المخصوص أن فيه أشياء ملغاة عن الاعتبار في المقصود من الفعل.
فإذا تركت هذه الأشياء لم يكن الفعل مماثلا حقيقة لذلك الفعل، ولم يقدح تركها في المقصود منه، وهو رفع الحدث، وترتب الثواب.
وإنما احتجنا إلى هذا، وقلنا به لأن هذا الحديث ذكر لبيان فعل يقتدى به، ويحصل الثواب الموعود عليه، فلابد أن يكون الوضوء المحكي المفعول محصلا لهذا الغرض، فلهذا قلنا: إما أن يكون استعمل "نحو" في غير حقيقتها أي بمعنى "مثل" أو يكون ترك ما علم قطعا أنه لا يخل بالمقصود، فاستعمل "نحو" في حقيقتها مع عدم فوات المقصود. والله أعلم.
ويمكن أن يقال: إن الثواب يترتب على مقارنة ذلك الفعل، تسهيلا وتوسيعا على المخاطبين من غير تضييق، وتقييد بما ذكرناه أوّلا، إلا أن الأول أقرب إلى مقصود البيان.
ثم قال: هذا الثواب الموعود به يترتب على مجموع أمرين:
أحدهما: الوضوء على النحو المذكور والثاني: صلاة ركعتين بعده بالوصف المذكور بعده في الحديث، والمرتب على مجموع أمرين لا يلزم ترتبه على أحدهما إلا بدليل خارج.
وقد أدخل قوم هذا الحديث في فضل الوضوء، وعليهم في ذلك هذا السؤال الذي ذكرناه، ويجاب عنه: بأن كون الشيء جزءا مما يترتب عليه الثواب العظيم كاف في كونه ذا فضل، فيحصل المقصود من كون الحديث دالا على فضيلة الوضوء، ويظهر بذلك الفرق بين حصول الثواب المخصوص، وحصول مطلق الثواب، فالثواب المخصوص يترتب على مجموع الوضوء على النحو المذكور، والصلاة الموصوفة بالوصف المذكور. ومطلق الثواب قد يحصل بما دون ذلك. اهـ إحكام الأحكام [جـ ١ ص ١٨٤، ١٨٩].
стр. 1402
(ثم قام فركع ركعتين) وهاتان الركعتان مستحبتان، كما تقدم في الباب ٦٨/ ٨٤ وقوله: (لا يحدث فيهما نفسه) جملة في محل نصب صفة لركعتين، وتقدم في ٦٨/ ٨٤ زيادة "بشيء" والمراد أنه لا يحدث نفسه بشيء من أمور الدنيا.
لما في رواية الترمذي الحكيم في هذا الحديث "لا يحدث نفسه بشيء من الدنيا".
وهي في الزهد لابن المبارك أيضا، والمصنَّف لابن أبي شيبة قاله في الفتح [جـ ١ ص ٣١٢]، وقال العلامة ابن دقيق العيد: قوله:"لا يحدث فيهما نفسه" إشارة إلى الخواطر، والوساوس الواردة على
النفس، وهي على قسمين: أحدهما: ما يهجُم هجما يتعذر دفعه عن النفس. والثاني: ما تسترسل معه النفس، ويمكن قطعه ودفعه. فيمكن أن يحمل هذا الحديث على هذا النوع الثاني.
فيخرج عنه النوع الأول لعسر اعتباره. ويشهد لذلك لفظة "يحدث نفسه" فإنه يقتضي تكسبا منه، وتفعلا، لهذا الحديث (١)، ويمكن أن يحمل على النوعين معا، إلا أن العسر إنما يجب دفعه عفا يتعلق بالتكاليف.
والحديث إنما يقتضي ترتب ثواب مخصوص على عمل مخصوص.
فمن حصل له ذلك العمل: حصل له ذلك الثواب، ومن لا فلا.
وليس ذلك من باب التكاليف حتى يلزم دفع العسر عنه. نعم لابد وأن تكون تلك الحالة ممكنة الحصول.
أعني الوصف المرتب عليه الثواب المخصوص، والأمر كذلك فإن المتجردين عن شواغل الدنيا الذين غلب ذكر الله على قلوبهم وغمرها تحصل لهم تلك الحالة، وقد حكى بعضهم ذلك. اهـ إحكام [جـ ١ ص ١٩٠، ١٩٢].
стр. 1403
ثم إن تلك الخواطر منها ما يتعلق بالدنيا، والمراد دفعه مطلقا، ومنها ما يتعلق بالآخرة فإن كان أجنبيا أشبه أحوال الدنيا، وإن كان من متعلقات الصلاة كالتفكر في معاني القرآن والأذكار فلا، أفاده في الفتح جـ ١ ص ٣١٣.
(غفر له ما تقدم من ذنبه) قال العلامة ابن دقيق العيد ﵀: ظاهره العموم في جميع الذنوب، وقد خصوا مثله بالصغائر.
وقالوا: إن الكبائر إنما تكفر بالتوبة وكأن المستند في ذلك أنه ورد مقيدا في مواضع، كقوله ﷺ "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر" فجعلوا هذا القيد في هذه الأمور مقيدا للمطلق في غيرها. اهـ إحكام جـ ١ ص ١٩٢، ١٩٣.
وقال العلامة الصنعاني في حاشيته عليه: ما نصه: اتفقت كلمتهم في أحاديث الترغيب الموعود فيها بالغفران على أعمال من البر أنه خاص بغفران الصغائر دون الكبائر، فإنها لا تغفر إلا بالتوبة كقوله: ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ إلى قوله ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠﴾، فلو كان لها مكفر غير التوبة لذكر، وبأنه ﷺ قيد كثيرا من غفران الذنوب بأنواع من الطاعات بقيد "ما اجتنبت الكبائر" فدل على أنها لا تكفر الكبائر بالطاعات غير التوبة، ودلت الآية على أنها لا تكفر الصغائر إلا بشرط اجتناب الكبائر.
فههنا دعويان: إحداهما: أن الصغائر لا تكفر بالطاعات إلا بشرط اجتناب فاعلها الكبائر، والثانية: أن الكبائر لا تكفر إلا بالتوبة.
أما دليل الأولى فإنه ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية النساء ٣١.
وحديث "الصلوات الخمس" إلى آخره، أخرجه أحمد، ومسلم،
стр. 1404
والترمذي، من حديث أبي هريرة، وهذه أمهات الطاعات، فهذا قيدت بذلك فاعتبار التقييد في غيرها بالأولى.
وأما دليل الثانية: فهذا الحديث أيضا، فإنها إذا اشترط اجتناب الكبائر في التكفير للصغائر دل أنها لا تكفر بطاعة سوى التوبة كما دلت لذلك الآيات المصرحة بذلك، وقد سلف بعضها.
فقول الشارح المحقق: وكأن المستند في ذلك أي فيما قيد من الحكمين، وإن كان صريح كلامه في أحدهما، فالثاني يدل له المقام.
وقوله: وكأن، فيه، إشارة إلى أن للمناقشة مجالا في هذا بأن يقال: مقادير الطاعات مختلفة، لا يعلم قدر كل طاعة إلا الله، فيجوز أن يكون من الطاعات ما يكفر الكبائر كما ورد في الحج أنه "يخرج منه كيوم ولدته أمه" وغيره مما لم يقيد بذلك القيد كما ورد في المريض "أنه لا يزال به البلاء حتى يتركه يمشي، وليس عليه خطيئة " فحمل هذه المطلقات على تلك المقيدات لا يتم، إلا إذا علم تساويهما في قدر الجزاء عند الله، وهو لا يعلم إلا بإعلام الله، ورسوله ﷺ ، وحينئذ فيجوز أن بعض الطاعات تكفر الكبائر، فلا يتم اطراد التقييد، وكأنه لذلك نسبه إليهم بقوله: فقالوا، على أنه لا يخفى عليك أن هذا كله مشي معهم على ظاهر قولهم: أن هذه الطلقات مقيدات بما قيد به بعض الطاعات من قيد اجتناب الكبائر، وعلم من الأصول أنه لا يلحق المطلق بالمقيد إلا إذا اتحد سببهما وحكمهما، وهنا الاختلافات أوضح من الشمس، ولا سبيل إلى القياس لما سمعت من عدم الجامع وتعيينه. اهـ عدة جـ ١ ص ١٩٢، ١٩٣.
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الصنعاني ﵀ أخيرًا هو الذي يترجح عندي، وحاصله عدم تقييد النصوص بقيد اجتناب الكبائر، بل
стр. 1405
الطاعات التي أطلق الشارع عليها بأنها تكفر الذنوب، ولم يقيدها بشيء فإنها تكفر مطلقا، لما ذكر من التعليل ولأن هذا من باب الفضل والكرم فلله أن يجعل لبعض الطاعات خصوصية ليست لغيرها، وإن كانت مفضولة وإنما التقييد يجري في الأحكام التكليفية كما لا يخفى. والله أعلم.
مسائل تتعلق بحديث الباب
المسألة الأولى: في درجة الحديث: حديث الباب متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان المواضع التي ذكره المصنف فيها، وفيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول وغيرهم.
أخرجه المصنف هنا وفي الباب ٦٨، وفي الباب ٦٩ وقد ذكرنا تفصيله في الباب ٦٨.
وأخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والدراقطني، والبيهقي كما تقدم تفصيله هناك.
المسألة الثالثة: في ذكر اختلاف العلماء في وجوب الترتيب:
قال العلامة ابن رشد في بدايته: اختلفوا في وجوب ترتيب أفعال الوضوء على نسق الآية فقال قوم: هو سنة، وهو الذي حكاه المتأخرون من أصحاب مالك عن المذهب، وبه قال أبو حنيفة، والثوري، وداود.
وقال قوم: هو فريضة، وبه قال الشافعي، وأحمد، وأبو عبيد، وهذا كله في ترتيب المفروض مع المفروض، وأما ترتيب الأفعال المفروضة مع الأفعال المسنونة، فهو عند مالك مستحب، وقال أبو حنيفة: هو سنة: وسبب اختلافهم شيئان: أحدهما: الاشتراك الذي في واو العطف، وذلك أنه قد يعطف بها الأشياء المرتبة بعضها على بعض، وقد يعطف بها غير المرتبة، وذلك ظاهر من استقراء كلام
стр. 1406
العرب، ولذلك انقسم النحويون فيها قسمين، فقال نحاة البصرة: ليس تقتضي نسقًا ولا ترتيبًا، وإنما تقتضي الجمع فقط، وقال الكوفيون: بل تقتضي النسق والترتيب، فمن رأى أن الواو في آية الوضوء تقتضي الترتيب قال بإيجاب الترتيب، ومن رأى أنها لا تقتضي الترتيب لم يقل بإيجابه.
والسبب الثاني: اختلافهم في أفعاله ﵊، هل هي محمولة على الوجوب، أو على الندب؟ فمن حملها على الوجوب قال: بوجوب الترتيب؛ لأنه لم يرو عنه ﵊ أنه توضأ قط إلا مرتبًا، ومن حملها على الندب، قال: إن الترتيب سنة، ومن فرق بين المسنون، والمفروض من الأفعال، قال: إن الترتيب الواجب إنما ينبغي أن يكون في الأفعال الواجبة، ومن لم يفرق قال: إن الشروط الواجبة قد تكون في الأفعال التي ليست واجبة اهـ بداية المجتهد جـ ١ ص ١٦ - ١٧.
وقال النووي في شرح المهذب: ما حاصله: إن الترتيب واجب عند الشافعي.
وهو محكي عن عثمان بن عفان، وابن عباس، ورواية عن علي بن أبي طالب، ﵃، وبه قال قتادة، وأبو ثور، وأبو عبيد، وإسحاق بن راهويه، وهو المشهور عن أحمد.
وقالت طائفة لا يجب حكاه البغوي عن أكثر العلماء، وحكاه ابن المنذر عن علي، وابن مسعود ﵄، وبه قال سعيد بن المسيب، والحسن، وعطاء، ومكحول، والنخعي، والزهري، وربيعة، والأوزاعي، ومالك، وأصحابهما، والمزني، وداود، واختاره أبو نصر البندنجي من الشافعية.
واحتج لهم بآية الوضوء، والواو لا تقتضي ترتيبًا، فكيفما غسل
стр. 1407
المتوضئ أعضاءه كان ممتثلا للأمر، قالوا: روى (١) ابن عباس ﵄ "أن النبي ﷺ توضأ فغسل وجهه، ثم يديه، ثم رجليه، ثم مسح رأسه".
واحتج من أوجب الترتيب بالأحاديث الصحيحة المستفيضة عن جماعات من الصحابة في صفة وضوء النبي ﷺ ، وكلهم وصفوه مرتبا مع كثرتهم، وكثرة المواطن التي رأوه فيها، وكثرة اختلافهم في صفاته في مرة ومرتين، وثلاث، وغير ذلك، ولم يثبت فيه مع اختلاف أنواعه صفة غير مرتبة، وفعله ﷺ بيان للوضوء المأمور به، ولو جاز ترك الترتيب لتركه في بعض الأحوال لبيان الجواز كما ترك التكرار في أوقات اهـ المجموع باختصار، وتغيير جـ ١ ص ٤٤٣، ٤٤٦.
قال الجامع عفا الله عنه:
الراجح عندي قول من قال بوجوب الترتيب لما أخرجه المصنف (٢) في صفة حجة النبي ﷺ من حديث جابر ﵁ قال: قال النبي ﷺ "فابدأوا بما بدأ الله" بلفظ الأمر، وهو عند مسلم بلفظ الخبر فإنه عام، لا يقتصر على سببه عند الجمهور، كما تقرر في الأصول، وآية الوضوء مندرجة تحت ذلك العموم كما أفاده الشوكاني ج ١ ص ٢١٨.
ولأن فعل النبي ﷺ بيان للآية لأن الراجح أن الآية مجملة كما قدمنا تحقيقه في المسألة السابعة من الباب ٦٨ من الحديث ٨٤ فارجع إليه، فهذا كان الفعل بيانا للإجمال دل على الوجوب فتفطن. والله أعلم.
وبقية مباحث الحديث تقدمت في الباب ٦٨/ ٨٤.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 1408
٩٥ - بَابُ الوُضُوءِ في النَّعْلِ
أي هذا باب في ذكر الحديث الدال على مشروعية الوضوء في النعل.
والنعل: بالفتح: الحذاء وهي مؤنثة وتطلق على التاسومة، والجمع: أنعُل، ونِعَال. مثل سهم، وأسهم، وسهام قاله في المصباح ج ٢ ص ٦١٣ وقال السندي: أراد بالوضوء غسل الرجل، فإنه المتعارف في الوضوء دون المسح، وقوله: في النعل، أي وقت لبس النعل، أي إذا كان الإنسان لابسَ نعلين في رجليه يجب عليه غسل رجليه، ولا يجوز له الاكتفاء بالمسح على النعلين، كما في الخفين اهـ ج ١ ص ٨٠.
وقال البخاري ﵀ في صحيحه: "باب غسل الرجلين في النعلين، ولا يمسح على النعلين" ثم أورد حديث ابن عمر الآتي.
وسيأتي تحقيق المسألة في المسائل آخر الباب إن شاء الله تعالى.
١١٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، وَمَالِكٍ، وَابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عُمَرَ: رَأَيْتُكَ تَلْبَسُ هَذِهِ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ، وَتَتَوَضَّأُ فِيهَا؟ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَلْبَسُهَا وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا.
رجال الإسناد: ثمانية
١ - (محمَّد بن العلاء) بن كريب الهمداني، أبو كريب الكوفي
стр. 1409
الحافظ أحد الأثبات، المكثرين. عن هشيم، وابن المبارك، وابن عيينة، وابن إدريس وخلق، وعنه الجماعة. قال ابن عقدة: ظهر له بالكوفة ثلاثمائة ألف حديث، قال البخاري: مات سنة ٢٤٨ وقيل:
سنة ٢٤٧ ثقة حافظ من [١٠]، ع.
٢ - (ابن إدريس) هو عبد الله بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي الزَّعَافري بفتح الزاء المعجمة والعين وكسر الفاء أبو محمَّد الكوفي، أحد الأعلام.
عن أبيه وعمه داود، وسهيل بن أبي صالح، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وخلق. وعنه أحمد، وإسحاق، وابن معين، وعبد الله ابن أبي شيبة وأبو خيثمة، وزياد بن أيوب، وخلق.
قال ابن معين: ثقة في كل شيء. قال أبو حاتم: ثقة حجة إمام من أئمة المسلمين، قال النسائي: ثقة ثبت، وقال عبد الرحمن بن أحمد: كان نسيج وحده وقال ابن عمار: كان من الصالحين، وإذا لحن عنده رجل لم يحدثه، ومن كلامه: عجبت لمن انقطع إلى رجل ويدع أن ينقطع إلى من له السماوات والأرض. قال ابن سعد: مات سنة ١٩٢ أخرج له الجماعة. وفي (ت) ثقة فقيه، عابد من [٨].
٣ - (عبيد الله) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، العمري، أبو عثمان المدني، أحد الفقهاء السبعة (١)، والعلماء الأثبات عن أبيه، وخاله، خبيب بن عبد الرحمن، والقاسم، وسالم، ونافع، وعطاء، والزهري، وخلق، وعنه شعبة، والسفيانان، والليث، ومعمر، وخلق كثير. قال النسائي: ثقة ثبت، وقال ابن معين:
стр. 1410
عبيد الله، عن القاسم، عن عائشة، الذهب المشتبك بالدُّرّ. وقال أحمد: هو أثبت من مالك في نافع، قال الخطيب: حدث عنه أيوب، وعبد الرزاق، وبين وفاتيهما ثمانون سنة. قال الهيثم بن عدي: مات سنة ١٤٨ وأخرج له الجماعة، وفي "ت" ثقة ثبت [٥].
٤ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الحجة المثبت الفقيه أبو عبد الله [٧]، تقدم ١٩/ ٢٠.
٥ - (ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، الأموي مولاهم، أبو الوليد، وأبو خالد المكي، الفقيه، أحد الأعلام. عن ابن أبي مليكة، وعكرمة مرسلا، وعن طاوس مسألة، ومجاهد، ونافع، وخلق. وعنه يحيى بن سعيد الأنصاري أكبر منه، والأوزاعي، والسفيانان، وخلق.
قال ابن المديني: لم يكن في الأرض أحد أعلم بعطاء من ابن جريج.
وقال أحمد: إذا قال: أخبرنا، وسمعت، حسبك به. وقال ابن معين: ثقة، إذا روى من الكتاب، قال أبو نعيم: مات سنة ١٥٠، أخرج له الجماعة، وفي "ت" ثقة فقيه فاضل، يدلس ويرسل [٦].
٦ - (المقبري) سعيد بن أبي سعيد كيسان أبو سعد المدني، أرسل عن أم سلمة، وروى عن أبيه، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وأنس، وخلق وعنه عمرو بن شعيب، وأيوب بن موسى، وعبيد الله بن عمر،
والليث، وهو أثبت الناس فيه.
قال ابن خراش: ثقة جليل. قال الواقدي: اختلط قبل موته بثلاث سنين قال ابن سعد: مات سنة ثلاث وعشرين وقال أبو عبيد: سنة ١٢٥ أخرج له الجماعة، وفي "ت" ثقة [٣]، تغير قبل موته بأربع سنين.
والمقبري: بفتح الميم، وضم الباء وفتحها نسبة إلى المقبرة لمجاورته
стр. 1411
لمقبرة المدينة، وقيل: لأن عمر جعله على حفر القبور بالمدينة أفاده النووي في تهذيب الأسماء جـ ١ ص ٢١٩.
٧ - (عبيد بن جريج) التيمي مولاهم المدني، عن ابن عمر فرد حديث، وعن أبي هريرة، وعنه المقبري، وزيد بن أسلم، وثقه النسائي، أخرج له الجماعة. وفي "ت" ثقة من -٣ - .
٨ - (ابن عمر) عبد الله بن عمر بن الخطاب، أبو عبد الرحمن، أحد العبادلة، وأحد المكثرين، تقدم في ١٥/ ١٥.
لطائف الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات، اتفق الجماعة بإخراج أحاديثهم، وأنهم ما بين كوفيين، وهما أبو كريب محمَّد ابن العلاء، وابن إدريس، ومكي، وهو ابن جريج، ومدنيين، وهم
الباقون.
ومنها: أن شيخه أحد المشايخ الذين اتفق أصحاب الأصول في الأخذ عنهم بلا واسطة، وتقدموا غير مرة. ومنها أن فيه رواية تابعي، عن تابعي: سعيد، عن عبيد، ومنها أن فيه الإخبار، والتحديث،
والعنعنة، والقول.
شرح الحديث
(عن عبيد الله) بن عمر العمري "ومالك وابن جريج" بالجر عطفا على عبيد الله، يعني أن ابن إدريس يروي عن عبيد الله، ومالك بن أنس، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، ويروي الثلاثةُ (عن) سعيد ابن أبي سعيد -كيسان- (المقبري) بفتح الميم، وسكون القاف، وفتح الباء وضمها نسبة إلى مقبرة المدينة لمجاورته لها، أو لأن عمر جعله على حفر القبور بها. كما مر آنفًا عن النووي (عن عبيد بن جريج) التيمي
стр. 1412
المدني. أنه (قال: قلت لابن عمر: رأيتك تلبس) من باب تعب، لبسا بالضم. كما في الصباح (هذه النعال) بكسر النون جمع نعل بفتح فسكون، ويجمع على أنعل أيضا. مثل سهم، وسهام، وأسهم، وهي الحذاء، وهي مؤنثة، وتطلق على التاسومة أفاده في المصباح.
(السبتية) نسبة إلى سبت بكسر السين، وسكون الباء الموحَّدة وفي آخره تاء مثناة من فوق وهو جلد البقر المدبوغ بالقرظ، وقال أبو عمرو: كل مدبوغ فهو سبت، وقال أبو زيد: هى السبت مدبوغة وغير مدبوغة وقيل السبتية: التي لا شعر عليها، وقيل: التي عليها الشعر. وفي المحكم: خص بعضهم به جلود البقر مدبوغة، أو غير مدبوغة.
وفي التهذيب للأزهري: إنما سميت سبتية لأن شعرها قد سبت عنها، أي حلق، وأزيل، يقال: سبت رأسه: إذا حلقه، وفي الغريبين: سميت سبتية لأنها انسبتت بالدباغَ: أي لانت.
وفي كتاب ابن التين عن الداودي: نسبة إلى سوق السبت، وقيل: هى سود لا شعر فيها اهـ عمدة القاري جـ ٢ ص ٣٢٢.
وفي اللسان: وقال الأزهري: وحديث النبي ﷺ يدل على أن السبت ما لا شعر عليه. وفي الحديث: أن عبيد بن جريج قال لابن عمر: رأيتك تلبس النعال السبتية، فقال: "رأيت النبي ﷺ يلبس النعال التي ليس عليها شعر، ويتوضأ فيها، فأنا أحب أن ألبسها "، قال: إنما اعترض عليه؛ لأنها نعال أهل النعمة، والسعة قال الأزهري: كأنها سميت سبتية؛ لأن شعرها قد سبت عنها أي حلق، وأزيل بعلاج من الدباغ معلوم عند دباغيها اهـ لسان جـ ٢ ص ٣٦، ٣٧.
(وتتوضأ فيها) أي في النعال أي تغسل رجليك، وهما في النعلين (قال) ابن عمر ﵄ مجيبا عن هذا السؤال بذكر مستنده
стр. 1413
(رأيت رسول الله ﷺ يلبسها) ينتعل النعال السبتية (ويتوضأ فيها) أي يغسل رجليه فيها، إذ المراد بالوضوء الغسل بدليل قوله: فيها لأن "في" للظرفية، ولو أراد المسح لقال: عليها. أفاده العيني ج ٢ ص ٣٣٣، وقال السندي: ومعنى يتوضأ فيها: أي يتوضأ في حال لبسها، والمتبادر الوضوء المعتاد في حال لبسها اهـ جـ ١ ص ٨١.
وحاصل المعنى أن ابن عمر يقول: إنما أفعل هذا اتباعًا للنبي ﷺ حيث كان يلبس النعال السبتية، ويتوضأ فيها. والله أعلم، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بحديث الباب
المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عمر هذا حديث متفق عليه.
المسألة الثانية: في ذكر من أخرجه من أصحاب الأصول. أخرجه البخاري، ومسلم، والمصنف، وأبو داود، والترمذي في الشمائل، وابن ماجه.
فأما البخاري: فأخرجه في الطهارة ٣١ عن عبد الله بن يوسف.
وفي اللباس ٣٧/ ٢ عن القعنبي- كلاهما عن مالك عن سعيد المقبري. عن عبيد بن جريج، عن ابن عمر ﵄.
وأما مسلم: فأخرجه في الحج ٥/ ١ عن يحيى بن يحيى، عن مالك بالسند المذكور. و ٥/ ٢ عن هارون بن سعيد الأيلي، عن ابن وهب، عن أبي صخر، عن يزيد بن قسيط، عن عبيد بن جريج قال: حججت مع ابن عمر بين حج وعمرة ثنتي عشرة مرة، وساق الحديث، وفيه المخالفة لرواية المقبري في قصة الإهلال.
وأما المصنف فأخرجه هنا (٩٥) عن أبي كريب، عن ابن إدريس، عن مالك وعبيد الله بن عمر، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ثلاثتهم
стр. 1414
عن المقبري بقصة النعال (١) مختصرة وأخرج قصة الاستلام، وقصة الإهلال في الحج (٥٦/ ٧)، و (١٥٨/ ١) بهذا الإسناد، وزاد فيه ابن إسحاق معهم في قصة الإهلال، وفي الزينة (٦٣) عن يحيى بن حكيم، عن أبي قتيبة سلم بن قتيبة، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن زيد بن أسلم عنه بقصة الصبغ.
وأما أبو داود فأخرجه في المناسك (٢١/ ٣) عن القعنبي، عن مالك، عن سعيد المقبري، عن عبيد بن جريج به.
وأما الترمذي فأخرجه في الشمائل (١١/ ٤) عن إسحاق بن موسى، عن معن، عن مالك، بقصة النعال.
وأما ابن ماجه فأخرجه في اللباس (٣٤/ ١) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة، عن عبيد الله بن عمر بقصة التصفير.
ورواه عبد العزيز بن محمَّد الدراوردي، عند أبي داود، والنسائي عن زيد بن أسلم عن ابن عمر. قاله أبو الحجاج المزي في الأطرف جـ ٦/ ص ٦.
فأبو داود، في اللباس (١٧) عن القعنبي، عن الدراوردي، عنه به.
والنسائي في الزينة (١٧/ ١) عن يعقوب بن إبراهيم، عن الدراوردي بمعناه و (٣٠) عن محمَّد بن علي بن ميمون عن القعنبي، عن عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه نحوه: أن ابن عمر كان يصبغ ثيابه بالزعفران … الحديث رواه يحيى بن حكيم المقوم، وفي الزينة (٦٣) عن أبي قتيبة سلم ابن قتيبة، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن زيد بن أسلم، عن عبيد بن جريج، عن ابن عمر.
стр. 1415
ورواه عقبة بن مكرم، عن أبي قتيبة، عن عبد الرحمن بن محمد الله، عن زيد بن أسلم، قال: قال رجل يقال له: عبيد لابن عمر، ولم يقل عن عبيد أفاده المزي في الأطراف جـ ٥ ص ٣٤٨.
المسألة الثالثة: قد وعدتُ في أول الباب تحقيق مسألة المسح على النعلين، وأقوال العلماء في ذلك. فأقول:
اختلف العلماء في المسح على النعلين، فذهب قوم إلى أن المسح على النعلين جائز كما يمسح على الخفين، وخالفهم في ذلك آخرون.
قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب غسل الرجلين في النعلين، ولا يمسح على النعلين". فقال الحافظ: وأشار بذلك إلى ما روي عن علي، وغيره من الصحابة أنهم مسحوا على نعالهم في الوضوء ثم صلوا، وروي في ذلك حديث مرفوع أخرجه أبو داود، وغيره من حديث المغيرة بن شعبة لكن ضعفه عبد الرحمن بن مهدي وغيره من الأئمة اهـ فتح جـ ١ ص ٣٢٢.
قال الجامع عفا الله عنه:
حديث أبي داود هو حديث أوس بن أبي أوس الثقفي أنه رأى رسول الله ﷺ أتى كظامة (١) قوم، فتوضأ ومسح على نعليه، وقدميه".
وقال البدر العيني، ﵀: قوله: "ومسح على نعليه، وقدميه" ظاهره يقتضي جواز المسح على النعلين، والقدمين، لكن المراد منه: أنه كان في الوضوء التطوع لا في الوضوء من حدث، يؤيده ما أخرجه ابن خزيمة في صحيحه، وترجم عليه "باب ذكر الدليل على أن مسح النبي ﷺ على النعلين كان في وضوء التطوع لا من حدث" بسنده عن سفيان عن السدي، عن عبد خير، عن علي ﵁،
стр. 1416
أنه دعا بكوز من ماء، ثم توضأ وضوءا خفيفا، ومسح على نعليه، ثم قال: هكذا وضوء رسول الله ﷺ للطاهر ما لم يحدث (١).
وقال ابن حبان في صحيحه: هذا إنما كان في الوضوء النفل، ثم استدل عليه بحديث أخرجه بسنده عن النزّال بن سَبْرَة عن علي، أنه توضأ، ومسح برجليه، وقال "رأيت رسول الله ﷺ فعل كما فعلت، وهذا وضوء من لم يحدث".
وقال البيهقي: معنى مسح على نعليه: أي غسلهما في النعل، وهذا أيضا جواب حسن لأنا قد ذكرنا أن المسح قد يجىء بمعنى الغسل.
وجواب آخر أن الذي نقل عن النبي ﷺ أنه غسل رجليه جم غفير.
والذي نقل أنه مسح على نعليه قليل، والقضية واحدة، والعدد الكثير أولى بالحفظ من العدد اليسير مع فضل من حفظ على من لم يحفظ اهـ كلام العيني كما نقله عنه في المنهل جـ ٢ ص١٤٠.
وقال الطحاوي بعد تخريج الحديث (٢): فذهب قوم إلى المسح على النعلين كما يمسح على الخفين، وقالوا قد شد ذلك ما روى بسنده عن أبي ظبيان أنه رأى عليا بال قائمًا، ثم دعا بماء فتوضأ، ومسح على نعليه، ثم دخل السجد فخلع نعليه، ثم صلى.
وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لا نَرَى المسحَ على النعلين، وكان من الحجة لهم في ذلك أنه قد يجوز أن يكون رسول الله ﷺ مسح على نعلين تحتهما جوربان، وكان قاصدا بمسحه ذلك إلى جوربيه لا إلى نعليه وجورباه مما لو كانا عليه بلا نعلين جاز له أن يمسح عليهما فكان مسحه ذلك مسحًا أراد به الجوربين، فأتى ذلك على الجوربين والنعلين، فكان
стр. 1417
مسحه على الجوربين وهو الذي تطهر به، ومسحه على النعلين فَضْل.
قال: وقد بين ذلك ما حدثنا علي بن معبد بسنده، عن أبي موسى "أن رسول الله ﷺ مسح على جوربيه، ونعليه" وكذلك أخرجه بسنده عن المغيرة عن مسح النبي ﷺ على نعليه كيف كان منه.
وقد روي عن ابن عمر في ذلك وجه فأخرجه بسنده عن نافع أن ابن عمر كان إذا توضأ ونعلاه في قدميه مسح على ظهور قدميه بيديه، ويقول: كان رسول الله ﷺ : يصنع هكذا، فأخبر ابن عمر أن رسول الله ﷺ : قد كان في وقت ما كان يمسح على نعليه يمسح على قدميه، فقد يحتمل أن يكون ما مسح على قدميه هو الفرض، وما مسح على نعليه كان فضلا.
فحديث ابن أبي أوس: يحتمل عندنا ما ذكر فيه عن رسول الله ﷺ من مسحه على نعليه أن يكون كما قال أبو موسى، والمغيرة، أو كما قال ابن عمر، فإن كان كما قال أبو موسى، والمغيرة فإنا نقول بذلك؛ لأنا لا نرى بأسا بالمسح على الجوربين إذا كانا صفيقين، قد قال ذلك أبو يوسف، ومحمد، وأما أبو حنيفية: فإنه كان لا يرى ذلك حتى يكونا صفيقين، ويكونا مجلدين، فيكونان كالخفين، وإن كان كما قال ابن عمر، فإن في ذلك إثبات المسح على القدمين، فقد ثبت ذلك، فعلى أي المعنيين كان وجه الحديث، فليس في ذلك ما يدل على جواز المسح على النعلين اهـ ملخصا اهـ المنهل ج ٢ ص١٤١.
وقال الطيبي معنى قوله: والنعلين هو أن يكون قد لبس النعلين فوق الجوربين، وكذا قال الخطابي في المعالم.
قال المباركفوري: قلت هذا المعنى هو الظاهر اهـ تحفة ج ١ ص ٣٢٧.
стр. 1418
قال الجامع عفا الله عنه:
هذا الذي قاله الطيبي، والخطابي، والمباركفوري هو الذي يترجح عندي. والله أعلم.
المسألة الرابعة: في حكم لبس النعال السبتية: قال أبو عمر: لا أعلم خلافا في جواز لبسها في غير المقابر وحكى (١) عن ابن عمر أنه روى عن رسول الله ﷺ أنه لبسها، وإنما كره قوم لبسها في المقابر لقوله ﷺ لذلك الماشي بين المقابر "ألق سبتيتك" وقال قوم: يجوز ذلك، ولو كان في المقابر، لقوله ﷺ "إذا وضع الميت في قبره انه يسمع قرع نعالهم" وقال الحكيم الترمذي في نوادر الأصول: أن النبي ﷺ إنما قال لذلك الرجل "الق سبتيتك" لأن الميت كان يسأل، فلما صَرَّ (٢) نعل ذلك الرجل شغله عن جواب الملكين، فكاد يهلك، لولا أن ثبته الله تعالى. اهـ عمدة القارى ج ٢ ص ٣٢٤.
قال الجامع عفا الله عنه:
في كلام الحكيم الترمذي عندي نظر؛ لأنه ما ذكر مستنده فيه فتنبه.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 1419
٩٦ - بَابُ المَسْحِ عَلَى الخُفَّيْنِ
أي هذا باب في ذكر الأحاديث الدالة على مشروعية المسح على الخفين، والظاهر أن الباب للمسح في الحضر بدليل الباب التالي، حيث جعله في السفر، والمناسبة بين الأبواب واضحة، لا تحتاج إلى بيانها، وقدم أبواب المسح على الخفين على أبواب الغسل، لأن المسح من توابع الوضوء وقدمها على أبواب التيمم لأن التيمم خلف عن الكل، والمسح خلف عن الجزء، والجزء مقدم على الكل. قاله في المنهل ج ١ ص ١٠١، والمسح: كالمنع: إمرار اليد على الشيء السائل، أو المتلطخ لإذهابه، كالتمسيح والتمسح قاله في (ق).
وقال في المنهل: والمسح: لغة إمرار اليد على الشيء، واصطلاحا إصابة اليد المبتلة، أو ما يقوم مقامها أعلى الخف، في المدة الشرعية. وقد عدي المسح بعلى: إشارة إلى موضعه، وهو أعلى الخف، دون أسفله وداخله على ما سيأتي اهـ ج ١ ص ١٠١.
والخف: الذي يلبس، قاله في اللسان ومثله في المصباح، وفي المعجم الوسيط: ما يلبس في الرجل من جلد رقيق.
وقال في المنهل: والخف الشرعي، ما يستر الكتب، ويمكن تتابع المشي فيه فرسخا فأكثر، وثُنِّيَ لأنه لا يجوز المسح على أحدهما دون الآخر. والمسح على الخفين من خصائص هذه الأمة اهـ ج ١ ص١٠١.
١١٨ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّهُ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: أَتَمْسَحُ؟ فَقَالَ: قَدْ رَأَيْتُ
стр. 1420
رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمْسَحُ.
وَكَانَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللهِ يُعْجِبُهُمْ قَوْلُ جَرِيرٍ، وَكَانَ إِسْلَامُ جَرِيرٍ قَبْلَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ بِيَسِيرٍ.
رجال الإسناد: ستة
١ - (قتيبة) بن سعيد بن جميل بن طريف أبو رجاء الثقفي البغلاني ثقة ثبت ١٠ تقدم في ١/ ١، ٨٩/ ١١٠.
٢ - (حفص) بن غياث بن طلق بن معاوية، النخعي الكوفي، أبو عُمَر القاضي ثقة، فقيه، تغير حفظه قليلا في الآخر من الثامنة مات سنة ٤ أو ١٩٥، وقد قارب الثمانين. وتقدم في ٨٦/ ١٠٥.
٣ - (الأعمش) سليمان بن مهران الأسدي، الكاهلي، أبو محمَّد الكوفي ثقة حافظ عارف بالقراءة، ورع لكنه يدلس من الخامسة، مات ١٤٧ أو ٨، وكان مولده أول سنة ٦١ أو تقدم في ١٧/ ١٨.
٤ - (إبراهيم) بن يزيد بن قيس بن الأسود، النخعي، أبو عمران الكوفي، الفقيه، ثقة إلا أنه يرسل كثيرا من الخامسة، مات سنة ٩٦، وهو ابن ٥٠ أو نحوها، وتقدم في ٢٩/ ٣٣.
٥ - (همام) بن الحارث بن قيس بن عمرو النخعي، الكوفي. عن عمر، وعمار، وعنه إبراهيم النخعي، وسليمان بن يسار. وَثَّقَهُ ابن معين. قال ابن حبان: مات سنة ٦٥، وأخرج له الجماعة. وفي (ت) ثقة عابد من الثانية.
٦ - (جرير بن عبد الله) بن جابر البجلي صحابي مشهور، مات سنة ٥١، وقيل بعدها. وتقدم في ٤٣/ ٥١.
стр. 1421
لطائف الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات أجلاء، وهم كوفيون، إلا شيخ المصنف فبغلاني، وفيه رواية ثلاثة من التابعين، بعضهم عن بعض، الأعمش، وإبراهيم، وهمام. وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة.
شرح الحديث
قال الإمام النسائي ﵀: (أخبرنا قتيية) بن سعيد البغلاني (قال حدثنا حفص) بن غياث بن طلق، أبو عمر، الكوفي (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي.
(عن إبراهيم) بن يزيد، أبي عمران النخعي، الكوفي (عن همام) ابن الحارث النخعي، الكوفي (عن جرير بن عبد الله) البجلي ﵁ (أنه) أي جريرا (توضأ، ومسح علي خفيه، فقيل له: أتمسح؟) أي قال له قائل منكرا فعله هذا عليه، وقد بين الطبراني، في حديثه: من طريق جعفر بن الحارث عن الأعمش أن القائل له ذلك، هو همام بن الحارث المذكور، وله من طريق زائدة عن الأعمش "فعاب عليه ذلك رجل من القوم" أفاده في الفتح ج ١ ص ٥٩٠، والعمدة ج ٣ ص ٣٦٨ وسيأتي قريبا إن شاء الله عن شهر بن حوشب أنه القائل له في ذلك، فيحتمل أن كلا منهما قال له ذلك.
قال الجامع عفا الله عنه: وإنما أنكر ذلك عليه لاعتقاده، أن المسح على الخفين منسوخ بآية المائدة (فقال) جرير، ردا على المنكر، ومبينا له مستنده في ذلك.
(قد رأيت رسول الله ﷺ يمسح) قال إبراهيم النخعي (وكان أصحاب
стр. 1422
عبد الله) يعني ابن مسعود ﵁ (يعجبهم قول جرير) بن عبد الله هذا، لكونه مبينا لآية المائدة بأنها لمن لم يلبس الخفين، وذلك لتأخر إسلامه كما بينه بقوله: (وكان إسلام جرير قبل موت النبي ﷺ بيسير) أي بزمن قليل.
يعني أن أصحاب عبد الله إنما أعجبهم قول جرير هذا؛ لأنه يدل على أن المراد بآية المائدة التي أوجبت غسل الرجلين على من لم يلبس الخفين، وأما هو فله المسح، وذلك: لتأخر رؤيته مسح النبي ﷺ على خفيه.
لأنه من جملة من أسلموا في آخر حياة النبي ﷺ ، وقد أسلم في السنة التي توفي فيها ﷺ . أسلم في رمضان سنة عشر من الهجرة، والآية نزلت في غزوة بني المصطلق سنة أربع، أو خمس، كما يأتي قريبا إن شاء الله تعالى.
فعند الترمذي من رواية شهر بن حوشب، قال: "رأيت جرير بن عبد الله توضأ، ومسح على خفيه. فقلت له في ذلك؟ فقال: رأيت النبي ﷺ توضأ، ومسح على خفيه. فقلت له: أقبل المائدة أم بعد المائدة؟ فقال ما أسلمت إلا بعد المائدة".
قال الترمذي: هذا: حديث مفسر؛ لأن بعض من أنكر المسح على الخفين تأول أن مسح النبي ﷺ على الخفين كان قبل نزول المائدة، وذكر جرير في حديثه أنه رأى النبي ﷺ مسح على الخفين بعد نزول المائدة اهـ سنن الترمذي ج ١ ص ٨٤.
وفي رواية أبي داود "أن جريرا بال، ثم توضأ، فمسح على الخفين، وقال رأيت رسول الله ﷺ يمسح. قالوا: إنما كان ذلك قبل نزول المائدة، قال: ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة" اهـ سنن أبي داود ج ١ ص ١١٨.
стр. 1423
قال البدر العيني: فلو كان إسلام جرير متقدما على نزول المائدة لاحتمل كون حديثه في مسح الخف منسوخا بآية المائدة، فلما كان إسلامه متأخرا علمنا أن حديثه يعمل به، وهو مبين أن المراد بآية المائدة غير صاحب الخف، فتكون السنة مخصصة للآية. وفي سنن البيهقي عن إبراهيم بن أدهم ﵁ قال: ما سمعت في المسح على الخفين أحسن من حديث جرير ﵁. وقد ورد مؤرخا بحجة الوداع في حديث الطبراني من رواية محمَّد بن سيرين عنه اهـ كلام العيني ج ٣ ص ٣٦٨ وصرح الحافظ في الفتح بأن آية المائدة نزلت في غزوة المريسيع.
وقال السندي ما نصه: والمراد أنه أسلم بعد نزول المائدة، ورأى النبي ﷺ يمسح على الخفين حال إسلامه، وعُلِم به أن المسح حكم باق لا أنه منسوخ بآية المائدة كما زعمه من لا يقول به، ولذلك يعجبهم حديث جرير، وكُلُّ من تأخر إسلامه بعد نزول المائدة (١)، وإلا فرؤيته قبل نزولها لا يكفي في المطلوب، وتأخر الإسلام لا يقتضي تأخر الرؤية.
بقي أن حديث جرير من أخبار الآحاد فلا يعارض القرآن، وغيره من أحاديث الباب يجوز أن يكون قبل نزول المائدة، فلا دلالة فيها على بقاء الحكم بعد نزولها، إلا أن يقال: القرآن يحتمل المسح على قراءة الجر، فيحمل على مسح الخفين توفيقا بين الأدلة، أو يقال: تواتر عدم نسخه بعمل الصحابة بعده ﷺ ، فإن كثيرا منهم عملوا به، ومثله يكفي في إفاده التواتر ونسخ افص، والله أعلم اهـ كلام السندي ج ١ ص ٨١.
وكتب العلامة محمود محمَّد خطاب السبكي في شرح سنن أبي داود عند قوله (قالوا إنما كان ذلك قبل نزول المائدة) ما نصه: أي قال من أنكر
стр. 1424
على جرير مسحه على خفيه، إنما المسح عليها كان قبل نزول المائدة التي ذكر فيها الوضوء وأراد بهذا القول أن المسح على الخفين كان رخصة، ثم نسخ بهذه الآية، فقال جرير ردا عليهم: ما أسلمت إلا بعد نزول آية المائدة، وليس المراد جميع سورة المائدة؛ لأن منها ما تأخر نزوله عن إسلامه، كآية ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فإنها نزلت يوم عرفة في حجة الوداع وإسلام جرير كان في رمضان سنة عشر من الهجرة، أما آية الوضوء التي هي قوله تعالى ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ فنزلت في غزوة بني المصطلق، وكانت سنة خمس أو أربع، فلو كان إسلام جرير متقدما على نزول المائدة لاحتمل كون حديثه في مسح الخف منسوخا بهذه الآية، فلما كان إسلامه متأخرا علمنا أن حديثه غير منسوخ يعمل به، وهو مبين أن المراد بالآية غير صاحب الخف، فيكون حديثه مخصصًا للآية. اهـ المنهل ج ١ ص ١١٩. والله أعلم، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث جرير ﵁ هذا من طريق همام متفق عليه.
المسألة الثانية: في ذكر تعدد مواضعه عند المصنف: أخرجه هنا -٩٦/ ١١٨ - وفي الكبرى ٨٥/ ١٢١ - عن قتيبة، عن حفص بن غياث، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام، عنه، وفي ٢٣/ ٧٧٤، والكبرى ١١/ ٨٥٠ عن محمَّد بن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، عن الأعمش، به.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه من أصحاب الأصول وغيرهم: أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه.
стр. 1425
فأما البخاري: فأخرجه في الصلاة (٢٥/ ١) عن آدم، عن شعبة، عن الأعمش به.
وأما مسلم فأخرجه في الطهارة ٢/ ٢٢ عن يحي بن يحيى، وإسحاق، وأبي كريب، ثلاثتهم عن أبي معاوية، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي معاوية ووكيع، وعن ابن أبي عمر، عن سفيان، وعن منجاب بن الحارث، عن علي بن مسهر كلهم عن الأعمش به.
وأما الترمذي: فأخرجه في الطهارة ٧٠/ ١ عن هناد، عن وكيع، عن الأعمش به.
وأما ابن ماجه: فأخرجه في الطهارة ٨٤/ ١ عن علي بن محمَّد، عن وكيع، عن الأعمش به.
وأخرجه أيضا أبو داود عن طريق أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن جرير.
والحديث أخرجه البيهقي من عدة طرق، وابن خزيمة، والدارقطني، والحاكم في المستدرك، وصححه، والطبراني في الأوسط، من طريق محمَّد بن سيرين، عن جرير.
وفي سنن البيهقي: عن إبراهيم بن أدهم، قال: ما سمعت في المسح على الخفين. أحسن من حديث جرير، رضي الله تعالى عنه اهـ المنهل ج ١ ص ١٢١.
المسألة الرابعة: فيما يستفاد من الحديث: من فوائد هذا الحديث:
الدلالة على مشروعية المسح على الخفين، وعلى أنه يطلب ممن رأى شيئًا يخالف الشرع بحسب ظنه أن لا يسكت عليه، وإن كان الفاعل فاضلًا عالمًا، بل يبادر إلى الإنكار عليه بالتي هي أحسن، وعلى أنه يطلب ممن أنكر عليه شيء، وكان يعتقد صحة ما فعل أن يبين مستنده في ذلك،
стр. 1426
وعلى أن للمنكر أن يرد دليل المُدَّعي، وعلى أن المطلوب من المدعي أن يمنع ما رد به دليله، حتى يَسْلَم دليله من الطعن، وعلى أنه يجوز الاستدلال بالتاريخ عند الحاجة إليه، فقد استدل جرير بتاريخ إسلامه على بقاء حكم المسح على الخفين، وأنه لم ينسخ. أفاده في النهل ج ١ ص ١٢٠.
المسألة الخامسة: في مذاهب العلماء في المسح على الخفين: قال الإمام أبو الوليد ابن رشد ني كتابه بداية المجتهد: فأما الجواز: يعني جواز المسح على الخفين- ففيه ثلاثة أقوال: القول المشهور أنه جائز على الإطلاق، وبه قال جمهور فقهاء الأمصار.
والقول الثاني: جوازه في السفر دون الحضر.
والقول الثالث: منع جوازه بإطلاق، وهو أشدها. والأقاويل الثلاثة مروية عن الصدر الأول، وعن مالك. والسبب في اختلافهم ما يظن من معارضة آية الوضوء، وهذا الخلاف كان بين الصحابة في الصدر الأول، فكان منهم من يرى أن آية الوضوء ناسخة لتلك الآثار.
وهو مذهب ابن عباس، واحتج القائلون بجوازه بما رواه مسلم انه كان يعجبهم حديث جرير، وذلك أنه روى أنه رأى النبي ﵊ يمسح على الخفين، فقيل له: إنما كان ذلك قبل نزول المائدة، فقال: ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة. وقال المتأخرون القائلون بجوازه: ليس بين الآية والآثار تعارض، لأن الأمر بالغسل إنما هو متوجه إلى من لا خف له، والرخصة إنما هى للابس الخف. وقيل: إن تأويل قراءة الأرجل بالخفض، هو المسح على الخفين. وأما من فرق بين السفر والحضر: فلأن كثر الآثار والصحاح الواردة في مسحه ﵊ إنما كانت في السفر، مع أن السفر مشعر بالرخصة
стр. 1427
والتخفيف، والمسح على الخفين هو من باب التخفيف، فإن نزعه مما يشق على المسافر اهـ بداية المجتهد. ج ١ ص ١٨/ ١٩.
وقال الإمام النووي ﵀ في شرح المهذب: مذهبنا ومذهب العلماء كافة جواز المسح على الخفين في الحضر والسفر، وقالت الشيعة والخوارج: لا يجوز، وحكاه القاضي أبو الطيب عن أبي بكر بن داود، وحكى المحاملي وغيره من أصحابنا عن مالك ست روايات: إحداها لا يجوز المسح، الثانية: يجوز لكنه يكره، الثالثة: يجوز أبدا، وهي الأشهر عنه، والأرجح عند أصحابه، الرابعة: يجوز مؤقتا، الخامسة: يجوز للمسافر دون الحاضر، السادسة عكسه.
وكل هذا الخلاف باطل، ومردود، وقد نقل ابن المنذر في كتاب الإجماع إجماع العلماء على جواز المسح على الخف، وتدل عليه الأحاديث الصحيحة المستفيضة في حديث مسح النبي ﷺ في الحضر والسفر، وأمره بذلك وترخيصه فيه، واتفاق الصحابة فمن بعدهم عليه قال الحافظ أبو بكر البيهقي: روينا جواز المسح على الخفين عن عُمَر وعلي، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وحذيفة بن اليمان، وأبي أيوب الأنصاري، وأبي موسى الأشعري، وعمار بن ياسر، وجابر بن عبد الله، وعمرو بن العاص، وأنس بن مالك، وسهل بن سعد، وأبي مسعود الأنصاري، والمغيرة ابن شعبة، والبراء بن عازب، وأبي سعيد الخدري، وجابر بن سمرة، وأبي أمامة الباهلي، وعبد الله بن الحارث بن جَزْء، وأبي زيد الأنصاري ﵃.
قال النووي: ورواه خلائق من الصحابة غير هؤلاء الذين ذكرهم البيهقي، وأحاديثهم معروفة في كتب السنن، وغيرها. قال الترمذي:
стр. 1428
وفي الباب عن عُمَر، وسلمان، وبريدة، وعمرو بن أمية، ويعلي بن مرة، وعبادة بن الصامت، وأسامة بن شريك، وأسامة بن زيد، وصفوان بن عسال، وأبي هريرة، وعوف بن مالك، وابن عمر، وأبي بكرة، وبلال، وخزيمة بن ثابت.
قال أبو بكر بن المنذر: روينا عن الحسن البصري، قال حدثني سبعون من أصحاب رسول الله ﷺ ، أن رسول الله ﷺ كان يمسح على الخفين.
قال: وروينا عن ابن المبارك، قال: ليس في المسح على الخفين اختلاف، هو جائز.
وقال جماعات من السلف: نحو هذا، وثبت في الصحيحين من رواية المغيرة: أن النبي ﷺ مسح على الخفين في غزوة تبوك وهي من آخر أيامه ﷺ .
وقد اتفق العلماء: على أن آية الوضوء المذكورة في المائدة نزلت قبل غزوة تبوك بمُدَد، وثبت في الصحيحين عن جرير البجلي ﵁ قال: "رأيت رسول الله ﷺ يمسح على الخفين" زاد أبو داود في روايته: قالوا لجرير: إنما كان هذا قبل نزول المائدة، فقال جرير: وما أسلمت إلا بعد نزول المائدة، وكان إسلام جرير متأخرًا جدّا.
وروينا في سنن البيهقي عن إبراهيم بن أدهم ﵀ قال: ما سمعت في المسح على الخفين حديثًا أحسن من حديث جرير.
وأما الأمر بالغسل في الآية: فمحمول على غير لابس الخف ببيان السنة، وليس للمخالفين شبهة فيها رُوح، وأما ما روي عن علي، وابن عباس، وعائشة من كراهة المسح فليس بثابت، بل ثبت في صحيح
стр. 1429
مسلم وغيره عن علي ﵁، أنه روى المسح على الخف عن النبي ﷺ ، ولو ثبت عن ابن عباس، وعائشة ذلك لحمل على أن ذلك قبل بلوغهما جواز المسح عن النبي ﷺ ، فلما بلغهما رجعا. وقد روى البيهقي معنى هذا عن ابن عباس.
وعلى الجملة المسألة غنية عن الإطناب في بسط أدلتها بكثرتها، والله أعلم.
وأما جواز المسح في الحضر: ففيه أحاديث كثيرة في الصحيح:
منها حديث حذيفة: قال: "كنت مع رسول الله ﷺ . فانتهى إلى سُبَاطة قوم فبال قائما، فتوضأ، فمسح على خفيه" رواه مسلم، وفي رواية للبيهقي "سباطة قوم بالمدينة" وعن علي ﵁ "أن النبي ﷺ جعل مسح الخفين ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوما وليلة للمقيم" رواه مسلم.
ومنها حديث خزيمة بن ثابت، قال: قال رسول الله ﷺ في المسح على الخفين "للمسافر ثلاث وللمقيم يوم" حديث صحيح رواه أبو داود، والترمذي، وغيرهما قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وحديث عوف بن مالك الأشجعي "أن رسول الله ﷺ أمر في غزوة تبوك بالمسح على الخفين ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، وللمقيم يوم وليلة" قال البيهقي: قال الترمذي: قال البخاري: هذا الحديث حسن. اهـ كلام النووي في المجموع ج ١ ص ٤٧٦/ ٤٧٨.
وقد ذكر الحافظ أبو عمر بن عبد البر في كتابه التمهيد تحقيق مسألة المسح على الخفين بأدلتها، وأنا أسوق عبارته وإن كانت طويلة لما اشتملت عليه من الفوائد، والتحقيقات.
стр. 1430
قال ﵀ في أثناء الكلام على حديث المغيرة بن شعبة ﵁ الذي تقدم للمصنف غير مرة، وهو الحديث ١٢٣، ١٢٤، الآتي قريبا ما نصه:
وفيه الحُكْم الجليل الذي به فرق بين أهل السنة، وأهل البدع، وهو المسح على الخفين، لا ينكره إلا مخذول، أو مبتدع خارج عن جماعة المسلمين أهل الفقه والأثر، لا خلاف بينهم في ذلك بالحجاز، والعراق، والشام، وسائر البلدان، إلا قوما ابتدعوا فأنكروا المسح على الخفين، وقالوا: إنه خلاف القرآن، وعسى القرآن نسخه، ومعاذ الله أن يخالف رسول الله ﷺ كتاب الله، بل بين مراد الله منه كما أمره الله في قوله ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [النساء: ٦٥].
والقائلون بالمسح: جمهور الصحابة والتابعين، وفقهاء المسلمين، قديما وحديثا، وكيف يتوهم أن هؤلاء جاز عليهم جهل القرآن؟ أعاذنا الله من الخذلان.
روى ابن عيينة، والثوري، وشعبة، وأبو معاوية، وغيرهم عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث، قال: رأيت جريرا يتوضأ من مطهرة، ومسح على خفيه، فقيل له أتفعل هذا؟ فقال: وما يمنعني أن أفعله؟ "وقد رأيت رسول الله ﷺ يفعله".
قال إبراهيم: فكانوا يعني أصحاب عبد الله وغيرهم يعجبهم هذا الحديث، ويستبشرون به؛ لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة.
وعن حماد بن أبي سليمان، عن ربعي بن حراش، عن جرير بن عبد الله، قال: "وضأت رسول الله ﷺ فمسح على خفيه بعد ما أنزلت سورة المائدة".
стр. 1431
قال أبو عمر: ورَوَى عن النبي ﷺ المسحَ على الخفين نحو أربعين من الصحابة، واستفاض، وتواتر، وأتت به الفِرَق، إلا أن بعضهم زعم أنه كان قبل نزول المائدة، وهذه دعوى لا وجود لها ولا مَعْنى.
وقد روي عن الحسن البصري ﵀ قال: أدركت سبعين رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ ، كلهم يمسح على خفيه.
وعمل بالمسح على الخفين أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وسائر أهل بدر، والحديبية، وغيرهم، من المهاجرين، والأنصار، وسائر الصحابة، والتابعين، أجمعين، وفقهاء المسلمين في جميع الأمصار، وجماعة أهل الفقه، والأثر كلهم يجيز المسح على الخفين في الحضر والسفر للرجال والنساء.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا محمَّد بن وضاح: قال: حدثنا عبد الله بن الخيارالحمصي، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش قال: حدثني سفيان بن سعيد الثوري، قال:
مسح رسول الله ﷺ ، وأبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان ابن عفان، وعلي بن أبي طالب. وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة بن الجراح، وأبو الدرداء، وزيد بن ثابت، وقيس بن سعد بن عبادة، وعبد الله بن عباس، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن مسعود،
وأبو موسى الأشعري، وأبو مسعود الأنصاري، وخزيمة بن ثابت الأنصاري، والبراء بن عازب، وأبو أيوب الأنصاري وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة وصفوان بن عسال،
وفضالة بن عبيد الأنصاري، وجرير بن عبد الله البجلي.
قال أبو عمر: ممن روينا عنه أنه مسح على الخفين، وأمر بالمسح عليها في الحضر والسفر بالطرق الحسان من مصنف ابن أبي شيبة، ومصنف
стр. 1432
عبد الرزاق: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد ابن أبي وقاص، وابن مسعود (١) وابن عمر، وابن عباس، وابن مسعود، وأنس بن مالك، والبراء بن عازب، وحذيفة بن اليمان والمغيرة، وسليمان، (٢) وبلال، وخزيمة بن ثابت، وعمرو بن أمية، وعبد الله بن الحارث بن جرير (٣) الزبيدي وأبو هريرة.
ولم يرو عن غيرهم خلاف إلا شيء لا يثبت عن عائشة، وابن عباس، وأبي هريرة.
ثم ذكر أبو عمر بسنده عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الله بن إدريس، عن قطر (٤) قال: قلت لعطاء: إن عكرمة يقول: قال ابن عباس: سبق الكتابُ الخفين، قال عطاء: كذب عكرمة، أنا رأيت ابن عباس يمسح عليهما.
ورَوَى أبو زرعة، عن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة أنه كان يمسح على خفيه ويقول: قال رسول الله ﷺ "إذا أدخل أحدكم رجليه في خفيه، وهما طاهرتان فليمسح عليهما". وذكر الأثرم قال: سمعت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل- يقول: فيمن تأول أنه لا بأس أن يصلى خلفه إذا كان لتأويله وجه في السنة، وقال أبو عبد الله: أرأيت لو أن رجلا لم ير المسح على الخفين، فقد كان مالك لا يرى المسح على الخفين في الحضر لا ينبغي أن يصلى خلفه؟ قال: بلى؟ ثم قال: لو أنك لم تر أن تمسح وصلى بك رجل يرى المسح، ألم تكن تصلي خلفه؟ ثم قال: لو أن رجلا لم ير الوضوء من الدم الخارج من الجسد ثم صلى،
стр. 1433
ألم تصل خلفه؟ ثم قال: نحن نرى الوضوء من الدم، أفلا نصلي خلف سعيد بن المسيب، ومالك ممن سهل الوضوء من الدم؟ قال: بلى نصلي.
ثم قال: قد روى عن أبي هريرة أنه لا يمسح، وعن ابن عباس، وعائشة وأبي أيوب.
قيل لأبي عبد الله: فإن قاله رجل أنا أذهب إلى حديث أبي أيوب حبب إليّ الغسل.
قال: نحن لا نذهب إلى قول أبي أيوب، ولكن لو ذهب إليه ذاهب صلينا خلفه، قال: إلا أن يترك رجل المسح من أهل البدع من الرافضة الذين لا يمسحون وما أشبهه فهذا لا نصلي خلفه.
ثم ذكر بسنده عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن ابن عمر رأى سعد بن أبي وقاص يمسح على خفيه، فأنكر ذلك عبد الله، فقال سعد: إن عبد الله أنكر علي أن أمسح على خفي، فقال عمر: لا يختلجن في نفس رجل مسلم أن يتوضأ على خفيه، وإن جاء من الغائط.
قال: وأخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن عمر قال لعبد الله بن عمر "عمك أعلم منك" يعني سعد ابن أبي وقاص "إذا أدخلت رجليك في الخفين، وهما طاهرتان فامسح
عليهما، وإن جئت من الغائط".
قال: وأخبرنا ابن جريج قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر، قال: أنكرت على سعد بن أبي وقاص، وهو أمير بالكوفة المسح على الخفين، فقال: أوَ عليَّ في ذلك بأس؟ وهو مقيم بالكوفة، قال عبد الله: فلما قال ذلك عرفت أنه يعلم من ذلك ما لا أعلم، فلم أرجع إليه شيئا، فلما
стр. 1434
التقينا عند عمر، قال سعد: استفت أباك فيما أنكرتَ عليَّ في شأن الخفين، فقلت له: أرأيت أحدنا إذا توضأ، وفي رجليه الخفان في ذلك بأس أن يمسح عليهما؟ فقال عمر: لا، فقلت: وإن ذهب أحدنا إلى الغائط ليس عليه في ذلك بأس أن يمسح عليهما؟ قال ابن جريج: وأخبرنا أبو الزناد قال: سمعت ابن عمر يحدث بمثل حديث نافع إياي، وزاد عن عمر إذا أدخلت رجليك فيهما وأنت طاهر.
وكان ابن عمر يفتي بذلك، ويعمل به إلى أن مات، من رواية مالك عن نافع عنه، ومن رواية ابن جريج، ومعمر، عن ابن شهاب، عن سالم عنه.
ولا أعلم في الصحابة مخالفا، إلا شيء لا يصح عن عائشة، وابن عباس، وأبي هريرة. وقد رُويَ عنهم من وجوه خلافه في المسح على الخفين.
وكذلك لا أعلم في التابعين أحدًا ينكر ذلك، ولا في فقهاء المسلمين، إلا رواية جابر عن مالك، والروايات الصحاح بخلافه، وهي منكرة يدفعها موطَّؤهُ، وأصول مذهبه.
أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا بكير بن عامر بن أبي نعيم، عن المغيرة بن شعبة، قال: "كنت مع النبي ﷺ في سفر، فَقَضَى حاجته وتوضأ، ومسح على خفيه، فقلت: يا رسول الله نسيت؟ قال: بل أنت نسيت، بهذا أمرني ربي". وحدثنا عبد الله. قال: حدثنا أحمد بن جعفر، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا محمَّد بن عبيد، قال: حدثنا بكير بن عبد الرحمن بن أبي نعيم، قال: حدثنا المغيرة بن شعبة أنه سافر مع رسول الله ﷺ ، فذكر الحديث، وفيه توضأ، ومسح
стр. 1435
على خفيه، فقلت: يا نبي الله نسيت، لم تخلع نعليك. قال: "كلا بل أنت نسيت، بهذا أمرني ربي".
قال أبو عمر: وقد احتج بعض من لم ير المسح في الحضر بحديث شريح بن هانئ أنه سأل عائشة عن المسح على الخفين، فقالت سل عليا، فإنه كان يغزو مع رسول الله ﷺ . ولم يمعن النظر من احتج بهذا، أو سامح بنفسه في احتجاجه ببعض الحديث، وترك بعضه، وفي هذا
الحديث المسح بالحضر والسفر. والتوقيت في ذلك أيضا. فكيف يسوغ لعاقل أن يحتج بحديث موضع الحجة منه عليه، لا له.
ثم أخرج بسنده عن شريح بن هانئ: قال: سألت عائشة ﵂ عن المسح على الخفين؟. فقالت: اسألوا علي بن أبي طالب، فإنه كان يغزو مع رسول الله ﷺ ، فسألته؟ فقال: قال رسول الله ﷺ "ثلاثة أيام بلياليهن للمسافر، ويوما وليلة للمقيم". وكذلك رواه أبو معاوية، عن الأعمش، عن الحكم بهذا الإسناد، مرفوعا، وكذلك رواه المقدام بن شريح، عن أبيه، مرفوعا، ومن رفعه أحفظ وأثبت، وأرفع ممن وقفه، على أن توقيفه عندي فُتْيَا به، واستعمالٌ له فكيف يكون قدحا فيه؟.
ثم أخرج بسنده عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: أن ابن عمر قال: "لا يحيكن في صدر امرئ المسح على الخفين، وإن جاء من الغائط، فإني كنت من أشد الناس في المسح".
قال: وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا محمَّد بن وضاح، قال: حدثثا أبو الطاهر، أحمد بن عمرو قال: وحدثني عبد الله بن نافع، عن داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أسامة بن زيد "أن النبي ﷺ دخل دار رجل،
стр. 1436
فتوضأ، ومسح على خفيه" قال ابن وضاح: قلت لأبي علي عبد العزيز ابن عمْران بن مقلاص: أمسح رسول الله ﷺ على خفيه في الحضر؟ قال: نعم.
ثم حدثني بهذا الحديث عن الشافعي عبد الله بن نافع بإسناد مثله.
قال ابن وضاح: وقال لي أبو مصعب: دار رجل بالمدينة. وقال زيد ابن بشر، عن ابن وهب: قد مسح رسول الله ﷺ بالسفر، والحضر.
قال أبو عمر: حديث نافع هذا معروف عند أهل المدينة، ومصر. رواه ثقات الفقهاء.
حدثنا محمَّد بن محمَّد بن نصر، ومحمد بن إبراهيم بن سعد، وخلف بن أحمد: قالوا: حدثنا أحمد بن مطرف، قال: حدثنا سعيد بن عثمان، وسعيد بن جبير قالا: حدثنا محمَّد بن عبد الله بن الحكم. قال: أنبأنا عبد الله بن نافع، قال: أنبأنا داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أسامة بن زيد، قال: "دخل رسول الله ﷺ الأسواف، فذهب لحاجته، ثم خرج، قال أسامة، فسألت بلَالًا ما صنع؟ قال: ذهب النبي ﷺ لحاجته، ثم توضأ، فغسل وجهه، ويديه، ومسح برأسه، ومسح على الخفين".
قال محمَّد بن عبد الله، عن عبد الحكم: هذا صحيح في المسح بالحضر، والأسواف بالفاء: موضع بالمدينة.
ثم أخرج بسنده عن عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة بن اليمان. قال: "كنت أمشي مع النبي ﷺ بالمدينة، فانتهى إلى سباطة قوم، فبال قائما، فتنحيت، فدعاني، فجئت، فأتي بماء فتوضأ، ومسح على الخفين".
стр. 1437
قال ابن وضاح: هكذا قال عيسى بن يونس بالمدينة، وخالفه أصحاب الأعمش، أبو معاوية: ووكيع، وسفيان، وجرير، لا يقولون: بالمدينة.
قال ابن وضاح: والسباطة: المزبلة، والمزابل لا تكون إلا في الحضر. قال أبو عمر: عيسى بن يونس: ثقة حافظ ليس يرويه غيره، وقد زاد ما حذفه غيره. وزيادة مثله واجب قبولها، وليس في الأصول ما يدفع ما جاء به، بل الناس عليه. اهـ كلام الحافظ ابن عبد البر في التمهيد ج ١١ ص ١٣٤، ١٤٦، وهو كلام منقح، والله أعلم.
وقال العلامة الشوكاني ﵀ عند الكلام على حديث جرير: ما نصه: والحديث يدل علي مشروعية المسح على الخفين، وقد نقل ابن المنذر، عن ابن المبارك، قال: ليس في المسح على الخفين عن الصحابة اختلاف؛ لأن كل من روي عنه منهم إنكاره فقد روي عنه إثباته، وقال ابن عبد البر: لا أعلم من روى عن أحد من فقهاء السلف إنكاره إلا عن مالك مع أن الروايات الصحيحة مصرحة بإثباته، وقد أشار الشافعي في الأم إلى إنكار ذلك على المالكية، والمعروف المستقر عندهم الآن قولان:
الجواز مطلقا، ثانيهما للمسافر دون المقيم، وعن ابن نافع في المبسوطة أن مالكا إنما كان يتوقف فيه في خاصة نفسه مع إفتائه بالجواز.
قال ابن المنذر: اختلف العلماء أيهما أفضل: المسح على الخفين، أو نزعهما، وغسل القدمين؟ والذي أختاره أن المسح أفضل، لأجل من طعن فيه من أهل البدع، من الخوارج، والروافض. قال: وإحياء ما طعن فيه المخالفون من السنن أفضل من تركه انتهى.
قال النووي في شرح مسلم: قد روى المسح على الخفين خلائق لا يحصون من الصحابة، قال الحسن: حدثني سبعون من أصحاب رسول
стр. 1438
الله "أن رسول الله ﷺ كان يمسح على الخفين" أخرجه عنه ابن أبي شيبة.
قال الحافظ في الفتح: وقد صرح جمع من الحفاظ بأن المسح على الخفين متواتر.
وجمع بعضهم رواته فجاوزوا الثمانين، منهم العشرة، وقال الإمام أحمد: فيه أربعون حديثا عن الصحابة مرفوعة. وقال ابن أبي حاتم: فيه عن أحد وأربعين.
وقال ابن عبد البر في الاستذكار: رَوَى عن النبي ﷺ المسح على الخفين نحوُ أربعين من الصحابة، وذكر أبو القاسم بن منده أسماء من رواه في تذكرته، فكانوا ثمانين صحابيا. وذكر الترمذي، والبيهقي في سننهما منهم جماعة. وقد نسب القول بمسح الخفين إلى جميع الصحابة كما تقدم عن ابن المبارك. وما روى عن عائشة، وابن عباس، وأبي هريرة في إنكار المسح، فقال ابن عبد البر: لا يثبت، قال أحمد: لا يصح حديث أبي هريرة في إنكار المسح، وهو باطل. وقد روى الدارقطني عن عائشة القول بالمسح.
وما أخرجه ابن أبي شيبة عن علي أنه قال: سبق الكتاب الخفين فهو منقطع، وقد روى عنه مسلم، والنسائي القول به بعد موت النبي ﷺ .
وما روي عن عائشة أنها قالت: لأن أقطع رجلي أحب إلى من أن أمسح عليهما، ففيه محمَّد بن مهاجر، قال ابن حبان: كان يضع الحديث.
وأما القصة التي ساقها الأمير الحسين في الشفاء، وفيها المراجعة الطويلة بين علي وعمر، واستشهاد علي لاثنين وعشرين من الصحابة فشهدوا بأن المسح قبل المائدة، فقال ابن بهران: لم أر هذه القصة في
стр. 1439
شيء من كتب الحديث. ويدل لعدم صحتها عند أئمتنا أن الإمام المهدي: نسب القول بمسح الخفين في البحر إلى علي ﵇، وذهبت العترة جميعا، والإمامية، والخوارج، وأبو بكر بن داود الظاهري إلى أنه لا يجزي المسح عن غسل الرجلين، واستدلوا بآية المائدة، وبقوله ﷺ لمن علمه "واغسل رجلك" ولم يذكر المسح، وقوله بعد غسلها: "لا يقبل الله الصلاة من دونه" وقوله: "ويل للأعقاب من النار" قالوا: والأخبار بمسح الخفين منسوخة بالمائدة.
وأجيب عن ذلك: أما الآية فقد ثبت عنه ﷺ المسح بعدها كما في حديث جرير المذكور في الباب، وأما حديث "واغسل رجلك" فغاية ما فيه الأمر بالغسل، وليس فيه ما يشعر بالقصر، ولو سلم وجود ما يدل على ذلك لكان مُخَصَّصا بأحاديث المسح المتواترة.
وأما حديث "لايقبل الله الصلاة بدونه" فلا ينتهض للاحتجاج به، فكيف يصلح لمعارضة الأحاديث المتواترة مع أنا لم نجده بهذا اللفظ من وجه يعتد به.
وأما حديث "ويل للأعقاب من النار" فهو وعيد لمن مسح رجله، ولم يغسلها، ولم يرد المسح على الخفين.
فإن قلت: هو عام، فلا يقصر على السبب. قلت: لا نسلم شموله لمن مسح على الخفين، فإنه يدع رجله كلها، ولا يدع العقب فقط. سلمنا، فأحاديث المسح على الخفين مخصصة للماسح من ذلك الوعيد،
وأما دعوى النسخ فالجواب أن الآية عامة مطلقا باعتبار حالتي لبس الخف، وعدمه، فتكون أحاديث الخفين خصصة، أو مقيدة فلا نسخ، وقد تقرر في الأصول رجحان القول ببناء العام على الخاص مطلقًا.
وأما من يذهب إلى أن العام المتأخر ناسخ، فلا يتم له ذلك إلا بعد
стр. 1440
تصحيح تأخر الآية، وعدم وقوع المسح بعدها. وحديث جرير نص في موضع النزاع، والقدح في جرير بأنه فارق عليا ممنوع، فإنه لم يفارقه، إنما احتبس عنه بعد إرساله إلى معاوية لأعذار، على أنه قد نقل الإمام الحافظ محمَّد بن إبراهيم الوزير الإجماع على قبول رواية فاسق التأويل في عواصمه وقواصمه من عشرة طرق، ونقل الإجماع أيضا من طرق أكابر أئمة الآل وأتباعهم على قبول رواية الصحابة قبل الفتنة وبعدها.
فالاسترواح إلى الخلوص عن أحاديث المسح بالقدح في ذلك الصحابي الجليل بذلك الأمر مما لم يقل به أحد من العشرة، وأتباعهم، وسائر علماء الإسلام، وصرح الحافظ في الفتح بأن آية المائدة نزلت في غزوة المريسيع، وحديث المغيرة كان في غزوة تبوك، وتبوك متأخرة بالاتفاق. وقد صرح أبو داود في سننه بأن حديث المغيرة في غزوة تبوك وقد ذكر البزار أن حديث المغيرة هذا رواه عنه ستون.
"واعلم" أن في المقام مانعًا من دعوى النسخ لم يتنبه له أحد فيما علمت.
وهو أن الوضوء ثابت قبل نزول المائدة بالاتفاق، فإن كان المسح على الخفين ثابتا قبل نزولها فورودها بتقدير أحد الأمرين: أعني الغسل مع عدم التعرض للآخر، وهو المسح، لا يوجب نسخ المسح على الخفين، لا سيما إذا صح ما قاله البعض من أن قراءة الجر في قوله في الآية: ﴿وأرجلكم﴾ مراد بها مسح الخفين، وأما إذا كان المسح غير ثابت قبل نزولها، فلا نسخ بالقطع. نعم يمكن أن يقال على التقدير الأول: إن الأمر بالغسل نهي عن ضده، والمسح على الخفين من أضداد الغسل المأمور به، لكن كون الأمر بالشيء نهيا عن ضده محل نزاع واختلاف، وكذلك كون المسح على الخفين ضدا للغسل، وما كان بهذه المثابة حقيق بأن