وأربعين سنة، واللَّه تعالى أعلم. (ومنها): أن فيه بيان ما لأمهات المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنهنّ - من الاحترام، والتعظيم أكثر من غيرهنّ.
(ومنها): أن حرمة المؤمن بعد موته باقية، كما كانت في حياته، وفيه حديث: "كسر عظم الْميّت ككسره حيًّا". أخرجه أبو داود، وابن ماجه، وصححه ابن حبّان. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في عدد أزواج النبيّ ﷺ ، وهن على أربعة أقسام: قسم منهن مُتْن قبله، وقسم منهن مات قبلهنّ، وقسم فارقهنّ، وقسم خطبهنّ، ولم يزوّجهنّ:
فأما القسم الأول -وهنّ اللاتي مُتْن قبله- فهنّ سبع:
(الأولى): خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قُصيّ بن كلاب، وكانت قبله عند أبي هالة (١)، واسمه زُرارة بن النبّاش الأسديّ، وكانت قبله عند عَتيق بن عائذ، ولدت منه غلامًا اسمه عبد مناف، وولدت من أبي هالة هند بن أبي هالة، وعاش إلى زمن الطاعون، فمات فيه، ويقال: إن الذي عاش إلى زمن الطاعون هند بن هند، وسُمعت نادبته تقول حين مات: واهند بن هنداه، واربيب رسول اللَّه، وهي أول امرأة تزوّجها قبل النبوّة عند مرجعه من الشام، وكانت يوم تزوّجها رسوِل اللَّه ﷺ بنت أربعين سنة، وتوفيت بعد أن مضى من النبوّة سبع سنين، وقيل: عشر، وكان لها حين توفّيت خمس وستّون سنة، وهي أول امرأة آمنت به، وهي أم بنيه وبناته، إلا إبراهيم، فإنه من مارية القبطيّة، كان المقوقس أهداها إليه، ولم يتزوّج على خديجة أحدًا حتى ماتت. قال حكيم بن حزام: توفيت خديجة، فخرجنا بها من منزلها حتى دفنّاها بالحجون، ونزل رسول اللَّه ﷺ في حفرتها، ولم تكن يومئذ سنة الجنازة في الصلاة عليها.
(الثانية): زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد اللَّه بن عمرو بن عبد مناف بن هلال ابن عامر بن صعصعة الهلاليّة، كانت تسمّى في الجاهلية أم المساكين؛ لإطعامها إياهم، تزوجها رسول اللَّه ﷺ في رمضان على رأس واحد وثلاثين شهرًا من الهجرة، فمكثت عنده ثمانية أشهر، وتوفيت في حياته ﷺ في آخر ربيع الأول على رأس تسعة وثلاثين شهرًا، ودُفنت بالبقيع، وكانت أخت ميمونة من أمها.
(الثالثة): سَنَا بنت أسماء بن الصلت السلمية، ماتت قبل أن تصل إليه (٢). (والرابعة): شَرَافُ بنت خليفة، أخت دحية الكلبيّ، ماتت قبل أن تصل إليه.
стр. 13652
(والخامسة): خولة بنت الهذيل بن هُبيرة، تزوجها رسول اللَّه ﷺ ، وماتت قبل أن تصل إليه. (والسادسة): خولة بنت حكيم السلمية، ماتت قبل دخوله بها. وقيل: إنها هي التي وهبت نفسها للنبيّ ﷺ . (والسابعة): ريحانة بنت زيد بن عمرو بن خُنافة من بني النضير، سباها رسول اللَّه ﷺ ، وأعتقها، وتزوجها سنة ستّ، وماتت مرجعه من حجة الوداع، فدفنها بالبقيع. وقال الواقديّ: ماتت سنة ست عشرة، وصلى عليها عمر. قال أبو الفرج ابن الجوزيّ: وقد سمعت من يقول: إنه كان يطؤها بملك اليمين، ولم يُعتقها. قال القرطبيّ: ولهذا -واللَّه أعلم- لم يذكرها أبو القاسم السهيليّ في عداد أزواج النبيّ ﷺ .
فهؤلاء سبعٌ مُتْنَ قبله، دخل منهنّ بثلاثة، ولم يدخل بأربع. واللَّه تعالى أعلم.
(وأما القسم الثاني): -وهنّ اللاتي مات عنهن- فهنّ تسع:
فإحداهنّ عائشة بنت أبي بكر الصدّيق، كانت مسمّاة لجبير بن مطعم، فخطبها رسول اللَّه ﷺ ، فقال أبو بكر: يا رسول اللَّه دعني أسلها من جُبير سلًّا رفيقًا، فتزوجها رسول اللَّه ﷺ ، وهي أول امرأة تزوجها بعد موت خديجة، وقيل: هي بعد سودة، ولم يتزوّج بكرًا غيرها، عقد عليها بمكة قبل الهجرة بسنتين، وقيل: بثلاث سنين، وهي أبنة ست، ودخل بها بالمدينة، وهي ابنة تسع، ومات عنها، وهي ابنة ثماني عشرة، ماتت سنة (٥٩) وقيل: (٥٨) وقيل: (٥٧) وهو الصحيح.
(والثانية): سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس العامريّة، أسلمت قديمًا، وبايعت، وكانت عند ابن عمّ لها، يقال له: السكران بن عمرو، وأسلم هو أيضًا، وهاجرا جميعًا إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية، فلما قدما مكة مات زوجها. وقيل: مات بالحبشة، فلما حلّت خطبها رسول اللَّه ﷺ ، فتزوّجها، ودخل بها بمكة، وهاجر بها إلى المدينة، قيل: تزوّجها بعد عائشة، وقيل: قبلها، وكانت أم خمس صبية، فلما عَرَف أخوها عبد بن زمعة أنها تزوّجت رسول اللَّه ﷺ حثى التراب على رأسه، فلما أسلم قال: إني لَسَفِيه لَمّا حثوت التراب على رأسي، حين تزوّج رسول اللَّه ﷺ أختي. وتوفيت بالمدينة سنة (٥٤).
(والثالثة): حفصة بنت عمر بن الخطّاب القرشية العدوية، تزوّجها بعد سودة، تزوجها رسول اللَّه ﷺ ، ثم طلقها، فأتاه جبريل، فقال: "إن اللَّه يأمرك أن تراجع حفصة، فإنها صوّامة قوّامة"، فراجعها. وكان عثمان قد خطبها، فقال النبيّ ﷺ : "ألا أدلّك على من هو خير لها من عثمان، وأدلّ عثمان على من هو خير له منها، فتزوجها،
стр. 13653
وزوّج بنته أم كلثوم بعثمان. وتوفيت شعبان سنة (٤٥) في خلافة معاوية، وهي ابنة (٦٠) سنة، وقيل: ماتت في خلافة عثمان بالمدينة.
(والرابعة): أم سلمة بنت أبي أميّة، واسمها هند بنت أبي أمية المخزومية، واسم أبي أمية سُهيل، تزوجها رسول اللَّه ﷺ في ليال بقين من شوّال سنة أربع، وتوفيت سنة (٥٩) وقيل: (٦٢) والأول أصحّ، وصلى عليها سعيد بن زيد، وقيل: أبو هريرة، وقُبرت بالبقيع، وهي ابنة (٨٤) سنة.
(والخامسة): أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان، بعث رسول اللَّه ﷺ عمرو بن أمية الضمريّ إلى النجاشيّ؛ ليخطب عليه أم حبيبة، فزوّجه إياها، وذلك سنة سبع من الهجرة، وأصدق النجاشيّ عن رسول اللَّه ﷺ أربعمائة دينار، وبعث بها معِ شُرَحبيل بن حَسَنة، وتوفيت سنة (٤٤). وقال الدارقطنيّ: كانت أم حبيبة تحت عبيد اللَّه بن جحش، فمات بأرض الحبشة على النصرانية، فزوجها النجاشيّ النبيّ ﷺ ، وأمهرها أربعة آلاف، وبعث بها مع شُرحبيل بن حسنة. انتهى (١).
وقيل: إنه نزل في تزويجها: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ الآية [الممتحنة: ٧]، ولما تنازع أزواج رسول اللَّه ﷺ في حضانة ابنه إبراهيم، قال: "ادفعوه إلى أم حبيبة، فإنها أقربهن منه رحمًا" (٢).
(والسادسة): زينب بنت جحش بن رئاب الأسديّة، وكان اسمها برّة، فسماها رسول اللَّه ﷺ زينب، نزل عنها زيد بن حارثة، فتزوجها، وفيها نزل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ الآية [الأحزاب:٣٧]، وكانت بنت عمة رسول اللَّه ﷺ ، وأمها أميمة بنت عبد المطّلب، تزوجها النبيّ ﷺ بالمدينة سنة خمس من الهجرة، وتوفّيت سنة عشرين، وهي بنت (٥٣).
(والسابعة): ميمونة بنت الحارث الهلاليّة، تزوجها رسول اللَّه ﷺ بسرف على عشرة أميال من مكة، وذلك سنة سبع من الهجرة في عمرة القضيّة، وهي آخر امرأة تزوّجها ﷺ ، وقضى اللَّه تعالى أن ماتت بعد ذلك بسرف المكان الذي بنى بها ﷺ فيه، سنة (٦١) وقيل: سنة (٦٣) وقيل: سنة (٦٨).
(والثامنة): جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار الخزاعية المصطلقية، من بني المصطلق من خزاعة، سباها رسول اللَّه ﷺ في غزوة المريسيع التي هدم فيها مناة، وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس، فكاتبها، فقضى رسول اللَّه ﷺ كتابتها،
стр. 13654
وتزوّجها في شعبان سنة ستّ، وكان اسمها برّة، فسماها رسول اللَّه ﷺ جويرية. وتوفيت في ربيع الأول سنة (٥٦) وقيل: سنة (٥٠) وهي بنت (٦٥) سنة.
وقال الشعبيّ: وجعل عتقها صداقها، فلما فعل ذلك رسول اللَّه ﷺ ما أباقى أحدٌ من المسلمين عبدًا من قومها إلا أعتقه لمكانتها، فقيل: إنها كانت أبرك امرأة على قومها.
(والتاسعة): صفية بنت حُييّ بن أخطب، الهارونيّة، اصطفاها رسول اللَّه ﷺ من سبي النضير، ثم أعتقها، وتزوّجها، وجعل عتقها صداقها، وهي التي أهدت إليها زينب بنت الحارث اليهوديّة شاةٌ مسمومة، فأكل منها رسول اللَّه ﷺ . وفي "الصحيح": إنها وقعت في سهم دحية الكلبيّ، فاشتراها منه ﷺ بسبعة أرؤس، وماتت في سنة (٥٠) وقيل: (٥٢) ودفنت بالبقيع.
فهؤلاء تسع مات عنهنّ، وكان يَقسم لثمان منهنّ، غير سودة - رضي اللَّه تعالى عنهنّ -. (وأما القسم الثالث): -وهنّ اللاتي فارقهنّ في حياته- فهنّ إحدى عشرة:
(١) - أسماء بنت النعمان الكنديّة، وهي الجونيّة، قال قتادة: لما دخل عليها، دعاها، فقالت: تعال أنت، فطلّقها. وقال غيره: هي التي استعاذت منه. وفي "صحيح البخاريّ": قال: "تزوّج رسول اللَّه ﷺ أُميمة بنت شراحيل، فلما أُدخلت عليه بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أُسيد أن يُجهّزها، ويكسوها ثوبين". وفي لفظ آخر: قال أبو أُسيد: أُتي رسول اللَّه ﷺ بالْجَونيّه، فلما دخل عليها قال: "هبي لي نفسك"، فقالت: وهل تهب الملكة نفسها للسوقة؟ فأهوى بيده ليضعها عليها لتسكن؛ فقالت: أعوذ باللَّه منك، فقال: "قد عذت بمعاذ"، ثم خرج علينا، فقال: "يا أسيد اكسها رازقيين (١)، وألحقها بأهلها".
(٢) - ليلى بنت الْخَطِيم أتت رسول اللَّه ﷺ ، وهو غافلٌ، فضربت ظهره، فقال: "من هذا؟، أكله الأسود"، فقالت: أنا ليلى، قد جئتك أَعْرِض نفسي عليك، فقال: "قد قبلتك"، ثم علمت كثرة ضرائرها، فاستقالته، فأقالها، فدخلت حائطًا بالمدينة، فأكلها الذئب (٢).
(٣) - عمرة بنت يزيد الكلابية، ذكرها ابن إسحاق، فقال: وتزوج عمرة بنت يزيد إحدى نساء بني بكر بن كلاب، ثم طلقها قبل أن يدخل بها (٣).
стр. 13655
(٤) - العالية بنت ظبيان، دخل بها، ومكثت عنده ما شاء اللَّه، ثم طلّقها (١).
(٥) - فاطمة بنت الضحّاك الكلابيّة، لما خيّر الرسول ﷺ نساءه، اختارت فراقه، ففارقها بعد دخوله بها، فكانت بعد ذلك تلتقط البعر، وتقول: أنا الشقيّة، اخترت الدنيا.
والصحيح أن هذا غير صحيح؛ لأنه ثبت في "الصحيح" عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - حين اختارت النبيّ ﷺ قالت: وتتابع أزواج النبيّ ﷺ كلهنّ على ذلك.
(٦) - قتيلة بنت قيس، أخت الأشعث بن قيس، زوّجها إياه الأشعث، ثم انصرف إلى حضرموت، فحملها إليه، فلبغه وفاة النبيّ ﷺ ، فردّها إلى بلاده، فارتدّ، وارتدّت معه، ثم تزوّجها عكرمة بن أبي جهل، فوجد من ذلك أبو بكر وجدًا شديدًا، فقال له عمر: إنها واللَّه ما هي من أزواجه، ما خيرها، ولا حجبها، ولقد برّأها اللَّه منه بالارتداد، وكان عروة يُنكر أن يكون تزوّجها (٢).
(٧) - مليكة بنت كعب الليثية، كانت مذكورة بالجمال، فدخلت إليها عائشة، فقالت: ألا تستحيين أن تتزوجي قاتل أبيك يوم الفتح، فاستعيذي منه، فإنه يُعيذك، فدخل عليها رسول اللَّه ﷺ ، فقالت: أعوذ باللَّه منك، فأعرض عنها، وقال: قد أعاذك اللَّه مني، وطلقها (٣).
(٨) - أم شريك الأزديّة، واسمها غُزَية بنت جابر بن حكيم، وكانت قبله عند أبي بكر بن أبي سلمى، فطلّقها النبيّ ﷺ ، ولم يدخل بها، وهي التي وهبت نفسها. وقيل: إن التي وهبت نفسها للنبيّ ﷺ خولة بنت حكيم.
(٩) - عمرة بن معاوية الكنديّة، تزوجها النبيّ ﷺ . أخرج أبو نعيم، من طريق مجالد، عن الشعبيّ، أن النبيّ ﷺ تزوج امرأة من كندة، فجيء بها بعد ما مات النبيّ ﷺ .
(١٠) - ابنة جندب بن ضمرة الجندعيّة، قال بعضهم: تزوجها رسول اللَّه ﷺ ، وأنكر بعضهم وجود ذلك (٤).
(١١) - امرأة من غفار، تزوجها، فأمرها، فنزعت ثيابها، فرأى بكشحها بياضًا،
стр. 13656
فقال: ضمّي إليك ثيابك، والحقي بأهلك. ويقال: إنما رأى البياض بالكلابيّة. فهؤلاء فارقهنّ في حياته، دخل منهنّ بثلاث. (١).
وأما القسم الرابع، وهنّ اللاتي خطبهنّ، ولم يتزوجهنّ، فهنّ ستّ:
(١) - أم هانئ بنت أبي طالب، واسمها فاختة، خطبها النبيّ ﷺ ، فقالت: إني مُصبيةٌ (٢)، واعتذرت إليه، فعذرها، أخرج قصتها ابن سعد بسند صحيح، عن الشعبيّ، ذكره في "الإصابة".
(٢) - ضباعة بنت عامر، وقد ذكر قصّتها في "الإصابة"، لكن في سنده الكلبيّ، ضعيف.
(٣) - صفية بنت بَشَامة بن نضلة، خطبها ﷺ ، وكان أصابها سباءَ، فخيرها بينه وبين زوجها، فاختارت زوجها، فأرسلها، فلعنها بنو تميم. قاله ابن عباس، لكن في سنده الكلبيّ، وهو ضعيف (٣).
(٤) - جمرة بنت الحارث بن عوف المريّ، خطبها ﷺ ، فقال أبوها إن بها سوءًا، ولم يكن بها، فرجع إليها، وقد بَرصت، وهي أم شبيب بن البرصاء الشاعر.
(٥) - سودة القرشيّة، خطبها ﷺ ، وكانت مُصبيةٌ، فقالت: أخاف أن يَضغُو (٤) صِبْيتي عند رأسك، فحمدها، ودعا لها.
(٦) - امرأة لم يُذكر اسمها، قال مجاهد: خطب رسول اللَّه ﷺ امرأة، فقالت: أستأمر أبي، فلقيت أباها، فأذن لها، فلقيت رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "قد التحفنا لحفًا غيرك". وهذا مرسل.
فهؤلاء جميع من ذكر من أزواجه ﷺ .
وكان له من السراري سُريتان: مارية القبطية، وريحانة في قول قتادة (٥). وقال غيره: كان له أربع: مارية، وريحانة، وأخرى جميلة أصابها في السبي، وجارية وهبتها له زينب بنت جحش (٦). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): أخرج الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" بسنده عن
стр. 13657
سعيد بن جُبير، قال: قال لي ابن عباس: هل تزوجت؟، قلت: لا، قال: فَتَزَوَّجْ، فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء".
قيل: معناه: خير أمة محمد ﷺ من كان أكثر نساء من غيره ممن يتساوى معه فيما عدا ذلك من الفضائل.
والظاهر-كما قال الحافظ- أن مراد ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - بالخير النبيّ ﷺ ، وبالأمة أخصّاء أصحابه، وكأنه أشار إلى أن ترك الزويج مرجوح، إذ لو كان راجحًا ما آثر النبيّ ﷺ غيره، فقد كان ﷺ مع كونه أخشى للَّه تعالى، وأعلمهم به يُكثر التزويج لمصلحة تبليغ الأحكام التي لا يطلع عليها الرجال، ولإظهار المعجزة البالغة في خرق العادة؛ لكونه كان لا يجد ما يشبع به من القوت غالبًا، وإن وجد كان يؤثر بأكثره، ويصوم كثيرًا، ويواصل، ومع ذلك فكان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة، ولا يُطاق ذلك إلا مع قوّة البدن، وقوّةُ البدن -كما سيأتي في شرح حديث ابن مسعود ﵁ الآتي بعد باب- تابعة لما يقوم به من استعمال المقوّيات، من مأكول ومشروب، وهي عنده نادرة، أو معدومة.
وذكر في "الشفا" أن العرب تمدح بكثرة النكاح؛ لدلالته على الرجوليّة … إلى أن قال: ولم تشغله كثرتهن عن عبادة ربه، بل زاده ذلك عبادة لتحصينهنّ، وقيامه بحقوقهنّ، واكتسابه لهنّ، وهدايته إياهنّ، وكأنه أراد بالتحصين قصر طرفهنّ عليه، فلا يتطلّعن إلى غيره، بخلاف العزبة، فإن العفيفة تتطلّع بالطبع البشريّ إلى التزويج، وذلك هو الوصف اللائق بهنّ.
والذي تحصل من كلام أهل العلم في الحكمة في استكثاره ﷺ من النساء عشرة أوجه، تقدّمت الإشارة إلى بعضها:
(أحدها): أن يكثر من يُشاهد أحواله الباطنة، فينتفي عنه ما يظنّ به المشركون من أنه ساحر، أو غير ذلك. (ثانيها): لتتشرّف به قبائل العرب بمصاهرته فيهم. (ثالثها): للزيادة في تألفهم لذلك. (رابعها): للزيادة في التكليف حيث كلّف أن لا يَشغلَه ما حُبب إليه منهنّ عن المبالغة في التبليغ. (خامسها): لتكثر عشيرته من جهة نسائه، فتزداد أعوانه على من يُحاربه. (سادسها): نقل الأحكام الشرعية التي لا يطّلع عليها الرجال؛ لأن أكثر ما يقع مع الزوجة مما شأنه أن يُخفَى مثله. (سابعها): الاطلاع على
محاسن أخلاقه الباطنة، فقد تزوّج أم حبيبة، وأبوها إذ ذاك يُعاديه، وصفيّة بعد قتل أبيها، وعمّها، وزوجها، فلو لم يكن أكمل الخلق في خُلُقه لنفرن منه، بل الذي وقع أنه كان أحبّ إليهنّ من جميع أهلهنّ. (ثامنها): ما تقدّم مبسوطًا من خرق العادة له في كثرة الجماع مع التقلّل من المأكول والمشروب، وكثرة الصيام والوصال، وقد أمر من لم
стр. 13658
يقدر على مُؤَن النكاح بالصوم، وأشار إلى أن كثرته تكسر شهوته، فانخرقت هذه العادة في حقه ﷺ . (تاسعها)، و (عاشرها): ما تقدّم نقله عن صاحب "الشفا" من تحصينهنّ، والقيام بحقوقهنّ. قاله في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٢٩٨ - (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ, قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَعِنْدَهُ تِسْعُ نِسْوَةٍ يُصِيبُهُنَّ, إِلاَّ سَوْدَةَ, فَإِنَّهَا, وَهَبَتْ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا لِعَائِشَةَ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه الجوزجانيّ، فقد تفرّد به هو، وأبو داود، والترمذيّ، وهو ثقة حافظ. و"ابن أبي مريم": هو سعيد بن الحكم بن محمد الجمحيّ المصريّ الفقيه الثقة الثبت. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"عطاء": هو ابن أبي رباح.
وقوله: "يُصيبهنّ" أي يجامعهن. وقوله: "إلا سودة": هي سودة بنت زَمْعَة بن قيس ابن عبد شمس العامريّة القرشيّة، أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها -، تزوّجها رسول اللَّه ﷺ بعد خديجة، وهو بمكة، وماتت سنة (٥٥) على الصحيح.
والحديث صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا- ١/ ٣١٩٨ - وفي "الكبرى" ١/ ٥٣٠٧. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٢٩٩ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, عَنْ يَزِيدَ -وَهُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ - قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ, عَنْ قَتَادَةَ, أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ, فِي اللَّيْلَةِ الْوَاحِدَةِ, وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم للمصنّف في "أبواب الطهارة" برقم ١٧٠/ ٢٦٣ و ٢٦٤ - وتقدّم شرحه، وبيان المسائل المتعلّقة به هناك، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
و"سعيد": هو ابن أبي عروبة.
وقوله: "يطوف على نسائه" أي يدخل عليهنّ، وهذا الحديث من أدلّة من يقول: إن القسم ليس واجبًا عليه ﷺ ، وإنما كان يقسم لحسن خلقه، وسعة عشرته، وهو الراجح. والذين قالوا بوجوب القسم عليه يؤولون هذا على أنه كان عند قدومه من السفر قبل تقرّر القسم، أو عند تمام الدوران عليهنّ، وابتداء دور آخر، أو كان ذلك عند
стр. 13659
إِذْنِ صاحبة النوبة؛ إذ وطء المرأة في نوبة ضرّتها ممنوع. وفي كلّ هذه التأويلات تكلّف لا يخفى، فالراجح الأول.
ومناسته للترجمة واضحة، حيث إن فيه بيانَ أنه ﷺ كان له تسع نسوة، فإن هذا مما خصّه اللَّه تعالى به، دون أمته، فإنها لا يحلّ لها إلا مثنى، وثُلاث، ورباع. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٢٠٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْمُخَرِّمِيُّ (١) , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ, عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: كُنْتُ أَغَارُ عَلَى اللاَّتِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِلنَّبِيِّ ﷺ , فَأَقُولُ: أَوَتَهَبُ الْحُرَّةُ نَفْسَهَا؟ , فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ الآية [الأحزاب: ٥١] قُلْتُ: وَاللَّهِ مَا أَرَى رَبَّكَ, إِلاَّ يُسَارِعُ لَكَ فِي هَوَاكَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبدِ اللَّهِ بنِ الْمُبَارَكِ الْمُخَرِّمِيُّ) أبو جعفر البغداديّ، ثقة حافظ [١١] ٤٣/ ٥٠.
٢ - (أبو أسامة) حماد بن أسامة القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت، ربما دلس، وكان بآخره يحدّث من كتب غيره، من كبار [٩] ٤٤/ ٥٢.
٣ - (هشام بن عروة) بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقة فقيه ربما دلّس [٥] ٤٩/ ٦١.
٤ - (أبوه) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٤٠/ ٤٤.
٥ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغداديّ، وأبي أسامة، فكوفيّ. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن خالته، وتابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه أحد الفقهاء السبعة، وهو عروة. (ومنها): أن فيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَت: كُنْتُ أَغَارُ) -بفتح الهمزة، والغين
стр. 13660
المعجمة، من باب تَعِب- قال الطيبيّ: أي أَعيب عليهنّ؛ لأن من غار عاب، ويدلّ عليه قولها: "أو تهب المرأة نفسها للرجل؟ "، وهو هنا تقبيح وتنفير لئلا تهب النساء أنفسهن له ﵁.
و"الغَيْرَة" -بفتح، فسكون: وهي الحميّة، والأَنفَة، يقال: رجلٌ غَيُورٌ، وامرأة غَيُور بلا هاء؛ لأن فعولاً يستوي فيه الذكر والأنثى (١)، كما قال في "الخلاصة":
ولَا تَلي فَارقَةً فَعُولَا … أَصْلَا وَلَا الْمِفْعَالَ والْمِفْعِيلَا
كذَاكَ مِفْعَلٌ وَمَا تَلِيهِ … تَا الفَرْقِ مِنْهُ فَشُذُوذٌ فِيهِ
ووقع عند الإسماعيلي من طريق محمد بن بشر، عن هشام بن عروة، بلفظ: "كانت تُعيّر اللاتي وهبن أنفسهنّ" بعين مهملة، وتشديد.
(عَلَى اللَّاتِي وَهَبْنَ أَنفُسَهُنَّ) هذا ظاهر في أن الواهبة أكثر من واحدة، ففي حديث سهل بن سعد التالية: "إذ قالت امرأة: إني وهبت نفسي لك". وقد روى أحمد في "مسنده" بإسناد حسن، من طريق الحضرميّ بن لاحق، عن أنس بن مالك ﵁، أن امرأة أتت النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول اللَّه، ابنة لي كذا وكذا، ذكرت من حسنها وجمالها، فآثرتك بها، فقال: "قد قَبِلْتها"، فلم تزل تمدحها، حتى ذكرت أنها لم تُصدَع، ولم تَشتَكِ شيئًا قط، قال: "لا حاجة لي في ابنتك". وهذه امرأة أخرى بلا شكّ. وعند ابن أبي حاتم من حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "التي وهبت نفسها للنبيّ ﷺ هي خولة بنت حكيم". ومن طريق الشعبيّ قال: من الواهبات أمّ شَريك، وأخرجه النسائيّ من طريق عروة. وعند أبي عبيدة معمر بن المثنّى أن من الواهبات فاطمة بنت شُريح. وقيل: إن ليلى بنت الخَطِيم (٢) ممن وهبت نفسها له. ومنهنّ زينب بنت خُزيمة، جاء عن الشعبيّ، وليس بثابت. وخولة بنت حكيم، وهو في "صحيح البخاريّ". ومن طريق قتادة، عن ابن عباس، قال: التي وهبت نفسها للنبيّ ﷺ هي ميمونة بنت الحارث، وهذا منقطع. وأورده من وجه آخر مرسل، وإسناده ضعيف. ويعارضه حديث سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: "لم يكن عند رسول اللَّه ﷺ امرأة وهبت نفسها له". أخرجه الطبريّ، وإسناده حسن. والمراد أنه لم يدخل بواحدة ممن وهبت نفسها له، وإن كان مباحًا له؛ لأنه راجع إلى إرادته؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ [الأحزاب: ٥٠].
стр. 13661
(لِلنَّبِيِّ ﷺ ) متعلّق بـ"وهبن" (فَأَقُولُ: أَوَ تَهَبَ الحُرَّةُ نَفْسَهَا؟) استفهام إنكاريّ. وفي رواية البخاريّ: "أما تستحيي المرأة أن تهب نفسها للرجل" (فَأَنزَلَ اللَّه : ﴿تُرْجِي﴾ قُرىء مهموزًا، وغير مهموز، وهما لغتان، يقال: أرجيت الأمر، وأرجأته: إذا أخّرته. أي تؤخّرهنّ بغير قسم. وهذا قول الجمهور، وأخرجه الطبريّ عن ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وأبي رزين، وغيرهم. وأخرج الطبريّ أيضًا عن الشعبيّ في قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ قال: كنّ نساء وهبن أنفسهنّ للنبيّ ﷺ ، فدخل ببعضهنّ، وأرجأ بعضهن، لم ينكحهنّ. وهذا شاذّ، والمحفوظ أنه لم يدخل بأحد من الواهبات، كما تقدّم.
وقيل: المراد بقوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ أنه كان همّ بطلاق بعضهنّ، فقلن له: لا تطلّقنا، واقسم لنا ما شئت، فكان يَقسم لبعضهنّ قسمًا مستويًا، وهنّ اللواتي آواهنّ، ويَقسم للبواقي ما شاء، وهنّ اللواتي أرجأهنّ.
فحاصل ما نُقل في تأويل ﴿ترجي﴾ أقوال: [أحدها]: تطلّق، وتُمسك. [ثانيها]: تعتزل من شئت منهت بغير طلاق، وتَقسم لغيرها. [ثالثها]: تَقبَل من شئت من الواهبات، وترُدّ من شئت. وحديث الباب يؤيّد هذا، والذي قبله، واللفظ محتملٌ للأقوال الثلاثة.
﴿مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ الآية) هذا صريح في أن هذه الآية نزلت بهذا السبب، قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: حملت عائشةَ - رضي اللَّه تعالى عنها - على هذا التقبيح الغَيْرَةُ التي طُبعت عليها النساء، وإلا فقد علمت أن اللَّه تعالى أباح لنبيّه ﷺ ذلك، وأن جميع النساء لو مَلَّكْنَ له رقّهنّ، ورقابهنّ للنبيّ ﷺ لكنّ معذورات في ذلك، ومشكورات عليه لعظيم بركته، ولشرف منزلة القرب منه، وعلى الجملة فإذا حُقّق النظر في أحوال أزواجه عُلم أنه لم يحصل أحد في العالم على مثل ما حصلن عليه، ويكفيك من ذلك مخالطة اللحوم، والدماء، ومشابكة الأعضاء والأجزاء، وناهيك بها مراتب فاخرة، لا جَرَمَ هنّ أزواجه المخصوصات به في الدنيا والآخرة. انتهى كلام القرطبيّ ببعض تصرّف (١).
(قُلْتُ: واللَّه مَا أَرَى رَبَّكَ، إِلاَّ يُسَارعُ لَكَ فِي هَوَاكَ) وفي رواية محمد بن بشر: "إني لأرى ربّك يُسارع لك في هواك". أي في رضاك. وقال النوويّ: قولها: "ما أرى ربك إلا يسارع في هواك": هو بفتح الهمزة من "أرَى، ومعناه: يُخفّف عنك، ويوسّع عليك في الأمور، ولهذا خيّرك (٢).
стр. 13662
وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذا قولٌ أبرزته الغيرة والدّلال، وهو من نوع قولها: "ما أهجُرُ إلا اسمك". متّفق عليه. و"لا أحمد إلا اللَّه". متفق عليه. وإلا فإضافة الهوى إلى النبيّ ﷺ مباعدٌ لتعظيمه، وتوقيره الذي أمرنا اللَّه تعالى به، فإن النبيّ ﷺ منزّهٌ عن الهوى بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣]، وهو ممن نهى النفس عن الهوى، ولو جعلت مكان "هواك" "مرضاتك" لكان أشبه، وأولى، لكن أبعد هذا في حقّها عن نوع الذنوب أن ما يَفعل المحبوب محبوب انتهى (١).
وقال السنديّ: قولها: "واللَّه ما أرى ربك الخ" كناية عن ترك التنفير والتقببح لما رأت من مسارعة اللَّه تعالى أنه يسارع في مرضاة النبيّ ﷺ ، أي كنت أنفّر النساء عن ذلك، فلما رأيت اللَّه يسارع في مرضاته ﷺ تركت ذلك؛ لما فيه من الإخلال بمرضاته ﷺ .
قال: وقد يقال: المذموم هو الهوى الخالي عن الهدى؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ الآية [القصص: ٥٠] (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن التأويل الأخير هو الصواب؛ لأن الهوى في أصل اللغة هو محبة الشيء، يقال: هَوِيتُ الشيءَ، من باب تعب: إذا أحببته، وعَلِقتَ به، فهذا أصل معناه لغة (٣)، وإن كان يُطلق على ميل النفس، وانحرافها المذموم، فأرادت عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هنا محبته ﷺ لأمر، فهذا عندي أولى مما ذكروه من التأويلات؛ مراعاة لتعظيم جانب عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٢٠٠ - وفي "الكبرى" ١/ ٥٣٠٥. وأخرجه (خ) في "التفسير" ٤٧٨٨ و"النكاح" ٥١١٣ (م) في "الرضاع" ١٤٦٤ (ق) في "النكاح" ٢٠٠٠ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٤٥٠٥ و ٢٧٢٣ و ٢٥٧١٩. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 13663
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ما أكرم اللَّه تعالى به نبيّه ﷺ ، وفضّله به من حلّ النساء بدون حصر بأربع، أو نحوه. (ومنها): بيان سبب نزول آية: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ الآية. (ومنها): ما كان عليه الصحابيات من الحرص على أن يكنّ من أمهات المؤمنين، فيعرضن أنفسهنّ عليه ﷺ . (ومنها): أنه ﷺ لا يجب عليه القسم بين زوجاته، وفيه خلاف بين أهل العلم، وهذا هو الراجح. (ومنها): ما جُبلت عليه النساء من الغيرة، حيث كانت عائشة تكره النساء اللاتي يعرضن أنفسهنّ على النبيّ ﷺ . (ومنها): استحباب عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح؛ رجاء عودة صلاحه عليها بما ينفعها في معاشها ومعادها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): أنه لم يُرجىء النبيّ ﷺ بعد نزول هذا التخيير له، بل كان يقسم لهنّ، وإذا أراد أن يذهب إلى غير صاحبة النوبة، استأذنها، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه"، من طريق عاصم الأحول، عن معاذة، عن عائشة ﵂، أن رسول اللَّه ﷺ ، كان يستأذن في يوم المرأة منا، بعد أن أُنزلت هذه الآية: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥١]، فقلت لها: ما كنت تقولين؟، قالت: كنت أقول له، إن كان ذاك إلى، فإني لا أريد، يا رسول اللَّه أن أُوثِرَ عليك أحدا".
قال الزهريّ: ما أعلم أنه أرجأ أحدًا من نسائه. أخرجه ابن أبي حاتمء وعن قتادة: أُطلق له أن يَقسِم كيف شاء، فلم يَقسِم إلا بالسويّة انتهى (١) واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): اختلف السلف في هذه الآية، فقيل: هي ناسخة لقوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢]، مبيحة له أن يتزوّج ما شاء. وقيل: بل نُسخ قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ بالسنّة، قال زيد بن أسلم: تزوّج رسول اللَّه ﷺ بعد نزول هذه الآية ميمونة، ومُليكة، وصفيّة، وجويرية. وقالت عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "ما مات رسول اللَّه ﷺ حتى أحلّ اللَّه له النساء". رواه الترمذيّ، والنسائيّ (٢). وقيل: عكس هذا، وهو أن قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ ناسخة لقوله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ …﴾ الآية [الأحزاب: ٥٠]. ولقوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾. وقيل: غير هذا مما هو ظاهر الفساد. وإن صحّ ما نقله زيد بن أسلم فالقول قوله. قاله أبو العباس القرطبيّ (٣).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الراجح أن آية ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ منسوخة بآية
стр. 13664
﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ﴾؛ لحديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - المذكور. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٢٠١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ, عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ, قَالَ: أَنَا فِي الْقَوْمِ, إِذْ قَالَتِ امْرَأَةٌ: إِنِّي قَدْ وَهَبْتُ نَفْسِي لَكَ, يَا رَسُولَ اللهِ, فَرَأْ فِيَّ رَأْيَكَ, فَقَامَ رَجُلٌ, فَقَالَ: زَوِّجْنِيهَا, فَقَالَ: «اذْهَبْ, فَاطْلُبْ, وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» , فَذَهَبَ, فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا, وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَمَعَكَ مِنْ سُوَرِ الْقُرْآنِ شَيْءٌ» , قَالَ: نَعَمْ, قَالَ: فَزَوَّجَهُ بِمَا مَعَهُ مِنْ سُوَرِ الْقُرْآنِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (مُحَمَّدُ بن عَبدِ اللَّهِ بن يَزِيدَ المُقْرِئُ) أبو يحيى المكيّ، ١١/ ١١.
٢ - (سُفيَانُ) بن عيينة الإمام الحجة الثبت المكيّ [٨] ١/ ١.
٣ - (أبو حَازِمٍ) سلمة بن دينار التمّار الأعرج القاصّ المدنيّ، ثقة عابد [٥] ٤٠/ ٤٤.
٤ - (سَهلُ بن سَعْدٍ) بن مالك بن خالد الأنصاريّ الخزرجيّ الساعديّ، أبو العبّاس الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما -، مات سنة (٨٨) وقيل: بعدها، وقد جاوز المائة، قيل: هو آخر من مات من الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم - بالمدينة، وتقدّم في ٤٠/ ٧٣٤. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٥٩) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو، والترمذيّ. (ومنها): أنه مسلسل بمكيينِ، ومدنيينِ، فشيخه، وسفيان مكيّان، وأبو حازم، وسهل مدنيّان. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن محمد بن عبد اللَّه بن يزيد أنه (قال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابن عيينة، كما مرّ آنفًا، وقد أخرجه البخاريّ أيضًا من رواية سفيان الثوريّ باختصار، وأخرجه ابن ماجه من روايته أتمّ منه، والإسماعيليّ أتمّ من ابن ماجه، والطبرانيّ مقرونًا برواية معمر، وأخرج رواية ابن عيينة أيضًا مسلم.
(قَالَ) سفيان (حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ) سلمة بن دينار الأعرج المدنيّ. قال في "الفتح": هذا الحديث مداره على أبي حازم، وهو من صغار التابعين، حدّث به كبار الأئمّة عنه، مثل
стр. 13665
مالك، وروايته عند البخاريّ، وأبي داود، والترمذيّ، والنسائيّ (١). وحمّاد بن زيد، وروايته عند الشيخين. وفضيل بن سليمان، ومحمد بن مطرّف أبو غسّان، وروايتهما عند البخاريّ. ويعقوب بن عبد الرحمن الإسكندرانيّ (٢)، وعبد العزيز بن أبي حازم، وروايتهما عند البخاريّ أيضًا. ورواية عبد العزيز أخرجها مسلم أيضًا. وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، وزائدة بن قدامة، وروايتهما عند مسلم. ومعمر، وروايته عند الطبراني. وعبد الملك بن جريج، وروايته عند أبي الشيخ في "كتاب النكاح". وقد روى طرفًا منه سعيد بن المسيّب، عن سهل بن سعد، أخرجه الطبرانيّ.
وجاءت القصّة أيضًا من حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - عند أبي داود باختصار، والنسائيّ مطوّلةً. وابن مسعود ﵁ عند الدارقطنيّ. ومن حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - عند أبي عمر بن حيويه في "فوائده". وضُميرة جدّ حسين بن عبد اللَّه عند الطبراني. وجاءت مختصرة من حديث أنس ﵁، وهي عند البخاريّ، والنسائيّ، وابن ماجه (٣). ومن حديث أبي أمامة ﵁ عند تمام في "فوائده". ومن حديث جابر، وابن عباس ﵄ عند أبي الشيخ في "كتاب النكاح". قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وسأذكر ما في هذه الروايات من فائدة زائدة، إن شاء اللَّه تعالى (٤). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: سأقتدي أنا بالحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في ذكر تلك الفوائد في هذا الشرح، إن شاء اللَّه تعالى.
(عَنْ سَهْلِ بنِ سَعدِ) الساعديّ - رضي اللَّه تعالى عنهما -. وفي رواية ابن جريج: "حدثني أبو حازم، أن سهل بن سعد أخبره … " (قَالَ: أَنَا في الْقَوْمِ) وفي رواية البخاريّ: "إني لفي القوم عند رسول اللَّه ﷺ إذ قامت امرأة … ". وفي رواية فضيل ابن سليمان: "كنا عند النبيّ ﷺ جلوسًا، فجاءته امرأةٌ". وفي رواية هشام بن سعد: "بينما نحن عند النبيّ ﷺ أتت إليه امرأة".
قال الحافظ: وكذا في معظم الروايات "أن امرأة جاءت إلى النبيّ ﷺ "، ويمكن ردّ رواية سفيان إليها بأن يكون معنى قوله: "قامت" وقفت، والمراد أنها جاءت إلى أن وقفت عندهم، لا أنها كانت جالسةٌ في المجلس، فقامت. وفي رواية سفيان الثوريّ عند الإسماعيليّ: "جاءت امرأة إلى النبيّ- ﷺ ، وهو في المسجد"، فأفاد تعيين المكان
стр. 13666
الذي وقعت فيه القصّة (١).
(إِذ قَالَتِ امرَأَةٌ) قال الحافظ: هذه المرأة لم أقف على اسمها، ووقع في "الأحكام لابن القطاع" أنها خولة بنت حكيم، أو أم شريك، وهذا نقل من اسم الواهبة الوارد في قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ انتهى.
وقد تقدّم قريبًا في شرح حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - بيان تعدد الواهبات أنفسهنّ. واللَّه تعالى أعلم. (إِنِّي قَدْ وَهَبْتُ نَفسِي لَكَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ) وفي رواية البخاريّ: "إنها وهبت نفسها لك" على طريق الالتفات، وفي رواية حماد بن زيد: "إنها قد وهبت نفسها للَّه ولرسوله"، وفي رواية يعقوب، والثوريّ: "يا رسول اللَّه جئت أهب نفسي لك"، وفي رواية فضيل بن سليمان: "فجاءته امرأة تَعْرِضُ نفسها عليه". وفي كلّ هذه الروايات حذف مضاف، تقديره: أمرَ نفسي، أو نحوه، وإلا فالحقيقة غير مرادة؛ لأن رقبة الحرّ لا تملك، فكأنها قالت: أتزوجك من غير عوض.
(قَرَأ) هكذا نسخ "المجتبى" بهمزة ساكنة بعد راء مفتوحة، هكذا ضبطوه، الظاهر أن الضبط الصحيح عند ثبوت الهمزة تسكين الراء، وفتح الهمزة؛ لأنه فعل أمر من رأى، فيكون ارْأَ، بوزن ارْعَ، وهو لغة بني تميم. قال في "اللسان" فإذا جئت إلى الأمر، فإن أهل الحجاز يتركون الهمز، فيقولون: رَ ذلك، وللاثنين: رَيَا، وللجماعة: رَوْا ذلك، وللمرأة: رَيْ ذلك، وللاثنتين كالرجلين، وللجماعة: رَيْنَ ذاكُنّ. وبنو تميم يهمزون جميع ذلك، فيقولون: ارْأَ ذلك، وارْأَيَا، ولجماعة النساء: ارْأَيْنَ انتهى.
فتبيّن بهذا أن الصواب عند من أثبت الهمزة هنا: "فَارْأَ".
ولعلّ الصواب في حالة إثبات الهمزة أن يُقرأ "فَرْأَ" براء ساكنة، وهمزة مفتوحة، وحذفت منه همزة الوصل بعد الفاء خطأ تبعا للفظ. واللَّه تعالى أعلم.
ولفظ "الكبرى": "فَرَ فيّ رأيك"، وفي رواية البخاريّ: "فَرَ فيها رأيك". قال في "الفتح": كذا للأكثر براء واحدة، مفتوحة، بعدَ فاءِ التعقيب، وهي فعل أمر من الرأي، ولبعضهم بهمزة ساكنة، بعد الراء، وكلّ صواب، ووقع بإثبات الهمزة في حديث ابن مسعود ﵁ أيضًا. انتهى.
[فائدة]: في ذكر قاعدة من قواعد علم الصرف تتعلّق بقوله: "فَرَ"، حيث بقي على حرف واحد، وأصل ذلك أنه فعل أمر من رأى، فأصله "ارْأَ"، نقلت حركة الهمزة إلى الراء، وحذفت همزة الوصل للاستغناء بتحريك ما بعدها، فبقي "رَ" على حرف واحد،
стр. 13667
وهو الراء المفتوح.
قال الخضريّ في "حاشيته على شرح ابن عقيل على الخلاصة": قد يُحذف حرف العلة من الأمر المعتلّ، فلا يبقى منه إلا حرف واحد، نحو "إِ" من الْوَأْيِ، كالوَعْدِ لفظًا ومعنى، وأصله اوْإِي، حذفت واوه كما تحذف من المضارع المبدوء باليَاء، نحو يَوْئِي؛ لوقوعها بين عَدُوّتيها: الياءِ والكسرةِ، ثم همزة الوصل؛ لتحرك ما بعدها، ثم بُني على حذف آخره، كما يُجزم المضارع، فبقي منه حرف واحدٌ، وهو عين الكلمة، وهكذا كلّ فعل معتلّ الفاء واللام، وقد جمعها ابن مالك، مبيّنًا كيفية إسنادها للواحد المذكّر، ثم المثنّى، مطلقًا، ثم الجمع المذكر، ثم الواحدة، ثم جمعها، فقال [من البسيط]:
إِنِّي أَقُولُ لِمَنْ تُرْجَى شَفَاعَتُهُ … قِ الْمُستَجِيرَ قِيَاهُ قُوهُ قِي قِينَ
وَإِنْ صَرَفْتَ لِوَالِ شُغْلَ آخَرَ قُلْ … لِ شُغلَ هَذا لِيَاهُ لَوهُ لِي لِينَ
وَإِنْ وَشَى ثَوْبَ غَيْرِي قُلتُ فِي ضَجَرٍ … شِ الثَّوْبَ وَيْكَ شِيَاهُ شُوهُ شِي شِينَ
وَقُلْ لِقَاتِلِ إِنْسَانٍ عَلَى خَطَأِ … دِ مَنْ قَلْتَ دِيَاهُ دُوهُ دِي دِينَ
وَإِنْ هُمُو لَمْ يَرَوا رَأْيِي أَقُولُ لَهُمْ … رَ الرَّأْيَ وَيْكَ رَيَاهُ رَوْهُ رَي رَيْنَ
وَإِنْ هُمُو لَمْ يَعُوا قَوْلِي أَقُولُ لَهُمْ … عِ الْقَوْلَ مِنِّي عِيَاهُ عُوهُ عيْ عِينَ
وَإِنْ أَمَرْتَ بِوَأْيِ لِلْمُحِبِّ فَقُلْ … إِ مَن تُحِبُّ إِيَاهُ أُوهُ إِيْ إيْنَ
وَإِنْ أَرَتَّ الْوَنَى وَهُوَ الفُتُورُ فَقُلْ … نِ يَا خَلِيلي نِيَاهُ نُوهُ نِيْ نِينَ
وَإِنْ أَبَى أن يَفِي بِالْعَهْدِ قُلْتُ لَهُ … فِ يَا فُلَانُ فِيَاهُ فُوهُ فِي فِينَ
وَقُلْ لِسَاكِنِ قَلبِي إنْ سِوَاكَ بِهِ … جِ القَلبَ مِنِّي جِبَاهُ جُوهُ جِي جِينَ
فهذه عشرة أفعال كلّها بالكسر إلا "رَ" فيُفتح في جميع أمثلته؛ لفتح عين مضارعه، وكلها متعدّية، إلا "نِ" فلازم؛ لأنه بمعنى "تَأَنَّ"، فالهاء في "نياه" هاء المصدر، لا المفعول به، وإذا وقع قبل "إِ" ساكن صحيح جاز تخفيف الهمزة بنقل حركتها إلى ما قبلها، فلا يبقى من الفعل إلا حركة، نحو: "قُلِ بالخير يا زيد" بكسر اللام، أصله "قُلْ: إِ" فعلا أمر من القول، والوأي، وبهذا ألغز الدمامينيّ [من مجزوّ الرجز]:
أَقُولُ يَا أَسمَاءُ قُو لِي … ثُمَّ يَا زَيْدُ قُلِ
وذاك جملتان، والثاني ثلاث جمُل، أي جملة النداء، وجملة القول، وجملة فعل الأمر من الوأي، والباقي من هذه حركة اللام من "قُل"، كما قال بعضهم [من الرجز]: فِي أَيِّ لَفْظِ يَا نُحَاةَ الْمِلَّهْ … حَرَكَةٌ قَامَتْ مَقَامَ الْجُمْلَهْ
стр. 13668
وقال الشيخ العطّار [من الوافر]:
نُحَاةَ الْعَصْرِ مَا حَرْفٌ إِذَا مَا … تَحَرَّكَ حَازَ أَجْزَاءَ الْكَلَامِ
بِهِ التَّحْرِيكُ قَامَ مَقَامَ فِعْلِ … بِهِ اسْتَتَرَ الضَّمِيرُ عَلَى الدّوَامِ
انتهى ما كتبه الخضريّ في "حاشيته" المذكورة (١). وهو بحث نفيس في بابه، فاستوعبه بالتفصيل. وباللَّه تعالى التوفيق.
(فِيَّ) بتشديد الياء؛ لأن ياء "في" الجارّة أدغمت في ياء المتكلم، أي في شأني (رَأيَكَ) مفعول مطلق لـ"رأ".
زاد في الرواية الآتية في -٤١/ ٣٢٨١ - : "فسكت، فلم يُجبها النبيّ ﷺ بشيء، ثم قامت، فقالت: يا رسول اللَّه إنها قد وهبت نفسها لك، قرأ فيها رأيك … ". وفي رواية يعقوب بن عبد الرحمن الآتية في -٦٢/ ٣٣٤٠ - "فقالت: يا رسول اللَّه جئت لأهب نفسي لك، فنظر إليها رسول اللَّه ﷺ ، فصعّد النظر إليها، وصوّبه، ثم طأطأ رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يَقْضِ فيها شيئًا جلست … ". وفي رواية البخاريّ: "فقالت: يا رسول اللَّه، إنها قد وهبت نفسها له، فر فيها رأيك، فلم يجبها شيئًا، ثم قامت، فقالت: يا رسول اللَّه، إنها قد وهبت نفسها لك، فر فيها رأيك، فلم يجبها شيئًا، ثم قامت الثالثة، فقالت: إنها قد وهبت نفسها لك، فر فيها رأيك … ".
قال في "الفتح": قوله: "فلم يجبها شيئًا" في رواية معمر والثوري: "فصمت"، وفي رواية يعقوب، وابن أبي حازم، وهشام بن صعد: "فنظر إليها، فصعّد النظر إليها، وصوبه"، وهو بتشديد العين من صعّد، والواو من صوّب، والمراد أنه نظر أعلاها وأسفلها، والتشديد للمبالغة في التأمّل، وإما للتكرير، وبالثاني جزم القرطبيّ في "المفهم"، قال: أي نظر أعلاها وأسفلها مرارًا. ووقع في رواية فضيل بن سليمان: "فخفّض فيها البصر، ورفعه"، وهما بالتشديد أيضًا.
وقوله: "ثم قامت، فقالت" وقع هذا في رواية المستملي، والكشميهني، وسياق لفظها كالأول، وعندهما أيضًا: "ثم قامت الثالثة"، وسياقها كذلك. وفي رواية معمر، والثوريّ معًا عند الطبرانيّ: "فصمت، ثم عرضت نفسها عليه، فصمت، فلقد رأيتها قائمة مليًّا، تَعْرِض نفسها عليه، وهو صامت". وفي رواية مالك: "فقامت طويلاً"، ومثله للثوريّ عنه. وفي رواية مبشّر: "فقامت حتى رثينا لها من طول القيام"، زاد في رواية يعقوب، وابن أبي حازم: "فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئًا جلست". ووقع في رواية حماد بن زيد: "أنها وهبت نفسها للَّه ولرسوله، فقال: ما لي في النساء حاجة".
стр. 13669
ويُجمع بينها وبين ما تقدّم أنه قال ذلك في آخر الحال، فكأنه صمت أولاً لتفهم أنه لم يُرِدْها، فلما أعادت الطلب أفصح لها بالواقع.
ووقع في حديث أبي هريرة عند النسائيّ: "جاءت امرأة إلى رسول اللَّه ﷺ ، فعرضت نفسها عليه، فقال لها: اجلسي، فجلست ساعة، ثم قامت، فقال: اجلسي بارك اللَّه فيك، أما نحن فلا حاجة لنا فيك".
فيؤخذ منه وفور أدب المرأة مع شدّة رغبتها؛ لأنها لم تبالغ في الإلحاح في الطلب، وفهمت من السكوت عدم الرغبة، لكنها لما لم تيأس من الردّ جلست تنتظر الفرج، وسكوته ﷺ إما حياء من مواجهتها بالردّ، وكان شديد الحياء جدًّا، فقد ثبت في صفته ﷺ أنه كان أشدّ حياء من العذراء في خدرها، وإما انتظارًا للوحي، وإما تفكرًا في جواب يناسب المقام انتهى (١).
(فَقَامَ رَجلٌ) زاد في رواية فضيل بن سلمان عند البخاريّ: "من أصحابه". قال الحافظ: لم أقف على اسمه، لكن وقع في رواية معمر، والثوريّ، عند الطبرانيّ: "فقام رجلٌ أحسبه من الأنصار". وفي رواية زائدة عنده: "فقال رجلٌ من الأنصار". ووقع في حديث ابن مسعود: "فقال رسول اللَّه ﷺ : من يَنكِح هذه؟ فقام رجل" (فَقَالَ: زَوَّجْنِيهَا) وفي رواية مالك: "زوّجنيها إن لم يكن لك بها حاجة"، ونحوه ليعقوب، وابن أبي حازم، ومعمر، والثوريّ، وزائدة. ولا يعارض هذا قوله في حديث حماد بن زيد: "لا حاجة لي"؛ لجواز أن تتجدّد الرغبة فيها بعد أن لم تكن. قاله في "الفتح".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ويحتمل أن يكون ذلك الرجل لم يسمع قوله ﷺ : "لا حاجة لي". واللَّه تعالى أعلم.
(فَقَالَ) ﷺ (اذهَب) وفي رواية: "قال: هل عندك شيء؟ "، قال: لا"، وفي رواية: قال: ما أجد شيئًا"، وفي رواية: (هل عند شيء تُصدقها؟ "، وفي رواية ابن مسعود: "ألك مالٌ؟ ".
زاد في رواية هشام بن سعد: "قال: فلا بدّ لها من شيء"، وفي رواية الثوريّ عند الإسماعيليّ: "عندك شيء؟، قال: لا، قال: إنه لا يصلح". ووقع في حديث أبي هريرة عند النسائيّ بعد قوله: لا حاجة لي: "ولكن تملكيني أمرك، قالت: نعم، فنظر في وجوه القوم، فدعا رجلاً، فقال: إني أريد أن زوّجكِ هذا، إن رضيتِ، قالت: ما رضيت لي، فقد رضيتُ". وهذا إن كانت القصة متّحدةً يحتمل أن يكون وقع نظره في وجوه القوم بعد أن سأله الرجل أن يزوّجها له، فاسترضاها أوّلاً، ثم تكلّم معه في
стр. 13670
الصداق. وإن كانت القصّة متعدّدة، فلا إشكال. ووقع في حديث ابن عبّاس في "فوائد أبي عمر بن حيويه" أن رجلاً قال: إن هذه امرأةٌ رضيت بي، فزوّجها مني، قال: فما مهرها؟، قال: ما عندي شيء، قال: أمهرها ما قلّ أو كثر، قال: والذي بعثك بالحقّ ما أملك شيئًا". وهذه الأظهرُ فيها التعدّد. قاله في "الفتح".
(فَاطْلُبْ) أي اطلب صداقًا تدفعه لها (وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدِ) "لو" هنا تقليليّة، قال عياض: ووهم من زعم خلاف ذلك. وقد أشار إلى ذلك السيوطي في "الكوكب الساطع نظم جمع الجوامع"، حيث قال عند ذكر معاني "لو":
وَقِلَّةِ كَخَبَرِ المُصَدَّقِ … تَصَدَّقُوا وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقِ
وفي رواية يعقوب، وابن أبي حازم، وابن جريج: "اذهب إلى أهلك، فانظر هل تجد شيئًا، فذهب، ثم رجع، فقال: لا واللَّه يا رسول اللَّه ما وجدت شيئًا، قال: انظر ولو خاتماً من حديد، فذهب، ثم رجع، قال: لا واللَّه يا رسول اللَّه، ولا خاتمًا من حديد"، وكذا وقع في رواية مالك: ثم ذهب يطلب مرتين، لكن باختصار. وفي رواية هشام بن سعد: "فذهب، فالتمس، فلم يَجد شيئًا، فرجع، فقال: لم أجد شيئًا، فقال له: اذهب، فالتمس"، وقال فيه: "فقال: ولا خاتم من حديد لم أجده، ثم جلس"، ووقع في "خاتم" النصب على المفعولية لـ"التمس"، والرفع على تقدير ما حصل لي ولا خاتم. ووقع في رواية أبي هريرة ﵁ "قال: قم إلى النساء، فقام إليهنّ، فلم يجد عندهنّ شيئًا"، والمراد بالنساء أهل الرجل، كما دلّت عليه رواية يعقوب.
(فَذَهَبَ) الرجل (فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا) يكون صداقًا لها (وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدِ، فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمَعَكَ من سُوَرِ القُرْآنِ شَيْءٌ؟) كذا وقع في رواية سفيان بن عيينة باختصار ذكر الإزار، وثبت في رواية مالك (١)، وجماعة، منهم من قدّم ذكره على الأمر بالتماس الشيء، أو الخاتم، ومنهم من آخره، ففي رواية مالك: "قال: هل عندك من شيء تُصدقها إياه؟، قال: ما عندي إلا إزاري هذا، فقال: إزارك إن أعطيتها جلستَ لا إزار لك، فالتمس شيئًا". ويجوز في قوله: "إزارك" الرفع على الابتداء، والجملة الشرطيّة. الخبر، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: "إياه". وثبت كذلك في رواية، ويجوز النصب على أنه مفعول ثان لـ"أعطيتها".
و"الإزار" يذكر ويؤنث، وقد جاء هنا مذكرا. ووقع في رواية يعقوب، وابن أبي حازم بعد قوله: "اذهب إلى أهلك - إلى أن قال- ولا خاتمًا من حديد، ولكن هذا
стр. 13671
إزاري- قال سهل، أي ابن سعد الراوي: ما له رداء- فلها نصفه، قال: ما تصنع بإزارك إن لبسته … " الحديث. ووقع للقرطبيّ في هذه الرواية وهم، فإنه ظنّ أن قوله: "فلها نصفه" من كلام سهل بن سعد، فشرحه بما نصّه: "وقول سهل: ما له رداء" فلها نصفه" ظاهره لو كان له رداء لشركها النبيّ ﷺ فيه، وهذا بعيد إذ ليس في كلام النبيّ، ولا الرجل ما يدلّ على شيء من ذلك، قال: ويمكن أن يقال: إن مراد سهل أنه لو كان عليه رداء مضاف إلى الإزار لكان للمرأة نصف ما عليه الذي هو إما الرداء، وإما الإزار لتعليله المنع بقوله: "إن لبسته لم يكن عليك منه شيء"، فكأنه قال: لو كان عليك ثوب تنفرد أنت بلبسه، وثوب آخر تأخذه هي تنفرد بلبسه لكان لها أخذه، فأما إذا لم يكن ذلك فلا انتهى.
وقد أخذ كلامه هذا بعض المتأخّرين، فذكره ملخّصًا، وهو كلام صحيحٌ، لكنه مبنيّ على الفهم الذي دخله الوهم، والذي قال: "فلها نصفه" هو الرجل صاحب القصّة، وكلام سهل إنما هو قوله: "ما له رداء فقط"، وهي جملة معترضة، وتقدير الكلام: ولكن هذا إزاري، فلها نصفه، وقد جاء ذلك صريحًا في رواية أبي غسّان محمد بن مطرّف، ولفظه: "ولكن هذا إزاري، ولها نصفه، قال سهلٌ: وما له رداء".
ووقع في رواية الثوريّ عند الإسماعيليّ: "فقام رجلٌ، عليه إزار، وليس عليه رداء".
ومعنى قوله ﷺ : "إن لبسته الخ" أي إن لبسته كاملاً، وإلا فمن المعلوم من ضيق حالهم، وقلّة الثياب عندهم أنها لو لبسته بعد أن تشقّه لم يسترها. ويحتمل أن يكون المراد بالنفي نفي الكمال؛ لأن العرب قد تنفي جملة الشيء إذا انتفى كماله. والمعنى: لو شققته بينكما نصفين لم يحصل كمال سترك بالنصف إذا لبسته، ولا هي.
وفي رواية معمر عند الطبرانيّ "ما وجدت واللَّه شيئًا غير ثوبي هذا أشققه بيني وبينها، قال: ما في ثوبك فضلٌ عنك". وفي رواية فضيل بن سليمان: "ولكني أشقّ بردتي هذه، فأعطيها النصف، وآخذ النصف". وفي رواية الدراورديّ: "قال: ما أملك إلا إزاري هذا، قال: أرأيت إن لبسته، فأيّ شيء تلبس؟ ". وفي رواية مبشّر: "هذه الشملة التي عليّ ليس عندي غيرها". وفي رواية هشام بن سعد: "ما عليه إلا ثوبٌ واحدٌ عاقدٌ طرفيه على عنقه". وفي حديث ابن عبّاس وجابر: "واللَّه ما لي ثوبٌ إلا هذا الذي عليّ". وكلّ هذا مما يرجّح الاحتمال الأول. واللَّه أعلم.
ووقع في رواية حماد بن زيد: "فقال: أعطها ثوبًا، قال: لا أجد، قال: أعطها ولو خاتمًا من حديد، فاعتلّ له". ومعنى قوله: "فاعتلّ له" أي اعتذر بعدم وجدانه كما دلّت عليه رواية غيره. ووقع في رواية أبي غسّان قبل قوله: "هل معك من القرآن شيء؟ "
стр. 13672
"فجلس الرجل حتى إذا طال مجلسه قام فرآه النبيّ ﷺ ، فدعاه، أو دُعي له". وفي رواية الثوريّ عند الإسماعيليّ: "فقام طويلاً، ثمّ ولّى، فقال النبيّ- ﷺ : عليّ الرجل". وفي رواية عبد العزيز بن أبي حازم، ويعقوب مثله، لكن قال: "فرآه النبيّ ﷺ مولّيًا، فأمر به، فدُعي له، فلما جاء قال: ماذا معك من القرآن؟ ". ويحتمل أن يكون هذا بعد قوله -كما في رواية مالك: "هل معك من القرآن شيء"، فاستفهمه حينئذ عن كمّيته. ووقع الأمران في رواية معمر، قال: "فهل تقرأ من القرآن شيئًا؟، قال: نعم، قال: ماذا؟، قال: سورة كذا". وعُرف بهذا المراد بالمعيّة، وأن معناها الحفظ عن ظهر قلبه. ووقع في رواية الثوريّ عند الإسماعيليّ: "قال: معي سورة كذا، ومعي سورة كذا، قال: عن ظهر قلبك؟، قال: نعم. قاله في "الفتح" (١).
(قَالَ) الرجل (نَعَم) وفي رواية يعقوب بن عبد الرحمن الآتية: "قال: معي سورة كذا، وسورة كذا، عدّدها، فقال: هل تقرؤهنّ عن ظهر قلب، قال: نعم … "، وفي رواية مالك الآتية: "قال: نعم سورة كذا، وسورة كذا، لسور سمّاها". وفي رواية سعيد ابن المسيّب، عن سهل: "أن النبيّ ﷺ زوّج رجلاً امرأةً على سورتين من القرآن، يعلّمها إياها". ووقع في حديث أبي هريرة: "قال: ما تحفظ من القرآن؛، قال: سورة البقرة، أو التي تليها". قال الحافظ: كذا في كتابي أبي داود، والنسائيّ بلفظ: "أو"، وزعم بعض من لقيناه أنه عند أبي داود بالواو، وعند النسائيّ بلفظ "أو". ووقع في حديث ابن مسعود: "قال: نعم سورة البقرة، وسور المفصّل". وفي حديث ضُميرة: "أن النبيّ ﷺ زوّج رجلاً على سورة البقرة، لم يكن عنده شيء". وفي حديث أبي أمامة ﵁: "زوّج النبيّ ﷺ رجلاً من أصحاب امرأة على سورة من المفصّل، جعلها مهرها، وأدخلها عليه، وقال: علّمها". وفي حديث أبي هريرة ﵁ المذكور: "فعَلِّمْهَا عشرين آية، وهي امرأتك". وفي حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -: "أزوّجها منك على أن تُعلّمها أربع -أو خمس- سور من كتاب اللَّه". وفي مرسل أبي النعمان الأزديّ عند سعيد بن منصور: "زوّج رسول اللَّه ﷺ امرأة على سورة من القرآن". وفي حديث ابن عباس، وجابر ﵁: "هل تقرأ من القرآن شيئًا؛، قال: نعم، ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، قال: أصدقها أيها".
قال الحافظ: ويُجمع بين هذه الألفاظ بأن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ بعضهم،
стр. 13673
أو أن القصص متعدّدة. كذا في "الفتح".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن الحمل على التعدد هو الأولى في الجمع؛ إذ الاحتمال الآخر فيه تكلّف وتعسّف. واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ) سهل ﵁ (فَزَوَّجَهُ) - (بِمَا مَعَهُ من سُوَرِ الْقُرْآنِ) أي بتعليم ما معه من السور من القرآن. وفي رواية مالك الآتية: "قد زوّجتكها على ما معك من القرآن". وفي رواية البخاريّ: "اذهب، فقد أنكحتكها بما معك من القرآن". وفي رواية الثوريّ، ومعمر عند الطبراني: "قد ملّكتكها بما معك من القرآن"، وكذا في رواية يعقوب، وابن أبي حازم، وابن جريج، وحمّاد بن زيد في إحدى الروايتين عنه. وفي رواية معمر عند أحمد: "قد أملكتكها"، والباقي مثله، وقال في أخرى:، فرأيته يمضي، وهي تتبعه".
وفي رواية أبي غسّان: "أمكنّاكها"، والباقي مثله. وفي حديث ابن مسعود ﵁: "قد أنكحتكها على أن تقرئها، وتعلّمها، وإذا رزقك اللَّه عوّضتها، فتزوّجها الرجل على ذلك". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سهل بن سعد - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١/ ٣٢٠١ و ٤١/ ٣٢٨١ أو ٦٢/ ٣٣٤٠ و ٦٩/ ٣٣٦٠ - وفي، "الكبرى" ١/ ٥٣٠٨ و ٢٤/ ٤٣٦١. وأخرجه (خ) في "الوكالة" ٢٣١١ و "فضائل القرآن" ٥٠٢٩ و ٥٠٣٠ و"النكاح" ٥٠٨٧ و ٥١٢١ و ٥١٢٦ و ٥١٣٢ و ٥١٤١ و ٥١٤٩ (م) في "النكاح" ١٤٢٥ (د) في "النكاح" ٢١١١ (ت) في "النكاح" ١١١٤ (ق) "النكاح" ١٨٨٩ (أحمد) "باقي مسند الأنصار" ٢٢٢٩٢ و ٢٢٣٢٠ و ٢٢٣٤٣ (الموطأ) "النكاح" ١١١٨ (الدارميّ) "النكاح" ٢٢٠١. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ما أكرم اللَّه نبيه ﷺ حيث أباح له أن يتزوّج ما شاء من النساء، ومن ذلك أن تهب له المرأة نفسها، فيقبلها، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ الآية [الأحزاب: ٥٠]
(ومنها): أن الهبة في النكاح خاصّة بالنبيّ ﷺ ؛ لقول الرجل: "زوّجنيها"، ولم
стр. 13674
يقل: هبها لي، ولقولها هي: "وهبت نفسي لك"، وسكت النبيّ ﷺ على ذلك، فدلّ على جوازه له خاصّةً، مع قوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
(ومنها): جواز انعقاد نكاحه ﷺ بلفظ الهبة، دون غيره من الأمّة، وهو أحد الوجهين للشافعيّة، والآخر لا بدّ من لفظ النكاح، أو التزويج. وسيأتي تمام البحث فيه في -٤١/ ٣٢٨١ - "باب الكلام الذي ينعقد به النكاح".
(ومنها): أن الهبة لا تتمّ إلا بالقبول؛ لأنها لما قالت: "وهبت نفسي لك"، ولم يقل: قبِلتُ لم يتمّ مقصودها، ولو قبلها لصارت زوجًا له، ولذلك لم يُنكر على القائل: "زوّجنيها".
(ومنها): جواز الحلف بغير استحلاف للتأكيد، لكنه يُكره لغير ضرورة.
(ومنها): أن النكاح لا بدّ فيه من الصداق؛ لقوله ﷺ : "هل عندك من شيء تُصْدِقها؟ ". وقد أجمعوا على أنه لا يجوز لأحد أن يطأ فرجًا وُهِب له، دون الرقبة بغير صداق.
(ومنها): أن الأولى أن يذكر الصداق في العقد؛ لأنه أقطع للنزاع، وأنفع للمرأة، فلو عقد بغير ذكر صداق صحّ، ووجب لها مهر المثل بالدخول على الصحيح، وقيل: بالعقد. ووجه كونه أنفع لها أنه يثبت لها نصف المسمّى أن لو طُلّقت قبل الدخول.
(ومنها): استحباب تعجيل تسليم المهر.
(ومنها): استدلّ به على جواز اتخاذ الخاتم من الحديد. وسيأتي البحث فيه في موضعه من "كتاب الزينة" -٤٩/ ٥٢٠٦ - إن شاء اللَّه تعالى.
(ومنها): ما قيل: إنه يدلّ على وجوب تعجيل الصداق قبل الدخول؛ إذ لو ساغ تأخيره لسأله هل يقدر على تحصيل ما يُمهرها بعد أن يدخل عليها، ويتقرّر ذلك في ذمّته. ويمكن الانفصال عن ذلك بأنه ﷺ أشار بالأولى. والحامل على هذا التأويل ثبوت جواز نكاح المفوّضة، وثبوت جواز النكاح على مسمّى في الذّمّة. واللَّه تعالى أعلم.
(ومنها): أن إصداق ما يُتموّل يُخرجه عن يد مالكه، حتى إن من أصدق جارية مثلاً حَرُم عليه وطؤها، وكذا استخدامها بغير إذن من أصدقها، وأن صحّة المبيع (١) تتوقف على صحّة تسليمه، فلا يصحّ ما تعذّر إما حسًّا، كالطير في الهواء، وإما شرعًا كالمرهون، وكذا الذي لو زال إزاره لانكشفت عورته. كذا قال عياض. قال الحافظ:
стр. 13675
وفيه نظر.
(ومنها): أن من رغب في تزويج من هو أعلى منه قدرًا لا لوم عليه؛ لأنه بصدد أن يجاب، إلا إن كان مما تقطع العادة بردّه، كالسوقيّ يخطب من السلطان بنته، أو أخته، وأن من رغبت في تزويج من هو أعلى منها لا عار عليها أصلاً، ولا سيّما إن كان هناك غرض صحيحٌ، أو قصد صالح، إما لفضل دينيّ في المخطوب، أو لِهَوًى فيه يخشى من السكوت عنه الوقوع في محذور.
(ومنها): أنه استدلّ به على صحة قول من جعل عتق الأمة عوضًا عن بضعها. كذا ذكره الخطابيّ، ولفظه أن من أعتق أمة، كان له أن يتزوّجها، ويجعل عتقها عوضًا عن بضعها. قال الحافظ: وفي أخذه من هذا الحديث بُعد.
(ومنها): أن سكوت من عقد عليها، وهي ساكتة لازم إذا لم يمنع من كلامها خوف، أو حياء، أو غيرها.
(ومنها): أنه لا يشترط في صحة العقد تقدّم الخطبة، إذ لم يقع في شيء من طرق هذا الحديث وقوع حمد، ولا تشهّد، ولا غيرهما من أركان الخطبة. وخالف في ذلك الظاهريّة، فجعلوها واجبة، ووافقهم من الشافعيّة أبو عوانة، فترجم في "صحيحه" "باب وجوب الخطبة عند العقد". وسيأتي تحقيقه في موضعه، إن شاء اللَّه تعالى.
(ومنها): أن الكفاءة في الحرّيّة، وفي الدين، وفي النسب، لا في المال؛ لأن الرجل لا شيء له، وقد رضيت به. كذا قال ابن بطّال. قال الحافظ: وما أدري من أين له أن المرأة كانت ذات مال. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الصحيح أنه لا يشترط اعتبار النسب في الكفاءة، كما سيأتي تحقيقه في موضعه، إن شاء اللَّه تعالى.
(ومنها): أن طالب الحاجة لا ينبغي له أن يُلحّ في طلبها، بل يطلبها برفق، وتأنّ، ويدخل في ذلك طالب الدنيا والدين، من مستفتٍ، وسائلِ، وباحثٍ عن علم.
(ومنها): أن الفقير يجوز له أن يتزوّج من علمت بحاله، ورضيت به، إذا كان واجدًا للمهر، وكان عاجزًا عن غيره من الحقوق؛ لأن المراجعة وقعت في وجدان المهر وفقده، لا في قدر زائد. قاله الباجيّ. وتُعُقّب باحتمال أن يكون النبيّ ﷺ اطلع من حال الرجل على أنه يقدر على اكتساب قوته، وقوت امرأته، ولا سيّما مع ما كان عليه أهل ذلك العصر من قلّة الشيء، والقناعة باليسير. هكذا ذكر في "الفتح" (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما قاله الباجيّ هو ظاهر الحديث، فلا وجه
стр. 13676
للتعقّب. واللَّه تعالى أعلم.
(ومنها): ما قيل: إنه يدلّ على صحّة النكاح بغير شهود. وردّ بأن ذلك وقع بحضرة جماعة من الصحابة، كما تقدّم في أول الحديث. وقال ابن حبيب: هو منسوخ بحديث: "لا نكاح إلا بوليّ"، وشاهدي عدل". وتُعُقّب.
(ومنها): ما قيل: إنه يدلّ على صحة النكاح بلا وليّ. وتُعقّب باحتمال أنه لم يكن لها وفي خاصّ، والإمام وليّ من وليّ له.
(ومنها): نظر الإمام في مصالح رعيته، وإرشادهم إلى ما يُصلحهم.
(ومنها): جواز انتفاع الرجل بما أمهرها به، وبما يشتريه بصداقها؛ لقوله: "إن لبستَةُ" مع أن النصف لها، ولم يمنعه مع ذلك من الاستمتاع بنصفه الذي وجب لها، بل جوّز له لبسه كله، وإنما وقع المنع؛ لكونه لم يكن له ثوب آخر. قاله أبو محمد بن أبي زيد. وتعقبه عياضٌ وغيره بأن السياق يرشد إلى أن المراد تعذّر الاكتفاء بنصف الإزار، لا في إباحة لبسه كلّه، وما المانع أن يكون المراد أن كلًّا منهما يلبسه مهايأةً؛ لثبوت حقّه فيه، لكن لما لم يكن للرجل ما يستتر به إذا جاءت نوبتها في لبسه قال له: "إن لبسَتْهُ جلستَ، ولا إزار لك".
(ومنها): مشروعية خِطبة المرء لنفسه. (ومنها): أنه لا يجب إعفاف المسلم بالنكاح، كوجوب إطعامه الطعامَ، والشراب.
(ومنها): جواز نكاح المرأة دون أن تُسأل هل لها وفي خاصّ، أو لا، ودون أن تسأل هل هي في عصمة رجل، أو في عدّته. قال الخطابيّ: ذهب إلى ذلك جماعة؛ حملاً على ظاهر الحال، ولكن الحكّام يحتاطون في ذلك، ويسألونها.
قال الحافظ: وفي أخذ هذا من هذه القصّة نظر؛ لاحتمال أن يكون النبيّ ﷺ اطلع على جليّة أمرها، أو أخبره بذلك من حضر مجلسه ممن يعرفها، ومع هذا الاحتمال لا ينتهض الاستدلال به. وقد نصّ الشافعيّ على أنه ليس للحاكم أن يزوّج امرأةً حتى يَشهد عدلان أنها ليس لها وليّ خاصّ، ولا أنها في عصمة رجل، ولا في عدّته، لكن اختلف أصحابه هل هذا على سبيل الاشتراط، أو الاحتياط، والثاني المصحّح عندهم. قاله في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): أن للإمام أن يزوّج من ليس لها وليّ خاصّ لمن يراه كفؤًا لها، ولكن لا بدّ من رضاها بذلك.
стр. 13677
وقال الداوديّ ليس في الخبر أنه استأذنها، ولا أنها وكلته، وإنما هو من قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٦]. يعني فيكون خاصًّا به ﷺ أنه يزوّج من شاء من النساء بغير استئذانها لمن شاء، وبنحوه قال ابن أبي زيد.
وأجاب ابن بطّال بأنها لما قالت له: "وهبت نفسي لك" كان كالإذن منها في تزويجها لمن أراد؛ لأنها لا تُملَك حقيقة، فيصير المعنى جعلت لكَ أن تتصرّف في تزويجي انتهى.
قال الحافظ: ولو راجعا حديث أبي هريرة لما احتاجا إلى هذا التكلّف، فإن فيه كما قدّمته: "أن النبيّ ﷺ قال للمرأة: إني أريد أن أزوّجك هذا إن رضيتِ، فقالت: ما رضيتَ لي، فقد رضيت". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): أن الحديث يدلّ على جواز تأمّل محاسن المرأة لإرادة تزويجها، وإن لم تتقدّم الرغبة في تزويجها، ولا وقعت خِطْبتها؛ لأنه ﷺ صَعَّدَ فيها النظر، وصوَّبه، وفي الصيغة ما يدلّ على المبالغة في ذلك، ولم يتقدّم منه رغبةٌ فيها، ولا خِطْبَةٌ، ثم قال: "لا حاجة لي في النساء"، ولو لم يقصد أنه إذا رأى منها ما يُعجبه أنه يَقبَلُها ما كان للمبالغة في تأمّلها فائدة.
ويمكن الانفصال عن ذلك بدعوى الخصوصية له؛ لمحلّ العصمة.
قال الحافظ: والذي تحرّر عندنا أنه ﷺ كان لا يحرم عليه النظر إلى المؤمنات الأجنبيّات بخلاف غيره.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الحافظ محلّ نظر، فليُتأمّل. واللَّه تعالى أعلم. قال: وسلك ابن العربيّ في الجواب مسلكًا آخر، فقال: يحتمل أن ذلك قبل الحجاب، أو بعده، لكنها كانت متلفّفة. وسياق الحديث يُبعد ما قال. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): أنه تجوز الخِطبة على خطبة مَنْ خَطَبَ إذا لم يقع بينهما ركون، ولا سيّما إذا لاحت مخايل الردّ. قاله أبو الوليد الباجيّ. وتعقّبه عياض وغيره بأنه لم يتقدّم عليها خِطْبةٌ لأحد، ولا ميلٌ، بل هي أرادت أن يتزوّجها النبيّ ﷺ ، فعرضت نفسها مجّانًا، مبالغةً منها في تحصيل مقصودها، فلم يَقبَل، ولما قال: "ليس لي حاجة في النساء" عرف الرجل أنه لم يقبلها، فقال: "زوّجنيها"، ثم بالغ في الاحتراز، فقال: "إن لم يكن لك بها حاجة"، وإنما قال ذلك بعد تصريحه بنفس الحاجة؛ لاحتمال أن يبدو له بعد ذلك ما يدعوه إلى إجابتها، فكان ذلك دالًّا على وُفُور فطنة الصحابيّ المذكور، وحسن أدبه.
стр. 13678
قال الحافظ: ويحتمل أن يكون الباجيّ أشار إلى أن الحكم الذي ذكره يُستنبط من هذه القصة؛ لأن الصحابيّ لو فهم أن للنبيّ ﷺ فيها رغبةً لم يطلبها، فكذلك من فُهِمَ أنه له رغبةً في تزويج امرأة، لا يصلح لغيره أن يُزاحمه فيها حتى يُظهِر عدم رغبته فيها، إما بالتصريح، أو ما في حكمه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): أنه لا حدّ لأقلّ المهر. قال ابن المنذر فيه ردّ على من زعم أن أقلّ المهر عشرة دراهم، وكذا من قال: ربع دينار، قال: لأن خاتمًا من حديد لا يُساوي ذلك. وقال المازريّ: نعلّق به من أجاز النكاح بأقلّ من ربع دينار؛ لأنه خرج مخرج التعليل، ولكن مالكٌ قاسه على القطع في السرقة. قال عياض: تفرّد بهذا مالك عن الحجازيين، لكن مستنده الالتفات إلى قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ الآية [النساء: ٢٤]، وبقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ [النساء: ٢٥]، فإنه يدلّ على أن المراد ماله بال من المال، وأقلّه ما استُبيح به قطع العضو المحترم، قال: وأجازه الكافّة بما تراضى عليه الزوجان، أو من العقد إليه بما فيه منفعة، كالسوط، والنعل، وإن كانت قيمته أقلّ من درهم.
وبه قال يحيى بن سعيد الأنصاريّ، وأبو الزناد، وربيعة، وابن أبي ذئب، وغيرهم من أهل المدينة، غيرَ مالك، ومن تبعه، وابن جريج، ومسلم بن خالد، وغيرهما من أهل مكة، والأوزاعيّ في أهل الشام، والليث في أهل مصر، والثوريّ، وابن أبي ليلى، وغيرهما من العراقيين، غير أبي حنيفة، ومن تبعه، والشافعيّ، وداود، وفقهاء أصحاب الحديث، وابن وهب من المالكيّة.
وقال أبو حنيفة: أقلّه عشرة، وابن شبرمة: خمسة، ومالك: أقلّه ثلاثة، أو ربع دينار؛ بناءً على اختلافهم في مقدار ما يجب به القطع. وقد قال الدراورديّ لمالك لما سمعه يذكر هذه المسألة: تعرّقت يا أبا عبد اللَّه، أي سلكت سبيل أهل العراق في قياسهم مقدار الصداق على مقدار نصاب السرقة.
وقال القرطبيّ: استدلّ من قاسه بنصاب السرقة بأنه عضو آدميّ محترم، فلا يُستباح بأقل من كذا قياسًا على يد السارق.
وتعقّبه الجمهور بأنه قياسٌ في مقابلة النصّ، فلا يصحّ، وبأن اليد تقطع، وتَبِين، ولا كذلك الفرج، وبأن القدر المسروق يجب على السارق ردّه مع القطع، ولا كذلك الصداق.
وقد ضعّف جماعةٌ من المالكيّة أيضًا هذا القياس، فقال أبو الحسن اللخميّ: قياس الصداق بنصاب السرقة ليس بالبيّن؛ لأن اليد إنما قُطعت في ربع دينار نكالاً للمعصية، والنكاح مستباحٌ بوجه جائز، ونحوه لأبي عبد اللَّه بن الفخار منهم.
стр. 13679
نعم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ [النساء: ٢٥]، يدلّ على أن صداق الحرّة لا بدّ، وأن يكون ما ينطلق عليه اسم مال له قدرٌ؛ ليحصل الفرق بينه وبين مهر الأمة، وأما قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، فإنه يدلّ على اشتراط ما يُسمّى مالَا في الجملة قل أو أكثر، وقد حدّه بعض المالكيّة بما تجب فيه الزكاة، وهو أقوى من قياسه على نصاب السرقة، وأقوى من ذلك ردّه إلى المتعارف.
وقال ابن العربيّ: وزن الخاتم من الحديد لا يساوي ربع دينار، وهو مما لا جواب عنه، ولا عُذر فيه، لكن المحقّقين من أصحابنا -يعني المالكيّة- نظروا إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ [النساء: ٢٥]، فمنع اللَّه القادر على الطول من نكاح الأمة، فلو كان الطول درهمًا ما تعذر على أحد.
ثم إنه تعقّبه بأن ثلاثة دراهم كذلك. يعني فلا حاجة فيه للتحديد، ولا سيّما مع الاختلاف في المراد بالطول. ذكره في "الفتح" (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبين مما سبق أن أرجح الأقوال في المسألة هو ما دل عليه حديث الباب، وحاصله أنه لاحد لأقل المهر، فيجوز أن يكون مهرا كلُّ ما تراضيا به قلّ أو كثر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): أن في قوله: "أعندك شيء؟، فقال: لا، دليلاً على تخصيص العموم بالقرينة؛ لأن لفظ "شيء" يشمل الخطير والتافه، وهو كان لا يعدم شيئًا تافهًا، كالنواة ونحوها لكنه فهم أن المراد ما له قيمةٌ في الجملة، فلذلك نفى أن يكون عنده. ونقل عياضٌ الإجماع على أن مثل الشيء الذي لا يتموّل، ولا قيمة له لا يكون صداقًا، ولا يحلّ به النكاح. فإن ثبت نقله، فقد خرق هذا الإجماع أبو محمد بن حزم، فقال: يجوز بكلّ ما يُسمّى شيئًا، ولو كان حبّة من شعير. ويؤيّد ما ذهب إليه الكافّة قوله ﷺ : "التمس ولو خاتمًا من حديد"؛ لأنه أورده مورد التقليل بالنسبة لما فوقه، ولا شكّ أن الخاتم من الحديد له قيمة، وهو أعلى خطرًا من النواة، وحبة الشعير، ومساق الخبر يدلّ على أنه لا شيء دونه يُستحل به البضع.
وقد وردت أحاديث في أقلّ الصداق، لا يثبت منها شيء: [منها]: عند ابن أبي شيبة من طريق أبي لبيبة، رفعه: "من استحل بدرهم في النكاح، فقد استحلّ". [ومنها]: عند أبي داود عن جابر، رفعه: "من أعطى في صداق امرأة سويقًا، أو تمرًا، فقد استحلّ". وعند الترمذيّ من حديث عامر بن ربيعة: "أن النبيّ ﷺ أجاز نكاح امرأة على نعلين". وأقوى شيء ورد في ذلك حديث جابر عند مسلم: "كنا نستمتع بالقبضة من التمر
стр. 13680
والدقيق على عهد رسول اللَّه ﷺ حتى نهى عنه عمر". قال البيهقيّ: إنما نهى عمر عن النكاح إلى أجل، لا عن قدر الصداق. وهو كما قال. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): أن فيه دليلاً للجمهور لجواز النكاح بخاتم الحديد، وما هو نظير قيمته. قال ابن العربيّ من المالكيّة كما تقدّم: لا شكّ أن خاتم الحديد لا يساوي ربع دينار، وهذا لا جواب عنه لأحد، ولا عذر فيه. وانفصل بعض المالكيّة عن هذا الإيراد مع قوّته بأجوبة:
[منها]: أن قوله: "ولو خاتما من حديد" خرج مخرج المبالغة في طلب التيسير عليه، ولم يُرد عين الخاتم الحديد، ولا قدر قيمته حقيقةً؛ لأنه لما قال: لا أجد شيئًا عرف أنه فهم أن المراد بالشيء ما له قيمةٌ، فقيل له: ولو أقلّ ما له قيمةٌ كخاتم الحديد، ومثله: "تصدّقوا، ولو بظلف مُحْرَق، ولو بِفِرْسن شاة"، مع أن الظلف والفرسن لا يُنتفع بهما، ولا يُتصدّق بهما.
[ومنها]: احتمال أنه طلب منه ما يعجل نقده قبل الدخول، لا أن ذلك جميع
الصداق. وهذا جواب ابن القصّار، وهذا يلزم منه الردّ عليهم حيث استحبوا تقديم ربع دينار، أو قيمته قبل الدخول، لا أقلّ.
[ومنها]: دعوى اختصاص الرجل المذكور بهذا القدر، دون غيره. وهذا جواب الأبهري. وتُعُقّب بأن الخصوصية تحتاج إلى دليلٍ خاصّ.
[ومنها]: احتمال أن تكون قيمته إذ ذاك ثلاثة دراهم، أو ربع دينار. وقد وقع عند الحاكم، والطبرانيّ من طريق الثوريّ، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد: "أن النبيّ ﷺ زوّج رجلاً بخاتم من حديد، فصّه فضّة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة العاشرة): أنه استدلّ به على جواز جعل المنفعة صداقًا، ولو كان تعليم القرآن. قال المازريّ: هذا ينبني على أن الباء للتعويض، كقولك: بعتك ثوبي بدينار، وهذا هو الظاهر، وإلا فلو كانت بمعنى اللام على معنى تكريمه؛ لكونه حاملاً للقرآن لصارت المرأة بمعنى الموهوبة، والموهوبة خاصّة بالنبيّ ﷺ انتهى. وانفصل الأبهريّ، وقبله الطحاويّ، ومن تبعهما، كأبي محمد بن أبي زيد عن ذلك بأن هذا خاصّ بذلك الرجل؛ لكون النبيّ ﷺ كان يجوز له نكاح الواهبة، فكذلك يجوز له أن يُنكحها لمن شاء بغير صداق، ونحوه للداودي، وقال: إنكاحها إياه بغير صداق لأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم. وقوّاه بعضهم بأنه لما قال له: "ملّكتكها" لم يشاورها، ولا استأذنها. وهذا ضعيف لأنها هي أوّلاً فوّضت أمرها إلى النبيّ ﷺ -كما تقدّم في رواية الباب "فَرَ رأيك"،
стр. 13681
وغير ذلك من ألفاظ الخبر التي ذكرنا، فلذلك لم يحتج إلى مراجعتها في تقدير المهر، وصارت كمن قالت لوليّها: زوَّجني بما ترى من قليل الصداق وكثيره.
واحتجّ لهذا القول بما أخرجه سعيد بن منصور من مرسل أبي النعمان الأزديّ، قال: "زوّج رسول اللَّه ﷺ امرأة على سورة من القرآن، وقال: لا تكون لأحد بعدك مهرًا"، وهذا مع إرساله فيه من لا يُعرف. وأخرج أبو داود من طريق مكحول قال: ليس لأحد بعد النبيّ ﷺ . وأخرج أبو عوانة من طريق الليث بن سعد نحوه.
وقال عياض: يحتمل قوله: "بما معك من القرآن" وجهين: أظهرهما أن يُعلّمها ما معه من القرآن، أو مقدارًا معيّنًا منه، ويكون ذلك صداقها، وقد جاء هذا التفسير عن مالك، ويؤيّده قوله في بعض طرقه الصحيحة: "فَعَلِّمها من القرآن"، كما تقدّم، وعُيِّنَ في حديث أبي هريرة ﵁ مقدار ما يعلِّمها، وهو عشرون آية. ويحتمل أن تكون الباء بمعنى اللام، أي لأجل ما معك من القرآن، فأكرمه بأن زوّجه المرأة بلا مهر؛ لأجل كونه حافظًا للقرآن، أو لبعضه.
ونظيره قصّة أبي طلحة مع أم سُليم، وذلك فيما أخرجه النسائيّ، وصححه من طريق جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس ﵁، قال: خطب أبو طلحة أمّ سُليم، فقالت: واللَّه ما مثلك يُردّ، ولكنك كافر، وأنا مسلمة، ولا يحلّ لي أن أتزوّجك، فإن تُسلم فذاك مهري، ولا أسألك غيره، فأسلم، فكان ذلك مهرها". وأخرج النسائيّ من طريق عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبي طلحة، عن أنس، قال: "تزوّج أبو طلحة أم سُليم، فكان صداق ما بينهما الإسلام … " فذكر القصّة، وقال في آخره: "فكان ذلك صداق ما بينهما"، ترجم عليه النسائيّ -٦٣/ ٣٣٤١ - : "التزويج على الإسلام"، ثم ترجم على حديث سهل -٦٢/ ٣٣٤٠ - : "التزويج على سورة من القرآن"، فكأنه مال إلى ترجيح الاحتمال الثاني، ويؤيّد أن الباء للتعويض، لا للسببية ما أخرجه ابن أبي شيبة، والترمذيّ من حديث أنس: "أن النبيّ ﷺ سأل رجلاً من أصحابه، يا فلان هل تزوّجت؟ قال: لا، وليس عندي ما أتزوّج به، قال: أليس معك ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ … " الحديث (١).
واستدلّ الطحاويّ للقول الثاني من طريق النظر بأن النكاح إذا وقع على مجهول كان
стр. 13682
كما لم يُسمّ، فيحتاج إلى الرجوع إلى المعلوم، قال: والأصل "المجمع عليه لو أن رجلاً استأجر رجلاً على أن يُعلّمه سورة من القرآن بدرهم لم يصحّ؛ لأن الإجارة لا تصح إلا على عمل معين، كغسل الثوب، أو وقت معيّن، والتعليم قد لا يُعلم مقدار وقته، فقد يتعلّم في زمان يسير، وقد يحتاج إلى زمان طويل، ولهذا لو باعه داره على أن يُعلّمه سورة من القرآن لم يصحّ، قال: فإذا كان التعليم لا تملك به الأعيان، لا تملك به المنافع.
والجواب عما ذكره أن المشروط تعليمه معين كما تقدّم في بعض طرقه، وأما الاحتجاج بالجهل بمدّة التعليم، فيحتمل أن يقال: اغتُفر ذلك في باب الزوجين لأن الأصل استمرار عشرتهما، ولأن مقدار تعليم عشرين آية لا تختلف فيه أفهام النساء غالبًا، خصوصًا مع كونها عربية، من أهل لسان الذي يتزوّجها كما تقدّم.
وانفصل بعضهم بأنه زوّجها إياه لأجل ما معه من القرآن الذي حفظه، وسكت عن المهر، فيكون ثابتا لها في ذمته إذا أيسر كنكاح التفويض، وإن ثبت حديث ابن عباس المتقدّم حيث قال فيه: "فإذا رزقك اللَّه فعوّضها" كان فيه تقوية لهذا القول، لكنه غير ثابت.
وقال بعضهم: يحتمل أن يكون زوّجه لأجل ما حفظه من القرآن، وأصدق عنه كما كفّر عن الذي وقع على امرأته في رمضان، ويكون ذكر القرآن، وتعليمه على سبيل التحريض على تعلّم القرآن، وتعليمه، وتنويهًا بفضل أهله، قالوا: ومما يدلّ على أنه لم يجعل التعليم صداقًا أنه لم يقع معرفة الزوج بفهم المرأة، وهل فيها قابليّة التعليم بسرعة، أو ببطء، ونحو ذلك مما تتفاوت فيه الأغراض.
والجواب عن ذلك قد تقدّم في بحث الطحاويّ.
ويؤيّد قول الجمهور قولُهُ ﷺ أولاً: "هل معك شيء تُصدقها؟ "، ولو قصد استكشاف فضله لسأله عن نسبه، وطريقته، ونحو ذلك.
[فإن قيل]: كيف يصحّ جعل تعليمها القرآن مهرًا، وقد لا تتعلّم؟.
[أجيب] كما يصحّ جعل تعليمها الكتابة مهرًا، وقد لا تتعلّم، وإنما وقع الاختلاف عند من أجاز جعل المنفعة مهرًا، هل يُشترط أن يعلم حذق المتعلّم، أو لا. واللَّه تعالى أعلم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذُكر من الأدلة أن ما ذهب إليه الجمهور
стр. 13683
من جعل تعليم القرآن مهرًا هو الحقّ؛ لظاهر حديث الباب، وما ذكره المانعون من التأويلات المتقدمة للحديث، فكلها واهية، فلا يُلتفت إليها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الحادية عشرة): أنه يجوز كون الأجرة صداقًا، ولو كانت المصدوقة المستأجرة، فتقوم المنفعة من الإجارة مقام الصداق، وهو قول الشافعيّ، وإسحاق، والحسن بن صالح. وعند المالكيّة فيه خلاف. ومنعه الحنفيّة في الحرّ، وأجازوه في العبد إلا في الإجارة في تعليم القرآن، فمنعوه مطلقًا، بناءً على أصلهم في أن أخذ الأجرة على تعليم القرآن لا يجوز.
وقد نقل عياضٌ جواز الاستئجار لتعليم القرآن عن العلماء كافّةً إلا الحنفيّة.
وقال ابن العربيّ: من العلماء من قال: زوّجه على أن يعلّمها من القرآن، فكانت إجارةً، وهذا كرهه مالكٌ، ومنعه أبو حنيفة، وقال ابن القاسم: يُفسخ قبل الدخول، ويُثبَتُ بعده، قال: والصحيح جوازه بالتعليم. وقد روى يحيى بن مضر عن مالك في هذه القصّة أن ذلك أجرة على تعليمها، وبذلك جاز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وبالوجهين قال الشافعيّ، وإسحاق، وإذا جاز أن يؤخذ عنه العوض جاز أن يكون عوضًا، وقد أجازه مالك من إحدى الجهتين، فيلزم أن يُجيزه من الجهة الأخرى.
وقال القرطبيّ: قوله: "عَلمّها" نصّ في الأمر بالتعليم، والسياق يشهد بأن ذلك لأجل النكاح، فلا يُلتفتُ لقول من قال: إن ذلك كان إكرامًا للرجل، فإن الحديث يصرح بخلافه، وقولهم: إن الباء بمعنى اللام ليس بصحيح لغةً، ولا مساقًا انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن مما ذُكِر أن ما ذهب إليه الشافعيّ ومن تبعه هو الأرجح، لظهور دليله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية عشرة): أنه استُدِلَّ به على أن من قال: زوَّجني فلانة، فقال: زوجتكها بكذا كفى، ولا يحتاج إلى قول الزوج: قبلت. قاله أبو بكر الرازيّ من الحنفيّة، وذكره الرافعيّ من الشافعيّة.
وقد استُشكل من جهة طول الفصل بين الاستيجاب والإيجاب، وفراق الرجل المجلس لالتماس ما يُصدقها إياه.
وأجاب المهلّب بأن بساط القصّة أغنى عن ذلك، وكذا كلّ راغب في التزويج إذا استوجب، فأُجيب بشيء معيّن، وسكت كفى، إذا ظهر قرينة القبول، وإلا فيُشترط معرفة رضاه بالقدر المذكور. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 13684
(المسألة الثالثة عشرة): أنه استدلّ بالحديث على جواز ثبوت العقد بدون لفظ النكاح والتزويج. وخالف ذلك الشافعيّ، ومن المالكيّة ابن دينار وغيره. والمشهور عن المالكيّة جوازه بكلّ لفظ دلّ على معناه، إذا قُرن بذكر الصداق، أو قصد النكاح، كالتمليك، والهبة، والصدقة، والبيع، ولا يصحّ عندهم بلفظ الإجارة، ولا العارية، ولا الوصيّة، واختُلف عندهم في الإحلال، والإباحة. وأجازه الحنفيّة بكلّ لفظ يقتضي التأبيد مع القصد. وموضع الدليل من هذا الحديث ورود قوله ﷺ : " ملّكتكها"، لكن ورد أيضًا بلفظ "زوّجتكها".
قال ابن دقيق العيد: هذه لفظة واحدة في قصّة واحدة، واختلف فيها مع اتحاد مخرج الحديث، فالظاهر أن الواقع من النبيّ ﷺ أحد الألفاظ المذكورة، فالصواب في مثل هذا النظر إلى الترجيح، وقد نقل عن الدارقطنيّ أن الصواب رواية من روى: "زوّجتكها"، وأنهم أكثر وأحفظ. قال: وقال بعض المتأخّر: يحتمل صحّة اللفظين، ويكون قال لفظ التزويج أولاً، ثم قال: اذهب فقد ملّكتكها بالتزويج السابق. قال ابن دقيق العيد: وهذا بعيد؛ لأن سياق الحديث يقتضي تعيين لفظة قِيلَتْ، لا تعدّدها، وأنها هي التي انعقد بها النكاح، وما ذكره يقتضي وقوع أمر آخر انعقد به النكاح، والذي قاله بعيد جدًّا. وأيضًا فلخصمه أن يعكس، ويدّعي أن العقد وقع بلفظ التمليك، ثم قال: زوّجتكها بالتمليك السابق. قال: ثم إنه لم يتعرّض لرواية: "أمكنّاكها" مع ثبوتها، وكلّ هذا يقتضي تعيّن المصير إلى الترجيح انتهى.
وأشار ببعض المتأخّرين إلى النوويّ، فإنه كذلك قال في "شرح مسلم". وقد قال ابن التين: لا يجوز أن يكون النبيّ ﷺ عقد بلفظ التمليك والتزويج معًا في وقت واحد، فليس أحد اللفظين بأولى من الآخر، فسقط الاحتجاج به، هذا على تقدير تساوي الروايتين، فكيف مع الترجيح؟، قال: ومن زعم أن معمرًا وَهِمَ فيه وَرَدَ عليه أن البخاريّ أخرجه في غير موضع من رواية غير معمر، مثل معمر انتهى.
وزعم ابن الجوزيّ في "التحقيق" أن رواية أبي غسّان: "أنكحتكها" ورواية الباقين "زوّجتكها"، إلا ثلاثة أنفس، وهم معمرٌ، ويعقوب، وابن أبي حازم، قال: ومعمرٌ كثير الغلط، والآخران لم يكونا حافظين انتهى.
قال الحافظ: وقد غلط في رواية أبي غسان، فإنها بلفظ "أمكناكها" في جميع نسخ البخاريّ، نعم وقعت بلفظ "زوّجتكها" عند الإسماعيليّ من طريق حسين بن محمد، عن أبي غسّان، والبخاريّ أخرجه عن سعيد بن أبي مريم، عن أبي غسّان بلفظ "أمكناكها". وقد أخرجه أبو نعيم في "المستخرج" من طريق يحيى بن عثمان بن صالح،
стр. 13685
عن سعيد شيخ البخاريّ فيه بلفظ "أنكحتكها"، فهذه ثلاثة ألفاظ عن أبي غسّان، ورواية "أنكحتكها" في البخاريّ لابن عُيينة كما حرّرته.
وما ذكره من الطعن في الثلاثة مردود، ولا سيّما عبد العزيز، فإن روايته تترجّح بكون الحديث عن أبيه، وآل المرء أعرف بحديثه من غيرهم، نعم الذي تحرّر مما قدّمته أن الذين رووه بلفظ التزويج أكثر عددًا ممن رواه بغير لفظ التزويج، ولا سيّما، وفيهم من الحفّاظ مثل مالك. ورواية سفيان بن عيينة "أنكحتكها" مساويةٌ لروايتهم، ومثلها رواية زائدة. وعدّ ابن الجوزيّ فيمن رواه بلفظ التزويج حمّاد بن زيد، وروايته بهذا اللفظ في "فضائل القرآن"، وأما في "النكاح" فبلفظ "ملّكتكها".
وقد تبع الحافظُ صلاح الدين العلائيّ ابن الجوزيّ، فقال في ترجيح رواية التزويج: ولا سيّما وفيهم مالك، وحمّاد بن زيد انتهى.
وقد تحرّر أنه اختُلف على حماد فيها، كما اختُلف على الثوريّ، فظهر أن رواية التمليك وقعت في إحدى الروايتين عن الثوريّ، وفي رواية عبد العزيز بن أبي حازم، ويعقوب بن عبد الرحمن، وحمّاد بن زيد، وفي رواية معمر "ملكتكها"، وهي بمعناها، وانفرد أبو غسّان برواية "أمكناكها"، وأَخْلِقْ بها أن تكون تصحيفًا من "ملّكناكها"، فرواية التزويج، أو الإنكاح أرجح. وعلى تقدير تساوي الروايات يقف الاستدلال بها لكلّ من الفريقين. وقد قال البغويّ في "شرح السنّة": لا حجّة في هذا الحديث لمن أجاز انعقاد النكاح بلفظ التمليك؛ لأن العقد كان واحدًا، فلم يكن اللفظ إلا واحدًا، واختلف الرواةُ في اللفظ الواقع، والذي يظهر أنه كان بلفظ التزويج على وفق قول الخاطب "زوّجنيها"، إذ هو الغالب في أمر العقود، إذ قلّما يَختلف فيه لفظ المتعاقدين، ومن روى بلفظ غير لفظ التزويج لم يقصد مراعاة اللفظ الذي انعقد به العقد، وإنما أراد الخبر عن جريان العقد على تعليم القرآن. وقيل: إن بعضهم رواه بلفظ الإمكان، وقد اتفقوا على أن هذا العقد بهذا اللفظ لا يصحّ، كذا قال. وما ذُكر كافٍ في دفع احتجاج المخالف بانعقاد النكاح بالتمليك ونحوه.
وقال العلائي: من المعلوم أن النبيّ ﷺ لم يقل هذه الألفاظ كلّها (١) تلك الساعة، فلم يبق إلا أن يكون قال لفظة منها، وعبّر عنه بقيّة الرواة بالمعنى، فمن قال بأن النكاح ينعقد بلفظ التمليك، ثم احتجّ بمجيئه في هذا الحديث إذا عورض ببقية الألفاظ لم ينتهض احتجاجه، فإن جزم بأنه هو الذي تلفّظ به النبيّ ﷺ ، ومن قال غيره ذكره
стр. 13686
بالمعنى، قَلَبه عليه مخالفه، وادّعى ضدّ دعواه، فلم يبق إلا الترجيح بأمر خارجي، ولكن القلب إلى ترجيح رواية التزويج أميل؛ لكونها رواية الأكثرين؛ ولقرينة قول الرجل الخاطب: "زوّجنيها يا رسول اللَّه".
وقد تقدّم النقل عن الدارقطنيّ أنه رجح رواية من قال: "زوّجتكها"، وبالغ ابن التين، فقال: أجمع أهل الحديث على أن الصحيح رواية زوّجتكها، وأن رواية ملّكتكها وَهَمٌ.
وتعلّق بعض المتأخّرين بأن الذين اختلفوا في هذه اللفظة أئمّة، فلولا أن هذه الألفاظ عندهم مترادفة ما عبروا بها، فدلّ على أن كلّ لفظ منها يقوم مقام الآخر عند ذلك الإمام، وهذا لا يكفي في الاحتجاج بجواز انعقاد النكاح بكلّ لفظة منها، إلا أن ذلك لا يدفع مطالبتهم بدليل الحصر في اللفظين مع الاتفاق على إيقاع الطلاق بالكنايات بشرطها، ولا حصر في الصريح، وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن النكاح ينعقد بكلّ لفظ يدلّ عليه، وهو قول الحنفيّة، والمالكيّة، وإحدى الروايتين عن أحمد، واختلف الترجيح في مذهبه، فأكثر نصوصه تدلّ على موافقة الجمهور، واختار ابن حامد، وأتباعه الرواية الأخرى الموافقة للشافعيّة. واستدلّ ابن عقيل منهم لصحّة الرواية الأولى بحديث: "أعتَقَ صفيّة، وجعل عتقها صداقها"، فإن أحمد نصّ على أن من قال: أعتقتُ أمتي، وجعلتُ عتقها صداقها أنه ينعقد نكاحها بذلك. واشترط من ذهب إلى الرواية الأخرى بأنه لا بدّ أن يقول في مثل هذه الصورة: تزوّجتها، وهي زيادة على ما في الخبر، وعلى نصّ أحمد، وأصولُهُ تشهد بأن العقود تنعقد بما يدلّ على مقصودها، من قول، أو فعل. كذا في "الفتح" (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه الجمهور من أن النكاح يجوز بكل لفظ يدلّ عليه هو الصواب، كما هو مذهب الحنفيّة، والمالكيّة، ورواية عن أحمد، -رحمهم اللَّه تعالى-.
قال شيخ الإسلام ابن تيميّة -رحمه اللَّه تعالى- كما في "مجموع الفتاوى"-: عمدة من قال: لا يصحّ النكاح إلا بلفظ "الإنكاح"، و"التزويج" - وهم أصحاب الشافعيّ، وابن حامد، ومن وافقهم من أصحابنا، كأبي الخطّاب، والقاضي، وأصحابه، ومن بعده- إلا في لفظ "أعتقتك، وجعلت عتقك صداقك" أنهم قالوا: ما سوى هذين اللفظين كناية، والكناية لا تقتضي الحكم إلا بالنيّة، والنيّة في القلب لا تُعلم، فلا يصحّ عقد النكاح بالكناية؛ لأن صحّته مفتقرة إلى الشهادة عليه، والنيّة لا يُشهَد عليها، بخلاف ما يصحّ بالكناية، من طلاق، وعتق، وبيع، فإن الشهادة لا تُشترط في صحّة ذلك.
стр. 13687
ومنهم: من يجعل ذلك تعبّدًا؛ لما فيه من ثبوت العبادات، وهذا قول من لا يصحّحه إلا بالعربيّة، من أصحابنا وغيرهم، وهذا ضعيف لوجوه:
[أحدها]: لا نسلّم أن ما سوى هذين كناية، بل ثَمَّ ألفاظ هي حقائق عرفيّة في العقد أبلغ من لفظ "أنكحت"، فإن هذا اللفظ مشترك بين الوطء والعقد، ولفظ الإملاك خاصّ بالعقد، لا يُفهم إذا قال القائل: أملك فلانٌ على فلانة إلا العقد، كما في "الصحيحين": "أملكتكها على ما معك من القرآن"، سواء كانت الرواية باللفظ، أو المعنى.
[الثاني]: أنا لا نسلّم أن الكناية تفتقر إلى النيّة مطلقًا، بل إذا قُرن بها لفظ من ألفاظ الصريح، أو حكم من أحكام العقد كانت صريحةً، كما قالوا في الوقف: إنه ينعقد بالكناية، كتصدّقت، وحرمت، وأبّدت، إذا قُرن بها لفظ، أو حكم، فإذا قال: أملكتكها، فقال: قبلت هذا التزويج، أو أعطيتكها زوجةً، فقال: قبلت، أو أملكتكها على ما أمر اللَّه به من إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان، ونحو ذلك، فقد قُرِن بها من الألفاظ، والأحكام ما يجعله صريحًا.
[الثالث]: أن إضافة ذلك إلى الحرّة يبيّن المعنى، فإنه إذا قال في ابنته: ملّكتكها، أو أعطيتكها، أو زوّجتكها، ونحو ذلك، فالمحلّ يَنفي الإجمال، والاشتراك.
[الرابع]: أن هذا منقوضٌ عليهم بالشهادة في الرجعة، فإنها مشروعةٌ، إما واجبة، وإما مستحبّةٌ، وهي شرط في صحّة الرجعة على قولٍ، وبالشهادة على البيع، وسائر العقود، فإن ذلك مشروع مطلقًا، سواء كان العقد بصريح، أو كناية مفسّرة.
[الخامس]: أن الشهادة تصحّ على العقد، ويثبت بها عند الحاكم على أيّ صورة انعقدت، فعُلم أن اعتبار الشهادة فيه، لا يمنع ذلك.
[السادس]: أن العاقدين يمكنهما تفسير مرادهما، ويشهد الشهود على ما فسّروه.
[السابع]: أن الكناية عندنا إذا اقترن بها دلالة الحال كانت صريحة في الظاهر بلا نزاع، ومعلوم أن اجتماع الناس، وتقديم الخطبة، وذكر المهر، والمفاوضة فيه، والتحدّث بأمر النكاح قاطع في إرادة النكاح. وأما التعبّد فيحتاج إلى دليل شرعيّ. ثم العقد جنسٌ لا يشرع فيه التعبّد بالألفاظ؛ لأنها لا يُشترط فيها الإيمان، بل تصحّ من الكافر، وما يصحّ من الكافر لا تعبّد فيه. واللَّه أعلم انتهى كلام شيخ الإسلام -رحمه اللَّه تعالى- (١).
стр. 13688
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -؛ هذا الذي قاله شيخ الإسلام -رحمه اللَّه تعالى- هو الصواب عندي.
وحاصله أن النكاح ينعقد بكل ما تعارفه الناس من الألفاظ، ولو بغير العربية لمن
يحسنها لأنه الموافق لمقاصد الشريعة، فإن الشرع لم يُضَيِّق في النكاح على الناس باتباع صيغة معينة، أو كونه بالعربية، بل هو كسائر العقود الجارية بينهم التي تجوز مطلقًا كالطلاق، والرجعة، والعَتَاق، والبيع، والشراء، والإجارة، وغيرها. واللَّه تعالي أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
قال الجامع الفقير إلى مولاه الغني القدير، محمد ابن الشيخ عليّ بن آدم بن موسى الإثيُوبيّ الولّويّ، نزيل مكة المكرّمة، - عفا اللَّه تعالى عنه - وعن والديه ومشايخه آمين: قد انتهيت من كتابة الجزء السادس والعشرين من شرح سنن الإمام الحافظ الحجة أبي عبد الرحمن النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى-، المسمّى "ذخيرةَ العُقْبَى في شرح المجتبى"، أو "غاية المنى في شرح المجتنى".
وذلك بحيّ الزهراء، مخطّط الأمير طلال، في مكة المكرمة زادها اللَّه تعالى تشريفًا وتعظيمًا، وجعلني من خيار أهلها حيًّا وميتًا، وأَعْظِمْ به تكريمًا.
وأخر دعوانا ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
"اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
"السلام عليك أيها النبيّ، ورحمة اللَّه، وبركاته".
ويليه -إن شاء اللَّه تعالى- الجزء السابع والعشرون مفتتحًا بالباب ٢ "ما افترض اللَّه على رسوله- ﵇، وحرّمه على خلقه ليزيده -إن شاء اللَّه- قُربةً إليه" الحديث رقم ٣٢٠٢.
"سبحانك اللهمّ، وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك".
стр. 13689
شرح سنن النسائي
المسمَّى
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى
لجامعه الفقير إلى مولاه الغتي القدير
محمد ابن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى الأيتوبي الوَلَّوي
المدرس بدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة
عفا اللَّه عنه وعن والديه آمين
الجزء السَّادس والعشرون
دار آل بروم للنشر والتوزيع
стр. 13690
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٢٤هـ - ٢٠٠٣م
دار آل بروم للنشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية - مكة المكرمة - المكتب الرئيسي التنعيم
ص ب: ٤١٤٥ - (تلفاكس ٥٢١١٥٧٦ - جوّال ٠٥٥٥٤١٠٢٦)