← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 13686–13725 · переход к 13691.

стр. 13686

بالمعنى، قَلَبه عليه مخالفه، وادّعى ضدّ دعواه، فلم يبق إلا الترجيح بأمر خارجي، ولكن القلب إلى ترجيح رواية التزويج أميل؛ لكونها رواية الأكثرين؛ ولقرينة قول الرجل الخاطب: "زوّجنيها يا رسول اللَّه". وقد تقدّم النقل عن الدارقطنيّ أنه رجح رواية من قال: "زوّجتكها"، وبالغ ابن التين، فقال: أجمع أهل الحديث على أن الصحيح رواية زوّجتكها، وأن رواية ملّكتكها وَهَمٌ. وتعلّق بعض المتأخّرين بأن الذين اختلفوا في هذه اللفظة أئمّة، فلولا أن هذه الألفاظ عندهم مترادفة ما عبروا بها، فدلّ على أن كلّ لفظ منها يقوم مقام الآخر عند ذلك الإمام، وهذا لا يكفي في الاحتجاج بجواز انعقاد النكاح بكلّ لفظة منها، إلا أن ذلك لا يدفع مطالبتهم بدليل الحصر في اللفظين مع الاتفاق على إيقاع الطلاق بالكنايات بشرطها، ولا حصر في الصريح، وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن النكاح ينعقد بكلّ لفظ يدلّ عليه، وهو قول الحنفيّة، والمالكيّة، وإحدى الروايتين عن أحمد، واختلف الترجيح في مذهبه، فأكثر نصوصه تدلّ على موافقة الجمهور، واختار ابن حامد، وأتباعه الرواية الأخرى الموافقة للشافعيّة. واستدلّ ابن عقيل منهم لصحّة الرواية الأولى بحديث: "أعتَقَ صفيّة، وجعل عتقها صداقها"، فإن أحمد نصّ على أن من قال: أعتقتُ أمتي، وجعلتُ عتقها صداقها أنه ينعقد نكاحها بذلك. واشترط من ذهب إلى الرواية الأخرى بأنه لا بدّ أن يقول في مثل هذه الصورة: تزوّجتها، وهي زيادة على ما في الخبر، وعلى نصّ أحمد، وأصولُهُ تشهد بأن العقود تنعقد بما يدلّ على مقصودها، من قول، أو فعل. كذا في "الفتح" (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه الجمهور من أن النكاح يجوز بكل لفظ يدلّ عليه هو الصواب، كما هو مذهب الحنفيّة، والمالكيّة، ورواية عن أحمد، -رحمهم اللَّه تعالى-. قال شيخ الإسلام ابن تيميّة -رحمه اللَّه تعالى- كما في "مجموع الفتاوى"-: عمدة من قال: لا يصحّ النكاح إلا بلفظ "الإنكاح"، و"التزويج" - وهم أصحاب الشافعيّ، وابن حامد، ومن وافقهم من أصحابنا، كأبي الخطّاب، والقاضي، وأصحابه، ومن بعده- إلا في لفظ "أعتقتك، وجعلت عتقك صداقك" أنهم قالوا: ما سوى هذين اللفظين كناية، والكناية لا تقتضي الحكم إلا بالنيّة، والنيّة في القلب لا تُعلم، فلا يصحّ عقد النكاح بالكناية؛ لأن صحّته مفتقرة إلى الشهادة عليه، والنيّة لا يُشهَد عليها، بخلاف ما يصحّ بالكناية، من طلاق، وعتق، وبيع، فإن الشهادة لا تُشترط في صحّة ذلك.

стр. 13687

ومنهم: من يجعل ذلك تعبّدًا؛ لما فيه من ثبوت العبادات، وهذا قول من لا يصحّحه إلا بالعربيّة، من أصحابنا وغيرهم، وهذا ضعيف لوجوه: [أحدها]: لا نسلّم أن ما سوى هذين كناية، بل ثَمَّ ألفاظ هي حقائق عرفيّة في العقد أبلغ من لفظ "أنكحت"، فإن هذا اللفظ مشترك بين الوطء والعقد، ولفظ الإملاك خاصّ بالعقد، لا يُفهم إذا قال القائل: أملك فلانٌ على فلانة إلا العقد، كما في "الصحيحين": "أملكتكها على ما معك من القرآن"، سواء كانت الرواية باللفظ، أو المعنى. [الثاني]: أنا لا نسلّم أن الكناية تفتقر إلى النيّة مطلقًا، بل إذا قُرن بها لفظ من ألفاظ الصريح، أو حكم من أحكام العقد كانت صريحةً، كما قالوا في الوقف: إنه ينعقد بالكناية، كتصدّقت، وحرمت، وأبّدت، إذا قُرن بها لفظ، أو حكم، فإذا قال: أملكتكها، فقال: قبلت هذا التزويج، أو أعطيتكها زوجةً، فقال: قبلت، أو أملكتكها على ما أمر اللَّه به من إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان، ونحو ذلك، فقد قُرِن بها من الألفاظ، والأحكام ما يجعله صريحًا. [الثالث]: أن إضافة ذلك إلى الحرّة يبيّن المعنى، فإنه إذا قال في ابنته: ملّكتكها، أو أعطيتكها، أو زوّجتكها، ونحو ذلك، فالمحلّ يَنفي الإجمال، والاشتراك. [الرابع]: أن هذا منقوضٌ عليهم بالشهادة في الرجعة، فإنها مشروعةٌ، إما واجبة، وإما مستحبّةٌ، وهي شرط في صحّة الرجعة على قولٍ، وبالشهادة على البيع، وسائر العقود، فإن ذلك مشروع مطلقًا، سواء كان العقد بصريح، أو كناية مفسّرة. [الخامس]: أن الشهادة تصحّ على العقد، ويثبت بها عند الحاكم على أيّ صورة انعقدت، فعُلم أن اعتبار الشهادة فيه، لا يمنع ذلك. [السادس]: أن العاقدين يمكنهما تفسير مرادهما، ويشهد الشهود على ما فسّروه. [السابع]: أن الكناية عندنا إذا اقترن بها دلالة الحال كانت صريحة في الظاهر بلا نزاع، ومعلوم أن اجتماع الناس، وتقديم الخطبة، وذكر المهر، والمفاوضة فيه، والتحدّث بأمر النكاح قاطع في إرادة النكاح. وأما التعبّد فيحتاج إلى دليل شرعيّ. ثم العقد جنسٌ لا يشرع فيه التعبّد بالألفاظ؛ لأنها لا يُشترط فيها الإيمان، بل تصحّ من الكافر، وما يصحّ من الكافر لا تعبّد فيه. واللَّه أعلم انتهى كلام شيخ الإسلام -رحمه اللَّه تعالى- (١).

стр. 13688

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -؛ هذا الذي قاله شيخ الإسلام -رحمه اللَّه تعالى- هو الصواب عندي. وحاصله أن النكاح ينعقد بكل ما تعارفه الناس من الألفاظ، ولو بغير العربية لمن يحسنها لأنه الموافق لمقاصد الشريعة، فإن الشرع لم يُضَيِّق في النكاح على الناس باتباع صيغة معينة، أو كونه بالعربية، بل هو كسائر العقود الجارية بينهم التي تجوز مطلقًا كالطلاق، والرجعة، والعَتَاق، والبيع، والشراء، والإجارة، وغيرها. واللَّه تعالي أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … قال الجامع الفقير إلى مولاه الغني القدير، محمد ابن الشيخ عليّ بن آدم بن موسى الإثيُوبيّ الولّويّ، نزيل مكة المكرّمة، - عفا اللَّه تعالى عنه - وعن والديه ومشايخه آمين: قد انتهيت من كتابة الجزء السادس والعشرين من شرح سنن الإمام الحافظ الحجة أبي عبد الرحمن النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى-، المسمّى "ذخيرةَ العُقْبَى في شرح المجتبى"، أو "غاية المنى في شرح المجتنى". وذلك بحيّ الزهراء، مخطّط الأمير طلال، في مكة المكرمة زادها اللَّه تعالى تشريفًا وتعظيمًا، وجعلني من خيار أهلها حيًّا وميتًا، وأَعْظِمْ به تكريمًا. وأخر دعوانا ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ "اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد". "السلام عليك أيها النبيّ، ورحمة اللَّه، وبركاته". ويليه -إن شاء اللَّه تعالى- الجزء السابع والعشرون مفتتحًا بالباب ٢ "ما افترض اللَّه على رسوله- ﵇، وحرّمه على خلقه ليزيده -إن شاء اللَّه- قُربةً إليه" الحديث رقم ٣٢٠٢. "سبحانك اللهمّ، وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك".

стр. 13689

شرح سنن النسائي المسمَّى ذخيرة العقبى في شرح المجتبى لجامعه الفقير إلى مولاه الغتي القدير محمد ابن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى الأيتوبي الوَلَّوي المدرس بدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة عفا اللَّه عنه وعن والديه آمين الجزء السَّادس والعشرون دار آل بروم للنشر والتوزيع

стр. 13690

جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى ١٤٢٤هـ - ٢٠٠٣م دار آل بروم للنشر والتوزيع المملكة العربية السعودية - مكة المكرمة - المكتب الرئيسي التنعيم ص ب: ٤١٤٥ - (تلفاكس ٥٢١١٥٧٦ - جوّال ٠٥٥٥٤١٠٢٦)

стр. 13691

شرح سنن النسائي

стр. 13692

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 13693

٢ - (مَا افْتَرَضَ اللَّه عَلَى رَسُولِهِ ﷺ ، وَحَرَّمَهُ عَلَى خَلْقَهِ؛ لِيَزِيدَهُ -إِنْ شَاءَ اللَّه- قُرْبَةَ إِلَيْهِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المراد بخلقه هنا أمته، فلا يرد عليه ما في "الصحيح" من أن سليمان ﵇ كان له مائة امرأة. وغرض المصنّف بهذا أن التخيير الوارد في هذا الحديث كان فرضًا على النبيّ ﷺ ، بخلاف أمته، وأما قوله: "وحرّمه على خلقه" أراد به إباحة أن يتزوّج ما شاء من النساء، بخلاف غيره، فلا يجوز لهم إلا أربعة. ولفظ "الكبرى": "وخفضه" بدل "وحرّمه"، أي خفّفه عنهم، وهو يعود إلى قوله: "ما افترض اللَّه الخ". واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٢٠٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ النَّيْسَابُورِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ أَعْيَنَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, عَنْ مَعْمَرٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنِ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَاءَهَا, حِينَ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُخَيِّرَ أَزْوَاجَهُ, قَالَتْ عَائِشَةُ: فَبَدَأَ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَ: «إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا, فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تُعَجِّلِي, حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ» , قَالَتْ: وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ, لَا يَأْمُرَانِّي بِفِرَاقِهِ, ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٢٨] , فَقُلْتُ: فِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ , فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ النَّيْسَابُورِيُّ) الذهليّ، ثقة حافظ جليل [١١] ١٩٧/ ٣١٤. ٢ - (محمد بن موسى) بن أعين الجزريّ الحرّانيّ صدوق، من كبار [١٠] ٤/ ٤٠٣. ٣ - (أبوه) موسى بن أعين مولى قريش، أبو سعيد الجزريّ، ثقة عابد [٨] ١١/ ٤١٥.

стр. 13694

٤ - (معمر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضل، من كبار [٧] ١٠/ ١٠. ٥ - (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت المدنيّ [٤] ١/ ١. ٦ - (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف المدنيّ الفقيه الثقة الثبت [٣] ١/ ١. ٧ - (عائشة) - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ, زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَهَا، حِينَ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُخَيِّرَ أَزْوَاجَهُ) سيأتي بيان سبب نزول آية التخيير قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى. (قَالَتْ: عَائِشَةُ: فَبَدَأَ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي بدأ بالدخول عليها حين كمل الشهر، وأراد الرجوع إلى أزواجه، وفيه فضل عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -؛ لبداءته بها. كذا قرّره النووي. قال الحافظ: لكن روى ابن مردويه من طريق الحسن، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - أنها طلبت من رسول اللَّه ﷺ ثوبًا، فأمر اللَّه نبيه أن يُخيّر نساءه: أما عند اللَّه تُردن، أم الدنيا؟، فإن ثبت هذا، وكانت هي السبب في التخيير، فلعلّ البداءة بها لذلك، لكن الحسن لم يسمع من عائشة، فهو ضعيف، وحديث جابر في أن النسوة كنّ يسألنه النفقة أصحّ طريقًا منه. وإذا تقرّر أن السبب لم يتّحد فيها، وقُدّمت في التخيير دلّ على المراد، لا سيّما مع تقديمه لها أيضًا في البداءة بها في الدخول عليها. انتهى (١). (فَقَالَ) ﷺ (إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فلَا عَلَيكِ أَنْ لَا تُعَجِّلِي) أي فلا بأس عليك في التأنّي، وعدم العجلة حتى تُشاوري أبويك. وقال النوويّ: معناه: ما يضرّك أن لا

стр. 13695

تعجلي (حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ) أي تطلبي منهما أن يبيّنا لك رأيهما في ذلك. ووقع في حديث جابر: "حتى تستشيري أبويك"، زاد محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة رضي الله تعالى عنها: "إني عارض عليك أمرًا، فلا تفتاتي فيه بشيء حتى تعرضيه على أبويك: أبي بكر، وأمّ رُومان". أخرجه أحمد، والطبريّ. ويُستفاد منه أن أمّ رُومان كانت يومئذ موجودة، فيُردّ به على من زعم أنها ماتت سنة ستّ من الهجرة، فإن التخيير كان في سنة تسع. قاله في "الفتح". قال النوويّ: وإنما قال لها: هذا شفقة عليها، وعلى أبويها، ونصيحة لهم في بقائها عنده ﷺ ، فإنه خاف أن يحملها صغر سنّها، وقلّة تجاربها على اختيار الفراق، فيجب فراقها، فتضرر هي، وأبواها، وباقي النسوة بالاقتداء بها انتهى (١) وقال في "الفتح": قال العلماء: إنما أمر النبيّ ﷺ عائشة أن تستأمرَ أبويها خشية أن يحملها صغر السنّ على اختيار الشق الآخر؛ لاحتمال أن لا يكون عندها من الملكة ما يدفع ذلك العارض، فإذا استشارت أبويها، أوضحا لها ما في ذلك من المفسدة، وما في مقابله من المصلحة، ولهذا لما فطنت عائشة لذلك قالت: "قد علم أن أبويّ لم يكونا يأمراني بفراقه". ووقع في رواية عمرة، عن عائشة في هذه القصّة: "وخشي رسول الله ﷺ حداثتي"، وهذا شامل للتأويل المذكور. انتهى (٢). (قَالَتْ) عائشة (وَقَدْ عَلِمَ) ﷺ (أَنَّ أَبوَيَّ، لَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ) أي لكونهما يختاران الله ورسوله، والدار الآخرة لابنتهما، على تقدير أن تختار هي غير ذلك، وقد أعاذها الله تعالى من ذلك (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾) [الأحزاب: ٢٨]، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: هذا أمر من الله ﵎ لرسوله ﷺ بأن يُخيّر نساءه بين أن يفارقهنّ، فيذهبن إلى غيره ممن يَحصُل لهنّ عنده الحياة الدنيا، وزينتها، وبين الصبر على ما عنده من ضيق الحال، ولهنّ عند الله تعالى في ذلك الثواب الجزيل، فاخترن ﵅، وأرضاهنّ- الله، ورسولَهُ، والدارَ الآخرةَ، فجمع الله تعالى لهنّ بعد ذلك بين خير الدنيا، وسعادة الآخرة انتهى (٣).

стр. 13696

﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ الآية [الأحزاب: ٢٨]. أي أعطكنّ حقوقكنّ، وأُطَلِّقُ سراحكنّ. قال الحافظ ابن كثير: وقد اختلف العلماء في جواز تزوّج غيره لهنّ لو طلّقهنّ على قولين: أصحّهما نعم لو وقع؛ ليحصل المقصود من السراح. واللَّه أعلم. قال عكرمة: وكان تحته ﷺ يومئذ تسع نسوة: خمس من قريش: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وسودة، وأم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنهنّ -، وكانت تحته ﷺ صفية بنت حُيي النضِيريّة، وميمونة بنت الحارث الهلاليّة، وزينب بنت جحش الأسديّة، وجويرية بنت الحارث المصطلقيّة - رضي اللَّه تعالى عنهنّ -، وأرضاهنّ (١). (فَقُلتُ: فِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟، فَإنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ) زاد في رواية محمد بن عمرو: "ولا أؤامر أبويّ: أبا بكر، وأم رومان، فضحك"، وفي رواية عمر بن أبي سلمة، عن أبيه عند الطبريّ: "ففرح". وفي الرواية الآتية في -٢٦/ ٣٤٤٠ - من طريق يونس، وموسى بن عُليّ، كلاهما عن ابن شهاب: "قالت عائشة: ثم فعل أزواج النبيّ ﷺ مثل ما فعلت، ولم يكن ذلك حين قال لهنّ رسول اللَّه ﷺ ، واخترنه طلاقًا، من أجل أنهن اخترنه". وفي رواية محمد بن عمرو المذكورة: "ثم استقرَأَ الحُجَر -يعني حَجَر أزواجه- أي تتبَّعَ، والْحُجَر -بضمّ المهملة، وفتح الجيم- جمع حُجْرة -بضم، ثم سكون- والمراد مساكن أزواجه ﷺ . وفي حديث جابر المذكور أن عائشة لما قالت: "بل أختار اللَّه ورسوله، والدار الآخرة"، قالت: "يا رسول اللَّه، وأسألك أن لا تُخبر امرأة من نسائك بالذي قلت، فقال: لا تسألني امرأة منهنّ إلا أخبرتها، إن اللَّه لم يبعثني متعنّتًا، وإنما بعثني معلّمًا ميسّرًا". وفي رواية معمر عند مسلم: "قال معمرٌ: فأخبرني أيوب أن عائشة قالت: لا تُخبر نساءك أني اخترتك، فقال: إن اللَّه أرسلني مبلّغا، ولم يُرسلني متعنّتًا". وهذا منقطع بين أيوب وعائشة، ويشهد لصحّته حديث جابر. [تنبيه]: وقع في "النهاية"، "والوسيط" التصريح بأن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - أرادت أن يختار نساؤه الفراق. قال الحافظ: فإن كانا ذكراه فيما فهماه من السياق، فذاك، وإلا فلم أر في شيء من طرق الحديث التصريح بذلك انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 13697

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢/ ٣٢٠٢ و ٣٢٠٣ و ٣٢٠٤ و ٣٢٠٥ و ٢٦/ ٣٤٤٠ و ٣٤٤١ و ٢٧/ ٣٤٤٢ و ٣٤٤٣ و ٣٤٤٤ و ٣٤٤٥ و ٣٤٤٦ - وفي "الكبرى" ٢/ ٥٣٠٩ و ٥٣١٠ و ٥٣١٢ و ٥٣١٣ و ٥٣١٤ و ٢٧/ ٥٦٣٢ و ٥٦٣٣ و ٢٨/ ٥٦٣٤ و ٥٦٣٥ و ٥٦٣٦ و ٥٦٣٧ و ٥٦٣٨. وأخرجه (خ) في "التفسير" ٤٧٨٦ و"الطلاق" ٥٢٦٢ و ٥٢٦٤ (م) في "الطلاق" ١٤٧٥ و ١٤٧٧ (د) في "الطلاق" ٢٢٠٣ (ت) في "الطلاق واللعان" ١١٧٩ و"التفسير" ٣٢٠٤ (ق) في "الطلاق" ٢٠٥٢ و ٢٠٥٣ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٣٦٨٨ و ٢٣٩٦٦ و ٢٤٢٠٠ و ٢٤٦٦٧ و ٢٤٧٧١ و ٢٤٨٤٨ و ٢٤٨٧٣ و ٢٤٩٩٠ و ٢٥١٣٨ و ٢٥١٧٥ و ٢٥٤٩٢ و ٢٥٥٠٥ و ٢٥٥٧٧ و ٢٥٧٣٩ (الدارميّ) في "الطلاق" ٢٢٦٩. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ما افترض اللَّه على نبيّه ﷺ ، ومحل الدلالة من الحديث قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ الآية [الأحزاب: ٢٨]، فإنه أمرٌ بأن يقول لهم ذلك، والأمر للوجوب، فدلت الآية على أن التخيير واجب عليه، وهذا الذي ذهب إليه المصنّف من افتراض التخيير عليه دون أمته هو الظاهر من الآية، وبه قال بعض أهل العلم، وهو الصحيح. قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: عدّ أصحابنا من خصائصه ﷺ أنه يجب عليه تخيير نسائه بين مفارقته، واختياره. وحكى الحناطيّ وجهًا أن هذا التخيير كان مستحبًا، والصحيح الأول انتهى (١). (ومنها): أن فيه ملاطفة النبيّ ﷺ لأزواجه، وحلمه، وصبره على ما كان يصدر منهنّ، من إدلال وغيره، مما يبعثه عليهنّ الغيرة. (ومنها): أن صغر السنّ مظنّة لنقص الرأي. (ومنها): أن فيه منقبة عظيمة لعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، وبيان كمال عقلها، وصحّة رأيها مع صغر سنّها. (ومنها): أن الغيرة تحمل المرأة الكاملة الرأي والعقل على ارتكاب ما لا يليق بحالها؛ لسؤال عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - النبيّ ﷺ -أن لا يُخبر أحدًا من أزواجه بفعلها، ولكنه ﷺ لَمّا علم أن

стр. 13698

الحامل على ذلك ما طُبع عليه النساء من الغيرة، ومحبّة الاستبداد، دون ضرائرها لم يُسعِفها بما طلبت من ذلك. (ومنها): أن فيه منقبةً ظاهرةً لعائشة، ثم لسائر أمهات المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنهنّ - حيث اخترن اللَّهَ، ورسوله، والدارَ الآخرةَ، وبادرن إلى ذلك. (ومنها): أن فيه المبادرة إلى الخير، وإيثار أمور الآخرة على الدنيا؛ لأن اللَّه رتّب على ذلك ثوابًا عظيمًا، كما بينته الآية المذكورة، وكما في قوله : ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩]. (ومنها): أنه ذكر بعض العلماء أن من خصائصه ﷺ تخيير أزواجه، واستند إلى هذه القصّة، ولا دلالة فيها على الاختصاص. نعم ادّعى بعض من قال: إن التخيير طلاق أنه في حقّ الأُمّة، واختصّ هو ﷺ بأن ذلك في حقّه ليس بطلاق. لكن الصحيح أن التخيير ليس طلاقًا في حقّ أحد، كما سيأتي تحقيقه في بابه -٢٧/ ٣٤٤١ - من "كتاب الطلاق"، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): أن بعضهم استدلّ به على ضعف ما جاء أن من الأزواج حينئذ من اختارت الدنيا، فتزوّجها (١)، وهي فاطمة بنت الضحّاك، لعموم قول عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "ثم فعل أزواج النبيّ ﷺ مثل ما فعلت" (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: سبب نزول آية التخيير فيما روى أبو بكر بن مردويه في "تفسيره" من حديث الحسن مرسلاً في عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، طلبت إلى رسول اللَّه ﷺ ثوبًا، فأمر اللَّه تعالى نبيّه ﷺ أن يُخيّر نساءه، أما عند اللَّه يُردن، أم الدنيا؟. وهذا مرسل (٣). لكن يشهد له حديث جابر عند مسلم، وفيه: أنه ﷺ قال: "وهنّ حولي كما ترى، يسألنني النفقة"، فقام أبو بكر إلى عائشة يَجأ عنقها، وقام عمر إلى حفصة يَجأ عنقها، كلاهما يقول: تسألن رسول اللَّه ﷺ ما ليس عنده؟، قلن: واللَّه ما نسأل رسول اللَّه ﷺ شيئًا أبدًا، ليس عنده، ثم اعتزلهنّ شهرًا، أو تسعًا وعشرين، ثم نزلت عليه هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾، فذكر الحديث انتهى (٤). وقال في "الفتح": ورد في سبب هذا التخيير ما أخرجه مسلم من حديث جابر

стр. 13699

- ﵁ (١) قال: "دخل أبو بكر يستأذن على رسول اللَّه ﷺ " الحديث، وفيه قوله ﷺ : "هنّ حولي كما ترى، يسألنني النفقة" -يعني نساءه، وفيه أنه اعتزلهنّ شهرًا، ثم نزلت عليه هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ - حتى بلغ- أَجرًا عَظِيمًا [الأحزاب: ٢٨ - ٢٩] قال: فبدأ بعائشة، فذكر نحو حديث الباب. وفي "صحيح البخاريّ" في "المظالم" من طريق عُقيل، وفي "النكاح" من طريق شعيب، كلاهما عن ابن شهاب، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبي ثور، عن ابن عباس، عن عمر في قصّة المرأتين اللتين تظاهرتا … بطوله. وفي آخره: "حين أفشته حفصة إلى عائشة"، وكان قد قال: ما أنا بداخل عليهنّ شهرًا من شدّة موجدته عليهنّ، حتى عاتبه اللَّه، فلما مضت تسع وعشرون، دخل على عائشة، فبدأ بها، فقالت له: إنك أقسمت أن لا تدخل علينا شهرا، وقد أصبحنا لتسع وعشرين ليلةً أعدّها عدًّا، فقال النبيّ ﷺ : "الشهر تسع وعشرون"، وكان ذلك الشهر تسعًا وعشرين، قالت عائشة: فأئزلت آية التخيير، فبدأ بي أول امرأة، فقال: "إني ذاكرٌ لك أمرًا، فلا عليك أن لا تعجلي … " الحديث. قال الحافظ: وهذا السياق ظاهر أن الحديث كله من رواية ابن عباس عن عمر، وأما المرويّ عن عائشة، فمن رواية ابن عباس عنها، وقد وقع التصريح بذلك فيما أخرجه ابن أبي حاتم، وابن مردويه من طريق أبي صالح، عن الليث بهذا الإسناد إلى ابن عباس، قال: قالت عائشة: أُنزلت آية التخيير، فبدأ بي … الحديث. لكن أخرج

стр. 13700

مسلم الحديث من رواية معمر، عن الزهريّ، ففصّله تفصيلاً حسنًا، وذلك أنه أخرجه بطوله إلى آخر قصّة عمر في المتظاهرتين إلى قوله: "حتى عاتبه اللَّه"، ثم عقّبه بقوله: "قال الزهريّ: فأخبرني عروة، عن عائشة، قالت: لما مضى تسع وعشرون"، فذكر مراجعتها في ذلك، ثم عقّبه بقوله: "قال: يا عائشة إني ذاكرٌ لك أمرًا، فلا عليك أن لا تعجلي، حتى تستأمري أبويك … " الحديث. فعُرف من هذا أن قوله: "فلما مضت تسع وعشرون الخ" في رواية عُقيل هو من رواية الزهريّ، عن عائشة بحذف الواسطة، ولعلّ ذلك وقع عن عمد من أجل الاختلاف على الزهريّ في الواسطة بينه وبين عائشة في هذه القصّة بعينها، كما بينه البخاريّ هنا (١) وكأن من أدرجه في رواية ابن عباس مشى على ظاهر السياق، ولم يفطن للتفصيل الذي وقع في رواية معمر. وقد أخرج مسلم أيضًا من طريق سماك بن الوليد، عن ابن عباس "حدّثني عمر بن الخطاب، قال: لما اعتزل النبيّ ﷺ نساءه دخلت المسجد … " الحديث بطوله، وفي آخره: "قال: وأنزل اللَّه آية التخيير"، فاتفق الحديثان على أن آية التخيير نزلت عقب فراغ الشهر الذي اعتزلهنّ فيه، ووقع ذلك صريحًا في رواية عمرة، عن عائشة، قالت: "لما نزل النبيّ ﷺ إلى نسائه أمر أن يُخيرهنّ … " الحديث. أخرجه الطبريّ، والطحاويّ. واختلف الحديثان في سبب الاعتزال، ويمكن الجمع بأن يكون القضيّتان جميعًا سبب الاعتزال، فإن قصّة المتظاهرتين خاصّة بهما، وقصّة سؤال النفقة عامّة في جميع النسوة، ومناسبة آية التخيير بقصّة سؤال النفقة أليق منها بقصّة المتظاهرتين (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذكر أن الأولى كون القضيّتين سببًا لنزول الآية المذكوره، قضيّة المتظاهرتين، وقضيّة سؤال النفقة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: اختَلَف الصحابة ﵃ في أن التخيير في الآية، هل كان بين إقامتهنّ في عصمته، وفراقهنّ، أو بين أن يبسط لهنّ في الدنيا، أو لا يبسط لهنّ فيها، فذهب إلى الأول عائشة، وجابر ﵁. وذهب إلى الثاني علي بن أبي طالب، وابن عباس ﵄. حكى ذلك والدي ﵀ تعالى في "شرح الترمذيّ"، وقال: الأول أصحّ، وعائشة صاحبة القصّة، وهي أعرف بذلك، مع موافقة ظاهر القرآن؛ لقوله: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾

стр. 13701

[الأحزاب: ٢٨]، وهو الطلاق انتهى (١). وقال في "الفتح": قال الماورديّ -رحمه اللَّه تعالى-: اختُلِف هل كان التخيير بين الدنيا والآخرة، أو بين الطلاق والإقامة عنْده؟ على قولين للعلماء: أشبههما بقول الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى- الثاني، ثم قال: إنه الصحيح، وكذا قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: اختُلف في التخيير، هل كان في البقاء والطلاق، أو كان بين الدنيا والآخرة انتهى. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: والذي يظهر الجمع بين القولين؛ لأن أحد الأمرين ملزوم للآخر، وكأنهنّ خُيّرن بين الدنيا، فيطلقهنّ، وبين الآخرة، فيُمسكهنّ، وهو مقتضى سياق الآية. ثم ظهر لي أن محلّ القولين، هل فُوّض إليهنّ الطلاق، أم لا؟، ولهذا أخرج أحمد عن عليّ ﵁، قال: لم يُخيّر رسول اللَّه ﷺ نساءه إلا بين الدنيا والآخرة". انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٢٠٣ - (أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ الْعَسْكَرِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ,, عَنْ سُلَيْمَانَ, قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الضُّحَى, عَنْ مَسْرُوقٍ, عَنْ عَائِشَةَ, ﵂ قَالَتْ: "قَدْ خَيَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِسَاءَهُ, أَوَكَانَ طَلَاقًا"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"سليمان": هو الأعمش. و"أبو الضحى": هو مسلم بن صُبَيح. وقوله: "أو كان طلاقًا" الهمزة للاستفهام الإنكاري، أي فالتخيير ليس طلاقا، إذا اختارت زوجها. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تخريجه في الحديث الماضي، وأما حكم التخيير، هل هو طلاقٌ، أم لا؟، سيأتي في بابه، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٢٠٤ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الشَّعْبِيِّ, عَنْ مَسْرُوقٍ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: "خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَاخْتَرْنَاهُ, فَلَمْ يَكُنْ طَلَاقًا"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"عمرو بن عليّ": هو الفلّاس. و"عبد الرحمن": هو ابن مهديّ.

стр. 13702

و"سفيان": هو الثوريّ. و"إسماعيل": هو ابن أبي خالد. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تخريجه قبل حديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٢٠٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ, عَنْ سُفْيَانَ, قَالَ: حَفِظْنَاهُ مِنْ عَمْرٍو, عَنْ عَطَاءٍ, قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: "مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , حَتَّى أُحِلَّ لَهُ النِّسَاءُ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن منصور) الجوّاز المكيّ، ثقة [١٠] ٢٠/ ٢١. ٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت المكيّ [٨] ١/ ١. ٣ - (عمرو) بن دينار الأثرم الجمحيّ، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبت [٤] ١١٢/ ١٥٤. ٤ - (عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ الفقيه، ثقة فاضل، يرسل كثيرًا [٣] ١١٢/ ١٥٤. ٥ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَطَاءٍ) وفي الرواية التالية من طريق ابن جريج، عن عطاء، عن عُبيد بن عمير، عن عائشة، فأدخل عبيد بن عمير بين عطاء، وعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، فيحتمل أن يكون عطاء سمعه من عبيد، ثم سمعه من عائشة، أو سمعه عنها، وثبّته عبيد. واللَّه تعالى أعلم. (قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: "مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى أُحِلَّ لَهُ النِّسَاءُ) أي بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٠]، وعلى هذا فتكون هذه الآية ناسخة لقوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ الآية [٥٢]، وهذا القول هو الصحيح. قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "تفسيره": لما خيّر رسول اللَّه ﷺ نساءه، فاخترنه، حرُم عليه التزويج بغيرهنّ، والاستبدال بهنّ، مكافأةٌ لهنّ على فعلهنّ، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ الآية. وهل كان يحلّ له أن

стр. 13703

يطلّق واحدةً منهنّ بعد ذلك؟، فقيل: لا يحلّ له ذلك جزاء لهنّ على اختيارهنّ. وقيل: كان يحلّ له ذلك كغيره من الناس، ولكن لا يتزوّج بدلها. ثم نُسخ هذا التحريم، فأباح له أن يتزوّج بمن شاء عليهنّ من النساء، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾، والإحلال يقتضي تقدّم حظر، وزوجاته اللاتي في حياته لم يكنّ محرمات عليه، وإنما كان حرم عليه التزويج بالأجنبيات، فانصرف الإحلال إليهنّ؛ ولأنه في سياق الآية: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ﴾ الآية، ومعلوم أنه لم يكن تحته أحد من بنات عمه، ولا من بنات عماته، ولا من بنات خاله، ولا من بنات خالاته، فثبت أنه أحلّ له التزويج بهذا ابتداء، وهذه الآية، وإن كانت مقدّمةً في التلاوة، فهي متأخّرة النزول على الآية المنسوخة بها، كآيتي الوفاة في "البقرة". انتهى (١). وقال ابن كثير -رحمه اللَّه تعالى-: ذكر غير واحد من العلماء، كابن عباس، ومجاهد، والضحّاك، وقتادة، وابن زيد، وابن جرير، وغيرهم أن قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ نزل مجازاة لأزواج النبيّ ﷺ ، ورضًا عنهنّ على حسن صنيعهنّ في اختيارهنّ اللَّه ورسوله، والدار الآخرة لما خيّرهنّ رسول اللَّه ﷺ ، فلما اخترنه كان جزاؤهنّ أن اللَّه قصره عليهنّ، وحرّم عليه سواهنّ، أو يستبدل بهنّ غيرهنّ، ولو أعجبه حسنهنّ، إلا الإماء، والسراري، فلا حرج عليه فيهنّ، ثم إنه تعالى رفع عنه الحرج في ذلك، ونسخ حكم هذه الآية، وأباح له التزوج، ولكن لم يقع منه بعد ذلك نزوّج؛ لتكون المنّة لرسول اللَّه ﷺ عليهنّ، ثم أورد حديث عائشة المذكور في الباب: "ما مات رسول اللَّه ﷺ حتى أحلّ اللَّه له النساء". ثم أورد عن ابن أبي حاتم بسنده عن أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها قالت: "لم يمت رسول اللَّه ﷺ حتى أحلّ اللَّه له أن يتزوج من النساء ما شاء، إلا ذات محرم، وذلك قول اللَّه تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ الآية". فجعلت هذه الآية ناسخة للتي بعدها في التلاوة كآيتي الوفاة في "البقرة"، الأولى ناسخة للتي بعدها. واللَّه أعلم. انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذكر أن الأرجح أنه ﷺ أباح اللَّه تعالى له النساء بعد ما حرم عليه غير نسائه اللاتي خيّرهنّ، فاخترنه، مجازاة لهنّ على حسن صنيعهنّ، ثم لرفعة مكانته ﷺ عند ربّه وَسَّعَ عليه، فَنَسَخَ ذلك التحريم، ثم من كريم شمائله، وحسن أدبه مع ربه، ومع نسائه لم يتزوّج بعد ذلك حتى مات ﷺ . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 13704

مسألتان، تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢/ ٣٢٠٥ و ٣٢٠٦ - وفي "الكبرى" ٢/ ٥٣١١ و ٥٣١٤. وأخرجه (ت) في "التفسير" ٣٢١٦ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٣٦١٧ (الدارميّ) في "النكاح" ٢٢٤٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٢٠٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ -وَهُوَ الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ- قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: "مَا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , حَتَّى أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ مِنَ النِّسَاءِ مَا شَاءَ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"وُهيب": هو ابن خالد الباهليّ، أبو بكر البصريّ الثقة الثبت. والحديث صحيح، تقدّم تخريجه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٣ - (الْحَثُّ عَلَى النِّكَاحِ) ٣٢٠٧ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ, قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ, عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ عَلْقَمَةَ, قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ, وَهُوَ عِنْدَ عُثْمَانَ ﵁, فَقَالَ عُثْمَانُ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى فِتْيَةٍ - قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: فَلَمْ أَفْهَمْ "فِتْيَةً" كَمَا أَرَدْتُ- فَقَالَ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ ذَا طَوْلٍ, فَلْيَتَزَوَّجْ, فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ, وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ, وَمَنْ لَا, فَالصَّوْمُ لَهُ وِجَاءٌ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث تقدّم للمصنّف -رحمه اللَّه تعالى- سندًا ومتنًا برقم -٤٣/ ٢٢٤٣ - وتقدّم الكلام عليه هناك، وهو صحيح الإسناد، من أفراد

стр. 13705

المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. و"عمرو بن زرارة": هو الكلابيّ النيسابوري الثقة الثبت. و"إسماعيل": هو ابن عليّة. و"يونس": هو ابن عُبيد البصريّ الثقة الثبت الفاضل الورع. و"أبو معشر": هو زياد بن كُليب الكوفيّ الثقة. وقوله: "فلم أفهم فتية" يعني أنه لم يفهم من شيخه عمرو بن زُرارة لفظة "فتية" على الوجه الذي يريد أن يفهمه، ولعله اشتبه عليه، إما لبعده، أو لحصول تشويش من بعض الحاضرين، فلم يسمعه سماعًا تامًّا، مثل ألفاظ بقية الحديث. وليس هذا الكلام في "الكبرى"، ولا فيما تقدّم له في "الصيام"، ولفظ "الكبرى": "خرج رسول اللَّه ﷺ على -يعني "فتية" انتهى. وقوله: "ذا طَول" بفتح الطاء: أي ذا قدرة على المهر والنفقة، وهو معنى قوله في الحديث الآتي: "من استطاع الباءة". ثم إن أبا معشر خالف الأعمش، فجعل الحديث لعثمان بن عفّان ﵁ عنه، والأعمش جعله لابن مسعود ﵁، وأبو معشر وإن كان ثقة، إلا أن الأعمش يقدّم عليه، ولذا أتى المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- برواية الأعمش عقبه، فكأنه يرجّح رواية الأعمش عليه؛ لأن عادته، كما قال الحافظ ابن رجب في "شرح علل الترمذيّ" أنه يأتي بالأخبار المعللة أولاً، ثم يردفها بالأخبار "الصحيحة" ومثله الترمذيّ في ذلك. واللُّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعِم الوكيل. ٣٢٠٨ - (أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ, عَنْ شُعْبَةَ, عَنْ سُلَيْمَانَ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ عَلْقَمَةَ, أَنَّ عُثْمَانَ, قَالَ لاِبْنِ مَسْعُودٍ: هَلْ لَكَ فِي فَتَاةٍ, أُزَوِّجُكَهَا؟ , فَدَعَا عَبْدُ اللَّهِ عَلْقَمَةَ, فَحَدَّثَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ, فَلْيَتَزَوَّجْ, فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ, وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ, وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ, فَلْيَصُمْ, فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (بشر بن خالد) العسكريّ، أبو محمد الفرائضيّ، نزيل البصرة، ثقة يُغرب [١٠] ٢٦/ ٨١٢. ٢ - (محمد بن جعفر) المعروف بـ"غندر، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقة صحيح الكتاب [٩] ٢١/ ٢٢. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت البصريّ [٧] ٢٤/ ٢٧. ٤ - (سليمان) بن مهران الأعمش الكوفيّ ثقة ثبت ورع، لكنه يدلس [٥] ١٧/ ١٨.

стр. 13706

٥ - (إبراهيم) بن يزيد النخعي، أبو عمران الكوفيّ، ثقة فقيه يرسل كثيرًا [٥] ٢٩/ ٣٣. ٦ - (علقمة) بن قيس بن عبد اللَّه النخعيّ الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه عابد [٢] ٦١/ ٧٧. ٧ - (ابن مسعود) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنه - ٣٥/ ٣٩. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، وبالكوفيين بعده. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين الكوفيين يروي بعضهم عن بعض: سليمان، وإبراهيم، وعلقمة. (ومنها): أن هذا الإسناد مما ذكر أنه أصحّ الأسانيد، وهي ترجمة الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود ﵁،. وللأعمش في هذا الحديث إسناد آخر سيأتي بعد حديث، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيس النخعيّ الكوفيّ (أَنَّ عُثْمَانَ) بن عفّان ﵁ (قَالَ لِابْنِ مَسْعُودٍ) ﵁. وفي رواية أبي معاوية الآتية: "كنت أمشي مع عبد اللَّه بمنى، فلقيه عثمان، فقام معه، يحدثه، فقال: يا أبا عبد الرحمن، ألا أزوّجك … ". وفي رواية للبخاريّ: "يا أبا عبد الرحمن إن لي إليك حاجة، فخليا … " (هَلْ لَكَ فِي فَتَاةٍ) أي هل لك رغبة في شابّة (أُزَّوَجُكَهَا؟) وفي رواية أبي معاوية: "ألا أزوّجك جاريةً شابّةً، فلعلها أن تُذكرك بعض ما مضى منك". وفي رواية للبخاري: "هل لك يا أبا عبد الرحمن في أن نزوّجك بكرًا تذكّرك ما كنت تعهد". وفي رواية لمسلم: "لعلك يرجع إليك من نفسك ما كنت تعهد". قال القرطبيّ: وكأنّ عبد اللَّه قد قلّت رغبته في النساء؛ إما للاشتغال بالعبادة، وإما للسنّ، وإما لمجموعهما، فحركه عثمان بذلك انتهى (١). وقال في "الفتح": ولعلّ عثمان ﵁ رأى به قشفًا، ورثائة هيئة، فحمل ذلك على فقده الزوجة التي ترفّهه. ويؤخذ منه أن معاشرة الزوجة الشابّة تزيد في القوّة والنشاط، بخلاف عكسها فبالعكس. (فَدَعَا عَبْدُ اللَّهِ عَلْقَمَةَ) أي ناداه إليه، وذلك لأن عثمان ﵁ كان طلب منه أن يخلو

стр. 13707

به؛ ليُسِرّ إليه أمر التزويج، كما تقدّم آنفًا، فخلا به، فلما رأى ابن مسعود أن لا حاجة له في ذلك نادى علقمة لعدم الحاجة إلى بقاء الخلوة، وليستفيد علقمة أيضًا بما يسمعه من الحديث. ففي رواية البخاريّ: "فلما رأى عبد اللَّه أن ليس له حاجة إلى هذا أشار إليّ، فقال: يا علقمة، فانتهيت إليه، وهو يقول: أَمَا لئن قلت ذلك لقد قال لنا النبيّ ﷺ … ". قال في "الفتح": هكذا عند الأكثر أن مراجعة عثمان لابن مسعود في أمر التزويج كانت قبل استدعائه لعلقمة. ووقع في رواية جرير عند مسلم، وزيد بن أبي أُنيسة عند ابن حبّان بالعكس، ولفظ جرير بعد قوله: "فاستخلاه"، "فلما رأى عبد اللَّه أن ليس له حاجة، قال لي: تعالَ يا علقمة، قال: فجئتُ، فقال له عثمان: ألا نزوّجك". وفي رواية زيد: "فلقي عثمان، فأخذ بيده، فقاما، وتنحّيت عنهما، فلما رأى عبد اللَّه أن ليست له حاجة يُسِرُّها، قال: ادنُ يا علقمة، فانتهيت إليه، وهو يقول: ألا نزوّجك". ويحتمل في الجمع بين الروايتين أن يكون عثمان أعاد على ابن مسعود ما كان قال له بعد أن استدعى علقمة؛ لكونه فهم منه إرادة إعلام علقمة بما كانا فيه انتهى (١). (فحَدَّثَ) أي عبد اللَّه بن مسعود ﵁. ثم إن تحديثه هذا يحتمل أن يكون تحسينًا لكلام عثمان ﵁، أي إن ما ذكرته من النكاح حسنٌ؛ فقد حثّ عليه النبيّ ﷺ ، لكن لا حاجة لي إليه. ويحتمل أنه قصد به الردّ عليه، بناء على أن الخطاب في الحديث للشباب، كما هو الصريح فيه، فالمعنيّ به من كان في سنّ الشباب، لا في مثل سنّي. واللَّه تعالى أعلم (٢) (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ) وفي رواية أبي معاوية الآية: "لقد قال لنا رسول اللَّه ﷺ : "يا معشر الشباب، من استطاع … ". وفي رواية زيد بن أبي أنيسة المذكورة: "لقد كنا مع رسول اللَّه ﷺ شبابًا، فقال لنا … ". وفي رواية عبد الرحمن بن يزيد المتقدّمة في "كتاب الصيام" -٤٣/ ٢٢٤٢ - قال: دخلنا على عبد اللَّه، ومعنا علقمة والأسود، وجماعة، فحدثنا بحديث، ما رأيته حدّث به القوم إلا من أجلي؛ لأني كنت أحدثهم سنًّا، قال رسول اللَّه ﷺ : "يا معشر الشباب … ". و"المعشر" جماعة يشملهم وصفٌ ما، فالشباب معشرٌ، والشيوخ معشرٌ، والأنبياء معشرٌ، والنساء معشرٌ، وكذا ما أشبهه. و"الشباب" جمع شابٌ، ويُجمع أيضًا على شَبَبَة، وشُبّان -بضمّ أوله والتثقيل- وذكر الأزهري أنه لم يُجمع فاعلٌ على فُعّال غيره. وأصله الحركة والنشاط، وهو اسم لمن بلغ إلى أن يكمل ثلاثين، هكذا أطلق الشافعيّة.

стр. 13708

وقال القرطبيّ في "المفهم": يقال له: حَدَثٌ إلى ستة عشر سنة، ثم شابّ إلى اثنتين وثلاثين، ثم كهلٌ. وكذا ذكر الزمخشريّ في "الشباب" أنه من لدن البلوغ إلى اثنتين وثلاثين. وقال ابن شاس المالكيّ في "الجواهر": إلى أربعين. وقال النوويّ: الأصحّ المختار أن الشباب من بلغ، ولم يُجاوز الثلاثين، ثم هو كهلٌ إلى أن يُجاوز الأربعين، ثم هو شيخ. وقال الرويانيّ وطائفة: من جاوز الثلاثين سمّي شيخًا. زاد ابن قتيبة: إلى أن يبلغ الخمسين. وقال أبو إسحاق الإسفراينيّ عن الأصحاب (١): المرجع في ذلك إلى اللغة، وأما بياض الشعر، فيختلف باختلاف الأمزجة انتهى (٢). ("مَنِ اسْتَطَاعَ) قال القرطبيّ: أي من وجد ما به يتزوّج، ولا يراد به هنا القدرة على الوطء؛ لقوله: "فعليه بالصوم، فإنه له وجاء" انتهى (٣). وفي الرواية التالية: "من استطاع منكم". وخصّ الشباب بالخطاب لأنّ الغالب وجود قوّة الدواعي فيهم إلى النكاح، بخلاف الشيوخ، وإن كان المعنى معتبرًا إذا وُجد السبب في الكهول والشيوخ أيضًا (الْبَاءَةَ) قال وليّ الدين: فيه أربع لغات، حكاها القاضي عياض وغيره، الفصيحة المشهورة: "الباءة" بالمدّ والهاء. والثانية: "البأة" بلا مدّ. والثالثة: "الباء" بلا هاء. والرابعة: "الباهة" بهاءين بلا مدّ. وأصلها في اللغة: الجماع، مشتقّةٌ من المباءة، وهو المنزل، ومنه مباءة الإبل، وهي مواطنها، ثم قيل لعقد النكاح باءة؛ لأن من تزوّج امرأةً بوّأها منزلاً انتهى (٤). وقال في "الفتح": "الباءة": بالهمز، وتاء تأنيث ممدود، وفيها لغةٌ أخرى بغير همز ولا مدّ، وقد يُهمز، ويُمدّ بلا هاء، ويقال لها أيضًا: الباهة كالأول، لكن بهاء بدل الهمزة. وقيل: بالمدّ القدرة على مُؤَن النكاح، وبالقصر الوطء. وقال الخطابيّ. المراد بالباءة النكاح، وأصله الموضع الذي يتبوّؤه، ويأوي إليه. وقال المازريّ: اشتُقّ العقد على المرأة من أصل الباءة؛ لأن من شأن من يتزوّج المرأة أن يُبوّءها منزلاً. وقال النوويّ: اختلف العلماء في المراد بالباءة هاهنا على قولين يرجعان إلى معنى واحد: أصحّهما: أن المراد معناها اللغويّ، وهو الجماع، فتقديره: من استطاع منكم الجماع؛ لقدرته على مُؤنه -وهي مُؤَن النكاح- فليتزوّج، ومن لم يستطع الجماع؛

стр. 13709

لعجزه عن مؤنه، فعليه بالصوم؛ ليدفع شهوته، ويقطع شر منيّه، كما يقطعه الوجاء. وعلى هذا القول وقع الخطاب مع الشباب الذين هم مظنّة شهوة النساء، ولا ينفكّون عنها غالبًا. والقول الثاني: أن المراد هنا بالباءة مؤن النكاح، سمّيت باسم ما يلازمها، وتقديره: من استطاع منكم مؤن النكاح فليتزوّج، ومن لم يستطع فليصم لدفع شهوته. والذي حمل القائلين بهذا على ما قالوه قوله: "ومن لم يستطع فعليه بالصوم"، قالوا: والعاجز عن الجماع لا يحتاج إلى الصوم لدفع الشهوة، فوجب تأويل الباءة على المؤن. وانفصل القائلون بالأول عن ذلك بالتقدير المذكور انتهى. والتعليل المذكور للمازريّ. وأجاب عنه عياضٌ بأنه لا يبعد أن تختلف الاستطاعتان، فيكون المراد بقوله: "من استطاع الباءة"، أي بلغ الجماع، وقَدَرَ عليه فليتزوّج، ويكون قوله: "ومن لم يستطع" أي من لم يقدر على التزويج. قال الحافظ: قلت: وتهيّأ له هذا لحذف المفعول في المنفيّ، فيحتمل أن يكون المراد: ومن لم يستطع الباءة، أو من لم يستطع التزويج، وقد وقع كلّ منهما صريحًا، فعند الترمذيّ في رواية عبد الرحمن بن يزيد من طريق الثوريّ، عن الأعمش: "ومن لم يستطع منكم الباءة". وعند الإسماعيليّ من هذا الوجه من طريق أبي عوانة، عن الأعمش: "من استطاع منكم أن يتزوّج فليتزوّج". ويؤيّده ما وقع في رواية النسائيّ (١) من طريق أبي معشر، عن إبراهيم النخعيّ: "من كان ذا طول فلينكح"، ومثله لابن ماجه من حديث عائشة، وللبزّار من حديث أنس. وأما تعليل المازريّ فيعكُرُ عليه قوله في الرواية الأخرى بلفظ: "كنا مع النبيّ ﷺ شبابًا لا نجد شيئًا"، فإنه يدلّ على أن المراد بالباءة الجماع، ولا مانع من الحمل على المعنى الأعمّ بأن يُراد بالباءة القدرة على الوطء، ومؤن التزويج. والجواب عما استشكله المازريّ أنه يجوز أن يرشد من لا يستطيع الجماع من الشباب لفرط حياء، أو عدم شهوة، أو عُنّة مثلاً إلى ما يهيّء له استمرار تلك الحالة؛ لأن الشباب مظنّة توارن الشهوة الداعية إلى الجماع، فلا يلزم من كسرها في حالة أن يستمرّ كسرها، فلهذا أرشد إلى ما يستمرّ به الكسر المذكور، فيكون قسم الشباب إلى قسمين: قسم يتوقون إليه، ولهم اقتدارٌ عليه، فندبهم إلى التزويج دفعًا للمحذور، بخلاف الآخرين، فندبهم إلى أمر تستمرّ به حالتهم؛ لأن ذلك أرفق بهم للعلّة التي ذُكرت في رواية عبد الرحمن بن يزيد، وهي أنهم كانوا لا يجدون شيئًا. ويستفاد منه أن

стр. 13710

الذي لا يجد أهبة النكاح، وهو تائق إليه يندب له التزويج دفعًا للمحذور انتهى (١). (فَلْيَتَزَوَّجْ) أمرٌ، وظاهره الوجوب، وبه قال بعض أهل العلم، وحمله الجمهور على الندب، والأول هو الحقّ على تفصيل سيأتي تحقيقه، إن شاء اللَّه تعالى قريبًا (فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ) الفاء فيه للتعليل؛ أي لأنه أغضّ للبصر. أي أشدّ غضًّا له (وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ) أي أشدّ إحصانًا له، ومنعًا من الوقوع في الفاحشة. وما ألطف ما وقع لمسلم في "صحيحه"، حيث ذكر عقب حديث ابن مسعود ﵁ هذا بيسير حديث جابر ﵁، رفعه: "إذا أحدكم أعجبته المرأة، فوقعت في قلبه، فليعمد إلى امرأته فليواقعها، فإن ذلك يردّ ما في نفسه"، فإن فيه إشارة إلى المراد من حديث الباب. وقال ابن دقيق العيد: يحتمل أن تكون "أفعل" على بابها، فإن التقوى سبب لغضّ البصر، وتحصين الفرج، وفي معارضتها الشهوة الداعية إلى النكاح، وبعد حصول التزويج يضعف هذا المعارض، فيكون أغضّ، وأحصن مما لم يكن؛ لأن وقوع الفعل مع ضعف الداعي أندر من وقوعه مع وجود الداعي. ويحتمل أن يكون "أفعل" فيه لغير المبالغة، بل إخبار عن الواقع فقط. (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) الباءة (فَلْيَصُمْ) لتنكسر شهوته، فلا يقع في الحرام (فَإِنَّهُ) أي الصوم (لَهُ وِجَاءٌ) -بكسر الواو، والمدّ- أصله الغمز، ومنه وجأه في عنقه: إذا غمزه دافعًا له، ووجأه بالسيف: إذا طعنه به، ووجأ أُنثييه: غمزهما حتى رضّهما. ووقع في رواية ابن حبّان المذكورة: "فإنه له وجاء، وهو الإخصاء"، وهي زيادة مدرجة في الخبر، لم تقع إلا في طريق زيد بن أبي أُنيسة هذه. وتفسير الوجاء بالإخصاء فيه نظر، فإن الوجاء رضّ الأنثيين، والإخصاء استئصالهما. وإطلاق الوجاء على الصيام من مجاز المشابهة. وقال أبو عبيدة: قال بعضهم: وجا بفتح الواو، مقصورًا. والأول أكثر. وقال أبو زيد: لا يقال: وِجاءٌ إلا فيما لم يبرأ، وكان قريب العهد بذلك. قاله في "الفتح". وقال أبو العبّاس القرطبيّ: وقال بعضهم الوجأة أن توجأ العروق، والخصيتان باقيتان بحالهما، والخصاء شقّ الخصيتين، واستئصالهما، والْجَبّ أن تُحمَى الشّفرة، ثم يستأصل بها الخصيتان. وقد قاله بعضهم: "وَجَا" -بفتح الواو والقصر، قال: وليس بشيء؛ لأن ذلك هو الْحَفَاء في ذوات الخفّ انتهى (٢). وقال الحافظ وليّ الدين: ليس المراد هنا حقيقة الوجاء، بل سمي الصوم وجاء لأنه يفعل فعله، ويقوم مقامه، فالمراد أنه يقطع الشهوة، ويدفع شرّ الجماع، كما يفعله

стр. 13711

الوجاء، فهو من مجاز المشابهة المعنويّة انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصوابِ، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣/ ٣٢٠٨ و ٣٢٠٩ و ٣٢١٠ و ٣٢١١ و ٣٢١٢ - و"الصيام"٤٣/ ٢٢٣٩ و ٢٢٤٠ و ٢٢٤١ و ٢٢٤٢ و ٢٢٤٣ - وفي "الكبرى" ٣/ ٥٣١٦ و ٥٣١٧ و ٥٣١٨ و ٥٣١٩ و ٥٣٢٠ و"الصيام" ٤٣/ ٢٥٤٧ و ٢٥٤٨ و ٢٥٤٩ و ٢٥٥٠ و٢٥٥٠. وأخرجه (خ) في "الصوم" ١٩٠٥ و"النكاح" ٥٠٦٥ و ٥٠٦٦ (م) في "النكاح" ١٤٠٠ (د) في "النكاح" ٢٠٤٦ (ت) في "النكاح" ١٠٨١ (ق) "النكاح" ١٨٤٥ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٣٥٨١ و ٤١٠١ (الدارميّ) "النكاح" ٢١٦٥ و ٢١٦٦. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو الحثّ على النكاح، ففيه الأمر بالنكاح لمن استطاعه، وتاقت إليه نفسه. (ومنها): استحباب عرض الصاحب على صاحبه الذي ليست له زوجة بهذه الصفة، وهو صالِحٌ للتزويج أن يتزوّج. (ومنها): ما كان عليه الصحابة ﵃ من مواساة بعضهم لبعض، وتفقدهم أحوالهم. (ومنها): استحباب نكاح الشابّة؛ لأنها المحصّلة لمقاصد النكاح؛ وإنها ألذّ استمتاعًا، وأطيب نكهةً، وأرغب في الاستمتاع الذي هو مقصود النكاح، وأحسن عشرة، وأفكه محادثة، وأجمل منظرًا، وألين مَلْمَسًا، وأقرب إلى أن يُعَوِّدَها زوجها الأخلاق التي يرتضيها. (ومنها): استحباب نكاح البكر، وتفضيلها على الثيّب. (ومنها): أن فيه إرشاد التائق إلى النكاح العاجز عن مُؤَنه إلى الصوم، وذلك لما فيه من كسرة الشهوة، فإن شهوة النكاح تابعة لشهوة الأكل، تَقوَى بقوّتها، وتضعف بضعفها. (ومنها): أن من لم يستطع الجماع فالمطلوب منه ترك التزويج؛ لأنه أرشده إلى ما ينافيه، ويضعف دواعيه. وأطلق بعضهم أنه يُكره في حقّه. قاله في "الفتح". (ومنها): أن فيه الحثّ على غضّ البصر، وتحصين الفرج بكلّ ممكن، وعدم التكليف بغير المستطاع. (ومنها): أنه يؤخذ منه أن

стр. 13712

حظوظ النفس والشهوات لا تتقدّم على أحكام الشرع، بل هي دائرة معها. (ومنها): أن الخطّابي استدلّ به على جواز المعالجة لقطع شهوة النكاح بالأدوية، وحكاه البغويّ في "شرح السنّة"، وينبغي أن يُحمل على دواء يسكّن الشهوة، دون ما يقطعها أصالةً؛ لأنه قد يقدر بعدُ، فيندم لفوات ذلك في حقّه، وقد صرّح الشافعيّة بأنه لا يُكسرها بالكافور ونحوه، والحجّة فيه أنهم اتفقوا على منع الجبّ والخصاء، فيُلحق بذلك ما في معناه من التداوي بالقطع أصلاً. (ومنها): أن الخطّابيّ استدلّ به أيضًا على أن المقصود من النكاح الوطء، ولهذا شُرع الخيار في الْعُنَّة. (ومنها): أن القرافيّ استنبط من قوله: "فإنه له وجاء" أن التشريك في العبادة لا يَقدَح فيها بخلاف الرياء؛ لأنه أمر بالصوم الذي هو قربة، وهو بهذا القصد صحيح، مثاب عليه، ومع ذلك فأرشد إليه؛ لتحصيل غضّ البصر، وكفّ الفرج عن الوقوع في المحرّم انتهى. قال الحافظ: فإن أراد تشريك عبادة بعبادة أخرى، فهو كذلك، وليس محلّ التراع، وإن أراد تشريك العبادة بأمر مباح، فليس في الحديث ما يُساعده انتهى. (ومنها): أن بعض المالكيّة استدلّ به على تحريم الاستمناء؛ لأنه أرشد عند العجز عن التزويج إلى الصوم الذي يقطع الشهوة، فلو كان الاستمناء مباحًا لكان الإرشاد إليه أسهل. وتُعُقّب دعوى كونه أسهل؛ لأن الترك أسهل من الفعل. وقد أباح الاستمناء طائفة من العلماء، وهو عند الحنابلة، وبعض الحنفيّه لأجل تسكين الشهوة. قاله في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم النكاح: ذهب الجمهور إلى استحباب النكاح لمن تاقت إليه نفسه، واستطاعه بقدرته على مؤنه، دون الإيجاب عليه، فلا يلزمه عندهم التزوّج، ولا التسرّي، سواء خاف العَنَتَ، أم لا. كذا حكاه النوويّ عن العلماء كافّة، ثم قال: ولا نعلم أحدًا أوجبه إلا داود، ومن وافقه من أهل الظاهر، وروية عن أحمد، فإنهم قالوا: يلزمه إذا خاف العنت أن يتزوّج، أو يتسرّى، قالوا: وإنما يلزمه في العمر مرّةً واحدة. ولم يشترط بعضهم خوف العنت، قال أهل الظاهر: إنما يلزمه التزوج فقط، ولا يلزمه الوطء انتهى (٢). قال الحافظ وليّ الدين -بعد ذكر كلام النوويّ-: ما نصّه: وفيه نظر، فهذا الذي ذكر أنه رواية عن أحمد هو المشهور من مذهبه، وظاهر كلام أصحابه تعيّن النكاح. وعنه

стр. 13713

رواية أخرى بوجوبه مطلقًا، وإن لم يخف العنت، كما حكاه النوويّ عن بعضهم، وعبارة ابن تيميّة في "المحرّر": النكاح السابق سنة مقدّمة على نفل العبادة، إلا أن يخشى الزنا بتركه، فيجب، وعنه يجب عليه مطلقًا انتهى. والوجوب عند خوف العنت وجه في مذهب الشافعيّ، حكاه الرافعيّ عن "شرح مختصر الجوينيّ". وقال النوويّ في "الروضة": هذا الوجه لا يحتم النكاح، بل يُخيّر بينه وبين التسرّي، ومعناه ظاهر انتهى. وجزم به أبو العباس القرطبيّ، وهو من المالكيّه، بل زاد فحكى الاتفاق عليه، فإنه قال: إنا نقول بموجب هذا الحديث في حقّ الشابّ المستطيع الذي يخاف الضرر على نفسه ودينه من العزبة، بحيث لا يرتفع عنه إلا بالتزويج، وهذا لا يختلف في وجوب التزويج عليه انتهى. ونقله الاتفاق على ذلك مردود، لكن يُقلَّد في نقل مذهبه في ذلك، وبه يحصل الردّ على النوويّ في كلامه المتقدّم، ولم يقيّد ابن حزم ذلك بخوف الْعَنَتِ، وعبارته في "المحلّى": وفرضٌ على كلّ قادر على الوطء إن وجد أن يتزوّج، أو يتسرّى، أن يفعل أحدهما، فإن عجز عن ذلك، فليُكثر من الصوم، ثم قال: وهو قول جماعة من السلف. وقال الشيخ تقي الدين في "شرح العمدة": قسم الفقهاء النكاح إلى الأحكام الخمسة، أعني الوجوب، والندب، والتحريم، والكراهة، والإباحةَ، وجعل الوجوب فيما إذا خاف العنت، وقدر على النكاح، إلا أنه لا يتعيّن واجبًا، بل إما هو، وإما التسرّي، وإن تعذّر التسرّي، تعيّن النكاح حينئذ للوجوب، لا لأصل الشريعة انتهى. وكان هذا التقسيم لبعض المالكيّة، وقد حكاه أبو العبّاس القرطبيّ عن بعض علمائهم، وقال: إنه واضحٌ. وقال القاضي أبو سعد الهرويّ من الشافعيّة: ذهب بعض أصحابنا بالعراق إلى أن النكاح فرض كفاية حتى لو امتنع منه أهل قطر، أُجبروا عليه. انتهى (١). وقال في "الفتح": وقد قسم العلماء الرجل في التزويج إلى أقسام: [الأول]: التائق إليه القادر على مؤنه، الخائف على نفسه، فهذا يُندب له النكاح عند الجميع، وزاد الحنابلة في رواية أنه يجب، وبذلك قال أبو عوانة الإسفراينيّ من الشافعيّة، وصرّح به في "صحيحه"، ونقله المصيصيّ في "شرح مختصر الجوينيّ" وجهًا، وهو قول داود، وأتباعه. وردّ عليهم عياضٌ، ومن تبعه بوجهين: [أحدهما]: أن الآية التي احتجّوا بها خيرت بين النكاح والتسري -يعني قوله تعالى: ﴿فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]، قالوا: والتسرّي ليس واجبًا اتفاقًا، فيكون التزويج غير

стр. 13714

واجب، إذ لا يقع التخيير بين واجب ومندوب. وهذا الردّ متعقّبٌ، فإن الذين قالوا بوجوبه قيّدوه بما إذا لم يندفع التوقان بالتسرّي، فإذا لم يندفع تعيّن التزويج، وقد صرّح بذلك ابن حزم، فقال: وفرض على كلّ قادر على الوطء إن وجد ما يتزوّج به، أو يتسرى أن يفعل أحدهما، فإن عجز عن ذلك فليُكثر من الصوم، وهو قول جماعة من السلف. الوجه الثاني: أن الواجب عندهم العقد لا الوطء، والعقد بمجرّده لا يدفع مشقّة التوقان، قال: فما ذهبوا إليه لم يتناوله الحديث، وما تناوله الحديث لم يذهبوا إليه، كذا قال، وقد صرّح أكثر المخالفين بوجوب الوطء، فاندفع الإيراد. وقال ابن بطال: احتجّ من لم يوجبه بقوله ﷺ : "ومن لم يستطع فعليه بالصوم"، قال: فلما كان الصوم الذي هو بدله ليس بواجب فمبدله مثله. وتعقّب بأن الأمر بالصوم مرتّبٌ على عدم الاستطاعة، ولا استحالة أن يقول القائل أوجبت عليك كذا، فإن لم تستطع فأَندُبُك إلى كذا، والمشهور عن أحمد أنه لا يجب للقادر التائق إلا إذا خشي العَنَتَ، وعلى هذه الرواية اقتصر ابن هُبيرة. وقال المازريّ: الذي نطق به مذهب مالك أنه مندوب، وقد يجب عندنا في حقّ من لا ينكفّ عن الزنا إلا به. وقال القرطبيّ. المستطيع الذي يخاف الضرر على نفسه، ودينه من العزوبة بحيث لا يرتفع عنه ذلك إلا بالتزويج لا يختلف في وجوب التزويج عليه. ونبّه ابن الرفعة على صورة يجب فيها، وهي ما إذا نذره حيث كان مستحبًّا. وقال ابن دقيق العيد: قسم بعض الفقهاء النكاح إلى الأحكام الخمسة، وجعل الوجوب فيما إذا خاف العنت، وقَدَر على النكاح، وتعذّر التسرّي. وكذا حكاه القرطبيّ عن بعض علمائهم، وهو المازريّ قال: فالوجوب في حقّ من لا ينكفّ عن الزنا إلا به، كما تقدّم. قال: والتحريم في حقّ من يُخلّ بالزوجة في الوطء والإنفاق مع عدم قدرته عليه، وتوقانه إليه. والكراهة في حقّ مثل هذا حيث لا إضرار بالزوجة، فإن انقطع بذلك عن شيء من أفعال الطاعة، من عبادة، أو اشتغال بالعلم اشتدّت الكراهة. وقيل: الكراهة فيما إذا كان ذلك في حال العزوبة أجمع منه في حال التزويج. والاستحباب فيما إذا حصل به معنى مقصود من كسر شهوة، وإعفاف نفس، وتحصين فرج، ونحو ذلك. والإباحة فيما انتفت الدواعي والموانع. ومنهم من استمرّ بدعوى الاستحباب فيمن هذه صفته؛ للظواهر الواردة في الترغيب فيه. قال عياضٌ: هو مندوبٌ في حقّ كلّ من في يرجى منه النسل، ولو لم يكن له في الوطء شهوة؛ لقوله ﷺ : "فإني مكاثرٌ بكم"، ولظواهر الحضّ على النكاح، والأمر به،

стр. 13715

وكذا في حقّ من له رغبة في نوع من الاستمتاع بالنساء غير الوطء، فأما من لا يُنسل، ولا أرب له في النساء، ولا في الاستمتاع فهذا مباحٌ في حقّه إذا علمت المرأة بذلك، ورضيت. وقد يقال: إنه مندوب أيضًا؛ لعموم قوله: "لا رهبانية في الإسلام". وقال الغزاليّ في "الإحياء": من اجتمعت له فوائد النكاح، وانتفت عنه آفاته، فالمستحب في حقّه التزويج، ومن لا فالترك له أفضل، ومن تعارض الأمر في حقّه فليجتهد، ويعمل بالراجح انتهى. قال الحافظ: الأحاديث الواردة في ذلك كثيرةٌ، فأما حديث: "فإني مكاثر بكم" فصحّ من حديث أنس بلفظ: "تزوّجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم يوم القيامة". أخرجه ابن حبّان، وذكره الشافعيّ بلاغًا عن ابن عمر بلفظ: "تناكحوا، تكاثروا، فإني أباهي بكم الأمم". وللبيهقي من حديث أبي أمامة: "تزوّجوا، فإني مكاثرٌ بكم الأمم، ولا تكونوا كرهبانية النصارى". وورد: "فإني مكاثرٌ بكم" أيضًا من حديث الصنابحيّ، وابن الأعسر (١)، ومعقل بن يسار، وسهل بن حُنيف، وحرملة بن النعمان، وعائشة، وعياض بن غنم، ومعاوية بن حيدة، وغيرهم. وأما حديث: "لا رهبانية في الإسلام" فلم أره بهذا اللفظ، لكن في حديث سعد بن أبي وقّاص عند الطبرانيّ: "إن اللَّه أبدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحة". وعن ابن عباس رفعه: "لا صرورة في الإسلام". أخرجه أحمد، وأبو داود، وصححه الحاكم. وفي الباب حديث النهي عن التبتّل، وسيأتي في الباب التالي، وحديث عائشة، رفعته: "النكاح سنتي، فمن لم يعمل بسنتي فليس منّي، وتزوّجوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة، ومن كان ذا طول فلينكح، ومن لم يجد فعليه بالصيام، فإن الصوم له وجاء". رواه ابن ماجه، وهو صحيح بشواهده (٢). وحديث "من كان موسرًا، فلم يَنكِح فليس منّا". أخرجه الدارميّ، والبيهقيّ من حديث ابن أبي نَجِيح، وجزم بأنه مرسل. وقد أورده البغويّ في "معجم الصحابة"، وحديث طاوس: "قال عمر بن الخطاب لأبي الزوائد: إنما يمنعك من التزويج عجزٌ، أو فُجور". أخرجه ابن أبي شيبة وغيره. وأخرج الحاكم من حديث أنس ﵁ رفعه: "من رزقه اللَّه امرأة صالحة، فقد أعانه على شطر دينه، فليتّق اللَّه في الشطر الثاني". قال الحافظ: وهذه الأحاديث وإن كان في الكثير منها ضعف، فمجموعها يدلّ على

стр. 13716

أنّ لِمَا يحصل به المقصود من الترغيب في التزويج أصلاً، لكن في حقّ من يتأتّى منه النسل، كما تقدّم انتهى كلام الحافظ ببعض تصرّف (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما سبق من الأدلّة أن أرجح الأقوال قول من قال بوجوب النكاح لمن استطاع عليه، وتاقت إليه نفسه، وخاف العنت؛ عملاً بظاهر الأمر الذي في حديث الباب، ومن عداه فيستحبّ له؛ عملاً بالأحاديث المذكورة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: لم يقل أحد بوجوبه على النساء، وقد صرّح بذلك ابن حزم، فقال: وليس ذلك فرضا على النساء؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ الآية [النور: ٦٠]. قال أبو إسحاق الشيرازيّ، صاحب "التنبيه": إن النكاح للنساء مستحبٌ عند الحاجة، ومكروه عند عدمها. وقال الشيخ عماد الدين الزنجانيّ في "شرح الوجيز" المسمّى بـ"الموجز": لم يتعرّض الأصحاب للنساء، والذي يغلب على الظنّ أن النكاح في حقّهنّ أولى مطلقًا؛ لأنهنّ يحتجن إلى القيام بأمورهنّ، والتستّر عن الرجال، ولم يتحقّق في حقهنّ الضرر الناشئ من النفقة انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله الزنجانيّ -رحمه اللَّه تعالى- حسنٌ جدًّا، وأما قول الشيرازي بالكراهة عند عدم الحاجة فلا يؤيّده دليل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ٣٢٠٩ - (أَخْبَرَنِي هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ الْكُوفِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ عَلْقَمَةَ, وَالأَسْوَدِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ, فَلْيَتَزَوَّجْ, وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ, فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ». قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: الأَسْوَدُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح غير شيخه "هارون ابن إسحاق": وهو أبو القاسم الكوفيّ، صدوق، من صغار [١٠] ١٣/ ٣٤٦. فإنه من رجال الأربعة. و"عبد الرحمن بن محمد المحاربيّ": هو أبو محمد الكوفيّ، لا بأس به، وكان يدلّس [٩] ٤٣/ ٢٢٢٤. و"إبراهيم" هو ابن يزيد النخعي. و"علقمة". هو ابن قيس النخعي. و"الأسود": هو ابن يزيد النخعي. و"عبد اللَّه" هو ابن مسعود ﵁.

стр. 13717

وقوله: "فعليه بالصوم". وفي رواية مغيرة، عن إبراهيم عند الطبرانيّ: "من لم يقدر على ذلك، فعليه بالصوم". قال المازريّ: فيه إغراء بالغائب، ومن أصول النحويين أن لا يُغرَى الغائب، وقد جاء شاذًّا قول بعضهم: عليه رجلاً ليسني، على جهة الإغراء. وتعقّبه عياضٌ بأن هذا الكلام موجود لابن قتيبة، والزجّاجيّ، ولكن فيه غلطٌ من أوجه: أما أوّلاً: فمن التعبير بقوله: "لا إغراء بالغائب"، والصواب فيه إغراء الغائب، فأما الإغراء بالغائب فجائز، ونصّ سيبويه أنه لا يجوز "دونه زيدًا"، ولا يجوز "عليه زيدًا" عند إرادة غير المخاطب، وإنما جاز للحاضر لما فيه من دلالة الحال، بخلاف الغائب، فلا يجوز لعدم حضوره، ومعرفته بالحالة الدّالّة على المراد. وأما ثانيًا: فإن المثال ما فيه حقيقة الإغراء، وإن كانت صورته، فلم يُرد القائل تبليغ الغائب، وإنما أراد الإخبار عن نفسه بأنه قليل المبالاة بالغائب، ومثله قولهم: إليك عني، أي اجعل شغلك بنفسك، ولم يُرد أن يغريه به، وإنما مراده دعني، وكن كمن شُغل عني. وأما ثالثًا: فليس في الحديث إغراء الغائب، بل الخطاب للحاضرين الذين خاطبهم أولاً بقوله: "من استطاع منكم"، فالهاء في قوله: "فعليه" ليست لغائب، وإنما هي للحاضر المبهم، إذ يصحّ خطابه بالكاف، ونظير هذا قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ - إلى أن قال-: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]، ومثله لو قلت لاثنين: من قام منكما فله درهم، فالهاء للمبهم من المخاطبين، لا لغائب انتهى ملخّصًا. وقد استحسنه القرطبيّ، وهو حسنٌ بالغ، وقد تفطّن له الطيبيّ، فقال: قال أبو عُبيدة قوله: "فعليه بالصوم" إغراء غائب، ولا تكاد العرب تُغري إلا الشاهد، تقول: عليك زيدًا، ولا تقول: عليه زيدًا، إلا في هذا الحديث. قال: وجوابه أنه لما كان ضمير الغائب راجعًا إلى لفظة "من" وهي عبارة عن المخاطبين في قوله: "يا معشر الشباب"، وبيان لقوله: "منكم" جاز قوله: "عليه"؛ لأنه بمنزلة الخطاب. وقد أجاب بعضهم (١) بأن إيراد هذا اللفظ في مثال إغراء الغائب هو باعتبار اللفظ، وجواب عياض باعتبار المعنى، وأكثر كلام العرب اعتبار اللفظ. كذا قال، والحقّ مع عياض، فإن الألفاظ توابع للمعاني، ولا معنى لاعتبار اللفظ مجرّدًا هنا. قاله في "الفتح" (٢).

стр. 13718

وقوله: "فعليه بالصوم" عدل عن قوله: فعليه بالجوع، وقلّة ما يُثير الشهوة، ويستدعي طغيان الماء من الطعام والشراب إلى ذكر الصوم، إذ ما جاء لتحصيل عبادة هي برأسها مطلوبة. وفيه إشارة إلى أن المطلوب من الصوم في الأصل كسر الشهوة. وقوله: "الأسود في هذا الحديث ليس بمحفوظ". يعني أن ذكر الأسود بن يزيد مع علقمة في رواية الأعمش غير محفوظ؛ لأن عبد الرحمن المحاربيّ تفرّد به، وقد خالف سبعة من الحفاظ: شعبة، وأبا معاوية، وعلي بن هاشم، ثلاثتهم عند المصنّف، وأبا حمزة السّكّريّ، وحفص بن غياث، عند البخاريّ، وجرير بن عبد الحميد، عند مسلم، وعلي ابن مسهر، عند ابن ماجه، فكلهم رووه عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود ﵁، ولم يزد أحدٌ منهم الأسود، فدلّ على أن زيادته شاذة غير محفوظة. والحديث متّفق عليه، وقد سبق الكلام عليه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٢١٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: قَالَ: لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ, مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ, فَلْيَنْكِحْ, فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ, وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ, وَمَنْ لَا فَلْيَصُمْ, فَإِنَّ الصَّوْمَ لَهُ وِجَاءٌ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح غير شيخه "محمد ابن منصور" وهو الْجَوَّاز المكيّ فإنه من أفراده. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"عمارة بن عُمير": هو التيميّ الكوفيّ الثقة الثبت" [٤] ٤٩/ ٦٠٨. و"عبد الرحمن بن يزيد": هو النخعيّ الكوفيّ، الثقه، من كبار [٣] ٣٧/ ٤١، وهو أخو الأسود بن يزيد المذكور في السند السابق. والحديث متّفق عليه، كما مرّ قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٢١١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ عُمَارَةَ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ, مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ …». وَسَاقَ الْحَدِيثَ). قالَ الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"محمد بن العلاء": هو أبو كُريب، أحد مشايخ الستة بلا واسطة. و"أبو معاوية": هو محمد بن خازم. وقوله: "وساق الحديث" الضمير لأبي معاوية، أي ساق الحديث السابق بتمامه،

стр. 13719

وتمامه عند مسلم من رواية أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي معاوية، وأبي كريب، كلاهما عن أبي معاوية " … فإنه أغضّ للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء". والحديث متّفق عليه، كما مرّ قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعمِ الوكيل. ٣٢١٢ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ, قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بِمِنًى, فَلَقِيَهُ عُثْمَانُ, فَقَامَ مَعَهُ يُحَدِّثُهُ, فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ, أَلَا أُزَوِّجُكَ جَارِيَةً شَابَّةً, فَلَعَلَّهَا أَنْ تُذَكِّرَكَ, بَعْضَ مَا مَضَى مِنْكَ, فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَمَا لَئِنْ قُلْتَ ذَاكَ, لَقَدْ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ, مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ»). قالَ الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح غير شيخه، "أحمد بن حرب": وهو الطائيّ الموصليّ، صدوق [١٠] ١٠٢/ ١٣٥ فإنه من أفراده. وقوله: "كنت مع عبد اللَّه" أي ابن مسعود ﵁. وقوله: "بمنى" قال في "الفتح": كذا وقع في أكثر الروايات، وفي رواية زيد بن أبي أنيسة، عن الأعمش، عند ابن حبّان: "بالمدينة"، وهي شاذّة. وقوله: "يا أبا عبد الرحمن" هي كنية ابن مسعود. وظنّ ابن المنيّر أن المخاطب بذلك ابنُ عمر؛ لأنها كنيته المشهورة، وأكد ذلك عنده أنه وقع في نسخته من "شرح ابن بطال" عقب الترجمة "فيه ابن عمر لقيه عثمان بمنى"، وقصّ الحديث، فكتب ابن المنيّر في حاشيته: هذا يدلّ على أن ابن عمر شدّد على نفسه في زمن الشباب؛ لأنه كان في زمن عثمان شابًّا. كذا قال. ولا مدخل لابن عمر في هذه القصة أصلاً، بل القصة، والحديث لابن مسعود، مع أن دعوى أن ابن عمر كان شابًّا إذ ذاك فيه نظرٌ، فإنه كان إذ ذاك جاوز الثلاثين. انتهى (١). وقوله: "بعض ما مضى منك" أي من القوّة، والشهوة، فإن القوّة ترجع بمخالطة الشابّة. والحديث متّفقٌ عليه، كما مرّ قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب …

стр. 13720

٤ - (بَابُ النَّهْي عَنِ التَّبَتُّلِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "التبتّل": مصدر "تَبَتَّلَ"، من البَتْل، وهو القطع، يقال: بتله بَتْلاً، من باب قتل: قطعه، وأبانه، وطلّقها طلقةً بَتَّةً بَتلَةً، وتَبَتّل إلى العبادة: تفرّغ لها، وانقطع. والمراد هنا الانقطاع عن النكاح، وما يتبعه من الملاذّ إلى العبادة. وأما المأمور به في قوله تعالى: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمّل: ٨]، فقد فسّره مجاهدٌ، فقال: أخلِصْ له إخلاصًا. وهو تفسيرٌ معنًى، وإلا فأصل التبتّل الانقطاع، والمعنى: انقطع إليه انقطاعًا، لكن لما كانت حقيقة الانقطاع إلى اللَّه تعالى إنما تقع بإخلاص العبادة له فسّرها بذلك. ومنه: "صدقةٌ بَتْلَةٌ" أي منقطعةٌ عن الملك. ومريم البتول؛ لانقطاعها عن التزويج إلى العبادة. وقيل لفاطمة - رضي اللَّه تعالى عنها - البتول، إما لانقطاعها عن الأزواج غير عليّ، أو لانقطاعها عن نظرائها في الحسن والشرف. وقد ترجم الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- بقوله: "باب ما يكره من التبتّل، والخصاء". فقال في "الفتح": وإنما قال: "ما يكره من التبتل والخصاء" للإشارة إلى أن الذي يكره من التبتّل هو الذي يُفضي إلى التنطّع، وتحريم ما أحلّ اللَّه، وليس التبتّل من أصله مكروهًا. وعطف "الخصاء" عليه؛ لأن بعضه يجوز في الحيوان المأكول انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٢١٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ, عَنْ مَعْمَرٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ, عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ, قَالَ: "لَقَدْ رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , عَلَى عُثْمَانَ التَّبَتُّلَ, وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن عُبيد) بن محمد بن واقد المحاربيّ، أبو جعفر، أو أبو يعلى النحاس الكوفيّ، صدوق [١٠] ١٤٤/ ٢٢٦. ٢ - (عَبْدُ اللَّه بْنُ الْمُبَارَكِ) المروزيّ الإمام الحجة الثبت المشهور [٨] ٣٢/ ٣٦. ٣ - (معمر) بن راشد البصريّ، ثم اليمنيّ، ثقة ثبت [٧] ١٠/ ١٠. ٤ - (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت الشهير [٤] ١/ ١. ٥ - (سعيد بن المسيب) بن حَزْن المخزومي المدني الفقيه الحجة الثبت [٣] ٩/ ٩.

стр. 13721

٦ - (سَعدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) اسم أبيه مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب الزهريّ، أبو إسحاق، أحد العشرة المبشّرين بالجنّة - رضي اللَّه تعالى عنهم -، مات سنة (٥٥) على المشهور. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح، غير شيخه، فتفرد به هو وأبو داود، والترمذيّ. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن المسيب من الفقهاء السبعة. (ومنها): أن صحابيه أول من روى بسهم لي سبيل اللَّه، واحد العشرة المبشّرين بالجنة، وآخر من مات منهم - رضي اللَّه تعالى عنهم - مات سنة (٥٥) على الأصح. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: "لَقَد رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى عُثمَانَ) بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حُذافة بن جُمَح الجُمَحيّ، قال ابن إسحاق: أسلم بعد ثلاثة عشر رجلاً، وهاجر إلى الحبشة، هو وابنه السائب الهجرة الأولى في جماعة، فلما بلغهم أن قريشًا أسلمت رجعوا، فدخل عثمان في جوار الوليد بن المغيرة، ثم ذكر ردّه جواره، ورضاه بما عليه النبيّ ﷺ ، وذكر قصّة مع لبيد بن ربيعة حين أنشد: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ .... فقال عثمان بن مظعون: صدقت، فقال لبيد: وَكُلُّ نَعِيم لَا مَحَالَةَ زَائِلُ فقال عثمان: كذبت، نعيم الجنة لا يزول، فقام سَفِيهٌ منهم إلى عثمان، فَلطم عينيه، فاخضرّت. توفّي (١) ﵁ بعد شهوده بدرًا في السنة الثانية من الهجرة، وهو أول من مات بالمدينة من المهاجرين، وأول من دُفن بالبقيع منهم. وروى الترمذيّ من طريق القاسم، عن عائشة، قالت: قبّل النبيّ ﷺ -عثمان بن مظعون، وهو ميت، وهو يبكي، وعيناه تذرفان، ولما توفّي إبراهيم ابن النبيّ ﷺ قال: "الحق بسلفنا الصالح عثمان بن مظعون" (٢). وفي رواية مسلم من طريق عُقيل، عن ابن شهاب بلفظ: "أراد عثمان بن مظعون أن يتبتّل، فنهاه رسول اللَّه ﷺ "، فعلم من هذا أن معنى قوله: "ردّ على عثمان" أي لم يأذن له، بل نهاه. وأخرج الطبرانيّ من حديث عثمان بن مظعون نفسه: "أنه قال: يا رسول

стр. 13722

اللَّه إني رجلٌ يشُقّ عليّ العزوبة، فأذن لي في الخصاء، قال: لا، ولكن عليك بالصيام … " الحديث. ومن طريق سعيد بن العاص: "أن عثمان قال: يا رسول اللَّه ائذن لي في الاختصاء، فقال: إن اللَّه قد أبدلنا بالرهبانية الحنيفيّةَ السمحة". فيحتمل أن يكون الذي طلبه عثمان هو الاختصاء حقيقةً، فعبّر عنه الراوي بالتبتّل؛ لأنه ينشأ عنه، فلذلك قال: "ولو أذن له لاختصينا". ويحتمل عكسه، وهو أن المراد بقول سعد: "ولو أذن لاختصينا" لفعلنا فعل من يختصي، وهو الانقطاع عن النساء. قال الطبريّ: التبتّل الذي أراده عثمان بن مظعون تحريم النساء، والطيب، وكلّ ما يُلتذّ به، فلهذا أُنزل في حقه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٨٧]. (التَبَتُّلَ) أي الانقطاع عن النساء، وترك النكاح انقطاعًا إلى عبادة اللَّه تعالى (وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَينَا) الاختصاء من خصيت الفحل: إذا سللت خصيته، أي أخرجتها، واختصيت: إذا فعلت ذلك بنفسك. قال الطيبيّ: كان الظاهر أن يقول: ولو أذن له لتبتلنا، لكنه عدل عن هذا الظاهر إلى قوله: "لاختصينا" لإرادة المبالغة، أي لبالغنا في التبتّل حتى يفضي بنا الأمر إلى الاختصاء، ولم يُرد به حقيقة الاختصاء؛ لأنه حرام. وقيل: بل على ظاهره، وكان ذلك قبل النهي عن الاختصاء، ويؤيّده توارد استئذان جماعة من الصحابة النبيّ ﷺ في ذلك، كأبي هريرة، وابن مسعود، وغيرهما، وإنما كان التعبير بالخصاء أبلغ من التعبير بالتبتّل؛ لأن وجود الآلة يقتضي استمرار وجود الشهوة، ووجود الشهوة ينافي المراد من التبتّل، فيتعيّن الخصاء طريقا إلى تحصيل المطلوب، وغايته أن فيه ألمًا عظيمًا في العاجل، يُغتفر في جنب ما يندفع به في الآجل، فهو كقطع الإِصبع إذا وقعت في اليد الآكلة؛ صيانة لبقيّة اليد، وليس الهلاك بالخصاء محققًا، بل هو نادر، ويشهد له كثرة وجوده في البهائم مع بقائها، وعلى هذا فلعلّ الراوي عبّر بالخصاء عن الْجَبّ؛ لأنه هو الذي يُحصّل المقصود. والحكمة في منعهم من الاختصاء؛ إرادة تكثير النسل؛ ليستمرّ جهاد الكفّار، وإلا فلو أذن في ذلك لأوشك تواردهم عليه، فينقطع النسل، فيقلّ المسلمون باقطاعه، ويكثر الكفّار، فهو خلاف المقصود من البعثة المحمدية انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 13723

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث سعد بن أبي وقّاص - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه. (المساله الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤/ ٣٢١٣ - وفي "الكبرى" ٥/ ٥٢٢٣. وأخرجه (خ) في "النكاح" ٥٠٧٤ (م) "النكاح" ١٤٠٢ (ت) "النكاح" ١٠٨٣ (ق) "النكاح" ١٨٤٨ (أحمد) "مسند العشرة" ١٥١٧ و ١٥٢٨ و ١٥٩١ (الدارميّ) " النكاح" ٢١٦٧ و ٢١٦٩. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان النهي عن التبتّل. (ومنها): بيان سماحة الشريعة، وسهولة تكاليفها، حيث منعت عن الاختصاء الذي هو ضرره أكثر من نفعه، حيث يمنع من الطيبات، وينقطع به النسل، وتنقص به كرامة الرجل. (ومنها): ما كان عليه الصحابة ﵃ من الحرص على الطاعة، وإزالة العقبات التي تعوقهم عنها، وإن كان فيها ألم وضرر في أبدانهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٢١٤ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, عَنْ أَشْعَثَ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ, عَنْ عَائِشَةَ, "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , نَهَى عَنِ التَّبَتُّلِ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح غير شيخه "إسماعيل بن مسعود": هو الْجَحدريّ البصريّ فإنه من أفراده. و"خالد": هو ابن الحارث الْهُجَيميّ البصريّ. و"أشعث": هو ابن عبد الملك الْحُمْرَانيّ البصريّ. و"الحسن": هو ابن أبي الحسن البصريّ. و"سعد بن هشام" بن عامر الأنصاريّ المدنيّ الثقة، استُشهد بأرض الهند، وكلهم تقدّموا غير مرّة. وقد تقدّم معنى التبتّل. والحديث صحيح بما قبله؛ فلا يضرّه عنعنة الحسن، وإن كان مدلسًا، وهو من أفراد المصنّف، أخرجه هنا-٤/ ٣٢١٥ - وفي "الكبرى" ٤/ ٥٣٢٢. وأخرجه (أحمد) في "مسند الأنصار" ٢٤٤٢٢ و ٢٤٧١١ و ٢٥٦١٩ (الدارميّ) ٢١٢٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٢١٥ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي, عَنْ قَتَادَةَ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَّهُ نَهَى عَنِ التَّبَتُّلِ". قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: قَتَادَةُ أَثْبَتُ وَأَحْفَظُ مِنْ أَشْعَثَ, وَحَدِيثُ أَشْعَثَ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ, وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ").

стр. 13724

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح و"إسحاق بن إبراهيم": هو ابن راهويه. و"أبو معاذ": هو هشام الدستوائيّ. وقوله: "قتادة أثبت الخ" أراد به أن قتادة، وإن كان مقدّمًا في الحفظ على أشعث الحمرانيّ، إلا أنه هنا يقدّم الأشعث، فيُرجّح كون الحديث من مسند عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، كما في الرواية السابقة، لا من مسند سمرة ﵁، ولعلّ ترجيحه لمتابعة حصين بن نافع له، كما يأتي بعد حديث، إلا أنه موقوف. وقد ذكر الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى- تصحيح كلا الحديثين، ونصّه في "جامعه" بعد ما أخرج حديث سمرة ﵁: حديث سمرة حديث حسنٌ. وروى الأشعث بن عبد الملك هذا الحديث عن الحسن، عن سعد بن هشام، عن عائشة، عن النبيّ ﷺ نحوه. ويقال: كلا الحديثين صحيح. انتهى (١). والحديث أخرجه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هنا -٤/ ٣٢١٤ - وفي "الكبرى" ٤/ ٥٣٢١. وأخرجه (ت) في "النكاح" ١٠٨٢ (ق) "النكاح" ١٨٤٩. وفي إسناده الحسن البصريّ، وفي سماعه من سمرة خلاف مشهور، لكن يشهد له ما سبق من حديث سعد بن أبي وقّاص ﵁ وغيرُهُ، فهو صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٢١٦ - (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى, قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ, قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ, إِنِّي رَجُلٌ شَابٌّ قَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي الْعَنَتَ وَلَا أَجِدُ طَوْلاً أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ أَفَأَخْتَصِي؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ , حَتَّى قَالَ: ثَلَاثًا, فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ , يَا أَبَا هُرَيْرَةَ, "جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ, فَاخْتَصِ عَلَى ذَلِكَ, أَوْ دَعْ». قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: الأَوْزَاعِيُّ لَمْ يَسْمَعْ هَذَا الْحَدِيثَ مِنَ الزُّهْرِيِّ, وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ, قَدْ رَوَاهُ يُونُسُ, عَنِ الزُّهْرِيِّ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يحيى بن موسى) البلخيّ كوفي الأصل الملقّب بـ"ختّ"، ثقة [١٠] ١٤٦/ ٢٣٦. ٢ - (أنس بن عياض) بن ضمرة، أبو عبد الرحمن، أو أبو ضمرة المدنيّ ثقة [٨] ٢٢/ ١٢٢٩ ٣ - (الأوزاعيّ) عبد الرحمن بن عمرو، أبو عمرو، ثقة جليل فقيه [٧] ٤٥/ ٥٦.

стр. 13725

٤ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام الحجة الثبت [٤] ١/ ١. ٥ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ١/ ١. ٦ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ﵁ أكثر من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرحِ الحديث (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي رَجُلٌ شَابٌ، قَدْ خَشِيتُ) بكسر الشين المعجمة: أي خِفْت (عَلَى نَفْسِيَ الْعَنَتَ) -بفتح المهملة، والنون، ثم مثنّاة-: هو الزنا، ويُطلق على الإثم، والفُجور، والأمر الشاقّ والمكروه. وقال ابن الأنباريّ: أصل الْعَنَتِ الشدّة (وَلَا أَجِدُ طَوْلاً) - بفتح، فسكون- أي قدرةً على المهر. وقيل: الطول الغنى. وقيل: الفضل. أفاده في "اللسان". وقال الفيّوميّ: وطال على القوم يطول طَوْلاً، من باب قال: إذا أفضل، فهو طائلٌ، وأطال بالألف، وتطوّل كذلك، وطَوْلُ الحرّة مصدرٌ في الأصل من هذا؛ لأنه إذا قدر على صداقها، وكُلْفتها، فقد طال عليها. وقال بعض الفقهاء. طَوْل الحرّة ما فَضَلَ عن كفايته، وكفَى صرفُهُ إلى مُؤَن نكاحه، وهذا موافقٌ لما قاله الأزهريّ: نزل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] فيمن لا يستطيع طَوْلاً. وقيل: الطَوْلُ الغِنَى. والأصل أن يُعَدَّى بـ"إلى"، فيقال: وجدتُ طولاً إلى الحرّة: أي سَعَةٌ من المال؛ لأنه بمعنى الْوُصلة، ثم كثُرَ الاستعمال، فقالوا: طولاً إلى الحرّة، ثم زاد الفقهاء تخفيفه، فقالوا: طول الحرّة. وقيل: الأصلُ طولاً عليها انتهى (١). وقوله (أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ) بتقدير حرف مصدريّ مجرور بحرف جرّ مقدّر، أي إلى تزوّج النساء. وحذف الحرف المصدريّ مع رفع الفعل قياسيّ، على الراجح، كما قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ الآية [الروم: ٢٤]، وأما حذفه، مع نصب الفعل، فشاذّ، كما قال ابن مالك في "الخلاصة": وَشَذَّ حَذْفُ "أَنْ" وَنَصبٌ فِي سِوَى … مَا مَرَّ فَاقْبَلْ مِنْهُ مَا عَدْلٌ رَوَى
следующие страницы →