← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 13721–13760 · переход к 13726.

стр. 13721

٦ - (سَعدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) اسم أبيه مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب الزهريّ، أبو إسحاق، أحد العشرة المبشّرين بالجنّة - رضي اللَّه تعالى عنهم -، مات سنة (٥٥) على المشهور. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح، غير شيخه، فتفرد به هو وأبو داود، والترمذيّ. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن المسيب من الفقهاء السبعة. (ومنها): أن صحابيه أول من روى بسهم لي سبيل اللَّه، واحد العشرة المبشّرين بالجنة، وآخر من مات منهم - رضي اللَّه تعالى عنهم - مات سنة (٥٥) على الأصح. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: "لَقَد رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى عُثمَانَ) بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حُذافة بن جُمَح الجُمَحيّ، قال ابن إسحاق: أسلم بعد ثلاثة عشر رجلاً، وهاجر إلى الحبشة، هو وابنه السائب الهجرة الأولى في جماعة، فلما بلغهم أن قريشًا أسلمت رجعوا، فدخل عثمان في جوار الوليد بن المغيرة، ثم ذكر ردّه جواره، ورضاه بما عليه النبيّ ﷺ ، وذكر قصّة مع لبيد بن ربيعة حين أنشد: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ .... فقال عثمان بن مظعون: صدقت، فقال لبيد: وَكُلُّ نَعِيم لَا مَحَالَةَ زَائِلُ فقال عثمان: كذبت، نعيم الجنة لا يزول، فقام سَفِيهٌ منهم إلى عثمان، فَلطم عينيه، فاخضرّت. توفّي (١) ﵁ بعد شهوده بدرًا في السنة الثانية من الهجرة، وهو أول من مات بالمدينة من المهاجرين، وأول من دُفن بالبقيع منهم. وروى الترمذيّ من طريق القاسم، عن عائشة، قالت: قبّل النبيّ ﷺ -عثمان بن مظعون، وهو ميت، وهو يبكي، وعيناه تذرفان، ولما توفّي إبراهيم ابن النبيّ ﷺ قال: "الحق بسلفنا الصالح عثمان بن مظعون" (٢). وفي رواية مسلم من طريق عُقيل، عن ابن شهاب بلفظ: "أراد عثمان بن مظعون أن يتبتّل، فنهاه رسول اللَّه ﷺ "، فعلم من هذا أن معنى قوله: "ردّ على عثمان" أي لم يأذن له، بل نهاه. وأخرج الطبرانيّ من حديث عثمان بن مظعون نفسه: "أنه قال: يا رسول

стр. 13722

اللَّه إني رجلٌ يشُقّ عليّ العزوبة، فأذن لي في الخصاء، قال: لا، ولكن عليك بالصيام … " الحديث. ومن طريق سعيد بن العاص: "أن عثمان قال: يا رسول اللَّه ائذن لي في الاختصاء، فقال: إن اللَّه قد أبدلنا بالرهبانية الحنيفيّةَ السمحة". فيحتمل أن يكون الذي طلبه عثمان هو الاختصاء حقيقةً، فعبّر عنه الراوي بالتبتّل؛ لأنه ينشأ عنه، فلذلك قال: "ولو أذن له لاختصينا". ويحتمل عكسه، وهو أن المراد بقول سعد: "ولو أذن لاختصينا" لفعلنا فعل من يختصي، وهو الانقطاع عن النساء. قال الطبريّ: التبتّل الذي أراده عثمان بن مظعون تحريم النساء، والطيب، وكلّ ما يُلتذّ به، فلهذا أُنزل في حقه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٨٧]. (التَبَتُّلَ) أي الانقطاع عن النساء، وترك النكاح انقطاعًا إلى عبادة اللَّه تعالى (وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَينَا) الاختصاء من خصيت الفحل: إذا سللت خصيته، أي أخرجتها، واختصيت: إذا فعلت ذلك بنفسك. قال الطيبيّ: كان الظاهر أن يقول: ولو أذن له لتبتلنا، لكنه عدل عن هذا الظاهر إلى قوله: "لاختصينا" لإرادة المبالغة، أي لبالغنا في التبتّل حتى يفضي بنا الأمر إلى الاختصاء، ولم يُرد به حقيقة الاختصاء؛ لأنه حرام. وقيل: بل على ظاهره، وكان ذلك قبل النهي عن الاختصاء، ويؤيّده توارد استئذان جماعة من الصحابة النبيّ ﷺ في ذلك، كأبي هريرة، وابن مسعود، وغيرهما، وإنما كان التعبير بالخصاء أبلغ من التعبير بالتبتّل؛ لأن وجود الآلة يقتضي استمرار وجود الشهوة، ووجود الشهوة ينافي المراد من التبتّل، فيتعيّن الخصاء طريقا إلى تحصيل المطلوب، وغايته أن فيه ألمًا عظيمًا في العاجل، يُغتفر في جنب ما يندفع به في الآجل، فهو كقطع الإِصبع إذا وقعت في اليد الآكلة؛ صيانة لبقيّة اليد، وليس الهلاك بالخصاء محققًا، بل هو نادر، ويشهد له كثرة وجوده في البهائم مع بقائها، وعلى هذا فلعلّ الراوي عبّر بالخصاء عن الْجَبّ؛ لأنه هو الذي يُحصّل المقصود. والحكمة في منعهم من الاختصاء؛ إرادة تكثير النسل؛ ليستمرّ جهاد الكفّار، وإلا فلو أذن في ذلك لأوشك تواردهم عليه، فينقطع النسل، فيقلّ المسلمون باقطاعه، ويكثر الكفّار، فهو خلاف المقصود من البعثة المحمدية انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 13723

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث سعد بن أبي وقّاص - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه. (المساله الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤/ ٣٢١٣ - وفي "الكبرى" ٥/ ٥٢٢٣. وأخرجه (خ) في "النكاح" ٥٠٧٤ (م) "النكاح" ١٤٠٢ (ت) "النكاح" ١٠٨٣ (ق) "النكاح" ١٨٤٨ (أحمد) "مسند العشرة" ١٥١٧ و ١٥٢٨ و ١٥٩١ (الدارميّ) " النكاح" ٢١٦٧ و ٢١٦٩. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان النهي عن التبتّل. (ومنها): بيان سماحة الشريعة، وسهولة تكاليفها، حيث منعت عن الاختصاء الذي هو ضرره أكثر من نفعه، حيث يمنع من الطيبات، وينقطع به النسل، وتنقص به كرامة الرجل. (ومنها): ما كان عليه الصحابة ﵃ من الحرص على الطاعة، وإزالة العقبات التي تعوقهم عنها، وإن كان فيها ألم وضرر في أبدانهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٢١٤ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, عَنْ أَشْعَثَ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ, عَنْ عَائِشَةَ, "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , نَهَى عَنِ التَّبَتُّلِ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح غير شيخه "إسماعيل بن مسعود": هو الْجَحدريّ البصريّ فإنه من أفراده. و"خالد": هو ابن الحارث الْهُجَيميّ البصريّ. و"أشعث": هو ابن عبد الملك الْحُمْرَانيّ البصريّ. و"الحسن": هو ابن أبي الحسن البصريّ. و"سعد بن هشام" بن عامر الأنصاريّ المدنيّ الثقة، استُشهد بأرض الهند، وكلهم تقدّموا غير مرّة. وقد تقدّم معنى التبتّل. والحديث صحيح بما قبله؛ فلا يضرّه عنعنة الحسن، وإن كان مدلسًا، وهو من أفراد المصنّف، أخرجه هنا-٤/ ٣٢١٥ - وفي "الكبرى" ٤/ ٥٣٢٢. وأخرجه (أحمد) في "مسند الأنصار" ٢٤٤٢٢ و ٢٤٧١١ و ٢٥٦١٩ (الدارميّ) ٢١٢٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٢١٥ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي, عَنْ قَتَادَةَ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَّهُ نَهَى عَنِ التَّبَتُّلِ". قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: قَتَادَةُ أَثْبَتُ وَأَحْفَظُ مِنْ أَشْعَثَ, وَحَدِيثُ أَشْعَثَ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ, وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ").

стр. 13724

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح و"إسحاق بن إبراهيم": هو ابن راهويه. و"أبو معاذ": هو هشام الدستوائيّ. وقوله: "قتادة أثبت الخ" أراد به أن قتادة، وإن كان مقدّمًا في الحفظ على أشعث الحمرانيّ، إلا أنه هنا يقدّم الأشعث، فيُرجّح كون الحديث من مسند عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، كما في الرواية السابقة، لا من مسند سمرة ﵁، ولعلّ ترجيحه لمتابعة حصين بن نافع له، كما يأتي بعد حديث، إلا أنه موقوف. وقد ذكر الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى- تصحيح كلا الحديثين، ونصّه في "جامعه" بعد ما أخرج حديث سمرة ﵁: حديث سمرة حديث حسنٌ. وروى الأشعث بن عبد الملك هذا الحديث عن الحسن، عن سعد بن هشام، عن عائشة، عن النبيّ ﷺ نحوه. ويقال: كلا الحديثين صحيح. انتهى (١). والحديث أخرجه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هنا -٤/ ٣٢١٤ - وفي "الكبرى" ٤/ ٥٣٢١. وأخرجه (ت) في "النكاح" ١٠٨٢ (ق) "النكاح" ١٨٤٩. وفي إسناده الحسن البصريّ، وفي سماعه من سمرة خلاف مشهور، لكن يشهد له ما سبق من حديث سعد بن أبي وقّاص ﵁ وغيرُهُ، فهو صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٢١٦ - (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى, قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ, قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ, إِنِّي رَجُلٌ شَابٌّ قَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي الْعَنَتَ وَلَا أَجِدُ طَوْلاً أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ أَفَأَخْتَصِي؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ , حَتَّى قَالَ: ثَلَاثًا, فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ , يَا أَبَا هُرَيْرَةَ, "جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ, فَاخْتَصِ عَلَى ذَلِكَ, أَوْ دَعْ». قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: الأَوْزَاعِيُّ لَمْ يَسْمَعْ هَذَا الْحَدِيثَ مِنَ الزُّهْرِيِّ, وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ, قَدْ رَوَاهُ يُونُسُ, عَنِ الزُّهْرِيِّ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يحيى بن موسى) البلخيّ كوفي الأصل الملقّب بـ"ختّ"، ثقة [١٠] ١٤٦/ ٢٣٦. ٢ - (أنس بن عياض) بن ضمرة، أبو عبد الرحمن، أو أبو ضمرة المدنيّ ثقة [٨] ٢٢/ ١٢٢٩ ٣ - (الأوزاعيّ) عبد الرحمن بن عمرو، أبو عمرو، ثقة جليل فقيه [٧] ٤٥/ ٥٦.

стр. 13725

٤ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام الحجة الثبت [٤] ١/ ١. ٥ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ١/ ١. ٦ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ﵁ أكثر من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرحِ الحديث (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي رَجُلٌ شَابٌ، قَدْ خَشِيتُ) بكسر الشين المعجمة: أي خِفْت (عَلَى نَفْسِيَ الْعَنَتَ) -بفتح المهملة، والنون، ثم مثنّاة-: هو الزنا، ويُطلق على الإثم، والفُجور، والأمر الشاقّ والمكروه. وقال ابن الأنباريّ: أصل الْعَنَتِ الشدّة (وَلَا أَجِدُ طَوْلاً) - بفتح، فسكون- أي قدرةً على المهر. وقيل: الطول الغنى. وقيل: الفضل. أفاده في "اللسان". وقال الفيّوميّ: وطال على القوم يطول طَوْلاً، من باب قال: إذا أفضل، فهو طائلٌ، وأطال بالألف، وتطوّل كذلك، وطَوْلُ الحرّة مصدرٌ في الأصل من هذا؛ لأنه إذا قدر على صداقها، وكُلْفتها، فقد طال عليها. وقال بعض الفقهاء. طَوْل الحرّة ما فَضَلَ عن كفايته، وكفَى صرفُهُ إلى مُؤَن نكاحه، وهذا موافقٌ لما قاله الأزهريّ: نزل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] فيمن لا يستطيع طَوْلاً. وقيل: الطَوْلُ الغِنَى. والأصل أن يُعَدَّى بـ"إلى"، فيقال: وجدتُ طولاً إلى الحرّة: أي سَعَةٌ من المال؛ لأنه بمعنى الْوُصلة، ثم كثُرَ الاستعمال، فقالوا: طولاً إلى الحرّة، ثم زاد الفقهاء تخفيفه، فقالوا: طول الحرّة. وقيل: الأصلُ طولاً عليها انتهى (١). وقوله (أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ) بتقدير حرف مصدريّ مجرور بحرف جرّ مقدّر، أي إلى تزوّج النساء. وحذف الحرف المصدريّ مع رفع الفعل قياسيّ، على الراجح، كما قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ الآية [الروم: ٢٤]، وأما حذفه، مع نصب الفعل، فشاذّ، كما قال ابن مالك في "الخلاصة": وَشَذَّ حَذْفُ "أَنْ" وَنَصبٌ فِي سِوَى … مَا مَرَّ فَاقْبَلْ مِنْهُ مَا عَدْلٌ رَوَى

стр. 13726

(أَفَاَخْتَصِي؟) أي أستخرج الْخُصْيَتين (فَأَعْرَضَ عَنْهُ) أي عن أبي هريرة عبّر عنه باسم الغيبة؛ لأن الكلام في محلّ إعراض النبيّ ﷺ عنه، ومثل هذا المقام يناسب الغيبة، فافهم. قاله السنديّ (النَّبِيُّ ﷺ ، حَتَّى قَالَ: ثَلَاثًا) أي حتى ردّد الكلام أبو هريرة ثلاث مرّات (فَقَالَ: النَّبِيُّ ﷺ ، يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، "جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ) أي جَفَّ القلم بالفراغ من كتابة ما هو كائنٌ في حقك، أي قد كُتِبَ عَليك، وقُضي ما تلقاه في حياتك، والمقدور لا يتبدّل بالأسباب، فلا ينبغي ارتكاب الأسباب المحرّمة لأجله، نعم إذا شرع اللَّه تعالى سببًا، أو أوجبه فالمباشرة به شيء آخر. قاله السنديّ. وقال في "الفتح": قوله: " جفّ القلم الخ": أي نفذ المقدور بما كُتب في اللوح المحفوظ، فبقي القلم الذي كُتب به جافًّا، لا مِداد فيه؛ لفراغ ما كتب به. قال عياض: كتابة اللَّه، ولوحه، وقلمه من غيب علمه الذي نؤمن به، ونكل علمه إليه انتهى. (فَاخْتَصِ عَلَى ذَلِكَ, أَوْ دَعْ) ولفظ البخاريّ: "أو ذَر"، ومعناهما واحدٌ، أي اترك الاختصاء. وفي رواية الطبرانيّ، وحكاها الحميديّ في "الجمع"، ووقعت في "المصابيح": "فاقتَصِرْ على ذلك، أو ذَرْ" قال الطيبيّ: معناه اقتصر على الذي أمرتك به، أو اتركه، وافعل ما ذكرتَ من الخصاء انتهى. وأما اللفظ الذي وقع في الأصل، فمعناه: فافعل ما ذكرتَ، أو اتركه، واتبع ما أمرتك به. وعلى الروايتين، فليس الأمر فيه لطلب الفعل، بل هو للتهديد، وهو كقوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ الآية [الكهف: ٢٩]. والمعنى إن فعلتَ، أو لم تفعل فلا بدّ من نفوذ القدر، وليس فيه تعرّضٌ لحكم الخصاء. ومُحَصَّلُ الجواب أن جميع الأمور بتقدير اللَّه تعالى في الأزل، فالخصاء، وتركه سواء، فإن الذي قدّر لا بدّ أن يقع. وقوله: "على ذلك" متعلّق بمقدّر، أي اختصِ حال استعلائك على العلم بأن كلّ شيء بقضاء اللَّه وقدره، وليس إذنًا في الخصاء، بل فيه إشارة إلى النهي عن ذلك، كأنه قال: إذا علمت أن كلّ شيء بقضاء اللَّه، فلا فائدة في الاختصاء. وقد تقدّم أنه ﷺ نهى عثمان بن مظعون لَمّا استأذنه في ذلك، وكانت وفاته قبل هجرة أبي هريرة بمدّة. وأخرج الطبرانيّ من حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: شكا رجلٌ إلى

стр. 13727

رسول اللَّه ﷺ العزوبة، فقال: ألا أختصى؟، قال: "ليس منّا من خُصي، أو اختصى" (١). [فإن قيل]: لم لم يُؤمر أبو هريرة بالصيام لكسر شهوته، كما أُمر غيره؟. [أجيب]: بأن أبا هريرة كان الغالب من حاله ملازمة الصيام؛ لأنه كان من أهل الصفّة. قال الحافظ: ويحتمل أن يكون أبو هريرة سمع: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة، فليتزوّج … " الحديث، لكنه إنما سأل عن ذلك في حال الغزو كما وقع لابن مسعود، وكانوا في حال الغزو يؤثرون الفطر على الصيام للتقوّي على القتال، فأدّاه اجتهاده إلى حسم مادة الشهوة بالاختصاء كما ظهر لعثمان، فمنعه ﷺ من ذلك، وإنما لم يرشده إلى المتعة التي رخص فيها لغيره لأنه ذكر أنه لا يجد شيئًا، ومن لم يجد شيئًا أصلاً لا ثوبًا، ولا غيره، فكيف يستمتع، والتي يستمتع بها لا بدّ لها من شيء. انتهى. (قَالَ أَبو عَبْد الرَّحْمَنِ) النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى- (الْأوْزَاعِيُّ لَمْ يَسْمَعْ هَذَا الْحَدِيثَ مِنَ الزُّهْرِيّ، وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، قَدْ رَوَاهُ يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيّ) يعني أن هذا الحديث منقطع من طريق الأوزاعيّ؛ لأنه لم يسمعه من الزهريّ، ولكنه صحيح؛ لأنه قد رواه يونس بن يزيد الأيليّ، عن الزهريّ، وروايته هي التي علّقها البخاريّ في "صحيحه"، كما سيأتي قريبًا. فقوله: "قد رواه يونس الخ" جمدة تعليليّة لقوله: "صحيح". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، كما أشار إليه المصنف في كلامه المذكور آنفًا. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

стр. 13728

أخرجه هنا-٤/ ٣٢١٦ - وأخرجه (خ) تعليقًا في "النكاح" ٥٠٧٦. بقوله: "وقال أصبغ: أخبرني ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، قال: قلت: يا رسول اللَّه إني رجل شابّ … " الحديث. قال في "الفتح": قوله: وقال أصبغ" كذا في جميع الروايات التي وقفت عليها، وكلام أبي نعيم في "المستخرج" يُشعر بأنه قال فيه حديثًا. وقد وصله جعفرٌ الفريابيّ في "كتاب القدر"، والجوزقيّ في "الجمع بين الصحيحين"، والإسماعيليّ من طرق عن أصبغ. وأخرجه أبو نُعيم من طريق حرملة، عن ابن وهب. وذكر مغلطاي أنه وقع عند الطبريّ: رواه البخاريّ عن أصبغ بن محمد، وهو غلطٌ، هو أصبغ بن الفرج، ليس في آبائه محمد انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان النهي عن التبتّل، ووجه دلالته عليه، أن الاختصاء يقطع الشهوة إلى النكاح، وهذا هو معنى التبتّل، إذ هو الانقطاع عن النكاح، وما يتبعه من الملاذّ إلى العبادة. (ومنها): أن القدر إذا نفذ لا تنفع فيه الحيل. (ومنها): مشروعيّة شكوى الشخص ما يقع له للكبير، ولو كان مما يُستهجن، ويُستقبح. (ومنها): أن من لم يجد الصداق لا يتعرّض للتزويج. (ومنها): جواز تكرار الشكوى إلى ثلاث. (ومنها): أن الجواب لمن لا يقتنع يكون بالسكوت. (ومنها): جواز السكوت عن الجواب لمن يُظن به أنه يفهم المراد من مجرّد السكوت. (ومنها): استحباب تقديم طالب الحاجة بين يدي حاجته عذره في السؤال. (ومنها): أن الأسباب إذا لم تصادف القدر لا تُجدي. (ومنها): ما قاله الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة -رحمه اللَّه تعالى-: يؤخذ منه أنه مهما أمكن المكلّفَ فعلُ شيء من الأسباب المشروعة لا يتوكّل إلا بعد عملها؛ لئلا يُخالف الحكمة، فإذا لم يَقدِر عليه وطّن نفسه على الرضا بما قَدّر عليه مولاه، ولا يتكلّف من الأسباب ما لا طاقة به له. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٢١٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَنْجِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ, مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ نَافِعٍ الْمَازِنِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ, عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ, أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ, قَالَ: قُلْتُ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكِ عَنِ التَّبَتُّلِ؟ فَمَا تَرَيْنَ فِيهِ؟ , قَالَتْ: فَلَا تَفْعَلْ, أَمَا سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ

стр. 13729

﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨] , فَلَا تَتَبَتَّلْ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن عبد اللَّه) بن بكر بن سليمان الْخُزاعيّ، أبو الحسن المقدسيّ، صدوق [١٠] ٤٣/ ١٧٢٤ من أفراد المصنّف. [تنبيه]: قوله: "الْخَلَنجي" -بفتح المعجمة، واللام، وسكون النون، بعدها جيمٌ- قال في "القاموس"، وشرحه "التاج": الْخَلَنْجُ كَسَمَنْد شجرٌ، فارسي معرّبٌ، يُتَّخَذ من خشبه الأواني. وفي "اللسان": قيل: هو كلّ جَفْنَة، وصَحْفَة، وآنية صُنعت من خشب ذي طرائق، وأساريع موشّاة انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لم أجد من ذكر سبب نسبته إلى الخلنج، ولعله كان يعمل الأواني، المتخذة من الْخَلَنج، أو يبيعها. واللَّه تعالى أعلم. ٢ - (أبو سعيد مولى بني هاشم) هو: عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عُبيد البصريّ، نزيل مكة، لقبه جَرْدَقَة -بفتح الجيم، والدال، بينهما راء ساكنة، ثم قافٌ- صدوق ربما أخطأ [٩] ٤٣/ ١٧٢٤. ٣ - (حصين بن نافع) المازنيّ، ويقال: التميميّ، أبو نصر البصريّ الورّاق، لا بأس به [٦] ٤٧/ ١٧٣١. ٤ - (الحسن) بن أبي الحسن يسار البصريّ الإمام الثقة الحجة، لكنه يدلس [٣] ٣٢/ ٣٦. ٥ - (سعد بن هشام) بن عامر الأنصاريّ المدنيّ، ثقة [٣] ٦٧/ ١٣١٥. ٦ - (عائشة) - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى- (٢). (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ) الأنصاريّ المدنيّ (أنَّهُ دَخَلَ عَلَى أُم الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه

стр. 13730

تعالى عنها - (قَالَ: قُلْتُ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكِ عَنِ التَّبَتُلِ؟) أي الانقطاع عن النكاح، وملاذّ الدنيا إلى الاشتغال بالعبادة (فَمَا تَرَيْنَ فيهِ؟) أي أيَّ حكم تعتقدين، وتذهبين إليه في التبتّل؟، (قَالَتْ: فَلَا تَفْعَلْ) أي لا تتبتّل، بل انكِحْ، اقتداء بالمرسلين، الذين أُمر النبيّ ﷺ أن يقتدي بهم. وفي رواية أحمد من طريق المبارك بن فَضَالة، عن الحسن عن سعد بن هشام، قال: أتيت عائشة، فقلت: يا أم المؤمنين، إني أريد أن أتبتل، فقالت: لا تفعل، ألم تقرأ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، قد تزوج رسول اللَّه ﷺ ، وولد له". (أَمَا) أداة استفتاح وتنبيه، بمنزلة "ألا" (سَمِعْتَ اللَّه يَقُولُ: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨]) قال الحافظ ابن كثير -رحمه اللَّه تعالى-: يقول تعالى: وكما أرسلناك يا محمد رسولاً بشرًا كذلك قد بعثنا المرسلين قبلك بشرًا، يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، ويأتون الزوجات، ويولد لهم، وجلعنا لهم أزواجا وذرية، وقد قال تعالى لأشرف الرسل وخاتمهم ﷺ : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠]، وفي "الصحيحين" أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أما أنا فأصوم، وأفطر، وأقوم، وأنام، وآكل اللحم، وأتزوّج النساء، فمن رغب عن سنتي، فليس منّي (١) " انتهى (٢). وقولها (فَلَا تَتَبَتَّلْ) تأكيد لقولها: "فلا تفعل". والمعنى: لا تتبتّل؛ لأنه مخالف لهدي رسول اللَّه ﷺ الذي أمره اللَّه تعالى بالاقتداء بالأنبياء والرسل الذين قبله، حيث قال له: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ الآية [الأنعام: ٩٠]، وكان من هديهم أن ينكحوا، ويولد لهم أولاد، كما بينته الآية المذكورة، فإذا تبتلت خالفت هذا الهدي. وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" مطوّلاً، فقال: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، قال: حدثنا حصين بن نافع المازني -قال أبي (٣): حصين هذا صالح الحديث- قال: حدثنا الحسن، عن سعد بن هشام، أنه دخل على أم المؤمنين عائشة، فسألها عن صلاة رسول اللَّه ﷺ ، قالت: كان يصلي من الليل ثماني ركعات، وأوتر بالتاسعة، ويصلي ركعتين، وهو جالس، وذكرت الوضوء، أنه كان يقوم إلى صلاته، فيأمر بطَهُوره، وسواكه، فلما بَدَّن رسولُ اللَّه ﷺ ، صلى ست ركعات، وأوتر بالسابعة، وصلى ركعتين، وهو جالس، قالت: فلم يزل على ذلك،

стр. 13731

حتى قُبِض، قلت: إني أريد أن أسألك عن التبتل؟ فما ترين فيه؟ قالت: فلا تفعل، أما سمعت اللَّه يقول: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾، فلا تبتل، فخرج، وقد فَقِهَ، فقدم البصرة، فلم يَلْبَث إلا يسيرا، حتى خرج إلى أرض مَكْرَان (١)، فقُتل هناك على أفضل عمله. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا موقوفٌ صحيح، إن سلم من عنعنة الحسن، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-٤/ ٣٢١٧ - وفي "الكبرى" ٤/ ٥٣٢٥. وأخرجه أحمد بالرقم المذكور. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٢١٨ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَفَّانُ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ, عَنْ ثَابِتٍ, عَنْ أَنَسٍ, أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ, وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا آكُلُ اللَّحْمَ, وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ, وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَصُومُ, فَلَا أُفْطِرُ, فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ , فَحَمِدَ اللَّهَ, وَأَثْنَى عَلَيْهِ, ثُمَّ قَالَ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ, يَقُولُونَ: كَذَا وَكَذَا, لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ, وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ, وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ, فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت فقيه [١٠] ٢/ ٢. ٢ - (عفّان) بن مسلم الصفّار الحافظ البصريّ، ثقة ثبت، من كبار [١٠] ٢١/ ٤٢٧. ٣ - (حماد بن سلمة) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقة عابد، تغير حفظه بآخره، من كبار [٨] ١٨١/ ٢٨٨. ٤ - (ثابت) بن أسلم البنانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة عابد [٤] ٤٥/ ٥٣. ٥ - (أنس) بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم

стр. 13732

رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخه، فمروزيّ، ثم نيسابوريّ. (ومنها): أن فيه حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت، وثابت ألزم الناس لأنس ﵁، لزمه أربعين سنة. (ومنها): أن فيه أنسًا ﵁ من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، مات سنة (٩٢) أو (٩٣) وقد جاوز مائة سنة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَنسٍ) بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ) وفي رواية البخاريّ من طريق حميد الطويل، عن أنس: "جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبيّ ﷺ ، يسألون عن عبادة النبيّ ﷺ ، فلما أخبروا كأنهم تقالُّوها (١)، فقالوا: وأين نحن من النبيّ ﷺ ، قد غُفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر (٢) … " الحديث. قال في "الفتح": ولا منافاة بين الروايتين، فالرهط من ثلاثة إلى عشرة، والنفر من ثلاثة إلى تسعة، وكلّ منهما اسم جمع، لا واحد له من لفظه. ووقع في مرسل سعيد بن المسيّب عند عبد الرزّاق أن الثلاثة المذكورين هو: عليّ بن أبي طالب، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وعثمان بن مظعون. وعند ابن مردويه من طريق الحسن العدنيّ (٣): "كان عليّ في أناس ممن أرادوا أن يحرموا الشهوات، فنزلت آية المائدة". ووقع في "أسباب الواحديّ" بغير إسناد: "أن رسول اللَّه ﷺ ذكَّرَ الناسَ، وخوّفهم، فاجتمع عشرة من الصحابة -وهم: أبو بكر، وعمر، وعليّ، وابن مسعود، وأبو ذرّ، وسالم مولى أبي حُذيفة، والمقداد، وسلمان، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، ومعقل بن مُقَرِّن- في بيت عثمان بن مظعون، فاتفقوا على أن يصوموا النهار، ويقوموا الليل، ولا يناموا على الفرش، ولا يأكلوا اللحم، ولا يقربوا النساء، ويَجُبُّوا مذاكيرهم". فإن كان هذا محفوظًا احتمل أن يكون الرهط الثلاثة هو الذين باشروا السؤال، فنُسب ذلك إليهم بخصوصهم تارة، ونسب للجميع لاشتراكهم في طلبه. ويؤيّد أنهم كانوا أكثر من ثلاثة في الجملة ما روى مسلم من طريق زُرارة بن أوفى،

стр. 13733

عن سعد بن هشام، أنه قدم المدينة، فأراد أن يبيع عقاره، فيجعله في سبيل اللَّه، ويجاهد الروم حتى يموت، فلقي ناسًا بالمدينة، فنهوه عن ذلك، وأخبروه أن رهطًا ستةً أرادوا ذلك في حياة رسول اللَّه ﷺ ، فنهاهم، فلما حدّثوه ذلك راجع امرأته، وكان قد طلّقها"، يعني بسبب ذلك. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: لكن في عَدّ عبد اللَّه بن عمرو معهم نظرٌ؛ لأن عثمان ابن مظعون ﵁ مات قبل أن يهاجر عبد اللَّه فيما أحسب انتهى (١). (قَالَ: بَعْضُهُمْ: لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا آكُلُ اللَّحْمَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أنامُ عَلَى فِرَاشٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَصُومُ، فَلَا أُفْطِرُ) ولفظ البخاريّ: "قال أحدهم: أما أنا فأنا أصليّ الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر، ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء، فلا أتزوّج أبدًا … " الحديث. قال أبو العباس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: فهؤلاء القوم حصل عندهم أن الانقطاع عن ملاذّ الدنيا، من النساء، والطيّب من الطعام، والنوم، والتفرّغ لاستغراق الأزمان بالعبادات أولى، فلما سألوا عن عمل رسول اللَّه ﷺ ، وعبادته لم يُدركوا من عبادته ما وقع لهم أَبْدَوْا فارقًا بينهم وبين النبيّ ﷺ بأنه مغفورٌ له، ثم أخبَرَ كلُّ واحد منهم بما عزم على فعله، فلما بلغ ذلك النبيّ ﷺ أجابهم بأن ألغى الفارق بقوله: "إني أخشاكم للَّه". وتقرير ذلك: إني وإن كنت مغفورًا لي، فخشية اللَّه، وخوفه يَحملني على الاجتهاد، وملازمة العبادة، لكنّ طريقَ العبادة ما أنا عليه، فمن رغب عنه، وتركه، فليس على طريقتي في العبادة. ويوضّح هذا المعنى، ويُبيّنه أن عبادة اللَّه إنما هي امتثال أوامره الواجبة والمندوبة، واجتناب نواهيه المحظورة والمكروهة، وما من زمان من الأزمان إلا وتتوجّه على المكلّف فيه أوامر، أو نواهٍ، فمن قام بوظيفة كلِّ وقتٍ فقد أدّى العبادة، وقام بها، فإذا قام بالليل مصلّيًا، فقد قام بوظيفة ذلك الوقت، فإذا احتاج إلى النوم لدفع ألم السهر، ولتقوية النفس على العبادة، ولإزالة تشويش مدافعة النوم المشوِّشة للقراءة، أو لإعطاء الزوجة حقّها من المضاجعة كان نومه ذلك عبادةً كصلاته، وقد بين هذا المعنى سلمانُ الفارسي لأبي الدرداء بقوله: "لكني أقوم، وأنام، وأحتسب في نومتى ما أحتسبة في قومتي"، وكذلك القول في الصيام، وأما التزويج فيجري فيه مثل ذلك، وزيادة نيّة تحصين الفرج، والعين، وسلامة الدين، وتكثير نسل المسلمين، وبهذه القصود

стр. 13734

الصحيحة تتحقّق فيه العبادات العظيمة، ولذلك اختلف العلماء في أيّ الأمرين أفضل، التزويج، أم التفرّغ منه للعبادة؟، كما هو معروف في مسائل الخلاف. وعلى الجملة فما من شيء من المباحات المستلذّات وغيرها إلا ويمكن لمن شرح اللَّه صدره أن يصرفه إلى باب العبادات والطاعات بإخطار معانيها بباله، وقصد نيّة التقرب بها، كما قد نصّ عليه المشايخ في كتبهم، كالحارث المحاسبيّ وغيره. ومن فَهِمَ هذا المعنى، وحَصّله تحقّق أن النبيّ ﷺ قد حلّ من العبادات أعلاها؛ لانشراح صدره، وحضور قصده، ولعله بحدود اللَّه، وبما يُقَرّب منه. ولما لم ينكشف هذا المعنى للنفر السائلين عن عبادته، استقلّوها بناء منهم على أن العبادة إنما هي استفراغ الوسع في الصلاة، والصوم، والانقطاع عن الملاذّ، وهيهات بينهما ما بين الثريّا والثَّرَى، وسُهيل والسُّها (١). وعند الوقوف على ما أوضحناه من هذا الحديث يتحقّق أن فيه ردًّا على غلاة المتزهّدين، وعلى أهل البطالة من المتصوّفين؛ إذ كلّ فريق منهم قد عَدَل عن طريقه، وحاد عن تحقيقه انتهى كلام القرطبيّ (٢). (فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "مَا بَالُ أَقْوَامٍ) "ما" استفهاميّة، والاستفهام للإنكار، أي ما شأنهم، وحالهم؟ (يَقُولُونَ: كَذَا وَكذَا) الجملة في محلّ نصب على الحال. وفي رواية البخاريّ: "فجاء إليهم رسول اللَّه ﷺ ، فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ ". ويُجمع بين الروايتين بأنه منع من ذلك عمومًا جهرًا، مع عدم تعيينهم، وخُصوصًا فيما بينه وبينهم رفقًا بهم، وسترًا لهم. (لَكِنِّي) استدراكٌ من شيء محذوف، دلّ عليه السياق، أي أنا وأنتم بالنسبة إلى العبوديّة سواء، لكن أنا أعمل كذا (أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي) المراد بالسنة الطريقة، لا التي تقابل الفرض، والرغبة عن الشيء الإعراض عنه إلى غيره. والمراد مَن ترك طريقتي، وأخذ بطريقة غيري، فليس منّي، ولمح بذلك إلى طريقة الرهبانيّة، فإنهم الذين ابتدعوا التشديد، كما وصفهم اللَّه تعالى به، وقد عابهم بأنهم ما وفوا بما التزموه، وطريقة النبيّ ﷺ الحنيفيّة السمحة، فيُفطر ليتقوّى على الصوم، وينام ليتقوّى على القيام، ويتزوّج لكسر الشهوة، وإعفاف النفس،

стр. 13735

وتكثير النسل. وقوله (فَلَيْسَ مِنِّي) إن كانت الرغبة بضرب من التأويل، يُعذر صاحبه فيه، فمعنى "فليس مني" أي على طريقتي، ولا يلزم أن يخرج عن الملّة، وإن كان إعراضًا، وتنطّعًا، يُفضي أرجحية عمله، فمعنى "فليس مني": على ملّتي؛ لأن اعتقاد ذلك نوعٌ من الكفر. قاله في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٤/ ٣٢١٨ - وفي "الكبرى" ٤/ ٥٣٢٤. وأخرجه (خ) في "النكاح" ٥٠٦٣ (م) في "النكاح" ١٤٠١ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١٣١٢٢ و ١٣٣١٦ و ١٣٦٣١. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان النهي عن التبتّل. (ومنها): أن فيه دلالةً على فضل النكاح، والترغيب فيه. (ومنها): ما كان عليه الصحابة ﵃ من الحرص على التأسّي بالنبيّ ﷺ ، بحيث إنهم يبحثون عما يعمل به إذا خلا في بيته، حتى لا يفوتهم الاتباع به في سنته التي يعمل بها في حال خلوته عنهم. (ومنها): أن فيه تتبّع أحوال الأكابر للتأسّي بأفعالهم، وأنه إذا تعذّرت معرفته من الرجال جاز استكشافه من النساء. (ومنها): أن من عزم على عمل برّ، واحتاج إلى إظهاره حيث يأمن الرياء لم يكن ذلك ممنوعًا. (ومنها): تقديم الحمد، والثناء على اللَّه تعالى عند إلقاء مسائل العلم، وبيان الأحكام للمكلّفين، وإزالة الشبهة عن المجتهدين. (ومنها): أن المباحات قد تنقلب بالقصد إلى الكراهة، والاستحباب. (ومنها): ما قاله الطبريّ: إن فيه الردّ على من منع استعمال الحلال من الأطعمة والملابس، وآثر غليظ الثياب، وخشن المأكل. قال عياض: هذا مما اختلف فيه السلف، فمنهم من نحا إلى ما قاله الطبريّ، ومنهم من عكس، واحتجّ بقوله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ الآية: [الأحقاف: ٢٠]، قال: والحقّ أن هذه الآية في الكفّار، وقد أخذ النبيّ ﷺ بالأمرين.

стр. 13736

قال الحافظ: لا يدلّ ذلك لأحد الفريقين، إن كان المراد المداومة على إحدى الصفتين، والحقّ أن ملازمة استعمال الطيّبات تُفضي إلى الترفّه، والبطر، ولا يأمن من الوقوع في الشبهات؛ لأن من اعتاد ذلك قد لا يجده أحيانًا، فلا يستطيع الانتقال عنه، فيقع في المحظور، كما أن منع تناول ذلك أحيانًا يفضي إلى التنطّع المنهيّ عنه، ويردّ عليه صريح قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ الآية [الأعراف: ٣٢]. كما أن الأخذ بالتشديد في العبادة يفضي إلى الملل القاطع لأصلها، وملازمة الاقتصار على الفرائض مثلاً، وترك التنفّل يفضي إلى إيثار البطالة، وعدم النشاط إلى العبادة، وخير الأمور الوسط، وفي قوله: "إني لأخشاكم للَّه" مع ما انضمّ إليه إشارة إلى ذلك انتهى. (ومنها): أن فيه إشارةٌ إلى أن العلم باللَّه، ومعرفة ما يجب من حقّه أعظم قدرًا من مجرّد العبادة البدنيّة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٥ - (بَابُ مَعُونَةِ اللَّه النَّاكِحَ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الْمَعُونة" -بفتح الميم، وضمّ العين- بوزن مَفْعُلَة-بضم العين أيضًا، وبعضهم يجعل الميم أصليّةً، ويقول: هي مأخوذةٌ من الماعون، ويقول: في فَعُولَة، ويقال فيها: "الْمَعَانة بالفتح أيضًا: اسم من العَوْن، وهو -بفتح، فسكون-: الظَّهير على الأمر، وجمعه أعوان، واستعان به، فأعانه، وقد يتعدّى بنفسه، فيقال: استعانه. أفاده في "المصباح المنير". واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٢١٩ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ, عَنْ سَعِيدٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , قَالَ: «ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمُ: الْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الأَدَاءَ, وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ, وَالْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث حسنٌ، وقد تقدّم للمصنّف في "كتاب الجهاد" برقم -١٢/ ٣١٢١ - ، رواه هناك عن محمد بن عبد اللَّه بن يزيد، عن أبيه، عن

стр. 13737

ابن المبارك، عن محمد بن عجلان، به، وتقدّم شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. و"الليث": هو ابن سعد الإمام المصريّ. و"سعيد" هو: المقبريّ. وقوله: "ثلاثة حقّ الخ" قال الحافظ السيوطيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وَرَد لهم رابعٌ في حديث، وهو الحاجّ، وقد نظمتهم في بيتين: حَقٌّ عَلَى اللَّه عَوْنُ جَمْعٍ … وَهْوَ لَهُمْ فِي غَدٍ يُجَازِي مُكَاتَبٌ نَاكِحٌ عَفَافًا … وَمَنْ أَتَى بَيْتَهُ وَغَازِي قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا قال السيوطيّ أنه ورد لهم رابع، وأورد الحديث في "الجامع الصغير" بلفظ: "أربع حقّ على اللَّه تعالى عونهم: الغازي، والمتزوّج، والمكاتب، والحاجّ". ورمز له بـ (حم) عن أبي هريرة ﵁. لكن هذا الحديث لم يوجد في "مسند أحمد"، وإنما الذي فيه بلفظ "ثلاث" كما هو عند النسائيّ، أورده في "باقي مسند المكثرين" في موضعين، برقم ٧٣٦٨ و ٩٣٤٨. وضعّف الشيخ الألبانيّ الحديث في "السلسلة الضعيفة"، وكتب في الهامش أنه لم يجده بهذا اللفظ في "المسند" بعد المراجعة الكثيرة. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "حقّ على اللَّه" أي واجب بمقتضى وعده . وقوله: "العَفَاف" -بفتح العين المهملة-: أي الكفّ عن المحارم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٦ - (نِكَاحُ الأَبْكَارِ) ٣٢٢٠ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ عَمْرٍو, عَنْ جَابِرٍ, قَالَ: تَزَوَّجْتُ, فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ , فَقَالَ: «أَتَزَوَّجْتَ يَا جَابِرُ؟» , قُلْتُ: نَعَمْ, قَالَ: «بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا؟» , فَقُلْتُ: ثَيِّبًا, قَالَ: «فَهَلاَّ بِكْرًا, تُلَاعِبُهَا, وَتُلَاعِبُكَ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.

стр. 13738

٢ - (حماد) بن زيد بن درهم الأزديّ الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٣/ ٣. ٣ - (عمرو) بن دينار الأثرم الجمحيّ، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبت [٤] ١١٢/ ١٥٤. ٤ - (جابر) بن عبد اللَّه بن عمرو الأنصاريّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٣١/ ٣٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٦٠) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنهم ما بين بغلانيّ، وهو شيخه، وبصريّ، وهو حماد، ومكيين، وهما عمرو، وجابر، فإن جابرًا ﵁، وإن كان مدنيًا إلا أنه سكن مكة أيضًا. (ومنها): أن فيه جابرًا ﵁ من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ جَابِر) بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: تَزَوَّجْتُ) امرأة اسمها - كما قال ابن سعد- سهلة بنت مسعود بن أوس بن مالك الأنصاريّة الأوسيّة. (١) (فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: "أَتَزَوّجْتَ يَا جَابِرُ؟ ") وفي رواية عطاء، عن جابر الآتية بعدُ: "يا جابر هل أصبت امرأة بعدي … ". وفي رواية البخاريّ من طريق الشعبيّ، عن جابر بن عبد اللَّه، قال: قَفَلْنا مع النبيّ ﷺ من غزوة، فتعجلت على بعير لي، قَطُوف، فلحقني راكب من خلفي، فنَخَسَ بعيري بعَنَزَة، كانت معه، فانطلق بعيري، كأجود ما أنت راء من الإبل، فإذا النبي ﷺ ، فقال: "ما يعجلك؟ "، قلت: كنت حديث عَهْدٍ بعُرْس، قال: "أبكرا أم ثيبا؟ "، قلت: ثيبا، قال: "فهلا جارية تلاعبها، وتلاعبك؟ "، قال: فلما ذهبنا لندخل، قال: "أَمْهِلوا حتى تدخلوا ليلاً" -أي عشاء- "لكي تمتشط الشَّعِثَة، وتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبة". [تنبيه]: رواية البخاريّ هذه توضّح أن سؤال النبيّ ﷺ لجابر عن تزوّجه لم يقع عقب الزواج، كما توهمه رواية المصنّف بلفظ: "تزوجت، فأتيت النبيّ ﷺ ، فقال: "أتزوّجت يا جابر؟ " بل كان بعد مدّة؛ لأن زواجه كان بالمدينة بعد أن استشهد أبوه بأحد، والسؤال وقع في الرجوع من الغزوة، وقد رجّح في "الفتح" أن تلك الغزوة هي ذات الرقاع، وكانت بعد أُحُد بسنة على الصحيح، وقيل: هي تبوك (٢).

стр. 13739

(قُلْتُ: نَعَمْ) أي تزوّجتُ (قَالَ) ﷺ (بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا؟) منصوب بفعل محذوف، تقديره: أتزوّجت بكرًا؟، وكذا قوله (فَقُلْتُ: ثَيِّبًا) أي تزوّجتُ ثيّبًا. و"البكر": خلاف الثيّب، رجلاً كان امرأةً، وهو الذي لم يتزوّج، وجمعه أبكار، مثلُ حِمْلٍ وأحمال. و"الثيب": المتزوّج، فَيعِلٌ، اسم فاعل من ثاب: إذا رجع، ومنه قيل للمكان الذي يَرجع إليه الناس مَثَابةٌ. وقيل للإنسان إذا تزوّج ثَيّبٌ، وإطلاقه على المرأة أكثر؛ لأنها ترجع إلى أهلها بوجه غير الأول، ويستوي في الثّيّب الذكر والأنثى، كما يقال: أَيّمٌ، وبِكْرٌ، وجمع المذكّر ثَيّبون بالواو والنون، وجمع المؤنّث ثَيبات، والمولّدون يقولون: ثُيَّب، وهو غير مسموع، وأيضًا فَفَيعِلٌ لا يُجمع على فُعَّلٍ. أفاده الفيّوميّ. وقال وليّ الدين: البكر هي الجارية الباقية على حالتها الأولى، والثيّب المرأة التي دخل بها الزوج، وكأنها ثابت إلى حال كبار النساء غالبًا انتهى (١). (قَالَ) ﷺ (فَهَلَّا) -بفتح الهاء، وتشديد للام- أداة تحضيض، ولا يليها إلا الفعل غالبًا، نحو هَلاّ أكرمتَ زيدًا، وقد يليها اسم معمول لفعل محذوف، كقول الشاعر: هَلَّا التَّقَدُمُ وَالْقَلُوبُ صِحَاحُ أي هلاً وُجِد التقدّم، وكقوله هنا (بِكْرًا) أي هلّا تزوّجتَ بكرًا. وفي رواية للبخاريّ: "أفلا جارية". وفي رواية له من طريق محارب بن دثار، عن جابر: "ما لك وللعَذَاري ولِعابها". و"العذاري" -بفتح الراء، وكسرها- جمع عذراء، وهي البكر. وقوله (تُلَاعِبُهَا، وَتُلَاعِبُكَ) من الملاعبة، تعليلٌ للترغيب في البكر، سواء كانت الجملة مستأنفةٌ، كما هو الظاهر، أو صفة لـ"بكر"، أي ليكون بينكما كمال التألف والتأنس؛ فإن الثيب قد تكون متعلّقة القلب بالسابق. وزاد في رواية عند البخاريّ في "النفقات": "وتضاحكها، وتضاحكك". قال في "الفتح": وهو مما يؤيّد أنه من اللعب. ووقع عند الطبراني من حديث كعب بن عُجرة ﵁: "أن النبيّ ﷺ قال لرجل … " فذكر نحو حديث جابر ﵁، وقال فيه: "وتَعَضّها، وتعضّك". وفي رواية: "تداعبها وتداعبك" بالدال المهملة بدل اللام، من المداعبة، وهو المزح. ووقع في رواية لأبي عُبيدة: "تُذاعبها، وتُذاعبك" -بالذال المعجمة بدل اللام.

стр. 13740

وأما ما وقع في رواية محارب المتقدّمة بلفظ: "ما لك وللعَذَارَى ولِعَابها"، فقد ضبطه الأكثر بكسر اللام، وهو مصدر من الملاعبة أيضًا، يقال: لاعب لِعابًا وملاعبةً، مثل قاتل قتالاً ومقاتلةً. ووقع في رواية المستملي بضمّ اللام، والمراد به الريق، وفيه إشارةٌ إلى مصّ لسانها، ورَشف شفتيها، وذلك يقع عند الملاعبة والتقبيل، وليس هو ببعيد، كما قال القرطبيّ (١). ويؤيّد أنه بمعنى آخر غير المعنى الأول قول شعبة: إنه عرَضَ ذلك على عمرو بن دينار، فقال: اللفظ الموافق للجماعة (٢). وفي رواية لمسلم التلويح بإنكار عمرو رواية مُحارب بهذا اللفظ، ولفظه: "إنما قال جابرٌ: تلاعبها وتلاعبك"، فلو كانت الروايتان متحدتين في المعنى لما أنكر عمرو ذلك؛ لأنه كان ممن يُجيز الرواية بالمعنى. وفي رواية عطاء الآتية- ١٠/ ٣٢٢٧ - من الزيادة: "قال: قلت: يا رسول اللَّه، كنّ لي أخوات، فخشيتُ أن تدخل بيني وبينهنّ، قال: فذاك إذًا، إن المرأة تُنكح على دينها، ومالها، وجمالها، فعليك بذات الدين تربت يداك". وفي رواية للبخاريّ: "قلت: كُنّ لي أخوات، فأحببتُ أن أتزوّج امراةً تجمعهنّ، وتَمشُطُهنّ، وتقوم عليهنّ"، أي وتقوم في غير ذلك من مصالحهنّ، وهو من العامّ بعد الخاصّ. وفي رواية له في "النفقات": "هلك أبي، وترك سبع بنات -أو تسع بنات- فتزوّجت ثيّبًا، كرهتُ أن أُجيئهنّ بمثلهنّ، فقال: بارك اللَّه لك"، أو قال: خيرًا. وفي رواية له في "المغازي": "وترك تسع بنات، كنّ لي تسع أخوات، فكرهتُ أن أجمع إليهنّ جاريةٌ خرقاء مثلهنّ، ولكن امرأة تقوم عليهنّ، وتمشُطهنّ، قال: أصبت". وفي رواية: "فأردتُ أن أنكح امرأة قد جرّبت خلا منها، قال: فذاك". قال الحافظ وليّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذه الرواية التي فيها الجزم بأن أخواته كنّ تسعًا مقدّمة على رواية حماد بن زيد التي فيها التردّد بين التسع والسبع، فإن من حفظ حجة على من لم يحفظ انتهى (٣).

стр. 13741

[فائدة]: لم يُعرف أسماء أخوات جابر - رضي اللَّه تعالى عنه -. قاله في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦/ ٣٢٢٠ و ٣٢٢١ و ١٠/ ٣٢٢٦ - وفي "الكبرى" ٦/ ٥٣٢٧ و ٥٣٢٨ و ١٠/ ٥٣٣٦. وأخرجه (خ) في "البيوع" ٢٠٩٧ و"الوكالة" ٢٣٠٩ و"المغازي" ٤٠٥٢ و"النكاح" ٥٠٧٩ و ٥٠٨٠ و ٤٢٤٥ و ٥٢٤٧ و"النفقات" ٥٣٦٧ و"الدعوات" ٦٣٨٧ (م) في "الحجّ" ١٣٩١ و"الرضاع" ٧١٥ (د) في "النكاح" ٢٠٤٨ (ت) النكاح" ١١٠٠ (ق) "النكاح" ١٨٦٠ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١٣٧١٨ و ١٣٨٢٢ و ١٣٨٩٤ و ١٣٩٦٧ و ١٤٦٠٨ و ١٤٧٧١ (الدارميّ) "النكاح" ٢٢١٦. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان استحباب نكاح الأبكار؛ لكونه ﷺ حضّ على ذلك، وقد ورد بأصرح من ذلك عند ابن ماجه من طريق عبد الرحمن بن سالم بن عتبة بن عُوَيم بن ساعدة، عن أبيه، عن جدّه بلفظ: "عليكم بالأبكار، فإنهنّ أعذب أفواهًا، وأنتق أرحامًا". أي أكثر حركةً، والنتق - بنون، ومثناة-: الحركة، ويقال أيضًا للرمي، فلعلّه يريد أنها كثيرة الأولاد. وأخرج الطبراني في "المعجم الكبير" من حديث ابن مسعود نحوه، وزاد: "وأرضى باليسير". ولا يعارضه حديث: "عليكم بالولود" من جهة أن كونها بكرًا لا يُعرف به كونها كثيرة الولادة، فإن الجواب عن ذلك أن البكر مظنّة، فيكون المراد بالولود من هي كثيرة الولادة بالتجربة، أو بالمظنّة، وأمّا مَا جُرّبت، فظهرت عقيمًا، وكذا الآيسة، فالخبران متّفقان على مرجوحيّتهما. (ومنها): أن فيه فضيلة لجابر ﵁؛ لشفقته على أخواته، وإيثاره مصلحتهنّ على حظّ نفسه. (ومنها): أنه إذا تزاحمت مصلحتان قُدّم أهمّهما؛ لأن النبيّ ﷺ صوّب فعل جابر ﵁، ودعا له لأجل ذلك. (ومنها): أنه يؤخذ منه الدعاء لمن فعل خيرًا، وإن لم يتعلّق بالداعي. (ومنها): أن فيه سؤالَ الإمام أصحابَهُ عن أمورهم، وتفقّده أحوالهم، وإرشاده إلى مصالحهم، وتنبيههم على وجه المصلحة،

стр. 13742

ولو كان في باب النكاح، وفيما يُستحيا من ذكره. (ومنها): أن فيه مشروعيّة خدمة المرأة زوجها، ومن كان منه بسبيل، من ولد، وأخ، وعائلة، وأنه لا حرج على الرجل في قصده ذلك من امرأته، وإن كان ذلك لا يجب عليها، لكن يؤخذ منه أن العادة جارية بذلك، فلذلك لم ينكره النبيّ ﷺ . هكذا قال في "الفتح" (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في قوله: "وإن كان ذلك لا يجب عليها" نظرٌ لا يخفى، ومن أي دليل استنبط هذا؟، واللَّه يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] الآية، فأوجب اللَّه على النساء مثل ما أوجب لهن على الرجال مما جرى العرف به، وقد جرى العرف بأن الزوجة تخدم زوجها، وتقوم على بيته، وأولاده، فالحقّ أن خدمة الزوجة لزوجها، وقيامها بمهمات بيته مما أوجبه الشرع الشريف. وقد عقد الإمام ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى- في كتابه النافع "زاد المعاد في هدي خير العباد" فصلاً مفيدًا جدًّا، أحببت إيراده لأهميّته، ونفاسته، قال -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: [فصل]: في حكم النبيّ ﷺ في خدمة المرأة لزوجها: قال ابن حبيب في "الواضحة": حكم النبيّ ﷺ بين عليّ بن أبي طالب ﵁، وبين زوجته فاطمة - رضي اللَّه تعالى عنها - حين اشتكيا إليه الخدمة، فحكم على فاطمة بالخدمة الباطنة، خدمةِ البيت، وحكم على عليّ بالخدمة الظاهرة، ثم قال ابن حبيب: والخدمة الباطنة: العجين، والطبخ، والفرش، وكنس البيت، واستقاء الماء، وعمل البيت كلّه. وفي "الصحيحين": أن فاطمة - رضي اللَّه تعالى عنها - أتت النبيّ ﷺ ، تشكو إليه ما تلقى في يديها من الرحى، وتسأله خادمًا، فلم تجده، فذكرت ذلك لعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، فلما جاء رسول اللَّه ﷺ أخبرته، قال عليّ: فجاءنا، وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبنا نقومُ، فقال: "مكانكما"، فجاء، فقعد بيننا، حتى وجدت برد قدميه على بطني، فقال: "ألا أدلّكما على ما هو خيرٌ لكما مما سألتما، إذا أخذتما مضاجعكما، فسبّحا اللَّه ثلاثاً وثلاثين، واحمَدَا ثلاثاً وثلاثين، وكبّرا أربعًا وثلاثين، فهو خيرٌ لكما من خادم"، قال عليّ: فما تركتها بعدُ، قيل: ولا ليلة صفّين؟ قال: ولا ليلة صفّين. وصحّ عن أسماء أنها قالت: كنت أخدُم الزبير خدمة البيت كلّه، وكان له فرَسٌ، وكنت أسوسه، وكنت أحتشّ له، وأقوم عليه (٢). وصحّ عنها أنها كانت تعلف فرسه، وتسقي الماء، وتخرز الدلو، وتعجِن، وتنقُل النوى على رأسها من

стр. 13743

أرض له على ثُلثي فرسخ (١). فاختلف الفقهاء في ذلك، فأوجب طائفة من السلف والخلف خدمتها له في مصالح البيت. وقال أبو ثور: عليها أن تخدُم زوجها في كلّ شيء. ومنعت طائفة وجوب خدمته عليها في شيء، وممن ذهب إلى ذلك مالكٌ، والشافعيّ، وأبو حنيفة، وأهل الظاهر، قالوا: لأن عقد النكاح إنما اقتضى الاستمتاع، لا الاستخدام، وبذل المنافع، قالوا: والأحاديث المذكورة إنما تدلّ على التطوّع، ومكارم الأخلاق، فأين الوجوب منها؟. واحتجّ من أوجب الخدمة بأن هذا هو المعروف عند من خاطبهم اللَّه بكلامه، وأما ترفيهُ المرأة، وخدمة الزوج، وكنسه، وطحنه، وعَجنه، وغسيله، وفرشه، وقيامه بخدمة البيت، فمن المنكر، واللَّه تعالى يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقال: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ الآية [النساء: ٣٤]، وإذا لم تخدمه المرأة، بل يكون هو الخادم لها، فهي القوّامة عليه. وأيضًا فإن المهر في مقابلة البضع، وكلٌّ من الزوجين يقضي وطره من صاحبه، فإنما أوجب اللَّه نفقتها، وكسوتها، ومسكنها في مقابلة استمتاعه بها وخدمتها، وما جرت به عادة الأزواج. وأيضًا فإن العقود المطلقة إنما تُنزّل على العرف، والعرف خدمة المرأة، وقيامها بمصالح البيت الداخلة. وقولهم: إن خدمة فاطمة وأسماء كانت تبرّعًا وإحسانًا يردّه أن فاطمة كانت تشتكي ما تلقى من الخدمة، فلم يقل لعليّ: لا خدمة عليها، وإنما هي عليك، وهو ﷺ لا يُحابي في الحكم أحدًا؛ ولَمّا رأى أسماء، والعلَف على رأسها، والزبير معه، لم يقل له: لا خدمة عليها، وأن هذا ظلم لها، بل أقرّه على استخدامها، وأقرّ سائر أصحابه على استخدام أزواجهم، مع علمه بأنّ منهنّ الكارهةَ والراضيةَ، هذا أمر لا ريب فيه. ولا يصحّ التفريق بين شريفة، ودينئة، وفقيرة، وغنيّة، فهذه أشرف نساء العالمين كانت تخدم زوجها، وجاءته ﷺ تشكو إليه الخدمة، فلم يُشْكِها، وقد سمّى النبيّ ﷺ في الحديث الصحيح المرأة عانيةً، فقال: "اتقوا اللَّه في النساء، فإنهنّ عَوَانِ عندكم". والعاني الأسير، مرتبة الأسير خدمة من هو تحت يده، ولا ريب أن النكاح نوع من الرق، كما قال بعض السلف: النكاح رقّ، فلينظر أحدكم عند من يُرقّ كريمته. ولا يخفى على المنصف الراجحُ من المذهبين، والأقوى من الدليلين انتهى كلام ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى- (٢).

стр. 13744

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا التحقيق الذي ذكره ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى- تحقيق نفيسٌ جدًّا، فقد ظهر لنا به، وتبين، واتضح أن المذهب الأول، وهو وجوب خدمة المرأة زوجها هو الراجح؛ لقوة دليله؛ لأنه المعروف في ذلك الوقت الذي نزل فيه قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فأوجب اللَّه عليها أن تلتزم بما هو معروف عند الناس، وقد طبّق نساء العصر الأول من الصحابيات، وغيرهنّ على أنفسهنّ ما طُلب منهنّ في الآية الكريمة، كما تقدّم آنفًا في قصة فاطمة، وأسماء - رضي اللَّه تعالى عنهما -. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٢٢١ - (أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ قَزَعَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ -وَهُوَ ابْنُ حَبِيبٍ- عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنْ جَابِرٍ, قَالَ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَ: «يَا جَابِرُ, هَلْ أَصَبْتَ امْرَأَةً بَعْدِي؟» , قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ, قَالَ: «أَبِكْرًا أَمْ أَيِّمًا؟» , قُلْتُ: أَيِّمًا, قَالَ: «فَهَلاَّ بِكْرًا تُلَاعِبُكَ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه "الحسن بن قَزَعَة" وهو الهاشميّ مولاهم البصريّ، صدوق [١٠] ٤٧/ ١٧٣١. فتفرد به هو والترمذي، وابن ماجه. وغير "سفيان بن حبيب" وهو أبو محمد البزاز البصريّ، ثقة [٩] ٦٧/ ٨٢ فإنه من رجال الأربعة. و"عطاء": هو ابن أبي رباح. وقوله: "بعدي" أي بعد غيبتك عنّي. وقوله: "أبكرًا أم ثيّبًا؟ " منصوب بفعل مقدّر، أي أتزوّجت بكرًا، وكذا ما بعده. و"الأيّم" -بفتح الهمزة، وتشديد المثنّاة التحتيّة-: الْعَزَبُ (١) رجلاً كان، أو امرأةً، قال الصغانيّ، وسواء تزوّج من قبلُ، أو لم يتزوّج، فيقال: رجلٌ أَيِّمٌ، وامرأةٌ أيّمٌ، قال الشاعر [من الطويل]: فَأُبْنَا وَقَدْ آمَتْ نِسَاءٌ كَثِيرَةٌ … وَنِسوَانُ سَعْدٍ لَيْسَ فِيهِنَّ أَيِّمُ وقال ابن السّكّيت أيضًا: فلانة أيمٌ: إذا لم يكن لها زوجٌ، بكرًا كانت، أو ثيّبًا، ويقال أيضًا: أَيِّمة للأنثى. قاله الفيّوميّ. والحديث متّفق عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 13745

٧ - (تَزَوُّجُ الْمَرْأَةِ مِثْلَهَا فِي السِّنِّ) ٣٢٢٢ - (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى, عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: خَطَبَ أَبُو بَكْرٍ, وَعُمَرُ ﵄ فَاطِمَةَ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّهَا صَغِيرَةٌ» , فَخَطَبَهَا عَلِيٌّ, فَزَوَّجَهَا مِنْهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (الحسين بن حريث) أبو عمّار الخزاعيّ مولاهم، المروزيّ، ثقة [١٠] ٤٤/ ٥٢. ٢ - (الفضل بن موسى) أبو عبد اللَّه السِّينَانيّ المروزيّ، ثقة ثبتٌ، ربما أغرب، من كبار [٩] ٨٣/ ١٠٠. ٣ - (الحسين بن واقد) أبو عمد اللَّه المروزيّ القاضي، ثقة له أوهام [٧] ٥/ ٤٦٣. ٤ - (عبد اللَّه بن بريدة) بن الحصيب الأسلميّ المروزيّ القاضي، مات سنة (١٠٥) وقيل: بل سنة (١١٥) وله مائة سنة، ثقة [٣] ٢٥/ ٣٩٣. ٥ - (أبوه) بريدة بن الحصيب -بمهمليتين، مصغّرًا- الأسلميّ الصحابيّ، أسلم - رضي اللَّه تعالى عنه - قبل بدر، ومات سنة (٦٣)، وتقدم في ١٠١/ ١٣٣. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمراوزة. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ) الأسلمي القاضي (عَنْ أَبِيهِ) بريدة بن الْحُصيب - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: خَطَبَ) من باب قتل (أَبُو بَكْرٍ) الصدّيق (وَعُمَرُ) بن الخطّاب (﵄ فَاطِمَةَ) بنت رسول اللَّه ﷺ ، أي طلبا أن يتزوّجاها، يقال: خطب المرأةَ إلى القوم، من باب قتل: إذا طلب أن يتزوّج منهم، واختطبها، والاسم الْخِطْبة -بالكسر-، فهو خاطبٌ، وخَطَابٌ مبالغةٌ. قاله في "المصباح" (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّهَا صَغِيرَةٌ) أي وكلّ منكما لا يوافقها في السنّ، والمقصود من النكاح دوام الألفة، وبقاء العشرة، فإذا كان أحد الزوجين في غير سنّ الآخر لم يحصل الغرض كاملاً، فربّما أدّى إلى

стр. 13746

الفُرقة المنافية لمقصود النكاح (فَخَطَبَهَا عَليٌّ، فَزَوّجَهَا مِنْهُ) قال السنديّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ما معناه: أي خطبها عقب ذلك بلا مهلة، كما تدلّ عليه الفاء، فعُلم أنه ﷺ لاحَظَ الصغر بالنظر إليهما، وما بقي ذاك بالنظر إلى عليّ ﵁، فزوّجها منه، ففيه أن الموافقة في السنّ، أو المقاربة مَرْعيّةٌ؛ لكونها أقرب إلى المؤالفة. نعم قد يُترَكُ ذاك لما هو أعلى منه، كما في تزويج عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -. واللَّه تعالى أعلم انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد أشار السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- في كلامه المذكور إلى جواب استشكال وارد على حديث الباب، وهو أنه ﷺ تزوّج عائشة، وهي صغيرة، فكيف قال لأبي بكر وعمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -: "إنها صغيرة"؟. وحاصل الجواب أن الموافقة في السنن، أو المقاربة فيه إنما يُعتبر فيما إذا لم يكن للزوج فضل يجبُرُ ذلك، وإلا فلا بأس بالتفاوت فيه؛ ولذلك تزوّج النبيّ ﷺ عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، وهي بنت ست سنين، وهو فوق خمسين سنة؛ لما ذكرنا. [فإن قيل]: قد كان لأبي بكر وعمر فضل يؤدّي الغرض؛ فلماذا لم يُعتبر؟. [قلنا]: نعم لا يُنكر فضلهما، وشرفهما - رضي اللَّه تعالى عنهما -، إلا أنّ لعليّ - رضي اللَّه تعالى عنه - زيادةً فضل عليهما بالنسبة لفاطمة - رضي اللَّه تعالى عنها -، وهو كونه مقاربًا لها في السنّ، وهو الذي يحصل به الغرض من النكاح، وهو دوام الألفة والمحبّة بين الزوجين، كما ذكرنا، فلذا قدمه النبيّ ﷺ عليهما؛ لذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث بُريدة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-٧/ ٣٢٢٢ - وفي "الكبرى" ٧/ ٥٣٢٩. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٨ - (تَزَوُّجُ الْمَوْلَى الْعَرَبِيَّةَ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا الباب الإشارة إلى أن المعتبر في النكاح الكفاءة في الدين.

стр. 13747

وأصرح منه قول الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى-، حيث قال: [باب الأَكْفَاء في الدين، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٤] انتهى. قال في "الفتح": قال الفرّاء: النسب من لا يحلّ نكاحه، والصهر من يحلّ نكاحه. فكأن المصنّف لَمّا رأى الحصر وقع بالقسمين صلح التمسّك بالعموم؛ لوجود الصلاحية، إلا ما دلّ الدليل على اعتباره، وهو استثناء الكافر. انتهى (١). وهذا الذي ذهب إليه المصنّف تبعًا للبخاري مذهب مالك، وجماعة من السلف، وهو المذهب الراجح، خلافاً لمن اعتبره في النسب، وهم الجمهور، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٢٢٣ - (أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ, عَنِ الزُّبَيْدِيِّ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ, أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ, طَلَّقَ وَهُوَ غُلَامٌ شَابٌّ, فِي إِمَارَةِ مَرْوَانَ ابْنَةَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ- وَأُمُّهَا بِنْتُ قَيْسٍ- الْبَتَّةَ, فَأَرْسَلَتْ إِلِيْهَا خَالَتُهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ, تَأْمُرُهَا بِالاِنْتِقَالِ مِنْ بَيْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو, وَسَمِعَ بِذَلِكَ مَرْوَانُ, فَأَرْسَلَ إِلَى ابْنَةِ سَعِيدٍ, فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَى مَسْكَنِهَا, وَسَأَلَهَا مَا حَمَلَهَا عَلَى الاِنْتِقَالِ, مِنْ قَبْلِ أَنْ تَعْتَدَّ فِي مَسْكَنِهَا, حَتَّى تَنْقَضِىَ عِدَّتُهَا؟ , فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُخْبِرُهُ أَنَّ خَالَتَهَا أَمَرَتْهَا بِذَلِكَ, فَزَعَمَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ, أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ أَبِي عَمْرِو بْنِ حَفْصٍ, فَلَمَّا أَمَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , عَلِىَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَى الْيَمَنِ, خَرَجَ مَعَهُ, وَأَرْسَلَ إِلَيْهَا بِتَطْلِيقَةٍ, هِيَ بَقِيَّةُ طَلَاقِهَا, وَأَمَرَ لَهَا الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ, وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ بِنَفَقَتِهَا, فَأَرْسَلَتْ - زَعَمَتْ - إِلَى الْحَارِثِ وَعَيَّاشٍ, تَسْأَلُهُمَا الَّذِي أَمَرَ لَهَا بِهِ زَوْجُهَا, فَقَالَا: وَاللَّهِ مَا لَهَا عِنْدَنَا نَفَقَةٌ, إِلاَّ أَنْ تَكُونَ حَامِلاً, وَمَا لَهَا أَنْ تَكُونَ فِي مَسْكَنِنَا, إِلاَّ بِإِذْنِنَا, فَزَعَمَتْ أَنَّهَا أَتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ , فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ, فَصَدَّقَهُمَا, قَالَتْ فَاطِمَةُ: فَأَيْنَ أَنْتَقِلُ يَا رَسُولَ اللهِ, قَالَ: «انْتَقِلِى عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الأَعْمَى, الَّذِي سَمَّاهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ» , قَالَتْ فَاطِمَةُ: فَاعْتَدَدْتُ عِنْدَهُ, وَكَانَ رَجُلاً قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ, فَكُنْتُ أَضَعُ ثِيَابِي عِنْدَهُ, حَتَّى أَنْكَحَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ, فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا مَرْوَانُ, وَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ أَحَدٍ قَبْلَكِ, وَسَآخُذُ بِالْقَضِيَّةِ الَّتِي وَجَدْنَا النَّاسَ عَلَيْهَا, مُخْتَصَرٌ …). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (كثير بن عُبيد) بن نُمير الْمَذْحِجيّ، أبي الحسن الحمصيّ الحذّاء المقرئ، ثقة

стр. 13748

٢ - (محمد بن حرب) الخولانيّ الحمصيّ الأبرش، ثقة [٩] ١٢٢/ ١٧٢. ٣ - (الزبيدي) -بضم الزاي، مصغّرًا-: هو محمد بن الوليد، أبو الْهُذيل الحمصيّ القاضي الثقة الثبت، من كبار أصحاب الزهريّ [٧] ٤٥/ ٥٦. ٤ - (الزهريّ) محمد بن مسلم المدنيّ الإمام الحجة الثبت [٤] ١/ ١. ٥ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود الْهُذليّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة فقيه ثبتٌ [٣] ٤٥/ ٥٦. ٦ - (فاطمة بنت قيس) بن خالد الفهريّة، أخت الضحاك الأمير، وكانت أسن منه، روت عن النبيّ ﷺ ، وروى عنها القاسم بن محمد بن أبي بكر، وأبو بكر بن أبي الجهم، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعبد اللَّه بن عبد اللَّه ابن عبيد بن مسعود، والأسود بن يزيد، وسليمان بن يسار، وعبد اللَّه البهي، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، وعامر الشعبي، وعبد الرحمن بن عاصم بن ثابت، وتميم مولى فاطمة بنت قيس، قال ابن عبد البر: كانت من المهاجرات الأُوَل، وكانت ذات جمال وعقل، وفي بيتها اجتمع أصحاب الشورى عند قتل عمر، وكانت عند أبي عَمْرو بن حفص بن المغيرة، فطلقها فتزوجها بعده أسامة بن زيد. أخرج لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب حديث الباب، وكرّره خمس عشرة مرّة. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه فقد تفرّد به هو، وأبو داود، وابن ماجه. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالحمصيين، والثاني بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عُبَيْدِ اللَّه بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ) الهذليّ الفقيه (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو) بفتح المهملة، وسكون الميم (ابْنِ عُثْمَانَ) بن عفّان الأمويّ، كان شريفًا جوادًا ممدَّحًا. ووثقه النسائيّ، وذكره ابن حبّان في "الثقات". وله يقول الفرزدق [من الوافر]: نَمَى الْفَارُوقُ أمَّكَ وَابْنُ أَرْوَى … أَبَاكَ فأَنْتَ مُنْصَدِعُ النَّهَارِ هُمَا قَمَرَا السمَاءِ وَأَنْتَ نَجْمٌ … بِهِ بِاللَّيْلِ يُدْلِجُ كُلُّ سَارِ مات بمصر سنة (٩٦). وذكر الزبير في "النسب"، فقال: كان يقال له: الْمُطْرَف؛

стр. 13749

لحسنه وجماله. وهي مضبوطة -بضمّ الميم، وسكون المهملة، وفتح الراء. ومنهم من فتح الطاء، وشدّد الراء (١). (طَلَّقَ وَهُوَ غُلَامٌ) هو: الطَّارُّ الشَّارِبِ. وقيل: هو من حين يولد إلى أن يَشِيبَ، جمعه أغلمةٌ، وغِلْمَةٌ، وغِلْمانٌ. قاله في "اللسان". وقال الفيّوميّ: الغلام: الابن الصغير، وجمع القلّة غِلْمةٌ، وجمع الكثرة غِلْمانٌ، ويُطلق الغلام على الرجل مجازًا باسم ما كان عليه، كما يقال للصغير: شيخٌ باسم ما يؤول إليه، وجاء في الشعر غلامة بالهاء للجارية، قال أوس بن غَلْفَاء الْهُجيمىّ يصف فرسًا [من الوافر]: وَمُرْكِضَةٌ صَرِيحِيٌّ أَبُوهَا … يُهَانُ لَهَا الْغُلَامَةُ وَالْغُلَامُ قال الأزهريّ: وسمعت العرب تقول للمولود حين يولد ذَكَرًا: غلامٌ، وسمعتهم يقولون للكَهْلِ غلامٌ، وهو فاش في كلامهم انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: والمناسب هنا هو المعنى الأخير، ولذا قيّده بقوله (شَابٌّ) اسم فاعل من الشَّبَاب، وهو الفَتَاءُ والحَدَاثَةُ، أفاده في "اللسان". وفي "المصباح": شَبّ الصبيّ يَشِب، من باب ضرب شَبَابًا، وشَبِيبَةً، وهو شابٌّ، وذلك سِنٌّ قبل الكهولة. والجمع: شُبّان، مثلُ فارس وفُرْسَان، والأنثى شابّةٌ، والجمع شَوَابُّ، مثلُ دابّة ودوابّ انتهى. (فِي إِمَارَةِ مَرْوَانَ) أي في زمن ولايته على المدينة. ومروان هو ابن الحكم بن أبي العاص بن أميّة، أبو عبد الملك الأمويّ المدنيّ، ولي الخلافة في آخر سنة (٦٤)، ومات سنة (٦٥) في رمضان، وله (٦٣) أو (٦١) سنة ولا يثبت له صحبة، بل هو تابعيّ (ابْنَةَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ) بن نُفيل الصحابيّ، أحد العشرة المبشّرين بالجنّة ﵃ (وَأُمُّهَا بِنْتُ قَيْسٍ) بن الضحاك، أخت الضحاك بن قيس، الفهريّة، واسمها حمنة، كما سيأتي في - ٧٣/ ٣٥٧٩. (الْبَتَّةَ) مفعول مطلق على النيابة لـ"طلّق"، يقال: بتّ الرجلُ طلاقَ امرأته، فهي مبتوتةٌ، والأصلُ مبتوتٌ طلاقُها، وطلّقها طَلْقَةٌ بَتَّةٌ: إذا قطعها عن الرَّجْعَة، وأبتّ طلاقَها بالألف لغةٌ، قال الأزهريّ: وُيستعمل الثلاثيّ، والرباعيّ لازمين، ومتعديين، فيقال: بَتّ طلاقَها، وأبتّ، وطلاقٌ باتٌّ، ومُبِتٌّ، وقال ابن فارس: ويقال لما لا رجعة فيه: لا أفعله بَتّةً انتهى (٢). والمراد أنه طلّقها ثلاثًا، فإن الثلاث هي التي تقطع وُصلة النكاح.

стр. 13750

(فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهَا خَالَتُهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ) بن خالد، من بني محارب بن فهر بن مالك، وهي أخت الضحّاك بن قيس الذي ولي العراق ليزيد بن معاوية، وقُتِلَ بِمَرْجِ راهط، وهو من صغار الصحابة، وهي أسنّ منه، يقال: بعشر سنين، قَدِمت على أخيها الكوفةَ، وهو أميرها، فروى عنها الشعبيّ قصّةَ الجسّاسة بطولها، فانفردت بها مطوّلة، وتابعها جابرٌ وغيره (١). (تَأْمُرُهَا بِالِانْتِقَالِ مِنْ بَيْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) إذ لا حقّ لها في السكنى عنده (وَسَمِعَ بِذَلِكَ مَرْوَانُ) بن الحكم. وفي رواية الوطإ: "فأنكر ذلك عليها عبد اللَّه بن عمر"، فلعلّه حصل الإنكار من كلّ منهما (فَأَرْسَلَ إِلَى ابْنَةِ سَعِيدٍ) بن زيد (فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَى مَسْكَنِهَا) أي لاعتقاده وجوب بقائها فيه حتى تنقضي عدتها؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ الآية [الطلاق: ١]، (وَسَأَلَهَا مَا حَمَلَهَا عَلَى الِانْتِقَالِ) "ما" اسم موصولٌ، مفعول "سأل"، أي الشيءَ الذي حملها على الخروج من البيت الذي هي فيه. ويحتمل أن تكون استفهاميّةً، فتكون الجملة معلّقًا عنها العامل، أي أَيُّ شيء حملها الخ (مِنْ قَبْلِ أَنْ تَعتَدَّ فِي مَسْكَنِهَا، حَتَّى تَنقَضِيَ عِدَّتُهَا) كما هو ظاهر الآية (فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُخْبِرُهُ أَنَّ خَالَتَهَا) فاطمة بنت قيس - رضي اللَّه تعالى عنها - (أَمَرَتَهْا بِذَلِكَ) الانتقال (فَزَعَمَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ) معطوف على محذوف، أي فأرسل مروان إليها من يسألها، فسألها، فزعمت، أي قالت؛ إذ الزعم يُطلق على القول الحقّ، وإن كان أكثر استعماله فيما يُشكّ فيه، ولا يُتحقّق. وقد بيّن هذا المقدّر في الرواية الآتية -٧٣/ ٣٥٥٣ - من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ: ولفظها: "فأرسل مروان قبيصةَ بنَ ذُئيب إلى فاطمة، فسألها عن ذلك، فزعمت أنها كانت تحت أبي عمرو … "، وفي لفظ لمسلم: "فحدّثته به". (أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ أَبِي عَمْرِو بْنِ حَفْصٍ) هكذا قال الجمهور: إنه أبو عمرو بن حفص. وقيل: أبو حفص بن عمرو. وقيل: أبو حفص بن المغيرة. واختلفوا في اسمه، والأكثرون على أن اسمه عبد الحميد. وقال النسائيّ: اسمه أحمد. وقال آخرون: اسمه كنيته. قاله النوويّ (٢). وقال القرطبيّ: هكذا رواية أكثر الأئمة الحفّاظ: مالك وغيره. وقد قلبه شيبان، وأبان العطّار، عن يحيى بن أبي كثير، فقال: إن أبا حفص بن عمرو، والمحفوظ

стр. 13751

الأول. واسمه أحمد على ما ذكره الداوديّ عن النسائيّ. قال القاضي: والأشهر عبد الحميد. وقيل: اسمه كنيته، ولا يُعرف في الصحابة من اسمه أحمد سواه انتهى (١). وفي "الإصابة": أبو عمرو بن حفص بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمرو بن مخزوم القرشيّ المخزوميّ، زوج فاطمة بنت قيس. وهو ابن عمّ خالد بن الوليد بن المغيرة (٢). وقيل: هو أبو حفص بن عمرو بن المغيرة. وأمه دُرّة بنت خُزَاعيّ الثقفيّة، وكان خرج مع عليّ إلى اليمن في عهد النبيّ ﷺ ، فمات هناك. ويقال: بل رجع إلى أن شهد فتوح الشام. ذكر ذلك عليّ بن رباح، عن ناشرة بن سُميّ، سمعت عمر يقول: إني معتذرٌ لكم من عزل خالد بن الوليد، فقال أبو عمرو بن حفص: عزلت عنّا عاملاً استعمله رسول اللَّه ﷺ ، فذكر القصّة. أخرجه النسائيّ. وقال البغويّ: سكن المدينة. انتهى باختصار (٣). (فَلَمَّا أَمَّرَ) بتشديد الميم، من التأمير: أي جعل أميرًا (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَليَّ بْنَ أَبِي طَالِب عَلَى الْيَمَنِ، خَرَجَ مَعَهُ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهَا بِتَطْلِيقَةٍ) قال عياض: كذا الصحيح عند الجمَيع أنه طلّقها، وإن اختلفوا في صفته، هل البتّة، أو آخر الثلاث. وما يوهمه بعض الروايات أنه مات عنها مؤوّل انتهى. وقال في "الفتح": واتفقت الروايات عن فاطمة بنت قيس على كثرتها عنها أنها بانت بالطلاق. ووقع في آخر "صحيح مسلم" في حديث الجسّاسة عن فاطمة بنت قيس: "نَكَحْتُ ابنَ المغيرة، وهو من خيار شباب قريش يومئذ، فأصيب في الجهاد مع رسول اللَّه ﷺ ، فلما تأيّمتُ خطبني أبو جهم … " الحديث. وهذه الرواية وَهَمٌ، ولكن أوّلها بعضهم على أن المراد بقولها: "أصيب" أي مات على ظاهره، وكان في بعث عليّ إلى اليمن، فيصدق أنه أُصيب في الجهاد مع رسول اللَّه ﷺ ، أي في طاعة رسول اللَّه ﷺ ، ولا يلزم من ذلك أن تكون بينونتها منه بالموت، بل بالطلاق السابق على الموت. فقد ذهب جمع جمّ إلى أنه مات مع عليّ باليمن، وذلك بعد أن أرسل إليها بطلاقها، فإذا جمُع بين الروايتين استقام هذا التأويل، وارتفع الوهم، ولكن يَبْعُد بذلك قول من قال: إنه بقي إلى خلافة عمر ﷺ انتهى (٤).

стр. 13752

(هِيَ بَقِيَّةُ طَلَاقِهَا) يعني أنه طلّقها قبل ذلك تطليقتين، وقد بقي لها تطليقة واحدة، فأرسل بها إليها، فصار الطلاق بهذه الطلقة طلاقًا بائنًا. وهذه الرواية مفسّرة للروايات الأخرى، فقد وردت الروايات بألفاظ، ففي رواية: "طلّقها طلقةً كانت بقيت من طلاقها"، وفي رواية: "أنه طلّقها ثلاثًا"، وفي رواية: "طلّقها آخر ثلاث تطليقات"، وفي رواية: "طلّقها"، ولم يذكر عددًا، ولا غيره. قال النووي: فالجمع بين هذه الروايات أنه كان طلّقها قبل هذا طلقتين، ثم طلّقها هذه المرّة الطلقة الثالثة، فمن روى أنه طلّقها مطلقًا، أو طلّقها واحدةً، أو طلّقها آخر ثلاث تطليقات، فهو ظاهر، ومن روى "البتّةَ" فمراده طلّقها طلاقًا صارت به مبتوتة بالثلاث، ومن روى ثلاثًا أراد تمام الثلاث انتهى (١). (وَأَمَرَ لَهَا الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ) بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم، أبا عبد الرحمن المكيّ، أخا أبي جهل، وابن عم خالد بن الوليد، وأمه فاطمة بنت الوليد ابن المغيرة. قال الزبير بن بكّار: كان شريفًا مذكورًا، مدحه كعب بن الأشرف اليهوديّ، وشهد الحارث بن هشام بدرًا مع المشركين، وكان فيمن انهزم، فعيّره حسّان ابن ثابت، فقال [من الكامل]: إِنْ كنْتِ كَاذِبَةَ الَّذِي حَدَّثْتِنِي … فَنَجَوْتِ مَنْجَى الحَارِثِ بن هَشَامِ تَرَكَ الأَحِبَّةَ أَنْ يُقَاتِلَ دُونَهمْ … وَنَجَا بِرَأْسِ طِمْرَةِ (٢) وِلِجَامِ فأجاب الحارث [من الكامل]: اللَّه يَعْلَمُ مَا تَرَكْتُ قِتَالَهُمْ … حَتَّى رَمَوْا فَرَسِي بِأَشْقَرَ مُزْبِدِ فَعَلِمْتُ أَنِّي إِنْ أُقَاتِلْ وَاحِدًا … أُقْتَلْ وَلَا يُنْكِي عَدُوِّي مَشْهَدِي فَفَرَرْتُ عَنْهُمْ وَالأَحِبَّةُ فِيهِمُ … طَمَعًا لَهُمْ بِعِقَابٍ يَوْمٍ مُرْصَدِ ويقال: إن هذه الأبيات أحسن ما قيل في الاعتذار من الفرار. قال الزبير: ثم شهد أحدًا مشركًا حتى أسلم يوم فتح مكة، ثم حسن إسلامه. قال: وحدثني عمي، قال: خرج الحارث في زمن عمر بأهله وماله من مكة إلى الشام، فتبعه أهل مكة، فقال: لو استبدلت بكم دارًا بدار ما أردت بكم بدلاً، ولكنها النقلة إلى اللَّه، فلم يزل بالشام حتى ختم اللَّه له بخير. قال الزبير: لم يترك الحارث إلا ابنه عبد الرحمن، فأُتي به، وبناجية

стр. 13753

بنت عتبة بن سُهيل بن عمرو إلى عمر، فقال: زوّجوا الشريدة بالشريد، عسى اللَّه أن ينشر منهما، فنشر اللَّه منهما ولدًا كثيرًا. وكان الحارث يُضرب به المثل في السؤدد، حتى قال الشاعر [من الكامل]: أَظَنَنْتَ أنَّ أَبَاكَ حِينَ نَسَبْتَنِي … فِي الْمَجْدِ كَانَ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامِ أَوْلَى قُرَيشٍ بِالْمَكَارِمِ وَالنَّدَى … فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ وَالإِسلَامِ وقال الزبير بن بكّار في "الموفّقيّات" من طريق محمد بن إسحاق في قصّة سَقيفة بني ساعدة، قال: فقام الحارث بن هشام، وهو يومئذ سيد بني مخزوم، ليس أحد يعدل به إلا أهل السوابق مع رسول اللَّه ﷺ ، فقال: واللَّه لولا قول رسول اللَّه ﷺ : "الأئمة من قريش" ما أُبعد منها الأنصار، ولكانوا لها أهلاً، ولكنه قولٌ لا شكّ فيه، فواللَّه لو لم يبق من قريش كلها إلا رجلٌ واحد لصيّر اللَّه هذا الأمر فيه. وكان الحارث يَحمل في قتال الكفّار، ويرتجز: إِنِّي بِرَبِّي وَالنَّبِيِّ مُؤْمِنُ … وَالْبَعْثِ مِنْ بَعْدِ الْمَمَاتِ مُوقِنُ أَقْبِح بِشَخْصٍ لِلْحَيَاةِ مُوطِنُ (١) وذكر ابن سعد وغيره: أنه توفّي في طاعون عمواس سنة (١٨). (وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ) -واسم أبيه عمرو، ويُلقّب ذا الرمحين- ابن المغيرة بن عبد اللَّه بن عُمَر بن مخزوم القرشيّ المخزوميّ، ابن عم خالد بن الوليد بن المغيرة، وكان من السابقين الأولين، وهاجر الهجرتين، ثم خَدَعه أبو جهل إلى أن رجعوه من المدينة إلى مكة، فحبسوه، وكان النبيّ ﷺ يدعو له في القنوت، كما ثبت في "الصحيحين" عن أبي هريرة ﵁. وذكر العسكريّ أنه شهد بدرا، وغلّطوه. قال ابن قانع، والقراب، وغيرهما: مات سنة (١٥) بالشام في خلافة عمر ﵁. وقيل: استُشهد باليمامة. وقيل: باليرموك (٢) (بنَفَقَتِهَا) وفي رواية لمسلم: "فأرسل إليها وكيله بشعير، فسخطته". وفي رواية المصنف -٧٢/ ٣٥٥٢ - "فوضع لي عشرة أقفزة عند ابن عمّ له، خمسة شعير، وخمسة تمر … ". وفي رواية لمسلم من طريق أبي بكر بن الجهم، عن فاطمة، قالت: أرسل إليّ زوجي أبو عمرو بن حفص بن المغيرة عيّاشَ بن أبي ربيعة بطلاقي، وأرسل معه بخمسة آصع تمر، وخمسة آصع شعير، فقلت: أما لي نفقةٌ إلا هذا؟، ولا أعتدّ في منزلكم؟

стр. 13754

قال: لا … لحديث. (فَأَرْسَلَتْ -زَعَمَتْ-) أي قالت، وهي جملة معترضة بين العامل ومعموله أتى بها إشارة إلى أن قولها: "فأرسلتْ الخ" منقول عنها (إِلَى الْحَارِثِ وَعَيَّاش) متعلّق بـ"أرسلت" (تَسْأَلُهُمَا الَّذِي أَمَرَ لَهَا بِهِ زَوْجُهَا) أي من النفقة (فَقَالَا: واللَّه مَا لَهَا عِنْدَنَا نَفَقَةٌ) أي لا يجب لها علينا نفقتها (إِلاَّ أَنْ تكُونَ حَامِلاً، وَمَا لَهَا أَنْ تَكُونَ فِي مَسْكَنِنَا، إِلَّا بِإِذْنِنَا) أي إلا أن نأذن لها بالسكنى إحسانا منا إليها، لا بطريق الوجوب علينا. والظاهر أن الحارث وعياشًا كان عندهما علم بحكم المسألة قبل هذا. ويحتمل أنهما قالا ذلك باجتهادهما، ولكن وافق اجتهادهما النصّ (فَزَعَمَتْ أَنَّهَا أَتَت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَصَدَّقَهُمَا) وفي الرواية الآتية-٧٠/ ٣٥٤٦ - من طريق عطاء، عن عبد الرحمن بن عاصم، أن فاطمة بنت قيس أخبرته، وكانت عند رجل من بني مخزوم، أنه طلقها ثلاثًا، وخرج إلى بعض المغازي، وأمر وكيله أن يعطيها بعض النفقة، فتقالَّتْها، فانطلقت إلى بعض نساء النبيّ ﷺ ، فدخل رسول اللَّه ﷺ ، وهي عندها، فقالت: يا رسول اللَّه، هذه فاطمة بنت قيس، طلقها فلان، فأرسل إليها ببعض النفقة، فردّتها، وزعم أنه شيء تَطَوَّل به، قال: "صدق … " قال النبيّ ﷺ فانتقلي إلى أم كلثوم (١) فاعتدي عندها ثم قال إن أم كلثوم امرأة يكثر عوادها فانتقلي إلى عبد اللَّه ابن أم مكتوم فإنه أعمى فانتقلت إلى عبد اللَّه فاعتدت عنده حتى انقضت عدتها ثم خطبها أبو الجهم ومعاوية بن أبي سفيان فجاءت رسول اللَّه ﷺ تستأمره فيهما فقال أما أبو الجهم فرجل أخاف عليك قسقاسته (٢) للعصا وأما معاوية فرجل أملق من المال فتزوجت أسامة بن زيد بعد ذلك* وفي رواية لمسلم من طريق أبي سلمة، عن فاطمة بنت قيس: "وكان أنفق عليها نفقة دُونٍ، فلما رأت ذلك قالت: واللَّه لأُعْلِمَنّ رسول اللَّه ﷺ ، فإن كان لي نفقة أخذت الذي يُصلحني، وإن لم تكن لي نفقة لم آخذ منه شيئًا، قالت: فذكرت ذلك لرسول اللَّه ﷺ ، فقال: لا نفقة لك، ولا سكنى". وفي رواية أبي بكر بن أبي الجهم المذكورة: "قالت: فشددت عليّ ثيابي، وأتيت رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "كم طلّقك؟ قلت: ثلاثًا، قال: صدق، ليس لك نفقة، واعتديّ في بيت ابن أم مكتوم … الحديث. وفي الرواية الآتية -٧/ ٣٤٠٦ - من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة:

стр. 13755

"فانطلق خالد بن الوليد ﵁ في نفر من بني مخزوم، إلى رسول اللَّه ﷺ في بيت ميمونة، فقالوا: إن أبا حفص بن عمرو طلّق امرأته ثلاثًا، فهل لها نفقة؟ فقال: "ليس لها نفقة، ولا سكنى". قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ويجمع بين الروايتين بأن فاطمة ذهبت مع خالد والنفر الذين معه، فسأل لها خالد. واللَّه تعالى أعلم. (قَالَتْ: فَاطِمَةُ: فَأَيْنَ أَنْتَقِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ) أي إذا لم يكن لي سكنى، ففي أيّ بيت أعتدّ؟ (قَالَ) ﷺ (انْتَقِلي عِنْدَ ابْنِ أُمّ مَكْتُوم الْأَعْمَى) هو عمرو بن زائدة، أو ابن قيس بن زائدة. ويقال: زياد القرشيّ العامريّ الصحابيّ المشهور، قديم الإسلام. ويقال: اسمه عبد اللَّه. ويقال: الحصين، كان النبيّ ﷺ استخلفه على المدينة، مات ﵁ في آخر خلافة عمر ﵁.تقدّمت ترجمته في -٩/ ٦٣٧ (الّذِي سَمَّاهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ) حيث أنزل فيه قوله : ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ الآيات. وفي رواية شعيب، عن الزهريّ -٧٢/ ٣٥٥٣ - وهو الأعمى الذي عاتبه اللَّه في كتابه". وضمير "عاتبه" للنبيّ ﷺ (قَالَتْ: فَاطِمَةُ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (فَاعْتَدَدتُ عِنْدَهُ) أي عند ابن أم مكتوم ﵁ (وَكَانَ رَجُلاً قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ) هذا هو السبب الذي ذكره النبيّ ﷺ في أمرها بالاعتداد عنده، بعد أن أمرها أن تعتدّ في بيت أم شريك - رضي اللَّه تعالى عنها -، ففي رواية أبي سلمة الآتية -٢٢/ ٣٢٤٦ - : "فأمرها أن تعتدّ في بيت أم شريك، ثم قال: تلك امرأة يغشاها أصحابي، فاعتدي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجلٌ أعمى تضعين ثيابك … ". وفي الرواية الآتية-١٩/ ٣٢٣٨ - من طريق الشعبيّ، عنها: "فانطلقي إلى أم شريك" - وأم شريك امرأة غنيّةٌ، من الأنصار، عظيمة النفقة في سبيل اللَّه ، ينزل عليها الضِّيفَان- فقلت: سأفعل، قال: "لا تفعلي، فإن أمّ شريك كثيرة الضيفان، فإني أكره أن يسقط عنك خمارك، أو ينكشف الثوب عن ساقيك، فيرى القوم منك بعض ما تكرهين، ولكن انتقلي إلى ابن عمّك (١)، عبد اللَّه بن عمر وابن أم مكتوم"، وهو رجلٌ من بني فهر، فانتقلت إليه. وفي رواية لمسلم: "أرسل إليها أن أم شريك يأتيها المهاجرون الأولون، فانطلقي إلى ابن أم مكتوم الأعمى، فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك … ".

стр. 13756

قال النوويّ. قال العلماء: أم شريك هذه قرشيّةٌ عامريّةٌ. وقيل: إنها أنصاريّةٌ. وقد ذكر مسلم في آخر الكتاب في حديث الجسّاسة: أنها أنصاريّة، واسمها غُزَيّة. وقيل: غُزيلة- بغين معجمة مضمومة، ثم زاي فيهما- وهي بنت داود بن عوف بن عمرو بن عامر بن رواحة بن حُجير بن عبد بن معيص بن عامر بن لُؤيّ بن غالب. وقيل في نسبها: غير هذا. قيل: إنها التي وهبت نفسها للنبيّ ﷺ . وقيل: غيرها. ومعنى هذا الحديث: أن الصحابة ﵃ كانوا يزورون أم شريك، ويُكثرون التردد إليها لصلاحها، فرأى النبيّ ﷺ أن على فاطمة من الاعتداد عندها حرجًا، من حيث إنه يلزمها التحفّظ من نظرهم إليها، ونظرها إليهم، وانكشاف شيء منها، وفي التحفّظ من هذا مع كثرة دخولهم، وترددهم مشقّةٌ ظاهرةٌ، فأمرها بالاعتداد عند ابن أم مكتوم؛ لأنه لا يُبصرها، ولا يتردد إلى بيته من يتردّد إلى بيت أمّ شريك انتهى (١). (فَكُنْتُ أَضَعُ ثِيَابِي عِنْدَهُ) أي للأمن من نظره إليها. والمراد: أنها اعتدّت عنده، فكانت تضع ثيابها عنده إذا أردت أن تتكشّف لبعض حاجتها؛ لأنه أعمى لا يراها، كما بين لها ذلك النبيّ ﷺ حين أمرها بالانتقال من بين أم شريك إلى بيته (حَتَّى أَنْكَحَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) "حتى" غاية للزومها بيت ابن أم مكتوم، أي لبثت عنده إلى أن انقضت عدّتها، فزوّجها ﷺ (أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ) بن حارثة بن شَراحيل الكلبيّ، حِبَّهُ ﷺ ، وابن حِبّه الأمير الصحابيّ المشهور، مات ﵁ بالمدينة سنة (٥٤)، وهو ابن (٧٥) سنة، تقدّمت ترجمته في -٩٦/ ١٢٠. وكان تزويجها به بعد أن تقدّم إليها الْخُطّاب، ففي رواية الشعبي، عن فاطمة ١٩/ ٣٢٣٨ - قالت: خطبني عبد الرحمن بن عوف في نفر من أصحاب النبيّ ﷺ ، وخطبني رسول اللَّه ﷺ على مولاه أسامة بن زيد، وقد كنت حُدِّثتُ أن رسول اللَّه ﷺ قال: من أحبنِي، فليُحبّ أسامة، فلما كلّمني رسول اللَّه ﷺ ، قلت: أمري بيدك، فأنكحني من شئتَ … " وفي رواية أبي سلمة، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عنها -٢١/ ٣٢٤٥ - قالت: فلما حللت آذنته، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ومن خطبك؟ "، فقلت: معاوية، ورجل آخر من قريش، فقال النبيّ ﷺ : "أما معاوية فإنه غلام من غلمان قريش، لا شيء له، وأما الآخر، فإنه صاحب شرّ، لا خير فيه، ولكن انكحي أسامة بن زيد"، قالت. فكرهته، فقال لها ذلك ثلاث مرّات، فنكحتْه. وفي رواية أبي سلمة، عنها -٢٢/ ٣٢٤٥ - قالت: فلما حللتُ ذكرت له أن معاوية

стр. 13757

ابن أبي سفيان، وأبا جهم خطباني، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أما أبو جهم، فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية، فصُعلوك، لا مال له، ولكن انكحي أسامة بن زيد، فكرهته، ثم قال: انكحي أسامة بن زيد"، فنكحته، فجعل اللَّه فيه خيرًا عظيمًا". (فَأَنْكَرَ ذَلِكَ) أي خروج المطلّقة من بيتها (عَلَيْهَا مَرْوَانُ) بن الحكم (وَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ أَحَدٍ قَبْلَكِ) أي لم أسمع بخروج المعتدّة مطلقًا من بيتها قبل أن تحدّثيني به الآن (وَسَآخُذُ بِالْقَضِيَّةِ) بالقاف، والضاد المعجمة، هكذا نسخُ "المجتبى"، وهو واضح. ووقع في "الكبرى": "بالعصمة" بكسر العين، وسكون الصاد المهملتين-وهو الذي في معظم نسخ "صحيح مسلم"، قال النوويّ: معناه بالثقة، والأمر القويّ الصحيح انتهى (١) (الَّتِي وَجَدنَا النَّاسَ عَلَيْهَا) وهو وجوب السكنى للمبتوتة. وهذا يفيد أن مذهب أهل المدينة كان على أن للمطلّقة ثلاثًا السكنى. وذكر مالك في "الموطإ" أنه سمع ابن شهاب يقول: المبتوتة لا تخرج من بيتها حتى تَحِلّ، وليست لها نفقةٌ، إلا أن تكون حاملاً، فيُنفق عليها حتى تضع حملها. قال مالك: وهذا الأمر عندنا انتهى (٢). وقد أنكر على فاطمة قبل مروان عمر بن الخطّاب ﵁، ففي "صحيح مسلم": قال عمر: لا نترك كتاب اللَّه، وسنة نبينا ﷺ لقول امرأة، لا ندري لعلها حفظت، أو نسيت، لها السكنى والنفقة، قال اللَّه : ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ الآية [الطلاق: ١]. وكذلك أنكرت ذلك عليها عائشةُ، ففي "مسلم" أيضًا: وقال عروة: إن عائشة أنكرت ذلك على فاطمة بنت قيس انتهى. وقوله (مُخْتَصَرٌ) أي هذا الحديث مختصرٌ في هذه الرواية، وقد ساقه مسلم في "صحيحه"، من طريق معمر، عن الزهريّ، ولفظه: "فقالت فاطمة حين بلغها قول مروان: فبيني وبينكم القرآن، قال اللَّه : ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ الآية [الطلاق: ١]. قالت: هذا لمن كانت له مراجعةٌ، فأيّ أمر يحدث بعد الثلاث؟، فكيف تقولون: لا نفقة لها إذا لم تكن حاملاً، فعلام تحبسونها؟ " انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث فاطمة بنت قيس - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه مسلم.

стр. 13758

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٨/ ٣٢٢٣ و ١٩/ ٣٢٣٨ و ٢١/ ٣٢٤٥ و ٣٢٤٦ و"الطلاق" ٧/ ٣٤٠٤ و ٣٤٠٥ و ٣٤٠٦ و ١٥/ ٣٤١٩ و ٧٠/ ٣٥٤٦ و ٣٥٤٧ و ٣٥٤٨ و ٣٥٤٩و ٣٥٥٠ و ٧٢/ ٣٥٥٢ و ٧٣/ ٣٥٥٣ - وفي "الكبرى" ٨/ ٥٣٣٠ و ٥٣٣٢ و ١٩/ ٥٣٥١ و ٥٣٥٢ و"الطلاق" ٨/ ٥٥٩٥ و ٥٥٩٦ و ٥٥٩٨ و ٧٠/ ٥٧٣٩ و ٥٧٤٠ و ٥٧٤١ و ٥٧٤٢ و ٧٣/ ٥٧٤٦. وأخرجه (م) في "الطلاق" ١٤٠ و ١٤٨٢ (د) "الطلاق" ٢٢٨٤ و ٢٢٨٨ و ٢٢٨٩ و ٢٢٩٠ (ت) "النكاح" ١١٣٥ و"الطلاق" ١١٨٠ (ق) "الطلاق"٢٠٢٤ و ٢٠٣٢ و ٢٠٣٥ و ٢٠٣٦ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٦٥٦٠ و"مسند القبائل" ٢٦٧٨٧ و ٢٦٧٩١ و ٢٦٧٩٣ و ٢٦٧٩٧ (الموطإ) "الطلاق" ١٢٣٤ و ٢١٧٧ (الدارميّ) "الطلاق" ٢٢٧٤ و ٢٢٧٥. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان أن الكفاءة، في الدين، لا في النسب، فقد أنكح النبيّ ﷺ فاطمة بنت قيس، وهي قرشيّة أسامة بن زيد، وهو مولى، وسيأتي بيان اختلاف العلماء في ذلك في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): جواز طلاق البتّة، حيث لم ينكره ﷺ على زوج فاطمة - رضي اللَّه تعالى - عنهما. (ومنها): أن المبتوتة لا نفقة لها، ولا سكنى، وفيه اختلاف بين أهل العلم، سيأت تحقيقه في محله من "كتاب الطلاق" -٧٣/ ٣٥٥٣ - إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): أن في قوله ﷺ في أم شريك: "يغشاها أصحابي" دليلٌ على أن المرأة المتجالّة العجوز الصالحة جائز أن يغشاها الرجال في بيتها، ويتحدّثون عندها، وكذلك لها أن تغشاهم في بيوتهم، ويرونها، وتراهم فيما يحلّ، ويَجْمُلُ، وينفع، ولا يضرّ، قال اللَّه : ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور: ٦٠]. والغشيان في كلام العرب. الإلمام، والورود، قال حسّان بن ثابت ﵁[من الكامل]: يُغْشَوْنَ حَتَّى مَا تَهِرُّ كِلَابهُمْ … لَا يَسْأَلُونَ عَنِ السَّوَادِ الْمُقْبِلِ فمعنى قوله: "تلك امرأة يَغشاها أصحابي": أي يُلِمّون بها، ويَرِدون عليها، ويجلسون عندها. قاله في "الاستذكار" (١). (ومنها): أن في قوله: "تضعين ثيابك، ولا يراك" دليلاً على عدم جواز نظر الرجل

стр. 13759

إلى المرأة؛ لما فيه من داعية الفتنة. (ومنها): ما قاله أبو العبّاس القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: فيه دليلٌ على أن المرأة يجوز لها أن تطلّع من الرجل على ما لا يجوز للرجل أن يطلع عليه من المرأة، كالرأس، ومعلّق القرط، ونحو ذلك، فأما العورة فلا. ولكن هذا يعارضه ما ذكره الترمذيّ من قول النبيّ ﷺ لميمونة وأم سلمة، وقد دخل عليهما ابن أم مكتوم، فقال: "احتجبا منه"، فقالتا: إنه أعمى، فقال: "أفَعَمياوان أنتما؟، ألستما تبصرانه؟ ". والجواب من وجهين: [أحدهما]: أن هذا الحديث لا يصحّ عند أهل النقل؛ لأن راويه عن أم سلمة نبهان مولاها، وهو ممن لا يُحتجّ بحديثه. [وثانيهما]: على تقدير صحّته، فذلك تغليظ منه ﷺ على أزواجه لحرمتهنّ، كما غلّظ عليهنّ أمر الحجاب، ولهذا أشار أبو داود وغيره من الأئمة انتهى (١)، وقال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- عند قول البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى-: "باب نظر المرأة إلى الحَبَش، ونحوهم من غير ريبة": ما نصّه: وظاهر الترجمة أن المصنّف كان يذهب إلى جواز نظر المرأة إلى الأجنبيّ، بخلاف عكسه، وهي مسألة مشهورة، واختَلَف الترجيح فيها عند الشافعيّة، وحديث الباب يساعد من أجاز، وقد تقدّم في أبواب العيد جواب النوويّ عن ذلك بأن عائشة كانت صغيرةً، دون البلوغ، أو كان قبل الحجاب، وقوّاه بقوله في هذه الرواية: "فاقدروا قدر الجارية الحديثة السنّ". لكن تقدّم ما يعكُر عليه، وأن في بعض طرقه أن ذلك كان بعد قدوم الحبشة، وأن قدومهم كان سنة سبع، ولعائشة يومئذ ست عشرة سنة، فكانت بالغةٌ، وكان بعد الحجاب. وحجة من منع حديث أمّ سلمة الحديث المشهور: "أفعمياوان أنتما"، وهو حديث أخرجه أصحاب "السنن" (٢) من رواية الزهريّ، عن نبهان، مولى أم سلمة، عنها، وإسناده قوي، وأكثر ما عُلّل به انفراد الزهريّ بالرواية عن نبهان، وليست بعلّة قادحة، فإن من يعرفه الزهريّ، ويصفه بأنه مكاتب أم سلمة، ولم يجرحه أحدٌ، لا تُردّ روايته. والجمع بين الحديثين احتمال تقدّم الواقعة، أو أن في قصّة الحديث الذي ذكره نبهان شيء يمنع النساء من رؤيته؛ لكون ابن أم مكتوم كان أعمى، فلعلّه كان منه شيء ينكشف، ولا يشعر به. ويقوّي الجواز استمرار العمل على جواز خروج النساء إلى المساجد، والأسواق،

стр. 13760

والأسفار، منتقبات؛ لئلا يراهنّ الرجال، ولم يؤمر الرجال قطّ بالانتقاب لئلا يراهم النساء، فدلّ على تغاير الحكم بين الطائفتين، وبهذا احتجّ الغزاليّ على الجواز، فقال: لسنا نقول: إن وجه الرجل في حقّها عورةٌ كوجه المرأة في حقّه، بل هو كوجه الأمرد في حقّ الرجل، فيحرم النظر عند خوف الفتنة فقط، وإن لم تكن فتنة فلا، إذ لم يزل الرجال على ممرّ الزمان مكشوفي الوجوه، والنساء يخرجن منتقبات، فلو استووا لأُمر الرجال بالتنقّب، أو منعن من الخروج انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي ذهب إليه البخاريّ، وحقّقه الغزاليّ، وأقرّه الحافظ -رحمهم اللَّه تعالى- هو الحقّ الحقيق بالقبول، حيث دلّ عليه صحيح المنقول، وما عداه، كحديث أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها - المذكور يحمل على الاحتياط، ولا سيّما في حقّ أزواج النبيّ ﷺ ، فقد قال اللَّه تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٢]، وقد أمر اللَّه تعالى أن لا يكلّمن إلا من وراء حجاب، متجالّات كنّ، أو غير متجالّات، والحجاب عليهنّ أشدّ منه على غيرهنّ؛ لظاهر القرآن، وحديث نبهان المذكور، كما أشار إلى ذلك ابن عبد البرّ (٢). وكذا قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ الآية [النور: ٣١] محمول على الاستحباب، أو على خوف الفتنة، وإلى ذلك أشار البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- حيث قال: "من غير ريبة". والحاصل أن نظر المرأة إلى الرجال الأجانب جائز عند أمن الخوف من الفتنة، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتهوَّر بالاعتساف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (ومنها): أن الخِطبة المنهيّ عنها في قوله ﷺ : "ولا يخطب على خطبة أخيه" محمول على ما إذا كان هنا ركون وميل، ومقاربة، فأما إذا لم يوجد ذلك، فلا يُمنع، فقد قالت فاطمة: إن معاوية، وأبا جهم خطباني، فلم ينكر عليها النبيّ ﷺ ذلك، بل خطبها مع ذلك لأسامة بن زيد، حيث لم يحصل منها ميل إليهما، ولا إلى أحد منهما. (ومنها): أن من أخبر بعيب أخيه لمن استنصحه عند الخِطبة، أو نحوها ليس بمغتاب له، بل جائز، من باب النصيحة التي هي الدين، لما في "صحيح مسلم" من حديث تميم الداريّ ﵁، مرفوعًا: "الدين النصحية"، قلنا: لمن؟، قال: "للَّه، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم". ولحديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه -، مرفوعا: "حقّ المسلم على المسلم ستٌّ، وفيه: "وإذا استنصحك، فانصح له … " الحديث.
следующие страницы →