيّة، أو مبتدأ على أنها تميميّة، والجارّ والمجرور -أعني "على الأرض" لو تأخّر لكان صفة لـ"نفس"، فحيث تقدّم يكون حالا؛ لأن القاعدة أن نعت النكرة إذا قُدّم يعرب حالاً، كما في قول الشاعر: لِمَيَّةَ مُوحِشَا طَلَلُ يَلُوحُ كَأَنّهُ خِلَلُ وفائدته تعميم الحكم لأهل الأرض، والاحترازُ عن أهل السماء (تَمُوتُ) صفة لـ"نفس"، وجملة (وَلَهَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ) حال من ضمير "تموت"، وجملة (تُحِبُّ) خبر "ما" إن كانت حجازية، أو خبر المبتدإ، إن كانت تميميّة (أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْكُمْ) بفتح التاء، من "رجع" اللازم، وهو في تأويل المصدر مفعول "تحبّ". وقوله (وَلَهَا الدُّنْيَا) حال من فاعل "ترجع". والمعنى: أن من مات، وله خير عند اللَّه تعالى، لا يحبّ الرجوع إلى الدنيا، ولو جُعل له تمام الدنيا بعد الرجوع، ففيه أن الآخرة خير من الدنيا، فمن له نصيبٌ منها لا يرضى بتركه إيّاها بتمام الدنيا. قاله السنديّ. (إِلاَّ الْقَتِيلُ) بالرفع بدلاً من "نفس"، أو من فاعل "تحبّ"، ويجوز نصبه على الاستثناء، والمراد الشهيد في سبيل اللَّه تعالى، كما تدلّ عليه رواية أحمد، ولفظه: "إلا

стр. 13545

القتيل في سبيل اللَّه" (فَإِنَّهُ) أي القتيل (يُحِبُّ أَنَّ يَرْجِعَ، فَيُقْتَلَ) بالنصب عطفًا على ما قبله (مَرَّةً أُخْرَى") منصوب على الظرفيّة متعلّق بما قبله. والمعنى: أن القتيل في سبيل اللَّه تعالى يحبّ الرجوع إلى الدنيا في وقت آخر، حرصًا على تحصيل فضل الشهادة مرارً، لا لاختياره نفس الدنيا على الآخرة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث عبادة بن الصامت - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-٣٣/ ٣١٦٠ - وفي "الكبرى" ٢٩/ ٤٣٦٧. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: حديث عبادة ﵁ المذكور أخرجه الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى- في "مسنده" جـ٥/ ص ٣١٨ - فقال: - حدثنا محمد بن بَكْر، ورَوْح، وعبد الرزاق، قالوا: أخبرنا ابن جريج، قال: وقال سليمان بن موسى أيضا: حدثنا كثير بن مرّة، أن عبادة بن الصامت حدثهم، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ما على الأرض، من نفس تموت، ولها عند اللَّه ﵎ خير، تحب أن ترجع إليكم، إلا المقتول". وقال روح: "إلا القتيل في سبيل اللَّه، فإنه يحب أن يرجع، فَيُقتَل مرّة أخرى" انتهى. وهذا الإسناد رجاله ثقات، إلا أن فيه ابن جريج، وهو مدلّسٌ، غير أن سند المصنّف يشهد له. وقد أخرج الإمام الدراميّ -رحمه اللَّه تعالى- في "سننه" جـ٢/ص ٢٠٦ - من حديث أنس ﵁، فقال: - أخبرنا أبو علي الحنفي، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما من نفس تموت، فتدخل الجنّة، فتَوَدُّ أنها رجعت إليكم، ولها الدنيا وما فيها، إلا الشهيد، فإنه وَدَّ أنه قُتِلَ كذا مرّة؛ لما رأى من الثواب" انتهى. وهذا إسناد صحيح رجاله رجال الصحيح، وقد أخرجه الشيخان بمعناه، كما تقدّم بيانه عند شرح حديث رقم ٣٠/ ٣١٥٤ - وهو نحو الحديث الآتي في الباب التالي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 13546

٣٤ - (مَا يَتَمَنَّى أَهْلُ الْجَنَّةِ) ٣١٦١ - (أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ ثَابِتٍ, عَنْ أَنَسٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُؤْتَى بِالرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ, فَيَقُولُ اللَّهُ : يَا ابْنَ آدَمَ, كَيْفَ وَجَدْتَ مَنْزِلَكَ؟ , فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ, خَيْرَ مَنْزِلٍ, فَيَقُولُ: سَلْ, وَتَمَنَّ, فَيَقُولُ: أَسْأَلُكَ أَنْ تَرُدَّنِي إِلَى الدُّنْيَا, فَأُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ عَشْرَ مَرَّاتٍ, لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أبو بكر بن نافع) هو محمد بن أحمد بن نافع، نُسب لجدّه العبدي البصريّ، مشهور بكنيته، صدوقٌ، من صغار [١٠] ٢٧/ ٨١٣. ٢ - (بهز) بن أسد العميّ، أبو الأسود البصريّ، ثقة ثبت [٩] ٢٤/ ٢٨. ٣ - (حمّاد) بن سلمة بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بآخره، من كبار [٨] ١٨١/ ٢٨٨. ٤ - (ثابت) بن أسلم الْبُنَانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة عابد [٤] ٤٥/ ٥٣. ٥ - (أنس) بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه أنسًا ﵁ أحد المكثرين السبعة (٢٢٨٦)، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة ﵃، مات سنة (٢) أو (٩٣)، وقد جاوز المائة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أنَسٍ) بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "يُؤْتَى بالرَّجُلِ) أي الشهيد، أو غيره، فإنه يتمنّى الرجوع إذا رأى فضل الشهيد، لكن الموافق للحديث المتقدّم هو الأول. ويمكن التوفيق بحمل الحديث السابق على أيام البرزخ، وهذا على ما بعد دخول الجنّة يوم القيامة، وهو مبنيّ على إمكان غفول بعض الناس عن فناء الدنيا. قاله السنديّ (١) (مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ : يَا ابْنَ آدَمَ، كَيْفَ

стр. 13547

وَجَدْتَ مَنْزِلَكَ؟، فَيَقُولُ) الرجل (أَيْ) بفتح الهمزة، وسكون الياء حرف نداء للقريب (رَبِّ) أصله "ربي" مضافًا إلى ياء المتكلّم، ثم يجوز فيه ستة أوجه: الأول: حذف الياء، استغناء بالكسرة، وهذا هو الأكثر. والثاني: إثباتها ساكنة، وهو دون الأول في الكثرة. والثالث: قلب الياء ألفًا، وحذفها؛ استغناء بالفتحة. والرابع: قلبها ألفًا، وإبقاؤها، قلب الكسرة فتحةً، نحو "يا ربّا". والخامس: إثبات الياء مفتوحة، نحو "يا ربِّيَ". والسادس، وهو أضعفها: ضمّ الاسم بعد حذف الياء، تشبيهًا بالمفرد، اكتفاء بنيّة الإضافة. وإلى الأوجه الخمسة الأولى أشار ابن مالك في "الخلاصة" حيث قال: وَاجْعَلْ مُنَادى صَحَّ إِنْ يُضَف لِيَا … كَعَبْدِ عَبْدِي عَبْدَ عَبدًا عَبْدِيَا (خَيرَ مَنْزِلٍ) منصوب بتقدير فعل، أي وجدته خير منزل (فَيَقُولُ) اللَّه تعالى للرجل (سَلْ) فعل أمر من السؤال، وأصله "اسأل" فخُفّف؛ لكثرة الاستعمال، وحُذف مفعوله تعميمًا، أي ما تشاء (وَتَمَنَّ) فعل أمر، التمنّي، وهو مؤكّد لما قبله (فَيَقُولُ) الرجل (أَسأَلُكَ أَنَّ تَرُدَّنِي إِلَى الدُّنْيَا) قال السنديّ: أي عشر مرّات، أو مرّة، وعلى الثاني فمعنى (فَأقْتَلَ فِي سَبيلِكِ عَشْرَ مَرَّاتٍ) أن يُقتَلَ، ثم يُحيا من ساعته في مكانه. واللَّه تعالى أعلم انتهى (١) (لِمَا يَرَى) متعلّق بمقدّر، أي إنما سأل ذلك لأجل ما يراه (مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ) بيان لـ"ما". ولفظ البخاريّ: "لما يرى من الكرامة". ولمسلم من حديث ابن مسعود ﵁، رفعه في الشهداء: "فاطلع إليهم ربهم اطلاعةٌ، فقال: هل تشتهون شيئا؟ قالوا: أيَّ شيء نَشتهِي، ونحن نَسْرَح من الجنة حيث شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يُسأَلُوا، قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا، حتى نُقتَل في سبيلك مرة أخرى … ". ولابن أبي شيبة من مرسل سعيد بن جبير أن المخاطب بذلك حمزة بن عبد المطّلب، ومصعب بن عُمير. وللترمذيّ، والحاكم، وصحّحه من حديث جابر، قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ : "ألا أخبرك ما قال اللَّه لأبيك؟ قال: يا عبد اللَّه تمنّ عليّ أعْطِكَ، قال: يا ربّ تُحييني، فأقتل فيك ثانيةً، قال: إنه سبق منّي أنهم إليها لا يُرجَعُون" (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته:

стр. 13548

حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٣٤/ ٣١٦١ - وفي "الكبرى" ٣٠/ ٤٣٦٨. وأخرجه (خ) في "الجهاد والسير" ٢٧٩٥ و ٢٨١٧ (م) في "الإمارة" ١٨٧٧ (ت) في "الجهاد" ١٦٦١ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١١٥٩٢ و ١١٨٦٤ و ١١٩٣٣ و ١٢١٤٧ و ١٢٣٦٠ و ١٣٠٩٩ و ١٣٢١٦ و ١٣٥١٤ و ١٣٥٥٢ و ١٣٦١٩ و ٩٣٦٦٩ (الدارميّ) في "الجهاد" ٢٤٠٩. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ما يتمنّاه أهل الجنّة من الرجوع إلى الدنيا؛ للاستشهاد في سبيل اللَّه . (ومنها): كلام اللَّه لأجل الجنّة. (ومنها): إكرم اللَّه الشهداء بقوله: "سَلْ، وتمنّ". (ومنها): ما قال ابن بطّال -رحمه اللَّه تعالى-: هذا الحديث أجلّ ما جاء في فضل الشهادة، قال: وليس في أعمال البرّ ما تُبْذَل فيه النفس غير الجهاد، فلذلك عظم فيه الثواب انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٣٥ - (مَا يَجِدُ الشَّهِيدُ مِنَ الألَمِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "ما" اسم موصول، وعائده محذوف، أي الشيء الذي يجده الشهيد من الألم عند ضربه بالسيف ونحوه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣١٦٢ - (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ يَزِيدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ, عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ, عَنْ أَبِي صَالِحٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الشَّهِيدُ لَا يَجِدُ مَسَّ الْقَتْلِ, إِلاَّ كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمُ الْقَرْصَةَ يُقْرَصُهَا»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عمران بن يزيد) هو ابن خالد بن يزيد، نّسب لجده، الدمشقي، صدوق [١٠]

стр. 13549

من أفراد الصنف. ٢ - (حاتم بن اسماعيل) الحارثي مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، كوفي الأصل، صدوق يهم، صحيح الكتاب [٨] ٢٤/ ٥٤٣. ٣ - (محمد بن عجلان) المذكور قبل بابين. ٤ - (القعقاع بن حكيم) الكنانيّ المدنيّ، ثقة [٤] ٤٦/ ٤٠. ٥ - (أبو صالح) ذكوان السمّان المدنيّ، ثقة ثبت [٣] ٣٦/ ٤٠. ٦ - (أبوهريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. وقد وثقه هو، وابن حبّان. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فدمشقيّ. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين المدنيين، يروي بعضهم، عن بعض: ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، وفيه أبو هريرة ﵁ رأس المكثرين من الرواية. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: "الشَّهِيد) قال النوويّ: اختُلف في سبب تسمته شهيدًا، فقال: النضر بن شُميل: لأنه حيّ؛ فإن أرواحهم شَهِدت، وحضرت دار السلام، وأروح غيرهم إنما تشهدها يوم القيامة. وقال ابن الأنباريّ: إن اللَّه تعالى، وملائكته - عليهم الصلاة والسلام - يشهدون له بالجنّة. وقيل: لأنه شهد عند خروج روحه ما أعدّه اللَّه تعالى من الثواب والكرامة. وقيل: لأن ملائكة الرحمة يشهدونه، فيأخذون روحه. وقيل: لأنه شُهِدَ له بالإيمان، وخاتمةِ الخير بظاهر حاله. وقيل: لأن عليه شاهدًا بكونه شهيدًا، وهو الدم. وقيل: لأنه ممن شهد على الأمم يوم القيامة بإبلاع الرسل الرسالة إليهم. وعلى هذا القول يشاركهم غيرهم في هذا الوصف انتهى (١). (لَا يَجِدُ مَسَّ القَتْلِ) أي إصابته، وهو من إضافة المصدر إلى فاعله، يقال مسّ الماءُ الجسدَ من باب تَعِبَ، وقَتَلَ مسًّا: أصابه، ويتعدّى إلى ثان بالحرف، وبالهمزة، فيقال: مَسِسْتُ الجسدَ بماء، وأَمْسَسْتُ الجسدَ ماءً. أفاده الفيّوميّ. والمعنى هنا: أن الشهيد لا يُحِسُّ بضرب السيف عند قتله (إِلَّا كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمُ الْقَرْصَةَ) بفتح القاف، وسكون الراء: المرّة من القَرْص، قال المجد في

стр. 13550

"القاموس": "القرص" أخذك لحمَ الإنسان بإصبعيك حتى تؤلمه، ولَسْعُ البراغيث. والمعنى: أن شدّة القتل للشهيد لا يكون أزيد من غمز لحم الإنسان بالإصبعين. وقوله (يُقْرَصُهَا) بالبناء للمفعول، وضمير "ها" للقَرْصة، ونصبه على أنه مفعول مطلق، ونائب الفاعل ضمير "أحد". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٣٥/ ٣١٦٢ - وفي "الكبرى" ٣١/ ٤٣٦٩. وأخرجه (ت) في "فضائل الجهاد" ١١٦٨ (ق) في "الجهاد" ٢٨٠٢ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٧٨٩٣ (الدراميّ) في "الجهاد" ٢٤٠٨. واللَّه تعالى أعلم (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مقدار ما يجده الشهيد من ألم الضرب بالسيف، ونحوه. (ومنها): تسلية الشهيد بتهوين هذا الخطب الْمُهَوِّل. (ومنها): بيان فضل اللَّه تعالى وشدّة رأفته بعباده الذين بذلوا أنفسهم في مرضاته ، حيث هَوَّن عليهم ألم ضرب السيف عند قتلهم، بحيث يكون كألم الغمز بالأصابع، أو كألم لَسْع البراغيث، فللَّه الحمد والمنّة، أوّلاً وآخرًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٣٦ - (مَسْأَلَةُ الشَّهَادَة) أي هذا باب ذكر الأحاديث المشتملة على الحثّ في سؤال العبد ربّه أن يرزقه الشهادة. ٣١٦٣ - (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْحٍ, أَنَّ سَهْلَ بْنَ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ, حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ, عَنْ
следующие страницы →