← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 13546–13585 · переход к 13551.

стр. 13546

٣٤ - (مَا يَتَمَنَّى أَهْلُ الْجَنَّةِ) ٣١٦١ - (أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ ثَابِتٍ, عَنْ أَنَسٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُؤْتَى بِالرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ, فَيَقُولُ اللَّهُ : يَا ابْنَ آدَمَ, كَيْفَ وَجَدْتَ مَنْزِلَكَ؟ , فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ, خَيْرَ مَنْزِلٍ, فَيَقُولُ: سَلْ, وَتَمَنَّ, فَيَقُولُ: أَسْأَلُكَ أَنْ تَرُدَّنِي إِلَى الدُّنْيَا, فَأُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ عَشْرَ مَرَّاتٍ, لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أبو بكر بن نافع) هو محمد بن أحمد بن نافع، نُسب لجدّه العبدي البصريّ، مشهور بكنيته، صدوقٌ، من صغار [١٠] ٢٧/ ٨١٣. ٢ - (بهز) بن أسد العميّ، أبو الأسود البصريّ، ثقة ثبت [٩] ٢٤/ ٢٨. ٣ - (حمّاد) بن سلمة بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بآخره، من كبار [٨] ١٨١/ ٢٨٨. ٤ - (ثابت) بن أسلم الْبُنَانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة عابد [٤] ٤٥/ ٥٣. ٥ - (أنس) بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه أنسًا ﵁ أحد المكثرين السبعة (٢٢٨٦)، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة ﵃، مات سنة (٢) أو (٩٣)، وقد جاوز المائة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أنَسٍ) بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "يُؤْتَى بالرَّجُلِ) أي الشهيد، أو غيره، فإنه يتمنّى الرجوع إذا رأى فضل الشهيد، لكن الموافق للحديث المتقدّم هو الأول. ويمكن التوفيق بحمل الحديث السابق على أيام البرزخ، وهذا على ما بعد دخول الجنّة يوم القيامة، وهو مبنيّ على إمكان غفول بعض الناس عن فناء الدنيا. قاله السنديّ (١) (مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ : يَا ابْنَ آدَمَ، كَيْفَ

стр. 13547

وَجَدْتَ مَنْزِلَكَ؟، فَيَقُولُ) الرجل (أَيْ) بفتح الهمزة، وسكون الياء حرف نداء للقريب (رَبِّ) أصله "ربي" مضافًا إلى ياء المتكلّم، ثم يجوز فيه ستة أوجه: الأول: حذف الياء، استغناء بالكسرة، وهذا هو الأكثر. والثاني: إثباتها ساكنة، وهو دون الأول في الكثرة. والثالث: قلب الياء ألفًا، وحذفها؛ استغناء بالفتحة. والرابع: قلبها ألفًا، وإبقاؤها، قلب الكسرة فتحةً، نحو "يا ربّا". والخامس: إثبات الياء مفتوحة، نحو "يا ربِّيَ". والسادس، وهو أضعفها: ضمّ الاسم بعد حذف الياء، تشبيهًا بالمفرد، اكتفاء بنيّة الإضافة. وإلى الأوجه الخمسة الأولى أشار ابن مالك في "الخلاصة" حيث قال: وَاجْعَلْ مُنَادى صَحَّ إِنْ يُضَف لِيَا … كَعَبْدِ عَبْدِي عَبْدَ عَبدًا عَبْدِيَا (خَيرَ مَنْزِلٍ) منصوب بتقدير فعل، أي وجدته خير منزل (فَيَقُولُ) اللَّه تعالى للرجل (سَلْ) فعل أمر من السؤال، وأصله "اسأل" فخُفّف؛ لكثرة الاستعمال، وحُذف مفعوله تعميمًا، أي ما تشاء (وَتَمَنَّ) فعل أمر، التمنّي، وهو مؤكّد لما قبله (فَيَقُولُ) الرجل (أَسأَلُكَ أَنَّ تَرُدَّنِي إِلَى الدُّنْيَا) قال السنديّ: أي عشر مرّات، أو مرّة، وعلى الثاني فمعنى (فَأقْتَلَ فِي سَبيلِكِ عَشْرَ مَرَّاتٍ) أن يُقتَلَ، ثم يُحيا من ساعته في مكانه. واللَّه تعالى أعلم انتهى (١) (لِمَا يَرَى) متعلّق بمقدّر، أي إنما سأل ذلك لأجل ما يراه (مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ) بيان لـ"ما". ولفظ البخاريّ: "لما يرى من الكرامة". ولمسلم من حديث ابن مسعود ﵁، رفعه في الشهداء: "فاطلع إليهم ربهم اطلاعةٌ، فقال: هل تشتهون شيئا؟ قالوا: أيَّ شيء نَشتهِي، ونحن نَسْرَح من الجنة حيث شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يُسأَلُوا، قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا، حتى نُقتَل في سبيلك مرة أخرى … ". ولابن أبي شيبة من مرسل سعيد بن جبير أن المخاطب بذلك حمزة بن عبد المطّلب، ومصعب بن عُمير. وللترمذيّ، والحاكم، وصحّحه من حديث جابر، قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ : "ألا أخبرك ما قال اللَّه لأبيك؟ قال: يا عبد اللَّه تمنّ عليّ أعْطِكَ، قال: يا ربّ تُحييني، فأقتل فيك ثانيةً، قال: إنه سبق منّي أنهم إليها لا يُرجَعُون" (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته:

стр. 13548

حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٣٤/ ٣١٦١ - وفي "الكبرى" ٣٠/ ٤٣٦٨. وأخرجه (خ) في "الجهاد والسير" ٢٧٩٥ و ٢٨١٧ (م) في "الإمارة" ١٨٧٧ (ت) في "الجهاد" ١٦٦١ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١١٥٩٢ و ١١٨٦٤ و ١١٩٣٣ و ١٢١٤٧ و ١٢٣٦٠ و ١٣٠٩٩ و ١٣٢١٦ و ١٣٥١٤ و ١٣٥٥٢ و ١٣٦١٩ و ٩٣٦٦٩ (الدارميّ) في "الجهاد" ٢٤٠٩. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ما يتمنّاه أهل الجنّة من الرجوع إلى الدنيا؛ للاستشهاد في سبيل اللَّه . (ومنها): كلام اللَّه لأجل الجنّة. (ومنها): إكرم اللَّه الشهداء بقوله: "سَلْ، وتمنّ". (ومنها): ما قال ابن بطّال -رحمه اللَّه تعالى-: هذا الحديث أجلّ ما جاء في فضل الشهادة، قال: وليس في أعمال البرّ ما تُبْذَل فيه النفس غير الجهاد، فلذلك عظم فيه الثواب انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٣٥ - (مَا يَجِدُ الشَّهِيدُ مِنَ الألَمِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "ما" اسم موصول، وعائده محذوف، أي الشيء الذي يجده الشهيد من الألم عند ضربه بالسيف ونحوه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣١٦٢ - (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ يَزِيدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ, عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ, عَنْ أَبِي صَالِحٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الشَّهِيدُ لَا يَجِدُ مَسَّ الْقَتْلِ, إِلاَّ كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمُ الْقَرْصَةَ يُقْرَصُهَا»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عمران بن يزيد) هو ابن خالد بن يزيد، نّسب لجده، الدمشقي، صدوق [١٠]

стр. 13549

من أفراد الصنف. ٢ - (حاتم بن اسماعيل) الحارثي مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، كوفي الأصل، صدوق يهم، صحيح الكتاب [٨] ٢٤/ ٥٤٣. ٣ - (محمد بن عجلان) المذكور قبل بابين. ٤ - (القعقاع بن حكيم) الكنانيّ المدنيّ، ثقة [٤] ٤٦/ ٤٠. ٥ - (أبو صالح) ذكوان السمّان المدنيّ، ثقة ثبت [٣] ٣٦/ ٤٠. ٦ - (أبوهريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. وقد وثقه هو، وابن حبّان. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فدمشقيّ. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين المدنيين، يروي بعضهم، عن بعض: ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، وفيه أبو هريرة ﵁ رأس المكثرين من الرواية. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: "الشَّهِيد) قال النوويّ: اختُلف في سبب تسمته شهيدًا، فقال: النضر بن شُميل: لأنه حيّ؛ فإن أرواحهم شَهِدت، وحضرت دار السلام، وأروح غيرهم إنما تشهدها يوم القيامة. وقال ابن الأنباريّ: إن اللَّه تعالى، وملائكته - عليهم الصلاة والسلام - يشهدون له بالجنّة. وقيل: لأنه شهد عند خروج روحه ما أعدّه اللَّه تعالى من الثواب والكرامة. وقيل: لأن ملائكة الرحمة يشهدونه، فيأخذون روحه. وقيل: لأنه شُهِدَ له بالإيمان، وخاتمةِ الخير بظاهر حاله. وقيل: لأن عليه شاهدًا بكونه شهيدًا، وهو الدم. وقيل: لأنه ممن شهد على الأمم يوم القيامة بإبلاع الرسل الرسالة إليهم. وعلى هذا القول يشاركهم غيرهم في هذا الوصف انتهى (١). (لَا يَجِدُ مَسَّ القَتْلِ) أي إصابته، وهو من إضافة المصدر إلى فاعله، يقال مسّ الماءُ الجسدَ من باب تَعِبَ، وقَتَلَ مسًّا: أصابه، ويتعدّى إلى ثان بالحرف، وبالهمزة، فيقال: مَسِسْتُ الجسدَ بماء، وأَمْسَسْتُ الجسدَ ماءً. أفاده الفيّوميّ. والمعنى هنا: أن الشهيد لا يُحِسُّ بضرب السيف عند قتله (إِلَّا كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمُ الْقَرْصَةَ) بفتح القاف، وسكون الراء: المرّة من القَرْص، قال المجد في

стр. 13550

"القاموس": "القرص" أخذك لحمَ الإنسان بإصبعيك حتى تؤلمه، ولَسْعُ البراغيث. والمعنى: أن شدّة القتل للشهيد لا يكون أزيد من غمز لحم الإنسان بالإصبعين. وقوله (يُقْرَصُهَا) بالبناء للمفعول، وضمير "ها" للقَرْصة، ونصبه على أنه مفعول مطلق، ونائب الفاعل ضمير "أحد". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٣٥/ ٣١٦٢ - وفي "الكبرى" ٣١/ ٤٣٦٩. وأخرجه (ت) في "فضائل الجهاد" ١١٦٨ (ق) في "الجهاد" ٢٨٠٢ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٧٨٩٣ (الدراميّ) في "الجهاد" ٢٤٠٨. واللَّه تعالى أعلم (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مقدار ما يجده الشهيد من ألم الضرب بالسيف، ونحوه. (ومنها): تسلية الشهيد بتهوين هذا الخطب الْمُهَوِّل. (ومنها): بيان فضل اللَّه تعالى وشدّة رأفته بعباده الذين بذلوا أنفسهم في مرضاته ، حيث هَوَّن عليهم ألم ضرب السيف عند قتلهم، بحيث يكون كألم الغمز بالأصابع، أو كألم لَسْع البراغيث، فللَّه الحمد والمنّة، أوّلاً وآخرًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٣٦ - (مَسْأَلَةُ الشَّهَادَة) أي هذا باب ذكر الأحاديث المشتملة على الحثّ في سؤال العبد ربّه أن يرزقه الشهادة. ٣١٦٣ - (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْحٍ, أَنَّ سَهْلَ بْنَ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ, حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ, عَنْ

стр. 13551

جَدِّهِ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ, بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ, وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يونس بن عبد الأعلى) الصَّدّفيُّ المصريّ، ثقة، من صغار [١٠] ١/ ٤٤٩. ٢ - (ابن وهب) عبد اللَّه المصري الثقة الثبت العابد [٩] ٩/ ٩. ٣ - (عبد الرحمن بن شريح) المعافري، أبو شريح الإسكندراني، ثقة فاضل [٧] ٩/ ٣١١٧. ٤ - (سهل بن أيى أمامة) الأنصاريّ الأوسيّ المدنيّ، نزيل مصر، ثقة [٥]. قال عثمان الدراميّ عن ابن معين: ثقة. وكذا قال العجليّ. وذكره ابن حبّان في "الثقات". قال ابن يونس: تُوفّي بالإسكندرية. روى له الجماعة، سوى البخاريّ، وله عند المصنّف حديث الباب فقط. ٥ - (أبوه) أبو أمامة أسعد بن سهل بن حنيف الأنصاري المدني، له رؤية، ولم يسمع [٢] ٨/ ٥٠٩. ٦ - (جده) سهل بن حُنيف الأنصاري الأوسي الصحابي الشهير ﵁ ٩/ ٦٩٩. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هدا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمصريين إلى سهل بن أبي أمامة مدنيون. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، ورواية الراوي عن أبيه، عن جدّه، ورواية صحابيّ، عن صحابيّ؛ لأن أبا أمامة صحابيّ رؤيةً، وإن كان تابعيًّا روايةً. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث عن سهل بن أبي أمامة (عن أبيه) أبي أمامة أسعد بن سهل الأنصاريّ المدنيّ، مشهور بكنيته، معدود في الصحابة لرؤيته، ولكن لم يسمع شيئًا، مات سنة (١٠٠) وله (٩٢) سنة (عن جدّه) سهل بن حُنيف -بضم المهملة مصغْرًا- ابن واهب بن الْعُكَيم الأنصاريّ الأوسيّ، صحابيّ، شهد بدرًا، واستخلفه عليّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - على البصرة، ومات في خلافته (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بصِدْقٍ) أي لا لمجرّد الرغبة في فضل الشهداء من غير أن يرضى بحصولها إن حصَلت، وسؤال الشهادة مرجعه سؤال الموت الذي لا مَحالَةَ واقعٌ على أحسن حال، وهو فناء النفس في

стр. 13552

سبيل اللَّه ، وتحصيل رضاه، وهو محبوب من هذه الجهة، فيجوز أن يسألها، ولا يضرّ ما يلزمه من معصية الكافر، وفرحة الأعداء، وحزن الأولياء فليتأمل. قاله السنديّ (١) (بَلَّغَهُ) بتشديد اللام (اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ) لنيّته الصادقة (وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ) أي وإن لم يُقتل في سبيل اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث سهل بن حُنيف - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٦/ ٣١٦٣ - وفي "الكبرى" ٣٢/ ٤٣٧٠. وأخرجه (م) في "الإمارة" ١٩٠٩ (د) في "الصلاة" ١٥٢٠ (ت) في فضائل الجهاد" ١٦٥٣ (ق) في "الجهاد" ٢٧٩٧ (الدراميّ) في "الجهاد" ٢٤٠٧. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو الحثّ على طلب الشهادة في سبيل اللَّه تعالى. (ومنها): استحباب نيّة الخير. (ومنها): بيان فضل صدف النيّة، حيث استوجب من سأل اللَّه تعالى الشهادة بسبب صدق نيّته درجةَ الشهادة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١٦٤ - (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْحٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْحَضْرَمِيِّ, أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ حُجَيْرَةَ, يُخْبِرُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «خَمْسٌ, مَنْ قُبِضَ فِي شَيْءٍ مِنْهُنَّ, فَهُوَ شَهِيدٌ: الْمَقْتُولُ فِي سَبِيلِ اللهِ شَهِيدٌ, وَالْغَرِقُ فِي سَبِيلِ اللهِ شَهِيدٌ, وَالْمَبْطُونُ فِي سَبِيلِ اللهِ شَهِيدٌ, وَالْمَطْعُونُ فِي سَبِيلِ اللهِ شَهِيدٌ, وَالنُّفَسَاءُ فِي سَبِيلِ اللهِ شَهِيدٌ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: مناسبة هذا الحديث للباب فيه بُعْد لا يخفى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ورجال إسناده: ستة، كلهم تقدّموا في السند الماضي، إلا ثلاثة: ١ - (عبد اللَّه بن ثعلبة الحضرميّ) المصريّ، مقبول [٦]. روى عن عبد الرحمن بن حُجَيرة. وعنه أبو شُريح عبد الرحمن بن شُريح. ذكره ابن

стр. 13553

حبّان في "الثقات". تفرّد به المصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديث الباب فقط. ٢ - (ابن حُجَيرة) عبد الرحمن بن حُجيرة -بمهملة، وجيم، مصغّرًا- الْخَوْلانيّ، أبو عبد اللَّه المصريّ قاضيها، وهو ابن حُجيرة الأكبر (١)، ثقة [٣]. قال النسائيّ: ثقة. وقال العجليّ: مصريّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال الدارقطنيّ: مصريّ ثقة معروف. قال ابن يونس: توفّي في المحرّم سنة (٨٣) قال: وكان عبد العزيز بن مروان قد جَمَعَ له القضاءَ وبيتَ المال، فكان يأخذ رزق كلّ سنة ألف دينار، فلم يكن يحول عليه الحول، وعنده ما يجب فيه الزكاة. وحكى ابن عبدالحكم في "فتوح مصر" أنه مات سنة (٨٠). روى له الجماعة، سوى البخاريّ، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط، وعند ابن ماجه حديث أبي هريرة: "إذا أَدَّيْتَ زكاة مالك، فقد قضيت ما عليك". ٣ - (عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ) الجهنيّ الصحابيّ الشهير، كان ﵁ فقيهًا فاضلاً، تولّى إمرة مصر لمعاوية ﵁ ثلاث سنين، ومات قرب الستين ﵁. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير عبد اللَّه بن ثعلبة فمن أفراد المصنف كما مرّ آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين من أوله إلى آخره. واللَّه تعالى اْعلم. شرحِ الحديث (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) الجهنيّ ﵁ (أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: "خَمْسٌ) أي خمس أحوال، أو خمس صفات، ثمّ ذكر أصحاب هذه الأحوال والصفات، فإن بيانهم يستلزم معرفتها، ويغني عن بيانها، والمراد بـ"سبيل اللَّه" في الأول الجهاد، وفي غيره هو المتبادر أيضًا، فإنه المراد عرفًا من مطلق هذا الاسم، وأيضًا الْمُعاد معرفةً يكون عينَ الأول، كما هو القاعدة المشهورة التي ذكره الحافظ السيوطيّ في "عقود الْجُمان" بقوله: ثُمَّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُشتَهِرَة … إِذَا أَتَتْ نَكِرَةٌ مُكَرَّرَهْ تَغَايَرَا وَإِنْ يُعَرَّفْ ثَانِ … تَوَافَقَا كَذَا الْمُعَرَّفَانِ

стр. 13554

شَاهِدُهَا الَّذِي رَوَينَا مُسْنَدًا … لَنْ يَغْلِبَ اليُسْرَيْنِ عُسْرٌ أَبَدَا لكن مقتضى الأحاديث المطلقة خلافه، فيحتمل أن يراد به الإسلام، توفيقًا بين هذا الحديث، وبين الأحاديث المطلقة، وإن كان مقتضى أصول كثير من الفقهاء أن يُحمل المطلق على المقيّد، لكن المرجوّ ههنا هو الأول. أفاده السنديّ (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حاصل ما أشار إليه السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- أنه ليس المراد بـ"سبيل اللَّه" في قوله: "والغرق في سبيل اللَّه شهيد" من غرِق في الجهاد فقط، بل المراد كلّ مسلم غَرِق، سواء كان في الجهاد، أم في غيره، بدليل الأحاديث الصحاح الأخرى التي أطلقت الشهادة لكلّ مسلم غرِقَ، وكذا الكلام في "المبطون"، و"المطعون"، و"النفساء"، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم. (مَنْ قُبضَ) بالبناء للمفعول، أي تُوفّي (فِي شَيْءٍ مِنْهُنَّ، فَهُوَ شَهِيدْ) قال النوويّ: قال العلماء: وإنما كانت هذه الموتات شهادةٌ بتفضّل اللَّه تعالى، بسبب شدّتها، وكثرة ألمها. وقالوا أيضًا: المراد بشهادة هؤلاء كلّهم غير المقتول في سبيل اللَّه أنهم يكون لهم في الآخرة ثواب الشهداء، وأما في الدنيا، فيُغسلون، ويصلَّى عليهم. [فائدة]: الشهداء ثلاثة أقسام: (الأول): شهيدٌ في الدنيا والآخرة، وهو المقتول في حرب الكفّار. (والثاني): شهيد في الآخرة، دون أحكام الدنيا، وهم هؤلاء المذكورون في هذا الحديث، ونحوه. (والثالث): شهيد في الدنيا، دون الآخرة، وهو من غَلَّ في الغنيمة، أو قُتِلَ مدبرًا. أفاده النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- (٢). (الْمَقْتُولُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي في قتال الكفّار بأيّ صفة مات (شَهِيدٌ، وَالْغَرِقُ) بكسر الراء صفة مشبّهة من غَرِق، يقال: غَرِق الشيءُ في الماء غَرَقًا، فهو غَرِقٌ، من باب تَعِب، وجاء غارقٌ أيضًا. وحكى في "البارع" عن الخليل: الغَرِقُ الراسبُ في الماء من غير موت، فإن مات غَرَقًا فهو غَرِيقٌ، مثلُ كريم. هذا كلام العرب، وجوّز في "البارع" الوجهين في القياس. قاله الفيّوميّ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي نُقل عن الخليل من الفرق ذكره في "اللسان" بـ"قيل"، فقال: وقيل: الغرِقُ الراسبُ في الماء، والغريق الميت فيه انتهى. وقال ابن الأثير الغرق بكسر الراء-: الذي يموت بالغرق. وقيل: هو الذي غلبه الماء، ولم يَغْرَق، فإذا غرق فهو غَريق انتهى (٣). واللَّه تعالى أعلم.

стр. 13555

(فِي سَبِيلِ اللهِ) تقدّم قريبًا أن المراد به الإسلام. واللَّه تعالى أعلم (شَهِيدٌ، وَالْمَبْطُونُ) أي الذي يموت بمرض بطنه، كالاستسقاء، ونحوه (١) (فِي سَبِيلِ اللهِ شَهِيدٌ، وَالْمَطعُونُ) أي الذي مات بسبب الطاعون، وهو المرض العامّ، والوباء الذي يَفسُدُ له الهواء، فتفسُد به الأَمْزِجة والأبدان. قاله ابن الأثير (٢) (فِي سَبِيلِ اللهِ شَهِيدٌ، وَالنُّفَسَاءُ) المراد من ماتت في نفاسها، أي ولادتها. واللَّه تعالى أعلم (فِي سَبيلِ اللَّهِ شَهِيدٌ) لم يقل شهيدة؛ لأن فعيلاً بمعنى مفعول إن تبع موصوفه لم تلحقه التاء غالبًا، كما قال ابن مالك في "الخلاصة": وَمِنْ فَعِيلٍ كَقَتِيلٍ إِن تَبِعْ … مَوْصُوفَهُ غَالِبًا التَّا تَمْتَنِعْ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث عقبة بن عامر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-٣٦/ ٣١٦٤ - وفي "الكبرى" ٣٢/ ٤٣٧١. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١٦٥ - (أَخْبَرَنِي (٣) عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا بَحِيرٌ, عَنْ خَالِدٍ, عَنِ ابْنِ أَبِي بِلَالٍ, عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «يَخْتَصِمُ الشُّهَدَاءُ, وَالْمُتَوَفَّوْنَ عَلَى فُرُشِهِمْ إِلَى رَبِّنَا, فِي الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنَ الطَّاعُونِ, فَيَقُولُ الشُّهَدَاءُ: إِخْوَانُنَا قُتِلُوا كَمَا قُتِلْنَا, وَيَقُولُ الْمُتَوَفَّوْنَ عَلَى فُرُشِهِمْ: إِخْوَانُنَا مَاتُوا عَلَى فُرُشِهِمْ كَمَا مُتْنَا, فَيَقُولُ رَبُّنَا: انْظُرُوا إِلَى جِرَاحِهِمْ, فَإِنْ أَشْبَهَ جِرَاحُهُمْ جِرَاحَ الْمَقْتُولِينَ, فَإِنَّهُمْ مِنْهُمْ وَمَعَهُمْ, فَإِذَا جِرَاحُهُمْ قَدْ أَشْبَهَتْ جِرَاحَهُمْ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: مناسبة هذا الحديث للباب فيه بعد، كسابقه، فليُتأمّل. ورجال هذا الإسناد ستة، وقد تقدّموا قبل خمسة أبواب، غير اثنين: ١ - (ابن أبي بلال) عبد اللَّه بن أبي بلال الخزاعيّ الشاميّ، مقبول [٤]. روى عن العرباض بن سارية، وعبد اللَّه بن بُسْر. وعنه خالد بن معدان. ذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط. ٢ - (الْعِرْبَاضُ بن سارية) بكسر العين المهملة، وسكون الراء، بعدها موحّدة،

стр. 13556

وآخره معجمة السَّلَميّ، أبو نَجِيح الصحابيّ، كان من أهل الصفّة، ثم نزل حمص، ومات - رضي اللَّه تعالى عنه - بعد (٧٠) تقدّمت ترجمته في ٢٥/ ٢١٦٣. و"بقية": هو الوليد. و"بَحِير" بفتح، فكسر: هو ابن سعد. و"خالد": هو ابن معدان. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات، غير ابن أبي بلال، فمقبول. (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ) السلميّ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "يَخْتَصِمُ) أي يتنازع (الشُهَدَاءُ، وَالْمُتَوَفوْن) بتشديد الفاء المفتوحة، أي الذين ماتوا (عَلَى فُرُشِهِم) بضمتين، جمع فِراش، ككتاب وكُتُب بمعنى المفروش. قال الفيّوميّ: فَرَشتُ البساط وغيره فَرْشًا، من باب قتل، وفي لغة من باب ضرب: بَسَطتُهُ، وافترشته، فافترشَ هو، وهو الفِراش بالكسر، فِعَالٌ بمعنى مفعول، مثل كتاب، بمعنى مكتوب، وجمعه فُرُشٌ، مثلُ كتاب وكُتُب، وهو فَرْشٌ أيضًا- أي بفتح، فسكون- تسمية بالمصدر انتهى. (إِلَى رَبِّنَا) أي رافعين اختصامهم إلى اللَّه تعالى (فِي الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ) بتشديد الفاء، والبناء للمفعول، ولا شكّ أن مقصود الشهداء بذلك إلحاق المطعون معهم، ورفِع درجته إلى درجاتهم، وأما الأموات على الفرُش فلعلّه ليس مقصودهم أصالةً أن لا تُرفع درجة المطعون إلى درجات الشهداء، فإن ذلك حسدٌ مذموم، وهو منزوع عن القلوب في تلك الدار، وإنما مرادهم أن ينالوا درجات الشهداء كما نال المطعون مع موته على الفراش، فمعنى قولهم: "كما متنا" أي فإن نالوا مع ذلك درجات الشهداء ينبغي أن ننالها أيضًا، وعلى هذا فينبغي أن يُعتبر هذا الخصام خارج الجنّة، وإلا فقد جاء فيها: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت:٣١]، فينبغي أن ينال درجة الشهداء من يشتهيها في الجنّة، والظاهر أن اللَّه تعالى ينزع من قلب كلّ أحدٍ في الجنّة اشتهاء درجة من فوقه، ويُرضيه بدرجته. واللَّه تعالى أعلم. قاله السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن هذا الاختصام قبل دخول الجنّة، فلا يُستبعد أن يكون قولهم: "ماتوا على فُرُشهم كما متنا" من باب التنافس، لئلا يفضّلوا

стр. 13557

عليهم، ولا يُستغرب ذلك ممن لم يدخل الجنّة، فإن ذلك محلّ اختصام، وتنازع، وتنافر، فإنه: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ الآية [عبس: ٣٤ - ٣٦]، كما وصفه اللَّه تعالى بذلك، وأما قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ الآية [الحجر:٤٧]، فيحمل على ما بعد دخول الجنة، كما ثبت وصفهم بذلك في حديث أبي هريرة ﵁ المتفق عليه، وفيه ..... "لا اختلاف بينهم، ولا تباغُضَ، قلوبهم قلب واحد، يسبحون اللَّه بكرة وعشيا". متّفق عليه. والحاصل أن كون قولهم هذا من باب التنافس والتحاسد هو الظاهر، وهو محمول على ما قبل دخولهم الجتة، كما يرشد إليه آخر كلام السنديّ. واللَّه تعالى أعلم. (مِنَ الطَّاعُونِ) قال الفيّوميّ: الطاعون الموت من الوباء، والجمع طواعين، وطُعِن الإنسانُ بالبناء للمفعول: أصابه الطاعون، فهو مطعون انتهى. وفي "القاموس": "الطاعون": الوباء، جمعه طواعين انتهى. وقال في مادّة الوباء: الوباءُ محرّكةً: الطاعونُ، أو كلّ مرض عام، جمعه أوباءٌ انتهى. وقال محمد مرتضى في "شرحه التّاج": قال ابن النفيس الوباء فساد يَعْرِض لجوهر الهواء لأسباب سمايّة، أو أرضيّة، كالماء الآسن، والجيف الكثيرة كما في الملاحم. ونقل شيخنا عن الحكيم داود الأنطاكيّ أن الوباء حقيقةً تغيّر الهواء بالعوارض العلويّة، كاجتماع كواكب ذات أشعّة، والسفليّة كالملاحم، وانفتاح القبور، وصعود الأبخرة الفاسدة، وأسبابُهُ مع ما ذُكِر تغيّرُ فصول الزمان، والعناصر، وانقلاب الكائنات، وذكروا له علامات منها الْحُمّى، والْجُدَريّ، والنَّزلات، والْحِكَّة، والأَوْرَام، وغير ذلك، ثم قال: وعبارة "النزهة" تقتضي أن الطاعون نوع من أنواع الوباء وفرد من أفراده، وعليه الأطبّاء، والذي عليه المحقّقون من الفقهاء والمحدّثين أنهما متباينان، فالوباء، وخم بغير الهواء، فتكثر بسببه الأمراض في الناس، والطاعون هو الضرب الذي يُصيب الإنس من الجنّ، وأيّدوه بما في الحديث: "إنه وخز أعدائكم من الجنّ" انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحديث الذي أشار إليه هو ما أخرجه أحمد في "مسنده"، فقال: - حدثنا عبد الرحمن (٢)، حدثنا سفيان (٣)، عن زياد بن عِلاقة، عن رجل، عن أبي موسى، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "فَنَاء أمتي بالطعن، والطاعون"، فقيل: يا رسول

стр. 13558

اللَّه، هذا الطعن، قد عرفناه، فما الطاعون؟، قال: "وخز أعدائكم (١) من الجن"، وفي كلّ شهداء". وهذا الإسناد رجاله رجال الصحيح، غير الرجل المبهم، ويحتمل أنه أبو بكر بن أبي موسى الأشعريّ، كما أخرجه بسند آخر، فقال: - حدثنا بكر بن عيسى، قال: ثنا أبو عوانة، عن أبي بَلْج (٢)، قال: حدثناه أبو بكر بن أبي موسى الأشعريّ، عن أبيه، عبد اللَّه بن قيس، أن النبي ﷺ ، ذكر الطاعون، فقال: "وَخْزٌ من أعدائكم، من الجن، وهي شهادة المسلم". والحاصل أن الحديث صحيح، فيستفاد منه أن الصواب في معنى الطاعون هو وّخزُ الجنّ، أي طَعْنه للإنسان، فإذا مات بسبب ذلك يكون شهيدًا. واللَّه تعالى أعلم. (فَيَقُولُ الشُّهَدَاءُ: إِخْوَانُنَا) مبتدأ خبره قوله جملة "قُتلوا"، ويحتمل أن يكون خبراً لمبتدا محذوف، أي هم إخواننا الخ (قُتِلُوا كَمَا قُتِلْنَا، وَيَقُولُ الْمُتَوَفَّوْن) بتشديد الفاء المفتوحة، بصيغة اسم المفعول (عَلَى فُرُشِهِمْ: إِخْوَانُنَا مَاتُوا عَلَى فُرُشِهِمْ كَمَا مُتْنَا) بضم الميم، وكسرها، من مات يموت، أو مات يمات، يقال: مات يموت كقال يقول، ومات يمات، كخاف يخاف، وبهما قرىء في السبعة (فَيَقُولُ رَبُّنَا: انْظُرُوا) يحتمل أن يكون الخطاب للفريقين، ويحتمل أن يكون للملائكة (إِلَى جِرَاحِهِمْ) بكسر الجيم (فَإِنْ أَشبَهَ) وفي نسخة: "اشتبه"، والظاهر أنه تصحيف، إلا إذا أدخلت الباء في المفعول، واللَّه تعالى أعلم. (جِرَاحُهُم جِرَاحَ الْمَقْتُولِينَ، فَإنَّهَمْ مِنْهُمْ وَمَعَهُمْ) أي من جنس الشهداء، ومعهم في درجاتهم العالية. (فَإِذَا جِرَاحُهُمْ قَدْ أَشْبَهَتْ جِرَاحَهُمْ) ولفظ أحمد: "فيقضي اللَّه بينهم، أن انظروا إلى جراحات الْمُطَّعَنِين، فإن أشبهت جراحات الشهداء، فهم منهم، فينظرون إلى جراح المطعنين، فإذا هم قد أشبهت، فيلحقون معهم". و"إذا" هنا فُجَائيّة، فقيل: هي حرف، واختاره ابن مالك، وقيل: ظرف مكان، وقيل: ظرف زمان، وعلى كونها ظرفًا فعاملها الخبر، وهو "قد أشبهت". والمعنى: أنهم لما نظروا إلى جراح المطعونين وجدوه مشابهًا لجراح الشهداء، فأُلْحِقوا بهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث العرباض بن سارية - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا

стр. 13559

حسن، فقد تابع بقيّة إسماعيل بن عيّاش في رواية لأحمد، وابن أبي بلال وثّقه ابن حبّان. والحديث من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا- ٣٦/ ٣١٦٥ - وفي "الكبرى" ٣٢/ ٤٣٧٢. وأخرجه (أحمد) في "مسند الشاميين" ١٦٧٠٨ و ١٦٧١٣. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٣٧ - (اجْتِمَاعُ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ فِي سَبِيلِ اللهِ فِي الْجَنَّةِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على اجتماع القاتل والمقتول الخ. فقوله: "في سبيل اللَّه" يتعلّق بـ"القاتل"، أو "المقتول" على سبيل التنازع. وقوله: "في الجنّة" يتعلّقُ بـ"اجتماع" واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣١٦٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ أَبِي الزِّنَادِ, عَنِ الأَعْرَجِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ , يَعْجَبُ مِنْ رَجُلَيْنِ, يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ" -وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى-: "لَيَضْحَكُ مِنْ رَجُلَيْنِ, يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ, ثُمَّ يَدْخُلَانِ الْجَنَّةَ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (محمد بن منصور) الْجَوّاز المكيّ، ثقة [١٠] ٢٠٢٠/ ٢١. ٢ - (سفيان) بن عيينة المكي الامام الحجة [٨] ١/ ١. ٣ - (أبو الزناد) عبد اللَّه بن ذكوان المدني الثقة الفقيه [٥] ٧/ ٧. ٤ - (الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز المدني الثقة الثبت [٣] ٧/ ٧. ٥ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه -. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه فمن أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين غير شيخه، وشيخ

стр. 13560

شيخه، فمكيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. وفيه من اشتهر بلقب بصورة الكنية، وهو أبو الزناد، فإن كنيته أبو عبد الرحمن، وفيه من اشتهر بلقبه، وهو الأعرج. وفيه أبو هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ ، يَعْجَبُ مِنْ رَجُلَيْنِ) من باب تَعِبَ. وفيه إثبات صفة العَجَب للَّه تعالى، على ما يليق بجلاله . وقال السنديّ: العَجَب وأمثاله مما هو من قبيل الانفعال، إذا نسب إلى اللَّه تعالى يراد به غايته، فغاية العجب بالشيء استعظامه، فالمعنى عظيم شأن هذين عند اللَّه. وقيل: بل المراد بالعجب في مثله التعجيب، ففيه إظهار أن هذا الأمر عجيبٌ. وقيل: بل العجب صفة سمعيّةٌ، يلزم إثباتها مع نفي التشبيه، وكمال التنزيه، كما هو مذهب أهل التحقيق في أمثاله. وقد سئل مالك عن الاستواء، فقال: الاستواء معلوم، والكيف غير معلوم، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. ومثله الكلام، في الضحك. واللَّه تعالى أعلم انتهى كلام السنديّ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي حكاه السنديّ أخيرًا هو الحقّ الذي لا مرية فيه، كما صرّح هو بأنه مذهب أهل التحقيق، ومفهومه أن ما قبله ليس مذهب أهل التحقيق، بل هو مجرّد تخمين وقول على اللَّه تعالى بلا علم. ومن أعجب صنيعه أنه حكى القولين الزائفين أولاً كأنهما معتبران، ثم أتى في الأخير بالقول الحقّ بقيل، مع أنه صرّح بأنه مذهب أهل التحقيق، فخلط عملاً صالحًا وآخر سيئًا، إن هذا لشيء عجيب. والحاصل أن غير القول الأخير من آراء المتكلّمين، وأذنابهم من متأخري الأشاعرة وغيرهم الذين تركوا مذهب السلف من الصحابة، والتابعين، وأهل الحديث كافّة، وانخدعوا بمذهب المتكلّمين، الْمُستَقَى من الفلاسفة والملاحدة الضّالّين، فاعتبروه مذهبًا يُذكر مع مذهب أهل الحقّ، جنبًا إلى جنب، بل لا يذكرون مذهب السلف إلا بقيل، ونحوه من صيغ التمريض، إن هذا لهو العجب العجاب. وقد بسطت الكلام على هذا في غير هذا الموضع من هذا الشرح، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. (يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ" -وَقَال مَرَّةً أُخْرَى) الظاهر أن القائل هو النبيّ ﷺ ، فيكون من

стр. 13561

كلام أبي هريرة ﵁، ويحتمل أن يكون ممن دونه، واللَّه تعالى أعلم (لَيَضْحَكُ مِنْ رَجُلَيْنِ) قال ابن الجوزيّ -رحمه اللَّه تعالى-: أكثر السلف يمتنعون من تأويل مثل هذا، ويُمرّونه كما جاء، وينبغي أن يُراعى في مثل هذا الإمرارِ اعتقاد أنه لا تشبه صفات اللَّه صفات الخلق، ومعنى الإمرار عدم العلم بالمراد منه، مع اعتقاد التنزيه. ذكره في "الفتح". قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا هو الحقّ الذي لا ينبغي لمسلم أن يعتقد سواه، فصفة الضحك ثابتة للَّه -كما وردت في هذا النصّ وغيره، لكن ضحكه تعالى ليس كضحك الخلق، بل هي صفة تليق بجلاله ، ولا يلزم من إثباتها التشبيه، كما زعموا؛ لأن الصفات فرع عن الذات، فكما أن ذاته تعالى لا تشبه الذوات فكذلك صفاته. وأما ما نقله في "الفتح" عن الخطّابيّ من تأويل الضحك بالرضا، وأيده أخيرًا، فإنه من قبيل ما تقدّم ردّه على السنديّ قريبًا، فلا تغترّ به، فإنه ليس مذهب المحققين، كما سبق قريبًا، بل هو مذهب باطلٌ، لا يُلتفت إليه، فتنبّه هداني اللَّه، وإياك إلى الطريق المستقيم، إنه بعباده رءوفٌ رحيم. (يَقْتُلُ) بالبناء للفاعل (أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، ثُمَّ يَدْخُلَانِ الْجَنَّةَ) سيأتي في الباب التالي توضيح معنى هذا الحديث، إن شاء اللَّه تعالى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٧/ ٣١٦٦ و ٣٨/ ٣١٦٧ - وفي "الكبرى" ٣٣/ ٤٣٧٣ و ٣٤/ ٤٣٧٤. وأخرجه (خ) في "الجهاد والسير" ٢٨٢٦ (م) في "الإمارة" ١٨٩٠ (ق) في "المقدّمة" ١٩١ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٧٢٨٢ و ٢٧٤٤٦ و ٩٦٥٧ و ١٠٢٥٨ (الموطأ) في "الجهاد" ١٠٠٠. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو اجتماع القاتل والمقول في سبيل اللَّه تعالى في الجنّة. (ومنها): بيان فضل اللَّه تعالى، وسعة رحمته، حيث يجعل

стр. 13562

كلّا من المتقاتلين من أهل الجنّة، مع أن الكافر قتل المسلم ظلمًا وعدوانًا، وجحدًا لنعمه تعالى، لكنه بواسع فضله، وسعة رحمته تفضّل عليه بالتوبة، والقتال في سبيله، حتى قُتل، فدخل الجنّة، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٤]، ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران: ٧٤]. (ومنها): أن فيه إثبات صفة العَجَب للَّه ، مع تنزيهه تعالى، إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهًا بلا تعطيل. وفيه أيضًا إثبات صفة الضحِك له على ما يليق بجلاله تعالى. (ومنها): أن كلّ من قُتل في سبيل اللَّه تعالى، فهو في الجنّة. قاله ابن عبد البرّ (ومنها): أن العبرة بالخواتم، فلو عمل العبد دهرًا من عمره أنواع الكبائر كلها، ثم وفّقه اللَّه تعالى في آخر حياته للتوبة، والعمل الصالح، محيت عنه خطياه كلها، وصار من أهل الجنّة ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ الآية [الروم: ٤]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٣٨ - (تَفْسِيرُ ذَلِكَ) أي هذا باب ذكر الحديث الذي فيه توضيح معنى ضحك اللَّه من الرجلين المذكور في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣١٦٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ, قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ, عَنْ أَبِي الزِّنَادِ, عَنِ الأَعْرَجِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , قَالَ: «يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ, يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ, كِلَاهُمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ, يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللهِ, فَيُقْتَلُ, ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى الْقَاتِلِ, فَيُقَاتِلُ فَيُسْتَشْهَدُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد: سبعة، وكلهم تقدّموا، فالأربعة الأولون تقدموا قبل خمسة أبواب، والباقون تقدموا في الباب الماضي، وكلهم من رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فقد تفرّد به هو وأبو داود. وقوله: "عن أبي الزناد" كذا هو في "الموطّإ"، ولمالك فيه إسناد آخر، رواه أيضًا عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنى، أخرجه الدارقطنيّ. وقوله: "يدخلان الجنّة" زاد مسلم من طريق همّام، عن أبي هريرة ﵁: "قالوا: كيف يا رسول اللَّه".

стр. 13563

وقوله: "يقاتل في سبيل اللَّه، فيُقتَل" زاد همّام: "فيلج الجنّة"، قال ابن عبد البرّ: معنى هذا الحديث عند أهل العلم أن القاتل الأول كان كافرًا. قال الحافظ: وهو الذي استنبطه البخاريّ في ترجمته -يعني قوله: "باب الكافر يَقتُل المسلمَ، ثمّ يُسلم، فيُسدّد بعدُ، ويُقتَل"- ولكن لا مانع أن يكون مسلمًا لعموم قوله: "ثم يتوب اللَّه على القاتل"، كما لو قَتَلَ مسلمٌ مسلمًا عمدًا بلا شبهة، ثم تاب القاتل، واستُشهِد في سبيل اللَّه، وإنما يمنع دخول مثل هذا من يذهب إلى أن قاتل المسلم عمدًا لا تقبل له توبة. ويؤيّد الأول أنه وقع في رواية همّام: "ثم يتوب اللَّه على الآخر، فيهديه إلى الإسلام"، وأصرح من ذلك ما أخرجه أحمد من طريق الزهريّ، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة بلفظ: "قيل: كيف يا رسول اللَّه؟، قال: يكون أحدهما كافرًا، فيَقتُل الآخر، ثم يُسلِم، فيَغزُو، فيُقْتَلُ". انتهى (١). وقوله: "ثم يتوب اللَّه على القاتل، فيستشهد" زاد همّام: "فيَهديه إلى الإسلام، ثم يُجاهد في سبيل اللَّه، فيُستشهد". والحديث متّفق عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٣٩ - (فَضْلُ الرِّبَاطِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الرِّباط" -بكسر الراء- و"المرابطة" مصدران لرابط، كما قال في "الخلاصة": لِفَاعَلَ الْفِعَالُ وَالْمُفَاعَلَهْ … وَغَيْرُ مَا مَرَّ السَّمَاعُ عَادَلَهْ وهو ملازمة ثَغْر العدوّ، وأصله أن يربِط كلٌّ من الفريقين خيله، ثم صار لزوم الثَّغْر (٢) رِباطًا، وربّما سُميت الخيل أنفسها رِبَاطًا. والرباط: المواظبة على الأمر. أفاده في "اللسان".

стр. 13564

قال الإمام البخاريّ في "صحيحه": "باب فضل رباط يوم في سبيل اللَّه، وقول اللَّه : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠]. قال في "الفتح": الرباط -بكسر الراء، وبالموحّدة الخفيفة-: مُلازمة المكان الذي بين المسلمين، والكفّار؛ لحراسة المسلمين منهم. قال ابن التين: بشرط أن يكون غير الوطن، قاله ابن حبيب، عن مالك. قال الحافظ: وفيه نظر في إطلاقه، فقد يكون وطنه، وينوي بالإقامة فيه دفع العدوّ، ومن ثَمَّ اختار كثير من السلف سُكنى الثغور، فبين المرابطة والحراسة عموم وخصوص وجهيّ، واستدلال البخاريّ بالآية اختيار لأشهر التفاسير، فعن الحسن البصريّ، وقتادة: ﴿اصبروا﴾ على طاعة اللَّه، ﴿وصابروا﴾ أعداء اللَّه في الجهاد ﴿ورابطوا﴾ في سبيل اللَّه. وعن محمد بن كعب القرطبيّ: ﴿اصبروا﴾ على الطاعة، ﴿وصابروا﴾ لانتظار الوعد، ﴿ورابطوا﴾ العدوّ، ﴿واتقوا اللَّه﴾ فيما بينكم. وعن زيد بن أسلم: ﴿اصبروا﴾ على الجهاد، ﴿وصابروا﴾ العدوَّ، ﴿ورابطوا﴾ الخيل. قال ابن قتيبة: أصل الرباط أن يَربِط هؤلاء خيلهم، وهؤلاء خيلهم؛ استعدادًا للقتال، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾. أخرج ذلك ابن أبي حاتم، وابن جرير، وغيرهما. وتفسيره برباط الخيل يرجع إلى الأول. وفي "الموطّإ" عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا: "وانتظار الصلاة، فذلكم الرباط"، وهو في "السنن" عن أبي سعيد (١). وفي "المستدرك" عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أن الآية نزلت في ذلك، واحتجّ بأنه لم يكن في زمن رسول اللَّه ﷺ غزو فيه رباط انتهى. قال الحافظ: وحمل الآية على الأول أظهر، وما احتجّ به أبو سلمة لا حجّة فيه، ولا سيّما مع ثبوت حديث الباب (٢)، فعلى تقدير تسليم أنه لم يكن في عهد رسول اللَّه ﷺ رباط، فلا يمنع ذلك من الأمر به، والترغيب فيه. ويحتمل أن يكون المراد كلاًّ من الأمرين، أو ما هو أعمّ من ذلك، وأما التقييد باليوم

стр. 13565

في الترجمة، وإطلاقه في الآية، فكأنه أشار إلى أن مطلقها يقيّد بالحديث، فإنه يُشعر بأن أقلّ الرباط يوم لسياقه في مقام المبالغة، وذِكْرُهُ مع موضع سَوْط يشير إلى ذلك أيضًا انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣١٦٨ - قَالَ: الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, عَنِ ابْنِ وَهْبٍ, أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْحٍ, عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ الْحَارِثِ, عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عُقْبَةَ, عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ, عَنْ سَلْمَانَ الْخَيْرِ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «مَنْ رَابَطَ يَوْمًا وَلَيْلَةً, فِي سَبِيلِ اللهِ, كَانَ لَهُ كَأَجْرِ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ, وَمَنْ مَاتَ مُرَابِطًا أُجْرِيَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ مِنَ الأَجْرِ, وَأُجْرِىَ عَلَيْهِ الرِّزْقُ, وَأَمِنَ مِنَ الْفَتَّانِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ) المصري القاضي، الثقة الفقيه [١٠] ٩/ ٩. ٢ - (ابن وهب) عبد المصري الثقة الحافظ العابد [٩] ٩/ ٩. ٣ - (عبد الرحمن بن شُرَيح) المعافري المصري، ثقة فاضل [٧] تقدّم قبل بابين. ٤ - (عبد الكريم بن الحارث) بن يزيد الحضرميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة عابد [٦]. قال البخاريّ: أثنى عليه ابن بُكير، وكان يَميل إلى تَقْدَمة عثمان. وقال يحيى بن بكير، عن بَكْر بن مُضر: لو قيل لعبد الكريم بن الحارث: إن الساعة تقوم غدًا ما كان عنده فضل لمزيد. وقال النسائيّ، والعجليّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات" وقال ابن يونس: تُوفّي بِبَرْقَةَ سنة (١٣٦) وكان من العبّاد المجتهدين. تفرّد به مسلم، والمصنّف، وله في هذا الكتاب حديث الباب -٣٩/ ٣١٦٨ - ، وحديث رافع ابن خَدِيج ﵁ ٤٥/ ٣٩٠٨ - قال: "نهى رسول اللَّه ﷺ عن كراء الأرض". ٥ - (أبو عبيدة بن عُقبة) بن نافع الْفِهْريّ، يقال: اسمه مُرَّة، مقبول [٣]. روى عن أبيه، وأخيه عياض، وابن عمر، وغيرهم. وعنه أبو عَقيل زُهْرة (٢) بن مَعْبد، وعبد الكريم بن الحارث، وصاعد بن محمد، وسليمان بن حميد، وغيرهم. ذكره ابن حبّان في "الثقات". قال أبو سعيد بن يونس في "تاريخ مصر": مُرّة بن عُقْبة الفِهْريّ، يُكنى أبا عبيدة أدرك معاوية، وتُوفّي سنة (١٠٧) وهو يُريد الحجّ فيما يقال، وكان مع أبيه بالقيروان. تفرّد به مسلم، والمصنّف، وله عندهما حديث الباب فقط. ٦ - (شُرَحْبيل بن السِّمْط) -بكسر المهملة، وسكون الميم (٣) - الكنديّ الشاميّ، ثقة

стр. 13566

اختُلف في صحبته [٢] ١/ ١٤٣٧. ٧ - (سَلْمَانُ الْخَيْرِ) الفارسيّ، أبو عبد اللَّه الصحابيّ الشهير، أصله من أصبهان، وقيل: من رامَهُرْمُزَ، أول مشاهده الخندق، ومات ﵁ سنة (٣٤)، وتقدّمت ترجمته في -٣٧/ ٤١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه فتفرد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين سوى شرحبيل، فإنه شامي، وسلمان، فإنه مدني. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سَلْمَانَ الْخَيْرِ) الفارسيّ ﵁. وفي رواية الترمذيّ، من طريق محمد بن المنكدر، قال: مرّ سلمان الفارسيّ ﵁ بشُرَحبيل بن السِّمْط، وهو في مُرَابَطٍ له، وقد شَقَّ عليه، وعلى أصحابه، فقال: ألا أُحدّثك يا ابن السِّمْط بحديث سمعته من رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: بلى، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: رباط يوم في سبيل اللَّه أفضل، وربّما قال: خيرٌ من صيام شهر … (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أنه (قَالَ: "مَنْ رَابَطَ) أي لازم الثَّغْر للجهاد في سبيل اللَّه تعالى (يَوْمًا وَلَيلَةً، فِي سَبيلِ اللَّه) أي لأجل إعلاء كلمة اللَّه ، لا لطلب عَرَضٍ دُنيويّ (كَانَ لَهُ كَأَجْرِ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَمَنْ مَاتَ) حال كونه (مُرَابِطًا) أي ملازمًا لثَغْرٍ من ئغور المسلمين (أُجْرِيَ) بالبناء للمفعول (لَهُ مِثْلُ ذَلِك) أي مثلُ أجر صيام شهر وقيامه، مع أنه انقطع عمله بموته، غير أن اللَّه أجرى له الأجر فضلاً منه، وكرمًا. والمراد أنه يستمر له كلَّ يوم أجر صيام شهر وقيامه. [فإن قلت]: هذا الحديث يعارض "حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله، إلا من ثلاثة، إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". رواه مسلم، وسيأتي للمصنّف في "كتاب الوصايا" رقم- ٨/ ٣٦٥٢، فكيف يُجمع بينهما؟ [قلت]: يُجمع بأن حديث الباب مخصوص من عموم حديث أبي هريرة ﵁ المذكور، فهو عامٌ مخصوص، بحديث الباب فلا تعارض بينهما. أو يُحمل حديث الباب على الأجر، لا على العمل، وحديث أبي هريرة ﵁ على

стр. 13567

انقطاع العمل، وأنه لا يبقى العمل بعد الموت، إلا لهؤلاء الثلاثة، فإنه يبقى بعده، فلا تعارض بينهما. ويؤيّد الجمع الأول الرواية التالية بلفظ: "فإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمل … ". فإنه ظاهر في بقاء العمل له، فالجمع الأول أولى. واللَّه تعالى أعلم. وقوله (مِنَ الْأَجْرِ) بيان لـ"مثل ذلك". وفي الرواية التالية، ونحوها عند مسلم "فإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأَمِنَ الفُتَّانَ، وأجري عليه رزقه". وفي رواية الترمذيّ: "ومن مات فيه وُقي فتنة القبر، ونُمِيَ له عمله إلى يوم القيامة". قال النوويّ: هذه فضيلة ظاهرة للمرابط، وجريان عمله عليه بعد موته فضيلة مختصّة به، لا يشاركه فيها أحدٌ، وقد جاء في غير مسلم: "كلُّ ميت يُختم عليه عمله إلا المرابط، فإنه يُنمى له عمله إلى يوم القيامة". انتهى (١). (وَأُجْرِيَ) بالبناء للمفعول (عَلَيْهِ الرِّزْقُ) أي رزقه الذي يأكله قبل يوم القيامة، فهو بمعنى قول اللَّه في الشهداء: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩] وبمعنى حديث ابن مسعود ﵁ الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" من طريق عبد اللَّه ابن مُرَّة، عن مسروق، قال: سألنا عبد اللَّه، عن هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، قال: أَمَا إنا قد سألنا عن ذلك، فقال: "أرواحهم في جوف طير خُضْرٍ، لها قناديل مُعَلقَّة بالعرش، تَسْرَح من الجنّة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل … " الحديث. (وَأَمِن) قال النوويّ: ضبطوا "أَمِنَ" بوجهين: "أحدهما": أَمِنَ -بفتح الهمزة، وكسر الميم- من غير واو. "والثاني": "أُمِنَ" -بضمّ الهمزة، وبواو- (مِنَ الْفُتَّانِ) قال القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى-: رويناه عن أكثرهم بالضمّ، جمع فاتن. قال: وعن الطبريّ بالفتح، وذكره أبو داود مفسرًا: "وأُمِنَ من فَتَّاني القبر" (٢). وقال السنديّ:-بضمّ الفاء، وتشديد المثناة الفوقيّة-: جمع فاتنٍ. وقيل: -بفتح، فتشديد للمبالغة، وفُسّر على الأول بالمنكر والنكير (٣)، والمراد أنهما لا يجيئان إليه للسؤال، بل يكفي موته مرابطًا في سبيل اللَّه تعالى شاهدًا على صحّة إيمانه، أو أنهما لا

стр. 13568

يضُرّانه، ولا يُزعجانه. وعلى الثاني بالشيطان، ونحوه، ممن يوقع الإنسان في فتنة القبر، أي عذابه، أو بِمَلَكِ العذاب انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث سلمان الخير - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٣٩/ ٣١٦٨ و ٣١٦٩ - وفي "الكبرى" ٣٥/ ٤٣٧٥ و ٤٣٧٦. وأخرجه (م) في "الإمارة" ١٩١٣ (ت) في "فضائل الجهاد" ١٦٦٥ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٣٢١٥ و ٢٣٢٢٣. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل الرباط في سبيل اللَّه . (ومنها): أن من مات مرابطًا أُجري عليه عمله بعد موته، وهذا فضل من اللَّه تعالى، حيث أكرم المرابط بعد موته بعدم انقطاع عمله. (ومنها): أن من مات مرابطًا فإنه شهيد حيّ عند ربّه يُجرى عليه رزقه، كسائر الشهداء. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١٦٩ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى, عَنْ مَكْحُولٍ, عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ, عَنْ سَلْمَانَ, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ رَابَطَ فِي سَبِيلِ اللهِ, يَوْمًا وَلَيْلَةً,

стр. 13569

كَانَتْ لَهُ كَصِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ, فَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ, وَأَمِنَ الْفَتَّانَ, وَأُجْرِىَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه عمرو بن منصور النسائيّ، فإنه من أفراده، وهو ثقة. و"عبد اللَّه بن يوسف": هو التِّنِّيسيّ. و"الليث": هو ابن سعد الإمام المصريّ. و"أيوب بن موسى": هو الأمويّ أبو موسى المكيّ. و"مكحول": هو أبو عبد اللَّه الدمشقيّ الفقيه. والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١٧٠ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ زَهْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ, مَوْلَى عُثْمَانَ, قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁, يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ, خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ, مِنَ الْمَنَازِلِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عمرو بن منصور) أبو يوسف النسائيّ، ثقة ثبت [١١] ١٠٨/ ١٤٧. من أفراد المصنّف. ٢ - (عبد اللَّه بن يوسف) التنيسي، أبو محمد الكلاعي، دمشقي الأصل، ثقة متقن، من أثبت الناس في "الموطإ"، من كبار [١٠] ١٧/ ١٥٤٠. ٣ - (الليث بن سعد) الإمام الحجة الثبت المصري [٧] ٣١/ ٣٥. ٤ - (زُهرة (١) بن معبد (٢)) بن عبد اللَّه بن هشام بن زُهْرة بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرّة القرشيّ التيميّ، أبو عَقِيل المدنيّ، نزيل مصر، ثقة عابد [٤]. قال صالح بن أحمد، عن أبيه: ثقة. وكذا قال النسائيّ. وقال أبو حاتم: مستقيم الحديث، لا بأس به. وقال الحاكم عن الدارقطنيّ: ثقة. وقال أبو سعيد بن يونس: تُوفّي بالإسكندريّة سنة (١٢٧) قال: ويقال: سنة (٣٥) وهو عندي أصحّ انتهى. روى له الجماعة، سوى مسلم، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط.

стр. 13570

٥ - (أبو صالح مولى عثمان) اسمه الحارث، ويقال: بُرْكان بموحّدة أوّله (١)، ثم راء ساكنة، المصريُّ ثقة (٢) [٣]. روى عن مولاه. وعنه زُهْرة بن معبد. ذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال العجليّ: روى عنه زُهرة بن مَعبد، والمصريّون، ثقة. وجزم ابن أبي حاتم (٣)، عن أبيه، والدارقطنيّ، والرامهرمُزيّ بأن اسمه الحارث. تفرّد به المصنّف، والترمذيّ، وله عندهما حديث الباب فقط. ٦ - (عثمان بن عفّان) بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس الأمويّ الخليفة الثالث، ذو النورين، استُشهد في ذي الحجة بعد عيد الأضحى، سنة (٣٥)، وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة، وعمره ثمانون سنة، وقيل: أكثر، وقيل: أقلّ، تقدّمت ترجمته في ٦٨/ ٨٤. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وغير أبي صالح، فقد تفرد به هو، والترمذي. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين غير شيخه فنسائي، والصحابي، فمدني. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. (ومنها): أن صحابيه أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد الخلفاء الأربعة، وأحد المبشرين بالجنة ﵁. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ زُهْرَةَ) بضم الزاي (ابْنِ مَعْبَدٍ) بفتح الميم، وسكون المهملة، وفتح الموحّدة، أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ، مَوْلَى عُثْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁) وفي

стр. 13571

رواية ابن حبّان، والحاكم (١): سمعت عثمان بن عفّان ﵁ في مسجد الخيف بمنى … (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ) وفي رواية الترمذيّ من طريق هشام ابن عبد الملك، عن الليث: سمعت عثمان بن عفّان على المنبر، يقول: إني كتمتكم حديثًا سمعته من رسول اللَّه ﷺ كراهية تفرّقكم عنّي، ثم قد بدا لي أن أحدّثكموه، ليختار امرؤ لنفسه ما بدا له، فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: رباط يوم … " ("رِبَاطُ يَوْمٍ) أي حبس الشخص نفسه عند ثَغْر من الثغور (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي لإعلاء كلمة اللَّه تعالى، لا لأمر آخر، من الأعراض الفانية (خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ) أي فيما سوى الرباط، أو فيما سوى سبيل اللَّه ، فإن السبيل يذكّر، ويؤنّث. قال ابن بزيزة -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ما حاصله: لا تعارض بين حديث عثمان ﵁ هذا، وحديث سلمان ﵁ المتقدّم؛ لأنه يُحمل على الإعلام بالزيادة في الثواب عن الأول، أو باختلاف العاملين. قال: الحافظ: أو باختلاف العمل بالنسبة إلى الكثرة والقلّة، ولا يُعارضان أيضًا حديثَ سهل بن سعد الساعديّ ﵁: "رباط يوم في سبيل اللَّه خير من الدنيا وما عليها"؛ لأن صيام شهر وقيامه خير من الدنيا وما عليها انتهى (٢). وقوله (مِنَ الْمَنَازِلِ) بيان لـ"ما سواه"، أي من منازل الخيرات، والطاعات. قال القاري: وخُصّ منها المجاهدُ في المعركة بدليل منفصل عقليّ ونقليّ، وهو لا ينافي تفسير الرباط بانتظار الصلاة بعد الصلاة في المساجد، وقوله (٣) ﷺ : "فذالكم الرباط، فذلكم الرباط"؛ لأنه رباط دون رباط، بل هو مشبّه بالرباط للجهاد، فإنه الأصل فيه، أو هذا رباط للجهاد الأكبر، كما أن ذاك رباط للجهاد الأصغر، وتفسير لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ الآية [آل عمران: ٢٠٠]، فإن الرباط الجهاديّ قَدْ فُهِمَ مما قبله، كما لا يخفى وقال الطيبيّ: [فإن قلت]: هو جمع مُحَلَّى بلام الاستغراق، فيلزم أن يكون المرابط أفضل من المجاهد في المعركة، ومن انتظار الصلاة بعد الصلاة في المسجد، وقد قال فيه: "فذالكم الرباط، فذالكم الرباط"، وقد شرحناه ثمة. [قلت]: هذا في حقّ من فُرِض عليه المرابطةُ، وتَعَيَّنَ بنصب الإمام على ما سبق في الحديث السابق. قال القاري: قلت: في الفرض العين، لا يقال: إنه خير من غيره؛ لأنه متعيّن لا

стр. 13572

يتصوّر خلافه إذ اشتغاله بغيره معصية انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): فى درجته: حديث عثمان - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٩/ ٣١٧٠ و٣١٧١ - وفي " الكبرى" ٣٥/ ٤٣٧٧ و ٤٣٧٨. وأخرجه (ت) في "فضائل الجهاد" ١٦٦٧ (أحمد) في "مسند العشرة" ٤٤٤ و ٤٧٢ و ٤٧٩ و ٥٥٩ (الدراميّ) في "الجهاد" ٢٤٢٤. واللَّه تعالى أعلم. وفوائد الحديث تقدّمت في شرح حديث سلمان - رضي اللَّه تعالى عنه -. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١٧١ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مَعْنٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا زَهْرَةُ بْنُ مَعْبَدِ, عَنْ أَبِي صَالِحٍ, مَوْلَى عُثْمَانَ, قَالَ: قَالَ: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ, ﵁: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «يَوْمٌ فِي سَبِيلِ اللهِ, خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد: سبعة كلهم تقدّموا غير مرّة، سوى: ١ - (أبي مَعْن) الإسكندرانيّ الخولانيّ، أصله من البصرة، واسمه عبد الواحد بن أبي موسى، ثقة زاهد [٦]. روى عن أبي عَقِيل زهرة بن معبد، وأبي السحماء سُهيل بن حَسّان، ويزيد بن أبي حبيب. وعنه ضمام بن إسماعيل، وعبد اللَّه بن المبارك، وكان من أهل الفضل. قال سليمان بن داود الْمَهْريّ، عن سعيد الآدم: كان أبو معن يتّجِر، ويقال: إنه كان مُجاب الدعوة، ثم ترك التجارة زاهدًا، وخرج إلى الإسكندريّة، فأقام بها حتى مات. وقال ابن يونس: روى عنه الليث بن سعد، وأسامة بن زيد، ولم نجد له حديثًا عند البصريين، وقال لي أبو جعفر الطحاويّ: إنه من خولان. قال: وتوفّي بعد الخمسين ومائة. تفرّد به المصنّف بحديث الباب فقط.

стр. 13573

و"عمرو بن عليّ": هو الفلاّس. وقوله: "يوم في سبيل اللَّه": هو بمعنى الرواية الماضية "رباط يوم الخ". والحديث صحيح، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الحديث الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٤٠ - (فَضْلُ الْجِهَادِ فِي الْبَحْرِ) ٣١٧٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ, قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ, عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , إِذَا ذَهَبَ إِلَى قُبَاءٍ, يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ, فَتُطْعِمُهُ, وَكَانَتْ أُمُّ حَرَامٍ بِنْتُ مِلْحَانَ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ, فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا, فَأَطْعَمَتْهُ, وَجَلَسَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ, فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , ثُمَّ اسْتَيْقَظَ, وَهُوَ يَضْحَكُ, قَالَتْ: فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ, قَالَ: «نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي, عُرِضُوا عَلَيَّ, غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ, يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ, مُلُوكٌ عَلَى الأَسِرَّةِ, أَوْ مِثْلُ الْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ» , -شَكَّ إِسْحَاقُ- فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ, ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ, فَدَعَا لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , ثُمَّ نَامَ, - وَقَالَ الْحَارِثُ: فَنَامَ, ثُمَّ اسْتَيْقَظَ, فَضَحِكَ, فَقُلْتُ لَهُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ , قَالَ: «نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي, عُرِضُوا عَلَيَّ, غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ, مُلُوكٌ عَلَى الأَسِرَّةِ, أَوْ مِثْلُ الْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ» , كَمَا قَالَ فِي الأَوَّلِ, فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ, ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ, قَالَ: «أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ» , فَرَكِبَتِ الْبَحْرَ فِي زَمَانِ مُعَاوِيَةَ, فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا, حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ, فَهَلَكَتْ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن سلمة) المراديّ الجَمَليّ المصريّ، ثقة ثبت [١١] ١٩/ ٢٠. ٢ - (الحارث بن مسكين) بن محمد القاضي المصريّ، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩. ٣ - (ابن القاسم) عبد الرحمن العُتَقي المصري، ثقة فقيه، من كبار [١٠] ١٩/ ٢٠. ٤ - (مالك) بن أنس الإمام الحجة الثبت المدني [٧] ٧/ ٧.

стр. 13574

٥ - (إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة) المدنيّ، ثقة حجة [٤] ١٩/ ٢٠. ٦ - (أنس بن مالك) الصحابيّ الجليل ﵁ ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث فتفرد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين غير شيخيه، وابن القاسم، فمصريون. (ومنها): أن فيه أنسًا ﵁ أحد المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبدِ اللَّه بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، إِذَا ذَهَبَ إِلَى قُبَاءَ) موضع بقرب مدينة النبيّ ﷺ من جهة الجنوب نحوَ ميلين، وهو بضمّ القاف، يُقصَر، ويُمَدّ، ويُصرَف؛ باعتبار المكان، ولا يُصرَف، باعتبار البقعة (يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ) -بفتح المهملتين، بلفظ ضدَ الحلال (بنْتِ مِلْحَانَ) بكسر اللام، وسكون اللام، وهي خالة أنس، وكان يقال لها: الرُّمَيصاء، ولأمّ سُلَيم الْغُمَيصاء -بالغين المعجمة- والباقي مثله. قال عياض: وقيل: بالعكس. وقال ابن عبد البرّ: الغُمَيصاء، والرُّمَيصاء هي أمّ سُليم. ويردّه ما أخرج أبو داود بسند صحيح عن عطاء بن يسار، عن الرميصاء، أخت أمّ سُليم، فذكر نحو حديث الباب. ولأبي عوانة من طريق الدّراورديّ، عن أبي طُوَالة، عن أنس ﵁ أن النبيّ ﷺ وضع رأسه في بيت بنت مِلْحَان إحدى خالات أنس. ومعنى الرَّمَص، والْغَمَص متقارب، وهو اجتماع الْقَذَى في مؤخّر العين، وفي هَدَبها. وقيل: استرخاؤها، وانكسار الجفن. قال في "الفتح": واختُلف فيه عن أنس: فمنهم من جعله من مسنده. ومنهم من جعله من مسند أمّ حرام، والتحقيق أنّ أوله من مسند أنس، وقصّة المنام من مسند أمّ حرام، فإن أنسًا إنما حمل قصّة المنام عنها، وقد وقع في أثناء هذه الرواية: "قالت: فقلت: يا رسول اللَّه ما يضحكك؟ "، وفي الرواية التالية من طريق محمد بن يحيى بن حَبّان، عن أنس بن مالك، عن أم حرام بنت ملحان، وعند البخاريّ التصريح بالتحديث، ولفظه: "حدّثتني أم حرام بنت ملحان، أخت أمّ سُليم، أن النبيّ ﷺ قال يومًا في بيتها، فاستيقظ … " الحديث (١).

стр. 13575

(فَتُطعِمُهُ) بضم أوله، من الإطعام رباعيًّا (وَكَانَتْ أُمُّ حَرَام بِنْتُ مِلْحَان تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) ظاهر هذا أنها كانت حينئذ زوج عبادة. وفي الرواية التالية: "فتزوّجها عُبادة بن الصامت، فركب البحر، وركبت معه … ". وفي رواية لمسلم: "فتزوّج بها عبادةُ بعدُ … ". ويُجمع بأن المراد بقوله هنا: "وكانت تحت عبادة" الإخبار عما آل إليه الحال بعد ذلك. وهو الذي اعتمده النوويّ وغيره، تبعًا للقاضي عياض. لكن وقع في ترجمة أمّ حرام من "طبقات ابن سعد" أنها كانت تحت عبادة، فولدت له محمدًا، ثم خلف عليها عمرو بن قيس بن زيد الأنصاريّ النّجّاريّ، فولدت له قيسًا، وعبد اللَّه، وعمرُو بنُ قيس هذا اتفق أهل المغازي أنه استُشهِد بأحد، وكذا ذكر ابن إسحاق أن ابنه قيس بن عمرو بن قيس استُشهد بأحد، فلو كان الأمر كما وقع عند ابن سعد لكان محمد صحابيًّا؛ لكونه وُلد لعُبَادة قبل أن يفارق أمّ حرام، ثم اتصلت بمن ولدت قيسًا، فاستشهد بأحد، فيكون محمد أكبر من قيس بن عمرو، إلا أن يقال: إن عبادة سَمَّى ابنه محمدًا في الجاهلية، كما سُمّي بهذا الاسم غير واحد، ومات محمد قبل إسلام الأنصار، فلهذا لم يذكروه فى الصحابة، ويعكر عليه أنهم لم يَعُدّوا محمد بن عبادة فيمن سُمّي بهذا الاسم قبل الإسلام. قال الحافظ: ويمكن الجواب (١)، وعلى هذا فيكون عبادة تزوّجها أوّلاً، ثم فارقها، فتزوّجت عمرو بن قيس، ثم استُشهد، فرجعت إلى عبادة، والذي يظهر لي أن الأمر بعكس ما وقع في الطبقات، وأنّ عمرو بن قيس تزوّجها أوّلاً، فولدت له، ثم استُشهِد هو وولده قيس منها، وتزوّجت بعده بعبادة. (فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا، فَأَطْعَمَتْهُ) قال الحافظ: لم أقف على تعيين ما أطعمته يومئذ (وَجَلَسَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ) -بفتح المثنّاة، وسكون الفاء، وسكون الفاء، وكسر اللام- أي تفرّق شعر رأسه، وتُفَتِّش ما فيه من القمل، فتخرجه (فَنَامَ رَسُولُ اللَّه ﷺ ) وفي الرواية التالية: "وقال عندنا"، فدلّ على أن ذلك النوم كان وقت القائلة. وفي رواية للبخاريّ: "فنام قريبًا منّي"، وفي رواية: "فاتّكأ" (ثُمَّ اسْتَيْقَظَ، وَهُوَ يَضْحَكُ) بفتح أوله، من باب تَعِب، جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (قَالَتْ: فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ) بضمّ أوله، من الإضحاك، أي ما الذي يَحمِلك على الضّحِكِ؟ (يَا رَسُولَ اللَّه) وفي الرواية التالية: "بأبي أنت وأمي ما أضحكك؟ "، وفي رواية أبي طوالة: "لم تَضحَك؟ "، ولأحمد من طريقه: "مِمَّ تضحك؟ "، وفي رواية عطاء بن يسار، عن

стр. 13576

الرمصياء: (ثمّ استيقظ، وهو يضحك، وكانت تغسل رأسها، فقالت: يا رسول اللَّه أتضحك من رأسي؟، قال: لا". أخرجه أبو داود، ولم يسق المتن، بل أحال به على رواية حماد بن زيد، وقال: يزيد، وينقص. وقد أخرجه عبد الرزّاق من الوجه الذي أخرجه منه أبو داود، فقال: عن عطاء بن يسار: "أن امرأة حدّثته … "، وساق المتن، ولفظه يدلّ على أنه في قصّة أخرى، غير قصّة أمّ حرام، فاللَّه أعلم. قاله في "الفتح" (١). (قَالَ: "نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي، عُرِضُوا عَلَيَّ) ببناء الفعل للمفعول، أي أَظهَر اللَّه تعالى لي صُوَرهم، وأحوالهم حال ركوبهم البحر، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (غُزَاةٌ) بضم العْين المعجمة، جمع غاز، أي حال كونهم غازين (فِي سَبِيلِ اللهِ) أي لإعلاء كلمة اللَّه تعالى. وفي رواية حماد بن زيد عند البخاريّ: "فقال: عجبت من قوم من أمّتي". ولمسلم من هذا الوجه: "أُريت قومًا من أُمّتي"، وهذا يُشعر بأن ضحكه كان إعجابًا بهم، وفَرَحًا لما رأى لهم من المنزلة الرفيعة (يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ) وفي الرواية التالية: "يركبون هذا البحر". وفي رواية حماد بن زيد عند البخاريّ: "يركبون هذا البحر الأخضر"، ولمسلم من طريقه: "يركبون ظهر البحر"، وفي رواية أبي طوالة: "يركبون البحر الأخضر في سبيل اللَّه". و"الثَّبَجُ" -بفتح المثلّثة، والموحّدة، ثم جيم-: ظَهْرُ الشيء. هكذا فسّره جماعة. وقال الخطّابيّ: متن البحر، وظهره. وقال الأصمعيّ: ثَبَجَ كلّ شيء وسطه. وقال أبو عليّ في "أماليه": قيل: ظهره. وقيل: مُعظَمُهُ. وقيل: هو له. وقال أبو زيد في "نوادره": ضرب ثَبَجَ الرجل بالسيف: أي وسطه. وقيل: ما بين كتفيه، والراجح أن المراد هنا ظهره، كما وقع التصريح به في بعض الرواية، والمراد أنهم يركبون السفن التي تجري على ظهره، ولما كان جري السفن غالبًا إنما يكون في وسطه، قيل: المراد وسطه، وإلا فلا اختصاص لوسطه بالركوب. وأما قوله: "الأخضر"، فقال الكرمانيّ: هي صفة لازمة للبحر، لا مخصّصة انتهى. ويحتمل أن تكون مخصّصة لأن البحر يُطلَق على الملح والعذب، فجاء لفظ "الأخضر" لتخصيص الملح بالمراد، قال: والماء في الأصل لا لون له، وإنما تنعكس الخضرة من انعكاس الهواء، ومقابلاته إليه. وقال غيره: إن الذي يقابله السماء، وقد أطلقوا عليها الخضراء؛ لحديث: "ما أظلّت الخضراء، ولا أقلّت الغبراء"، والعرب

стр. 13577

تُطلق الأخضر على كلّ لون ليس بأبيض، ولا أحمر، قال الشاعر [من الرمل]: وَأَنَا الأَخْضَرُ مَنْ يَعْرِفُنِي … أَخْضَرَ الْجِلْدَةِ مِنْ نَسْلِ الْعَرَبْ يعني أنه ليس بأحمر كالعجم، والأحمر يُطلقونه على كلّ من ليس بعربيّ، ومنه: "بُعثتُ إلى الأسود والأحمر". (مُلُوكٌ) بالرفع خبر لمحذوف: أي هم ملوك، والجملة حال، وفي نسخة: "ملوكًا" بالنصب على الحال (عَلَى الأَسِرَّةِ) -بفتح، فكسر، فتشديد راء، جمع سرير كالأعزّة، جمع عَزيز، والأَذِلّة، جمع ذَليل: أي قاعدين على الأسرّة (أَوْ مِثْلُ الْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ"، -شَكَّ إِسْحَاقُ-) يعني أن إسحاق بن عبد اللَّه بن طلحة شكّ في لفظ أنس في قوله: "ملوك على الأسرّة"، أو"مثلُ الملوك على الأسرة". وقال في "الفتح": قوله: "يشك إسحاق"، يعني روايةً عن أنس، ووقع في رواية الليث، وحمّاد: "كالملوك على الأسرّة" من غير شكّ. وفي رواية أبي طُوالة: "مثل الملوك على الأسرة" بغير شكّ أيضًا، ولأحمد من طريقه: "مَثَلُهُم كمَثَل الملوك على الأسرّة". قال الحافظ: وهذا الشكّ من إسحاق، وهو ابن عبد اللَّه بن أبي طلحة يُشعر بأنه يُحافظ على تأدية الحديث بلفظه، ولا يتوسّع في تأديته بالمعنى كما توسّع غيره كما وقع لهم في هذا الحديث في عدّة مواضع تظهر مما سقته وأسوقه. قال ابن عبد البرّ: أراد -واللَّه أعلم- أنه رأى الغُزَاة في البحر من أمته ملوكًا على الأسرّة في الجنّة، ورؤياه وحيٌ، وقد قال اللَّه تعالى في صفة أهل الجنّة: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الصافات: ٤٤]، وقال: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦]، والأرائك السُّرُر فى الْحِجَال. وقال عياض: هذا محتمل، ويحتمل أيضًا أن يكون خبرًا عن حالهم في الغزو من سعة أحوالهم، وقَوَام أمرهم، وكثرة عَدَدهم، وجَوْدَة عُدَدِهم، فكأنهم الملوك على الأسرّة. قال الحافظ: وفي هذا الاحتمال بُعْدُ، والأولُ أظهر، لكن الإتيان بالتمثيل في معظم طرقه يدلّ على أنه رأى ما يؤول إليه أمرهم، لا أنهم نالوا ذلك في تلك الحالة، أو مع التشبيه أنهم فيما هم من النعيم الذي أُثيبوا به على جهادهم مثل ملوك الدنيا على أَسِرَّتهم، والتشبيه بالمحسوسات أبلغ في نفس السامع. (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) وفي رواية: "فقال: اللَّهم اجعلها منهم" (ثُمَّ نَامَ، وَقَالَ الْحَارِثُ: فَنَامَ) يعني أن شيخه محم

стр. 13578

ابن سلمة قال في روايته: "ثم نام"، وقال شيخه الحاث بن مسكين قال في روايته: "فنام" بالفاء، بدل "ثمّ"، وهذا من دقّة صناعة المصنّف الحدثيّة، وشدّة تحرّيه في أداء ما سمعه من شيوخه من الألفاظ المختلفة، وإن لم تخلف المعنى كثيرًا. وفي رواية البخاريّ: "ثم وضع رأسه، فنام"، قال في "الفتح": وفي رواية الليث: "ثم قام ثانية، ففعل مثلها، فقالت مثل قولها، فأجابها مثلها"، وفي رواية حمّاد بن زيد: "فقال ذلك مرّتين، أو ثلاثة"، وكذا في رواية أبي طوالة عند أبي عوانة من طريق الدراورديّ، عنه، وله من طريق إسماعيل بن جعفر، عنه "ففعل مثل ذلك مرّتين أُخريين". قال الحافظ: وكلّ ذلك شاذّ، والمحفوظ من طريق أنس ما اتفقّت عليه روايات الجمهور أن ذلك كان مرّتين مرّة بعد مرّة، وأنه قال لها في الأولى: "أنت منهم"، وفي الثانية: "لست منهم"، ويؤيّده ما في رواية عُمير بن الأسود حيث قال في الأولى: "يغزون هذا البحر"، وفي الثانية: "يغزون مدينة قيصر". (ثُمَّ اسْتَيْقَظَ، فَضَحِكَ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، قَالَ: "نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي، عُرِضُوا عَلَيَّ، غُزَاة فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مُلُوكٌ عَلَى الْأَسِرَّةِ، أَوْ) للشكّ من الراوي (مِثلُ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ، كَمَا قَالَ: فِي الأوَّلِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: "أَنْت) بكسر التاء على خطاب المرأة (مِنَ الْأَوَّلِينَ") قال في "الفتح": زاد في رواية الدراورديّ، عن أبي طُوالة: "ولست من الآخرين". وفي رواية عُمير بن الأسود في الثانية: "فقلت: يا رسول اللَّه أنا منهم؟ قال: لا". قال الحافظ: وظاهر قوله: "فقال مثلها" أن الفرقة الثانية يركبون البحر أيضًا، ولكن رواية عُمير بن الأسود تدلّ على أن الثانية إنما غزت في البرّ لقوله: "يغزون مدينة قيصر"، وقد حكى ابن التين أن الثانية وردت في غزاة البرّ، وأقرّه. وعلى هذا يحتاج إلى حمل المثليّة في الخبر على معظم ما اشتركت فيه الطائفتان، لا خصوص ركوب البحر، ويحتمل أن يكون بعض العسكر الذين غزوا مدينة قيصر، ركبوا البحر إليها، وعلى تقدير أن يكون المراد ما حكى ابن التين، فتكون الأوليّة مع كونها في البرّ مقيّدة بقصد مدينة قيصر، وإلا فقد غزوا ذلك في البرّ مرارًا. وقال القرطبيّ: الأُولى في أول من غزا البحر من الصحابة، والثانية في أول من غزا البحر من التابعين. قال الحافظ: بل كان في كلّ منهما من الفريقين، لكن معظم الأولى من الصحابة، والثانية بالعكس. وقال عياض، والقرطبيّ في السياق دليلٌ على أن رؤيا الثانية غير رؤيا

стр. 13579

الأولى، وأنّ في كلّ نومة عرضت طاثفة من الغزاة. وأما قول أمّ حرام: "ادع اللَّه أن يجعلني منهم" في الثانية، فلظنّها أن الثانية تساوي الأولى في المرتبة، فسألت ثانيًا ليتضاعف لها الأجر، لا أنها شكّت في إجابة دعاء النبيّ ﷺ لها في المرّة الأولى، وفي جزمه بذلك. قال الحافظ: لا تنافي بين إجابة دعائه، وجزمه بأنها من الأولين، وبين سؤالها أن تكون من الآخرين؛ لأنه لم يقع التصريح لها أنها تموت قبل زمان الغزوة الثانية، فجوّزت أنها تدركها، فتغزو معهم، ويحصل لها أجر الفريقين، فأعلمها أنها لا تدرك زمان الفترة الثانية، فكان كما قال ﷺ (١). (فَرَكِبَتِ الْبَحْرَ فِي زَمَانِ مُعَاوِيَةَ) وفي رواية الليث: "فخرجت مع زوجها عبادة بن الصامت غازيًا أوّل ما ركب المسلمون البحر مع معاوية"، وفي رواية حمّاد: "فتزوّج بها عبادة، فخرج بها إلى الغزو"، وفي رواية أبي طوالة: "فتزوّجت عبادة، فركبت البحر مع بنت قرظة"، وكانت تللث الغزوة في سنة ثمان وعشرين، وكان ذلك في خلافة عثمان ومعاوية يومئذ أمير الشام، وظاهر سياق الخبر يوهم أن ذلك كان في خلافته، وليس كذلك. قال الحافظ: وقد اغترّ بظاهره بعض الناس، فَوَهِمَ، فإن القصّة إنما وردت في حقّ أوّل من يغزو في البحر، وكان عمر ينهى عن ركوب البحر، فلما ولي عثمان استأذنه معاوية في الغزو في البحر، فأذن له. ونقله أبو جعفر الطبريّ عن عبد الرحمن بن يزيد ابن أسلم، ويكفي في الردّ عليه التصريح في "الصحيح" بأن ذلك كان أوّل ما غزا المسلمون في البحر. ونقل أيضًا من طريق خالد بن معدان قال: "أول من غزا البحر معاوية في زمن عثمان، وكان استأذن عمر، فلم يأذن له، فلم يزل بعثمان حتى أذن له، وقال: لا تنتخب أحدًا، بل من اختار الغزو فيه طائعًا، فأعنه، ففعل". وقال خليفة بن خياط في "تاريخه" في حوادث سنة ثمان وعشرين: وفيها غزا معاوية البحر، ومعه امرأته فاختة بنت قرظة، ومع عبادة بن الصامت امرأته أمّ حرام. وأرّخها في سنة ثمان وعشرين غير واحد، وبه جزم ابن أبي حاتم، وأرّخها يعقوب بن سفيان في المحرّم سنة سبع وعشرين، قال: كانت غَزَاة قبرس (٢) الأولى. وأخرج الطبريّ من طريق الواقديّ أن معاوية غزا الروم في خلافة عثمان، فصالح

стр. 13580

أهل قبرس، وسمّى امرأته كَبْرَةَ -بفتح الكاف، وسكون الموحّدة- وقيل: فاختة بنت قرظة، وهما أختان كان معاوية تزوّجهما واحدة بعد أخرى. ومن طريق ابن وهب، عن ابن لهيعة أن معاوية غزا بامرأته إلى قبرس في خلافة عثمان، فصالحهم. ومن طريق أبي معشر المدنيّ أن ذلك كان في سنة ثلاث وثلاثين. فتحصّلنا على ثلاثة أقوال، والأول أصحّ، وكلها في خلافة عثمان أيضًا؛ لأنه قتل في آخر سنة خمس وثلاثين انتهى (١). (فَصُرِعَتْ) على بناء المبنيّ للمفعول: أي أُسقطت حين خرجت إلى البرّ من البحر. وفي رواية الليث: "فلما انصرفوا من غزوهم قافلين إلى الشام قُرّبت إليها دابّتها لتركبها، فصُرعت، فماتت". وفي رواية حماد بن زيد عند أحمد: "فوقصتها بغلة لها شهباء، فوقعت، فماتت". وفي رواية عنه عند البخاريّ: "فوقعت، فاندقّت عنُقها". (عَنْ دَابَّتِهَا) ظاهره أنها سقطت عن ظهر الدابّة، ولا يعارض هذا رواية: "فقرّبت إليها دابّتها، فصرعتها، فماتت"، الدالّة على أن صرعها قبل ركوبها، لأنه يحمل على أن المعنى فقربت إليها دابتها لتركبها، فركبتها، فصُرعت، كما هو صريح الرواية التالية، ولفظها: قُدّمت لها بغلة، فركبتها، فصرعتها، فدقّت عنقها". ويحتمل أن يكون معنى "فركبتها"، فشرعت في ركوبها، فسقطت، فماتت (حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ، فَهَلَكَتْ) قال في "الفتح": وظاهر رواية الليث أن وقعتها كانت بساحل الشام لَمّا خرجت من البحر بعد رجوعهم من غَزَاة قبرس. لكن أخرج ابن أبي عاصم في "كتاب الجهاد" عن هشام بن عمّار، عن يحيى بن حمزة، وفيه: "وعبادة نازل بساحل حمص"، قال هشام ابن عمّار: رأيت قبرها بساحل حمص. وجزم جماعة بأن قبرها بجزيرة قبرس، فقال ابن حبّان بعد أن أخرج الحديث من طريق الليث بن سعد بسنده: "قبر أم حرام بجزيرة في بحر الروم، يقال لها: قبرس، بين بلاد المسلمين وبينها ثلاثة أيام". وجزم ابن عبد البرّ بأنها حين خرجت من البحر إلى جزيرة قبرس قرّبت إليها دابّتها، فصرعتها. وأخرج الطبريّ من طريق الواقديّ أن معاوية صالحهم بعد فتحها على سبعة آلاف دينار في كلّ سنة، فلما أرادوا الخروج منها قرّبت لأم حرام دابّة لتركبها، فسقطت، فماتت فقبرها هناك، يستسقون به (٢)، ويقولون قبر المرأة الصالحة، فعلى هذا فلعلّ مراد هشام بن عمار بقوله: "رأيت قبرها بالساحل"، أي بساحل جزيرة قبرس، فكأنه توجّه إلى قبرس

стр. 13581

لَمّا غزاها الرشيد في خلافته. قال الحافظ: ويُجمع بأنهم لما وصلوا إلى الجزيرة بادرت المقاتلة، وتأخرت الضعفاء كالنساء، فلما غلب المسلمون، وصالحوهم طلعت أمّ حرام من السفينة قاصدة البلد لتراها، وتعود راجعة للشام، فوقعت حينئذ، ويُحمل قول حمّاد بن زيد في روايته: "فلما رجعت"، وقول أبي طوالة: "فلما قفلت" أي أرادت الرجوع، وكذا قول الليث في روايته: "فلما انصرفوا من غزوهم قافلين"، أي أرادوا الانصراف. قال الحافظ: ثم وقفت على شيء يزول به الإشكال من أصله، وهو ما أخرجه عبد الرزّاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار أن امرأة حدّثته، قالت: "نام رسول اللَّه ﷺ ، ثم استيقظ، وهو يضحك، فقلت: تضحك منّي يا رسول اللَّه؟ قال: لا ولكن من قوم من أمتي يخرجون غزاة في البحر، مَثَلَهم كمثل الملوك على الأسرّة، ثم نام، ثم استيقظ، فقال مثل ذلك سواءً، لكن قال: فيرجعون قليلة غنائمهم، مغفورًا لهم، قالت: فادع اللَّه أن يجعلني منهم، فدعا لها"، قال عطاء: "فرأيتها في غزاة غزاها المنذر بن الزبير إلى أرض الروم، فماتت بأرض الروم"، وهذا إسناد على شرط الصحيح. وقد أخرج أبو داود من طريق هشام بن يوسف، عن معمر، فقال في روايته "عن عطاء بن يسار، عن الرميصاء أخت أم سُليم"، وأخرجه ابن وهب، عن حفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم، فقال في روايته: "عن أمّ حرام"، وكذا قال زهير بن عباد، عن زيد بن أسلم. قال الحافظ: والذي يظهر لي أن قول من قال في حديث عطاء بن يسار هذا عن أمّ حرام وَهَم، وإنما هي الرُّمَيصاء، وليست أم سُليم، وإن كانت يقال لها أيضًا: الرميصاء، كما ثبت في حديث جابر ﵁ عند البخاريّ في "المناقب"؛ لأن أم سُليم لم تمت بأرض الروم، ولعلها أختها أم عبد اللَّه بن ملحان، فقد ذكرها ابن سعد في الصحابيّات، وقال: إنها أسلمت، وبايعت. ولم أقف على شيء من خبرها إلا ما ذكر ابن سعد، فيحتمل أن تكون هي صاحبة القصّة التي ذكرها ابن (١) عطاء بن يسار، وتكون تأخّرت حتى أدركها عطاء، وقصّتها مغايرة لقصّة أم حرام من أوجه: [الأول]: في حديث أمّ حرام أنه ﷺ لما نام كانت تَفلِي رأسه، وفي حديث الأخرى أنها كانت تغسل رأسها كما تقدّم ذكره من رواية أبي داود. [الثاني]: ظاهر رواية أمّ حرام أن الفِرْقة الثانية تغزو في البرّ، وظاهر رواية الأخرى

стр. 13582

أنها تغزو في البحر. [الثالث]: أن في رواية أمّ حرام أنها من أهل الفرقة الأولى، وفي رواية الأخرى أنها من أهل الفرقة الثانية. [الرابع]: أن في حديث أمّ حرام أنّ أمير الغزوة كان معاوية، وفي رواية الأخرى أن أميرها كان المنذر بن الزبير. [الخامس]: أن عطاء بن يسار ذكر أنها حدّثته، وهو يصغر عن إدراك أمّ حرام، وعن أن يغزو في سنة ثمان وعشرين، بل وفي سنة ستّ وثلاثين؛ لأن مولده على ما جزم به عمرو بن عليّ وغيره سنة تسع عشرة. وعلى هذا فقد تعددت القصّة لأمّ حرام، ولأختها أمّ عبد اللَّه، فلعلّ إحداهما دُفنت بساحل قبرس، والأخرى بساحل حمص، ولم أر من حرّر ذلك، وللَّه الحمد على جزيل نعمه انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٤٠/ ٣١٧٢ - وفي "الكبرى" ٣٦/ ٤٣٧٩. وأخرجه (خ) في "الجهاد والسير" ٢٧٨٩ و ٢٨٧٨ و"الاستئذان" ٦٢٨٢ و"التعبير" ٧٠٠٢ (م) في "الإمارة" ١٩١٢ (د) في "الجهاد" ٢٤٩٠ (ت) في "فضائل الجهاد" ١٦٤٥ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١٣١٠٨ و ١٣٣٧٩ (الموطأ) في "الجهاد" ١٠١١. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل الجهاد في البحر. (ومنها): الترغيب في الجهاد، والحضّ عليه، وبيان فضيلة المجاهد. (ومنها): جواز ركوب البحر الملح للغزو. (ومنها): جواز تمنّي الشهادة، وأن من يموت غازيًا يلحق بمن يقتل في الغزو. (ومنها): مشروعيّة القائلة لما فيه من الإعانة على قيام الليل. (ومنها): جواز إخراج ما يؤذي البدن من قمل، ونحوه عنه. (ومنها): مشروعيّة الجهاد مع كلّ إمام لتضمّنه الثناء على من غزا مدينة قيصر، وكان أمير تلك الغزوة يزيد بن

стр. 13583

معاوية، ويزيد يزيد. (ومنها): ثبوت فضل الغازي إذا صلحت نيّته. (ومنها): ما قال بعضهم: فيه فضل المجاهدين إلى يوم القيامة لقوله فيه: "ولستِ من الآخرين"، ولا نهاية للآخرين إلى يوم القيامة. لكن الظاهر -كما قال الحافظ- أن المراد بالآخرين في الحديث الفرقة الثانية، نعم يؤخذ منه فضل المجاهدين في الجملة، لا خصوص الفضل الوارد في حقّ المذكورين. (ومنها): أن فيه ضروبًا من إخبار النبيّ ﷺ بما سيقع، فوقع كما قال، وذلك معدود من علامات نبوّته: منها إعلامه ببقاء أمته بعده، وأن فيهم أصحاب قوّة، وشوكة، ونكاية في العدو، وأنهم يتمكّنون من البلاد حتى يغزوا البحر، وأنّ أُمّ حرام تعيش إلى ذلك الزمان، وأنها تكون مع من يغزو البحر، وأنها لا تُدرك زمان الغزوة الثانية. (ومنها): جواز الفرح بما يحدث من النعم. (ومنها): جواز الضحك عند حصول السرور؛ لضحكه ﷺ إعجابًا بما رأى من امتثال أمته أمره بجهاد العدوّ، وما أثابهم اللَّه تعالى على ذلك، وما ورد في بعض طرقه بلفظ التعجّب محمول على ذلك. (ومنها): جواز قائلة الضيف في عند مُضِيفه إذا علم برضاه، وليس هناك ضرر. (ومنها): جواز خدمة المرأة الأجنبيّة للضيف، بإطعامه، والتمهيد له، ونحو ذلك، إذا خلا من الموانع الشرعيّة، كالخلوة ونحوها. (ومنها): إباحة ما قدّمته المرأة للضيف من مال زوجها؛ لأن الأغلب أن الذي في بيت المرأة من مال الرجل، كذا قال ابن بطّال، قال: وفيه أن الوكيل، والمؤتمن إذا علم أنه يسرّ صاحبه ما يفعله من ذلك جاز له فعله، ولا شكّ أن عبادة كان يسرّه أكل رسول اللَّه ﷺ مما قدّمته له امرأته، ولو كان بغير إذن خاصّ منه. وتعقبه القرطبيّ بأن عبادة حينئذ لم يكن زوجها، كما تقدّم. قال الحافظ: لكن ليس في الحديث ما ينفي أنها كانت حينئذ ذات زوج، إلا أن في كلام ابن سعد ما يقتضي أنها كانت حينئذ عَزَبًا (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في جواز ركوب البحر: اختلف السلف في ذلك، فجوّزه الجمهور. أخرج ابن أبي حاتم، من طريق عبد اللَّه بن شَوْذَب، عن مطر الورّاق، أنه كان لا يرى بركوب البحر بأسًا، ويقول: ما ذكره اللَّه تعالى في القرآن إلا بحقّ، ثم تلا: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية [النحل: ١٤] (٢).

стр. 13584

ومنعت منه طائفة، واحتجّوا بحديث زهير بن عبد اللَّه يرفعه: "من ركب البحر إذا ارتجّ، فقد برئت منه الذمّة"، وفي رواية: "فلا يلومنّ إلا نفسه". أخرجه أبو عبيد في "غريب الحديث". لكن زهير مختلف في صحبته، وقد أخرج البخاريّ حديثه في "تاريخه"، فقال: عن زهير، عن رجل من الصحابة. وإسناده حسن. وفيه أيضًا تقييد المنع بالارتجاج، ومفهومه الجواز عند عدمه، وهو المشهور من أقوال العلماء، فإذا غلبت السلامة فالبرّ والبحر سواء. ومنهم من فرّق بين الرجل والمرأة، وهو عن مالك، فمنعه للمرأة مطلقًا. وحديث الباب حجة للجمهور. وقد تقدّم قريبًا أن أول من ركبه للغزو معاوية بن أبي سفيان في خلافة عثمان - رضي اللَّه تعالى عنهما -. وذكر مالك أن عمر ﵁ كان يمنع الناس من ركوب البحر، حتى كان عثمان، فما زال معاوية يستأذنه حتى أذن له. أفاده في "الفتح" (١). وذكر في موضع آخر بعد أن ذكر نحو هذا: ما نصّه: قال أبو بكر بن العربيّ: ثم منع منه عمر بن عبد العزيز، ثم أذن فيه مَن بَعْدَه، واستقرّ الأمر عليه، ونقل عن عمر أنه إنما منع من ركوبه لغير الحجّ والعمرة، ونحو ذلك. ونقل ابن عبد البرّ أنه يَحرم ركوبه عند ارتجاجه اتفاقًا. وكره مالك ركوب النساء مطلقًا البحر لما يخشى من اطلاعهنّ على عورات الرجال فيه، إذ يتعسّر الاحتراز من ذلك، وخصّ أصحابُهُ ذلك بالسفن الصغار، وأما الكبار التي يمكنهنّ فيهنّ الاستتار بأماكن تخصهّنّ، فلا حرج فيه انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تبيّن مما تقدّم أن الأرجح قول الجمهور، وهو جواز ركوب البحر للرجال والنساء، إذا غلب على الظنّ السلامة فيه؛ لظاهر حديث الباب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): استشكل جماعة من أهل العلم دخول النبيّ ﷺ على أمّ حرام - رضي اللَّه تعالى عنها -: فقال الحافظ أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى-: أظنّ أنّ أم حرام أرضعت النبيّ ﷺ ، أو أختها أمّ سُليم، فصارت كلّ منهما أمه، أو خالته من الرضاعة، فلذلك كان ينام عندها، وتَنَال منه ما يجوز للمَحْرَم أن يناله من محارمه، ثم ساق بسنده إلى يحيى بن إبراهيم بن مزيّن، قال: إنما استجاز رسول اللَّه ﷺ أن تَفْلِيَ أم حرام رأسه؛ لأنها كانت منه ذات محرم من قبل خالاته؛ لأن أمّ عبد المطّلب جدّه كانت من بني النجّار. ومن طريق يونس

стр. 13585

ابن عبد الأعلى، قال لنا ابن وهب: أمّ حرام إحدى خالات النبيّ ﷺ من الرضاعة، فلذلك كان يَقِيل عندها، وينام في حجرها، وتفلي رأسه. قال ابن عبد البرّ: وأيهما كان فهي محرم له. وجزم أبو القاسم ابن الجوهريّ، والداوديّ، والمهلّب فيما حكاه ابن بطّال عنه بما قال ابن وهب، قال: وقال غيره: إنما كانت خالة لأبيه، أو جدّه عبد المطّلب. وقال ابن الجوزيّ: سمعت بعض الحفّاظ يقول: كانت أمّ سُليم أخت آمنة بنت وهب، أمّ رسول اللَّه ﷺ من الرضاعة. وحكى ابن العربيّ ما قال ابن وهب، ثم قال: وقال غيره: بل كان النبيّ ﷺ معصومًا يملك أربه عن زوجته، فكيف عن غيرها مما هو المنزّه عنه، وهو المبرّأ عن كلّ فعل قبيح، وقول رفث، فيكون ذلك من خصاصه. ثم قال: ويحتمل أن يكون ذلك قبل الحجاب. ورُدّ بأنّ ذلك بعد الحجاب جزمًا. قال الحافظ: وقد قدّمت في أول الكلام على شرحه أن ذلك كان بعد حجة الوداع. ورَدّ عياض الأول بأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال، وثبوت العصمة مُسَلَّم، لكن الأصل عدم الخصوصية، وجواز الاقتداء به في أفعاله حتى يقوم على الخصوصيّة دليل. وبالغ الدمياطيّ في الردّ على من ادعَى المحرميّة، فقال: ذَهِلَ كلُّ من زعم أنّ أُمّ حرام إحدى خالات النبيّ ﷺ من الرضاعة، أو من النسب، وكلُّ من أثبت لها خؤولة تقتضي محرميّةً؛ لأن أمهاته من النسب، واللاتي أرضعنه معلومات، ليس فيهنّ أحد من الأنصار البتّة، سوى أمّ عبد المطّلب، وهي سلمى بنت عمرو بن زيد بن لَبِيد بن خِرَاش ابن عامر بن غنم بن عديّ بن النّجّار، وأمّ حرام هي بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر المذكور، فلا تجتمع أمّ حرام، وسلمى إلا في عامر بن غنم جدّهما الأعلى، وهذه خؤولة لا تثبت بها محرميّة؛ لأنها خؤولة مجازيّة، وهي كقوله ﷺ لسعد بن أبي وقّاص: "هذا خالي"؛ لكونه من بني زهرة، وهم أقارب أمّه آمنة، وليس سعدٌ أخًا لأمّه من النسب، ولا من الرضاعة. ثم قال: وإذا تقرّر هذا، فقد ثبت في الصحيح أنه ﷺ كان لا يدخل على أحد من النساء إلا على أزواجه، إلا على أمّ سُلَيم، فقيل له: فقال: "أرحمها قُتِل أخوها معي"، يعني حرام بن مِلْحَان، وكان قد قُتل يوم بئر معونة. وجمع الحافظ بما حاصله أنهما أختان كانتا في دار واحدة، كلّ واحدة منهما في بيت من تلك الدار، وحرام بن ملحان أخوهما معًا، فالعلّة مشتركة فيهما. قال: وإن ثبتت قصّة أمّ عبد اللَّه بنت ملحان التي تقدّمت قريبًا، فالقول فيها كالقول في أُمّ حرام، وقد انضاف إلى العلّة المذكورة كون أنس خادم النبيّ ﷺ ، وقد جرت العادة بمخالطة
следующие страницы →