بكِسْرة، حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير، قال: فدعا رسول اللَّه ﷺ عليه بالبركة، ثم قال: "خذوا في أوعيتكم"، قال: فأخذوا في أوعيتهم، حتى ما تركوا في العسكر وعاء، إلا ملئوه، قال: فأكلوا حتى شبعوا، وفضلت فضلة، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأني رسول اللَّه، لا يلقى اللَّه بهما عبد، غير شاكّ، فيحجبَ عن الجنة".
وقال ابن عرفة: سُمي جيش تبوك جيش العسرة؛ لأن رسول اللَّه ﷺ نَدَبَ الناس إلى الغزو في حمارة القيظ (١)، فغلُظ عليهم، وعَسُرَ، وكان إبّان انتياع الثمرة، قال: وإنما ضُرب المثل بجيش العسرة؛ لأن رسول اللَّه ﷺ لم يغز قبله في عدد مثله؛ لأن أصحابه يوم بدر كانوا ثلثمائة وبضعة عشر، ويوم أحد سبعمائة، ويوم خيبر ألفًا وخمسمائة، ويوم الفتح عشرة آلاف، ويوم حُنين اثني عشر ألفًا، وكان جيشه في غزوة تبوك ثلاثين ألفًا وزيادة، وهي آخر مغازيه ﷺ ، وخرج رسو ل اللَّه ﷺ في رجب، وأقام بتبوك شعبان، وأيامًا من رمضان، وبثّ سراياه، وصالح أقوامًا على الجزية (٢).
(فَجَهَّزتُهُمْ، حَتَّى لَمْ يَفْقِدُوا) -بكسر القاف- من باب ضرب: أي لم يَعدَموا (عِقَالاً) -بكسر العين المهملة، وتخفيف القاف-: الحبل الذي يُعقل به البعير، وهو أن تَثْنِيَ وَظِيفَهُ مع ذراعه، فتشُدَّهما جميعًا في وسط الذراع بحبل. قاله الفيّوميّ (وَلَا خِطَامًا) - بكسر الخاء المعجمة، وتخفيف الطاء المهملة-: هو الحبل يُجعل على خَطْم البعير، أي مقدّم أنفه وفمه، جمعه خُطُم، مثلُ كتاب وكُتُب.
وأخرج الترمذيّ من حديث عبد الرحمن بن حباب السلميّ أن عثمان جهّزهم بثلثمائة بعير، ولأحمد من حديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁ أنه جاء بألف دينار في ثوبه، فصبها في حجر النبيّ ﷺ حين جهّز جيش العسرة، فقال ﷺ : "ما على عثمان من عمل بعد اليوم". وأخرج أسد بن موسى في "فضائل الصحابة" من مرسل قتادة: "حَمَلَ عثمان على ألف بعير، وسبعين فرسًا في العسرة". وعند أبي يعلى من وجه آخر ضعيف: "فجاء عثمان بسبعمائة أوقيّة ذهب". وعند ابن عديّ بسند ضعيف جدًّا عن حُذيفة ﵁ أن النبيّ ﷺ استعان عثمان في جيش العسرة، فجاء بعشرة آلاف دينار"، ولعلّها كانت عشرة آلاف درهم، فتوافق رواية عبد الرحمن بن سمرة من صرف الدينار بعشرة دراهم. قاله في "الفتح" (٣).
стр. 13617
(فَقَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدِ) أي على إقامتي الحجّة على الأعداء، على لسان الأولياء، فإن مقصوده ﵁ كان إسماع من يعاديه ما له من المكانة عند اللَّه تعالى (اللَّهُمَّ اشْهَدِ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ) كرّره للتأكيد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): فى درجته:
حديث عثمان - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي إسناده عمرو بن جاوان، وهو مجهول العين؛ إذ لم يرو عنه غير حُصين بن عبد الرحمن؟.
[قلت]: لم ينفرد به عمرو، فقد أخرجه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في "كتاب الإحباس" - ٤/ ٣٦٠٩ - من طريق سعيد الجريريّ، عن ثمامة بن حَزْن القشيريّ، عن عثمان ﵁. و-٤/ ٣٦٠١٠ - من طريق أبي إسحاق السبيعيّ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عثمان ﵁. واللَّه تعالى أعلم.
وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا- ٤٤/ ٣١٨٣ وفي "الأحباس" ٤/ ٣٦٠٧ و٣٦٠٨ و٣٦٠٩ و٣٦١٠ و٣٦١١ - وفي "الكبرى" ٤/ ٦٤٣٣ و ٦٤٣٤ و٦٤٣٥ و ٦٤٣٦ و ٦٤٣٧. وأخرجه أحمد في "مسند العشرة" ٥١٣. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): فى فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل من جهّز غازيًا في سبيل اللَّه تعالى، وذلك أنه ﷺ قال: "من يُجهّز هؤلاء، غفر اللَّه له". (ومنها): أن فيه بيان فضائل عثمان ﵁، حيث قام بهذه المهمات، فاستوجب ما وعد اللَّه تعالى عليها على لسان نبيّه ﷺ . (ومنها): مشروعيّة وقف الأرض لبناء المسجد. (ومنها): وقف البئر، ونحوها لسقاية الماء. (ومنها): أن من وقف شيئا للمسلمين، يجوز أن ينتفع بوقفه على الراجح، وفيه اختلاف بين أهل العلم، سيأتي بيانه في "كتاب الإحباس"، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 13618
٤٥ - (فَضْلُ النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى)
٣١٨٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ, قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ, فِي سَبِيلِ اللهِ , نُودِيَ فِي الْجَنَّةِ, يَا عَبْدَ اللَّهِ, هَذَا خَيْرٌ, فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ, دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ, وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ, دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ, وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ, دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ, وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ, دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ» , فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ ﵁: هَلْ عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ هَذِهِ الأَبْوَابِ, مِنْ ضَرُورَةٍ, فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأَبْوَابِ كُلِّهَا, قَالَ: «نَعَمْ, وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفق عليه، وقد تقدّم للمصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في "كتاب الصيام" -٤٣/ ٢٢٣٨ - وتقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد.
ورجال الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فقد تفرد به هو وأبو داود، وهو ثقة حافظ، وكلهم تقدّموا غير مرّة.
و"حميد بن عبد الرحمن" بن عوف، وهو أخو أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الآتي في السند التالي.
وقوله: "من أنفق زوجين الخ" قال ابن الأثير: الأصل في الزوج الصنف، والنوع من كلّ شيء، ومن كلّ شيئين مقترنين، شكلين كانا، أو نقيضين، فهما زوجان، وكلّ واحد منهما زوج، يريد من أنفق صنفين من ماله انتهى (١).
وقوله: "هل على من يُدعى الخ" الاستفهام هنا بمعنى النفي، كما في قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]. وأما قوله: "فهل يُدعى الخ" فهو استفهام حقيقي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣١٨٥ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ, عَنِ الأَوْزَاعِيِّ, قَالَ: حَدَّثَنِي
стр. 13619
يَحْيَى, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) أَبُو سَلَمَةَ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ,, قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللهِ, دَعَتْهُ خَزَنَةُ الْجَنَّةِ, مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ, يَا فُلَانُ هَلُمَّ, فَادْخُلْ» , فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ, ذَاكَ الَّذِي لَا تَوَى عَلَيْهِ, فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عمرو بن عثمان": هو أبو حفص الحمصيّ. و"بقيّة": هو ابن الوليد الحمصيّ. و"الأوزاعيّ": هو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الدمشقيّ. و"يحيى": هو ابن أبي كثير. و"محمد بن إبراهيم": هو أبو عبد اللَّه التيميّ المدنيّ راوي حديث النيّة.
وقوله: "يا فلانُ هلُمّ، فادخل": أي تعال إلى هذا الباب، فادخل الجنّة منه.
وقوله: "ذاك" أي المدعوّ من جميع أبواب الجنّة. وقوله: "لا توى عليه": أي لا ضياع، ولا خَسَارة، بل فاز كلَّ الفوز.
قال السنديّ: ولا يخفى ما بين الروايتين من التدافع، والظاهر أنه لسهو من بعض الرواة. ويحتمل أنهما واقعتان، وقعتا في مجلس بأن أوحي إليه أوّلاً بالمناداة من باب واحد، فأخبر به، فسأله أبو بكر، هل في الناس من يُنادى من تمام الأبواب؟، وأوحي إليه ثانيًا بالمناداة من تمام الأبواب، فأخبر به، فمدح ذلك المنادَى أبو بكر على حسب ما هو اللائق بكلّ مجلس، وبشّره النبيّ ﷺ بأنه ينادى من تمام الأبواب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الثاني بعيدٌ، بل الأقرب أنه من تصرّف بعض الرواة، واختصاره، فالرواية السابقة هي التي أخرجها الشيخان، وغيرهما، فلا بدّ من حمل هذه الرواية على أن بعض الرواة اختصرها.
والحديث متّفق عليه، وتمام البحث فيه سبق في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣١٨٦ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ, عَنْ يُونُسَ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ, قَالَ: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ, قَالَ: قُلْتُ: حَدِّثْنِي, قَالَ: نَعَمْ, قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ, يُنْفِقُ مِنْ كُلِّ مَالٍ لَهُ زَوْجَيْنِ, فِي سَبِيلِ اللهِ, إِلاَّ اسْتَقْبَلَتْهُ حَجَبَةُ الْجَنَّةِ, كُلُّهُمْ يَدْعُوهُ إِلَى مَا عِنْدَهُ» , قُلْتُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ , قَالَ: إِنْ كَانَتْ إِبِلاً, فَبَعِيرَيْنِ, وَإِنْ كَانَتْ بَقَرًا, فَبَقَرَتَيْنِ).
стр. 13620
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إسماعيل بن مسعود) الجحدريّ، أبو مسعود البصريّ، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧.
٢ - (بشر بن المفضّل) بن لاحق، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت عابد [٨] ٦٦/ ٨٢.
٣ - (يونس) بن عُبيد بن دينار العبديّ البصريّ ثقة ثبت قاضل ورع [٥] ٨٨/ ١٠٩.
٤ - (الحسن) بن أبي الحسن يسار البصريّ، ثقة فقيه فاضل، لكنه يدلس ويرسل [٣].
٥ - (صعصعة بن معاوية) التميميّ السعديّ البصريّ، عمّ الأحنف، له صحبة، وقيل: إنه مخضرم ٢٣/ ١٨٧٤.
٦ - (أبو ذرّ) جندب بن جُناد على الأصح الغفاريّ الصحابيّ المشهور ٢٠٣/ ٣٢٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وصعصة تفرّد به هو وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وصحابيّ، عن صحابيّ، إن ثبتت صحبة صعصعة، وإلا ففيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ) التميميّ السعديّ، وفي رواية أحمد، من طريق قرّة بن خالد، عن الحسن: "حدثني صعصعة بن معاوية"، فصرّح الحسن بالتحديث، فبطل إعلال بعضهم الحديث بعنعنته (قَالَ: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ) جُندب بن جُنادة ﵁، أي بالرَّبَذَة. ففي رواية قرة المذكورة عند أحمد: "قال انتهيت إلى الرَّبَذَة، فإذا أنا بأبي ذر، قد تلقاني برواحل، قد أوردها، ثم أصدرها، وقد أعلق قِرْبَة في عنق بعير منها، ليَشرَبَ، ويَسقِيَ أصحابه، وكان خُلُقًا من أخلاق العرب، قلت: يا أبا ذر، ما لك؟، قال: لي عملي … " (قَالَ) صعصعة (قُلْتُ: حَدِّثْنِي) أي بشيء سمعته من رسول اللَّه ﷺ ، ففي رواية أحمد من طريق هشام بن حسان، عن الحسن: "ألا تحدّثني حديثًا سمعته من رسول اللَّه ﷺ … " (قَالَ: نَعَمْ) وفي رواية أحمد المذكورة: "قال: بلى" (قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مِنْ عَبدٍ مُسْلِمٍ، يُنْفِقُ مِنْ كُلِّ مَالٍ لَهُ) أي من أيّ صنف من أصناف مالٍ كان له (زَوْجَيْنِ) أي صنفين (فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلَّا اسْتَقْبَلَتهُ حَجَبَةُ الْجنَّةِ) -بفتحتين- جمع
стр. 13621
حاجب، أي حُرّاسها، وهو في معنى الرواية الأخرى: "خزنة الجنّة" (كُلُّهُمْ يَدْعُوهُ إِلَى مَا عِنْدَهُ) أي كلّ واحد من الحجبة يدعوه إلى ما عنده من الباب حتى يتشرّف بالدخول من عنده (قُلْتُ:) الظاهر أن القائل هو صعصعة، فيكون التفسير موقوفًا، ويحتمل أن يكون مرفوعًا (وَكَيْفَ ذَلِكَ؟) أي ما معنى زوجين؟، وفي رواية أحمد: "قلنا: ما هذان الزوجان؟ " (قَالَ: إِنْ كَانَتْ إِبِلاً) أي كانت أمواله إبلاً، فاسم "كان" ضمير يعود إلى "كلّ مال"، وأنثه باعتبار أموال (فَبَعِيرَيْنِ) منصوب بفعل مقدّر يدلّ عليه قوله: "يُنفق"، أي يُنفق بعيرين (وَإنْ كَانَتْ بَقَرًا، فَبَقَرَتَيْنِ) وفي رواية أحمد المذكورة: " قال إن كانت رِحَالا فَرَحْلان، وإن كانت خيلا، ففرسان، وإن كانت إبلا، فبعيران، حتى عَدَّ أصناف المال كله". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أبي ذرّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، فقد صرّح الحسن بالتحديث، كما نقدّم قريبًا، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا- ٤٥/ ٣١٨٦ - وفي "الكبرى" ٤١/ ٤٣٩٤. وأخرجه (أحمد) في "مسند الأنصار" ٢٠٨٥١و٢٠٩٠٤ و ٢٠٩٤٢ (الدارميّ) في "الجهاد" ٢٤٠٣. وفوائده تعلم مما سبق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣١٨٧ - (أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي النَّضْرِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ, قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ الأَشْجَعِيُّ, عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ, عَنِ الرُّكَيْنِ الْفَزَارِيِّ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ يُسَيْرِ بْنِ عَمِيلَةَ, عَنْ خُرَيْمِ بْنِ فَاتِكٍ: "قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أَنْفَقَ نَفَقَةً فِي سَبِيلِ اللهِ, كُتِبَتْ لَهُ بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ»).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أبو بكر بن أبي النضر) هو: ابن النضر بن أبي النضر، نُسب لجدّه، واسمه كنيته، وقيل: محمد، وقيل: أحمد، البغداديّ، ثقة [١١] ٨٣/ ٢٤١٦.
٢ - (أبو النضر) هاشم بن القاسم بن مسلم الليثيّ مولاهم البغداديّ، يُلقّب قيصر، ثقة ثبت [٩] ٧١/ ٢٤٠٧.
٣ - (عبيد اللَّه الأشجعيّ) -مصغّرًا- ابن عبد الرحمن، ويقال: ابن عُبيد الرحمن، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقة مأمون، أثبت الناس كتابًا في الثوريّ، من كبار [٩] ١٩٠/ ١١٦٢.
٤ - (سفيان الثوريّ) ابن سعيد الكوفي، ثقة ثبت حجة [٧] ٣٣/ ٣٧.
стр. 13622
٥ - (الرُّكين الفزاريّ) -مصغّرًا- ابن الربيع بن عَميلة، أبو الربيع الكوفيّ، ثقة [٤] ١٧/ ١٥٣١.
٦ - (أبوه) الربيع بن عَمِيلة -بمهملة، ولام، مصغرًا (١) - كوفيّ ثقة [٢].
قال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث.
وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له الجماعة، سوى البخاريّ، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
٧ - (يُسير- بالتصغير- ابن عَمِيلة) -بالتكبير- ويقال له أيضًا: أُسير الفزاريّ، ثقة [٣].
قال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". تفرّد به المصنّف، والترمذيّ، وله عندهما حديث الباب فقط.
[تنبيه]: "يسير بن عميلة" هكذا في بعض نسخ "المجتبى"، و"الكبرى"، وهو الصواب، كما هو في "تحفة الأشراف" ٣/ ١٢١٢، ووقع في معظم نسخها: "يسير بن عمرو" بدل "ابن عميلة"، وهو غلط، فإن ابن عمرو راو آخر، وليس هو المراد هنا. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
٨ - (خُريم -بالتصغير- ابن فاتك) الأسديّ، أبو يحيى، وهو خُريم بن الأخرم بن شَدّاد بن عمرو بن فاتك بن عمرو بن أسد بن خُزَيمة، نُسب لجدّه، صحابيّ شهد الحديبية.
روى عن النبيّ ﷺ ، وعن كعب الأحبار. وعنه ابنه أيمن، وحَبيب بن النعمان الأسديّ، وابن عباس، وُيسير بن عميلة، وغيرهم. وذكره البخاريّ، وغير واحد فيمن شهد بدرًا. وقال ابن سعد: كان الشعبيّ يَروي عن أيمن بن خُريم، قال: إن أبي، وعمّي شهدا بدرًا، وعهدا إليّ أن لا أقاتل مسلمًا. قال محمد بن عُمر: وهذا لا يُعرف عندنا، وإنما أسلما حين أسلمت بنو أسد بعد فتح مكة، وتحوّلا إلى الكوفة، فنزلاها بعد ذلك. وقال ابن منده: مات بالرقّة في عهد معاوية ﵁.
قال الحافظ: وروينا في "غرائب شعبة" لأبي عبد اللَّه بن مندهْ، وفي الأول من "أمالي المحامليّ" بإسناد صحيح إلى الشعبيّ، عن أيمن بن خُريم، قال: إن عمّي شهد الحديبية. وقد أخرجه ابن عساكر من طرق، قال: وهو الصواب. انتهى (٢). أخرج له
стр. 13623
الأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من ثمانيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فبغداديان. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. (ومنها): أن ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الركين، عن أبيه، عن يُسير. (ومنها): أن صحابيه من المقلين من الرواية، فليس له في "السنن" إلا ثلاثة أحاديث. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ خُرَيْم بْنِ فَاتِكٍ) الأسديّ - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ : "مَنْ أَنْفَقَ نَفَقَة) أي صرف نفقة، صغيرة كانت، أو كبيرة (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي لإعلاء كلمة اللَّه تعالى (كُتِبَتْ) بالبناء للمجهول (لَهُ بِسَبعِمِائَةِ ضِعْفٍ) والظاهر أن هذا هو أقلّ الموعود، واللَّه يضاعف لمن يشاء، واللَّه ذو الفضل العظيم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث خُرَيم بن فاتك - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٤٥/ ٣١٨٧ - وفي "الكبرى" ٤١/ ٤٣٩٥. وأخرجه (ت) في "الجهاد" ١٦٢٥. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل الإنفاق في سبيل اللَّه . (ومنها): بيان فضل الجهاد على غيره من الأعمال الصالحات، حيث كان أقلّ مضاعفة الثواب سبعمائة ضعف، مع أن سائر الأعمال إنما تضاعف بعشر أمثالها، فيكون الجهاد مخصوصًا من عموم قوله : ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ الآية [الأنعام: ١٦٠]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 13624
٤٦ - (فَضْلُ الصَّدَقَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ -)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا ترجم المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذه الترجمة هنا، وفي "الكبرى" أيضًا ولم يظهر لي وجه الفرق بين هذه الترجمة، والترجمة السابقة، فإنهما بمعنّى واحد، وأحاديثهما متقاربة، فكان الأولى أن يُجعلا ترجمة واحدة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣١٨٨ - (أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ سُلَيْمَانَ, قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ, عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ, أَنَّ رَجُلاً, تَصَدَّقَ بِنَاقَةٍ مَخْطُومَةٍ, فِي سَبِيلِ اللهِ, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَيَأْتِيَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِسَبْعِمِائَةِ نَاقَةٍ مَخْطُومَةٍ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (بشر بن خالد) العسكريّ الفرائضيّ، نزيل البصرة، ثقة يُغرب [١٠] ٢٦/ ٨١٢.
٢ - (محمد بن جعفر) المعروف بغندر، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقة، صحيح الكتاب، إلا أن فيه غفلة [٩] ٢١/ ٢٢.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت المشهور [٧] ٢٤/ ٢٧.
٤ - (سليمان) بن مهران الأعمش الكوفيّ، ثقة ثبت ورع، إلا أنه يدلس [٥] ١٧/ ١٨.
٥ - (أبو عمرو الشيبانيّ) سعد بن إياس الكوفيّ، ثقة مخضرم [٢] ٥١/ ٦١٠.
٦ - (أبو مسعود) عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاريّ البدريّ، الصحابيّ الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه -، مات قبل الأربعين، وقيل: بعدها، تقدّمت ترجمته في ٦/ ٤٩٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالبصريين، والثاني بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ رَجُلاً تَصَدَّقَ بِنَاقَةٍ) ولفظ
стр. 13625
مسلم من طريق جرير، عن الأعمش: "جاء رجلٌ بناقة مخطومة، فقال: هذه في سبيل اللَّه … " (مَخْطُومَةٍ) أي فيها خطام، وهو قريبٌ من الزمام. قاله النوويّ (١). وقال ابن الأثير: خِطَامُ البعيرِ أن يُؤخذ من لِيفٍ، أو شَعَرٍ، أو كَتّان، فيُجعل في أحد طرفيه حَلْقة، ثمّ يُشدّ فيه الطرف الآخر حتى يَصير كالحَلْقَة، ثم يُقاد البعير، ثم يُثَنَّى على مَخْطِمِهِ. وأما الذي يُجعَلُ في الأنف دَقِيقًا فهو الزِّمَامُ انتهى (٢) (فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَيَأْتِيَنَّ) بفتح أوّله، من الإتيان، والضمير للرجل، أيَ ليَحضُرَنَّ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ بسَبْعِمِائَةِ نَاقَةٍ مَخْطُومَةٍ) أي جزاء ما تصدّق به في الدنيا. ولفظ مسلم: "لك بها يوم القياَمة سبعمائة ناقة كلّها مخطومة". قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: قيل: يحتمل أن المراد له أجر سبعمائة ناقة. ويحتمل أن يكون على ظاهره، ويكون له في الجنّة بها سبعمائة، كلّ واحدة منهنّ مخطومة، يركبهنّ حيث يشاء للتنزّه، كما جاء في خيل الجنّة (٣)، ونُجُبها، وهذا الاحتمال أظهر. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الاحتمال الأخير هو الحقّ، كما استظهره النوويّ؛ لأن نصوص الشارع إذا أمكن حملها على ظاهرها تعيّن، ولا يصار إلى التأويل إلا عند وجود دليل عليه. ومما يؤيّد هذا الاحتمال الظاهر -كما قال القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى- قوله: "مخطومة"، فإنه ظاهر في كونها ناقة عليها خطامها. واللَّه تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذه الحسنة مما ضُوعف إلى سبعمائة ضعف، وهو أقصى الأعداد المحصورة التي تضاعَف الحسنات إليها، وهذا كما قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١] وبقي بعد هذا المضاعفة من غير حصر، ولا حدّ، وهي مفهومة من قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الآية
стр. 13626
[البقرة: ٢٦١]. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٦/ ٣١٨٨ - وفي "الكبرى" ٤٢/ ٤٣٩٦. وأخرجه (م) في "الإمارة" ١٨٩٢ (أحمد) في "مسند الشاميين" ١٦٦٤٥ و ٢١٨٥٢ (الدراميّ) في "الجهاد" ٢٤٠٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٢٨٩ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ, عَنْ بَحِيرٍ, عَنْ خَالِدٍ, عَنْ أَبِي بَحْرِيَّةَ, عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ, عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «الْغَزْوُ غَزْوَانِ, فَأَمَّا مَنِ ابْتَغَى وَجْهَ اللَّهِ, وَأَطَاعَ الإِمَامَ, وَأَنْفَقَ الْكَرِيمَةَ, وَيَاسَرَ الشَّرِيكَ, وَاجْتَنَبَ الْفَسَادَ, كَانَ نَوْمُهُ وَنُبْهُهُ, أَجْرًا كُلُّهُ, وَأَمَّا مَنْ غَزَا رِيَاءً, وَسُمْعَةً, وَعَصَى الإِمَامَ, وَأَفْسَدَ فِي الأَرْضِ, فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِالْكَفَافِ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عمرو بن عثمان) بن سعيد بن كثير القرشي مولاهم، أبو حفص الحمصيّ، صدوق [١] ٢/ ٥٣٥.
٢ - (بقيّة) بن الوليد بن صائد بن كعب الكلاعيّ، أبو يُحمِد الحمصيّ، صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء [٨] ٤٥/ ٥٥.
٣ - (بَحِير) بن سعد (٢) السّحوليّ الحمصيّ ثقة ثبت [٦] ١/ ٦٨٨.
٤ - (خالد) بن معدان الْكَلاعيّ، أبو عبد اللَّه الحمصيّ، ثقة عابد، يرسل كثيرًا [٣] ١/ ٦٨٨.
٥ - (أبو بَحريّة) -بفتح الموحّدة، وسكون المهملة، وتشديد المثنّاة- عبد اللَّه بن قيس الكنديّ السَّكُونيّ التَّراغِميّ -بمثنّاة، ثم معجمة (٣) - الحمصيّ، مشهور بكنيته، مخضرم، شَهِدَ خطبة عمر ﵁ بالجابية، ثقة [٢].
стр. 13627
قال ابن خيثمة، عن ابن معين: ثقة. وقال العجليّ: شاميّ تابعيّ، ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال الواقديّ: كتب عثمان إلى معاوية أن أَغْزِ الصائفة رجلاً مأمونًا، فعقد لأبي بحرية، وكان ناسكًا فقيهًا، يُحمل عنه الحديث، مات زمن الوليد بن عبد الملك، وكان خلفاء بني أميّة يُعظمونه. وقال ابن عبد البرّ: تابعيّ ثقة. وذكر أبو الحسن بن سُميع أنه أدرك الجاهليّة. وذكر الطبريّ أنه مات سنة (٧٧). أخرج له الجماعة، سوى البخاريّ، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط، أخرجه هنا-٤٦/ ٣١٨٩ وأعاده في -٢٩/ ٤١٩٦ - .
٦ - (معاذ بن جبل) بن عمرو بن أوس الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو عبد الرحمن، من أعيان الصحابة، شهد بدرًا وما بعدها، وكان إليه المنتهى في العلم بالأحكام والقرآن، مات بالشام سنة (١٨) على المشهور، وتقدم في ٤٢/ ٥٨٧. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فتفرد به هو وأبو داود، وابن ماجه، وبَحِير فمن رجال الأربعة، وبقيةُ علّق له البخاريّ، وأخرج له مسلم في المتابعات. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: "الْغَزْوُ) أي جنسه، لا الغزو المعهود (غَزْوَانِ) أي نوعان، أو قسمان. قال القاضي: أي غزوٌ على ما ينبغي، وغزو لا على ما ينبغي، فاقتصر الكلام، واستغنى بذكر الغُزَاة، وعدّ أصنافهم، وشرح حالهم، وبيان أحكامهم عن ذكر القسمين، وشرح كلّ واحدٍ منهما مفصّلاً، حيث قال (فَأَمَّا مَنِ ابْتَغَى وَجْهَ اللَّهِ) أي طلب رضا مو لاه. وفي رواية: "فأما من غزا ابتغاء وجه اللَّه تعالى" (وَأَطَاعَ الإِمَامَ) أي في غزوه، فأتى به على نحو ما أمره (وَأَنْفَقَ الْكَرِيمَةَ) أي الأموال العزيزة عليه الجامعة للكمال. وفي "المرقاة": أي المختارة من ماله، وقتل نفسه، والتاء للنقل من الوصفيّة إلى الاسميّة (وَيَاسَرَ الشَّرِيكَ) أي عامله باليسر والسهولة، وفي "المرقاة": من المياسرة، بمعنى المساهلة، أي ساهل الرفيق على وجه المبالغة، واستعمل اليسر معه نفعًا بالمعونة، وكفايةً بالمؤونة (وَاجْتَنَبَ الْفَسَادَ) أي التجاوز عن المشروع، قتلاً، وضربًا، وتخريبًا، ونهيًا على قصد الفساد؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [هود: ٨٥]، أي لا تُفسدوا فيها، حال
стр. 13628
كونكم قاصدين الفساد، بل مريدين صلاح البلاد والعباد (كَانَ نَوْمُهُ) أي حينئذ (وَنُبْهُهُ) ظاهر عبارة "القاموس" أنه -بضمّ، فسكون- بمعنى القيام من النوم. وضبطه السيوطيّ في "حاشية أبي داود" -بفتح، فسكون- بمعنى ضدّ النوم، وقال في "شرحه" لهذا الكتاب: بفتح، فكسر موحّدة-: الانتباه من النوم. قال السنديّ: والظاهر أن قوله: فكسر موحّدة غلط انتهى (١).
وفي "المرقاة": "ونبهه" -بفتح الموحّدة-، وفي نسخة صحيحة بسكونها: أي يقظته، وفي معناهما غفلته وذكره، وأكله وشربه، وحركته وسكونه (أَجْرًا) أي ذا أجر وثواب. وقوله (كُلُّهُ) بالرفع تأكيد و"نومه، ونبهه"، أي كان كلّ واحد منهما له أجرًا. وهذا التركيب مشعر باهتمام حمل الأجر على النوم والنبه مبالغةً في بيان كونهما شيئين مستقلّين غاية الاستقلال. قاله في "المرقاة" (٢).
(وَأَمَّا مَنْ غَزَا رِيَاءً) بكسر الرياء، وتخفيف التحتانيّة، ممدودًا: أي ليرى الناس جلادته، وشجاعته، فيحمدوه (وَسُمْعَةً) بضم، فسكون: أي ليسمع الناس صِيته في شجاعته، وجلادته، فيحمدوه أيضًا (وَعَصَى الإمَامَ) أي خالف أمره، ونهيه (وَأَفْسَدَ فِي الأَرْضِ) أي عمل بالفساد فيها بإهلاك الحرث والنسل، ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرهّ: ٢٠٥] (فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ بالْكَفَافِ) -بفتح الكاف، قال في "القاموس": كَفَافُ الشيءِ، كسَحَاب مثلُهُ، ومن الرزق ما كفّ عن الناس، أي أغنى. انتهى. وقال ابن الأثير: الكفاف: هو الذي لا يفضل عن الشىء، بل يكون بقدر الحاجة إليه انتهى (٣). قال في "اللسان": ومنه قول الأُبَيرِد الْيَرْبُوعيّ [من الطويل]:
أَلَا لَيْتَ حَظِّي مِنْ غُدَانَةَ أَنَّهُ … يَكُونُ كَفَافًا لَا عَلَيَّ وَلَا لِيَا
والمراد أنه لا يرجع من تلك الغزوة سالمًا، بل إنما يرجع متحمّلاً أوزارًا بسبب عدم إخلاصه، وعصيانه لإمامه، وإفساده في الأرض. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الألى): في درجته:
حديث معاذ بن جبل - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، إن سلم من تدليس بقيّة، وقد حسّنه الشيخ الألباني؛ لكونه صرّح بالتحديث في رواية الهيثم بن كُليب في "مسنده"
стр. 13629
(١٧١/ ١) ورواية أبي العباس الأصمّ في "حديثه" (ج ٣ رقم ٩٧) وابن عساكر (٨/ ٥١٢/ ١) (١).
لكن المشكل أنه موصوف بتدليس التسوية، فلا بدّ من التصريح بالسماع فيمن بعده من رجال السند، فتفكّر.
وذكر الشيخ أيضًا أنه رواه أبو القاسم إسماعيل الحلبيّ في "حديثه" (١١٣/ ٢) عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن معاذ بن جبل، مرفوعًا به انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عثمان بن عطاء بن أبي مسلم ضعيف جدًّا، فلا يصلح للاستشهاد به. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٦/ ٣١٨٩ و ٢٩/ ٤١٩٥ - وفي "الكبرى" ٤٢/ ٤٣٩٧ و"السير" ٩٦/ ٨٧٣٠. وأخرجه (د) في "الجهاد" ٢٥١٥ و (أحمد) في "مسند الأنصار" ٢١٥٣٧ (الدارميّ) في "الجهاد" ٢٤١٧. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل الصدقة في سبيل اللَّه تعالى، حيث إن الغازي إذا أنفق ماله العزيز عليه في سبيل اللَّه تعالى، مع مراعاة بقية الأوصاف كان كلّ حالاته أجرًا في ميزان حسناته. (ومنها): أن الغزو الكامل الذي جاء فضله في كتاب اللَّه تعالى، وأحاديث رسول اللَّه ﷺ الصحيحة إنما هو الغزو الذي اشتمل صاحبه على هذه الأوصاف المذكورة في هذا الحديث. (ومنها): أن من غزا، ولم يخلص، أوعصى الإمام، أو أفسد في الأرض، فإنه لا أجر له، بل يرجع حاملاً أوزارًا كثيرة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٤٧ - (حُرْمَةُ نِسَاءِ الْمُجَاهِدِينَ)
٣٢٩٠ - (أَخْبَرَنَا حُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ, وَمَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ -وَاللَّفْظُ لِحُسَيْنٍ- قَالَا:
стр. 13630
حَدَّثَنَا وَكِيعٌ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «حُرْمَةُ نِسَاءِ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ, كَحُرْمَةِ أُمَّهَاتِهِمْ, وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَخْلُفُ فِي امْرَأَةِ رَجُلٍ, مِنَ الْمُجَاهِدِينَ, فَيَخُونُهُ فِيهَا, إِلاَّ وُقِفَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ, فَأَخَذَ مِنْ عَمَلِهِ مَا شَاءَ, فَمَا ظَنُّكُمْ؟»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (حسين بن حريث) الخزاعي مولاهم، أبو عمار المروزيّ، ثقة [١٠] ٤٤/ ٥٢.
٢ - (محمود بن غيلان) العدويّ مولاهم، أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠] ٣٣/ ٣٧.
٣ - (وكيع) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة حافظ عابد، من كبار [٩] ٢٣/ ٢٥.
٤ - (سفيان) الثوريّ المذكور قبل باب.
٥ - (علقمة بن مرثد) الحضرميّ، أبو الحارث الكوفيّ، ثقة [٦] ١٠٣/ ٢٠٤٠.
٦ - (سليمان بن بُريدة) الأسلميّ المروزيّ، قاضيها، ثقة [٣] مات سنة (١٠٥) وله (٩٠) سنة، تقدّم في -١٠١/ ١٣٣.
٧ - (أبوه) بُريدة بن الحصيب، أبو سهل الأسلميّ، الصحابيّ الشهير، أسلم قبل بدر، ومات سنة (٦٣)، وتقدّم في ١٠١/ ١٣٣. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنهم ما بين كوفيين، وهم وكيع، وسفيان، وعلقمة، ومروزيين، وهم الباقون. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيدَةَ) الأسلميّ (عَنْ أَبِيهِ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "حُرْمَةُ) بضم، فسكون: أي تحريم (نِسَاءِ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى القَاعِدِبنَ) أي الذين تخلّفوا عن الجهاد لعذر، أو غيره (كَحُرْمَةِ أُمَّهَاتهِمْ) أي مثل تحريم أمهاتهم عليهم، وهذا من باب التشديد، وإلا فحرمة الأمهات مؤبّدة، دون حرمة نساء المجاهدين.
قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: يعني أنه يجب على القاعدين من احترامهنّ، والكفّ عن أذاهنّ، والتعرّض لهنّ ما يجب عليهم في أمهاتهم انتهى (١).
стр. 13631
وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذا في شيئين: أحدهما: تحريم التعرّض لهنّ بريبة، من نظر محرّم، وخلوة، وحديث محرّم، وغير ذلك. والثاني: في برّهنّ، والإحسان إليهنّ، وقضاء حوائجهنّ التي لا يترتّب عليها مفسدة، ولا يُتوصّل بها إلى ريبة، ونحوها انتهى (١).
(وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَخْلُفُ) -بضمّ اللام- من باب قعد: أي يصير يعقبه، وقال السنديّ: يحتمل أنه من خَلَفه: إذا نابه، أو من خَلَفَه: إذا جاء بعده، وهما من حدّ نصر، وذلك لأن الخائن في الأهل كالنائب للأصل، وقد جاء بعده في الأهل انتهى (٢) (فِي امْرَأَةِ رَجُل، مِنَ الْمُجَاهِدِينَ، فَيَخُونُهُ فِيهَا، إِلَّا وُقِفَ) بالبناء للمفعول، من الوقوف: أي جُعل الخائن واقفًا (لَهُ) أي للرجل، ولأجل ما فعل من سوء الخلافة للغازي (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وفي الرواية التالية: "قيل: له يوم القيامة: هذا خانك في أهلك، فخذ من حسناته ما شئت" (فَأَخَذَ) ذلك الرجل (مِنْ عَمَلِهِ) أي من عمل الخائن (مَا شَاءَ) أي في مقابلة ما شاء من عمله بالنسبة إلى أهل الغازي (فَمَا ظَنُّكُمْ؟) قال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: يعني أن المخُون في أهله إذا مُكّن من أخذ حسنات الخائن، لم يُبق منها شيئًا، ويكون مصيره إلى النار، وقد اقْتُصِرَ على مفعولي الظنّ انتهى (٣).
وقال النوويّ: معناه: فما تظنّون في رغبة المجاهد في أخذ حسناته، والاستكثار منها في ذلك المقام؟، أي لا يُبقِي منها شيئًا إن أمكنه انتهى (٤).
وقال المظهر: أي ما ظنّكم باللَّه مع هذه الخيانة؟، هل تشكّون في هذه المجازاة، أم لا؟. يعني فإذا علمتم صدق ما أقول، فاحذروا من الخيانة في نساء المجاهدين.
وقال التوربشتيّ: أي فما ظنّكم بمن أحلّه اللَّه بهذه المنزلة، وخصّه بهذه الفضيلة، فربّما يكون وراء ذلك من الكرامة (٥).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله التوربشتيّ بعيد عن معنى الحديث، يردّه ما يأتي من قوله ﷺ : "تُرَون يَدَعُ له من حسناته شيئًا"، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
وقال السنديّ: أي إذا كان حالُ من خانه خيانةً واحدةً، فما حال من زاد على ذلك، وما ظنكم به؟. أو إذا خيّر الغازي فما ظنّكم بحسابه، هل يأخذ الكلّ، أو يترك شيئًا،
стр. 13632
وهو الموافق؛ لما سيجيء. انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الأول مما ذكره السنديّ بعيد من معنى الحديث أيضًا، يردّه ما تقدّم فالصواب في معنى الحديث ما تقدّم في كلام القرطبيّ، والنوويّ، فتبصّر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث بُريدة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٧/ ٣١٩٠ و ٤٨/ ٣١٩١ و ٣١٩٢ - وفي "الكبرى" ٤٣/ ٤٣٩٨ و ٤٤/ ٤٣٩٩ و ٤٤٠٠. وأخرجه (م) في "الإمارة" ١٨٩٧ (د) في "الجهاد" ٢٤٩٦ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٢٤٦٨ و ٢٢٤٩٥. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حرمة نساء المجاهدين على القاعدين تحريمًا مغلّظًا، حيث شُبّه بتحريم الأمهات. (ومنها): ما قاله القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وظهر من هذا الحديث أن خيانة الغازي في أهله أعظم من كلّ خيانة؛ لأن ما عداها لا يُخيّر في أخذ كلّ الحسنات، وإنما يأخذ بكلّ خيانة قدرًا معلومًا من حسناته الخائن (٢). (ومنها): إثبات المجازاة بين العباد في المظالم يوم القيامة، فيأخذ المظلوم من حسنات ظالمه بدل حقّه، وقد أخرج مسلم -رحمه اللَّه تعالى- فىِ "صحيحه" من حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ ، قال: "أتدرون ما المفلس؟ "، قالوا: المفلس فينا، من لا درهم له، ولا متاع، فقال: "إن المفلس من أمتي، يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسَفَكَ دم هذا، وضرب هذا، فيُعطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فَنِيَت حسناتُهُ، قبل أن يُقضَى ما عليه، أُخِذ من خطاياهم، فطُرِحَت عليه، ثم طُرِحَ في النار". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 13633
٤٨ - (مَنْ خَانَ غَازِيًا فِي أَهْلِهِ)
٣١٩١ - (أَخْبَرَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ,, عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ, عَنْ أَبِيهِ,, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , قَالَ: «حُرْمَةُ نِسَاءِ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ, كَحُرْمَةِ أُمَّهَاتِهِمْ, وَإِذَا خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ, فَخَانَهُ, قِيلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: هَذَا خَانَكَ فِي أَهْلِكَ, فَخُذْ مِنْ حَسَنَاتِهِ مَا شِئْتَ, فَمَا ظَنُّكُمْ؟»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا. و"هارون بن عبد اللَّه": هو أبو موسى الحمّال البغداديّ. و"حرميّ ابن عُمارة": هو أبو رَوْح العتكيّ البصريّ.
وقوله: "خَلَفه" بتخفيف اللام، من باب قعد.
والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق البحث فيه مستوفًى في الباب الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣١٩٢ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, قَالَ: حَدَّثَنَا قَعْنَبٌ, كُوفِيٌّ- عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ, عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «حُرْمَةُ نِسَاءِ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ, فِي الْحُرْمَةِ كَأُمَّهَاتِهِمْ, وَمَا مِنْ رَجُلٍ مِنَ الْقَاعِدِينَ, يَخْلُفُ رَجُلاً مِنَ الْمُجَاهِدِينَ فِي أَهْلِهِ, إِلاَّ نُصِبَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ, فَيُقَالُ: يَا فُلَانُ, هَذَا فُلَانٌ, فَخُذْ مِنْ حَسَنَاتِهِ مَا شِئْتَ» , ثُمَّ الْتَفَتَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أَصْحَابِهِ, فَقَالَ: «مَا ظَنُّكُمْ؟ , تُرَوْنَ يَدَعُ لَهُ مِنْ حَسَنَاتِهِ شَيْئًا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح أيضًا، و"عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن" بن المسور بن مخرمة الزهريّ البصريّ، صدوق، من صغار [١٠] ٤٢/ ٤٨.
و"سفيان" هنا: هو ابن عيينة، بخلافه فيما مضى، فهو الثوريّ.
و"قعنب" التميميّ الكوفيّ، صدوق [٦].
قال الحميديّ، عن سفيان: حدّثنا قعنب التميميّ، وكان ثقة خيارًا. وقال أبو داود: كان رجلاً صالحًا، كان ابن أبي ليلى أراده على القضاء، فامتنع، وقال. أخّرني حتى أنظر، فتوارى، فوقع عليه البيت، فقتله. وذكره ابن حبّان في "الثقات". أخرج له مسلم، وأبو داود، والمصنّف، وله عندهم هذا الحديث فقط.
وقوله: "كوفيّ" خبر لمحذوف: أي هو كوفيّ، أي منسوب إلى الكوفة البلدةِ المعروفة،
стр. 13634
فإنه من أهلها، والظاهر أنه ليس هو جدّ عبد اللَّه بن مسلمة القعنبيّ. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "في الحرمة" هكذا النسخ كلها، وهو متعلّق بقوله: "كأمهاتهم"، أي مثل أمهاتهم في التحريم.
وقوله: "إلا نُصب له" بالبناء للمفعول، بمعنى قوله الماضي. "إلا وُقف له". وقوله: "تُرَون" بالبناء للمفعول، أي تظنّون. وقوله: "يدع" أي يترك، وقد تقدّم قريبًا أنها مما أماتت العرب ماضيها، إلا في النادر.
والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق تمام البحث فيه في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣١٩٣ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ,, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ, عَنْ حُمَيْدٍ, عَنْ أَنَسٍ, قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : «جَاهِدُوا بِأَيْدِيكُمْ, وَأَلْسِنَتِكُمْ, وَأَمْوَالِكُمْ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث، والأحاديث التي بعده لا يظهر مناسبتها للباب، ولم يذكرها في "الكبرى".
ورجال الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"عمرو بن عليّ": هو الفلاّس. و"عبد الرحمن": هو ابن مهديّ. و"حُميد": هو الطويل.
وقوله: " جاهدوا" حُذف متعلّقه، أي المشركين، كما صرّح به في الرواية السابقة، ولفظها: " جاهدوا المشركين بأموالكم، وأيديكم، وألسنتكم".
والحديث صحيح، وقد تقدّم في أوائل "كتاب الجهاد" برقم - ١/ ٣٠٩٧ - وتقدّم شرحه، والكلام على مسائله هناك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣١٩٤ - (أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ مُوسَى بْنُ مُحَمَّدٍ, هُوَ الشَّامِيُّ- قَالَ: حَدَّثَنَا مَيْمُونُ بْنُ الأَصْبَغِ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا شَرِيكٌ, عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁, عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : أَنَّهُ أَمَرَ بِقَتْلِ الْحَيَّاتِ, وَقَالَ «مَنْ خَافَ ثَأْرَهُنَّ, فَلَيْسَ مِنَّا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: مناسبة هذا الحديث للباب غير ظاهرة، كما أشرت في الحديث الذي قبله.
ورجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أبو محمد، موسى بن محمد الشاميّ) مقبول [١١].
لم يرو إلا عن ميمون بن الأصبغ، ولم يرو عنه إلا المصنف في هذا الموضع فقط.
стр. 13635
٢ - (ميمون بن الأصبغ) -بالغين المعجمة- ابن الفُرات النصيبيّ، أبو جعفر، مقبول، من كبار [١١].
روى جعفر بن عون، وأبي بكر الحنفيّ، ويعلى بن عُبيد، ويزيد بن هارون، وغيرهم. وعنه ابنه عبد اللَّه، وأبو حاتم، وموسى بن محمد، وغيرهم. ذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال هو، وأبو بشر الدُّولابيّ: مات سنة (٢٥٦). تفرّد به المصنّف بحديث الباب فقط.
٣ - (يزيد بن هارون) أبو خالد الواسطيّ، ثقة متقنٌ عابدٌ [٩] ١٥٣/ ٢٤٤.
٤ - (شريك) بن عبد اللَّه النخعيّ القاضي الكوفي، صدوق يخطىء كثيرًا، تغيّر حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة [٨] ٢٥/ ٢٩.
٥ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد اللَّه الهمدانيّ السبيعيّ الكوفيّ، ثقة عابد، اختلط بآخره [٣] ٣٨/ ٤٢.
٦ - (القاسم بن عبد الرحمن) بن عبد اللَّه بن مسعود المسعوديّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقة عابدٌ [٤].
قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال ابن معين: ثقة. وقال العجليّ: كان على قضاء الكوفة، وكان لا يأخذ على القضاء أجرًا، وكان ثقة رجلاً صالحًا. وقال ابن عيينة: قلت لمسعر: من أثبت من أدركت؟ قال: القاسم بن عبد الرحمن، وعمرو بن دينار. وقال مسعر، عن محارب: صحبناه إلى بيت المقدس، ففضَلَنَا بثلاث: كثرةِ الصلاة، وطول الصمت، والسخاء. وقال ابن خراش: ثقة. وقال ابن المدينيّ: لم يَلقَ من الصحابة غير جابر بن سمرة، قيل له: فلقي ابن عمر؟ قال: كان يحدّث عن ابن عمر بحديثين، ولم يسمع منه شيئًا. وقال خليفة: مات في ولاية خالد بن عبد اللَّه. وقال ابن حبّان في "الثقات": مات في ولاية خالد على العراق سنة (١٢٠) وقال غيره: سنة (١١٦). روى له الجماعة، سوى مسلم، وله عند المصنف ثلاثة أحاديث برقم ٣١٩٤ و ٥٥٣٥ و ٥٦٧٨.
٧ - (أبوه) عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن مسعود الهذليّ الكوفىّ، ثقة من صغار [٢]. وقد سمع من أبيه يسيرًا.
قال يعقوب بن شيبة: كان ثقة قليل الحديث، وقد تكلّموا في روايته عن أبيه، وكان صغيرًا. فأما عليّ بن المدينيّ، فقال: قد لقي أباه. وقال ابن معين: عبد الرحمن، وأبو عبيدة لم يسمعا من أبيهما. وقال أحمد بن حنبل، عن يحيى بن سعيد: مات عبد اللَّه، وعبد الرحمن ابن ست سنين، أو نحوها. وقال أحمد: أما سفيان الثوريّ، وشريكٌ،
стр. 13636
فإنهما يقولان: سمع، وأما إسرائيل، فإنه يقول في حديث الضبّ: سمعت. وقال العجليّ: يقال: إنه لم يسمع من أبيه إلا حرفًا واحدًا: "محرّم الحلال كمستحلّ الحرام". وقال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقة. وقال معاوية بن صالح، عن ابن معين: سمع من أبيه، وعن عليّ. وقال أبو حاتم: صالح. وروى البخاريّ في "التاريخ الصغير" بإسناد لا بأس به عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن مسعود، عن أبيه، قال: لما حضر عبد اللَّه الوفاةُ قال له ابنه عبد الرحمن: يا أبت أوصني، قال: ابك من خطيئتك. وروى البخاريّ في "التاريخ الكبير"، وفي "الأوسط" من طريق ابن خُثيم، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال: إني مع أبي، فذكر الحديث في تأخير الصلاة، زاد في "الأوسط": قال شعبة: لم يسمع من أبيه. وحديث ابن خثيم أولى عندي. وقال ابن المدينيّ في "العلل" سمع من أبيه حديثين: حديث الضبّ، وحديث تأخير الوليد الصلاةَ. وقال العجليّ: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، قليل الحديث، وأسند حديثه: "محرّم الحلال" من طريق سماك عنه. وقال أبو حاتم: سمع من أبيه، وهو ثقة. وقال الحاكم: اتفق مشايخ أهل الحديث أنه لم يسمع من أبيه انتهى. قال الحافظ: وهو غير مستقيم. وقال خليفة بن خيّاط: مات مَقدَمَ الْحَجَّاج العراق سنة (٧٩). روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث برقم ٣١٩٤ و ٤١٠٩ و ٥٦٧٨. واللَّه تعالى أعلم.
٨ - (عبد اللَّه) بن مسعود بن غافل الهذليّ الصحابيّ الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - ٣٥/ ٣٩. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من ثمانيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وشيخ شيخه، فمن أفراده. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، أبو إسحاق، والقاسم، وأبوه، وفيه رواية الابن عن أبيه عن جدّه. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبدِ اللَّهِ) بن مسعود ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَنَّهُ أَمَرَ بقَتْلِ الْحَيَّاتِ) الظاهر أن هذا كان أولاً، ثم جاء النهي عن قتل جنّان البيوت، فقد أخرج الشيخان، وغيرهما من طريق نافع، عن ابن عمر، أنه كان يقتل الحيات، فحدثه أبو لبابة، أن النبيّ ﷺ ، "نهى عن قتل جِنّان البيوت، فأمسك عنها".
стр. 13637
ويحتمل أن يكون هذا بعد الإنذار ثلاثًا، فقد أخرج مسلم في "صحيحه" من طريق صيفي، مولى ابن أفلح، قال: أخبرني أبو السائب مولى هشام بن زهرة، أنه دخل على أبي سعيد الخدري في بيته، قال: فوجدته يصلي، فجلست أنتظره، حتى يقضي صلاته، فسمعت تحريكا في عراجين، في ناحية البيت، فالتفت، فإذا حية، فوثبت لأقتلها، فأشار إيى أن اجلس، فجلست، فلما انصرف أشار إلى بيت في الدار، فقال: أترى هذا البيت؟ فقلت: نعم، قال: كان فيه فتى منا، حديث عهد بعُرْس، قال: فخرجنا مع رسول اللَّه ﷺ إلى الخندق، فكان ذلك الفتى، يستأذن رسول اللَّه ﷺ بأنصاف النهار، فيرجع إلى أهله، فاستأذنه يوما، فقال له رسول اللَّه ﷺ خذ عليك سلاحك، فإني أخشى عليك قريظة، فاخذ الرجل سلاحه، ثم رجع، فإذا امرأته بين البابين قائمة، فأهوى إليها الرمح ليطعنها به، وأصابته غيرة، فقالت له: اكفف عليك رمحك، وادخل البيت، حتى تنظر ما الذي أخرجني؟ فدخل، فإذا بحية عظيمة منطوية على الفراش، فأهوى إليها بالرمح، فانتظمها به، ثم خرج، فركزه في الدار، فاضطربت عليه، فما يُدرَى أيهما كان أسرع موتا، الحية أم الفتى؟ قال: فجئنا إلى رسول اللَّه ﷺ فذكرنا ذلك له، وقلنا: ادع اللَّه يحييه لنا، فقال: "استغفروا لصاحبكم"، ثم قال: "إن بالمدينة جِنًّا قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئا، فآذنوه ثلاثة أيام، فإن بدا لكم بعد ذلك، فاقتلوه، فإنما هو شيطان".
(وَقَالَ) ﷺ (مَنْ خَافَ ثَأْرَهُنَّ) -بفتح الثاء المثلّثة، بعدها همزة ساكنة: أي انتقامهنّ (فَلَيْسَ مِنَّا) أي ليس على هدينا، وطريقتنا، وهذا كنظائره من الأحاديث، كحديث: "من غشنا فليس منا"، و"من سلّ علينا السلاح فليس منا"، محمول على نفي كمال الإيمان، أو على من استحلّ مثل هذه الأشياء. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٨/ ٣١٩٤ - وأخرجه (د) في "الأدب" ٥٢٤٩ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٣٩٧٤. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(اعلم): أنه قد تقدّم أن الحديث لا مناسبة بينه، وبين الباب، فلنذكر الفوائد التي اشتمل عليها، وإن لم يناسب الباب.
стр. 13638
(فمنها): الأمر بقتل الحيّات، وقد تقدّم أنه محمول على ما قبل النهي، أو يحمل على ما بعده، لكنه مخصوص بذي الطفيتين الذي فوق ظهره خطان أبيضان، فإنه مأمور بقتله؛ لأنه يطمس البصر، ويُسقط الحبل، كما تقدّم البحث عنه في -٨٥/ ٢٨٣١، وبما بعد الإنذار ثلاثًا أيضًا؟ لما تقدّم من حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ عند مسلم. (ومنها): أنه لا ينبغي ترك قتل الحيات خوفًا من ثأرها؛ لأن من أمر الشارع بقتله لا يُخاف منه الضرر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٢٩٥ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ, عَنْ أَبِي عُمَيْسٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرٍ, عَنْ أَبِيهِ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , عَادَ جَبْرًا, فَلَمَّا دَخَلَ, سَمِعَ النِّسَاءَ يَبْكِينَ, وَيَقُلْنَ: كُنَّا نَحْسُبُ وَفَاتَكَ قَتْلاً فِي سَبِيلِ اللهِ, فَقَالَ: «وَمَا تَعُدُّونَ الشَّهَادَةَ إِلاَّ مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ, إِنَّ شُهَدَاءَكُمْ إِذًا لَقَلِيلٌ, الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللهِ شَهَادَةٌ, وَالْبَطْنُ شَهَادَةٌ, وَالْحَرَقُ شَهَادَةٌ, وَالْغَرَقُ شَهَادَةٌ, وَالْمَغْمُومُ -يَعْنِي الْهَدِمَ- شَهَادَةٌ, وَالْمَجْنُوبُ شَهَادَةٌ, وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدَةٌ».
قَالَ: رَجُلٌ أَتَبْكِينَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَاعِدٌ؟ , قَالَ: «دَعْهُنَّ, فَإِذَا وَجَبَ, فَلَا تَبْكِيَنَّ عَلَيْهِ بَاكِيَةٌ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن سليمان" أبو الحسين الرُّهاويّ الحافظ الثقة [١١] ٣٨/ ٤٢ من أفراد المصنّف. و" جعفر بن عون" أبو عون المخزوميّ الكوفيّ، صدوق [٩] ٤٠/ ٦٨٤.
و"أبو العميس" عتبة بن عبد اللَّه بن عتبة بن عبد اللَّه بن مسعود الهذليّ المسعوديّ الكوفيّ، ثقة [٧] ٤٠/ ٦٨٤.
و"عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن جبر"، وقيل: جابر بن عتيك الأنصاريّ المدنيّ، ثقة [٤] ١٤/ ١٨٤٦.
و"عبد اللَّه بن جبر" بن عَتِيك الأنصاريّ المدنيّ، مقبول [٤].
روى حديثه أبو العميس، عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن جبر، عن أبيه، أن النبيّ ﷺ عاد جبرًا … الحديث. قاله جعفر بن عون، عن أبي العُمَيس. وقال وكيعٌ: عن أبي العُمَيس، عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن جبر، عن أبيه، عن جدّه. وسيأتي تمام الكلام عليه قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى.
وقوله: "عَادَ جَبْرًا". هكذا في هذه الرواية، وهي مخالفة لرواية مالك المتقدّمة في "كتاب الجنائز".
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في "تهذيب التهذيب": كذا يقوله أبو العُمَيس، وخالفه
стр. 13639
مالك، فقال: عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن جابر بن عَتِيك، عن جابر بن عتيك أنه أخبره أن النبيّ ﷺ عاد عبد اللَّه بن ثابت … فوقعت المخالفة بينهما في ثلاثة أشياء: في اسم جدّ عبد اللَّه بن عبد اللَّه، وفي تسمية شيخه، هل هو أبوه، أو غيره، وفي اسم الذي عاده النبيّ ﷺ ، وقد رجّحوا رواية مالك، وبيّنتُ ذلك في ترجمة جابر بن عتيك من كتاب "الإصابة" انتهى.
وقال في "الإصابة" بعد أن ذكر رواية مالك: ما نصّه: ورواه النسائيّ من طريق عبد الملك بن عُمير، فقال: "عن جابر بن عتيك أنه دخل مع رسول اللَّه ﷺ على ميت، فبكى النساء … الحديث (١). ورواه ابن ماجه، وغيره من طريق أبي أسامة وغيره، عن أبي الْعُميس، عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن جابر، عن أبيه، عن جدّه نحوه. ورواه النسائيّ من طريق جعفر بن عون، عن أبي العميس، فلم يقل: "عن جدّه". ورواه ابن منده من وجه آخر، عن أبي العميس، فقال: "عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن جابر بن عتيك، عن أبيه، عن جدّه". وفيه اختلاف كثير.
ورواية مالك هي المعتمدة، ويرجّحها ما روى أبو داود، والنسائيّ من طريق محمد ابن إبراهيم التيميّ، عن ابن جابر بن عتيك، عن أبيه مرفوعًا: "إن من الغيرة ما يُبغض اللَّه … " الحديث (٢). وإسناده صحيح. وفي تاريخ البخاريّ من طريق نافع بن يزيد: حدّثني أبو سفيان بن جابر بن عتيك، عن أبيه، أنه سمع النبيّ ﷺ يقول: "من اقتطع مال امرىء مسلم بيمينه، حرّم اللَّه عليه الجنّة". فهذه الأحاديث تُبيّن أن اسمه جابر. انتهى المقصود من "الإصابة" (٣).
وقال في "تهذيب التهذيب": وأما عبد اللَّه بن جَبْر، فلم يذكر المزّيّ من خبره شيئًا، وذكره ابن منده في "الصحابة" برواية جعفر بن عون، وليس فيها دلالة على صحبته، ولم أَرَ له مع ذلك ذكرًا عند أحد ممن صنّف في الرجال، وفي ذلك إشارة إلى أن الرواية لغيره، فتترجّح رواية مالك انتهى (٤).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذُكر أن أصحّ الروايات هي رواية مالك المتقدّمة في "كتاب الجنائز"، وخلاصتها أن الذي عاده النبيّ ﷺ هو عبد اللَّه بن ثابت، وأن جابر بن عتيك حضر تلك القضيّة معه ﷺ ، وأن الأصحّ في اسمه جابر بن عتيك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
стр. 13640
وقوله: "كنا نحسب" -بفتح السين المهملة، وكسرها - من بابي ضرب، وعلم.
وقوله: "وما تعدّون الشهادة إلا من قُتل" يحتمل أن تكون "من" موصولةً، والشهادة بمعنى الشهيد، ويحتمل أن تكون جارّة، أي ما تعدّون الشهادة إلا من أجل القتل في المعركة.
وقوله: "والبطن" أي الموت بمرض البطن، وهو الإسهال، والاستسقاء.
وقوله: "والحَرَق" -بفتحتين-: أي الموت بالاحتراق بالنار، وكذا الغَرَقُ -بفتحتين-.
وقوله: "يعني الهدِمَ" -بكسر الدال، هو الذي مات تحت بناء انهدم عليه.
وقوله: "يعني الهدم شهادة" الشهادة هنا بمعنى الشهيد، أو هو على حذف مضاف، أي ذو شهادة.، وكذا فيما بعده، وأما فيما سبق فعلى ظاهره.
وقوله: "والمجنوب" آخره موحّدة، أى الذي مات بمرض يعرف بذات الجنب.
[تنبيه]: هذا الذي ذكرته من ضبط "المجنوب" بالباء الموحّدة آخره هو الصواب، ووقع في الطبعة المصريّة "والمجنون" بنونين، وهو تصحيف، فتنبّه.
وقوله: "بِجُمْعٍ": هو أن تموت، وفي بطنها ولد، وهذا هو المشهور. وقيل: أن تموت بكرًا.
و"الْجُمْع" بالضمّ بمعنى المجموع، كالذُّخْر بمعنى المذخور، وكسر الكسائىّ الجيم، والمعنى أنها ماتت مع شيء مجموع فيها، غير منفصل عنها، وهو حملها.
وقوله: "فإذا وجب" أي مات، من الوجوب، وهو السقوط، قال تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ الآية [الحجّ: ٣٦].
وقوله: "باكية" أي نفسٌ باكيةٌ، أو امرأة باكية، فأفاد ﷺ أن النهي عن البكاء بالصياح بعد الموت، لا قبله.
والحديث صحيح، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله في "كتاب الجنائز" برقم - ١٤/ ١٨٤٦ - "النهي عن البكاء على الميت"، فراجعه هناك، تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣١٩٦ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ -يَعْنِي الطَّائِيَّ- عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ, عَنْ جَبْرٍ, أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ , عَلَى مَيِّتٍ فَبَكَى النِّسَاءُ, فَقَالَ جَبْرٌ: أَتَبْكِينَ مَا دَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسًا؟ , قَالَ: «دَعْهُنَّ يَبْكِينَ, مَا دَامَ بَيْنَهُنَّ, فَإِذَا وَجَبَ, فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن يحيى": هو أبو جعفر الأوديّ الكوفيّ العابد الثقة [١١] ٣٨١٢٧٤.
стр. 13641
وإسحاق بن منصور،: هو أبو عبد الرحمن السَّلُوليّ مولاهم الكوفيّ، صدوق، تكلّم فيه للتشيّع [٩] ٨/ ٤١٠ وليس له عند المصنف غير هذين الموضعين: ٤٨٨/ ٤١٠ و/ ٣١٩٦.
و"داود الطائيّ": هو ابن نُصير -مصغّرًا- أبو سليمان الكوفيّ الثقة الفقيه الزاهد [٨] ٧٤/ ١٠٠٣.
و"عبد الملك بن عُمير": هو اللَّخْميّ الفَرَسيّ الكوفيّ، ثقة فقيهٌ تغيّر حفظه، وربّما دلّس [٣] ٤١/ ٩٤٧.
وقوله: "ما دام" أي ما دام حيًّا.
والحديث صحيح، وقد سبق تمام القول فيه في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(خاتمة):- نسأل اللَّه تعالى حسنها- نختم بها "كتاب الجهاد"، في ذكر عدد غزوات النبيّ ﷺ ، وسراياه:
[اعلم]: أنه قد اختُلِفَ في عدده غزواة النبيّ ﷺ التي خرج فيها بنفسه، فذكر ابن سعد في "طبقاته" أنها سبع وعشرون، وقيل: خمس وعشرون، وقيل: أربع وعشرون، وقيل: غير ذلك، والأول هو الصحيح، وإليه أشار الحافظ أبو الفضل العراقيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "ألفية السيرة النبوية"، حيث قال:
سَبعًا وَعِشرِينَ اعْدُدَن الْغَزْوَا … أَوَّلُهَا وَدَّانُ وَهْيَ الأَبْوَا
ثُمَّ بُوَاطٌ بَعْدُ فَالْعُشَيْرَا (١) … فَبدْرٌ الأُولَى فَبدْرُ الْكُبرَى
وَقَينُقَاعٌ وَالسَّوِيقُ (٢) غَطَفَانْ … وَهْيَ فَذُو أَمَرْ فَغَزوُ بُحْرَانْ (٣)
فَأُحُدٌ بَعْدُ فَحَمْرَاءُ الأَسَدْ … ثُمَّ بَنُو النَّضِيرِ ثُمَّ فِي الْعَدَدْ
ذَاتُ الرِّقَاعِ ثُمَّ بَدْرُ الْمَوْعِدِ … فَدُومَةٌ (٤) فَالْخَنْدَقَ اذكُرْ وَاعْدُدِ
стр. 13642
قُرَيْظَةٌ لِحْيَانُ ثُمَّ ذُو قَرَدْ … ثُمَّ الْمُرَيْسِيعُ عَلَى الْقَولِ الأَسَدُّ
ثُمَّ تَلِيهَا عُمْرَةُ الْحُدَيْبِيَهْ … فَخَيْبَرٌ فَعُمْرَةُ الْقَضِيَّهْ
فَفَتْحُ مَكَّةَ حُنَيْنٌ وَتَلَا … غَزَاةُ طَائِفٍ تَبُوكَ قَاتَلَا
مِنْهَا بِتِسْعٍ أُحُدٍ وَالْخَنْدَقِ … بَدْرٍ بَنِي قُرَيظَةَ الْمُصْطَلِقِ
خَيْبَرَ وَالْفَتْحِ حُنَيْنٍ طَائِفِ … وَقَدْ حَكَوْا عَنْ قَوْلِ بَعْضِ السَّلَفِ
بِأَنَّهُ قَاتَلَ فِي النَّضِيرِ … وَغَابَةٍ وَادِي الْقُرَى الْمَشْهُورِ
وأما عدّة بعوثه وسراياه ﷺ إلى البلاد، ولم يخرج هو فيها، فقد اختُلف فيها أيضًا، فقيل: ستون ذكره السهيليّ عن المسعوديّ، وقيل: سبع وأربعون، وقيل: ثمان وأربعون، والأول هو الذي مشى عليه الحافظ العراقيّ في "ألفية السيرة". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب" (١).
…
٢٥ - (كِتَابُ النِّكَاحِ)
أي هذا كتاب في ذكر الأحاديث الدالّة على أحكام النكاح.
قال الأزهريّ: أصل النكاح في كلام العرب الوطء. وقيل: للتزوُّج نكاح لأنه سبب للوطء المباح. وقال الزّجَاجيّ: هو في كلام العرب الوطء، والعقد جميعًا. وفي "المغرب": وقولهم: النِّكَاح الضمُّ مجاز. وفي "المغيث": النكاح التزويج.
وقالط أبو عليّ الفارسيّ: فرّقت العرب بينهما فرقًا لطيفًا، فإذا قالوا: نَكَحَ فلانةَ، أو بنت فلان، أو أخته أرادوا عَقَدَ عليها، وإذا قالوا: نَكَحَ امرأته، أو زوجته لم يُريدوا إلا الوطء؛ لأن بذكر امرأته، أو زوجته يُستغنى عن ذكر العقد. وقال الفرّاء: العرب تقول نُكحُ المرأةِ -بضمّ النون-: بُضْعُها، وهي كناية عن الفرج، فإذا قالوا: نَكَحَها: أرادوا
стр. 13643
أصاب نُكْحها، وهو فرجها.
وفي "المحكم": النكاح: الْبُضْعُ، وذلك في نوع الإنسان خاصّة. واستعمله ثعلب في الذُّبَاب، نَكَحَها يَنكِحُها نَكْحًا -بالفتح-، ونِكاحًا -بالكسر-، وليس في الكلام (١) فَعَلَ يَفْعِلُ، مما لام الفعل منه حاء إلا يَنكِحُ، وَينْطِحُ، ويَمْنِحُ، ويَنْضِحُ، وَينْبحُ،
ويَرْجِحُ، ويَأْنِحُ، وَيَأْزحُ، ويَمْلِحُ القدر (٢)، والاسم النُّكْح -بالضمّ-، والنِّكْحُ- بالكسر-، ونِكْحها -بكسر، فسكون-: الذي يتزوّجها، وهي نِكْحَته، وامرأةٌ ناكحٌ بغير هاء: ذات زوج، قال الشاعر [من الطويل]:
أَحَاطَتْ بِخُطَّابِ الأَيَامَى وَطُلِّقَتْ … غَدَاةَ غَدٍ مِنْهُنَّ مَنْ كَانَ نَاكِحًا
وقد جاء في الشعر ناكحةٌ على الفعل، قال الطِّرِمَّاحُ [من المتقارب]:
وَمِثلُكَ نَاحَتْ عَلَيْهِ النِّسَا … ءُ مِنْ بَيْنِ بِكْرٍ إِلَى نَاكِحِهْ
ويقوّيه قول الآخر [من الوافر]:
لَصَلْصَلَةُ اللِّجَامِ بِرَأْسِ طِرْفٍ … أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنَّ تَنْكِحِنِي
قال ابن الأثير: ولا يقال: ناكح إلا إذا أرادوا بناء الاسم من الفعل، فيقال: نكحَتْ، فهي ناكحٌ، ومنه حديث سُبيعة: "ما أنت بناكح حتى تنقضي العدّة".
واستنكح في بني فلان تزوّج فيهم. وحكى الفارسيّ: استنكحها، كنكحها؛ وأنشد [من الطويل]:
وَهُمْ قَتَلُوا الطَّائِيَّ بِالْحِجْرِ عَنْوَةٌ … أَبَا جَابِرِ وَاسْتَنْكَحُوا أُمَّ جَابِرٍ (٣)
стр. 13644
قال النوويّ: وأما حقيقة النكاح عند الفقهاء ففيها ثلاثة أوجه لأصحابنا -يعني الشافعيّة- حكاها القاضي حسين من أصحابنا فىِ "تعليقه": [أصحّها]: أنه حقيقة في العقد مجاز في الوطىء، وهذا هو الذي صححه أبو الطيّب، وأطنب في الاستدلال له، وبه قطع المتولّي وغيره، وبه جاء القرآن العزيز، والأحاديث. [والثاني]: أنه حقيقة في الوطء، مجاز في العقد، وبه قال أبو حنيفة. [والثالث]: أنه حقيقة فيهما بالاشتراك انتهى (١).
وقال القرطبيّ: حقيقة النكاح: الوطء، وأصله الإيلاج، وهو الإدخال، وقد اشتهر إطلاته على العقد، كما قال اللَّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب:٤٩] أي إذا عقدتم عليهنّ. وقد يُطلق النكاح، ويُراد به العقد والوطء، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ الآية [البقرة: ٢٢١]، أي لا تعقدوا عليهنّ، ولا تطؤوهنّ انتهى (٢).
وقال في "الفتح": النكاح في اللغة الضمّ والتداخل، وتجوّز من قال: إنه الضمّ. وقال الفرّاء: النُّكْح بضمّ، ثم سكون: اسم الفرج، ويجوز كسر أوله، وكثُر استعماله في الوطء، وسُمّي به العقد لكونه سببه. قال أبو القاسم الزجّاجيّ: هو حقيقةٌ فيهما. وقال الفارسيّ: إذا قالوا: نكح فلانة، أو بنت فلان، فالمراد العقد، وإذا قالوا: نكح زوجته، فالمراد الوطء. وقال آخرون: أصله لزوم شيء لشيء، مستعليًا عليه، ويكون في المحسوسات، وفي المعاني، قالوا: نكح المطرُ الأرضَ، ونكح النعاسُ عينَهُ، ونَكَحْتُ القَمْحَ في الأرض: إذا حرثتها، وبذرته فيها، ونكحت الحصاةُ أخفاف الإبل.
وفي الشرع: حقيقةٌ في العقد، مجاز في الوطء على الصحيح، والحجّة في ذلك كثرةُ وروده في الكتاب والسنّة للعقد حتى قيل: إنه لم يَرِد في القرآن إلا للعقد، ولا يَرِدُ مثلُ قوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]؛ لأن شرط الوطء في التحليل إنما ثبت بالسنّة، وإلا فالعقد لا بدّ منه؛ لأن قوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ﴾ معناه حتّى تتزوّج، أي يعقد عليها، ومفهومه أن ذلك كافٍ بمجرّده، لكن بيّنت السنّة أن لا عبرة بمفهوم الغاية، بل لا بدّ بعد العقد من ذوق العُسَيلَة، كما أنه لا بُدّ بعد ذلك من التطليق، ثم العدّة.
نعم أفاد أبو الحسين بن فارس أن النكاح لم يَرِد في القرآن إلا للتزويج، إلا في قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ الآية [النساء: ٦]، فإن المراد به الْحُلُم. واللَّه أعلم.
стр. 13645
وفي وجه للشافعّية، كقول الحنفيّة أنه حقيقة في الوطء، مجازٌ في العقد. وقيل:
مقولٌ بالاشتراك على كلّ منهما. وبه جزم الزجّاجيّ. قال الحافظ: وهذا الذي يترجّح في نظري، وإن كان أكثر ما يُستعمل في العقد. ورجّح بعضهم الأول بأن أسماء الجماع كلّها كنايات؛ لاستقباح ذكره، فيبعُدُ أن يستعير من لا يقصد فحشا اسم ما يستفظعه لما لا يستفظعه، فدلّ على أنه في الأصل للعقد. وهذا يتوقّف على تسليم المدّعَى أنها كلّها كنايات. وقد جمع اسم النكاح ابن القطّان، فزادت على الألف. انتهى (١).
وقال الإمام ابن قدامة في "المغني": النكاح في الشرع: هو عقد التزويج، فعند إطلاق لفظه يَنصرف إليه، ما لم يَصرفه عنه دليلٌ. وقال القاضي: الأشبه بأصلنا أنه حقيقةٌ في العقد والوطء جميعًا؛ لقولنا بتحريم موطوءة الأب من غير تزويج؛ لدخوله في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية [النساء: ٢٢].
وقيل: بل هو حقيقة في الوطء، مجاز في العقد، تقول العرب: أَنكَحْنا الفَرَا، فسنَرَى، أي أضربنا فحل حمر الوحش أمَّه، فسنرى ما يتولّد منهما، يُضرب مثلاً للأمرين يجتمعون عليه، ثم يتفرّقون عنه، وقال الشاعر [من الطويل]:
وَمِنْ أَيِّمٍ قَدْ أَنْكَحَتْنَا رِمَاحُنَا … وَأُخْرَى عَلَى خَالٍ وَعَمٍّ تَلَهَّفُ
والصحيح ما قلنا؛ لأن الأشهر استعمال لفظة النكاح بإزاء العقد في الكتاب، والسنّة، ولسان أهل العرف. وقد قيل: ليس في الكتاب لفظ نكاح بمعنى الوطء، إلا قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]؛ ولأنه يصحّ نفيه عن الوطء، فيقال: هذا سِفَاح، وليس بنكاح، ويُروى عن النبيّ ﷺ أنه قال: "وُلدتُ من نكاح، لا من سِفَاح" (٢). ويقال عن السُّرِّيّة: ليست بزوجة، ولا منكوحة. ولأن النكاح أحد اللفظين اللذين ينعقد بهما عقد النكاح، فكان حقيقة فيه، كاللفظ الآخر. وما ذكره القاضي يُفضي إلى كون اللفظ مشتركًا، وهو على خلاف الأصل، وما ذكره الآخرون يدلّ على الاستعمال فىِ الجملة، والاستعمال فيما قلنا أكثر وأشهر، ثم لو قُدِّر كونه مجازًا في العقد لكان استمالاً عرفيًّا، يجب صرف اللفظ عند الإطلاق إليه؛ لشهرته، كسائر الأسماء العرفيّة انتهى كلام ابن قدامة (٣).
стр. 13646
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تلخّص مما سبق أن الأرجح قول من قال: إن النكاح حقيقة في العقد، مجاز في الوطء؛ لقوّة دليله كما بينها ابن قدامة آنفًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١ - (ذِكْرُ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي النِّكَاحِ، وَأَزْوَاجِهِ، وَمَا أَباحَ اللَّهُ لِنَبِيهِ ﷺ ، وَحَظَرَهُ عَلَى خَلْقِهِ؛ زِيَادَةً فِي كَرَامَتِهِ، وَتَنْبِيهًا لَفَضِيلَتِهِ (١))
أي هذا باب ذكر الأحاديث المشتملة على بيان شأن رسول اللَّه ﷺ فيما يتعلّق بالنكاح، وبأزواجه - رضي اللَّه تعالى - عنهنّ -، وبيان ما أباح اللَّه له ﷺ من النساء، وحظره -أي حرّمه- على أمته ﷺ ؛ زيادة فى تكريمه، وتنبيهًا على فضيلته ﷺ . فقوله: "ذكر أمر الخ" من إضافة المصدر إلى مفعوله، والمراد بالأمر هنا الحال والشأن، وجمعه أمورٌ، وعليه قوله : ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧]. قاله الفيّوميّ.
وقوله: "في النكاح" يتعلّق بـ"أمر". وقوله: "حظره" من باب قتل: أي منعه، وحرّمه.
وقوله: "زيادة"، و"تنبيهًا" بالنصب على المفعوليّة لأجله، أي إنما أباحه له ﷺ ، وحرّمه على غيره من أمته؛ لأجل أن يزيده في كرامته، وليُنبّه الخلق على أَنَّ له ﷺ فضيلة على غيره.
و"الفضيلة" كالفَضْل: الخير، وهو خلاف النقيصة، والنقص. قاله الفيّوميّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٢٩٦ - (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ سَيْفٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (٢) ابْنُ جُرَيْجٍ, عَنْ عَطَاءٍ, قَالَ: حَضَرْنَا مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ, جَنَازَةَ مَيْمُونَةَ, زَوْجِ النَّبِيِّ
стр. 13647
- ﷺ بِسَرِفَ, فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذِهِ مَيْمُونَةُ, إِذَا رَفَعْتُمْ جَنَازَتَهَا, فَلَا تُزَعْزِعُوهَا, وَلَا تُزَلْزِلُوهَا, فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , كَانَ مَعَهُ تِسْعُ نِسْوَةٍ, فَكَانَ يَقْسِمُ لِثَمَانٍ, وَوَاحِدَةٌ لَمْ يَكُنْ يَقْسِمُ لَهَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أبو داود سليمان بن سيف) بن يحيى بن درهم الطائيّ مولاهم الحرّانيّ، ثقة حافظ [١١] ١٠٣/ ١٣٦.
٢ - (جعفر بن عون) بن جعفر المخزوميّ، أبو عون الكوفيّ، صدوق [٩] ٤٠/ ٦٨٤.
٣ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل، يرسل ويدلّس [٦] ٢٨/ ٣٢.
٤ - (عطاء) بن أبي رباح أسلم المكيّ، ثقة فقيه فاضل، كثير الإرسال [٣] ١١٢/ ١٥٤.
٥ - (ابن عباس) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، غير شيخه، فإنه حرّانيّ، وشيخ شيخه، فكوفيّ. (ومنها): أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَطَاءٍ) بن أبي رباح أنه (قَالَ: حَضَرْنَا مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (جِنَازَةَ مَيْمُونَةَ) -بكسر الجيم، وفتحها، والكسر أفصح-: والمراد سريرها الذي وضعت هي عليه لَمّا ماتت. من جَنَزتُ الشيءَ أجنِزه، من باب ضرب: إذا سترته. قال الأصمعيّ، وابن الأعرابيّ: بالكسر الميت نفسه، وبالفتح السرير. وروى أبو عمر الزاهد، عن ثعلب عكس هذا، فقال: بالكسر السرير، وبالفتح الميت نفسه. قاله الفيّوميّ. وفي "القاموس": والْجِنَازة: الميتُ، ويُفتح، أو بالكسر: الميتُ، وبالفتح: السرير، أو عكسه، أو بالكسر: السرير مع الميت انتهى.
وميمونة هي بنت الحارث الهلاليّة، قيل: اسمها برّة، فسمّاها النبيّ ﷺ ميمونة،
стр. 13648
وتزوّجها بسرف، سنة سبع من الهجرة، وماتت بها، ودُفنت سنة (٥١) على الصحيح (زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ) بالجرّ بدل من "ميمونة" (بِسَرِفَ) -بفتح المهملة، وكسر الراء، بعدها فاء-: مكان معروف بظاهر مكة، تقدّم بيانه في "كتاب الحجّ".
وأخرج ابن سعد بإسناد صحيح عن يزيد بن الأصمّ، قال: "دفنّا ميمونة بسرف، في الظلّة التي بنى بها فيها رسول اللَّه ﷺ ). ومن وجه آخر عن يزيد بن الأصمّ، قال: "صلّى عليها ابن عبّاس، ونزل في قبرها عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وعبيد اللَّه الْخَوْلانيّ، ويزيد بن الأصمّ". أما عبد الرحمن، فهي خالة أبيه، وأما عُبيد اللَّه الخولانيّ، فكان في حجرها، وأما يزيد بن الأصمّ، فهي خالته، كما هي خالة لابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهم -. أفاده في "الفتح" (١).
(فَقَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (هَذِهِ مَيْمُونَةُ، إِذَا رَفَعْتُمْ جَنَازَتَها) تقدّم قريبًا ضبطه، وفي "عشرة النساء": "فإذا رفعتم نَعْشها" -بعين مهملة، وشين معجمة-: السرير الذي يوضع عليه الميت (فَلَا تُزَعْزِعُوهَا) -بزايين معجمتين، وعينين مهملتين- والزعزعة تحريك الشي الذي يُرفَع. والضمير للجنازة، أي لا تحرّكوا جنازتها؛ احترامًا لهَا، وتوقيرًا. وقوله (وَلَا تُزَلْزِلُوهَا) الزلزلة الاضطراب، فيكون مؤكّدًا لـ "تُزَعزعُوها"، وزاد في "عشرة النساء": "وارفُقُوا"، وفيه إشارة إلى أن مراده السير الوسط المعتدل (فَإنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، كانَ مَعَهُ تِسْعُ نِسْوَةِ) أي عند موته، وهنّ سودة، وعائشة، وحفصة، وأم سلمة، وزينب بنت جحش، وأم حبيبة، وجُويرية، وصفيّة، وميمونة، هذا ترتيب تزويج ﷺ إياهنّ - رضي اللَّه تعالى عنهنّ -، ومات، وهنّ في عصمته، واختُلف في رَيحانة، هل كانت زوجة، أو سُرّيّةً، وهل ماتت قبله، أم لا؟. وسيأتي تمام البحث فيهنّ في المسائل إن شاء اللَّه تعالى (فَكَانَ يَقْسِمُ) بفتح أوّله، من باب ضرب (لِثَمَانٍ) أي ومن جملتهنّ ميمونة - رضي اللَّه تعالى عنها -، فينبغي لكم أن تَعرِفوا فضلها، وتُراعوه (وَوَاحِدَةٌ لَم يَكُنْ يَقْسِمُ لَهَا) زاد مسلم في روايته: "قال عطاء: التي لا يَقسم لها صفيّة بنت حُييّ بن أخطب". قال عياض: قال الطحاويّ: هذا وَهَمٌ، وصوابه سودة، كما يأتي أنها وهبت يومها لعائشة، وإنما غلط فيه ابن جريج، راويه عن عطاء، كذا قال. قال عياض: قد ذكروا في قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١] أنه آوى عائشة، وحفصة، وزينب، وأم سلمة، فكان يستوفي لهنّ الْقَسْمَ، وأرجأ سودة، وجويرية، وأم حبيبة، وميمونة، وصفيّة، فكان يَقسم لهنّ ما شاء. قال:
стр. 13649
فيحتمل أن تكون رواية ابن جريج صحيحة، ويكون ذلك في آخر أمره، حيث آوى الجميع، فكان يَقسم لجميعهنّ إلا لصفيّة.
قال الحافظ: قد أخرج ابن سعد من ثلاثة طرق أن النبيّ ﷺ كان يقسم لصفيّة، كما يَقسم لنسائه. لكن في الأسانيد الثلاثة الواقديّ، وليس بحجّة، وقد تعصّب مغلطاي للواقديّ، فنقل كلام من قوّاه، ووثّقه، وسكت عن ذكر من وهّاه، واتّهمه، وهم أكثر عدذا، وأشدّ إتقانًا، وأقوى معرفةً به من الأولين، ومن جملة ما قوّاه به أن الشافعيّ روى عنه، وقد أسند البيهقيّ عن الشافعيّ أنه كذّبه. ولا يقال: فكيف روى عنه؟؛ لأنا نقول: رواية العدل ليست بمجرّدها توثيقًا، فقد روى أبو حنيفة عن جابر الْجُعفيّ، وثبت عنه أنه قال: ما رأيت أكذب منه.
فيترجّح أن مراد ابن عبّاس بالتي لا يَقسم لها سودة، كما قاله الطحاويّ؛ لحديث عائشة: "أن سودة وهبت يومها لعائشة، وكان النبيّ ﷺ يقسم لعائشة يومها، ويوم سودة"، كما سيأتي.
لكن يحتمل أن يقال: لا يلزم من أنه كان لا يبيت عند سودة أن لا يقسم لها، بل كان يقسم لها، لكن يبيت عند عائشة لما وقع من تلك الهبة. نعم يجوز نفي القسم عنها مجازًا.
قال الحافظ: والراجح عندي ما ثبت في "الصحيح"، ولعلّ البخاريّ حذف هذه الزيادة عمدًا.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وهي أيضًا محذوفة في رواية المصنّف. واللَّه تعالى أعلم.
قال: وقد وقع عند مسلم أيضًا فيه زيادة أخرى من رواية عبد الرزّاق، عن ابن جريج، قال عطاء: كانت آخرهنّ موتًا، ماتت بالمدينة.
كذا قال، فأما كونها آخرهن موتًا، فقد وافق عليه ابن سعد وغيره، قالوا: وكانت وفاتها سنة إحدى وستين، وخالفهم آخرون، فقالوا: ماتت سنة ستّ وخمسين. ويعكر عليه أن أم سلمة عاشت إلى قتل الحسين بن عليّ، وكان قتله يوم عاشوراء سنة إحدى وستين. وقيل: بل ماتت أم سلمة سنة تسع وخمسين، والأول أرجح. ويحتمل أن تكونا ماتتا في سنة واحدة، لكن تأخّرت ميمونة. وقد قيل أيضًا: إنها ماتت سنة ثلاث وستّين. وقيل: سنة ستّ وستّين. وعلى هذا لا ترديد في آخريّتها في ذلك.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ترجيح الحافظ هنا يخالف ترجيحه في "تهذيب التهذيب"، و"التقريب"، حيث قال: وتوفيت سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة ثلاث
стр. 13650
وستّين. وقيل: سنة ستّ وستّين. قال: والقول الأول هو الصحيح، وأما الأخيران، فغلط بلا ريب، فقد صحّ من حديث يزيد بن الأصمّ، قال: دخلت على عائشة بعد وفاة ميمونة، فقالت: كانت من أتقانا. انتهى (١).
قال: وأما قوله: "وماتت بالمدينة"، فقد تكلّم عليه عياض، فقال: ظاهره أنه أراد ميمونة، وكيف يلتئم مع قوله في أول الحديث: إنها ماتت بسرف، وسرف من مكة بلا خلاف، فيكون قوله: "بالمدينة" وَهَمًا.
قال الحافظ: ويحتمل أن يريد بالمدينة البلد، وهي مكّة، والذي في أول الحديث أنهم حضروا جنازتها بسرف، ولا يلزم من ذلك أنها ماتت بسرف، فيحتمل أن تكون ماتت داخل مكة، وأوصت أن تُدفن بالمكان الذي دخل بها رسول اللَّه ﷺ . فيه، فنفّذ ابن عباس وصيّتها، ويؤيّد ذلك أن ابن سعد لما ذكر حديث ابن جريج هذا قال بعده: وقال غير ابن جريج في هذا الحديث توفّيت بمكة، فحملها ابن عبّاس حتى دفنها بسرف انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ١/ ٣١٩٧ - وفي "الكبرى" ١/ ٥٣٠٤، وفي "عشرة النساء" ٨٩٢٤. وأخرجه (خ) في "النكاح" ٥٠٦٧ (م) في "الرضاع" ١٤٦٥ (أحمد) في "مسند بني هاشم" ٢٠٤٥ و ٣٢٤٩ و ٣٢٥١. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ما خصّ اللَّه تعالى نبيّه ﷺ . فيما يتعلّق بالنكاح، حيث أباح له أكثر من أربع زوجات. (ومنها): أن من أغرب ما اتفق من الأحداث، ما اتفق لميمونة - رضي اللَّه تعالى عنها -، حيث إنه ﷺ تزوّجها سنة سبع من الهجرة، بسرف، ثم توفّيت بعد ذلك سنة (٥١)، وقيل. بعد ذلك بسرف، ودُفنت في الظلّة التي بنى بها فيها رسول اللَّه ﷺ ، وبين تزويجها، ووفاتها أزيد من ثلاث
стр. 13651
وأربعين سنة، واللَّه تعالى أعلم. (ومنها): أن فيه بيان ما لأمهات المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنهنّ - من الاحترام، والتعظيم أكثر من غيرهنّ.
(ومنها): أن حرمة المؤمن بعد موته باقية، كما كانت في حياته، وفيه حديث: "كسر عظم الْميّت ككسره حيًّا". أخرجه أبو داود، وابن ماجه، وصححه ابن حبّان. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في عدد أزواج النبيّ ﷺ ، وهن على أربعة أقسام: قسم منهن مُتْن قبله، وقسم منهن مات قبلهنّ، وقسم فارقهنّ، وقسم خطبهنّ، ولم يزوّجهنّ:
فأما القسم الأول -وهنّ اللاتي مُتْن قبله- فهنّ سبع:
(الأولى): خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قُصيّ بن كلاب، وكانت قبله عند أبي هالة (١)، واسمه زُرارة بن النبّاش الأسديّ، وكانت قبله عند عَتيق بن عائذ، ولدت منه غلامًا اسمه عبد مناف، وولدت من أبي هالة هند بن أبي هالة، وعاش إلى زمن الطاعون، فمات فيه، ويقال: إن الذي عاش إلى زمن الطاعون هند بن هند، وسُمعت نادبته تقول حين مات: واهند بن هنداه، واربيب رسول اللَّه، وهي أول امرأة تزوّجها قبل النبوّة عند مرجعه من الشام، وكانت يوم تزوّجها رسوِل اللَّه ﷺ بنت أربعين سنة، وتوفيت بعد أن مضى من النبوّة سبع سنين، وقيل: عشر، وكان لها حين توفّيت خمس وستّون سنة، وهي أول امرأة آمنت به، وهي أم بنيه وبناته، إلا إبراهيم، فإنه من مارية القبطيّة، كان المقوقس أهداها إليه، ولم يتزوّج على خديجة أحدًا حتى ماتت. قال حكيم بن حزام: توفيت خديجة، فخرجنا بها من منزلها حتى دفنّاها بالحجون، ونزل رسول اللَّه ﷺ في حفرتها، ولم تكن يومئذ سنة الجنازة في الصلاة عليها.
(الثانية): زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد اللَّه بن عمرو بن عبد مناف بن هلال ابن عامر بن صعصعة الهلاليّة، كانت تسمّى في الجاهلية أم المساكين؛ لإطعامها إياهم، تزوجها رسول اللَّه ﷺ في رمضان على رأس واحد وثلاثين شهرًا من الهجرة، فمكثت عنده ثمانية أشهر، وتوفيت في حياته ﷺ في آخر ربيع الأول على رأس تسعة وثلاثين شهرًا، ودُفنت بالبقيع، وكانت أخت ميمونة من أمها.
(الثالثة): سَنَا بنت أسماء بن الصلت السلمية، ماتت قبل أن تصل إليه (٢). (والرابعة): شَرَافُ بنت خليفة، أخت دحية الكلبيّ، ماتت قبل أن تصل إليه.
стр. 13652
(والخامسة): خولة بنت الهذيل بن هُبيرة، تزوجها رسول اللَّه ﷺ ، وماتت قبل أن تصل إليه. (والسادسة): خولة بنت حكيم السلمية، ماتت قبل دخوله بها. وقيل: إنها هي التي وهبت نفسها للنبيّ ﷺ . (والسابعة): ريحانة بنت زيد بن عمرو بن خُنافة من بني النضير، سباها رسول اللَّه ﷺ ، وأعتقها، وتزوجها سنة ستّ، وماتت مرجعه من حجة الوداع، فدفنها بالبقيع. وقال الواقديّ: ماتت سنة ست عشرة، وصلى عليها عمر. قال أبو الفرج ابن الجوزيّ: وقد سمعت من يقول: إنه كان يطؤها بملك اليمين، ولم يُعتقها. قال القرطبيّ: ولهذا -واللَّه أعلم- لم يذكرها أبو القاسم السهيليّ في عداد أزواج النبيّ ﷺ .
فهؤلاء سبعٌ مُتْنَ قبله، دخل منهنّ بثلاثة، ولم يدخل بأربع. واللَّه تعالى أعلم.
(وأما القسم الثاني): -وهنّ اللاتي مات عنهن- فهنّ تسع:
فإحداهنّ عائشة بنت أبي بكر الصدّيق، كانت مسمّاة لجبير بن مطعم، فخطبها رسول اللَّه ﷺ ، فقال أبو بكر: يا رسول اللَّه دعني أسلها من جُبير سلًّا رفيقًا، فتزوجها رسول اللَّه ﷺ ، وهي أول امرأة تزوجها بعد موت خديجة، وقيل: هي بعد سودة، ولم يتزوّج بكرًا غيرها، عقد عليها بمكة قبل الهجرة بسنتين، وقيل: بثلاث سنين، وهي أبنة ست، ودخل بها بالمدينة، وهي ابنة تسع، ومات عنها، وهي ابنة ثماني عشرة، ماتت سنة (٥٩) وقيل: (٥٨) وقيل: (٥٧) وهو الصحيح.
(والثانية): سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس العامريّة، أسلمت قديمًا، وبايعت، وكانت عند ابن عمّ لها، يقال له: السكران بن عمرو، وأسلم هو أيضًا، وهاجرا جميعًا إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية، فلما قدما مكة مات زوجها. وقيل: مات بالحبشة، فلما حلّت خطبها رسول اللَّه ﷺ ، فتزوّجها، ودخل بها بمكة، وهاجر بها إلى المدينة، قيل: تزوّجها بعد عائشة، وقيل: قبلها، وكانت أم خمس صبية، فلما عَرَف أخوها عبد بن زمعة أنها تزوّجت رسول اللَّه ﷺ حثى التراب على رأسه، فلما أسلم قال: إني لَسَفِيه لَمّا حثوت التراب على رأسي، حين تزوّج رسول اللَّه ﷺ أختي. وتوفيت بالمدينة سنة (٥٤).
(والثالثة): حفصة بنت عمر بن الخطّاب القرشية العدوية، تزوّجها بعد سودة، تزوجها رسول اللَّه ﷺ ، ثم طلقها، فأتاه جبريل، فقال: "إن اللَّه يأمرك أن تراجع حفصة، فإنها صوّامة قوّامة"، فراجعها. وكان عثمان قد خطبها، فقال النبيّ ﷺ : "ألا أدلّك على من هو خير لها من عثمان، وأدلّ عثمان على من هو خير له منها، فتزوجها،
стр. 13653
وزوّج بنته أم كلثوم بعثمان. وتوفيت شعبان سنة (٤٥) في خلافة معاوية، وهي ابنة (٦٠) سنة، وقيل: ماتت في خلافة عثمان بالمدينة.
(والرابعة): أم سلمة بنت أبي أميّة، واسمها هند بنت أبي أمية المخزومية، واسم أبي أمية سُهيل، تزوجها رسول اللَّه ﷺ في ليال بقين من شوّال سنة أربع، وتوفيت سنة (٥٩) وقيل: (٦٢) والأول أصحّ، وصلى عليها سعيد بن زيد، وقيل: أبو هريرة، وقُبرت بالبقيع، وهي ابنة (٨٤) سنة.
(والخامسة): أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان، بعث رسول اللَّه ﷺ عمرو بن أمية الضمريّ إلى النجاشيّ؛ ليخطب عليه أم حبيبة، فزوّجه إياها، وذلك سنة سبع من الهجرة، وأصدق النجاشيّ عن رسول اللَّه ﷺ أربعمائة دينار، وبعث بها معِ شُرَحبيل بن حَسَنة، وتوفيت سنة (٤٤). وقال الدارقطنيّ: كانت أم حبيبة تحت عبيد اللَّه بن جحش، فمات بأرض الحبشة على النصرانية، فزوجها النجاشيّ النبيّ ﷺ ، وأمهرها أربعة آلاف، وبعث بها مع شُرحبيل بن حسنة. انتهى (١).
وقيل: إنه نزل في تزويجها: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ الآية [الممتحنة: ٧]، ولما تنازع أزواج رسول اللَّه ﷺ في حضانة ابنه إبراهيم، قال: "ادفعوه إلى أم حبيبة، فإنها أقربهن منه رحمًا" (٢).
(والسادسة): زينب بنت جحش بن رئاب الأسديّة، وكان اسمها برّة، فسماها رسول اللَّه ﷺ زينب، نزل عنها زيد بن حارثة، فتزوجها، وفيها نزل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ الآية [الأحزاب:٣٧]، وكانت بنت عمة رسول اللَّه ﷺ ، وأمها أميمة بنت عبد المطّلب، تزوجها النبيّ ﷺ بالمدينة سنة خمس من الهجرة، وتوفّيت سنة عشرين، وهي بنت (٥٣).
(والسابعة): ميمونة بنت الحارث الهلاليّة، تزوجها رسول اللَّه ﷺ بسرف على عشرة أميال من مكة، وذلك سنة سبع من الهجرة في عمرة القضيّة، وهي آخر امرأة تزوّجها ﷺ ، وقضى اللَّه تعالى أن ماتت بعد ذلك بسرف المكان الذي بنى بها ﷺ فيه، سنة (٦١) وقيل: سنة (٦٣) وقيل: سنة (٦٨).
(والثامنة): جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار الخزاعية المصطلقية، من بني المصطلق من خزاعة، سباها رسول اللَّه ﷺ في غزوة المريسيع التي هدم فيها مناة، وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس، فكاتبها، فقضى رسول اللَّه ﷺ كتابتها،
стр. 13654
وتزوّجها في شعبان سنة ستّ، وكان اسمها برّة، فسماها رسول اللَّه ﷺ جويرية. وتوفيت في ربيع الأول سنة (٥٦) وقيل: سنة (٥٠) وهي بنت (٦٥) سنة.
وقال الشعبيّ: وجعل عتقها صداقها، فلما فعل ذلك رسول اللَّه ﷺ ما أباقى أحدٌ من المسلمين عبدًا من قومها إلا أعتقه لمكانتها، فقيل: إنها كانت أبرك امرأة على قومها.
(والتاسعة): صفية بنت حُييّ بن أخطب، الهارونيّة، اصطفاها رسول اللَّه ﷺ من سبي النضير، ثم أعتقها، وتزوّجها، وجعل عتقها صداقها، وهي التي أهدت إليها زينب بنت الحارث اليهوديّة شاةٌ مسمومة، فأكل منها رسول اللَّه ﷺ . وفي "الصحيح": إنها وقعت في سهم دحية الكلبيّ، فاشتراها منه ﷺ بسبعة أرؤس، وماتت في سنة (٥٠) وقيل: (٥٢) ودفنت بالبقيع.
فهؤلاء تسع مات عنهنّ، وكان يَقسم لثمان منهنّ، غير سودة - رضي اللَّه تعالى عنهنّ -. (وأما القسم الثالث): -وهنّ اللاتي فارقهنّ في حياته- فهنّ إحدى عشرة:
(١) - أسماء بنت النعمان الكنديّة، وهي الجونيّة، قال قتادة: لما دخل عليها، دعاها، فقالت: تعال أنت، فطلّقها. وقال غيره: هي التي استعاذت منه. وفي "صحيح البخاريّ": قال: "تزوّج رسول اللَّه ﷺ أُميمة بنت شراحيل، فلما أُدخلت عليه بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أُسيد أن يُجهّزها، ويكسوها ثوبين". وفي لفظ آخر: قال أبو أُسيد: أُتي رسول اللَّه ﷺ بالْجَونيّه، فلما دخل عليها قال: "هبي لي نفسك"، فقالت: وهل تهب الملكة نفسها للسوقة؟ فأهوى بيده ليضعها عليها لتسكن؛ فقالت: أعوذ باللَّه منك، فقال: "قد عذت بمعاذ"، ثم خرج علينا، فقال: "يا أسيد اكسها رازقيين (١)، وألحقها بأهلها".
(٢) - ليلى بنت الْخَطِيم أتت رسول اللَّه ﷺ ، وهو غافلٌ، فضربت ظهره، فقال: "من هذا؟، أكله الأسود"، فقالت: أنا ليلى، قد جئتك أَعْرِض نفسي عليك، فقال: "قد قبلتك"، ثم علمت كثرة ضرائرها، فاستقالته، فأقالها، فدخلت حائطًا بالمدينة، فأكلها الذئب (٢).
(٣) - عمرة بنت يزيد الكلابية، ذكرها ابن إسحاق، فقال: وتزوج عمرة بنت يزيد إحدى نساء بني بكر بن كلاب، ثم طلقها قبل أن يدخل بها (٣).
стр. 13655
(٤) - العالية بنت ظبيان، دخل بها، ومكثت عنده ما شاء اللَّه، ثم طلّقها (١).
(٥) - فاطمة بنت الضحّاك الكلابيّة، لما خيّر الرسول ﷺ نساءه، اختارت فراقه، ففارقها بعد دخوله بها، فكانت بعد ذلك تلتقط البعر، وتقول: أنا الشقيّة، اخترت الدنيا.
والصحيح أن هذا غير صحيح؛ لأنه ثبت في "الصحيح" عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - حين اختارت النبيّ ﷺ قالت: وتتابع أزواج النبيّ ﷺ كلهنّ على ذلك.
(٦) - قتيلة بنت قيس، أخت الأشعث بن قيس، زوّجها إياه الأشعث، ثم انصرف إلى حضرموت، فحملها إليه، فلبغه وفاة النبيّ ﷺ ، فردّها إلى بلاده، فارتدّ، وارتدّت معه، ثم تزوّجها عكرمة بن أبي جهل، فوجد من ذلك أبو بكر وجدًا شديدًا، فقال له عمر: إنها واللَّه ما هي من أزواجه، ما خيرها، ولا حجبها، ولقد برّأها اللَّه منه بالارتداد، وكان عروة يُنكر أن يكون تزوّجها (٢).
(٧) - مليكة بنت كعب الليثية، كانت مذكورة بالجمال، فدخلت إليها عائشة، فقالت: ألا تستحيين أن تتزوجي قاتل أبيك يوم الفتح، فاستعيذي منه، فإنه يُعيذك، فدخل عليها رسول اللَّه ﷺ ، فقالت: أعوذ باللَّه منك، فأعرض عنها، وقال: قد أعاذك اللَّه مني، وطلقها (٣).
(٨) - أم شريك الأزديّة، واسمها غُزَية بنت جابر بن حكيم، وكانت قبله عند أبي بكر بن أبي سلمى، فطلّقها النبيّ ﷺ ، ولم يدخل بها، وهي التي وهبت نفسها. وقيل: إن التي وهبت نفسها للنبيّ ﷺ خولة بنت حكيم.
(٩) - عمرة بن معاوية الكنديّة، تزوجها النبيّ ﷺ . أخرج أبو نعيم، من طريق مجالد، عن الشعبيّ، أن النبيّ ﷺ تزوج امرأة من كندة، فجيء بها بعد ما مات النبيّ ﷺ .
(١٠) - ابنة جندب بن ضمرة الجندعيّة، قال بعضهم: تزوجها رسول اللَّه ﷺ ، وأنكر بعضهم وجود ذلك (٤).
(١١) - امرأة من غفار، تزوجها، فأمرها، فنزعت ثيابها، فرأى بكشحها بياضًا،