قال النوويّ. قال العلماء: أم شريك هذه قرشيّةٌ عامريّةٌ. وقيل: إنها أنصاريّةٌ. وقد ذكر مسلم في آخر الكتاب في حديث الجسّاسة: أنها أنصاريّة، واسمها غُزَيّة. وقيل: غُزيلة- بغين معجمة مضمومة، ثم زاي فيهما- وهي بنت داود بن عوف بن عمرو بن عامر بن رواحة بن حُجير بن عبد بن معيص بن عامر بن لُؤيّ بن غالب. وقيل في نسبها: غير هذا. قيل: إنها التي وهبت نفسها للنبيّ ﷺ . وقيل: غيرها.
ومعنى هذا الحديث: أن الصحابة ﵃ كانوا يزورون أم شريك، ويُكثرون التردد إليها لصلاحها، فرأى النبيّ ﷺ أن على فاطمة من الاعتداد عندها حرجًا، من حيث إنه يلزمها التحفّظ من نظرهم إليها، ونظرها إليهم، وانكشاف شيء منها، وفي التحفّظ من هذا مع كثرة دخولهم، وترددهم مشقّةٌ ظاهرةٌ، فأمرها بالاعتداد عند ابن أم مكتوم؛ لأنه لا يُبصرها، ولا يتردد إلى بيته من يتردّد إلى بيت أمّ شريك انتهى (١).
(فَكُنْتُ أَضَعُ ثِيَابِي عِنْدَهُ) أي للأمن من نظره إليها. والمراد: أنها اعتدّت عنده، فكانت تضع ثيابها عنده إذا أردت أن تتكشّف لبعض حاجتها؛ لأنه أعمى لا يراها، كما بين لها ذلك النبيّ ﷺ حين أمرها بالانتقال من بين أم شريك إلى بيته (حَتَّى أَنْكَحَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) "حتى" غاية للزومها بيت ابن أم مكتوم، أي لبثت عنده إلى أن انقضت عدّتها، فزوّجها ﷺ (أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ) بن حارثة بن شَراحيل الكلبيّ، حِبَّهُ ﷺ ، وابن حِبّه الأمير الصحابيّ المشهور، مات ﵁ بالمدينة سنة (٥٤)، وهو ابن (٧٥) سنة، تقدّمت ترجمته في -٩٦/ ١٢٠.
وكان تزويجها به بعد أن تقدّم إليها الْخُطّاب، ففي رواية الشعبي، عن فاطمة ١٩/ ٣٢٣٨ - قالت: خطبني عبد الرحمن بن عوف في نفر من أصحاب النبيّ ﷺ ، وخطبني رسول اللَّه ﷺ على مولاه أسامة بن زيد، وقد كنت حُدِّثتُ أن رسول اللَّه ﷺ قال: من أحبنِي، فليُحبّ أسامة، فلما كلّمني رسول اللَّه ﷺ ، قلت: أمري بيدك، فأنكحني من شئتَ … "
وفي رواية أبي سلمة، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عنها -٢١/ ٣٢٤٥ - قالت: فلما حللت آذنته، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ومن خطبك؟ "، فقلت: معاوية، ورجل آخر من قريش، فقال النبيّ ﷺ : "أما معاوية فإنه غلام من غلمان قريش، لا شيء له، وأما الآخر، فإنه صاحب شرّ، لا خير فيه، ولكن انكحي أسامة بن زيد"، قالت. فكرهته، فقال لها ذلك ثلاث مرّات، فنكحتْه.
وفي رواية أبي سلمة، عنها -٢٢/ ٣٢٤٥ - قالت: فلما حللتُ ذكرت له أن معاوية
стр. 13757
ابن أبي سفيان، وأبا جهم خطباني، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أما أبو جهم، فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية، فصُعلوك، لا مال له، ولكن انكحي أسامة بن زيد، فكرهته، ثم قال: انكحي أسامة بن زيد"، فنكحته، فجعل اللَّه فيه خيرًا عظيمًا".
(فَأَنْكَرَ ذَلِكَ) أي خروج المطلّقة من بيتها (عَلَيْهَا مَرْوَانُ) بن الحكم (وَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ أَحَدٍ قَبْلَكِ) أي لم أسمع بخروج المعتدّة مطلقًا من بيتها قبل أن تحدّثيني به الآن (وَسَآخُذُ بِالْقَضِيَّةِ) بالقاف، والضاد المعجمة، هكذا نسخُ "المجتبى"، وهو واضح. ووقع في "الكبرى": "بالعصمة" بكسر العين، وسكون الصاد المهملتين-وهو الذي في معظم نسخ "صحيح مسلم"، قال النوويّ: معناه بالثقة، والأمر القويّ الصحيح انتهى (١) (الَّتِي وَجَدنَا النَّاسَ عَلَيْهَا) وهو وجوب السكنى للمبتوتة. وهذا يفيد أن مذهب أهل المدينة كان على أن للمطلّقة ثلاثًا السكنى. وذكر مالك في "الموطإ" أنه سمع ابن شهاب يقول: المبتوتة لا تخرج من بيتها حتى تَحِلّ، وليست لها نفقةٌ، إلا أن تكون حاملاً، فيُنفق عليها حتى تضع حملها. قال مالك: وهذا الأمر عندنا انتهى (٢).
وقد أنكر على فاطمة قبل مروان عمر بن الخطّاب ﵁، ففي "صحيح مسلم": قال عمر: لا نترك كتاب اللَّه، وسنة نبينا ﷺ لقول امرأة، لا ندري لعلها حفظت، أو نسيت، لها السكنى والنفقة، قال اللَّه : ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ الآية [الطلاق: ١].
وكذلك أنكرت ذلك عليها عائشةُ، ففي "مسلم" أيضًا: وقال عروة: إن عائشة أنكرت ذلك على فاطمة بنت قيس انتهى.
وقوله (مُخْتَصَرٌ) أي هذا الحديث مختصرٌ في هذه الرواية، وقد ساقه مسلم في "صحيحه"، من طريق معمر، عن الزهريّ، ولفظه: "فقالت فاطمة حين بلغها قول مروان: فبيني وبينكم القرآن، قال اللَّه : ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ الآية [الطلاق: ١]. قالت: هذا لمن كانت له مراجعةٌ، فأيّ أمر يحدث بعد الثلاث؟، فكيف تقولون: لا نفقة لها إذا لم تكن حاملاً، فعلام تحبسونها؟ " انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث فاطمة بنت قيس - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه مسلم.
стр. 13758
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٨/ ٣٢٢٣ و ١٩/ ٣٢٣٨ و ٢١/ ٣٢٤٥ و ٣٢٤٦ و"الطلاق" ٧/ ٣٤٠٤ و ٣٤٠٥ و ٣٤٠٦ و ١٥/ ٣٤١٩ و ٧٠/ ٣٥٤٦ و ٣٥٤٧ و ٣٥٤٨ و ٣٥٤٩و ٣٥٥٠ و ٧٢/ ٣٥٥٢ و ٧٣/ ٣٥٥٣ - وفي "الكبرى" ٨/ ٥٣٣٠ و ٥٣٣٢ و ١٩/ ٥٣٥١ و ٥٣٥٢ و"الطلاق" ٨/ ٥٥٩٥ و ٥٥٩٦ و ٥٥٩٨ و ٧٠/ ٥٧٣٩ و ٥٧٤٠ و ٥٧٤١ و ٥٧٤٢ و ٧٣/ ٥٧٤٦. وأخرجه (م) في "الطلاق" ١٤٠ و ١٤٨٢ (د) "الطلاق" ٢٢٨٤ و ٢٢٨٨ و ٢٢٨٩ و ٢٢٩٠ (ت) "النكاح" ١١٣٥ و"الطلاق" ١١٨٠ (ق) "الطلاق"٢٠٢٤ و ٢٠٣٢ و ٢٠٣٥ و ٢٠٣٦ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٦٥٦٠ و"مسند القبائل" ٢٦٧٨٧ و ٢٦٧٩١ و ٢٦٧٩٣ و ٢٦٧٩٧ (الموطإ) "الطلاق" ١٢٣٤ و ٢١٧٧ (الدارميّ) "الطلاق" ٢٢٧٤ و ٢٢٧٥. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان أن الكفاءة، في الدين، لا في النسب، فقد أنكح النبيّ ﷺ فاطمة بنت قيس، وهي قرشيّة أسامة بن زيد، وهو مولى، وسيأتي بيان اختلاف العلماء في ذلك في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): جواز طلاق البتّة، حيث لم ينكره ﷺ على زوج فاطمة - رضي اللَّه تعالى - عنهما. (ومنها): أن المبتوتة لا نفقة لها، ولا سكنى، وفيه اختلاف بين أهل العلم، سيأت تحقيقه في محله من "كتاب الطلاق" -٧٣/ ٣٥٥٣ - إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): أن في قوله ﷺ في أم شريك: "يغشاها أصحابي" دليلٌ على أن المرأة المتجالّة العجوز الصالحة جائز أن يغشاها الرجال في بيتها، ويتحدّثون عندها، وكذلك لها أن تغشاهم في بيوتهم، ويرونها، وتراهم فيما يحلّ، ويَجْمُلُ، وينفع، ولا يضرّ، قال اللَّه : ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور: ٦٠]. والغشيان في كلام العرب. الإلمام، والورود، قال حسّان بن ثابت ﵁[من الكامل]:
يُغْشَوْنَ حَتَّى مَا تَهِرُّ كِلَابهُمْ … لَا يَسْأَلُونَ عَنِ السَّوَادِ الْمُقْبِلِ
فمعنى قوله: "تلك امرأة يَغشاها أصحابي": أي يُلِمّون بها، ويَرِدون عليها، ويجلسون عندها. قاله في "الاستذكار" (١).
(ومنها): أن في قوله: "تضعين ثيابك، ولا يراك" دليلاً على عدم جواز نظر الرجل
стр. 13759
إلى المرأة؛ لما فيه من داعية الفتنة. (ومنها): ما قاله أبو العبّاس القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: فيه دليلٌ على أن المرأة يجوز لها أن تطلّع من الرجل على ما لا يجوز للرجل أن يطلع عليه من المرأة، كالرأس، ومعلّق القرط، ونحو ذلك، فأما العورة فلا. ولكن هذا يعارضه ما ذكره الترمذيّ من قول النبيّ ﷺ لميمونة وأم سلمة، وقد دخل عليهما ابن أم مكتوم، فقال: "احتجبا منه"، فقالتا: إنه أعمى، فقال: "أفَعَمياوان أنتما؟، ألستما تبصرانه؟ ". والجواب من وجهين:
[أحدهما]: أن هذا الحديث لا يصحّ عند أهل النقل؛ لأن راويه عن أم سلمة نبهان مولاها، وهو ممن لا يُحتجّ بحديثه.
[وثانيهما]: على تقدير صحّته، فذلك تغليظ منه ﷺ على أزواجه لحرمتهنّ، كما غلّظ عليهنّ أمر الحجاب، ولهذا أشار أبو داود وغيره من الأئمة انتهى (١)،
وقال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- عند قول البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى-: "باب نظر المرأة إلى الحَبَش، ونحوهم من غير ريبة": ما نصّه: وظاهر الترجمة أن المصنّف كان يذهب إلى جواز نظر المرأة إلى الأجنبيّ، بخلاف عكسه، وهي مسألة مشهورة، واختَلَف الترجيح فيها عند الشافعيّة، وحديث الباب يساعد من أجاز، وقد تقدّم في أبواب العيد جواب النوويّ عن ذلك بأن عائشة كانت صغيرةً، دون البلوغ، أو كان قبل الحجاب، وقوّاه بقوله في هذه الرواية: "فاقدروا قدر الجارية الحديثة السنّ". لكن تقدّم ما يعكُر عليه، وأن في بعض طرقه أن ذلك كان بعد قدوم الحبشة، وأن قدومهم كان سنة سبع، ولعائشة يومئذ ست عشرة سنة، فكانت بالغةٌ، وكان بعد الحجاب.
وحجة من منع حديث أمّ سلمة الحديث المشهور: "أفعمياوان أنتما"، وهو حديث أخرجه أصحاب "السنن" (٢) من رواية الزهريّ، عن نبهان، مولى أم سلمة، عنها، وإسناده قوي، وأكثر ما عُلّل به انفراد الزهريّ بالرواية عن نبهان، وليست بعلّة قادحة، فإن من يعرفه الزهريّ، ويصفه بأنه مكاتب أم سلمة، ولم يجرحه أحدٌ، لا تُردّ روايته. والجمع بين الحديثين احتمال تقدّم الواقعة، أو أن في قصّة الحديث الذي ذكره نبهان شيء يمنع النساء من رؤيته؛ لكون ابن أم مكتوم كان أعمى، فلعلّه كان منه شيء ينكشف، ولا يشعر به.
ويقوّي الجواز استمرار العمل على جواز خروج النساء إلى المساجد، والأسواق،
стр. 13760
والأسفار، منتقبات؛ لئلا يراهنّ الرجال، ولم يؤمر الرجال قطّ بالانتقاب لئلا يراهم النساء، فدلّ على تغاير الحكم بين الطائفتين، وبهذا احتجّ الغزاليّ على الجواز، فقال: لسنا نقول: إن وجه الرجل في حقّها عورةٌ كوجه المرأة في حقّه، بل هو كوجه الأمرد في حقّ الرجل، فيحرم النظر عند خوف الفتنة فقط، وإن لم تكن فتنة فلا، إذ لم يزل الرجال على ممرّ الزمان مكشوفي الوجوه، والنساء يخرجن منتقبات، فلو استووا لأُمر الرجال بالتنقّب، أو منعن من الخروج انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي ذهب إليه البخاريّ، وحقّقه الغزاليّ، وأقرّه الحافظ -رحمهم اللَّه تعالى- هو الحقّ الحقيق بالقبول، حيث دلّ عليه صحيح المنقول، وما عداه، كحديث أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها - المذكور يحمل على الاحتياط، ولا سيّما في حقّ أزواج النبيّ ﷺ ، فقد قال اللَّه تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٢]، وقد أمر اللَّه تعالى أن لا يكلّمن إلا من وراء حجاب، متجالّات كنّ، أو غير متجالّات، والحجاب عليهنّ أشدّ منه على غيرهنّ؛ لظاهر القرآن، وحديث نبهان المذكور، كما أشار إلى ذلك ابن عبد البرّ (٢).
وكذا قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ الآية [النور: ٣١] محمول على الاستحباب، أو على خوف الفتنة، وإلى ذلك أشار البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- حيث قال: "من غير ريبة".
والحاصل أن نظر المرأة إلى الرجال الأجانب جائز عند أمن الخوف من الفتنة، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتهوَّر بالاعتساف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(ومنها): أن الخِطبة المنهيّ عنها في قوله ﷺ : "ولا يخطب على خطبة أخيه" محمول على ما إذا كان هنا ركون وميل، ومقاربة، فأما إذا لم يوجد ذلك، فلا يُمنع، فقد قالت فاطمة: إن معاوية، وأبا جهم خطباني، فلم ينكر عليها النبيّ ﷺ ذلك، بل خطبها مع ذلك لأسامة بن زيد، حيث لم يحصل منها ميل إليهما، ولا إلى أحد منهما. (ومنها): أن من أخبر بعيب أخيه لمن استنصحه عند الخِطبة، أو نحوها ليس بمغتاب له، بل جائز، من باب النصيحة التي هي الدين، لما في "صحيح مسلم" من حديث تميم الداريّ ﵁، مرفوعًا: "الدين النصحية"، قلنا: لمن؟، قال: "للَّه، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم". ولحديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه -، مرفوعا: "حقّ المسلم على المسلم ستٌّ، وفيه: "وإذا استنصحك، فانصح له … " الحديث.
стр. 13761
(ومنها): أن في قوله: "صُعلوك، لا مال له" دليلاً على أن المال من مستحقّات النكاح، وخصال الناكح، وأن الفقر من عيوبه، وأنه لو بُيِّن في العقد، أو عَرفت المرأة منه ذلك، ورضيت به جاز كسائر العيوب.
(ومنها): أن كثرة ضرب النساء عيب يمنع من النكاح، إلا إذا رضيت المرأة به، كما سبق في الذي قبله.
(ومنها): أن من أفرط في الوصف لا يلحقه الكذب، والمبالغ في النعت بالصدق لا يدركه الذمّ، ألا ترى إلى أن النبيّ ﷺ قال في أبي جهم: "لا يضع عصاه عن عاتقه"، وهو قد ينام، ويُصلّي، ويأكل، ويشرب، ويشتغل بما يحتاج إليه من شغله في دنياه، وإنما أراد المبالغة في وصفه بتأديب النساء.
قال الحافظ أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى-: وإنما أراد المبالغة في أدب النساء باللسان واليد، وربما يحسن الأدب بمثله، كما يَصنع الوالي في رعيته. وقد روي عن النبيّ ﷺ أنه قال لرجل أوصاه: "لا ترفع عصاك عن أهلك، وأخفهم في اللَّه " (١). وروي عنه ﷺ أنه قال: "علّق سوطك حيث يراه أهلك" (٢).
قال: ومعنى العصا في هذين الحديثين الإخافة والشدّة بكلّ ما يتهيّأ، ويمكن مما يَجمُلُ، ويَحسُنُ من الأدب فيما يجب الأدب فيه.
وقد قال بعض أصحابنا: إن فيه إباحة ضرب الرجل امرأته ضربًا كثيرًا؛ لأنه قصد به قصد العيب له، والضرب القليل ليس بعيب؛ لأن اللَّه تعالى قد أباحه، قال: ولَمّا لم يغيّر رسول اللَّه ﷺ على أبي جهم ما كان عليه من ذلك، كان في طريق الإباحة، وفيما قال من ذلك -واللَّه أعلم- نظر. قال ابن وهب: ذمُّهُ لذلك دليل على أنه لا يجوز فعله، ومن هذا قالت العرب: فلان ليّن العصا، وفلان شديد العصا، يقولون ذلك في الوالي، وما أشبهه، وقال الشاعر [من الطويل]:
لِذِي الْحِلْمِ قَبلَ الْيَوْمِ مَا تَقْرَعُ الْعَصَا … وَمَا عُلِّمَ الإِنْسَانُ إِلَّا لِيَعْلَمَا
وقال معن بن أوس، يصف راعي إبله [من الطويل]:
стр. 13762
عَلَيْهَا شَرِيبٌ وَادِعٌ لَيِّنُ الْعَصَا … يُسَائِلُهَا عَمَّا بِهِ وَتُسَائِلُهْ
وَالعرب تُسمّي الطاعة، والأُلفة، والجماعة العصا، ويقولون: عصا الإسلام، وعصا السلطان، ومن هذا قول الشاعر [من الطويل]:
إِذَا كَانَتِ الْهَيجَاءُ وَانشَقَّتِ العَصَا … فَحِسْبُكَ وَالضَّحَّاكَ سَيْفٌ مُهَنَّدُ
ومنه قول صلة بن أشيم: إياك وقتيل العصا، يقول: إياك أن تقتل، أو تُقتل قتيلاً إذا انشقّت العصا.
والعرب أيضًا تسمّي قرار الظاعن عصًا، وقرار الأمر، واستواءه عصا، فإذا استغنى المسافر عن الظعن، قالوا: قد ألقى عصاه. وقال الشاعر [من الطويل]:
فَأَلقَتْ عَصَاهَا وَاستَقَرَّ بِهَا النَّوَى … كَمَا قَرَّ عَيْنًا بِالإِيَابِ الْمُسَافِرُ
ورُوي أن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - تمثّلت بهذا البيت حين اجتمع الأمر لمعاوية ﵁. انتهى كلام الحافظ ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى- (١). وهو بحث نفيس. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في اعتبار الكفاءة في النكاح:
(اعلم): أنهم اختلفوا في أوصاف الكفاءة، فقال مالك في ظاهر مذهبه: إنها الدين، وفي رواية عنه: إنها ثلاثة: الدين، والحرّية، والسلامة من العيوب. وقال أبو حنيفة: هي النسب والدين. وقال أحمد في رواية عنه: هي الدين، والنسب خاصّة. وفي رواية أخرج: هي خمسة: الدين، والنسب، والحرّيّة، والصناعة، والمال، وإذا اعتبر فيها النسب، فعنه فيه روايتان: إحداهما: أن العرب بعضهم لبعض أكفاء. الثانية: أن قريشًا لا يكافئهم إلا قرشيّ، وبنو هاشم لا يكافئهم إلا هاشميّ.
وقال أصحاب الشافعيّ: يعتبر فيها الدين، والنسب، والحرّيّة، والصناعة، والسلامة من العيوب المنفّرة. ولهم في اليسار ثلاثة أوجه: اعتباره فيها، وإلغاؤه، واعتباره في أهل المدن، دون أهل البوادي. ذكر هذا كله الإمام ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى- في "زاد المعاد" (٢).
وقال في "الفتح": وقد جزم بأن اعتبار الكفاءة مختصّ بالدين مالك، ونُقل عن ابن عمر، وابن مسعود، ومن التابعين عن محمد بن سيرين، وعمر بن عبد العزيز. واعتبر الكفاءة في النسب الجمهور، وقال أبو حنيفة: قريشٌ أكفاء بعضهم بعضًا، والعرب
стр. 13763
كذلك، وليس أحد من العرب كفأ لقريش، كما أنه ليس أحد من غير العرب كفأً للعرب. وهو وجه للشافعيّة، والصحيح تقديم بني هاشم والمطّلب على غيرهم، ومن عدا هؤلاء أكفاء بعضهم لبعض. وقال الثوريّ: إذا نكح المولى غير العربيّة يُفسخ النكاح. وبه قال أحمد في رواية. وتوسّط الشافعيّ، فقال: ليس نكاح غير الأكفاء حرامًا، فأردّ به النكاح، وإنما هو تقصير بالمرأة، والأولياء، فإذا رضوا صحّ، ويكون حقًا لهم تركوه، فلو رضوا إلا واحدًا فله فسخه، وذكر أن المعنى في اشتراط الولاية في النكاح كيلا تُضِيعَ المرأة نفسها في غير كفء. انتهى.
ونقل ابن المنذر عن البويطيّ أن الشافعيّ قال: الكفاءة في الدين. وهو كذلك في "مختصر البويطي"، قال الرافعيّ: وهو خلاف مشهور. ونقل الأبزي عن الربيع أن رجلاً سأل الشافعيّ عنه، فقال: أنا عربيّ، لا تسألني عن هذا.
قال الحافظ: ولم يثبت في اعتبار الكفاءة بالنسب حديث. وأما ما أخرجه البزّار من حديث معاذ ﵁ رفعه: "العرب بعضهم أكفاء بعض، والموالي بعضهم أكفاء بعض". فإسناده ضعيف.
واحتجّ البيهقيّ بحديث واثلة مرفوعًا: "إن اللَّه اصطفى بني كنانة من بني إسماعيل … " الحديث. وهو صحيح، أخرجه مسلم، لكن في الاحتجاج به لذلك نظر، لكن ضمّ بعضهم إليه حديثَ: "قدّموا قريشًا، ولا تقدّموها".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتجاج بضم هذا الحديث إلى ما قبله على اشتراط الكفاءة في النسب ساقطٌ لا اعتداد به؛ لمخالفته للأدلة الصحيحة الصريحة التي تنفي اشتراطه، كحديث الباب، فقد أمر النبيّ ﷺ فاطمة أن تنكح أسامة، فنكحته بعد تردّدت لكراهتها له، فحمدت عقباها.
وقال اللَّه : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ الآية [الحجرات: ١٣]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ الآية [الحجرات: ١٠]. وقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ﴾ الآية [التوبة: ٧١]. وقال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ الآية [آل عمران: ١٩٥].
وقال ﷺ : لا فضل لعربيّ على عجميّ، ولا لعجميّ على عربيّ، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى، الناس من آدم، وآدم من تراب" (١).
وقال ﷺ : "إن آل بني فلان ليسوا بأوليائي، إن أوليائي المتّقون حيث كانوا، وأين
стр. 13764
كانوا" متّفق عليه.
وأخرج الترمذيّ بسنده، وحسّنه، من حديث أبي حاتم المزنيّ ﵁، مرفوعًا: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه، فأنكحوه، إلا تفعلوه، تكن فتنة في الأرض، وفساد كبير"، قالوا: يا رسول اللَّه، وإن كان فيه؟ فقال: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه" ثلاث مرّات.
وأخرج أبو داود في "سننه"، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبيّ من حديث أبي هريرة ﵁: "أن النبيّ ﷺ قال يا بني بياضة: أَنكِحوا أبا هند، وانكحوا إليه"، وكان حجامًا.
وزوّج النبيّ ﷺ زينب بنت جحش القرشيّة من زيد بن حارثة مولاه - رضي اللَّه تعالى - عنهما، وزوّج فاطمة بنت قيس الفهريّةَ القرشيّة من أسامة ابنه، وتزوّج بلال - رضي اللَّه تعالى عنه - بأخت عبد الرحمن بن عوف، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ الآية [النور: ٢٦]، وقال: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية [النساء: ٣].
قال الإمام ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى- بعد أن ذكر ما تقدّم: فالذي يقتضيه حكمه ﷺ اعتبار الدين في الكفاءة أصلاً، وكمالاً، فلا تُزوّج مسلمة بكافر، ولا عفيفة بفاجر، ولم يعتبر القرآن ولا السنة في الكفاءة أمرًا وراء ذلك، فإنه حرّم على المسلمة نكاح الزاني الخبيث، ولم يعتبر نسبًا، ولا صناعةً، ولا غنىً، ولا حرّيّةٌ، فجوز للعبد القنّ نكاح الحرّة النسيبة الغنيّة، إذا كان عفيفًا مسلمًا، وجوّز لغير القرشيين نكاح القرشيّات، ولغير الهاشميين نكاح الهاشميّات، وللفقراء نكاح الموسرات انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله الإمام ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى- هو عين التحقيق الذي لا ينبغي التعويل إلا عليه، ولا الرجوع إلا إليه.
والحاصل أن الكفاءة المعتبرة بين الزوجين هي الدين فقط، وما عدا ذلك من النسب، والحسب، والمال، ونحو ذلك فلا اعتداد به، فإذا رضيت المرأة الهاشميّة بأن تتزوج مولى من الموالي، فلا اعتراض لأحد عليها، وكذا الغنية إذا رضيت بالفقير، ونحو ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٢٢٤ - (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ رَاشِدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعَيْبٌ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ, وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا, مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , تَبَنَّى سَالِمًا, وَأَنْكَحَهُ ابْنَةَ أَخِيهِ, هِنْدَ بِنْتَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ, وَهُوَ مَوْلًى لاِمْرَأَةٍ
стр. 13765
مِنَ الأَنْصَارِ, كَمَا تَبَنَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْدًا, وَكَانَ مَنْ تَبَنَّى رَجُلاً فِي الْجَاهِلِيَّةِ, دَعَاهُ النَّاسُ ابْنَهُ, فَوَرِثَ مِنْ مِيرَاثِهِ, حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] , فَمَنْ لَمْ يُعْلَمْ لَهُ أَبٌ, كَانَ مَوْلًى, وَأَخًا فِي الدِّينِ. مُخْتَصَرٌ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عمران بن بكّار بن راشد) الكلاعيّ الْبَرَّاد الحمصيّ المؤذّن، ثقة [١١] ١٧/ ١٥٤١ من أفراد المصنّف.
٢ - (أبو اليمان) الحكم بن نافع البهرانيّ الحمصيىّ ثقة ثبت [١٠] ١٤/ ٢١٣٢.
٣ - (شعيب) بن أبي حمزة دينار، أبو بشر الحمصيّ، ثقة عابد [٧] ٦٩/ ٨٥.
٤ - (الزهريّ) محمد بن مسلم المدنيّ الإمام الحجة الثبت [٤] ١/ ١.
٥ - (عروة بن الزبير) بن العوّام، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٤٠/ ٣٤.
٦ - (عائشة) - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالحمصيين إلى شعيب، وبعده بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: الزهريّ، عن عروة، وفيه أحد الفقهاء السبعة، عروة بن الزبير، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - (أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بن عَبْدِ شَمْسٍ) بن عبد مناف القرشيّ العبشميّ، اسمه: مِهْشم على المشهور. وقيل: هاشم. وقيل: غير ذلك. وهو خال معاوية بن أبي سفيان، وكان من السابقين إلى الإسلام، أسلم بعد ثلاثة وأربعين إنسانًا، وهاجر الهجرتين، وصلّى إلى القبلتين. وكان طُوَالاً حسن الوجه، استُشهد - رضي اللَّه تعالى عنه - يوم اليمامة، وهو ابن (٥٦) سنة (١).
(وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا) أي وقعتها المشهورة في السنة الثانية من الهجرة (مَعَ رَسُولِ
стр. 13766
اللَّهِ ﷺ ، تَبَنَّى سَالِمًا) -بفتح المثنَّاة، والموحّدة، وتشديد النون، بعدها ألف-: أي اتخذه ولدًا. وسالم هو ابن معقل مولى امرأة من الأنصار، يقال لها: ليلى، ويقال: ثُبَيْتَة -بمثلّثة، ثم موحّدة، ثم مثنّاة، مصغّرًا- بنت يَعَار -بفتح التحتانيّة، ثم مهملة خفيفة- (١) وكانت امرأة أبي حُذيفة، كما جزم به ابن سعد. وقال ابن شاهين: سمعت ابن أبي داود يقول: هو سالم بن معقل، وكان مولى امرأة من الأنصار، يقال لها: فاطمة بنت يَعَار، أعتقته سائبةً، فوالى أبا حُذيفة.
وروى الشيخان، وغيرهما من طريق مسروق، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، رفعه: "خذوا القرآن من أربعة: من ابن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وأُبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل". ومن طريق ابن المبارك في "كتاب الجهاد" له، عن حنظلة بن أبي سفيان، عن ابن سابط، أن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - احتبست على النبيّ ﷺ ، فقال: "ما حبسك؟ "، قالت: سمعت قارئًا يقرأ، فذَكَرَتْ من حسن قراءته، فأخذ رداءه، وخرج، فإذا هو سالم مولى أبي حذيفة، فقال: "الحمد للَّه الذي جعل في أمتي مثلك". وأخرجه أحمد عن ابن نمير، عن حنظلة، وابنُ ماجه، والحاكم في "المستدرك" من طريق الوليد بن مسلم: حدثني حنظلة، عن عبد الرحمن بن سابط، عن عائشة موصولاً، وابن المبارك أحفظ من الوليد، ولكن له شاهد، أخرجه البزّار، عن الفضيل بن سهل، عن الوليد بن صالح، عن أبي أسامة، عن ابن جريج، عن ابن أبي مُليكة، عن عائشة بالمتن، دون القصّة، ولفظه: قالت: سمع النبيّ ﷺ سالمًا مولى أبي حذيفة يقرأ من الليل، فقال: "الحمد للَّه الذي جعل في أمتي مثله". ورجاله ثقات. وروى ابن المبارك أيضًا فيه: أن لواء المهاجرين (٢) كان مع سالم، فقيل له في ذلك، فقال: بئس حامل القرآن أنا -يعني إن فررت-، فقُطعت يمينه، فأخذه بيساره، فقُطعت، فاعتنقه إلى أن صُرع، فقال لأصحابه: ما فعل أبو حذيفة؟ -يعني مولاه- قيل: قُتل، قال: فانتجعوني (٣) بجنبه، فأرسل عمر ميراثه إلى مُعتِقَتِه بثينة، فقالت: إنما أعتقته سائبة، فجعله في بيت المال. وذكر ابن سعد أن عمر أعطى ميراثه لأمه، فقال: كُلِيه.
وقال ابن أبي حاتم: لا أعلم رُوي عنه شيء. وتُعُقّب بأنه رُوي عنه حديثان، ذكرهما
стр. 13767
في "الإصابة" (١)، وقال: في السندين جميعًا ضعف، وانقطاع، فيحمل كلام ابن أبي حاتم على أنه لم يصحّ عنه شيء. (٢).
(وَأَنْكَحَهُ) أي زوّجه (ابْنَةَ أَخِيهِ) -بفتح الهمزة، وكسر الخاء المعجمة، ثم تحتانيّة، على الصحيح، وحكى ابن التين أن في بعض الروايات بضم الهمزة، وسكون الخاء، ثم مثنّاة، وهو غلط (هِنْدَ) كذا في هذه الرواية، ووقع عند مالك: "فاطمة"، فلعلّ لها اسمين. قاله في "الفتح". زاد في الرواية التالية: "وكانت هند بنت الوليد بن عتبة من المهاجرات الأُوَل، وهي من أفضل أيامَى قريش".
وقال في "الفتح": وسمّيت هند هذه باسم عمّتها هند بنت عتبة. قال الدمياطيّ: رواه يونس، ويحيى بن سعيد، وشُعيب، وغيرهم، عن الزهريّ، فقالوا: "هند". وروى مالك عنه، فقال: "فاطمة". واقتصر أبو عمر في الصحابة على فاطمة بنت الوليد، فلم يُترجم لهند بنت الوليد، ولا ذكرها محمد بن سعد في الصحابة. ووقع عنده فاطمة بنت عتبة، فإما نسبها لجدّها، وإما كانت لهند أختٌ اسمها فاطمة. وحكى أبو عمر عن غيره أن اسم جدّ فاطمة بنت الوليد المغيرة، فإن ثبت فليست هي بنت أخي أبي حذيفة. ويمكن الجمع بأن بنت أبي حذيفة كان لها اسمان. واللَّه أعلم انتهى (٣) (بِنْتَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ) والوليد هذا أحد من قُتل ببدر كافرًا (وَهُوَ) أي سالم (مَوْلًى لِامْرَأَةٍ مِنً الأَنْصَارِ) سبق آنفًا أن اسمها ليلى، وقيل: ثُبَيْتَة، وقيل: فاطمة بنت يَعار (كَمَا تَبَنَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْدًا) أي ابن حارثة بن شَراحيل الكلبيّ، أبا أسامة، مولى رسول اللَّه ﷺ ، شهد المشاهد كلها، وكان من الرُّمَاة المذكورين.
كان زيد فيما رُوي عن أنس بن مالك، وغيره مَسبيًّا من الشام، سبته خيلٌ من تهامة، فابتاعه حكيم بن حزام بن خُويلد، فوهبه لعمته خديجة، فوهبته خديجة للنبيّ ﷺ ، فأعتقه، وتبنّاه، فأقام عنده مدّةً، ثم جاء عمه، وأبوه يرغبان في فدائه، فقال لهما النبيّ ﷺ وذلك قبل البعث-: "خيّراه، فإن اختاركما، فهو لكما دون فداء"، فاختار الرّقّ مع رسول اللَّه ﷺ على حرّيّته وقومه، فقال رسول اللَّه ﷺ عند ذلك: "يا معشر قريش اشهدوا أنه ابني يرثني وأرثه"، وكان يطوف على حِلَق قريش يُشهدهم على ذلك، فرضي ذلك عمه وأبوه، وانصرفا (٤).
стр. 13768
روى عن النبيّ- ﷺ . وعنه ابنه أسامة، والبراء بن عازب، وابن عباس. آخى رسول اللَّه ﷺ بينه وبين حمزة بن عبد المطّلب. وقال ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -: ما كنّا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد، حتى أنزل القرآن: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥].
وعن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: ما بعث رسول اللَّه ﷺ زيد بن حارثة في سريّة إلا أمره عليهم، ولو بقي لاستخلفه. أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة بإسناد قويّ. وعن سلمة ابن الأكوع ﵁ قال: غزوت مع النبيّ ﷺ -سبع غزوات، ومع زيد بن حارثة سبع غزوات يؤمره علينا رسول اللَّه ﷺ . أخرجه البخاريّ. ولم يقع في القرآن تسمية أحد باسمه إلا هو باتفاق.
استُشهد يوم مؤتة سنة ثمان من الهجرة، وهو ابن (٥٥) سنة، ونعاه النبيّ ﷺ لأصحابه في اليوم الذي قُتل فيه، وعيناه تذرفان (١).
(وَكَانَ مَنْ تَبَنَّى رَجُلاً فِي الجَاهِلِيَّةِ) أي في الفترة التي قبل الإسلام (دَعَاهُ النَّاسُ ابْنَهُ) أي يسمون ابن فلان للذي تبنّاه. ولفظ البخاريّ، وهو الذي في "الكبرى": "دعاه الناس إليه"، أي نسبوه إلى ذلك الرجل الذي تبناه، دون أبيه النسبيّ (فَوَرِثَ مِنْ مِيرَاثِهِ، حَتَّى أَنزَلَ اللَّه فِي ذَلِكَ) وفي الرواية التالية: "فلما أنزل اللَّه في زيد بن حارثة" (﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ﴾) أي أعدل (﴿عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾) أي فنسخ اللَّه تعالى ذلك بهذه الآية، ورفع حكم التبنّي، ومنع إطلاق لفظه، وأرشد إلى أن الأولى والأعدل أن ينسب الرجل إلى أبيه نسبًا، يقال: كان الرجل إذا أعجبه من الرجل جَلَده، وظَرفه ضمّه إلى نفسه، وجعل له نصيب الذكر من أولاده من ميراثه، وكان ينسب إليه، فيقال: فلان بن فلان. وقال النحّاس: هذه الآية ناسخة لما كانوا عليه من التبنّي، وهو من نسخ السنة بالقرآن، فأمر أن يَدعُوا من دعوا إلى أبيه المعروف، فإن لم يكن له أبٌ معروف نسبوه إلى وَلائه، فإن لم يكن له ولاء معروفٌ قال له: يا أخي -يعني في الدين-. قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ الآية [الحجرات: ١٠] (٢).
(فَمَنْ لَمْ يُعْلَم لَهُ أَبٌ، كَانَ مَوْلى، وَأَخًا فِي الدِّينِ) أي يُدعَى باسم المولى، واسم الأخ في الدين، فيقال: يا مولاي، أو يا مولى فلان، أو يا أخي.
(مُخْتَصَرٌ) خبر لمحذوف، أي هذا الحديث مختصر من حديث طويل، وقد ساقه
стр. 13769
بتمامه أبو داود -رحمه اللَّه تعالى- في "سننه" من طريق يونس، عن الزهريّ، ولفظه: فجاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو القرشي، ثم العامري، وهي امرأة أبي حذيفة، فقالت: يا رسول اللَّه، إنا كنا نرى سالما ولدًا، وكان يأوي معي، ومع أبي حذيفة في بيت واحد، ويراني فُضْلاً (١)، وقد أنزل اللَّه فيهم، ما قد عَلمتَ، فكيف ترى فيه؟، فقال لها النبي ﷺ : "أرضعيه"، فأرضعته خمس رضعات، فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة، فبذلك كانت عائشة ﵂، تأمر بنات أخواتها، وبنات إخوتها، أن يُرضِعن من أحبتِ عائشة أن يراها، ويدخل عليها، وإن كان كبيرا، خمس رضعات، ثم يدخل عليها، وأبَتْ أم سلمة، وسائر أزواج النبي ﷺ أن يُدخِلْنَ عليهن بتلك الرضاعة أحدا من الناس، حتى يَرضَع في المهد، وقلن لعائشة: واللَّه ما نَدرِي لعدها كانت رخصة من النبيّ ﷺ ، دون الناس.
وسيذكر المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- جزء تمام الحديث بأسانيد مفردة في "كتاب الرضاع" - "باب رضاع الكبير" -٥٣/ ٣٣٢٠ و ٣٣٢١ و ٣٣٢٢ و ٣٣٢٣ و ٣٣٢٤ و ٣٣٢٥ و ٣٣٢٦ وسنذكُرُ شرحَهُ، وما يتعلّق به من المسائل هناك، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٨/ ٣٢٢٤ و ٣٢٢٥ - وفي "الكبرى" ٨/ ٨/ ٥٣٣٣ و ٥٣٣٤. وأخرجه (خ) في "المغازي" ٤٠٠٠ و"النكاح" ٥٠٨٨ (د) في "النكاح" ٢٠٦١ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٥١٢١ و ٢٥٣٨٥ و ٢٥٧٩٨ "الموطّأ" في "الرضاع" ١٢٨٨ (الدارميّ) في "النكاح" ٢٢٥٧. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان أن المعتبر في الكفاءة الدين، لا النسب، ولا غيره؛ لأن أبا حذيفة ﵁ زوّج مولاه سالمًا أخته هند بنت الوليد بن عقبة، وهو قرشيّة شريفة النسب، فدلّ أن المعتبر هو الدين، لا غير، وهذا هو الحقّ، كما تقدّم تحقيقه في المسألة الرابعة من الحديث الماضي.
стр. 13770
(ومنها): بيان سبب نزول الآية المذكورة، وأنها ناسخة لما كان في الجاهليّة وأوّل الإسلام من التبنّي، ومُحرِّمة أن يُدعى الشخص باسم من تبنّاه، بل يُردّ إلى أبيه الحقيقيّ. قال أبو عبد اللَّه القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: لو نسبه إنسان إلى أبيه من التبنّي، فإن كان على جهة الخطإ، وهو أن يسبق لسانه إلى ذلك من غير قصد، فلا إثم، ولا مؤاخذة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٥]. وكذلك لو دعوتَ رجلاً إلى غير أبيه، وأنت ترى أنه أبوه، فليس عليك بأس. قاله قتادة.
ولا يجري هذا المجرى ما غلب عليه اسم التبنّي، كالحال في المقداد بن عمرو، فإنه كان غلب عليه نسب التبنّي، فلا يكاد يُعرف إلا بالمقداد بن الأسود، فإن الأسود بن عبد يغوث كان قد تبنّاه في الجاهليّة، وعُرف به، فلما نزلت الآية قال المقداد: أنا ابن عمرو، ومع ذلك فبقي الإطلاق عليه، ولم يُسمع فيمن مضى من عَصَّى مُطْلِقَ ذلك عليه، وإن كان متعمّدًا. وكذلك سالم مولى أبي حذيفة، كان يُدعى لأبي حذيفة، وغير هؤلاء، ممن تُبُنّي، وانتُسب لغير أبيه، وشُهر بذلك، وغلب عليه.
وذلك بخلاف الحال في زيد بن حارثة، فإنه لا يجوز أن يقال فيه: زيد بن محمد، فإن قاله أحد متعمدًا عصى؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، أي فعليكم الجناح. واللَّه أعلم. ولذلك قال بعده: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي "غفورًا" للعمد، "رحيمًا" برفع إثم الخطإ. انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (١).
(ومنها): أن من لم يُعرف أبوه يقال له في النداء: يا مولى فلان، إن كان من الموالي، ويا أخي، إن كان من غيرهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٢٢٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ, قَالَ: قَالَ: يَحْيَى -يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ- وَأَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ, وَابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبِيعَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ , وَأُمِّ سَلَمَةَ, زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ, وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا, مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , تَبَنَّى سَالِمًا, وَهُوَ مَوْلًى لاِمْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ, كَمَا تَبَنَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ, وَأَنْكَحَ أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ سَالِمًا, ابْنَةَ أَخِيهِ هِنْدَ ابْنَةَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ, وَكَانَتْ هِنْدُ بِنْتُ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ, مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الأُوَلِ, وَهِيَ يَوْمَئِذٍ مِنْ أَفْضَلِ أَيَامَى قُرَيْشٍ, فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ:
стр. 13771
﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥] رُدَّ كُلُّ أَحَدٍ, يَنْتَمِى مِنْ أُولَئِكَ إِلَى أَبِيهِ, فَإِنْ لَمْ يَكُنْ يُعْلَمُ أَبُوهُ رُدَّ إِلَى مَوَالِيهِ).
رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، "محمد بن نصر" الفرّاء النيسابوريّ [١١] فإنه من أفراده، ووثّقه هو، وروى عنه في موضعين: هذا- ٨/ ٣٢٢٥ و-٧٩/ ٣٣٨٢ - فقط.
و"أيوب بن سليمان": هو القرشيّ، أبو يحيى المدنيّ، ثقة [٩] ٣٠/ ٥٥٨. و"أبو بكر بن أبي أويس": هو عبد الحميد بن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أويس الأصبحيّ، مشهور بكنيته كأبيه، ثقة [٩] ٣٠/ ٥٥٨. و"سليمان بن بلال": هو والد أيوب المذكور التيميّ المدنيّ، ثقة [٨] ٣٠/ ٥٥٨. و"يحيى بن سعيد": هو الأنصاريّ المدنيّ القاضي الثقة الثبت [٥] ٢٢/ ٢٣.
وقوله: "وأخبرني ابن شهاب الخ" مقول "قال يحيى الخ"، فيحيى بن سعيد الأنصاريّ يروي هذا الحديث عن ابن شهاب.
وقوله: "وابن عبد اللَّه بن ربيعة" هكذا في رواية المصنّف هنا، وفي "الكبرى" "ابن ربيعة"، والذي يظهر أنه غَلَطٌ، والصواب "ابن أبي ربيعة".
قال الحافظ أبو الحجّاج المزّيّ -رحمه اللَّه تعالى-بعد أن ذكر هذا-: ما نصّه: كذا عنده، وابن عبد اللَّه بن ربيعة"، وأظنه "ابن أبي ربيعة"، وهو الحارث بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة المخزوميّ. واللَّه أعلم.
وعلّق الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- على كلام المزّيّ هذا: ما نصّه: قلت: خالف ذلك في "التهذيب "، فذكر عن الذهليّ أنه "إبراهيم بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة". قلت: وهذا هو المعتمد انتهى كلام الحافظ (١).
وقال في "الفتح": ووقع عند الإسماعيليّ من طريق فيّاض بن زُهير، عن أبي اليمان فيه مع عروة "أبو عائذ اللَّه بن ربيعة"، وعائشة "أم سلمة"، وقال في آخره: لم يذكرهما البخاريّ في إسناده.
قال الحافظ: وقد أخرجه النسائيّ (٢) عن عمران بن بكّار، عن أبي اليمان مختصرًا، كرواية البخاريّ. وأخرجه البخاريّ في غزوة بدر من طريق عُقيل، عن الزهريّ كذلك، واختصر المتن أيضًا.
стр. 13772
وأخرجه النسائيّ (١) من طريق يحيى بن سعيد، عن الزهريّ، فقال: عن عروة، وابنِ عبد اللَّه بن أبي ربيعة (٢)، كلاهما عن عائشة، وأمّ سلمة.
وأخرجه أبو داود من طريق يونس كما ترى. وأخرجه عبد الرزّاق، عن معمر. وأخرجه النسائيّ من طريق جعفر بن ربيعة، والذهليّ من طريق ابن أخي الزهريّ، كلهم عن الزهريّ، كما قال عُقيل. وكذا أخرجه مالك، وابن إسحاق عن الزهريّ، لكنه عند أكثر الرواة عن مالك مرسلٌ. وخالف الجميع عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن الزهريّ، فقال: عن عروة، وعمرة، كلاهما عن عائشة. أخرجه الطبرانيّ.
قال الذهليّ في "الزهريّات": هذه الروايات كلها عندنا محفوظة، إلا رواية ابن مسافر، فإنها غير محفوظة، أي ذكر عمرة في إسناده. قال: والرجل المذكور مع عروة، لا أعرفه إلا أنّني أتوهّم أنه إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة، فإن أمه أم كلثوم بنت أبي بكر، فهو ابن أخت عائشة، كما أن عروة ابن أختها، وقد روى عنه الزهريّ حديثين غير هذا. قال: وهو برواية يحيى بن سعيد أشبه، حيث قال: ابنُ عبد اللَّه بن أبي ربيعة، فنسبه لجدّه. وأما قول شعيب: أبو عائذ اللَّه، فهو مجهول. قال الحافظ: لعلها كنية إبراهيم المذكور. وقد نقل المزّيّ في "التهذيب" قول الذهليّ هذا، وأقرّه، وخالف في "الأطراف"، فقال: أظنّه الحارث بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة. يعني عمّ إبراهيم المذكور.
قال الحافظ: والذي أظنّ أن قول الذهليّ أشبه بالصواب. ثم ظهر لي أنه أبو عبيدة ابن عبد اللَّه بن زمعة، فإن هذا الحديث بعينه عند مسلم، من طريقه، من وجه آخر، فهذا هو المعتمد، وكأن ما عداه تصحيف. واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام الحافظ (٣).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: فتحصّل من مجموع ما ذُكر أن "ابن عبد اللَّه بن أبي ربيعة" -على ما قالوا- هو أحد الثلاثة، إما:
١ - (إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة)، كما قاله الذهليّ، وتبعه المزّيّ في "تهذيب الكمال"، ذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال ابن خلفون: ثقة مشهور. وقال ابن القطّان. لا يُعرف له حال. وقال في "التقريب": مقبول من الثالثة. وإما:
٢ - (الحارث بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة) بن المغيرة، أمير الكوفة، المعروف بـ"الْقُبَاع"
стр. 13773
-بضم القاف، وتخفيف الموحّدة- كما ظنّه المزّيّ في "الأطراف"، وهو صدوق [٢] ٧٧/ ٢٣٩٥. وإما:
٣ - (أبو عبيدة بن عبد اللَّه بن زمعة) بن الأسود بن المطّلب بن أسد بن عبد العُزّى القرشيّ الأسديّ -كما رجحه الحافظ- قال عنه في "التقريب": مقبول [٣].
قال الجامع: في هذا الأخير نظر لا يخفى، بل الذي يظهر أنه خطأ، فإن الذي في سند مسلم، وهو أيضًا في سند المصنّف الآتي في "كتاب الرضاع" رقم -٥٣/ ٣٣٢٦ - هو أبو عبيدة بن عبد اللَّه بن زمعة، يروي عن أمه زينب بنت أم سلمة، عن أمها، والمبهم الذي وقع فيه النزاع في سند الباب هو ابن عبد اللَّه بن أبي ربيعة، فبينهما اختلاف في الجدّ، وهو أيضًا هنا يروي عن عائشة، وأم سلمة بدون واسطة، وهناك روى عن جدّته بواسطة أمه، فكيف صحّ للحافظ ترجيح أنه أبو عبيدة، هذا شيء غريب؟. بل الذي رجحه الإمام الذهليّ -رحمه اللَّه تعالى- هو الذي يظهر لي.
والحاصل أن ابن عبد اللَّه بن أبي ربيعة المبهم هنا أقرب ما يفسّر به هو إبراهيم بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة، كما جنح إليه الإمام الذهليّ -رحمه اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
وقوله: "من أفضل أيامى قريش الخ" هذا هو محلّ استدلال المصنّف لما ترجم له، فإنه صريح في كون المعتبر في الكفاءة هو الدين، فإن هذه المرأة قرشيّة، من أفضل أيامى قريش، وزوّجها عمها لمولى من الموالي، وأقرّه النبيّ ﷺ على ذلك، كما أقرّ غيره، فدلّ على ما ذكرنا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٩ - (الْحَسَبُ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا الباب هو الردّ على من اعتبر الكفاءة بالمال أيضًا، فإن حديث الباب فيه ذمّ الميل إلى المال؛ لأن ذلك هو مذهب أهل الدنيا، لا مذهب أهل الدين، فلا اعتبار به، كما أنه بين في الباب الماضي أن النسب غير معتبر في الكفاءة؛ لأن الصحابيات العربيات القرشيات تزوّجن موالي، فكذلك لا اعتبار بالمال أيضًا، فيجوز أن يتزوّج الفقير الغنيّة. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 13774
و"الحسّب -بفتحتين-: أصله الشرف بالآباء، وما يعدّه الإنسان من مفاخرهم، وجمعه أحساب. قال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: "الحسَب -بفتحتين-: ما يُعدّ من المآثر، وهو مصدرُ حَسُبَ، وزانُ شَرُفَ شَرَفًا، وكَرُمَ كَرَمًا. قال ابن السّكِّيت: الحسَبُ، والكَرَمُ يكونان في الإنسان، وإن لم يكون لآبائه شرَفٌ، ورجلٌ حَسِيبٌ: كَرِيم بنفسه. قال: وأما المجد، والشَّرَفُ فلا يوصف بهما الشخص، إلا إذا كانا فيه، وفي آبائه. وقال الأزهريّ: الحسَبُ: الشَّرَفُ الثابتُ له، ولآبائه. قال: وقوله ﷺ : "تُنكح المرأة لحسَبِها" أحوجَ أهلَ العلم إلى معرفة الحسَب؛ لأنه مما يُعتبر في مهر المثل، فالحسَبُ انفَعَالُ له، ولآبائه، مأخوذٌ من الحِسَاب، وهو عَدُّ المناقب؛ لأنهم كانوا إذا تفاخروا حَسَبَ كلُّ واحد مناقبه، ومناقب آبائه، ومما يشهد لقول ابن السّكّيت قول الشاعر [من الطويل]:
وَمَن كَانَ ذَا نَسْبٍ (١) كَرِيمٍ وَلَمْ يَكُنْ … لَهُ حَسَبٌ كَانَ اللَّئِيمَ الْمُذمَّمَا
جعل الحسب فَعَالَ الشخص، مثل الشجاعة، وحسن الخلُق، والجود. ومنه قوله: "حسَبُ المرء دِينُهُ" انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٢٢٦ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو تُمَيْلَةَ, عَنْ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ, عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ أَحْسَابَ أَهْلِ الدُّنْيَا, الَّذِي يَذْهَبُونَ إِلَيْهِ الْمَالُ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يعقوب بن إبراهيم) الدَّوْرَقيّ، أبو يوسف البغداديّ الثقة الحافظ [١٠] ٢١/ ٢٢.
٢ - (أبو تُميلة) -بمثنّاة، مصغّرًا-: هو: يحيى بن واضح الأنصاريّ مولاهم المروزيّ، مشهور بكنيته، ثقة، من كبار [٩] ٢٧/ ١٥٨٥.
٣ - (حسين بن واقد) أبو عبد اللَّه المروزيّ القاضي، ثقة له أوهام [٧] ٥/ ٤٦٣.
٤ - (ابن بُريدة) هو: عبد اللَّه بن بُريدة المروزيّ القاضي ثقة [٣] ٢٥/ ٣٩٣.
٥ - (أبوه) هو: بُريدة بن الحُصيب الأسلميّ الصحابيّ المشهور، مات - رضي اللَّه تعالى عنه - سنة (٦٣)، وتقدم في ١٠١/ ١٣٣. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم
стр. 13775
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمراوزة، غير شيخه، فإنه بغداديّ. (ومنها): أن شيخه هو أحد التسعة الذين روى عنهم الأئمة الستة، أصحاب الأصول بدون واسطة، وتقدّموا غير مرّة، وفيه رواية الابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ) عبد اللَّه (ابْنِ بُرَيدَةَ، عَنْ أَبِيهِ) بُريدة بن الْحُصيب - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ أَحْسَابَ أَهْلِ الدُّنْيا) أي فضائلهم (الَّذِي) هكذا وقع عند المصنّف، وابن حبّان، والحاكم بلفظ "الذي" وهو الوجه، ووقع في "مسند الإمام أحمد" بلفظ: "الذين". قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: كذا وقع في أصلنا من مسند الإمام أحمد، وصوابه "الذي يذهبون إليه"، وكذا رواه النسائيّ، وابن حبّان، والحاكم، والوجه أن أحساب أهل الدنيا التي يذهبون إليها، فيؤتى بوصف الأحساب مؤنثا؛ لأن المجموع مؤنّثة، وكأنه روعي في التذكير المعنى، دون اللفظ. وأما "الذين" فلا يظهر له وجهٌ؛ لأنه ليس وصفًا لأهل الدنيا، وإنما هو وصفٌ لأحسابهم، إلا أن يكون اكتسب ذلك منه للمجاورة، كاكتساب الإعراب من المجاور في قوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، وفي قوله: "جُحْرُ ضبّ خَرِبٍ"، في أمثلة لذلك معروفة.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا قال: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، وفيه نظر، بل الذي مثّلوا به -على ما قيل- قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، في قراءة الجرّ، عطفًا على "رؤوسكم" من قوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، وإن كانت الأرجل من المغسولات، لكن جرّت للمجاورة. فليُتنبّه.
(يَذْهَبُونَ إِلَيْهِ) أي يميلون إليه، ويعتمدون عليه (الْمَالُ) بالرفع خبر "إنّ". ولفظ أحمد: "هذا المال". يعني أن فضائلهم التي يرغبون فيها، ويميلون إليها، ويعتمدون عليها في النكاح وغيره هو المال، ولا يعرفون شرفًا آخر، مساويًا له، بل ولا مدانيًا له أيضًا، لا علمًا، ولا دينًا، ولا ورَعًا، وهذا هو الذي صدّقه الوجود، فصاحب المال عندهم عزيز كيفما كان؟، والفقير عندهم ذليلٌ كيفما كان؟. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث بريدة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيحٌ، وهو من أفراد المصنّف ﵀ تَعَالَي-، أخرجه هنا-٩/ ٣٢٢٦ - وفي "الكبرى" ٩/ ٥٣٣٥. وأخرجه (أحمد) في "باقي
стр. 13776
مسند الأنصار" ٢٢٤٨١ و ٢٢٥٥٠ (ابن حبان) في "صحيحه" ١٢٣٣ و ١٢٣٤ (الحاكم) في "المستدرك" ٢/ ١٦٣ (البيهقيّ) في "سننه" ٧/ ١٣٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): قال الحافظ وليّ الدين: هذا الحديث يحتمل أن يكون خرج مخرج الذّمّ لذلك؛ لأن الأحساب إنما هي بالأنساب، لا بالمال، فصاحب النسب العالي هو الحسيب، ولو كان فقيرًا، والوضيع في نسبه ليس حسيبًا، ولو كان ذا مال. ويحتمل أن يكون خرج مخرج التقرير له، والإعلام بصحّته، وإن تفاخر الإنسان بآبائه الذين انقرضوا مع فقره لا يُحَصِّلُ له حَسَبًا، وإنما يكون حسبه وشرفه بماله، فهو الذي يرفع شأنه في الدنيا، وإن لم يكن طيّب النسب. ويدلّ للاحتمال الثاني ما رواه الترمذيّ، وابن ماجه، والحاكم في "مستدركه" من حديث قتادة، عن الحسن، عن سمرة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الحسَبُ المال، والكرم التقوى" (١). قال الترمذيّ: حسن صحيح، غريبٌ، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.
وقد ذكر بعضهم أن الحسب والكرم يكونان في الرجل، وإن لم يكن له آباء لهم شرف، والشرف والمجد لا يكونان إلا بالآباء.
وروى الحاكم في "مستدركه" من حديث مسلم بن خالد، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "كرم المؤمن دينه، ومروءته عقله، وحسَبه خلقه". وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم (٢).
وقال في "الفتح": وأما ما أخرجه أحمد، والنسائيّ، وصححه ابن حبّان من حديث بُريدة ﵁، رفعه: "إن أحساب أهل الدنيا الذي يذهبون إليه المال". فيحتمل أن يكون المراد أنه حَسَبُ مَن لا حَسَبَ له، فيقوم النسب الشريف لصاحبه مقام المال لمن لا نسب له. ومنه حديث سمرة ﵁، رفعه: "الحسَبُ المال، والكرم التقوى". أخرجه أحمد، والترمذيّ، وصححه هو، والحاكم. وبهذا الحديث تمسّك من اعتبر الكفاءة بالمال.
أو أن من شأن أهل الدنيا رفعة من كان كثير المال، ولو كان وضيعًا، وضَعَةُ من كان
стр. 13777
مُقلًّا، ولو كان رفيع النسب، كما هو موجودٌ مشاهدٌ. فعلى الاحتمال الأول يمكن أن يؤخذ من الحديث اعتبار الكفاءة بالمال، لا على الثاني؛ لكونه سيق في الإنكار على من يفعل ذلك انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الصواب عندي أن الحديث سيق لبيان ما هو الحاصل في واقع الناس، ومجتمعهم، وذلك أنهم يعتمدون على المال، ويفتخرون به، وأن ذلك غير معتبر شرعًا، فهو كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ إلى أن قال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، فقد أخبر اللَّه تعالى بحكمة خلقه الناس ذكرًا وأنثى، وجعلهم شعوبًا وقبائل، وذلك للتعارف، لا للتفاخر والتناحر، ثم أخبر بأن الرفعة عنده لا تكون من هذه الجهة، وإنما هي من جهة التقوى فقط، فمن اتقى فهو أكرم عند اللَّه، وإن كان وضيع النسب، ومن لم يتّق، فهو أهون على اللَّه، وإن كان شريف النسب، فلا اعتبار بالأنساب دون التقوى.
وكذلك هنا أن الفخر السائد بين الناس هو الفخر بالمال، ولكنه ليس معتبرًا في الشرع إلا إذا كان مع التقوى، والقيام بأداء واجبات المال، وهذا -واللَّه أعلم-أيضًا معنى حديث سمرة ﵁: "الحسب المال، والكرم التقوى". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): قال الحافظ وليّ أيضًا: ويترتب على هذين الاحتمالين أن المال هل هو معتبر في كفاءة النكاح حتى لا يكون الفقير كفؤًا للغنيّة، أو ليس معتبرًا، فإن الحسب ليس هو المال، وإنما هو النسب، إن جعلناه ذمًّا دلّ على أن المال غير معتبر، وإن جعلناه تقريرًا اعتبرناه، وفي ذلك خلاف لأصحابنا الشافعيّة، والأصحّ عندهم عدم اعتباره، وقد فهم النسائيّ من هذا الحديث هذا المعنى في الجملة، فأورده في "سننه" في "كتاب النكاح"، وبوب عليه "الحسَب". انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "وإنما هو النسب الخ" فيه نظر، وإنما الحقّ أن يفسر الحسب الشرعيّ بالدين، لا بالنسب، كما مرّ تقريره آنفًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 13778
١٠ - (عَلَى مَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ؟)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أشار المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا الباب بعد أن أشار في البابين السابقين أنه لا اعتبار في الكفاءة في النكاح بالنسب، والحسب أن المعتبر فيه شرعًا هو الدين، لا غير، فإذا كان بين الزوجين كفاءة في الدين فقد حصل المقصود، فتزوّج العربية من الموالي، والغنية من الفقير، وذات الجمال من الدميم، وذات الحسب ممن ليس ذا حسب، وهكذا.
و"ما" استفهاميّة، والغالب أنها إذا جُرّت تحذف ألفها تخفيفًا، كقوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ: ١]، وقوله: ﴿مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥]، وبوقف عليها بهاء السكت، كما قال في "الخلاصة":
وَمَا فِي الاسْتِفهَامِ إِنَّ جُرَّت حُذِفْ … أَلِفُهَا وَأَوّلِهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ
وَلَيْسَ حَتْمًا فِي سِوَى مَا كَعِ أَوْ … كَيَعِ مَجْزُومًا فَرَاعِ مَا رَعَوْا
لكن ورد إثباتها بقلّة، كقراء بعضهم: ﴿عَما يتساءلون﴾، وقول حسّان [من الوافر]:
عَلَى مَا قَامَ يَشْتِمُنِي لَئِيمٌ … كَخِنْزِيرٍ تَمَرَّغَ فِي رَمَادٍ
وعليه تُحمل ترجمة المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هنا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٢٢٧ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنْ جَابِرٍ, أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً, عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَلَقِيَهُ النَّبِيُّ ﷺ , فَقَالَ: «أَتَزَوَّجْتَ يَا جَابِرُ؟» , قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: «بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا؟» , قَالَ: قُلْتُ: بَلْ ثَيِّبًا, قَالَ: «فَهَلاَّ بِكْرًا, تُلَاعِبُكَ» , قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ, كُنَّ لِي أَخَوَاتٌ, فَخَشِيتُ أَنْ تَدْخُلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُنَّ, قَالَ: «فَذَاكَ إِذًا, إِنَّ الْمَرْأَةَ تُنْكَحُ عَلَى دِينِهَا, وَمَالِهَا, وَجَمَالِهَا, فَعَلَيْكَ بِذَاتِ الدِّينِ, تَرِبَتْ يَدَاكَ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو ثقة حافظ. و"خالد": هو ابن الحارث الْهُجَيميّ البصريّ. و"عبد الملك": هو ابن أبي سليمان ميسرة العرزميّ الكوفيّ، صدوق له أوهام [٥] ٧/ ٤٠٦. و"عطاء": هو ابن أبي رباح.
والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم في ٦/ ٣٢٢٠ و ٣٢٢١ - وتقدّم شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعها تستفد.
стр. 13779
وقوله: "كنّ لي أخوات" هذا على لغة أكلوني البراغيث، من إسناد الفعل المشتمل على ضمير الجماعات إلى الاسم الظاهر، فإن اللغة الفصحى أن يقول: "كان لي أخوات"، وإلى هذا أشار ابن مالك في "الخلاصة" بقوله:
وَجَرِّدِ الفِعلَ إِذَا مَا أُسْنِدَا … لاثْنَينِ أَو جَمْعٍ كَفَازَ الشُّهَدَا
وَقَد يَقَالُ سَعِدَا وَسَعِدُوا … وَالفِعلُ لِلظَّاهِير بَعْدُ مُسْنَدُ
وقوله: "أن تدخل بيني وبينهنّ" ببناء الفعل للفاعل، أي تتدخّل تلك البكر لصغرها، وخفّة عقلها بيني وبين أخواتي، فتورث الفتن، وتؤدّي إلى الفراق.
وقوله: "فذاك" مبتدأ خبره محذوف، أي أولى، أو خير، يعني أن الذي فعلته من أخذ الثيّب بدل البكر أحسن وأولى، أو خيرٌ.
وقوله: "إذن" هي "إذا" الشرطيّة، حذف فعل شرطها، وعُوّض عنه التنوين، أي إذا كان للغرض الذي أخبرت به، من ترتب مصالح أخواتك على الثّيب دون البكر فالذي فعلته خير، وأولى، وأحسن.
وقوله: "تُنكح المرأةُ" ببناء الفعل للمفعول. وقوله" على دينها الخ" أي لأجل دينها، فـ"على" بمعنى اللام. والمراد أن الناس يُراعون هذه الخصال في المرأة عند إرادة نكاحها، ويرغبون فيها لأجلها، وآخرها عندهم ذات الدين، ولم يُرد بذلك الأمرَ بمراعاتها، كما أرشد إليه قول: "فعليك الخ".
وقوله: "فعليك بذات الدين" "عليك" اسم فعل أمر بمعنى "خذ"، أي خذ أيها المسترشد ذات الدين، واطلبها، واظفر بها، لا غيرَها، حتى تفوز بخير الدنيا والآخرة. وقوله: "تربت يداك" -بكسر الراء من باب تَعِب: إذا افتقر، فلصِقَ بالتراب، وهذه كلمة تجري على لسان العرب في مقام المدح والذّمّ، ولا يُراد بها الدعاء على المخاطب دائمًا، وقد يراد بها الدعاء أيضًا، والمراد بها هنا إما المدح، أي اطلب ذات الدين أيها العاقل الذي يُحسَدُ عليك لكمال عقلك، فيقول الحاسد حسدًا: تربت يداك، أو الذّمّ، أو الدعاء عليه، بتقدير إن خالفت هذا الأمر.
وفي هذا الحديث: الحثّ على مصاحبة أهل الدين في كلّ شيء؛ لأن من صاحبهم يستفيد من أخلاقهم، وبركتهم، وحسن طريقتهم، ويأمن المفسدة من جهتهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 13780
١١ - (كَرَاهِيَةُ تَزْوِيجِ الْعَقِيم)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "العَقيم": هو الذي لا يولد له، يُطلق على الذكر والأنثى، وعَقِمَتِ الرَّحِمُ عَقَمًا، من باب تَعِبَ، ويتعدَّى بالحركة، فيقال: عَقَمَها اللَّه عَقْمًا، من باب ضرب، والاسم الْعُقْم، مثلُ قُفْل، ويُجمع الرجل على عُقَمَاء، وعِقَام، مثلُ كَريم، وكُرَماء، وكِرَام، وتُجمَع المرأة على عَقَائِم، وعُقُم -بضمّتين-. قاله الفيّوميّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٢٢٨ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ, قَالَ: أَخْبَرَنَا الْمُسْتَلِمُ بْنُ سَعِيدٍ, عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ, عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ, عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ, قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَ: "إِنِّي أَصَبْتُ امْرَأَةً, ذَاتَ حَسَبٍ, وَمَنْصِبٍ, إِلاَّ أَنَّهَا لَا تَلِدُ, أَفَأَتَزَوَّجُهَا؟ , فَنَهَاهُ, ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ, فَنَهَاهُ, ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ, فَنَهَاهُ, فَقَالَ: «تَزَوَّجُوا الْوَلُودَ الْوَدُودَ, فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عبد الرحمن بن خالد) القطّان الواسطيّ، ثم الرَّقّيّ، صدوق [١١] ٧/ ٧٥٣.
٢ - (يزيد بن هارون) السلمي مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقة متقن عابد [٩] ١٥٣/ ٢٤٤.
٣ - (المستلم بن سعيد) الثقفيّ الواسطيّ، صدوق عابد ربما وهم [٩].
قال حربٌ عن أحمد: شيخٌ ثقةٌ من أهل واسط، قليل الحديث. وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: صُويلحٌ. وقال عباس الدَّوريّ، عن ابن معين: حدثنا حجاج الأعور، قال: قيل لشعبة: إن مستلم بن سعيد خالفك في حرف، قال: ما كنت أظنّ أن ذاك يحفظ حديثين. قال يحيي: والقول قول المستلم، وصحّف شعبة. قال عبّاس: وسمعت يزيد بن هارون يقول: كان مستلم عندنا ها هنا بواسط، وكان لا يشرب إلا في كلّ جمعة (١). وقال الحسن بن عليّ، عن يزيد بن هارون: مكث المستلم أربعين سنة لا يضع جنبه على الأرض (٢). وقال النسائيّ: ليس فيه بأس. وذكره ابن حبّان في
стр. 13781
"الثقات"، وقال: ربما خالف. وقال أسلم في "تاريخ واسط": قال أصبغ بن زيد لما مات مستلم: لو كان هذا في بني إسرائيل لاتخذوه حبرًا. روى له الأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
٤ - (منصور بن زاذان) أبو المغيرة الثقفيّ الواسطيّ، ثقة ثبت عابد [٦] ٥/ ٤٧٥.
٥ - (معاوية بن قُرّة) أبو إياس المزنيّ البصريّ، ثقة عالم [٣] ٢٢/ ١٨٧٠.
٦ - (معقل بن يسار) بن عبد اللَّه بن مُعَبِّر، ويقال: ابن مِعْيَر، ويقال: ابن مُغِيرة بن حُرَّاق بن لأي بن كعب بن عبد بن ثور بن هذمة بن لاطم بن عثمان بن عَمرو بن أدّ بن طابخة، واسمه عمرو بن إلياس بن مضر بن نزار. ومزينة هو ولد عثمان بن عمرو، ونسبوا إلى أمهم، وهي مزينة بنت كلب بن وَبْرَة بن تغلب بن حُلْوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة.
أسلم قبل الحديبية، وشهد بيعة الرضوان. قال البغويّ: هو الذي حفر نهر معقل بالبصرة بأمر عمر، فنسب إليه. ونزل البصرة، وبنى بها دارًا، ومات بها في خلافة معاوية، وأسند من طريق يونس بن عبيد، قال: ما كان ههنا -يعني البصرة- أحدٌ من أصحاب النبيّ ﷺ أهنأ من معقل بن يسار. وأخرج أحمد من طريق معاوية بن قرّة، عن معقل بن يسار: حُرّمت الخمر ونحن نشرب الفَضِيخَ (١)، فجعلتُ أشرب، وأقول: هذا آخر العهد بالخمر.
قال العجليّ: يُكنى أبا عليّ، ولا نعلم في الصحابة من يُكنى أبا عليّ غيره. كذا قال، وتُعُقّب بأن قيس بن عاصم يُكنى أبا عليّ، وكذا طلق بن عليّ.
ومات في آخر خلافة معاوية. وقيل: عاش إلى إمرة يزيد. وذكره البخاريّ في "الأوسط" في "فصل من مات ما بين الستين إلى السبعين". روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط (٢). واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو وأبو داود، والمستلم، فمن رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسلٌ بالواسطيين إلى معاوية، وهو ومعقلٌ بصريّان. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 13782
شرح الحديث
(عَنْ مَعقِل بن يَسَارِ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "إِنِّي أَصَبْتُ" أي صادفت (امْرَأَةً، ذَاتَ حَسَبٍ) بفتحتين: أي صاحبة شرف، وفضيلة من جهة الآباء، أو حسنة الأفعَال، والخصال (وَمَنْصِبٍ) بفتح الميم، وكسر الصاد المهملة: أي قدر بين الناس. قال الفيّوميّ: يقال: لفلان مَنصِبٌ، وزان مسجد: أي علو ورِفعةٌ، وفلانٌ له منصب صدقٍ: يراد به المنبت، والْمَحتِدُ، وامرأةٌ ذات منصب، قيل: ذات حَسَب وجمال. وقيل: ذات جمال، فإن الجمال وحده عُلُوّ لها ورفعةٌ. انتهى.
(إِلاَّ أَنَّهَا لَا تَلِدُ) لعله علم ذلك بكونها لا تحيض، أو بأنها كانت عند زوج آخر، فلم تلد (أَفَأَتَزَوَّجُهَا؟، فَنَهَاهُ) ﷺ عن زواجها (ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ) أي فطلب منه زواجها (فَنَهَاهُ) أيضًا (ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ، فَنَهَاهُ، فَقَالَ) ﷺ (تَزَوَّجُوا الْوَلُودَ) أي التي تكثر ولادتها (الْوَدُودَ) أي التي تحبّ زوجها كثيرًا. قال القاري: وقيّد بهذين القيدين؛ لأن الولود إذا لم تكن وَدُودًا لم يرغب الزوج فيها، والودود إذا لم تكن ولودًا لم يحصل المطلوب، وهو تكثير الأمّة بكثرة التوالد. وُيعرف هذان الوصفان في الأبكار من أقاربهنّ؛ إذ الغالب سراية طباع الأقارب، بعضهنّ إلى بعض. ويحتمل -واللَّه أعلم- أن يكون معنى تزوّجوا اثبُتُوا على زواجها، وبقاء نكاحها، إذا كانت موصوفة بهذين الوصفين انتهى. (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الثاني بعيد جدًّا عن مقصود الحديث، يبعده أن الرجل الذي في هذا الحديث إنما جاء إلى النبيّ ﷺ ليستشيره في امرأة أراد أن يتزوّجها، فنهاه عن ذلك، وراجعه في ذلك مراراً، فنهاه، ثم قال: "تزوّجوا الخ"، فدلّ على أن المراد بقوله: "تزوّجوا" إنشاء النكاح، لا إدامة نكاح سابقٍ، فتبصّر. واللَّه تعالى أعلم.
(فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ) الفاء للتعليل؛ أي لأني مكاثر، أي مفاخر بسبب كثرتكم الأنبياء يوم القيامة، كما جاء في رواية ابن حبّان في "صحيحه" رقم ٤٠٢٨ - من حديث أنس بن مالك ﵁، قال: كان رسول اللَّه ﷺ يأمر بالباءة، وينهى عن التبتل نهيًا شديدًا، ويقول: "تزوّجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة". وفي حديث أبي أمامة ﵁، مرفوعًا: " تزوّجوا، فإني مكاثرٌ بكم الأمم يوم القيامة، ولا تكونوا
стр. 13783
كرهبانية النصارى". حديث حسن بشواهده، رواه البيهقيّ في "السنن الكبرى" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث معقل بن يسار - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١١/ ٣٢٢٨ - وفي "الكبرى" ١٤/ ٥٣٤٢. وأخرجه (د) في "النكاح" ٢٠٥٠. و (الطبرانيّ) ٢٠/ ٥٠٨ و (الحاكم) ٢/ ١٦٢ و (البيهقيّ) ٧/ ٨١. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو كراهية نكاح العقيم. (ومنها): شدة حرص النبيّ- ﷺ في كثرة عدد أمته، حتى يفاخر بهم الأنبياء السابقين. (ومنها): أن المسارعة إلى فعل الخيرات، والتسابق إليه، والتنافس فيه لا يعدّ مخلَّا بالعبوديّة، ولا يكون مذمومًا في الشرع، إذا كان ذلك طلبًا لمرضاة اللَّه تعالى، والدار الآخرة. (ومنها): استحباب إيثار العبد نفسه بفعل الخيرات، ومحاولة سبق أقرانه في ذلك، عملاً بقول اللَّه : ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ٢١]، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١]. (ومنها): أن فيه حثّ العلماء والدعاة إلى أنه ينبغي لهم أن يستكثروا من المستفيدين من علمهم، ودعوتهم، فإن ذلك له فضل كبيرٌ، فقد أخرج مسلم في "صحيحه" من حديث سهل بن سعد ﵁ الطويل، وفيه: "فواللَّه لأن يهدي اللَّه بك رجلاً واحدًا خير لك من أن يكون لك حمر النعم". (٢) واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 13784
١٢ - (تَزْوِيجُ الزَّانِيَةِ)
وفي "الكبرى": "تحريم تزويج الزانية".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا ترجيح القول بتحريم نكاح الزانية، لحديث مرثد بن أبي مرثد الغَنَوِيّ - رضي اللَّه تعالى عنه -، فإنه صريح في ذلك.
ولا يعارضه حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - في الرجل الذي سأل النبيّ ﷺ عن امرأته اللتي لا تردّ يد لامس، فأمره بطلاقها، فلما قال له: لا أصبر عنها، قال: "استمتع بها"؛ لأنه عنده ضعيف، حيث عللَّه بأن الصحيح أنه مرسل، فلا يدلّ على جواز نكاح الزانية.
لكن الظاهر أن الحديث متصلٌ صحيحٌ، كما سيأتي بيان ذلك لكنه، وإن قيل بصحّته لا يعارض أيضًا؛ إذ لا يصلح للاحتجاج به؛ لاحتمال أن يكون البقاء أسهل من الابتداء، فإن الرجل إنما سأله عن إمساكه زوجته التي معه، وهذا أخفّ من إنشاء نكاح امرأة ليس معه.
ولأنهم اختلفوا في معنى قوله: "لا تردّ يد لامس، هل هو كناية عن الفجور، أو كناية عن التبذير، أو غير ذلك، فليس الحديث مع هذه الاحتمالات محلّ حجة، كما سيأتي بيان ذلك، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٢٢٩ - (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّيْمِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى -هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ- عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الأَخْنَسِ, عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَدِّهِ, أَنَّ مَرْثَدَ بْنَ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ, وَكَانَ رَجُلاً شَدِيدًا, وَكَانَ يَحْمِلُ الأُسَارَى, مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ, قَالَ: فَدَعَوْتُ رَجُلاً لأَحْمِلَهُ, وَكَانَ بِمَكَّةَ بَغِيٌّ, يُقَالُ لَهَا: عَنَاقُ, وَكَانَتْ صَدِيقَتَهُ, خَرَجَتْ, فَرَأَتْ سَوَادِي فِي ظِلِّ الْحَائِطِ, فَقَالَتْ: مَنْ هَذَا؟ مَرْثَدٌ, مَرْحَبًا, وَأَهْلاً, يَا مَرْثَدُ انْطَلِقِ اللَّيْلَةَ, فَبِتْ عِنْدَنَا فِي الرَّحْلِ, قُلْتُ: يَا عَنَاقُ, إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَرَّمَ الزِّنَا, قَالَتْ: يَا أَهْلَ الْخِيَامِ, هَذَا الدُّلْدُلُ, هَذَا الَّذِي يَحْمِلُ أُسَرَاءَكُمْ, مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ, فَسَلَكْتُ الْخَنْدَمَةَ, فَطَلَبَنِي ثَمَانِيَةٌ, فَجَاءُوا حَتَّى قَامُوا عَلَى رَأْسِي, فَبَالُوا, فَطَارَ بَوْلُهُمْ عَلَيَّ, وَأَعْمَاهُمُ اللَّهُ عَنِّي, فَجِئْتُ إِلَى صَاحِبِي, فَحَمَلْتُهُ, فَلَمَّا انْتَهَيْتُ بِهِ إِلَى الأَرَاكِ, فَكَكْتُ عَنْهُ كَبْلَهُ, فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ, أَنْكِحُ عَنَاقَ؟ , فَسَكَتَ
стр. 13785
عَنِّي، فَنَزَلَتْ ﴿الزَّانِيَةُ (١) لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣]، فَدَعَانِي، فَقَرَأَهَا عَلَيَّ، وَقَالَ: "لَا تَنْكِحْهَا").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إبراهيم بن محمد التيميّ) المعمريّ، أبو إسحاق البصريّ، قاضيها، ثقة [١١] ٢٨/ ٥٥٠ تفرّد به المصنّف، وأبو داود.
٢ - (يحيى بن سعيد) القطّان الإمام الحجة الثبت البصريّ [٩] ٤/ ٤.
٣ - (عُبيد اللَّه بن الأخنس) النخعيّ، أبو مالك الْخزّاز الكوفيّ، صدوق [٧] ٣٢/ ١٦٨٦.
٤ - (عمرو بن شعيب) بن محمد المدني، أو الطائفي، صدوق [٥] ١٠٥/ ١٤٠.
٥ - (أبوه) شعيب بن محمد بن عبد اللَّه بن عمرو الطائفي، صدوق [٣] ١٠٥/ ١٤.
٦ - (جده) عبد اللَّه بن عمرو بن العاص الصحابي ابن الصحابي - رضي اللَّه تعالى - عنهما ٨٩/ ١١١.
٧ - (مرثد بن أبي مرثد) -بفتح الميم، وسكون الراء، وفتح المثلّثة - الغَنَوِيَّ (٢) واسم أبي مرثد" كَنّاز بن الحصين (٣)، له ولأبيه صحبةٌ، وكانا حليفي حمزة بن عبد المطّلب، وشهد مرثدٌ بدرًا، وقُتل يوم الرَّجِيع في حياة رسول اللَّه ﷺ في صفر سنة أربع، وقيل: سنة ثلاث. روى له المصنّف، وَأبو داود، والترمذيّ، وتقدمت ترجمته في ١١/ ٧٦٠. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سباعيات المصنف ﵀. ومنها: أن فيه رواية الراوي عن أبيه عن جدّه. ومنها: أن فيه رواية صحابي عن صحابي، وتابعي عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَمْرِو بن شُعَيْبٍ) القرشيّ السهميّ، أبي إبراهيم، أو أبي عبد اللَّه المدنيّ،
стр. 13786
ويقال: الطائفيّ (عَنْ أَبِيهِ) شعيب بن محمد بن عبد اللَّه الحجازيّ السهميّ (عَنْ جَدِّهِ) عبد اللَّه بن عمرو بن العاص - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ مَرْثَدَ بنَ أَبِي مَرْثَدٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (وَكَانَ رَجُلاً شَدِيدًا) أي قويًّا (وَكَانَ يَحْمِلُ) بفتح أوله، وكسر الميم، من باب ضرب (الأُسَارَى) بضم الهمزة جمع أَسير، بمعنى مأسور، أي الذي أسره المشركون (من مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ) متعلق بـ"يحمل" (قَالَ) مرثد (فَدَعَوْتُ رَجُلاً لِأَحْمِلَهُ، وَكَانَ بِمَكَّةَ بَغِيٌّ) فعيلٌ بمعنى فاعلة، يقال: بغت المرأة تَبغِي بِغَاءً -بالكسر والمدّ-: إذا فجرت، فهي بَغِيٌّ، والجمع بغايا، وهو وصفٌ مختصّ بالمرأة، ولا يقال للرجل بَغيّ. قاله الأزهريّ (١). أي امرأة زانية وإنما لم يُلحق التاء بـ"كان" مع كون اسمها حقيقيّ التأنيث؛ للفصل بالجارّ والمجرور، كما قال في "الخلاصة":
وَقَد يُبِيحُ الفَصْلُ تَرْكَ التَّاءِ فِي … نَحْوِ "أتى القَاضِيَ بِنْتُ الْوَاقِفِ
(يُقَالُ لَهَا: عَنَاقُ) -بفتح العين المهملة، وتخفيف النون-: علم امرأة (وَكَانَتْ صَدِيقَتَهُ) أي حبيبته التي يزني بها قبل الإسلام، أو قبل تحريم الزنا. أفاده السنديّ (خَرَجَتْ، فَرَأَتْ سَوَادِي) أي شَخْصِي. قال الفيّوميّ: الشَّخْصُ: سواد الإنسان، تراه من بُعدٍ، ثم استُعمل في ذاته. قال الخطّابيّ: ولا يُسَمَّى شَخْصًا إلا جسمٌ مؤلّفٌ، له شُخُوصٌ وارتفاعٌ انتهى (في ظِلِّ الْحَائِطِ، فَقَالَتْ: مَنْ هَذَا؟) "من" استفهاميّة، سألت عن السواد الذي رأته في ظلّ الحائط (مَرْثَدٌ) خير لمحذوف، وهو على تقدير استفهام، أي أأنت مرثدٌ؟، يعني أنها عرفت ذلك السواد الذي رأته أنه صديقها مرثد، فأرادت أن تتأكد، فسألته، فلما تبيّن لها أنه هو، قالت (مَرْحَبًا) منصوب بفعل محذوف، أي أتيت مكانًا رَحْبًا، أي واسعًا (وَأَهْلاً) أي صادفت أهلاً. قال في "اللسان": وقولهم في التحيّة: مَرْحَبًا، وأَهْلًا: أي أتيتَ سَعَةً، وأتيتَ أهلاً، فاستأنِسْ، ولا تَستَوْحِشْ. وقال الليث: معنى قول العرب: مَرْحبًا: انزِل في الرَّحْبِ والسَّعَةِ، وأَقِمْ، فلك عندنا ذلك. وسُئل الخليلُ عن نصب "مَرْحَبًا"، فقال: فيه كَمِينُ الفعل؛ أراد به انزِلْ، أو أَقِمْ، فنَصِبَ بفعل مضمر، فلما عُرِفَ معناه المراد به أُميتَ الفعلُ. وقال غيره: قولهم: "مرحبًا": أتيت، أو لقِيتَ رُحْبًا وسَعَةٌ، لا ضِيقًا، وكذلك إذا قال: سهلاً: أراد نزلت بلدًا سهلاً، لا حَزْنًا غليظًا. وقال ابن الأعرابيّ: هي من المصادر التي تقع في الدعاء للرجل، وعليه، نحو سَقْيًا، ورَعْيًا، وجدعًا، وعَقْرًا، يريدون سقاك اللَّه، ورعاك اللَّه انتهى ببعض اختصار (٢).
стр. 13787
(يَا مَرْثَدُ اتطَلِقِ اللَّيْلَةَ، فَبِثْ عِنْدَنَا فِي الرَّحْلِ) أي في منزلنا. قال الفيّوميّ: رحلُ الشخصِ: مأواه في الحضرَ انتهى (قُلْتُ: يَا عَنَاقُ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَرَّمَ الزِّنَا، قَالَتْ: يَا أَهْلَ الْخِيَامِ) -بكسر الخاء المعجمة: جمع خيمة بفتح، فسكون- وهي بيت من من بيوت الأعراب، مُستديرٌ، يبنيه الأعراب من عيدان الشجر. وقيل: هي ثلاثة أعواد، أو أربعة، يُلقَى عليها الثُّمَام، ويُستظل بها في الحرّ. وقيل: الخيمُ أعواد تُنصب في القيظ، وتُجعل لها عوارض، وتُظلّل بالشجر، فتكون أبرد من الأخبية. وقيل: هي عِيدانٌ يُبنى عليها الخيام، قال النابغة [من الطويل]:
فَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ آلُ خَيمٍ مُنَضَّدِ … وَسُفْعٌ عَلَى آسٍ وَنُؤيٌ مُعَثلِبُ
الآس: الرماد. ومُعَثلب: مهدوم. قاله في "اللسان".
(هَذَا الدُّلْدُلُ) -بضمّ الدالين المهملتين، بينهما لام ساكنة-: ضرب من القنافذ، له شوك طويل. وقيل: شِبْهُ القُنفُذ، وهي دابّةٌ تَنْتَفِضُ، فترمي بشوك كالسهام، وفرق ما بينهما، كفرق ما بين الْفِئَرَةِ والجِرْذان، والبقر والجَوَاميس، والعِرَاب والْبَخَاتيّ (١).
وقال ابن الأثير: الدُّلْدُل القُنفذ، وقيل: ذكر القنافذ. يحتمل أنها شبّهته بالقُنفُذ لأنه أكثر ما يظهر في الليل، ولأنه يُخفي رأسه في جسده ما استطاع. ودَلْدَلَ في الأرض: ذهب، ومرّيُدلْدِلُ، ويتَدَلْدَل في مشيه: إذا اضطرب انتهى (٢).
(هَذَا الَّذِي يَحْمِلُ أُسَرَاءَكُمْ) بضم الهمزة جميع أَسير، ويُجمع أيضًا على أسْرَى، كسَكرَى، وسُكَارَى (مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَسَلَكْتُ الخَنْدَمَةَ) عطفٌ على محذوف: أي ولّيتُ هاربًا، فسلكت طريق الخندمة -بفتح الخاء المعجمة، وسكون النون، وفتح الدال المهملة: جبل بمكة (فَطَلَبَنِي ثَمَانِيَةٌ) من المشركين (فَجَاءُوا حَتَّى قَامُوا عَلَى رَأْسِي) أي في المحلّ الذي اختفيتُ فيه (فَبَالُوا، فَطَارَ بَوْلُهُم عَلَيَّ، وَأَعْمَاهُمُ اللَّهُ عَنِّي) أي أخفاني اللَّه تعالى، وسترني عن رؤيتهم، كرامةٌ له منه (فَجِئْتُ إِلَى صَاحِبِي) أي الذي دعاه ليحمله إلى المدينة، حتى يُخلّصه من تعذيب المشركين له (فَحَمَلْتُهُ، فَلَمَّا انتَهَيتُ بِهِ إِلَى الْأَرَاكِ) بفتح الهمزة يحتمل أن يكون أراد الشجر المعروف، ويحتمل أن يكَون أراد اسم موضع بعرفة، من جهة الشام. قال الفيّوميّ: الأَراك شجَرٌ من الْحَمْضِ، يُستاكُ بقُضبانه، الواحدة أَراكةٌ، ويقال: هي شجرةٌ طويلةٌ، ناعمةٌ، كثيرة الورق والَأغصان، خَوَّارةُ العُود (٣)، ولها ثمرٌ في عَناقيد، يُسمّى الْبَرِيرَ،
стр. 13788
يملأ العنقودُ الكفَّ. والأَراك موضعٌ بعرفة، من ناحية الشام انتهى.
وقال المجد في "القاموس": الأَرَاك كسحاب: القطعة من الأرض، وموضع بعرفة قُربَ نَمِرَةَ، وجبلٌ لهُذَيل، والحَمْضُ، كالإرْك بالكسر، وشجرٌ من الحَمْضِ يُستاك به انتهى.
(فَكَكْتُ) بفتح الكاف، من باب قتل: أي أزلت (عَنْهُ كَبْلَهُ) -بفتح، فسكون: أي قيده، جمعه كُبُول، كفلس وفُلُوس. يقال: كَبَلْتُ الأسيرَ كَبْلاً، من باب ضرب: إذا قيدته، ويقال: كبّلته -بالتشديد- مبالغةٌ. أفاده الفيّوميّ.
(فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْكِحُ) بكسر الكاف، مضارع نكح بفتحها، من باب ضرب، وهو بتقدير همزة الاستفهام، أي أأنكح (عَنَاقَ؟) بترك التنوين؛ لكونه غير منصرف؛ للعلمية والتأنيث (فَسَكَتَ عَنِّي) يحتمل أن يكون سكوته كراهيةٌ، وأن يكون لانتظاره الوحي، وهو الظاهر (فَنَزَلَتْ ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣]) قال الحافظ ابن كثير -رحمه اللَّه تعالى-: هذا خبرٌ من اللَّه تعالى بأن الزاني لا يطأ إلا زانية، أو مشركة، أي لا يُطاوعه على مراده من الزنا إلا زانيةٌ عاصية، أو مشركة، لا ترى حرمة ذلك، وكذلك ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ﴾ أي عاص بزناه ﴿أَوْ مُشْرِكٌ﴾ لا يعتقد تحريمه. قال سفيان الثوريّ، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد ابن جُبير، عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ قال: ليس هذا بالنكاح، إنما هو الجماع، لا يزني بها إلا زان، أو مشرك. وهذا إسناد صحيح عنه. وقد رُوي عنه من غير وجه أيضًا. وقد رُوي عن مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جُبير، وعروة، بن الزبير، والضحَّاك، ومحول، ومقاتل ابن حيّان، وغير واحد نحوُ ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، أي تعاطيه، والتزويج بالبغايا، أو تزويج العفائف بالرجال الفجّار. وأخرج أبو داود الطيالسيّ بسنده، عن ابن عباس، قال: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: حرّم اللَّه الزنا على المؤمنين. وقال قتادة، ومقاتل بن حيان: حرّم اللَّه على المؤمنين نكاح البغايا، وتقدّم ذلك، فقال: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾، وقولِهِ: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ الآية.
ومن ههنا ذهب الإمام أحمد بن حنبل -رحمه اللَّه تعالى- إلى أنه لا يصحّ العقد من الرجل العفيف على المرأة البغيّ ما دامت كذلك حتى تُستتاب، فإن ثابت صحّ العقد
стр. 13789
عليها، وإلا فلا، وكذلك لا يصحّ تزويج المرأة الحرّة العفيفة بالرجل الفاجر المسافح حتى يتوب توبةً صحيحةً؛ لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. انتهى (١).
(فَدَعَانِي، فَقَرَأَهَا عَلَيَّ) أي قرأ هذه الآية (وَقَالَ: "لَا تَنْكِحْهَا") قيل: هو نهي تنزيه، أو هو منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ الآية. وعليه الجمهور. وقيل: نهي تحريم، وهو الأرجح، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث مرثد بن أبي مرثد - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
[تنبيه]: كون هذا الحديث من مسند مرثد بن أبي مرثد هو الظاهر من سياق الحديث، وومن الغريب أن الحافظ المزّيّ -رحمه اللَّه تعالى- ذكره في "تحفة الأشراف" ٨/ ٣٦٩ في مسنده، وذكره قبله ٦/ ٣٢٦ في مسند عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، في ترجمة عبيد اللَّه بن الأخنس، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، عبد اللَّه بن عمرو، ثم قال: ذَكَرَ أبو القاسم -يعني ابن عساكر- حديث (د) (٢) في مسند مرثد، ولم يذكر فيه سواه، ولم يذكره في هذه الترجمة. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر لي أنه من مسند مرثد، رواه عنه عبد اللَّه ابن عمرو - رضي اللَّه تعالى عنهم -، لا من مسند عبد اللَّه بن عمرو؛ لأن السياق ظاهر في الأول. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٢/ ٣٢٢٩ - وفي "الكبرى" ١٢/ ٥٣٣٨. وأخرجه (د) في "النكاح" ٢٠٥١ (ت) في "التفسير" ٣١٧٧. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان تحريم نكاح الزانية. (ومنها): منقبة هذا الصحابي الجليل ﵁ حيث كان يُخاطر بنفسه في إنقاذ إخوانه المسلمين الذين يُعذّبهم المشركون على إسلامهم، لا على أمر آخر، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨]. وقال تعالى:
стр. 13790
﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ الآية [الحج: ٤٠]. (ومنها): بيان ما كان يَلحَق المسلمين من أذى الكفّار بسبب إسلامهم، وصبرهم على ذلك، وهكذا ينبغي للدعاة أن يتأسوا بهم في ذلك؛ لأن هذه سنة اللَّه تعالى في أنبيائه ورسله مع أممهم، كما قال اللَّه تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٢١٤]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم نكاح الزواني:
قال العلاّمة ابن رشد -رحمه اللَّه تعالى-: واختلفوا في زواج الزانية، فأجازه الجمهور، ومنعه قوم، وسبب اختلافِهِم اختلافُهُم في مفهوم قوله تعالى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣]، هل خرج مخرج الذمّ، أو مخرج التحريم؟، وهل الإشارة في قوله: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ إلى الزنا، أو إلى النكاح؟، وإنما صار الجمهور لحمل الآية على الذمّ، لا على التحريم؛ لما جاء في الحديث: أن رجلاً قال للنبيّ ﷺ في زوجته: إنها لا تردّ يد لامس، فقال النبيّ ﷺ : "طلّقها"، فقال له: إني أحبّها، فقال له: "فأمسكها" (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حمل الآية على الذمّ دون التحريم غير صحيح، كما سيأتي قريبًا.
وقال قوم أيضًا إن الزنا يُفسخ به النكاح، بناءً على هذا الأصل، وبه قال الحسن. انتهى (٢).
وقال المنذريّ -رحمه اللَّه تعالى-: للعلماء في هذه الآية خمسة أقوال:
[أحدها]: أنها منسوخة. قاله سعيد بن المسيّب. قال الشافعيّ في الآية القول فيها كما قال سعيد بن المسيّب -إن شاء اللَّه- إنها منسوخة. وقال غيره: الناسخ لها قوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾، فدخلت الزانية في أيامى المسلمين، وعلى هذا أكثر العلماء، يقولون: من زنى بامرأة فله أن يتزوّجها، ولغيره أن يتزوّجها.
[الثاني]: أن النكاح ها هنا الوطء، والمراد أن الزاني لا يُطاوعه على فعله، ويُشاركه في مراده إلا زانيةٌ مثله، أو مشركة.
[الثالث]: أن الزاني المجلود لا ينكح إلا زانيةٌ مجلودةٌ، أو مشركةً، وكذا الزانية.
стр. 13791
[الرابع]: أن هذا كان في نسوة، كان الرجل يتزوّج إحداهنّ على أن تنفق عليه مما كسبته من الزنا، واحتجّ بأن الآية نزلت في ذلك.
[الخامس]: أنه عامّ في تحريم نكاح الزانية على العفيف، والعفيفة على الزانية انتهى (١).
وقال الإمام ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-: وأما نكاح الزانية، فقد صرّح اللَّه بتحريمه في "سورة النور"، وأخبر أن من نكحها، فهو إما زان، أو مشرك، فإنه إما أن يلتزم حكمه ، ويعتقد وجوبه عليه، أو لا، فإن لم يلتزمه، ولم يعتقده، فهو مشرك، وإن التزمه، واعتقد وجوبه، وخالفه، فهو زان، ثم صرّح بتحريمه، فقال: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣]. ولا يخفى أن دعوى نسخ الآية بقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، من أضعف ما يُقال، وأضعف منه حملُ النكاح على الزنى؛ إذ يصير معنى الآية: الزاني لا يزني، إلا بزانية، أو مشركة، والزانية لا يزني بها إلا زان، أو مشرك، وكلام اللَّه تعالى ينبغي أن يُصان عن مثل هذا.
وكذلك حمل الآية على امرأة بغيّ مشركة في غاية البعد عن لفظها وسياقها، كيف وهو إنما أباح نكاح الحرائر والإماء بشرط الإحصان، وهو العفّة، فقال: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء: ٢٥]، فإنما أباح نكاحها في هذه الحالة، دون غيرها، وليس هذا من باب دلالة المفهوم، فإن الأبضاع في الأصل على التحريم، فيُقتصر في إباحتها على ما ورد به الشرع، وما عداه فعلى أصل التحريم.
وأيضًا فإنه قال: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ [النور: ٢٦]، والخبيثات: الزواني، وهذا يقتضي أن من تزوّج بهنّ فهو خبيث.
وأيضًا فمن أقبح القبائح أن يكون الرجل زوج بغيّ، وقُبْحُ هذا مستقرّ في فطر الخلق، وهو عندهم غاية المسبّة. وأيضًا فإن البغيّ لا يُؤمَنُ أن تُفسد على الرجل فراشه، وتعلّق عليه أولادًا من غيره، والتحريم يثبت بدون هذا. وأيضًا فإن النبيّ ﷺ فرّق بين الرجل وبين المرأة التي وجدها حبلى من الزنى (٢). ثم ذكر قصة مرثد
стр. 13792
المذكورة في الباب انتهى كلام ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى- (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تحرّر مما ذُكر أن الحقّ تحريم نكاح الزواني، إلا أن تتوب، وهذا هو مذهب الإمام أحمد، -رحمه اللَّه تعالى-، كما تقدّم في كلام الحافظ ابن كثير، فهو أرجح الأقوال؛ لظاهر قوله: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، وحمل الآية على أنها خرجت مخرج الذمّ، لا مخرج التحريم، غير صحيح، وإن قال به الكثيرون، لأن حديث مرثد الغنويّ ﵁ المذكور في الباب الذي هو سبب نزول الآية المذكورة يبطله، حيث إن النبيّ ﷺ لما نزلت قرأها على مرثد ﵁، ثم قال له: "لا تنكحها"، فدلّ على أن الآية إنما نزلت للتحريم، فهي صريحة فيه، لا تحتمل غيره.
والحاصل أن الآية والحديث صريحان في التحريم، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتهوّر بالاعتساف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٢٣٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ, وَغَيْرُهُ, عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ, وَعَبْدِ الْكَرِيمِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, عَبْدُ الْكَرِيمِ, يَرْفَعُهُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ, وَهَارُونُ لَمْ يَرْفَعْهُ, قَالَا: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي امْرَأَةً, هِيَ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ, وَهِيَ لَا تَمْنَعُ يَدَ لَامِسٍ, قَالَ: «طَلِّقْهَا» , قَالَ: لَا أَصْبِرُ عَنْهَا, قَالَ: «اسْتَمْتِعْ بِهَا».
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ بِثَابِتٍ, وَعَبْدُ الْكَرِيمِ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ, وَهَارُونُ بْنُ رِئَابٍ, أَثْبَتُ مِنْهُ, وَقَدْ أَرْسَلَ الْحَدِيثَ, وَهَارُونُ ثِقَةٌ, وَحَدِيثُهُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ, مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْكَرِيمِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محمد بن إسماعيل بن إبراهيم) المعروف أبو بـ"ابن عليّة" البصريّ، نزيل دمشق، وقاضيها، ثقة [١١] ٢٢/ ٤٨٩ من أفراد المصنّف.
٢ - (يزيد) بن هارون السلمي مولاهم الحافظ، أبو خالد الواسطي، ثقة متقن عابدًا [٩] ١٥٣/ ٢٤٤.
٣ - (حماد بن سلمة) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقة عابد، تغير في الآخر، من كبار [٨] ١٨١/ ٢٨٨.
٤ - (هارون بن رئاب) -بكسر الراء، وتحتانيّة مهموزة، ثم موحّدة- التميميّ البصريّ، ثقة عابدًا [٦] ٨٠/ ٢٥٧٥.
стр. 13793
٥ - (عبد الكريم) بن أبي الْمُخَارق -بضمّ الميم، وبالخاء المعجمة- أبو أُميّة المعلّم البصريّ، نزيل مكّة، واسم أبيه قيس. وقيل: طارق، ضعيف [٦].
ضعفه أيوب السختيانيّ، وأحمد، وابن معين. وقال النسائيّ، والدارقطنيّ: متروك. وقال ابن حبّان: كان كثير الوهم، فاحش الخطإ، فلما أكثر ذلك منه بطل الاحتجاج به. وقال ابن عبد البرّ: مجمع على ضعفه. مات سنة (١٢٧) وقيل: (١٢٦) علّق له البخاريّ في موضع، وأخرج له مسلم متابعةً، وأبو داود في المراسيل، والترمذيّ، والمصنّف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
٦ - (عبد اللَّه بن عبيد بن عُمير) الليثيّ المكيّ، ثقة [٣] ٨٩/ ٢٨٣٧.
٧ - (ابن عباس) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ) بهمزة بعد الراء (عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرِ) الليثيّ المكيّ (وَعَبْدِ الْكَرِيمِ) بالجرّ عطفًا على هارون، فحمّاد بن سلمة يروي عن هارون، وعبد الكريم كليهما (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عُبَيْدِ بن عُمَيْرِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -. وقوله: (عَبْدُ الْكَرِيمِ) بالرفع مبتدأ خبره قوله (يَرْفَعُهُ) أي يسند الحديث (إِلَى ابْنِ عَبَّاسِ) رضي اللَّه تعالى عنهمَا (وَهَارُونُ لَمْ يَرْفَعْهُ) أي لم يذكره في السند، بل جعله مرسلاً.
وحاصل ما أشار إليه أن كلًّا من هارون بن رئاب، وعبد الكريم رويا الحديث عن عبد اللَّه بن عُبيد بن عُمير، لكن هارون قال جاء رجل إلى النبيّ ﷺ ، فجعله مرسلاً، إذ لم يذكر الصحابيّ، فإن عبد اللَّه بن عبيد تابعيّ، كما سبق في ترجمته، وأما عبد الكريم، فرواه عن عبد اللَّه بن عُبيد بن عُمير، عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، فوصده بذكر الصحابيّ، ورواية هارون المرسلة أرجح؛ لا تفاقهم على ضعف عبد الكريم؛ كما سينصّ عليه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-.
(قَالَا) الضمير لهارون، وعبد الكريم (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي امْرَأَةَ) أي زوجة. وفي الرواية الآتية - ٣٤/ ٣٤٦٦ - من طريق عمارة بن أبي حفصة، عن عكرمة، عن ابن عباس: "إن امرأتي … ". وفي -٣٤/ ٣٤٦٧ - من طريق النضر بن شُميل، عن حماد بن سلمة: "إن تحتي امرأة … " (هِيَ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَهِيَ لَا تَمنَعُ يَدَ لَامِسٍ) أي إنها مطاوعة لمن أرادها، وهذا كناية عن الفجور. وقيل: بل هو كناية عن بذلها الطعام. قيل: هو الأشبه، وقال أحمد: لم يكن ﷺ ليأمره بإمساكها، وهي تفجر. ورُدّ بأنه لو كان المراد السخاء لقيل: لا تردّ يد ملتمس؛ إذ السائل يقال له: الملتمس، لا لامس، وأما اللمس فهو الجماع، أو بعض مقدّماته. وأيضًا السخاء مندوب إليه، فلا تكون المرأة معاقبة لأجله، مستحقّةً للفراق، فإنها إما أن تُعطي مالها، أو مال
стр. 13794
الزوج، وعلى الثاني على الزوج صونه، وحفظه، وعدم تمكينها منه، فلم يتعيّن الأمر بتطليقها. وقيل: المراد أنها تتلذّذ بمن يلمسها، فلا تردّ يده، ولم يرد الفاحشة العظمى، وإلا لكان بذلك قاذفًا لها. وقيل: الأقرب أن الزوج علم منها أن أحدًا لو أراد منها السوء لما كانت هي تردّه، لا أنه تحقّق وقوع ذلك منها، بل ظهر له ذلك بقرائن، فأرشده الشارع إلى مفارقتها، احتياطًا، فلما علم أنه لا يقدر على فراقها؛ لمحبّته لها، وأنه لا يصبر على ذلك رخّص له في إثباتها؛ لأن محبّته لها محقّقة، ووقوع الفاحشة منها متوهّم.
(قَالَ) ﷺ (طَلَّقْهَا) وفي رواية عمارة المذكورة: "غرّبها، إن شئت"، وهو بمعنى طلّق (قَالَ) الرجل (لَا أَصْبِرُ عَنْهَا) وفي رواية عمارة: "إني أخاف أن تتبعها نفسى" (قَالَ) ﷺ (اسْتَمتِعْ بِهَا) أي كن معها قدر ما تقضي حاجتك. وقال ابن الأثير -رحمه اللَّه تعالى- قوله: "استمتع بها": أي لا تمسكها إلا بقدر ما تقضي متعة النفس منها، ومن وطرها، وخاف النبيّ ﷺ ، إن هو أوجب عليه طلاقها أن تَتُوق نفسه إليها، فيقع في الحرام. وقيل: معنى: "لا تردّ يد لامس" أنها تُعطي من ماله من يطلب منها، وهذا أشبه. قال أحمد: لم يكن ليأمره بإمساكها، وهي تفجر. قال عليّ، وابن مسعود: "إذا جاءكم الحديث عن رسول اللَّه ﷺ ، فظنّوا به الذي هو أهدى، وأتقى. انتهى (١).
وقال الحافظ ابن كثير -رحمه اللَّه تعالى-: وقد اختلف الناس في هذا الحديث ما بين مضعّف له، كما قال النسائيّ، ومنكر، كما قال الإمام أحمد: هو حديث منكر. وقال ابن قُتيبة: إنما أراد أنها سخيّة، لا تمنع سائلاً، وحكاه النسائيّ في "سننه" (٢) عن بعضهم، فقال: وقيل: سخيّة، تُعطي.
وردّ هذا بأنه لو كان المرادَ لقال: لا تردّ يد ملتمس.
وقيل: المراد أن سجيّتها لا تردّ يد لامس، لا أن المراد أن هذا واقعٌ منها، وأنها
تفعل الفاحشة، فإن رسول اللَّه ﷺ ، لا يأذن في مصاحبة مَنْ هذه صفتها، فإن زوجها والحالة هذه يكون ديّوثًا، وقد ثبت الوعيد على ذلك، ولكن لما كانت سجيّتها هكذا ليس فيها ممانعةٌ، ولا مخالفةٌ لمن أرادها، لو خلا بها أحدٌ، أمره رسول اللَّه ﷺ بفراقها، فلما ذكر أنه يُحبّها أباح له البقاء معها؛ لأن محبّته لها محققة، ووقوع الفاحشة منها متوهّمٌ، فلا يُصار إلى الضرر العاجل لتوهّم الآجل. واللَّه سبحانه أعلم. انتهى كلام الحافظ ابن كثير (٣).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا المعنى الأخير هذا الصواب عندي.
стр. 13795
وحاصله أن الرجل رأى منها ما يُريبه، فخشي وقوع الفاحشة، فأمره ﷺ بإبعادها، ومفارقتها، من باب "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"، وأما حمله على الفجور المحقق فلا شكّ أنه يتنافى مع مقاصد الشريعة المطهّرة، التي جاءت لإبعاد الناس عن الفجور، فلا يأمر النبيّ ﷺ الرجل بإقرار أهله على الفاحشة، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤]، وما نزل الوحي إلا بالنهي عن الفحشاء، كما قال اللَّه : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ الآية [الأعراف: ٢٨]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(قَالَ: أَبو عَبْد الرَّحْمَنِ) النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى- (هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ بثَابِتٍ) لأن الصحيح إرساله، والمرسل ضعيف، وأما وصله بذكر ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، فغير صحيح؛ لأنه من رواية عبد الكريم أبي أميّة، وهو ضعف جدًّا، كما بينه بقوله (وَعَبْدُ الْكَرِيمِ لَيْسَ بِالقَويّ) بل هو ممن أجمعوا على ضعفه، كما سبق في ترجمته (وَهَارُونُ بْنُ رِئَابٍ، أَثْبَتُ مِنْهُ، وَقَدْ أَرْسَلَ الْحَدِيثَ، وَهَارُونُ ثِقَةٌ، وَحَدِيثُهُ) أي حديث هارون (أَوْلَى بِالصَّوَابِ) لكونه ثقة (مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْكَرِيمِ) الضعيف الذي رواه موصولًا.
قال الجامع - عفا اللَّه تعَالى عنه -: حاصل كلام المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- تضعيف وصل هذا الحديث؛ وإنما هو مرسلٌ؛ وذلك لأنه من رواية عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو شديد الضعف، لكن سيأتي له الحديث -٣٤/ ٣٤٦٦ - موصولاً بذكر ابن عباس من رواية النضر بن شُميل، عن حماد بن سلمة، وغاية ما علّل به تلك الرواية مخالفة النضر ليزيد بن هارون، لكن هذا لا يضرّه؛ لأن النضر ثقة ثبت حافظ، فوصله زيادة ثقة، ولا سيّما وقد أخرجه من رواية الحسين بن واقد، عن عُمارة بن أبي حفصة، عن عكرمة، عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -.
والحاصل أن الحديث متّصلٌ صحيحٌ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح، كما سبق البحث عنه آنفًا.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٢/ ٣٢٣٠ و ٣٤/ ٣٤٦٥ و ٣٤٦٦ - وفي "الكبرى" ١٢/ ٥٣٣٩ و ٥٤٠ و ٣٥/ ٥٦٥٨ و ٥٦٥٩. وأخرجه (د) في "النكاح" ٢٠٤٩. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".