← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 13581–13620 · переход к 13586.

стр. 13581

لَمّا غزاها الرشيد في خلافته. قال الحافظ: ويُجمع بأنهم لما وصلوا إلى الجزيرة بادرت المقاتلة، وتأخرت الضعفاء كالنساء، فلما غلب المسلمون، وصالحوهم طلعت أمّ حرام من السفينة قاصدة البلد لتراها، وتعود راجعة للشام، فوقعت حينئذ، ويُحمل قول حمّاد بن زيد في روايته: "فلما رجعت"، وقول أبي طوالة: "فلما قفلت" أي أرادت الرجوع، وكذا قول الليث في روايته: "فلما انصرفوا من غزوهم قافلين"، أي أرادوا الانصراف. قال الحافظ: ثم وقفت على شيء يزول به الإشكال من أصله، وهو ما أخرجه عبد الرزّاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار أن امرأة حدّثته، قالت: "نام رسول اللَّه ﷺ ، ثم استيقظ، وهو يضحك، فقلت: تضحك منّي يا رسول اللَّه؟ قال: لا ولكن من قوم من أمتي يخرجون غزاة في البحر، مَثَلَهم كمثل الملوك على الأسرّة، ثم نام، ثم استيقظ، فقال مثل ذلك سواءً، لكن قال: فيرجعون قليلة غنائمهم، مغفورًا لهم، قالت: فادع اللَّه أن يجعلني منهم، فدعا لها"، قال عطاء: "فرأيتها في غزاة غزاها المنذر بن الزبير إلى أرض الروم، فماتت بأرض الروم"، وهذا إسناد على شرط الصحيح. وقد أخرج أبو داود من طريق هشام بن يوسف، عن معمر، فقال في روايته "عن عطاء بن يسار، عن الرميصاء أخت أم سُليم"، وأخرجه ابن وهب، عن حفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم، فقال في روايته: "عن أمّ حرام"، وكذا قال زهير بن عباد، عن زيد بن أسلم. قال الحافظ: والذي يظهر لي أن قول من قال في حديث عطاء بن يسار هذا عن أمّ حرام وَهَم، وإنما هي الرُّمَيصاء، وليست أم سُليم، وإن كانت يقال لها أيضًا: الرميصاء، كما ثبت في حديث جابر ﵁ عند البخاريّ في "المناقب"؛ لأن أم سُليم لم تمت بأرض الروم، ولعلها أختها أم عبد اللَّه بن ملحان، فقد ذكرها ابن سعد في الصحابيّات، وقال: إنها أسلمت، وبايعت. ولم أقف على شيء من خبرها إلا ما ذكر ابن سعد، فيحتمل أن تكون هي صاحبة القصّة التي ذكرها ابن (١) عطاء بن يسار، وتكون تأخّرت حتى أدركها عطاء، وقصّتها مغايرة لقصّة أم حرام من أوجه: [الأول]: في حديث أمّ حرام أنه ﷺ لما نام كانت تَفلِي رأسه، وفي حديث الأخرى أنها كانت تغسل رأسها كما تقدّم ذكره من رواية أبي داود. [الثاني]: ظاهر رواية أمّ حرام أن الفِرْقة الثانية تغزو في البرّ، وظاهر رواية الأخرى

стр. 13582

أنها تغزو في البحر. [الثالث]: أن في رواية أمّ حرام أنها من أهل الفرقة الأولى، وفي رواية الأخرى أنها من أهل الفرقة الثانية. [الرابع]: أن في حديث أمّ حرام أنّ أمير الغزوة كان معاوية، وفي رواية الأخرى أن أميرها كان المنذر بن الزبير. [الخامس]: أن عطاء بن يسار ذكر أنها حدّثته، وهو يصغر عن إدراك أمّ حرام، وعن أن يغزو في سنة ثمان وعشرين، بل وفي سنة ستّ وثلاثين؛ لأن مولده على ما جزم به عمرو بن عليّ وغيره سنة تسع عشرة. وعلى هذا فقد تعددت القصّة لأمّ حرام، ولأختها أمّ عبد اللَّه، فلعلّ إحداهما دُفنت بساحل قبرس، والأخرى بساحل حمص، ولم أر من حرّر ذلك، وللَّه الحمد على جزيل نعمه انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٤٠/ ٣١٧٢ - وفي "الكبرى" ٣٦/ ٤٣٧٩. وأخرجه (خ) في "الجهاد والسير" ٢٧٨٩ و ٢٨٧٨ و"الاستئذان" ٦٢٨٢ و"التعبير" ٧٠٠٢ (م) في "الإمارة" ١٩١٢ (د) في "الجهاد" ٢٤٩٠ (ت) في "فضائل الجهاد" ١٦٤٥ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١٣١٠٨ و ١٣٣٧٩ (الموطأ) في "الجهاد" ١٠١١. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل الجهاد في البحر. (ومنها): الترغيب في الجهاد، والحضّ عليه، وبيان فضيلة المجاهد. (ومنها): جواز ركوب البحر الملح للغزو. (ومنها): جواز تمنّي الشهادة، وأن من يموت غازيًا يلحق بمن يقتل في الغزو. (ومنها): مشروعيّة القائلة لما فيه من الإعانة على قيام الليل. (ومنها): جواز إخراج ما يؤذي البدن من قمل، ونحوه عنه. (ومنها): مشروعيّة الجهاد مع كلّ إمام لتضمّنه الثناء على من غزا مدينة قيصر، وكان أمير تلك الغزوة يزيد بن

стр. 13583

معاوية، ويزيد يزيد. (ومنها): ثبوت فضل الغازي إذا صلحت نيّته. (ومنها): ما قال بعضهم: فيه فضل المجاهدين إلى يوم القيامة لقوله فيه: "ولستِ من الآخرين"، ولا نهاية للآخرين إلى يوم القيامة. لكن الظاهر -كما قال الحافظ- أن المراد بالآخرين في الحديث الفرقة الثانية، نعم يؤخذ منه فضل المجاهدين في الجملة، لا خصوص الفضل الوارد في حقّ المذكورين. (ومنها): أن فيه ضروبًا من إخبار النبيّ ﷺ بما سيقع، فوقع كما قال، وذلك معدود من علامات نبوّته: منها إعلامه ببقاء أمته بعده، وأن فيهم أصحاب قوّة، وشوكة، ونكاية في العدو، وأنهم يتمكّنون من البلاد حتى يغزوا البحر، وأنّ أُمّ حرام تعيش إلى ذلك الزمان، وأنها تكون مع من يغزو البحر، وأنها لا تُدرك زمان الغزوة الثانية. (ومنها): جواز الفرح بما يحدث من النعم. (ومنها): جواز الضحك عند حصول السرور؛ لضحكه ﷺ إعجابًا بما رأى من امتثال أمته أمره بجهاد العدوّ، وما أثابهم اللَّه تعالى على ذلك، وما ورد في بعض طرقه بلفظ التعجّب محمول على ذلك. (ومنها): جواز قائلة الضيف في عند مُضِيفه إذا علم برضاه، وليس هناك ضرر. (ومنها): جواز خدمة المرأة الأجنبيّة للضيف، بإطعامه، والتمهيد له، ونحو ذلك، إذا خلا من الموانع الشرعيّة، كالخلوة ونحوها. (ومنها): إباحة ما قدّمته المرأة للضيف من مال زوجها؛ لأن الأغلب أن الذي في بيت المرأة من مال الرجل، كذا قال ابن بطّال، قال: وفيه أن الوكيل، والمؤتمن إذا علم أنه يسرّ صاحبه ما يفعله من ذلك جاز له فعله، ولا شكّ أن عبادة كان يسرّه أكل رسول اللَّه ﷺ مما قدّمته له امرأته، ولو كان بغير إذن خاصّ منه. وتعقبه القرطبيّ بأن عبادة حينئذ لم يكن زوجها، كما تقدّم. قال الحافظ: لكن ليس في الحديث ما ينفي أنها كانت حينئذ ذات زوج، إلا أن في كلام ابن سعد ما يقتضي أنها كانت حينئذ عَزَبًا (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في جواز ركوب البحر: اختلف السلف في ذلك، فجوّزه الجمهور. أخرج ابن أبي حاتم، من طريق عبد اللَّه بن شَوْذَب، عن مطر الورّاق، أنه كان لا يرى بركوب البحر بأسًا، ويقول: ما ذكره اللَّه تعالى في القرآن إلا بحقّ، ثم تلا: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية [النحل: ١٤] (٢).

стр. 13584

ومنعت منه طائفة، واحتجّوا بحديث زهير بن عبد اللَّه يرفعه: "من ركب البحر إذا ارتجّ، فقد برئت منه الذمّة"، وفي رواية: "فلا يلومنّ إلا نفسه". أخرجه أبو عبيد في "غريب الحديث". لكن زهير مختلف في صحبته، وقد أخرج البخاريّ حديثه في "تاريخه"، فقال: عن زهير، عن رجل من الصحابة. وإسناده حسن. وفيه أيضًا تقييد المنع بالارتجاج، ومفهومه الجواز عند عدمه، وهو المشهور من أقوال العلماء، فإذا غلبت السلامة فالبرّ والبحر سواء. ومنهم من فرّق بين الرجل والمرأة، وهو عن مالك، فمنعه للمرأة مطلقًا. وحديث الباب حجة للجمهور. وقد تقدّم قريبًا أن أول من ركبه للغزو معاوية بن أبي سفيان في خلافة عثمان - رضي اللَّه تعالى عنهما -. وذكر مالك أن عمر ﵁ كان يمنع الناس من ركوب البحر، حتى كان عثمان، فما زال معاوية يستأذنه حتى أذن له. أفاده في "الفتح" (١). وذكر في موضع آخر بعد أن ذكر نحو هذا: ما نصّه: قال أبو بكر بن العربيّ: ثم منع منه عمر بن عبد العزيز، ثم أذن فيه مَن بَعْدَه، واستقرّ الأمر عليه، ونقل عن عمر أنه إنما منع من ركوبه لغير الحجّ والعمرة، ونحو ذلك. ونقل ابن عبد البرّ أنه يَحرم ركوبه عند ارتجاجه اتفاقًا. وكره مالك ركوب النساء مطلقًا البحر لما يخشى من اطلاعهنّ على عورات الرجال فيه، إذ يتعسّر الاحتراز من ذلك، وخصّ أصحابُهُ ذلك بالسفن الصغار، وأما الكبار التي يمكنهنّ فيهنّ الاستتار بأماكن تخصهّنّ، فلا حرج فيه انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تبيّن مما تقدّم أن الأرجح قول الجمهور، وهو جواز ركوب البحر للرجال والنساء، إذا غلب على الظنّ السلامة فيه؛ لظاهر حديث الباب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): استشكل جماعة من أهل العلم دخول النبيّ ﷺ على أمّ حرام - رضي اللَّه تعالى عنها -: فقال الحافظ أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى-: أظنّ أنّ أم حرام أرضعت النبيّ ﷺ ، أو أختها أمّ سُليم، فصارت كلّ منهما أمه، أو خالته من الرضاعة، فلذلك كان ينام عندها، وتَنَال منه ما يجوز للمَحْرَم أن يناله من محارمه، ثم ساق بسنده إلى يحيى بن إبراهيم بن مزيّن، قال: إنما استجاز رسول اللَّه ﷺ أن تَفْلِيَ أم حرام رأسه؛ لأنها كانت منه ذات محرم من قبل خالاته؛ لأن أمّ عبد المطّلب جدّه كانت من بني النجّار. ومن طريق يونس

стр. 13585

ابن عبد الأعلى، قال لنا ابن وهب: أمّ حرام إحدى خالات النبيّ ﷺ من الرضاعة، فلذلك كان يَقِيل عندها، وينام في حجرها، وتفلي رأسه. قال ابن عبد البرّ: وأيهما كان فهي محرم له. وجزم أبو القاسم ابن الجوهريّ، والداوديّ، والمهلّب فيما حكاه ابن بطّال عنه بما قال ابن وهب، قال: وقال غيره: إنما كانت خالة لأبيه، أو جدّه عبد المطّلب. وقال ابن الجوزيّ: سمعت بعض الحفّاظ يقول: كانت أمّ سُليم أخت آمنة بنت وهب، أمّ رسول اللَّه ﷺ من الرضاعة. وحكى ابن العربيّ ما قال ابن وهب، ثم قال: وقال غيره: بل كان النبيّ ﷺ معصومًا يملك أربه عن زوجته، فكيف عن غيرها مما هو المنزّه عنه، وهو المبرّأ عن كلّ فعل قبيح، وقول رفث، فيكون ذلك من خصاصه. ثم قال: ويحتمل أن يكون ذلك قبل الحجاب. ورُدّ بأنّ ذلك بعد الحجاب جزمًا. قال الحافظ: وقد قدّمت في أول الكلام على شرحه أن ذلك كان بعد حجة الوداع. ورَدّ عياض الأول بأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال، وثبوت العصمة مُسَلَّم، لكن الأصل عدم الخصوصية، وجواز الاقتداء به في أفعاله حتى يقوم على الخصوصيّة دليل. وبالغ الدمياطيّ في الردّ على من ادعَى المحرميّة، فقال: ذَهِلَ كلُّ من زعم أنّ أُمّ حرام إحدى خالات النبيّ ﷺ من الرضاعة، أو من النسب، وكلُّ من أثبت لها خؤولة تقتضي محرميّةً؛ لأن أمهاته من النسب، واللاتي أرضعنه معلومات، ليس فيهنّ أحد من الأنصار البتّة، سوى أمّ عبد المطّلب، وهي سلمى بنت عمرو بن زيد بن لَبِيد بن خِرَاش ابن عامر بن غنم بن عديّ بن النّجّار، وأمّ حرام هي بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر المذكور، فلا تجتمع أمّ حرام، وسلمى إلا في عامر بن غنم جدّهما الأعلى، وهذه خؤولة لا تثبت بها محرميّة؛ لأنها خؤولة مجازيّة، وهي كقوله ﷺ لسعد بن أبي وقّاص: "هذا خالي"؛ لكونه من بني زهرة، وهم أقارب أمّه آمنة، وليس سعدٌ أخًا لأمّه من النسب، ولا من الرضاعة. ثم قال: وإذا تقرّر هذا، فقد ثبت في الصحيح أنه ﷺ كان لا يدخل على أحد من النساء إلا على أزواجه، إلا على أمّ سُلَيم، فقيل له: فقال: "أرحمها قُتِل أخوها معي"، يعني حرام بن مِلْحَان، وكان قد قُتل يوم بئر معونة. وجمع الحافظ بما حاصله أنهما أختان كانتا في دار واحدة، كلّ واحدة منهما في بيت من تلك الدار، وحرام بن ملحان أخوهما معًا، فالعلّة مشتركة فيهما. قال: وإن ثبتت قصّة أمّ عبد اللَّه بنت ملحان التي تقدّمت قريبًا، فالقول فيها كالقول في أُمّ حرام، وقد انضاف إلى العلّة المذكورة كون أنس خادم النبيّ ﷺ ، وقد جرت العادة بمخالطة

стр. 13586

المخدوم، وخادمه، وأهل خادمه، ورفع الْحِشْمَة (١) التي تقع بين الأجانب عنهم. ثم قال الدمياطيّ: على أنه ليس في الحديث ما يدلّ على الخلوة بأُمّ حرام، ولعلّ ذلك كان مع ولد، أو خادم، أو زوج، أو تابع. قال الحافظ: وهو احتمال قويّ، لكنه لا يدفع الإشكال من أصله؛ لبقاء الملامسة في تفلية الرأس، وكذا النوم في الحجر. وأحسن الأجوبة دعوى الخصوصيّة، ولا يردّها كونها لا تثبت إلا بدّليل؛ لأن الدليل على ذلك واضح. واللَّه أعلم انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- حسنٌ جدًّا. وحاصله أنه لا مخرج من هذا الإشكال إلا بدّعوى الخصوصيّة، ومما يُثبتها هنا الأدلّة الكثيرة في تحريم النظر، والملامسة، والخلوة بالأجنبيّة، فاتّضح بذلك أنه ﷺ لعصمته؛ جاز له أن تَفلِي أمّ حرام رأسه، وينام في حجرها، دون غيره من أمّته. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١٧٣ - (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, عَنْ أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ, قَالَتْ: أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَقَالَ عِنْدَنَا, فَاسْتَيْقَظَ, وَهُوَ يَضْحَكُ, فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ بِأَبِي وَأُمِّي, مَا أَضْحَكَكَ؟ (٢) , قَالَ: «رَأَيْتُ قَوْمًا مِنْ أُمَّتِي, يَرْكَبُونَ هَذَا الْبَحْرَ, كَالْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ» , قُلْتُ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ, قَالَ: «فَإِنَّكِ مِنْهُمْ» , ثُمَّ نَامَ, ثُمَّ اسْتَيْقَظَ, وَهُوَ يَضْحَكُ, فَسَأَلْتُهُ, فَقَالَ يَعْنِي مِثْلَ مَقَالَتِهِ- قُلْتُ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ, قَالَ: «أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ» , فَتَزَوَّجَهَا عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ, فَرَكِبَ الْبَحْرَ, وَرَكِبَتْ مَعَهُ, فَلَمَّا خَرَجَتْ (٣) , قُدِّمَتْ لَهَا بَغْلَةٌ, فَرَكِبَتْهَا, فَصَرَعَتْهَا, فَانْدَقَّتْ عُنُقُهَا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يحيى بن حبيب بن عربي) البصري، ثقة [١٠] ٦٠/ ٧٥. ٢ - (حماد) بن زيد بن درهم، ابو إسماعيل البصري الثقة الثبت الفقيه [٨] ٣/ ٣. ٣ - (يحيى بن سعيد) الأنصاري المدني الثقة الثبت [٥] ٢٢/ ٢٣. ٤ - (محمد بن يحيى بن حَبّان) بفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحدة- الأنصاري المدني الفقيه الثقة [٤] ٢٢/ ٢٣.

стр. 13587

٥ - (أنس بن مالك) - رضي اللَّه تعالى عنه - المذكور في السند الماضي. ٦ - (أم حرام بنت مِلحان) واسمه مالك بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر ابن غنم بن عدي بن مالك بن النجار الأنصارية، خالة أنس بن مالك، وزوجة عبادة بن الصامت، يقال: اسمها الغُميصاء، ويقال: الرميصاء، روت عن النبي ﷺ ، وعنها ابن أختها أنس بن مالك، وعمير بن الأسود العنسي، ويعلى بن شداد بن أوس، وعطاء بن يسار، قال ابن سعد: تزوجت عبادة بن الصامت، فولدت له محمدا، ثم خلف عليها عمرو بن قيس بن زيد بن سواد الأنصاري، كذا قال، والصحيح العكس، فقد قال غير واحد: إنها خرجت مع زوجها عبادة في بعض غزوات البحر، وماتت في غَزاتها، وقصتها بغلتها على ما نقلوا، وذلك أول ما ركب المسلمون في البحر، في زمن معاوية، في خلافة عثمان، زاد أبو نعيم الأصبهاني، وقُبرت بقُبرُس، وزاد الإسماعيلي فيإ مستخرجه "عن الحسن بن سفيان، عن هشام بن عمار، قال: رأيت قبرها، ووقفت عليه بقبرس. أخرج لها البخاري، ومسلم، والمصنف، وابن ماجه، ولها في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. واللَّه تعالى أعلم. والسند مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فبصريان، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وصحابيّ، عن صحابيّة، هي خالته. وقولها: "وقال عندنا" هو من القيلولة، لا من القول، أي نام قيلولةً، وهي نوم نصفِ النهار. وتمام شرح الحديث مضى في الحديث الذي قبله، وكذا المسائل المتعلّقة به، غير مسألتين: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أمّ حرام بنت ملحان - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٠/ ٣١٧٣ - وفي "الكبرى" ٣٦/ ٤٣٨١. وأخرجه (خ) في "الجهاد والسير" ٢٨٠٠ و ٢٨٩٥ و ٢٩٢٤ (د) في "الجهاد" ٢٤٩٠ و"البيوع" ٣٤٩٢ (ق) في "الجهاد" ٢٧٧٦ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٦٤٩٢ و"مسند القبائل" ٢٦٨٣١ (الدراميّ) في "الجهاد" ٢٤٢١. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 13588

٤١ - (غَزْوَةُ الْهِنْدِ) بكسر الهاء، وسكون النون، آخره دال مهملة: البلد المعروف. ٣١٧٤ - (أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ عَدِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو, عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ, عَنْ سَيَّارٍ ح قَالَ: وَأَنْبَأَنَا (١) هُشَيْمٌ, عَنْ سَيَّارٍ, عَنْ جَبْرِ بْنِ عَبِيدَةَ, وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: عَنْ جُبَيْرٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: وَعَدَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَزْوَةَ الْهِنْدِ, فَإِنْ أَدْرَكْتُهَا, أُنْفِقْ فِيهَا نَفْسِي وَمَالِي, فَإِنْ أُقْتَلْ كُنْتُ مِنْ أَفْضَلِ الشُّهَدَاءِ, وَإِنْ أَرْجِعْ فَأَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ الْمُحَرَّرُ). رجال هذا الإسنادين: ثمانية: ١ - (أحمد بن عثمان بن حكيم) أبو عبد اللَّه الأوديّ الكوفيّ، ثقة [١١] ١٦٠/ ٢٥٢. ٢ - (زكريّا بن عديّ) أبو يحيى الكوفيّ، نزيل بغداد، ثقة جليل حافظ، من كبار [١٠] ٢٨/ ٥٥١. ٣ - (عبيد اللَّه بن عمرو) أبو وهب الأسديّ الرقّيّ، ثقة فقيه، ربما وهم [٨] ١٧٧/ ٢٨٠. ٤ - (زيد بن أبي أُنيسة) أبو أسامة الجزريّ، كوفيّ الأصل، ثم سكن الرُّهَا، ثقة [٦] ١٩١/ ٣٠٦. ٥ - (سيّار) بن أبي سيّار، أبو الْحَكَم، واسم أبيه وردان، وقيل: ورد، وقيل: غير ذلك، ثقة [٦] ٢٦/ ٤٣٢. ٦ - (هُشيم) بن بَشِير أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقة ثبت، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] ٨٨/ ١٠٩. ٧ - (جبر بن عَبِيدة) -بفتح العين المهملة، وكسر الموحّدة-، ويقال: جُبير بن عَبْدَة، شاعر مقبول [٤]. وفي "تهذيب التهذيب": جَبْرُ بن عَبيدَة الشاعر. روى عن أبي هريرة ﵁: "وَعَدَنا رسولُ اللَّه ﷺ غزوةَ الهند … " الحديث. روى عنه سَيَّار أبو الحكم. وقال بعضهم: جُبير بن عَبِيدة. قال الحافظ: هذا وقع في بعض النسخ من "كتاب الجهاد" من النسائيّ، حكاه ابن

стр. 13589

عساكر، وذكره الجمهور بإسكان الباء. قال: قرأت بخطّ الذهبيّ: لا يعرف من ذا؟، والخبر منكر انتهى. وذكره ابن حبّان في "الثقات". انتهى (١). تفرّد به المصنّف بحديث الباب فقط. ٨ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: قوله: "قال: وأنبأنا هُشيم الخ" القائل هو زكريّا بن عديّ، فيكون لزكريا من طريق هُشيم عاليًا بدرجة، إذ وصل إلى سيّار في الأول بواسطتين: عبيد اللَّه، وزيد، ووصل في الثاني بواسطة، وهو هُشيم، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: وَعَدَنَا) أي المؤمنين، لا بأعيانهم، فلذلك شكّ أبو هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - في حضوره (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَزْوَةَ الْهِنْدِ) من إضافة المصدر إلى الظرف (فَإنْ أَدْرَكتُهَا، أُنْفِقْ) يجوز جزمه، ورفعه؛ لكون فعل الشرط ماضيًا، كما قال ابن مالك في "الخلاصة": وَبَعْدَ مَاضٍ رَفْعُكَ الْجَزَا حَسَنْ … وَرَفْعُهُ بَعْدَ مُضَارعٍ وَهَنْ (فِيهَا نَفْسِي وَمَالِي) أي بإحضار نفسي، وبذل مالي في القتال فيها، لا في القتل، فإنه ليس في يد الإنسان، فلذلك قال (فَإِنْ أقْتَلْ) بالبناء للمفعول (كُنْتُ مِنْ أَفْضَلِ الشُّهَدَاءِ) أي لأن الذي لم يرجع بشيء من النفس والمال من أفضل المجاهدين (وِإنْ أَرْجِعْ فَأَنَّا أَبُو هُرَيْرَةَ الْمُحَرَّرُ) بتشديد الراء مفتوحةً، بصيغة اسم المفعول: أي المعتق من النار على مقتضى ذلك العمل، أو "المحرَّرُ" بمعنى النجيب. ويحتمل أن يكون النبيّ ﷺ أخبره بأنك إن حضرتَ، فقتلت، فإنك من أفضل الشهداء، وإن رجعت، فأنت مُحَرَّرٌ من النار. وحديث ثوبان ﵁ الآتي يدلّ على أنه ﷺ بشّر كلّ من حضر بذلك، فيكون قول أبي هريرة ﵁ مبنيًّا على أنه حينئذ يكون مندرجًا فيمن بُشِّرُوا بذلك. أفاده السنديّ (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا ضعيف؛ لجهالة جبر بن عَبِيدة، فقد تقدم عن الذهبي قوله: لا يُعرف من ذا؟، والخبر منكر. وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا- ٤١/ ٣١٧٤ و ٣١٧٥ - وفي

стр. 13590

"الكبرى" ٣٧/ ٤٣٨٢ و ٤٣٨٣. وأخرجه (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٧٠٨٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١٧٥ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ, قَالَ: أَنْبَأَنَا هُشَيْمٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا سَيَّارٌ, أَبُو الْحَكَمِ, عَنْ جَبْرِ بْنِ عَبِيدَةَ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: وَعَدَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَزْوَةَ الْهِنْدِ, فَإِنْ أَدْرَكْتُهَا, أُنْفِقْ فِيهَا نَفْسِي وَمَالِي, وَإِنْ قُتِلْتُ (١) كُنْتُ أَفْضَلَ الشُّهَدَاءِ, وَإِنْ رَجَعْتُ, فَأَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ الْمُحَرَّرُ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن إسماعيل بن إبراهيم": هو المعروف أبوه بابن عُليّة، قاضي دمشق، ثقة [١١] ٢٢/ ٤٨٩ من أفراد المصنّف. و"يزيد": هو ابن هارون أبو خالد الواسطيّ، ثقة متقن عابد [٩] ١٥٣/ ٢٤٤. والحديث ضعيف، كما سبق بيانه فيما قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١٧٦ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى, قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ الزُّبَيْدِيُّ, عَنْ أَخِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ, عَنْ لُقْمَانَ بْنِ عَامِرٍ, عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى بْنِ عَدِيٍّ الْبَهْرَانِيِّ, عَنْ ثَوْبَانَ, مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «عِصَابَتَانِ مِنْ أُمَّتِي, أَحْرَزَهُمَا اللَّهُ مِنَ النَّارِ: عِصَابَةٌ تَغْزُو الْهِنْدَ, وَعِصَابَةٌ تَكُونُ مَعَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵉»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (محمد بن عبد اللَّه بن عبد الرحيم) المصريّ الْبَرْقيّ، ثقة [١١] ١٧/ ١٥٤٠. ٢ - (أسد بن موسى) بن إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك بن مروان الأمويّ، أسد السنّة، صدوق يُغْرب، وفيه نَصْبٌ [٩]. قال البخاريّ: مشهور الحديث. وقال النسائيّ: ثقة، ولو لم يُصنِّف كان خيرًا له. وقال ابن يونس، وابن قانع، والعجليّ، والبزّار: ثقة. زاد العجليّ: صاحب سنّة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال الخليليّ: مصريّ صالح. وقال ابن يونس: حدّث بأحاديث منكرة، وأحسب الآفة من غيره. وقال ابن حزم: منكر الحديث، ضعيف. وقال عبد الحقّ في "الأحكام الوسطى": لا يحتجّ به عندهم، ورأيت لابنه سعيد تصنيفًا في فضائل التابعين في مجلّدين أكثر فيه عن أبيه وطبقته. وقال ابن يونس: وُلد بمصر، ويقال: بالبصرة سنة (١٣٢)، وتوفّي بمصر في المحرّم سنة (٢١٢). علّق عنه

стр. 13591

البخاريّ، وأخرج له المصنّف، وأبو داود،، وله عند المصنّف في هذا الكتاب ستة أحاديث برقم ٣١٧٥ و ٣٤٢٩ و ٣٩٥٦ و ٤٨٨٤ و ٥٢٤٨ و ٥٧٥٣. ٣ - (بقيّة) بن الوليد الكلاعيّ الحمصيّ، صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء [٨] ٤٥/ ٥٥. ٤ - (أبو بكر الزُّبيديّ) -بضمّ الزاي، مصغّرًا- اسمه صَمْصُوم- بمهملتين، الأولى مفتوحة، والثانية مضمومة، بينهما ميم ساكنة- ابن الوليد بن عامر، مجهول الحال [٧]. روى عن أخيه محمد، وابن شهاب. وعنه بقيّة بن الوليد. قال الحاكم أبو أحمد، وأبو عبد اللَّه بن مَنْدَهْ: صَمْصُوم. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط. ٥ - (محمد بن الوليد) الزُّبَيديّ، أبو الْهُذَيل الحمصيّ القاضي، ثقة ثبت [٧] ٤٥/ ٥٦. ٦ - (لقمان بن عامر) الْوَصَابيّ -بتخفيف الصاد المهملة- أبو عامر الحمصيّ، صدوق [٣]. قال أبو حاتم: يُكتب حديثه، قال: روايته عن أبي الدرداء مُرسلة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه في "التفسير"، وله في هذا الكتاب حديث الباب فقط. ٧ - (عبد الأعلى بن عديّ الْبَهْرَانيّ) -بفتح الموحّدة، وسكون المهملة (١) - الحمصيّ، ثقة [٣]. قال أبو داود: شيوخ حريز بن عثمان ثقات. وقال ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن القطّان: لا تُعرف حاله في الحديث، وكان قاضي حِمْص. وذكره أبو نُعيم في "الصحابة"، وقال: ذكر محمد بن عثمان بن أبي شيبة في "الوحدان"، ولا أدري تَصحّ له صحبة، أم لا؟. وقال يزيد بن عبد ربّه: مات سنة (١٠٤). روى له المصنّف، وأبو داود في "المراسيل"، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديث الباب فقط. ٨ - (ثوبان) بن بُجدُد الصحابيّ الشهير ﵁ صحب النبيّ ﷺ ، ولازمه، ونزل بعده الشام، ومات بحمص سنة (٥٤) ١٧٠/ ١١٣٩. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من ثمانيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين.

стр. 13592

(ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ ثَوْبَانَ) بن بُجدد، أو ابن أبجر - رضي اللَّه تعالى عنه - (مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عِصَابَتَانِ) تثنية عِصَابة -بكسر العين المهملة، وتخفيف الصاد المهملهّ-: وهي الجماعة من الناس، جمعه عَصَائب (مِنْ أُمَّتِي، أَحْرَزَهُمَا اللَّهُ مِنَ النَّارِ) -براء مهملة، فزاي معجمة- من الإحراز، أي حفظهما اللَّه، ويمكن أن يُجعل قول أبي هريرة ﵁ السابق "الْمُحْرَز". وفي نسخة: "حَرَّرهما" براءين، من التحرير: أي أعتقهما اللَّه من النار (عِصَابَةٌ) بدل بعض من "اعصابتين" (تَغْزُو الْهِنْدَ، وَعِصَابَةٌ تَكُونُ مَعَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵉) أي حينما ينزل آخر الزمان، بعد خروج المهديّ المنتظر، واللعين الدجال، فيقتله عيسى ﵇. [فائدة]: رمز بعضهم لعلامات الساعة الكبرى التي تأتي آخر الزمان بقوله: "مدعي طد" فالميم للمهديّ، والدال للدجال، والعين لعيسى ﵇، والياء ليأجوج ومأجوج، و"الطاء" لطلوع الشمس، والدال الثانية لدابّة الأرض. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث ثوبان - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. [فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه بقيّة مدلّس تدليس التسوية، وفيه أبو بكر الزُّبَيديّ مجهو ل الحال؟. [قلت]: قد تُوبع كلٌّ من بقية، وأبي بكر الزبيديّ، فقد روى الحديث هشام بن عمّار، حدّثنا الجرّاح بن مليح البهرانيّ، ثنا محمد بن الوليد الزبيديّ به. أخرجه ابن عديّ، وابن عساكر، وهذا إسناد لا بأس به في المتابعات، فالجرّاح بن مَلِيح حمصيّ صدوق، وهشام بن عمار من شيوخ البخاريّ، وكان يتلقّن، لكنه تابعه سليمان، وهو ابن عبد الرحمن بن بنت شرحبيل. أخرجه البخاريّ في "التاريخ الكبير" ٣/ ٢/ ٧٢ عنه: حدثنا الجرّاح بن مليح به. وهذا إسناد قويّ. وقد توبع أبو بكر الزبيديّ أيضًا، فقد روى أبو عروبة الحرانيّ في حديثه (١٠٢/ ٢) عن بقيّة بن الوليد: ثنا عبد اللَّه بن سالم، وأبو بكر بن الوليد الزُّبيديّ، عن محمد بن الوليد الزُّبَيديّ، عن لقمان بن عامر الوَصَابيّ، عن عبد الأعلى بن عديّ الْبَهْرَانيّ، عن ثوبان، مولى رسول اللَّه ﷺ ، عن النبيّ ﷺ … وهذا إسناد جيّدٌ، وعبد اللَّه بن سالم هو الأشعريّ الحمصيّ، ثقة من رجال البخاريّ. راجع ما كتبه الشيخ الألبانيّ في "السلسلة الصحيحة" ٤/ ٥٧٠ - ٥٧١ رقم ١٩٣٤.

стр. 13593

والحاصل أن حديث ثوبان - رضي اللَّه تعالى عنه - صحيح. وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، لم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا- ٤١/ ٣١٧٦ - وفي "الكبرى" ٣٧/ ٤٣٨٤. وأخرجه (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢١٨٩٠. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٤٢ - (غَزْوَةُ التُّرْكِ وَالْحَبَشَةِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: اختُلِفَ في أصل الترك، فقال الخطّابيّ: هم بنو قنطوراء، أمة كانت لإبراهيم ﵇. وقال كراع: هم الديلم. وتُعُقّب بأنهم جنس من الترك، وكذلك الغز. وقال أبو عمرو: هم من أولاد يافث، وهم أجناس كثيرة. وقال وهب بن منبّه: هم بنو عمّ يأجوج ومأجوج؛ لَمَا بَنَى ذو القرنين السدّ كان بعض يأجوج ومأجوج غائبين، فَتُرِكُوا لم يدخلوا مع قومهم، فسمّوا الترك. وقيل: إنهم من نسل تُبَّع. وقيل: من ولد افريدون بن سام بن نوح. وقيل: ابن يافث لصلبه. وقيل: ابن كومي بن يافث. ذكره في "الفتح". واللَّه تعالى أعلم بالصواب (١). ٣١٧٧ - (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ, قَالَ: حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ, عَنْ أَبِي زُرْعَةَ السَّيْبَانِيِّ, عَنْ أَبِي سُكَيْنَةَ, رَجُلٌ مِنَ الْمُحَرَّرِينَ, عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: لَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ, عَرَضَتْ لَهُمْ صَخْرَةٌ, حَالَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْحَفْرِ, فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَأَخَذَ الْمِعْوَلَ, وَوَضَعَ رِدَاءَهُ نَاحِيَةَ الْخَنْدَقِ, وَقَالَ «(تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ, صِدْقًا وَعَدْلاً, لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ, وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» , فَنَدَرَ ثُلُثُ الْحَجَرِ, وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ قَائِمٌ يَنْظُرُ, فَبَرَقَ مَعَ ضَرْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَرْقَةٌ, ثُمَّ ضَرَبَ الثَّانِيَةَ, وَقَالَ «تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ, صِدْقًا وَعَدْلاً, لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ, وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» , فَنَدَرَ الثُّلُثُ الآخَرُ, فَبَرَقَتْ بَرْقَةٌ, فَرَآهَا سَلْمَانُ, ثُمَّ ضَرَبَ الثَّالِثَةَ, وَقَالَ «تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ, صِدْقًا وَعَدْلاً, لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ, وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» , فَنَدَرَ الثُّلُثُ الْبَاقِي, وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَأَخَذَ رِدَاءَهُ, وَجَلَسَ, قَالَ سَلْمَانُ: يَا رَسُولَ اللهِ, رَأَيْتُكَ حِينَ ضَرَبْتَ, مَا تَضْرِبُ ضَرْبَةً إِلاَّ كَانَتْ مَعَهَا بَرْقَةٌ, قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يَا سَلْمَانُ, رَأَيْتَ ذَلِكَ؟» , فَقَالَ: إِي, وَالَّذِي بَعَثَكَ

стр. 13594

بِالْحَقِّ, يَا رَسُولَ اللهِ, قَالَ: «فَإِنِّي حِينَ ضَرَبْتُ الضَّرْبَةَ الأُولَى, رُفِعَتْ لِي مَدَائِنُ كِسْرَى, وَمَا حَوْلَهَا, وَمَدَائِنُ كَثِيرَةٌ, حَتَّى رَأَيْتُهَا بِعَيْنَيَّ» , قَالَ لَهُ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ: يَا رَسُولَ اللهِ, ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَفْتَحَهَا عَلَيْنَا, وَيُغَنِّمَنَا دِيَارَهُمْ, وَيُخَرِّبَ بِأَيْدِينَا بِلَادَهُمْ, فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ, «ثُمَّ ضَرَبْتُ الضَّرْبَةَ الثَّانِيَةَ, فَرُفِعَتْ لِي مَدَائِنُ قَيْصَرَ, وَمَا حَوْلَهَا, حَتَّى رَأَيْتُهَا بِعَيْنَيَّ» , قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ, ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَفْتَحَهَا عَلَيْنَا, وَيُغَنِّمَنَا دِيَارَهُمْ, وَيُخَرِّبَ بِأَيْدِينَا بِلَادَهُمْ, فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ, «ثُمَّ ضَرَبْتُ الثَّالِثَةَ, فَرُفِعَتْ لِي مَدَائِنُ الْحَبَشَةِ, وَمَا حَوْلَهَا مِنَ الْقُرَى, حَتَّى رَأَيْتُهَا بِعَيْنَيَّ» , قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , عِنْدَ ذَلِكَ: «دَعُوا الْحَبَشَةَ مَا وَدَعُوكُمْ, وَاتْرُكُوا التُّرْكَ مَا تَرَكُوكُمْ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عيسى بن يونس) بن أبان الفَاخُوريّ، أبو موسى الرَّمْليّ، صدوق، ربّما أخطأ [١١]. قال أبو حاتم: صدوق. وقال أبو داود: صدوق. وقال النسائيّ: ثقة، وقال مرّة: لا بأس به. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: كان راويًا لضمرة، ربّما أخطأ. قال ابن عساكر: مات سنة (٢٦٤). روى عنه المصنّف، وابن ماجه، وله فى هذا الكتاب أربعة أحاديث برقم ٣١٧٧ و ٣٨٧٨ و ٤٧٣٠ و ٤٨٠٥. ٢ - (ضمرة) بن ربيعة، أبو عبد اللَّه الفلسطينيّ، دمشقيّ الأصل، صدوق يَهِم قليلاً [٩] ٤٢/ ٢٦٨٨. ٣ - (أبو زُرْعة السَّيْبَانيّ) -بفتح السين المهملة، وسكون التحتانيّة، بعده موحّدة- يحيى بن أبي عمرو الحمصيّ، ابن عمّ الأوزاعيّ، ثقة [٦]. قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: شيخٌ ثقة ثقة. وقال عثمان الدارميّ، عن دُحيم: ثقة، وكذلك العجليّ، ويعقوب بن سُفيان. وقال ابن خِرَاش: صدوق. وقال أبو عليّ النيسابوريّ: أحدٌ الثقات يُجمع حديثه. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ضمرة بن ربيعة: مات سنة (١٤٨) وهو (٨٥) سنة. وُيروى عن عليّ بن سراج المصريّ أنه شهد غَزاة القسطنطنيّة مع مَسْلَمة بن عبد الملك، وتُوفّي بعد (١٥٠)، وقال ابن أبي حاتم في "المراسيل" عن أبيه، وأبي زُرعة: يحيى بن أبي عَمرو لم يُسمع من ذي مِخْبَر. روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، وأبو داود المصنّف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة مواضع برقم ٣١٧٧ و ٥٧٣٥ و ٥٧٣٦. ٤ - (أبو سُكَينة، رجل من المحَرَّرين) الحمصيّ، قيل: اسمه مُحَلِّم مختلف في صحبته.

стр. 13595

روى عن النبيّ ﷺ حديث: "دعوا الحبشة ما ودعوكم، واتركوا التُرْك ما تركوكم"، وفيه عن رجل، عن النبيّ ﷺ . وروى عنه بلال بن سعد، ويحيى بن أبي عَمْرو السيبانيّ. قال ابن أبي حاتم، عن أبيه: أبو سُكينة الذي روى عن جعفر بن بُرْقان لا يُسمّى، ولا صحبة له، وسئل أبو زُرعة عنه، فقال: لا أعرف اسمه. وقال الطبرانيّ في "معجمه": أبو سُكينة غير منسوب اختُلف في صحبته. روى عنه بلال بن سعد، وجميل ابن عبد اللَّه، حدثنا محمد بن أحمد البرّاء، حدثنا عليّ بن المدينيّ قال: أبو سُكينة لا يُعلم له صحبة. وقال ابن عبد البرّ: أبو سُكينة شاميّ حمصيّ، لا أعرف له اسمًا، ولا نسبًا، روى عنه بلال بن سعد، ذكروه في الصحابة، ولا دليل على ذلك. وقيل: إن حديثه مرسل، ولا صحبة له. وقد قيل: إن اسمه مُحلِّل، ولا يُنسب انتهى. وقال القاضي أبو القاسم عبد الصمد بن سعيد في "كتاب الصحابة الذين نزلوا حمص": أبو سُكينة رجلٌ من الصحابة نزل حَمَاة، اسمه مُحلّم بن سَوَّار، روى عنه بلال بن سعد. وذكر عبد الحقّ في "الأحكام الكبرى" أن اسم أبي سُكينة الذي روى عنه جعفر بن بُرْقان زياد بن مالك، وحكاه عنه ابن القطّان. تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله عندهما حديث الباب فقط. واللَّه تعالى أعلم، ٥ - (رَجُلٌ مَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ) وهو مبهم، ولكن لا يضرّ ذلك؛ إذ الصحابة كلهم عدول، كما قال الحافظ السيوطيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "ألفية الحديث": وَهُمْ عُدُولٌ كلُّهُمْ لَا يَشتَبِهْ … النَّوَوِي أَجْمَعَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهْ واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي سُكَينَةَ) بضمّ السين المهملة، مصغّرًا (رَجُلِ) بالجرّ بدل مما قبله، وقوله (مِنَ الْمُحَرَّرِينَ) بيان لـ"رجل"، و"المحرَّر" بصيغة اسم المفعول الشخص الذي زال عنه الرقّ بالعتق (عَنْ رَجُلٍ مَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ) فيه أنه مبهم، لكن سبق آنفًا أن هذا لا يضرّ؛ لأنهم عدول، أنه (قَالَ: لَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ) بوزن جعفر: حُفَيرٌ حول

стр. 13596

أَسوار المدن، مُعَرَّبُ كَنْدَه، ويقال: خَنْدَقَهُ: إذا حفره. أفاده في "القاموس". وإنما أمر النبيّ ﷺ بحفر الخندق بإشارة سلمان الفارسيّ ﵁، فقد ذكر أصحاب المغازي، أن سلمان ﵁ قال للنبيّ ﷺ : إنا كنّا بفارس إذا حوصرنا، خندقنا علينا، فأمر النبيّ ﷺ بحفر الخندق حول المدينة، وعمل فيه بنفسه ترغيبًا للمسلمين، فسارعوا إلى عمله حتى فرغوا منه، وجاء المشركون، فحاصروهم. وفي "مغازي" موسى بن عقبة: أنه لما بلغ النبيّ ﷺ جمعهم أخذ في حفر الخندق حول المدينة، ووضع يده في العمل معهم، مستعجلين، يبادرون قدوم العدوّ. وكذا ذكر نحوه ابن إسحاق. وعند موسى بن عقبة: أنهم أقاموا في عمله قريبًا من عشرين ليلة. وعند الواقديّ: أربعًا وعشرين. وفي "الروضة" للنوويّ: خمسة عشر يومًا. وفي "الهدي" لابن القيّم أقاموا شهرًا. وذكر موسى في "مغازيه"، قال: خرج حييّ بن أخطب بعد قتل بني النضير إلى مكة يُحرّض قريشًا على حرب رسول اللَّه ﷺ ، وخرج كنانة بن الربيع بن أبي الحُقَيق يسعى في بني غطفان، ويحضّهم على قتال رسول اللَّه ﷺ على أن لهم نصف ثمر خيبر، فأجابه عُيينة بن حِصْن بن حُذيفة بن بدر الفزاريّ إلى ذلك، وكتبوا إلى حلفائهم من بني أسد، فأقبل إليهم طلحة بن خُويلد فيمن أطاعه، وخرج أبو سفيان بن حرب بقريش، فنزلوا بِمَرّ الظهران، فجاءهم مَن أجابهم من بني سُليم مددًا لهم، فصاروا في جمع عظيم، فهم الذين سمّاهم اللَّه تعالى الأحزاب. وذكر ابن إسحاق بأسانيده أن عدّتهم عشرة آلاف، قال: وكان المسلمون ثلاثة آلاف. وقيل: كان المشركون أربعة آلاف، والمسلمون نحو الألف. وقال موسى بن عقبة: لم يكن بينهم قتالٌ، إلا مُراماة بالنبل والحجارة، وأصيب منها سعد بن معاذ بسهم، فكان سبب موته. وذكر أهل المغازي سبب رحيلهم، وأن نُعيم بن مسعود الأشجعيّ ألقى بينهم الفتنة، فاختلفوا، وذلك بأمر النبيّ ﷺ له بذلك، ثم أرسل اللَّه تعالى عليهم الريح، فتفرّقوا، وكفى اللَّه المؤمنين القتال. وتسمّى هذه الغزوة غزوة الخندق؛ لما ذُكر، وغزوة الأحزاب؛ لاجتماع طوائفَ من المشركين على حرب المسلمين، وهم قريش، وغطفان، واليهود، ومن تبعهم، وقد أنزل اللَّه تعالى في هذه القصّة صدر "سورة الأحزاب". وكانت غزوة الأحزاب في شوّال سنة أربع من الهجرة، على ما قاله موسى بن عقبة، وتابعه مالك، ومال إليه البخاريّ في "صحيحه" وقوّاه. وقيل: في شوّال سنة خمس،

стр. 13597

قاله ابن إسحاق، وجزم به غيره من أهل المغازي. أفاده في "الفتح" (١). (عَرَضَتْ) من باب ضرب: أي ظهرت (لَهُمْ صَخرَةٌ) وفي حديث جابر ﵁ عند البخاريّ: قال: "إنا يوم الخندق نَحفِر، فعرضت كُدْية (٢) شديدة، فجاءوا النبيّ ﷺ ، فقالوا: هذه كُدية، عَرَضت في الخندق، فقال: أنا نازل، ثم قام، وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام، لا نَذُوق ذَوَاقا، فأخذ النبيّ ﷺ الْمِعْوَل، فضرب، فعاد كثيبا أَهْيَلَ (٣) -أو أهيم- … " الحديث. (حَالَث بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْحَفْرِ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَأَخَذَ الْمِعْوَلَ) بكسر الميم، وسكون المهملة، وفتح الواو، بعدها لام: أي الْمِسْحَاة. وقال في "القاموس": "المِعْول، كمنبر: الحديدة يُنقَر بها الجبال انتهى (وَوَضَعَ رِدَاءَهُ نَاحِيَةَ الْخَنْدَقِ) أي في جانبه؛ وذلك ليتمكّن من ضرب الصخرة (وَقَالَ: تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ) أي التي كتبها بالنصر في الدنيا والآخرة لعباده المؤمنين، كما قال: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافّات:١٧١ - ١٧٢ - ١٧٣]، وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١] (٤). (صِدْقًا وَعَدْلاً) قال قتادة: صدقًا فيما قال، وعدلاً فيما حَكَمَ، يقول صدقًا في الأخبار، وعدلاً في الطلب، فكلّ ما أخبر به، فحقّ لا مرية، ولا شكّ، وكلّ ما أمر به فهو العدل الذي، لا عدل سواه، وكلّ ما نهى عنه فباطل، فإنه لا ينهى إلا عن مفسدة، كما قال تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ إلى آخر الآية [الأعراف: ١٥٧] ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ أي ليس أحدٌ يُعقّب حكمه تعالى، لا في الدنيا، ولا في الآخرة ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوال عباده ﴿الْعَلِيمُ﴾ بحركاتهم، وسكناتهم الذي يُجازي كلّ عامل بعمله (٥) (فَنَدَرَ ثُلُثُ الْحَجَرِ) أي سقط، يقال: ندر الشيءُ نُدُورًا، من باب قعد: سقط، أو خرج من غيره، ومنه نادرة الجبل، وهو ما يَخرُج منه، وَيبرُزُ. قاله الفيّوميّ. وأخرج أحمد في "مسنده" من حديث البراء بن عازب - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: أمرنا رسول اللَّه ﷺ بحفر الخندق، قال: وعرض لنا صخرة، في مكان من الخندق، لا

стр. 13598

تأخذ فيها المعاول، قال: فشكوها إلى رسول اللَّه ﷺ ، فجاء رسول اللَّه ﷺ ، قال عوف (١): وأحسبه قال: وضع ثوبه، ثم هبط إلى الصخرة، فأخذ المعول، فقال: "بسم اللَّه"، فضرب ضربة، فكسر ثلث الحجر، وقال: "اللَّه أكبر، أُعطِيت مفاتيح الشام، واللَّه إني لأبصر قصورها الْحُمْر من مكاني هذا"، ثم قال: "بسم اللَّه"، وضرب أخرى، فكسر ثلث الحجر، فقال: "اللَّه أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، واللَّه إني لأبصر المدائن، وأبصر قصرها الأبيض، من مكاني هذا"، ثم قال: "بسم اللَّه، وضرب ضربة أخرى، فقلع بقية الحجر، فقال: "اللَّه أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، واللَّه إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا". وفي سنده ميمون أبو عبد اللَّه البصريّ وثّقه ابن حبّان، وتكلم فيه غيره. (وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (قَائِمٌ يَنْظُرُ) متعجّبًا، ومستغربًا لصنيع رسول اللَّه ﷺ الغريب العجيب الذي اشتمل على عدّة من المعجزات (فَبَرَقَ) من باب قتل: أي لَمَعَ، وظهر (مَعَ ضَرْبَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَرْقَةٌ) المرّة من الْبَرَق، وهو اللَّمَعَان، أي الإضاءة (٢) (ثُمَّ ضَرَبَ الثانِيَةَ، وَقَالَ: "تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ، صِدْقًا وَعَدْلاً، لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ"، فَنَدَرَ الثُّلُثُ الآخَرُ، فَبَرَقَتْ بَرْقَةٌ، فَرَآهَا سَلْمَانُ) الفارسيّ ﵁ (ثُمَّ ضَرَبَ الثَّالِثَةَ، وَقَالَ: "تَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ، صِدْقًا وَعَدْلًا، لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ"، فَنَدَرَ الثُّلُثُ الْبَاقِي، وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أي من حفرة الخندق (فَأَخَذَ رِدَاءَهُ، وَجَلَسَ، قَالَ: سَلْمَانُ: يَا رَسُولَ اللهِ، رَأَيتُكَ حِينَ ضَرَبْتَ، مَا تَضْرِبُ ضَرْبَة إِلَّا كَانَتْ مَعَهَا بَرْقَةٌ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا سَلْمَانُ، رَأَيتَ ذَلِكَ؟) استفهام بتقدير همزته، أي أريت؟ (فَقَالَ: إِي) بكسر الهمزة، وسكون التحتانيّة: بمعنىٍ نعم، وتستعمل مع القسم، كما هنا (وَالْذِي بَعَثَكَ بالْحَقِّ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "فَإِنِّي حِينَ ضَرَبْتُ الضَّرْبَةَ الْأُولَى، رُفِعَتْ) بالبناء للمفعوَل: أي أُظهرت (لِي مَدَائِنُ كِسْرَى) اسم لمدينة ملك الْفُرْس. قال أبو عمرو بن العلاء: بكسر الكاف، لا غيرُ، وقال ابن السرّاج كما رواه الفارسيّ، واختاره ثعلب، وجماعة: الكسر أفصح، والنسبة إلى المكسور كِسْرِيّ، وكِسْرَوِيٌّ، بحذف الألف، وبقلبها واوًا، والنسبة إلى المفتوح بالقلب، لا غير، والجمع أكاسرة. قاله الفيّوميّ. ومدائن كسرى: دار مملكته، قال في "القاموس"، و"شرحه": والمدائن: مدينة كِسرى، قرب بغداد، على سبع فراسخ منها، سميت لكبرها. وهي دار مملكة الفرس،

стр. 13599

وأول من نزلها أنو شَرْوَان، وبها إيوانه، وارتفاعه ثمانون دراعًا، وبها كان سلمان، وحذيفة - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وبها قراهما، افتتحها سعد بن أبي وقّاص ﵁ سنة أربع عشرة. وقيل: هي عدّة مُدُن، متقاربة الميلين والثلاث، والنسبة. إليها مدائنيّ. انتهى (١) (وَمَا حَوْلَهَا) أي ورُفعت لي الأماكن التي حول مدائن كسرى (وَمَدَائِنُ) جمع مدينة (كَثِيرَةٌ، حَتَّى رَأَيتُهَا بعَينَيَّ"، قَالَ: لَهُ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَفْتَحَهَا عَلَيْنَا، وَيُغَنِّمَنَا) بتشديد النون، من التغنيم (دِيَارَهُمْ، وَيُخَرِّبَ) بتشديد الراء، من التخريب، وبتخفيفها، من الإخراب؛ لأنه يتعدّى بالتضعيف، والهمزة (بِأَيْدِينَا بِلَادَهُمْ، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بذَلِكَ، ثُمَّ ضَرَبْتُ الضَّرْبَةَ الثَّانِيَةَ، فَرُفِعَتْ لِي مَدَائِنُ قَيْصَرَ) لقبٌ لكلّ من ملك الروم (وَمَاَ حَوْلَهَا، حَتَّى رَأَيْتُهَا بِعَينَيَّ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، ادع اللَّهَ أَنْ يَفْتَحَهَا عَلَيْنَا، وَيُغَنِّمَنَا دِيَارَهُم، وَيُخَرِّبَ بأَيْدِينَا بِلَادَهُمْ، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِذَلِكَ، ثُمَّ ضَرَبْتُ الثَّالِثَةَ، فَرُفِعَتْ لِي مَدَائِنُ الْحَبَشَةَ) بفتحات هذه هي اللغة الفاشية، والواحد حبشيّ، والْحَبَشُ لفة فيه، وهو جيلٌ من السودان (وَمَا حَوْلَهَا مِنَ الْقُرَى، حَتَّى رَأَيْتُهَا بعَينَيَّ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :، عِنْدَ ذَلِكَ: "دَعُوا) أي اتركوا (الْحَبَشَةَ مَا وَدَعُوكُمْ) أي لَا تقاتلوهم ما لم يقاتلوكم (وَاتْرُكوا التُّرْكَ) بضمّ، فسكون: جِيلٌ من الناس، والجمع أتراك، والواحد تركيّ، مثل روم ورُوميّ. قاله الفيّوميّ (مَا تَرَكُوكُمْ) قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: أي اتركوا الحبشة، والترك ما داموا تاركين لكم، وذلك لأن بلاد الحبشة وَعْرَةٌ، وبين المسلمين، وبينهم مفاوز، وقِفَار، وبحار، فلم يُكلّف المسلمين بدخول ديارهم؛ لكثرة التعب. وأما الترك، فبأسهم شديد، وبلادهم باردةٌ، والعرب وهم جند الإسلام كانوا من البلاد الحارّة، فلم يُكلّفهم دخول بلادهم، وأما إذا دخلوا بلاد الإسلام -والعياذ باللَّه- فلا يُباح ترك القتال، كما يدلّ عليه "ما ودعوكم". وأما الجمع بين الحديث، وبين قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ الآية [التوبة: ٣٦]، فبالتخصيص، أما عند من يجوّز تخصيص الكتاب بخبر الآحاد فواضح، وأما عند غيره، فلأن الكتاب مخصوص؛ لخروج الذميّ. وقيل: يحتمل أن تكون الآية ناسخة للحديث لضعف الإسلام، ثم قوّته. قال السنديّ قلت: وعليه العمل -واللَّه تعالى أعلم-. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول بالنسخ فيه نظر، بل الأوضح التخصيص،

стр. 13600

واللَّه تعالى أعلم. قيل في الحديث حجة على من قال: إنهم أماتوا ماضي يَدَعُ إلا أن يكون مرادهم قلّة ورود ذلك. وقيل: يحتمل أن يكون من تصرّف الرواة المولدين بالمعنى. ويحتمل أن يكون في الأصل "وَادِعُوا" بالألف بمعنى سالموا وصالحوا، ثم سقط الألف من بعض الرواة، أو الكتاب. ويحتمل أن مجيئه لقصد المشاكلة كما رُوعِي الجناس في قوله: "واتركوا الترك ما تركوكم"، والحقّ أنه جاء على قلّة، فقد قرىء في الشواذّ "ما وَدَعَكَ" بالتخفيف، وجاء في بعض الأشعار أيضًا. واللَّه تعالى أعلم. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي سُكينة، عن رجل من أصحاب النبيّ ﷺ هذا حسنٌ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٤٢/ ٣١٧٧ - وفي "الكبرى" ٣٨/ ٤٣٨٥. وأخرجه (د) في "الملاحم" ٤٣٠٢. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): حكم غزو الترك، والحبشة، وهو المنع، إلا إذا قاتلوا المسلمين. (ومنها): الأخذ بالاحتياطات التي تمنع من وصول العدوّ إلى المسلمين. (ومنها): ما ظهر للنبيّ ﷺ من المعجزات في حفر ذلك الخندق، وذلك أنه ﷺ كان قد اشتدّ به الجوع، كما تقدّم في حديث جابر ﷺ أنه مضت عليه، وعلى أصحابه ثلاثة أيام دون أن يأكلوا شيئًا، ثم لما أخذ المعول، وضرب به الصخرة ثلاثًا صارت كثيبًا أهيل. (ومنها): ما أخبر به ﷺ مما سيقع لأمته من فتح بلاد فارس، والروم، وغيرها من أقطار الأرض. (ومنها): رؤيته ﷺ بالبرقة التي بَرَقت من ضربة الصخرة مدائن كسرى، ومدائن قيصر، ومدائن الحبشة، وغيرها من الأقطار النائية، وإخباره بوصول الإسلام إلى تلك البلدان. (ومنها): إخباره ببقاء الإسلام بعد وفاته ﷺ حتى يستقرّ في ربوع الأرض كلها. (ومنها): نهيه ﷺ عن مقاتلة الحبشة، والأتراك، إلا إذا بدءوا بقتال المسلمين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١٧٨ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ, عَنْ سُهَيْلٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ,

стр. 13601

أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ, حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ التُّرْكَ, قَوْمًا وُجُوهُهُمْ كَالْمَجَانِّ الْمُطَرَّقَةِ, يَلْبَسُونَ الشَّعَرَ, وَيَمْشُونَ فِي الشَّعَرِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (يعقوب) بن عبد الرحمن القاريّ المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، ثقة [٨] ٤٥/ ٧٣٩. ٣ - (سهيل) بن أبي صالح، أبو يزيد المدنيّ، صدوق تغيّر حفظه بآخره [٦] ٣٢/ ٨٢٠. ٤ - (أبوه) أبو صالح ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقة ثبت [٣] ٣٦/ ٤٠. ٥ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، وفيه رواية الراوي عن أبيه، وفيه أبو هريرة ﵁ أكثر الصحابة رواية للحديث. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ، حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ التُّرْكَ، قَوْمًا) بالنصب بدل من الترك (وُجُوهُهُم كَالْمَجَانِّ) بفتح الميم، وتشديد النون، جمع مِجَنّ بكسر، ففتح، وتشديد نون: وهو التُّرْس. وحكى القاضي عياض عن بعضهم أنه أجاز فيه كسر الميم في الجمع، وإنه خطأ (١) (الْمُطْرَقَةِ) بضمّ الميم، لاسكان الطاء، وتخفيف الراء، اسم مفعول، من الإطراق، وهذا هو الفصيح المشهور في الرواية، وفي كتب اللغة والغريب. وحُكي فتح الطاء، وتشديد الراء، والمعروف الأول. قال العلماء هي التي أُلبست الْعَقَبَ -بفتح العين والقاف-: العَصَب الذي تُعمل منه الأوتار، وأُطرقت به طاقةً فوق طاقة، قالوا: تشبيه وجوه الترك في عرضها، وتدوير وجناتها، وغلظها بالترسة المطرقة (٢). وفي "الفتح": والمطرقة التي أُلبست الأطرِقَة من الجلود، وهي الأغشية، تقول: طارقت بين النعلين، أي جعلت إحداهما على الأخرى. وقال الهرويّ: هي التي أُطرقت بالعصب، أي ألبست به انتهى (٣).

стр. 13602

وفي "شرح السنديّ": وهو الترس الذي جُعل على ظهره طرَاق، والطّراق بكسر الطاء جلد يقطع على مقدار الترس، فيُلصق على ظهره، شبّه وجوههم بالترس لبسطها، وتدويرها، وبالمطرقة لغلظها، وكثرة لحمها. (يَلْبَسُونَ الشَّعَرَ، وَيَمْشُونَ فِي الشَّعَرِ") معناه ينتعلون الشعر، كما صُرّح به في رواية أخرى عند مسلم بلفظ: "نعالهم الشعر". وقال القرطبيّ: أي يصنعون من الشعر حبالاً، ويصنعون منه نعالاً، كما يصنعون منه ثيابًا. قال: هذا ظاهره، ويحتمل أن يريد بذلك أن شعورهم كثيفة طويلة، فهي إذا سدلوها كاللباس، وذوائبها لوصولها إلى أرجلهم كالنعال انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الاحتمال الأخير بعيد من معنى الحديث جدًّا. واللَّه تعالى أعلم. وهذا الحديث صريح في أن الترك ينتعلون الشعر، ووقع في رواية للبخاريّ من طريق الأعرج عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا الترك، صغار الأعين، حُمْر الوجوه (٢)، ذُلْف الأنوف (٣)، كأنّ وجوههم الْمَجانّ المطرقة، ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا نعالهم الشعر". قال في "الفتح": هذا الحديث ظاهر في أن الذين ينتعلون الشعر غير الترك. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: يُجمع بين الروايتين بأن لبس الشعر، وانتعاله يعمّ الترك وغيرهم، ممن يقاتلهم المسلمون، فلا تعارض بين الروايتين. واللَّه تعالى أعلم. قال: وقد وقع للإسماعيليّ من طريق محمد بن عبّاد، قال: بلغني أن أصحاب بَابَك كانت نعالهم الشعر.

стр. 13603

قال: بابك -بموحّدتين، مفتوحتين، وآخره كاف، يقال له: الْخُرَّمِيّ -بضمّ المعجمة، وتشديد الراء المفتوحة- وكان من طائفة من الزنادقة استباحوا المحرّمات، وقامت لهم شوكة كبيرة في أيّام المأمون، وغلبوا على كثير من بلاد العجم، كطبرستان، والريّ إلى أن قتل بابك المذكور في أيّام المعتصم، وكان خروجه في سنة إحدى ومائتين، أو قبلها، وقتله في سنة اثنتين وعشرين انتهى (١). وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: ولا شكّ في أن هذه الأوصاف هي أوصاف الترك غالبًا، وقد سمّاهم النبيّ ﷺ بقوله: "يقاتل المسلمون الترك"، وهذا الخبر قد وقع على نحو ما أخبر، فقد قاتلهم المسلمون في عراق العجم مع سلطان خوارزم ﵀ تَعَالَى-، وكان اللَّه قد نصره عليهم، ثم رجعت لهم الكرّة، فغلبوا على عراق العجم وغيره، وخرج منهم في هذا الوقت أممٌ لا يُحصيهم إلا اللَّه، ولا يردّهم عن المسلمين إلا اللَّه، حتى كأنهم يأجوج ومأجوج، أو مقدّمتهم، فنسأل اللَّه تعالى أن يُهلكهم، ويُبدّد جمعهم، ولَمَّا علم النبيّ ﷺ عددهم، وكثرتهم، وشدّةَ شوكتهم قال ﷺ : "اتركوا الترك ما تركوكم" انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٤٢/ ٣١٧٨ - وفي "الكبرى" ٣٨١/ ٤٣٨٦. وأخرجه (خ) في "الجهاد والسير" ٢٩٢٨ و ٢٩٢٩ (م) في "الفتن" ٢٩١٢ (د) في "الملاحم" ٤٣٠٣ و٤٣٠٤ (ت) في "الفتن" ٢٢١٥ (ق) في "الفتن" ٤٠٩٦ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٧٢٢٢ و ٧٦١٩ و ٧٩٢٧ و ٢٧٤٦٠ و ٨٩٢١ و ٩٧٩٦ و ١٠٠٢٤ و ١٠٤٧٦. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو غزوة الترك. [فإن قلت]: هذا الحديث يعارض الحديث الماضي: "واتركوا الترك ما تركوكم"، فكيف يجمع بينهما؟.

стр. 13604

[قلت]: لا تنافي بينهما، إذ النهي مشروط بقوله: "ما تركوكم"، فمفهومه أنهم إذا لم يتركوا لم يُتركوا، بل يُقاتلون، وقد وعد اللَّه بالنصر للمؤمنين، وقد وقع ذلك للمسلمين الذين قاتلوا الترك بعد النبيّ ﷺ ، كما سجّلته كتب التواريخ، كما وقع في وقعة عين جالوت وغيرها. واللَّه تعالى أعلم. (ومنها): أن فيه معجزة ظاهرة للنبيّ ﷺ ، حيث أخبر بما سيقع لأمته بعده، فوقع مطابقًا لما أخبر به. قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح مسلم": وهذه كلها معجزات لرسول اللَّه ﷺ ، فقد وُجد قتال هؤلاء الترك بجميع صفاتهم التي ذكرها ﷺ صغار الأعين، حُمْر الوجوه، ذُلْف الأنوف، عراض الوجوه، كان وجوههم المجانّ المطرقة، ينتعلون الشعر، فوجدوا بهذه الصفات كلها في زماننا، وقاتلهم المسلمون مرّات، وقتالهم الآن، ونسال اللَّه الكريم إحسان العاقبة للمسلمين في أمرهم، وأمر غيرهم، وسائر أحوالهم، وإدامة اللطف بهم، والحماية، وصلى اللَّه على رسوله الذي لا ينطق عن الهوى، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٤٣ - (الاسْتِنْصَارُ بِالضَّعِيفِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: معناه: طلب النصر من اللَّه تعالى بدعاء الضعيف. وقد ترجم الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" بقوله: "باب من استعان بالضعفاء، والصالحين في الحرب"، ثم أورد مع حديث سعد هذا حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "يأتي زمان، يغزو فِئَامٌ من الناس، فيقال: فيكم مَن صَحِبَ النبي ﷺ ؟، فيقال: نعم، فيُفتَح عليه، ثم يأتي زمان، فيقال: فيكم مَن صحب أصحاب النبي ﷺ ؟، فيقال: نعم، فيُفتَح، ثم يأتي زمان، فيقال: فيكم من صحب صاحب أصحاب النبي ﷺ ؟، فيقال: نعم، فيفتح" (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

стр. 13605

٣١٧٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ مِسْعَرٍ, عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ, عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ, عَنْ أَبِيهِ, أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ لَهُ فَضْلاً عَلَى مَنْ دُونَهُ, مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ , فَقَالَ: "نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : إِنَّمَا يَنْصُرُ اللَّهُ هَذِهِ الأُمَّةَ بِضَعِيفِهَا, بِدَعْوَتِهِمْ, وَصَلَاتِهِمْ, وَإِخْلَاصِهِمْ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (محمد بن إدريس) بن المنذر أبو حاتم الرازيّ الإمام الحافظ الناقد المشهور [١١] ١١٢/ ٢٨٧٩. ٢ - (عمر بن حفص بن غياث) النخعي، أبو حفص الكوفيّ، ثقة ربما وهم [١٠] ٥/ ٥٠١. ٣ - (أبوه) حفص بن غياث بن طلق بن معاوية النخعي، القاضي، أبو عمر الكوفيّ، ثقة فقيه تغير حفظه قليلاً في الآخر [٨] ٨٦/ ١٠٥. ٤ - (مِسْعَر) بن كِدَام بن ظهير الهلالي، أبو سلمة الكوفيّ، ثقة ثبت فاضل [٧] ٨/ ٨. ٥ - (طلحة بن مصرّف) بن عمرو بن كعب اليماميّ الكوفي، ثقة قارىء فاضل [٥] ١٩١/ ٣٠٦. ٦ - (مصعب بن سعد) بن أبي وقاص الزهريّ، أبو زرارة المدنيّ، ثقة [٣] ٩١/ ١٠٣٢. ٧ - (أبوه) سعد بن أبي وقّاص مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب، أبو إسحاق الزهريّ الصحابي الجليل ﵁. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح غير شيخه، فقد تفرد به هو وأبو داود، وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالكويين إلى طلحة، غير شيخه، فإنه رازيّ، والباقيان مدنيان. (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن أبيه مرّتين، ورواية تابعيّ عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه أحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وهو الصحابيّ ﵁، وهو آخرهم وفاةً، مات ﵁ بالعَقيق سنة (٥٥) على المشهور، وأول من رمى بسهم في سبيل اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ) الزهريّ، أبي زُرارة المدنيّ، الثقة (عَنْ أَبِيهِ) سعد بن أبي وقّاص - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ لَهُ فَضْلاً عَلَى مَنْ دُونَهُ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ )

стр. 13606

بناء على ظاهر الحال، إما بسبب شجاعته، أو نحو ذلك (فَقَالَ: "نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّمَا يَنْصُرُ اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِضَعِيفِهَا) أي بسببهم، ثم بيّن سبب النصر، فقال (بِدَعْوَتهِمْ) أي بسبب دعائهم لربّهم حتى ينصر المسلمين (وَصَلَاتهِمْ) أي ببركة صلاتهم التي يقيمونها بأركانها، وسننها، وآدابها، وخشوعها، كما أمرهم اللَّه تعالى بذلك (وَإِخْلَاصِهِمْ) أي بسبب إخلاص العبادة لربّهم، بحيث لا يشوبونها بشيء من الشرك الجليّ والخفيّ. ولفظ البخاريّ من طريق محمد بن طلحة، عن اْبيه: "فقال النبيّ ﷺ : هل تُنصرون إلا بضعفائكم". قال ابن بطّال -رحمه اللَّه تعالى-: تأويل الحديث أن الضعفاء أشدّ إخلاصًا في الدعاء، وأكثر خشوعًا في العبادة؛ لخلاء قلوبهم عن التعلّق بزخرف الدنيا. وقال المهلّب -رحمه اللَّه تعالى-: أراد ﷺ بذلك حضّ سعد ﵁ على التواضع، ونفي الزهو على غيره، وترك احتقار المسلم في كلّ حالة. وقد روى عبد الرزّاق من طريق مكحول في قصّة سعد هذه زيادةً مع إرسالها، فقال: قال سعد: يا رسول اللَّه، أرأيت رجلاً يكون حاميةَ القوم، ويدفع عن أصحابه أن يكون نصيبه كنصيب غيره؟ "، فذكر الحديث. وعلى هذا فالمراد بالفضل إرادة الزيادة من الغنيمة، فأعلمه النبيّ ﷺ أن سهام المقاتلة سواء، فإن كان القويّ يترجّح بفضل شجاعته، فإن الضعيف يترجّح بفضل دعائه وإخلاصه. قاله في "الفتح". قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن الحديث يعمّ المعنيين، فلا داعي لقصره على أحدهما. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث سعد بن أبي وقّاص - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٣/ ٣١٧٩ - وفي "الكبرى" ٣٩/ ٤٣٨٧. وأخرجه (خ) في "الجهاد والسير" ٢٨٩٦ (أحمد) في "مسند العشرة" ١٤٩٦. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو استحباب طلب النصر على الأعداء من اللَّه تعالى بدعوة الضعفاء الصالحين. (ومنها): أن رفعة القدر عند اللَّه تعالى

стр. 13607

ليست بالمظهر، وإنما هي بالتقوى، والإخلاص، والورع، كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. (ومنها): استحباب الغزو مع الضعفاء؛ رجاء النصر بسببهم. (ومنها): فضيلة الدعاء، والصلاة، والإخلاص للَّه ، حيث كانت سببًا لانتصار الجيوش على أعداء الإسلام. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١٨٠ - (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جَابِرٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَرْطَاةَ الْفَزَارِيُّ, عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ الْحَضْرَمِيِّ, أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الدَّرْدَاءِ, يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «ابْغُونِي الضَّعِيفَ, فَإِنَّكُمْ إِنَّمَا تُرْزَقُونَ, وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يحيى بن عثمان) الحمصيّ، صدوق عابد [١٠] ٢٩/ ٨١٧. ٢ - (عمر بن عبد الواحد) السلميّ الدمشقيّ، ثقة [٩] ٤٥/ ٥٦. ٣ - (ابن جابر) عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزديّ، أبو عتبة الشاميّ الدارانيّ، ثقة [٧] ٤٥/ ٥٩٥. ٤ - (زيد بن أرطاة الفزاريّ) الدمشقيّ، أخو عديّ، ثقة عابدٌ [٥]. قال العجليّ: شاميّ، تابعيّ ثقة. وقال دُحَيم، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له أبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب حديث الباب فقط. ٥ - (جُبير بن نُفير الْحَضْرميّ) الحمصيّ مخضرم، ثقة، جليل [٢] ٥٠/ ٦٢. ٦ - (أبو الدرداء) عُويمر بن زيد بن قيس الأنصاريّ الصحابيّ المشهور، شهد أحدًا، وما بعدها، ومات ﵁ في آخر خلافة عثمان ﵁، وقيل: عاش بعد ذلك، تقدّمت ترجمته في ٤٨/ ٨٤٧. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أنه مسلسلٌ بالشاميين، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ جُبَيْرِ بْن نُفَيْرِ الْحَضْرَمِيِّ، أنَّهُ سَمِعَ أَبَا الدَّرْدَاءِ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "ابْغُونِي) بوصل الهمزة، ثلاثيًا، يقال: بغيتك الشيءَ،

стр. 13608

من باب رمى: طلبته لك، أو بقطع الهمزة، رباعيًّا، يقال: أبغيته الشيء: طلبته له، أو أعنته على طلبه، أو جعلته طالبًا له (الضَّعِيفَ) بالنصب مفعول ثان لـ"ابغوني" (فَإِنَّكُمْ إِنَّمَا تُرْزَقُونَ) بنزول المطر، أو غيره (وَتُنْصَرُونَ) على أعدائكم (بِضُعَفَائِكُمْ) قد تقدّم في الحديث الذي قبله، أن المعنى: بسبب دعائهم، وصلاتهم، وإخلاصهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي الدرداء - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٣/ ٣١٨٠ - وفي "الكبرى" ٣٩/ ٤٣٨٨. وأخرجه (د) في "الجهاد" ٢٥٩٤ (ت) في "الجهاد" ١٧٠٢ (أحمد) في "مسند الأنصار" ٢١٢٢٤. وفواثده تقدّمت في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٤٤ - (فَضْلُ مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا) ٣١٨١ - (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, عَنِ ابْنِ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ, عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ, عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ, عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ, عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ , قَالَ: «مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللهِ, فَقَدْ غَزَا, وَمَنْ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ, فَقَدْ غَزَا»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (سليمان بن داود) المهريّ، أبو الربيع المصريّ، ثقة [١١] ٦٨/ ١٣١٦. ٢ - (الحارث بن مسكين) القاضي المصريّ، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩. ٣ - (ابن وهب) عبد اللَّه المصريّ، ثقة ثبت عابد [٩] ٩/ ٩. ٤ - (عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم المصريّ، ثقة ثبت

стр. 13609

فقيه [٧] ٦٣/ ٧٩. ٥ - (بكير بن الأشج) هو بكير بن عبد اللَّه بن الأشج، نسب لجده المدنيّ، نزيل مصر، ثقة فقيه [٥] ١٣٥/ ٢١١. ٦ - (بسر بن سعيد) المدني العابد، مولى ابن الحضرميّ، ثقة جليل [٢] ١١/ ٥١٧. ٧ - (زيد بن خالد) الجهنيّ الصحابيّ المدنيّ المشهور، مات ﵁ بالكوفة سنة (٦٨) أو (٧٠)، وله (٨٥) سنة، تقدّمت ترجمته في ٨/ ٧٥٦. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخيه، فقد تفرد بهما هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى بكير، والباقيان مدنيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ) الجهنيّ - رضي اللَّه تعالى عنه - (عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: مَنْ جَهَّزَ) بتشديد الهاء، من التجهيز، أي هيّأ له أسباب سفره. وقال ابن الأثير: تجهيز الغازي: تحميله، وإعداد ما يحتاج إليه في غزوه، ومنه تجهيز العروس، وتجهيز الميت. انتهى (١) (غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللهِ، فَقَدْ غَزَا) قال ابن حبّان -رحمه اللَّه تعالى-: معناه أنه مثله في الأجر، وإن لم يغزو حقيقة. ثم أخرجه من وجه آخر عن بُسر بن سعيد، بلفظ: "كُتب له مثل أجره، غير أنه لا يَنقص من أجره شيء". ولابن ماجه، وابن حبّان من حديث عمر ﵁ نحوه بلفظ: "من جهّز غازيًا حتى يستقلّ كان له مثل أجره حتى يموت، أو يرجع". وأفادت هذه الرواية فائدتين: "إحداهما": أن الوعد المذكور مرتّبٌ على تمام التجهيز، وهو المراد بقوله: "حتى يستقلّ". و"ثانيهما": أنه يستوي معه في الأجر إلى أن تنقضي تلك الغزوة. وأما ما أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ بعث بعثًا، وقال: "ليخرج من كلّ رجلين رجلُ، والأجر بينهما"، وفي رواية له: "ثم قال للقاعد: و"أيكم خلف الخارج في أهله بخير، كان له مثل نصف أجر الخارج". ففيه إشارة إلى أن الغازي إذا جهّز نفسه، أو قام بكفاية من يخلفه بعده كان له الأجر مرّتين. وقال القرطبيّ: لفظة "نصف" يشبه أن تكون مقحمة. أي مزيدة من بعض الرواة. وقد احتجّ بها من ذهب إلى أن المراد بالأحاديث التي وردت بمثل ثواب الفعل حصول أصل الأجر

стр. 13610

له بغير تضعيف، وأن التضعيف يختصّ بمن باشر العمل. قال القرطبيّ: ولا حجّة له في هذا الحديث لوجهين: [أحدهما]: أنه لا يتناول محلّ النزاع؛ لأن المطلوب إنما هو أن الدالّ على الخير مثلاً هل له مثل أجر فاعله مع التضعيف، أو بغير تضعيف، وحديث الباب يقتضي المشاركة، والمشاطرة، فافترقا. [ثانيهما]: ما تقدّم من احتمال كون لفظة "نصف" زائدة انتهى. قال الحافظ: ولا حاجة لدعوى زيادتها بعد ثبوتها في الصحيح، والذي يظهر في توجيهها أنها أطلقت بالنسبة إلى مجموع الثواب الحاصل للغازي، والخالف له بخير، فإن الثواب إذا انقسم بينهما نصفين كان لكلّ منهما مثل ما للآخر، فلا تعارض بين الحديثين، وأما من وعد بمثل ثواب العمل، وإن لم يعمله إذا كانت له فيه دلالة، أو مشاركة، أو نيّة صالحة، فليس على إطلاقه في عدم التضعيف لكلّ أحد، وصرف الخبر عن ظاهره يحتاج إلى مستند، وكأن مستند القائل أن العامل يباشر المشقّة بنفسه بخلاف الدال ونحوه، لكن من يُجهّز الغازي بماله مثلاً، وكذا من يُخلفه فيمن يترك بعده يباشر شيئًا من المشقّة أيضًا، فإن الغازي لا يتأتّى منه الغزو إلا بعد أن يُكْفَى ذلك العمل فصار كأنه يباشر معه الغزو، بخلاف من اقتصر على النيّة مثلاً انتهى (١). (وَمَنْ خَلَفَهُ) بتخفيف اللام: أي صار خليفة له، ونائبًا عنه في قضاء جوائج أهله (فِي أَهلِهِ بِخَيْرٍ) احتراز عن الخيانة في الأهل بسوء، فإن له وعيدًا شديدًا، كما سيأتي في حديث بريدة بن الحصيب ﵁، مرفوعًا -٤٧/ ٣١٩٠ - : "وما من رجل يخلف في امرأة رجل من المجاهدين، فيخونه فيها، إلا وُقف له يوم القيامة، فأخذ من عمله ما شاء، فما ظنّكم؟ " (فَقَدْ غَزَا) أي فقد حصل له أجر الغازي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث زيد بن خالد الجهنيّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٤٤/ ٣١٨١ و ٣١٨٢ - وفي "الكبرى" ٤٠/ ٤٣٨٩ و ٤٣٩٠. وأخرجه (خ) في "الجهاد والسير" ٢٨٤٣ (م) في "الإمارة" ١٨٩٥ (د) في "الجهاد" ٢٥٠٩ (ت)

стр. 13611

في "فضائل الجهاد" ١٦٢٨ و ١٦٢٩ و١٦٢١ (ق) في "الجهاد" ٢٧٥٩ (أحمد) في "مسند الشاميين" ١٦٥٩١ و ١٦٦٠٨ و"مسند الأنصار" ٢١١٦٨ و ٢١١٧٣ (الدراميّ) في "الجهاد" ٢٤١٩. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل من جهّز غازيًا في سبيل اللَّه تعالى، وهو أنه مثل من غزا في الأجر. (ومنها): بيان فضل الإحسان إلى أهل الغازي في سبيل اللَّه تعالى، بخدمتهم، والإحسان إليهم، فإن من قام بذلك حصل له أجر الغازي أيضًا. (ومنها): أن المشاركة في الخير له فضل عظيم، حيث يحصل به أجر العاملين به، ويفهم منه ذمّ من شارك في الشرّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١٨٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى,, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ, عَنْ يَحْيَى, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ, عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ, قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فَقَدْ غَزَا, وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"حرب بن شدّاد": هو اليشكريّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقة [٧] ٩٦/ ١١٩. و"يحيى": هو ابن أبي كثير. والحديث متّفق عليه، وقد سبق شرحه، والكلام على مسائله في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. ٣١٨٣ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ, قَالَ: سَمِعْتُ حُصَيْنَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, يُحَدِّثُ عَنْ عَمْرِو بْنِ جَاوَانَ, عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ, قَالَ: خَرَجْنَا حُجَّاجًا, فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ, وَنَحْنُ نُرِيدُ الْحَجَّ, فَبَيْنَا نَحْنُ فِي مَنَازِلِنَا, نَضَعُ رِحَالَنَا, إِذْ أَتَانَا آتٍ, فَقَالَ: إِنَّ النَّاسَ قَدِ اجْتَمَعُوا فِي الْمَسْجِدِ, وَفَزِعُوا, فَانْطَلَقْنَا, فَإِذَا النَّاسُ مُجْتَمِعُونَ عَلَى نَفَرٍ, فِي وَسَطِ الْمَسْجِدِ, وَفِيهِمْ عَلِيٌّ, وَالزُّبَيْرُ, وَطَلْحَةُ, وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ, فَإِنَّا لَكَذَلِكَ, إِذْ جَاءَ عُثْمَانُ ﵁, عَلَيْهِ مُلَاءَةٌ صَفْرَاءُ, قَدْ قَنَّعَ بِهَا رَأْسَهُ, فَقَالَ: أَهَاهُنَا طَلْحَةُ؟ , أَهَاهُنَا الزُّبَيْرُ؟ , أَهَاهُنَا سَعْدٌ؟ , قَالُوا: نَعَمْ, قَالَ: فَإِنِّي أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ, أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ يَبْتَاعُ مِرْبَدَ بَنِي فُلَانٍ, غَفَرَ اللَّهُ لَهُ» , فَابْتَعْتُهُ بِعِشْرِينَ أَلْفًا, أَوْ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا, فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ , فَأَخْبَرْتُهُ, فَقَالَ: «اجْعَلْهُ فِي مَسْجِدِنَا, وَأَجْرُهُ لَكَ» , قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ, قَالَ:

стр. 13612

أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ, أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنِ ابْتَاعَ بِئْرَ رُومَةَ, غَفَرَ اللَّهُ لَهُ", فَابْتَعْتُهَا بِكَذَا وَكَذَا, فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ , فَقُلْتُ: قَدِ ابْتَعْتُهَا بِكَذَا وَكَذَا, قَالَ: «اجْعَلْهَا سِقَايَةً لِلْمُسْلِمِينَ, وَأَجْرُهَا لَكَ» , قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ, قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ, أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , نَظَرَ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ, فَقَالَ: «مَنْ يُجَهِّزْ هَؤُلَاءِ, غَفَرَ اللَّهُ لَهُ» , يَعْنِي جَيْشَ الْعُسْرَةِ, فَجَهَّزْتُهُمْ, حَتَّى لَمْ يَفْقِدُوا عِقَالاً, وَلَا خِطَامًا, فَقَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ, قَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدِ, اللَّهُمَّ اشْهَدِ, اللَّهُمَّ اشْهَدْ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المعروف بابن راهويه الحنظلي المروزي، ثقة ثبت حجة [١٠] ٢/ ٢. ٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ) بن يزيد الأوديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقة فقيه عابد [٨] ٥/ ١٠٢. ٣ - (حُصَيْنَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) السلميّ، أبو الهذيل الكوفيّ، ثقة تغير حفظه في الآخر [٥] ٤٧/ ٨٤٦. ٤ - (عمرو بن جاوان) -بالجيم- التميميّ السعديّ البصريّ، ويقال: عُمر -بضم العين- مقبول [٦]. روى عن الأحنف بن قيس. وعنه حُصين بن عبد الرحمن. قال ابن معين: كلهم يقولون: عُمر بن جاوان، إلا أبا عوانة، فإنه قال: عَمرو. وذكر البخاريّ في "تاريخه" أن هُشيمًا قال: عن حُصين، عن عمرو بن جاوان. وقال عليّ بن عاصم: قلت لحصين: عمرو بن جاوان؟ قال: شيخ صحبني في السفينة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". تفرّد به المصنّف بحديث عثمان ﵁ هذا برقم ٣١٨٣ و ٣٦٠٧ و ٣٦٠٨. ٥ - (الأحنف بن قيس) بن معاوية بن حصين التميميّ السعديّ، أبو بحر، اسمه الضحّاك، وقيل: صخر، مخضرم ثقة [٢] ٤٤/ ٣١٨٢. ٦ - (عثمان بن عفّان) بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس الأمويّ، أمير المؤمنين، استُشهد في ذي الحجة بعد عيد الأضحى سنة (٣٥)، وتقدمت ترجمته فى ٦٨/ ٨٤. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير عمرو جابان، فإنه من أفراد المصنّف. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 13613

شرح الحديث (عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيسٍ) التميميّ السعديّ، أنه (قَالَ: خَرَجْنَا حُجَّاجًا) بضم الجيم، جمع حاجّ. وفي الرواية الآتية -٤/ ٣٦٠٧ - من طريق المعتمر بن سليمان، قال: سمعت أبي يُحدّث عن حُصين بن عبد الرحمن، عن عُمَر بن جاوان، رجل من بني تميم، وذاك أني قلت له: أرأيت اعتزال الأحنف بن قيس ما كان، قال: سمعت الأحنف يقول: أتيت المدينة، وأنا حاجّ … ". يعني اعتزاله عليًّا ومعاوية - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وعدم انضمامه إلى أحدهما. (فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، وَنَحْنُ نُرِيدُ الْحَجَّ، فَبَينَا نَحْنُ فِي مَنَازِلِنَا) أي في الأماكن التي نزلنا فيها (نَضَعُ) بفتح الضاد المعجمة، مضارع وَضَعَ بفتحها أيضًا: أي نَحُطّ (رِحَالَنَا) - بكسر الراء- جمع رَحْل -بفتح، فسكون-وهو كلّ شيء يُعدّ للرحيل، من وعاء للمتاع، ومَرْكَب للبعير، وحِلْسِ، ورَسَنٍ، ويجمع أيضًا على أَرْحُل، كفلس وأَفْلُس (إِذْ أتَانَا آتٍ، فَقَالَ: إِنَّ النَّاسَ قَدِ اجْتَمَعُوا فِي الْمَسْجِدِ) النبويّ (وَفَزِعُوا) -بكسر الزاي- من باب تَعِب، أي خافوا من وقوع فتنة بين الناس بسبب عصيانهم للخليفة عثمان ﵁ (فَانْطَلَقْنَا) أي ذهبنا إلى المسجد (فَإِذَا النَّاسُ مُجتَمِعُونَ عَلَى نَفَرِ) -بفتحين-: جماعةُ الرجال، من ثلاثة إلى عشرة. وقيل: إلى سبعة، ولا يقال: نفَرٌ فيما زاد على العشرة. قاله الفيّوميّ. والمراد بالنفر عليّ، والزبير، وطلحة، وسعد ﵁. وفي رواية المعتمر: "فإذا يعني الناس مجتمعون، وإذا بين أظهرهم نفرٌ، فإذا هو عليّ بن أبي طالب، والزبير، وطلحة، وسعد بن أبي وقّاص رحمة اللَّه عليهم … " (فِي وَسَطِ الْمَسْجِدِ، وَفِيهِمْ عَلِيٌّ) بن أبي طالب (وَالزُّبَيْرُ) بن العوّام (وَطَلْحَةُ) بن عُبيد اللَّه (وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) - رضي اللَّه تعالى - عنهم (فَإِنَّا لَكَذَلِكَ، إِذْ جَاءَ عُثْمَانُ) بن عفّان (﵁، عَلَيْهِ مُلَاءَةٌ) -بضمّ الميم، والمدّ: الرَّيْطَةُ، ذات لِفْقَين، والجمع مُلاءٌ بحذف الهاء. قاله الفيّوميّ. وفي رواية المعتمر المذكورة: "وعليه مُلَيّةٌ" بالتصغير (صَفْرَاءُ) صفة لـ"ملاءة" (قَدْ قَنَّعَ بِهَا رَأْسَهُ) بتشديد النون: أي غَشَّى بتلك الملاءة رأسه، وغطّاه بها؛ لدفع الحرّ، أو غيره (فَقَالَ: أَهَاهُنَا طَلْحَةُ؟) وفي رواية المعتمر: "أههنا عليّ؟، أههنا الزبير؟، أههنا طلحة؟، أههنا سعد؟ … " (أَهَاهُنَا الزُّبَيْرُ؟، أَهَاهُنَا سَعْدٌ؟، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنِّي أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ، أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ يَبْتَاع) "من" هنا موصولة؛ إذ الفعل بعدها مرفوع، وهي مبتدأ خبرها "غفر اللَّه له"، أي الذي يشتري (مِرْبَدَ بَنِي فُلَانٍ) - بكسر الميم، وسكون الراء، وفتح الموحّدة-: موضعٌ يُجعل فيه التمر؛ ليَنشَفَ، ويقال

стр. 13614

له أيضًا: مِسْطَحِ (غَفَرَ اللَّهُ لَهُ"، فَابْتَعْتُهُ بِعِشْرِينَ أَلْفًا، أَوْ) للشكّ من الراوي (بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَأَخْبَرْتُهُ) أي بشرائه ذلك المربد (فَقَالَ: "اجْعَلْهُ فِي مَسْجِدِنَا) أي ليتّسع حيث ضاق عليهم. وفي رواية ثمامة بن حَزْن القشيريّ الآتية في - ٤/ ٣٦٠٩ - من طريق سعيد الجريريّ، عنه: قال: فأنشدكم باللَّه، والإسلام، هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله، فقال رسول اللَّه ﷺ : "من يشتري بُقعة آل فلان، فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنّة، فاشتريتها من صُلْب مالي، فزدتها في المسجد، وأنتم تمنعوني أن أصلّي فيه ركعتين، قالوا: اللَّهمّ نعم … " (وَأَجْرُهُ لَكَ"، قَالُوا) أي قال الصحابة الذين ناشدهم، وهم علي، ومن معه (اللَّهُمَّ نَعَمْ) إنما ذكروا "اللَّهمّ" للتأكيد (قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلا هُوَ، أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنِ ابْتَاعَ) "من" هنا يحتمل أن تكون موصولة، وأن تكون شرطيّة (بِئْرَ رُومَةَ) -بضمّ الراء، وزان غُرفة- اسم بئر معروفة بالمدينة، والإضافة فيه للبيان (غَفَرَ اللَّهُ لَهُ"، فَابْتَعْتُهَا بِكَذَا وَكَذَا) وفي رواية معلّقة من طريق أبي إسحاق السبيعيّ، عن أبي عبد الرحمن السلميّ عند البخاريّ: "من حفر رومة، فله الجنّة"، فحفرتها". قال ابن بطّال: هذا وهم من بعض رواته، والمعروف أن عثمان اشتراها، لا أنه حفرها. قال الحافظ: قلت: هو المشهور في الروايات، فقد أخرجه الترمذيّ من رواية زيد بن أبي أُنيسة، عن أبي إسحاق، فقال فيه: "هل تعلمون أن رُومة لم يكن يشرب من مائها إلا بثمن"، لكن لا يتعين الوهم، فقد روى البغويّ في "الصحابة" من طريق بشر بن بشير الأسلميّ، عن أبيه، قال: "لما قدم المهاجرين المدينة استنكروا الماء، وكانت لرجل من بني غفار عين، يقال لها: رُومة، وكان يبيع منها القربة بمُدّ، فقال له النبيّ ﷺ "تبيعنيها بعين في الجنّة"؟، فقال: يا رسول اللَّه ليس لي، ولا لعيالي غيرها، فبلغ ذلك عثمان ﵁، فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم، ثم أتى النبيّ ﷺ ، فقال: أتجعل لي فيها ما جعلت له؟ قال: "نعم"، قال: قد جعلتها للمسلمين. وإن كانت أوّلاً عينًا فلا مانع أن يحفر فيها عثمان بئرًا، ولعلّ العين كانت تجري إلى بئر، فوسّعها، وطواها، فنسب حفرها إليه (١). (فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: قَدِ ابْتَعْتُهَا بكَذَا وَكَذَا، قَالَ: "اجْعَلْهَا سِقَايَةً لَلْمُسْلِمِينَ، وَأَجْرُهَا لَكَ") وفي رواية ثمامة المَذكورة: "فقال: أنشدُكم باللَّه، وبالإسلام، هل تعلمون أن رسول اللَّه ﷺ قَدِمَ المدينة، وليس بها ماءٌ يُستعذب، غيرَ بئر رومة، فقال: من يشتري رومة، فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسملمين، بخير له منها في

стр. 13615

الجنّة؟، فاشتريتها من صُلْب مالي، فجعلت دلوي فيها مع دلاء المسلمين، وأنتم اليوم تمنعوني من الشرب منها حتى أشرب من ماء البحر، قالوا: اللَّهمّ نعم … " (قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَم، قَالَ: أَنْشُدُكُمْ باللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، نَظَرَ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ) أي فقراء المهَاجرين الذين لا يجدون جهاز الغزو (فَقَالَ: "مَنْ) يحتمل أن تكون موصولة، والفعل بعدها مرفوع، وأن تكون شرطيّة، والفعل مجزوم (يُجَهِّزُ هَؤُلَاءِ) - بضّم أوّله، وتشديد الهاء- أي يهيّىء لهم مُؤَن الغزو (غَفَرَ اللَّهُ لَهُ"، يَعْنِي جَيْشَ الْعُسْرَةِ) هي جيش غزوة تبوك؛ سمّيت بذلك للمشقّة التي حصلت للمسلمين فيها بسبب بعدها، وكونه ﷺ غزاها في شدّة الحرّ قال جابر ﵁: اجتمع عليهم عسرة الظهر، وعسرة الزاد، وعسرة الماء. وقال الحسن: كانت العسرة من المسلمين يخرجون على بعير يَعتقبونه بينهم، وكان زادهم التمر المتسوّس، والشعير المتغيّر، والإهالة (١) المنتنة، وكان النفر يخرجون ما معهم إلا التمرات بينهم، فإذا بلغ الجوع من أحدهم أخذ التمرة، فلاكها حتى يجد طعمها، ثم يُعطيها صاحبه حتى يشرب عليها جُرْعة من ماء، كذلك حتى تأتي على آخرهم، فلا يبقى من التمرة إلا النواة، فَمَضَوا مع النبيّ ﷺ على صدقهم، ويقينهم ﵃. وقال عمر ﵁، وقد سُئل عن ساعة العسرة: خرجنا في قيظ شديد، فنزلنا منزلاً أصابنا فيه عطش شديد حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع من العطش، وحتى إن الرجل لينحر بعيره، فيصر فَرْثه، فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر ﵁: يا رسول اللَّه إن اللَّه قد عوّدك في الدعاء خيرًا، فادع اللَّه لنا، قال: "أتحبّ ذلك؟ "، قال: نعم، فرفع يديه، فلم يرجعهما حتى أظلّت السماء، ثم سكبت، فملئوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر، فلم نجدها جاوزت العسكر. وأخرج مسلم في "صحيحه" من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أو عن أبي سعيد -شك الأعمش- قال: لما كان غزوة تبوك، أصاب الناس مجاعة، قالوا: يا رسول اللَّه، لو أذنت لنا، فنحرنا نواضحنا، فأكلنا وادهنا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "افعلوا"، قال: فجاء عمر، فقال: يا رسول اللَّه، إن فعلت قَلَّ الظهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم، ثم ادع اللَّه لهم عليها بالبركة، لعل اللَّه أن يجعل في ذلك، فقال رسول اللَّه ﷺ : "نعم"، قال: فدعا بِنِطَع (٢)، فبسطه، ثم دعا بفضل أزوادهم، قال: فجعل الرجل يجيء بكف ذُرَة، قال: ويجيء الآخر بكف تمر، قال: ويجيء الآخر

стр. 13616

بكِسْرة، حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير، قال: فدعا رسول اللَّه ﷺ عليه بالبركة، ثم قال: "خذوا في أوعيتكم"، قال: فأخذوا في أوعيتهم، حتى ما تركوا في العسكر وعاء، إلا ملئوه، قال: فأكلوا حتى شبعوا، وفضلت فضلة، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأني رسول اللَّه، لا يلقى اللَّه بهما عبد، غير شاكّ، فيحجبَ عن الجنة". وقال ابن عرفة: سُمي جيش تبوك جيش العسرة؛ لأن رسول اللَّه ﷺ نَدَبَ الناس إلى الغزو في حمارة القيظ (١)، فغلُظ عليهم، وعَسُرَ، وكان إبّان انتياع الثمرة، قال: وإنما ضُرب المثل بجيش العسرة؛ لأن رسول اللَّه ﷺ لم يغز قبله في عدد مثله؛ لأن أصحابه يوم بدر كانوا ثلثمائة وبضعة عشر، ويوم أحد سبعمائة، ويوم خيبر ألفًا وخمسمائة، ويوم الفتح عشرة آلاف، ويوم حُنين اثني عشر ألفًا، وكان جيشه في غزوة تبوك ثلاثين ألفًا وزيادة، وهي آخر مغازيه ﷺ ، وخرج رسو ل اللَّه ﷺ في رجب، وأقام بتبوك شعبان، وأيامًا من رمضان، وبثّ سراياه، وصالح أقوامًا على الجزية (٢). (فَجَهَّزتُهُمْ، حَتَّى لَمْ يَفْقِدُوا) -بكسر القاف- من باب ضرب: أي لم يَعدَموا (عِقَالاً) -بكسر العين المهملة، وتخفيف القاف-: الحبل الذي يُعقل به البعير، وهو أن تَثْنِيَ وَظِيفَهُ مع ذراعه، فتشُدَّهما جميعًا في وسط الذراع بحبل. قاله الفيّوميّ (وَلَا خِطَامًا) - بكسر الخاء المعجمة، وتخفيف الطاء المهملة-: هو الحبل يُجعل على خَطْم البعير، أي مقدّم أنفه وفمه، جمعه خُطُم، مثلُ كتاب وكُتُب. وأخرج الترمذيّ من حديث عبد الرحمن بن حباب السلميّ أن عثمان جهّزهم بثلثمائة بعير، ولأحمد من حديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁ أنه جاء بألف دينار في ثوبه، فصبها في حجر النبيّ ﷺ حين جهّز جيش العسرة، فقال ﷺ : "ما على عثمان من عمل بعد اليوم". وأخرج أسد بن موسى في "فضائل الصحابة" من مرسل قتادة: "حَمَلَ عثمان على ألف بعير، وسبعين فرسًا في العسرة". وعند أبي يعلى من وجه آخر ضعيف: "فجاء عثمان بسبعمائة أوقيّة ذهب". وعند ابن عديّ بسند ضعيف جدًّا عن حُذيفة ﵁ أن النبيّ ﷺ استعان عثمان في جيش العسرة، فجاء بعشرة آلاف دينار"، ولعلّها كانت عشرة آلاف درهم، فتوافق رواية عبد الرحمن بن سمرة من صرف الدينار بعشرة دراهم. قاله في "الفتح" (٣).

стр. 13617

(فَقَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدِ) أي على إقامتي الحجّة على الأعداء، على لسان الأولياء، فإن مقصوده ﵁ كان إسماع من يعاديه ما له من المكانة عند اللَّه تعالى (اللَّهُمَّ اشْهَدِ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ) كرّره للتأكيد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): فى درجته: حديث عثمان - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. [فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي إسناده عمرو بن جاوان، وهو مجهول العين؛ إذ لم يرو عنه غير حُصين بن عبد الرحمن؟. [قلت]: لم ينفرد به عمرو، فقد أخرجه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في "كتاب الإحباس" - ٤/ ٣٦٠٩ - من طريق سعيد الجريريّ، عن ثمامة بن حَزْن القشيريّ، عن عثمان ﵁. و-٤/ ٣٦٠١٠ - من طريق أبي إسحاق السبيعيّ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عثمان ﵁. واللَّه تعالى أعلم. وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا- ٤٤/ ٣١٨٣ وفي "الأحباس" ٤/ ٣٦٠٧ و٣٦٠٨ و٣٦٠٩ و٣٦١٠ و٣٦١١ - وفي "الكبرى" ٤/ ٦٤٣٣ و ٦٤٣٤ و٦٤٣٥ و ٦٤٣٦ و ٦٤٣٧. وأخرجه أحمد في "مسند العشرة" ٥١٣. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): فى فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل من جهّز غازيًا في سبيل اللَّه تعالى، وذلك أنه ﷺ قال: "من يُجهّز هؤلاء، غفر اللَّه له". (ومنها): أن فيه بيان فضائل عثمان ﵁، حيث قام بهذه المهمات، فاستوجب ما وعد اللَّه تعالى عليها على لسان نبيّه ﷺ . (ومنها): مشروعيّة وقف الأرض لبناء المسجد. (ومنها): وقف البئر، ونحوها لسقاية الماء. (ومنها): أن من وقف شيئا للمسلمين، يجوز أن ينتفع بوقفه على الراجح، وفيه اختلاف بين أهل العلم، سيأتي بيانه في "كتاب الإحباس"، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 13618

٤٥ - (فَضْلُ النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى) ٣١٨٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ, قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ, فِي سَبِيلِ اللهِ , نُودِيَ فِي الْجَنَّةِ, يَا عَبْدَ اللَّهِ, هَذَا خَيْرٌ, فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ, دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ, وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ, دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ, وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ, دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ, وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ, دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ» , فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ ﵁: هَلْ عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ هَذِهِ الأَبْوَابِ, مِنْ ضَرُورَةٍ, فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأَبْوَابِ كُلِّهَا, قَالَ: «نَعَمْ, وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفق عليه، وقد تقدّم للمصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في "كتاب الصيام" -٤٣/ ٢٢٣٨ - وتقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. ورجال الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فقد تفرد به هو وأبو داود، وهو ثقة حافظ، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"حميد بن عبد الرحمن" بن عوف، وهو أخو أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الآتي في السند التالي. وقوله: "من أنفق زوجين الخ" قال ابن الأثير: الأصل في الزوج الصنف، والنوع من كلّ شيء، ومن كلّ شيئين مقترنين، شكلين كانا، أو نقيضين، فهما زوجان، وكلّ واحد منهما زوج، يريد من أنفق صنفين من ماله انتهى (١). وقوله: "هل على من يُدعى الخ" الاستفهام هنا بمعنى النفي، كما في قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]. وأما قوله: "فهل يُدعى الخ" فهو استفهام حقيقي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١٨٥ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ, عَنِ الأَوْزَاعِيِّ, قَالَ: حَدَّثَنِي

стр. 13619

يَحْيَى, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) أَبُو سَلَمَةَ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ,, قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللهِ, دَعَتْهُ خَزَنَةُ الْجَنَّةِ, مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ, يَا فُلَانُ هَلُمَّ, فَادْخُلْ» , فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ, ذَاكَ الَّذِي لَا تَوَى عَلَيْهِ, فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عمرو بن عثمان": هو أبو حفص الحمصيّ. و"بقيّة": هو ابن الوليد الحمصيّ. و"الأوزاعيّ": هو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الدمشقيّ. و"يحيى": هو ابن أبي كثير. و"محمد بن إبراهيم": هو أبو عبد اللَّه التيميّ المدنيّ راوي حديث النيّة. وقوله: "يا فلانُ هلُمّ، فادخل": أي تعال إلى هذا الباب، فادخل الجنّة منه. وقوله: "ذاك" أي المدعوّ من جميع أبواب الجنّة. وقوله: "لا توى عليه": أي لا ضياع، ولا خَسَارة، بل فاز كلَّ الفوز. قال السنديّ: ولا يخفى ما بين الروايتين من التدافع، والظاهر أنه لسهو من بعض الرواة. ويحتمل أنهما واقعتان، وقعتا في مجلس بأن أوحي إليه أوّلاً بالمناداة من باب واحد، فأخبر به، فسأله أبو بكر، هل في الناس من يُنادى من تمام الأبواب؟، وأوحي إليه ثانيًا بالمناداة من تمام الأبواب، فأخبر به، فمدح ذلك المنادَى أبو بكر على حسب ما هو اللائق بكلّ مجلس، وبشّره النبيّ ﷺ بأنه ينادى من تمام الأبواب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الثاني بعيدٌ، بل الأقرب أنه من تصرّف بعض الرواة، واختصاره، فالرواية السابقة هي التي أخرجها الشيخان، وغيرهما، فلا بدّ من حمل هذه الرواية على أن بعض الرواة اختصرها. والحديث متّفق عليه، وتمام البحث فيه سبق في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١٨٦ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ, عَنْ يُونُسَ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ, قَالَ: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ, قَالَ: قُلْتُ: حَدِّثْنِي, قَالَ: نَعَمْ, قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ, يُنْفِقُ مِنْ كُلِّ مَالٍ لَهُ زَوْجَيْنِ, فِي سَبِيلِ اللهِ, إِلاَّ اسْتَقْبَلَتْهُ حَجَبَةُ الْجَنَّةِ, كُلُّهُمْ يَدْعُوهُ إِلَى مَا عِنْدَهُ» , قُلْتُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ , قَالَ: إِنْ كَانَتْ إِبِلاً, فَبَعِيرَيْنِ, وَإِنْ كَانَتْ بَقَرًا, فَبَقَرَتَيْنِ).

стр. 13620

رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إسماعيل بن مسعود) الجحدريّ، أبو مسعود البصريّ، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧. ٢ - (بشر بن المفضّل) بن لاحق، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت عابد [٨] ٦٦/ ٨٢. ٣ - (يونس) بن عُبيد بن دينار العبديّ البصريّ ثقة ثبت قاضل ورع [٥] ٨٨/ ١٠٩. ٤ - (الحسن) بن أبي الحسن يسار البصريّ، ثقة فقيه فاضل، لكنه يدلس ويرسل [٣]. ٥ - (صعصعة بن معاوية) التميميّ السعديّ البصريّ، عمّ الأحنف، له صحبة، وقيل: إنه مخضرم ٢٣/ ١٨٧٤. ٦ - (أبو ذرّ) جندب بن جُناد على الأصح الغفاريّ الصحابيّ المشهور ٢٠٣/ ٣٢٢. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وصعصة تفرّد به هو وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وصحابيّ، عن صحابيّ، إن ثبتت صحبة صعصعة، وإلا ففيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ) التميميّ السعديّ، وفي رواية أحمد، من طريق قرّة بن خالد، عن الحسن: "حدثني صعصعة بن معاوية"، فصرّح الحسن بالتحديث، فبطل إعلال بعضهم الحديث بعنعنته (قَالَ: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ) جُندب بن جُنادة ﵁، أي بالرَّبَذَة. ففي رواية قرة المذكورة عند أحمد: "قال انتهيت إلى الرَّبَذَة، فإذا أنا بأبي ذر، قد تلقاني برواحل، قد أوردها، ثم أصدرها، وقد أعلق قِرْبَة في عنق بعير منها، ليَشرَبَ، ويَسقِيَ أصحابه، وكان خُلُقًا من أخلاق العرب، قلت: يا أبا ذر، ما لك؟، قال: لي عملي … " (قَالَ) صعصعة (قُلْتُ: حَدِّثْنِي) أي بشيء سمعته من رسول اللَّه ﷺ ، ففي رواية أحمد من طريق هشام بن حسان، عن الحسن: "ألا تحدّثني حديثًا سمعته من رسول اللَّه ﷺ … " (قَالَ: نَعَمْ) وفي رواية أحمد المذكورة: "قال: بلى" (قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مِنْ عَبدٍ مُسْلِمٍ، يُنْفِقُ مِنْ كُلِّ مَالٍ لَهُ) أي من أيّ صنف من أصناف مالٍ كان له (زَوْجَيْنِ) أي صنفين (فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلَّا اسْتَقْبَلَتهُ حَجَبَةُ الْجنَّةِ) -بفتحتين- جمع
следующие страницы →