← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 13791–13830 · переход к 13796.

стр. 13791

[الرابع]: أن هذا كان في نسوة، كان الرجل يتزوّج إحداهنّ على أن تنفق عليه مما كسبته من الزنا، واحتجّ بأن الآية نزلت في ذلك. [الخامس]: أنه عامّ في تحريم نكاح الزانية على العفيف، والعفيفة على الزانية انتهى (١). وقال الإمام ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-: وأما نكاح الزانية، فقد صرّح اللَّه بتحريمه في "سورة النور"، وأخبر أن من نكحها، فهو إما زان، أو مشرك، فإنه إما أن يلتزم حكمه ، ويعتقد وجوبه عليه، أو لا، فإن لم يلتزمه، ولم يعتقده، فهو مشرك، وإن التزمه، واعتقد وجوبه، وخالفه، فهو زان، ثم صرّح بتحريمه، فقال: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣]. ولا يخفى أن دعوى نسخ الآية بقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، من أضعف ما يُقال، وأضعف منه حملُ النكاح على الزنى؛ إذ يصير معنى الآية: الزاني لا يزني، إلا بزانية، أو مشركة، والزانية لا يزني بها إلا زان، أو مشرك، وكلام اللَّه تعالى ينبغي أن يُصان عن مثل هذا. وكذلك حمل الآية على امرأة بغيّ مشركة في غاية البعد عن لفظها وسياقها، كيف وهو إنما أباح نكاح الحرائر والإماء بشرط الإحصان، وهو العفّة، فقال: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء: ٢٥]، فإنما أباح نكاحها في هذه الحالة، دون غيرها، وليس هذا من باب دلالة المفهوم، فإن الأبضاع في الأصل على التحريم، فيُقتصر في إباحتها على ما ورد به الشرع، وما عداه فعلى أصل التحريم. وأيضًا فإنه قال: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ [النور: ٢٦]، والخبيثات: الزواني، وهذا يقتضي أن من تزوّج بهنّ فهو خبيث. وأيضًا فمن أقبح القبائح أن يكون الرجل زوج بغيّ، وقُبْحُ هذا مستقرّ في فطر الخلق، وهو عندهم غاية المسبّة. وأيضًا فإن البغيّ لا يُؤمَنُ أن تُفسد على الرجل فراشه، وتعلّق عليه أولادًا من غيره، والتحريم يثبت بدون هذا. وأيضًا فإن النبيّ ﷺ فرّق بين الرجل وبين المرأة التي وجدها حبلى من الزنى (٢). ثم ذكر قصة مرثد

стр. 13792

المذكورة في الباب انتهى كلام ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تحرّر مما ذُكر أن الحقّ تحريم نكاح الزواني، إلا أن تتوب، وهذا هو مذهب الإمام أحمد، -رحمه اللَّه تعالى-، كما تقدّم في كلام الحافظ ابن كثير، فهو أرجح الأقوال؛ لظاهر قوله: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، وحمل الآية على أنها خرجت مخرج الذمّ، لا مخرج التحريم، غير صحيح، وإن قال به الكثيرون، لأن حديث مرثد الغنويّ ﵁ المذكور في الباب الذي هو سبب نزول الآية المذكورة يبطله، حيث إن النبيّ ﷺ لما نزلت قرأها على مرثد ﵁، ثم قال له: "لا تنكحها"، فدلّ على أن الآية إنما نزلت للتحريم، فهي صريحة فيه، لا تحتمل غيره. والحاصل أن الآية والحديث صريحان في التحريم، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتهوّر بالاعتساف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٢٣٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ, وَغَيْرُهُ, عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ, وَعَبْدِ الْكَرِيمِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, عَبْدُ الْكَرِيمِ, يَرْفَعُهُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ, وَهَارُونُ لَمْ يَرْفَعْهُ, قَالَا: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي امْرَأَةً, هِيَ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ, وَهِيَ لَا تَمْنَعُ يَدَ لَامِسٍ, قَالَ: «طَلِّقْهَا» , قَالَ: لَا أَصْبِرُ عَنْهَا, قَالَ: «اسْتَمْتِعْ بِهَا». قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ بِثَابِتٍ, وَعَبْدُ الْكَرِيمِ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ, وَهَارُونُ بْنُ رِئَابٍ, أَثْبَتُ مِنْهُ, وَقَدْ أَرْسَلَ الْحَدِيثَ, وَهَارُونُ ثِقَةٌ, وَحَدِيثُهُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ, مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْكَرِيمِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (محمد بن إسماعيل بن إبراهيم) المعروف أبو بـ"ابن عليّة" البصريّ، نزيل دمشق، وقاضيها، ثقة [١١] ٢٢/ ٤٨٩ من أفراد المصنّف. ٢ - (يزيد) بن هارون السلمي مولاهم الحافظ، أبو خالد الواسطي، ثقة متقن عابدًا [٩] ١٥٣/ ٢٤٤. ٣ - (حماد بن سلمة) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقة عابد، تغير في الآخر، من كبار [٨] ١٨١/ ٢٨٨. ٤ - (هارون بن رئاب) -بكسر الراء، وتحتانيّة مهموزة، ثم موحّدة- التميميّ البصريّ، ثقة عابدًا [٦] ٨٠/ ٢٥٧٥.

стр. 13793

٥ - (عبد الكريم) بن أبي الْمُخَارق -بضمّ الميم، وبالخاء المعجمة- أبو أُميّة المعلّم البصريّ، نزيل مكّة، واسم أبيه قيس. وقيل: طارق، ضعيف [٦]. ضعفه أيوب السختيانيّ، وأحمد، وابن معين. وقال النسائيّ، والدارقطنيّ: متروك. وقال ابن حبّان: كان كثير الوهم، فاحش الخطإ، فلما أكثر ذلك منه بطل الاحتجاج به. وقال ابن عبد البرّ: مجمع على ضعفه. مات سنة (١٢٧) وقيل: (١٢٦) علّق له البخاريّ في موضع، وأخرج له مسلم متابعةً، وأبو داود في المراسيل، والترمذيّ، والمصنّف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديث الباب فقط. ٦ - (عبد اللَّه بن عبيد بن عُمير) الليثيّ المكيّ، ثقة [٣] ٨٩/ ٢٨٣٧. ٧ - (ابن عباس) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ) بهمزة بعد الراء (عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرِ) الليثيّ المكيّ (وَعَبْدِ الْكَرِيمِ) بالجرّ عطفًا على هارون، فحمّاد بن سلمة يروي عن هارون، وعبد الكريم كليهما (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عُبَيْدِ بن عُمَيْرِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -. وقوله: (عَبْدُ الْكَرِيمِ) بالرفع مبتدأ خبره قوله (يَرْفَعُهُ) أي يسند الحديث (إِلَى ابْنِ عَبَّاسِ) رضي اللَّه تعالى عنهمَا (وَهَارُونُ لَمْ يَرْفَعْهُ) أي لم يذكره في السند، بل جعله مرسلاً. وحاصل ما أشار إليه أن كلًّا من هارون بن رئاب، وعبد الكريم رويا الحديث عن عبد اللَّه بن عُبيد بن عُمير، لكن هارون قال جاء رجل إلى النبيّ ﷺ ، فجعله مرسلاً، إذ لم يذكر الصحابيّ، فإن عبد اللَّه بن عبيد تابعيّ، كما سبق في ترجمته، وأما عبد الكريم، فرواه عن عبد اللَّه بن عُبيد بن عُمير، عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، فوصده بذكر الصحابيّ، ورواية هارون المرسلة أرجح؛ لا تفاقهم على ضعف عبد الكريم؛ كما سينصّ عليه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. (قَالَا) الضمير لهارون، وعبد الكريم (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي امْرَأَةَ) أي زوجة. وفي الرواية الآتية - ٣٤/ ٣٤٦٦ - من طريق عمارة بن أبي حفصة، عن عكرمة، عن ابن عباس: "إن امرأتي … ". وفي -٣٤/ ٣٤٦٧ - من طريق النضر بن شُميل، عن حماد بن سلمة: "إن تحتي امرأة … " (هِيَ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَهِيَ لَا تَمنَعُ يَدَ لَامِسٍ) أي إنها مطاوعة لمن أرادها، وهذا كناية عن الفجور. وقيل: بل هو كناية عن بذلها الطعام. قيل: هو الأشبه، وقال أحمد: لم يكن ﷺ ليأمره بإمساكها، وهي تفجر. ورُدّ بأنه لو كان المراد السخاء لقيل: لا تردّ يد ملتمس؛ إذ السائل يقال له: الملتمس، لا لامس، وأما اللمس فهو الجماع، أو بعض مقدّماته. وأيضًا السخاء مندوب إليه، فلا تكون المرأة معاقبة لأجله، مستحقّةً للفراق، فإنها إما أن تُعطي مالها، أو مال

стр. 13794

الزوج، وعلى الثاني على الزوج صونه، وحفظه، وعدم تمكينها منه، فلم يتعيّن الأمر بتطليقها. وقيل: المراد أنها تتلذّذ بمن يلمسها، فلا تردّ يده، ولم يرد الفاحشة العظمى، وإلا لكان بذلك قاذفًا لها. وقيل: الأقرب أن الزوج علم منها أن أحدًا لو أراد منها السوء لما كانت هي تردّه، لا أنه تحقّق وقوع ذلك منها، بل ظهر له ذلك بقرائن، فأرشده الشارع إلى مفارقتها، احتياطًا، فلما علم أنه لا يقدر على فراقها؛ لمحبّته لها، وأنه لا يصبر على ذلك رخّص له في إثباتها؛ لأن محبّته لها محقّقة، ووقوع الفاحشة منها متوهّم. (قَالَ) ﷺ (طَلَّقْهَا) وفي رواية عمارة المذكورة: "غرّبها، إن شئت"، وهو بمعنى طلّق (قَالَ) الرجل (لَا أَصْبِرُ عَنْهَا) وفي رواية عمارة: "إني أخاف أن تتبعها نفسى" (قَالَ) ﷺ (اسْتَمتِعْ بِهَا) أي كن معها قدر ما تقضي حاجتك. وقال ابن الأثير -رحمه اللَّه تعالى- قوله: "استمتع بها": أي لا تمسكها إلا بقدر ما تقضي متعة النفس منها، ومن وطرها، وخاف النبيّ ﷺ ، إن هو أوجب عليه طلاقها أن تَتُوق نفسه إليها، فيقع في الحرام. وقيل: معنى: "لا تردّ يد لامس" أنها تُعطي من ماله من يطلب منها، وهذا أشبه. قال أحمد: لم يكن ليأمره بإمساكها، وهي تفجر. قال عليّ، وابن مسعود: "إذا جاءكم الحديث عن رسول اللَّه ﷺ ، فظنّوا به الذي هو أهدى، وأتقى. انتهى (١). وقال الحافظ ابن كثير -رحمه اللَّه تعالى-: وقد اختلف الناس في هذا الحديث ما بين مضعّف له، كما قال النسائيّ، ومنكر، كما قال الإمام أحمد: هو حديث منكر. وقال ابن قُتيبة: إنما أراد أنها سخيّة، لا تمنع سائلاً، وحكاه النسائيّ في "سننه" (٢) عن بعضهم، فقال: وقيل: سخيّة، تُعطي. وردّ هذا بأنه لو كان المرادَ لقال: لا تردّ يد ملتمس. وقيل: المراد أن سجيّتها لا تردّ يد لامس، لا أن المراد أن هذا واقعٌ منها، وأنها تفعل الفاحشة، فإن رسول اللَّه ﷺ ، لا يأذن في مصاحبة مَنْ هذه صفتها، فإن زوجها والحالة هذه يكون ديّوثًا، وقد ثبت الوعيد على ذلك، ولكن لما كانت سجيّتها هكذا ليس فيها ممانعةٌ، ولا مخالفةٌ لمن أرادها، لو خلا بها أحدٌ، أمره رسول اللَّه ﷺ بفراقها، فلما ذكر أنه يُحبّها أباح له البقاء معها؛ لأن محبّته لها محققة، ووقوع الفاحشة منها متوهّمٌ، فلا يُصار إلى الضرر العاجل لتوهّم الآجل. واللَّه سبحانه أعلم. انتهى كلام الحافظ ابن كثير (٣). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا المعنى الأخير هذا الصواب عندي.

стр. 13795

وحاصله أن الرجل رأى منها ما يُريبه، فخشي وقوع الفاحشة، فأمره ﷺ بإبعادها، ومفارقتها، من باب "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"، وأما حمله على الفجور المحقق فلا شكّ أنه يتنافى مع مقاصد الشريعة المطهّرة، التي جاءت لإبعاد الناس عن الفجور، فلا يأمر النبيّ ﷺ الرجل بإقرار أهله على الفاحشة، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤]، وما نزل الوحي إلا بالنهي عن الفحشاء، كما قال اللَّه : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ الآية [الأعراف: ٢٨]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (قَالَ: أَبو عَبْد الرَّحْمَنِ) النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى- (هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ بثَابِتٍ) لأن الصحيح إرساله، والمرسل ضعيف، وأما وصله بذكر ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، فغير صحيح؛ لأنه من رواية عبد الكريم أبي أميّة، وهو ضعف جدًّا، كما بينه بقوله (وَعَبْدُ الْكَرِيمِ لَيْسَ بِالقَويّ) بل هو ممن أجمعوا على ضعفه، كما سبق في ترجمته (وَهَارُونُ بْنُ رِئَابٍ، أَثْبَتُ مِنْهُ، وَقَدْ أَرْسَلَ الْحَدِيثَ، وَهَارُونُ ثِقَةٌ، وَحَدِيثُهُ) أي حديث هارون (أَوْلَى بِالصَّوَابِ) لكونه ثقة (مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْكَرِيمِ) الضعيف الذي رواه موصولًا. قال الجامع - عفا اللَّه تعَالى عنه -: حاصل كلام المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- تضعيف وصل هذا الحديث؛ وإنما هو مرسلٌ؛ وذلك لأنه من رواية عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو شديد الضعف، لكن سيأتي له الحديث -٣٤/ ٣٤٦٦ - موصولاً بذكر ابن عباس من رواية النضر بن شُميل، عن حماد بن سلمة، وغاية ما علّل به تلك الرواية مخالفة النضر ليزيد بن هارون، لكن هذا لا يضرّه؛ لأن النضر ثقة ثبت حافظ، فوصله زيادة ثقة، ولا سيّما وقد أخرجه من رواية الحسين بن واقد، عن عُمارة بن أبي حفصة، عن عكرمة، عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -. والحاصل أن الحديث متّصلٌ صحيحٌ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح، كما سبق البحث عنه آنفًا. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٢/ ٣٢٣٠ و ٣٤/ ٣٤٦٥ و ٣٤٦٦ - وفي "الكبرى" ١٢/ ٥٣٣٩ و ٥٤٠ و ٣٥/ ٥٦٥٨ و ٥٦٥٩. وأخرجه (د) في "النكاح" ٢٠٤٩. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 13796

١٣ - (بَابُ كَرَاهِيَةِ تَزْوِيجِ الزُّنَاةِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه استدلال المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بحديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - المذكور على الترجمة أنه ﷺ لما أمر بنكاح ذات الدين، حيث قال: "فاظفر بذات الدين" فهم منه النهي عن نكاح ضدّها، والزانية من أشدّ أضدادها. ثم إنه كان الأولى له أن يدخل هذا الحديث تحت الترجمة السابقة؛ لأن معنى الترجمتين متقارب، إذ الكراهية في عرف السلف بمعنى التحريم، كما في قوله تعالى بعد أن ذكر عدّة محرمات: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٣٨]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٢٣١ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «تُنْكَحُ النِّسَاءُ لأَرْبَعَةٍ لِمَالِهَا, وَلِحَسَبِهَا, وَلِجَمَالِهَا, وَلِدِينِهَا, فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ, تَرِبَتْ يَدَاكَ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عبيد اللَّه بن سعيد) أبو قُدامة السرخسيّ، ثقة ثبت سنّيّ [١٠] ١٥/ ١٥. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطّان، البصريّ الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/ ٤. ٣ - (عبيد اللَّه) بن عمر بن حفص العمريّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٥] ١٥/ ١٥. ٤ - (سعيد بن أبي سعيد) المقبريّ، أبو سعد المدنيّ، ثقة تغير قبل موته بأربع سنين [٣] ٩٥/ ١١٧. ٥ - (أبوه) كيسان المقبريّ، مولى أم شريك، أبو سعيد المدني، ثقة ثبت [٢] ٦٣/ ٨٧٢. ٦ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فسرخسيّ، ويحيى، فبصريّ. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: عبيد اللَّه، وسعيد، وأبوه، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة أكثر من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 13797

شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (عَنِ النَّبِيِّ، قَالَ: "تُنْكَحُ النِّسَاءُ) وفي "الكبرى": "المرأة". وهو فعلٌ ونائب فاعله. قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: الصحيح في معنى الحديث أنه ﷺ أخبر بما يفعله الناس في العادة، فإنهم يقصدون هذه الخصال الأربع، وآخرها عندهم ذات الدين، لا أنه أمر بذلك انتهى (١). وقال أبو العباس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: معنى الحديث أن هذه الخصال الأربع، هي المرغّبة في نكاح المرأة، وهي التي يقصدها الرجال من النساء، فهو خبرٌ عما في الوجود من ذلك، لا أنه أمرٌ بذلك، وظاهره إباحة النكاح لقصد مجموع هذه الخصال، أو لواحدة منها، لكن قصد الدين أولى وأهمّ، ولذلك قال: "فاظفر بذات الدين، تربت يمينك". قال: ولا يُظنّ من هذا الحديث أن مجموع هذه الأربع، والمساواة فيها هي الكفاءة، فان ذلك لم يقل به أحدٌ من العلماء فيما علمتُ، وإن كانوا قد اختلفوا في الكفاءة ما هي؟ انتهى (٢). (لِـ) أجل (أَرْبَعَةٍ) وفي نسخة: "لأربع"، ولكلّ وجهٌ، وذلك أن تقدير الأول لأربعة أمور، وتقدير الثاني: لأربع خصال (لِمَالِهَا، وَلِحَسَبهَا) بفتح المهملتين، ثم موحّدة: أي شرفها، والحسب في الأصل الشرف بالآباء، وبالأقارب، مأخوذ من الحساب؛ لأنهم كانوا إذا تفاخروا عدّوا مناقبهم، ومآثر آبائهم وقومهم، وحسبوها، فيُحكم لمن زاد عدده على غيره. وقيل: المراد بالحسب هنا الفَعَال الحسنة. وقيل: المال. وهو مردود لذكر المال قبله، وذكره معطوفًا عليه. وقد وقع في مرسل يحيى بن جَعْدةَ عند سعيد بن منصور:، على دينها، ومالها، وعلى حسبها، ونسبها". وذكر النسب على هذا تأكيدٌ. ويؤخذ منه أن الشريف النسيب يُستحبّ له أن يتزوّج نسيبةً، إلا إذا تعارض نسيبةٌ غيرُ ديّنة، وغيرُ نسيبة ديّنة، فتُقدّم ذات الدين، وهكذا في كلّ الصفات. وأما قول بعض الشافعيّة: يُستحبّ أن لا تكون المرأة ذات قرابة قريبة، فإن كان مستندًا إلى الخبر فلا أصل له، أو إلى التجربة، وهو أن الغالب أن الولد بين القريبين يكون أحمق، فهو متّجه. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذه التجربة محلّ نظر. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 13798

وقد تقدم الحديث للمصنّف قبل بابين في -١٠/ ٣٢٢٧ - من طريق عطاء، عن جابر ﵁، وليس فيه ذكر الحسب، بل اقتصر فيه على الدين، والمال، والجمال. (وَلِجَمَالِهَا) قال في "الفتح": يؤخذ منه استحباب تزويج الجميلة، إلا إن تعارض الجميلة غير الديّنة، وغير الجميلة الديّنة، نعم لو تساوتا في الدين، فالجميلة أولى، ويلتحق بالحسنة الذات الحسنة الصفات، ومن ذلك أن تكون خفيفة الصداق. انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أخذ استحباب تزويج الجميلة من هذا الحديث محلّ نظر؛ إذ الصحيح أن الحديث خبر عن واقع الناس البخاري بينهم فيما يتعلّق بشأن النكاح، لا أنه أمر بذلك، حتى يُستفاد منه ما ذُكر. فتأمّل. واللَّه تعالى أعلم. (وَلدِينِهَا، فَاظفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ) أي اطلبها حتى تفوز بها، وتكون محصّلاً بها غاية المطلوب. وفي حديث جابر ﵁ المتقدِّم: "فعليك بذات الدين". قال في "الفتح": والمعنى: أن اللائق بذي الدين والمروءة أن يكون الدين مطمح نظره في كلّ شيء، لا سيّما فيما تطول صحبته، فأمره النبيّ ﷺ بتحصيل صاحبة الدين الذي هو غاية البغية. وقد وقع في حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵁ عند ابن ماجه، رفعه: "لا تَزَوُّجوا النساء لحسنهنَّ، فعسى حسنهنَّ أن يُرديهنّ -أي يهلكهنّ- ولا تَزَوّجوهنّ لأموالهنّ، فعسى أموالهنّ أن تُطغيهنّ، ولكن تزوّجوهنّ على الدين، ولأمة خَرماء سوداء ذات دين أفضل". انتهى (١). (تَرِبَتْ يَدَاكَ) من باب تعب: أي افتقرتا، كأنهما لصقتا بالتراب. وقال في "الفتح": أي لصقتا بالتراب، وهي كناية عن الفقر، وهو خبر بمعنى الدعاء، لكن لا يراد به حقيقته. وبهذا جزم صاحب "العمدة"، زاد غيره أنّ صدور ذلك من النبيّ ﷺ في حقّ مسلم لا يُستجاب؛ لشرطه ذلك على ربّه. وحكى ابن العربيّ أن معناه: استغنت. ورُدّ بأن المعروف أترب إذا استغنى، وتَرِب إذا افتقر، ووجّه بأن الغنى الناشئ عن المال تراب؛ لأن جميع ما في الدنيا تُراب، ولا يخفى بُعده. وقيل: معناه ضَعُف عقلك. وقيل: افتقرت من العلم. وقيل: فيه تقدير شرط: أي وقع لك ذلك إن لم تفعل. ورجّحه ابن العربيّ. وقيل: معنى افتقرت خابت. وصحّفه بعضهم، فقال: بالثاء المثلّثة، ووجّهه بأن معنى ثَرَبَتْ: تفرّقت، وهو مثل حديث: "نُهي عن الصلاة إذا صارت الشمس كالأثارب". وهو جمع ثُرُوب، وأَثْرُب،

стр. 13799

مثل فُلُوس، وأفلُس، وهي جمع ثَرْب -بفتح أوّله، وسكون الراء- وهو الشحم الرقيق المتفرّق الذي يَغشَى الكرش. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٣/ ٣٢٣١ - وفي "الكبرى" ١١/ ٥٣٣٧. وأخرجه (خ) ٥٠٩٠ (م) في "الرضاع" ١٤٦٦ (د) في "النكاح" ٢٠٤٧ (ق) في "النكاح" ١٨٥٨ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٩٢٣٧ (الدارميّ) في "النكاح" ٢١٧٠. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو كراهية تزويج الزناة، ووجه الاستدلال به أن فيه الأمر بنكاح ذات الدين، والأمر بالشيء نهي عن ضدّه، والزانية من أشرّ الأضداد لذات الدين، فيكون نكاحها منهيًّا عنه، كما مرّ في أول الباب. (ومنها): الترغيب في نكاح ذوات الدين. (ومنها): الحثّ على مصاحبة أهل الدين في كلّ شيء؛ لأن مصاحبهم يستفيد من أخلاقهم، وبركات أنفاسهم، وحسن طرائقهم، ويأمن المفسدة من جهتهم. قال اللَّه تعالى حكايته عن موسى- ﵇: ﴿قَالَ: لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦]. وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ الآية [الكهف: ٢٨]. وفي "الصحيحين" من حديث أبي موسى ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: "إنما مثل الجليس الصالح، وجليس السوء، كحامل المسك، ونافخ الكير، فحامل المسك، إما أن يَحْذِيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه رائحة طيّبة، ونافخ الكير إما أن يَحرِق ثوبك، وإما أن تجد منه ريحًا منتنة". (ومنها): أنه لا ينبغي للإنسان أن يستدلّ بالكثرة على كون الشيء صوابًا، فيتأسّى بأكثر الناس، ففي هذا الحديث أشار النبيّ ﷺ إلى أن ثلاثة أصناف من الناس مخطئون في اختيارهم لصفات الزوجيّة، وأن صنفًا واحدًا هو المصيب. (ومنها): أنه ينبغي للإنسان أن ينظر في عواقب الأمور، ومستقبلها، لا في في عاجلها، فإن الزوجة

стр. 13800

الصالحة في دينها هي التي تكون بها السعادة في المستقبل، فإنها تحفظه في نفسها، وتحفظه في بيته، وتحفظه في ماله، وهي القرين الصالح النافع في الدنيا والآخرة، بخلاف ذات الجمال، والمال، والحسب، فإن السعادة بها قاصرة، غير مستمرّة، بل كثيرًا ما يكون ذلك لها غرورًا، يرديها، وُيردي من تعلّق بها. (ومنها): أنه لا يحرم على الشخص أن يرغب في نكاح ذات الحسب، والجمال، والمال، وإنما يعاب عليه إهمال أهمّ الصفات، وهو الدين. (ومنها): أن الإتيان بالكلمات التي ظاهرها الدعاء، أو مدلولها الذمّ، والتقبيح مما جاء على ألسنة العرب، أو على ألسنة الناس، لا يوقع في الإثم، إذا لم يقصد حقيقتها، وإنما استعملها على ما جرت به العادة، مثل "تربت يداك"، و"ثكلتك أمك"، و"ويل أمه"، ونحو ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (ومنها): أنّ المهلّب قال: في هذا الحديث دليل على أن للزوج الاستمتاع بمال الزوجة، فإن طابت نفسها بذلك حلّ له، وإلا فله من ذلك ما بذل لها من الصداق. وتُعُقّب بأن هذا التفصيل ليس في الحديث، ولم ينحصر مقصود نكاح المرأة لأجل ما لها في استمتاع الزوج، بل قد يُقصد تزويج ذات الغنى لما عساه يحصل له منها ولدٌ، فيعود إليه ذلك المال بطريق الإرث، إن وقع، أو لكونها تستغني بمالها عن كثرة مطالبته بما يحتاج إليه النساء، ونحو ذلك. قال الحافظ: وأعجب منه استدلال بعض المالكيّة به على أن للرجل أن يحجُر على امرأته في مالها. قال: لأنه إنما تزوّج لأجل المال، فليس لها تفويته عليه. ولا يخفى وجه الرّدّ. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٤ - (أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ) ٣٢٣٢ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ, عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ؟ , قَالَ: «الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ,

стр. 13801

وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ, وَلَا تُخَالِفُهُ فِي نَفْسِهَا, وَمَالِهَا بِمَا يَكْرَهُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (الليث) بن سعد الإمام الحجة الثبت المصريّ [٧] ٣١/ ٣٥. ٣ - (ابن عجلان) محمد المدنيّ، صدوق، إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة ﵁[٥] ٣٦/ ٤٠. والباقيان تقدما في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، وابن عجلان علّق له البخاريّ، وأخرج له مسلم متابعةٌ. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، والليث، فمصريان، وشيخه، وإن كان بغلانيا، إلا أنه دَخَلَ مصر. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ؟، قَالَ: "الَّتِي تَسُرُّهُ) من باب ردّ، يقال: سرّه يَسُرُّهُ سُرُورًا، والاسم السَّرُور - بالفتح-: إذا أفرحه. قاله الفيّوميّ، أي تُفرِح زوجها (إِذَا نَظَرَ) أي لحسنها ظاهرًا، أو لحسن أخلاقها باطنًا، ودوام اشتغالها بِطاعة اللَّه تعالى، والتقوى (وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ) أي بما لا يكون فيه معصيةٌ للَّه تعالى (وَلَا تخُالِفُهُ فِي نَفْسِهَا) أي بتمكين أحد من أن يفعل بها فاحشة (وَمَالِهَا) أي بأن تنفقه فيما لا يحلّ الإنفاق فيه (بِمَا يَكرَهُ) متعلّق بـ"تخالف"، فيكون قيدًا لكلّ من "نفسها"، و"مالها". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-١٤/ ٣٢٣٢ - وفي "الكبرى" ١٥/ ٥٣٤٣. [فإن قلت]: كيف يكون صحيحًا، وفيه محمد بن عجلان، وقد تقدّم آنفًا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه -؟. [قلت]: إنما صحّ بشواهده، فقد أخرج الطيالسيّ ص ٣٠٦ - رقم ٢٣٢٥ - : ثنا أبو معشر، عن سعيد، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "خير النساء التي إذا نظرت إليها سرّتك … " الحديث نحوه، وزاد في آخره: قال: وتلا هذه الآية:

стр. 13802

﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ إلى آخر الآية [النساء: ١٣٤]. وأبو معشر اسمه نَجيح، ضعيف. وله شاهد من حديث عبد اللَّه بن سلام ﵁، قال الهيثميّ -٤/ ٢٧٣ - رواه الطبراني، وفيه زُريك بن أبي زُريك، ولم أعرفه، وبقيّة رجاله ثقات. انتهى. وقوله: لم أعرفه، فيه أن غيره قد عرفه، فقد وثّقه ابن معين، وابن الجنيد، كما ذكر ذلك ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ٣/ ٦٢٤ - . ومن طريق الطبرانيّ، أخرجه الضياء في "المختارة" -٥٨/ ١٨٠/ ١. فالإسناد صحيح. وله شاهد آخر بلفظ: "ألا أخبر بخير ما يكنز المرء؟، المرأة الصالحة، إذا نظر إليها سرّته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته" (١). وله شاهد آخر بلفظ: "ما استفاد المؤمن بعد تقوى اللَّه خيرا … له من زوجة صالحة، إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرّته، وإن أقسم عليها أبرّته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله" (٢). والحاصل أن الحديث صحيح بهذه الشواهد، ولا سيّما حديث عبد اللَّه بن سلام ﵁. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٥ - (المَرْأَةُ الصَّالِحةُ) ٣٢٣٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, قَالَ: حَدَّثَنَا حَيْوَةُ -وَذَكَرَ آخَرَ- أَنْبَأَنَا شُرَحْبِيلُ بْنُ شَرِيكٍ, أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ, يُحَدِّثُ عَنْ

стр. 13803

عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , قَالَ: «إِنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا مَتَاعٌ, وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ) المقرئ، أبو يحيى المكيّ، ثقة [١٠] ١١/ ١١. ٢ - (أبوه) عبد اللَّه بن يزيد المقرئ، أبو عبد الرحمن المكيّ الثقة الثبت، أقرأ القرآن نيفًا وسبعين سنة [٩] ٤/ ٧٤٦. ٣ - (حيوة) شُريح التجيبيّ، أبو زرعة المصريّ الثقة الثبت الفقيه الزاهد [٧] ١٧/ ٤٧٨. ٤ - (شُرَحبيل بن شريك) المعافريّ، أبو محمد المصريّ، صدوق [٦] ١٢/ ٣٢٠. ٥ - (أبو عبد الرحمن الحبليّ) عبد اللَّه بن يزيد المعافريّ المصريّ، ثقة [٣] ٦٠/ ١٣٠٣. ٦ - (عبد اللَّه بن عمرو بن العاص) - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٨٩/ ١١١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو، وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمصريين، غير شيخه، وأبي شيخه، فهما مكيّان. (ومنها): أن شرحبيل بن شريك ليس له عند المصنّف غير حديثين، حديث الباب، وحديث أبي أيوب الأنصاريّ ﵁ مرفوعًا: "غدوة في سبيل اللَّه، أو روحةٌ خيرٌ مما طلعت عليه الشمس، وغربت"، تقدم في "الجهاد" برقم ١٢/ ٣١٢٠. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: قوله: "وذكر آخر" الذاكر هو أبو محمد، يعني أنه ذكر مع حيوة رجلاً آخر حدّثه بهذا الحديث عن شُرحبيل بن شريك، والظاهر أن الآخر هو عبد اللَّه بن لهيعة، فكثيرًا ما يذكره المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- مبهمًا متابعةٌ، وقد تقدم تحقيق ذلك في مقدمة هذا الشرح. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: (إِنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا مَتَاعٌ) أي تمتّع قليل، ونفعٌ زائل عن قريب، قال تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٧٧]. وقال ﷺ : "لو كانت الدنيا تعدل عند اللَّه جناح بَعُوضةٍ ما سقى

стр. 13804

الكافر منها شَرْبة ماء" (١). قاله القاريّ. وقال السنديّ: أي محلّ للاستمتاع، لا مطلوبة بالذات، فتؤخذ على قدر الحاجة (وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا) أي خير ما يُتمتّع به في الدنيا (الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ) أي لأنها مُعينة على أمور الآخرة. قال القرطبيّ: هي الصالحة في دينها، ونفسها، والمصلحة لحال زوجها. وهذا كما قال في الحديث الآخر: "ألا أُخبركم بخير ما يَكنُزُ المرء؟ "، قالوا: بلى، قال: "المرأة الصالحة، التي إذا نظر إليها سرّته، وإذا غاب عنها حفظته، وإذا أمرها أطاعته" (٢). قال الطيبيّ -رحمه اللَّه تعالى-. وقيّد بالصالحة إيذانًا بأنها شرٌّ لو لم تكن على هذه الصفة. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٥/ ٣٢٣٣ - وفي "الكبرى" ١٦/ ٥٣٤٤. وأخرجه (م) في "الرضاع" ١٤٦٧ (ق) في "النكاح" ١٨٥٥ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٦٥٣١، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو فضل المرأة الصالحة. (ومنها): أن فيه الحثَّ على الزهد في الدنيا، حيث إنها متاعٌ قليلٌ زائلٌ عن قريب، فهي كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠]، والترغيب في الآخرة، حيث إنها النعيم المقيم الذي لا يزول، ولا يحول، فهي كما وصفها اللَّه تعالى بقوله: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]. (ومنها). أن فيه الحثّ على البحث عن المرأة الصالحة؛ إذ هي أفضل متاع الدنيا، فينبغي للعاقل البحث، والتنقيب عنها؛ لتتكامل له الحياة المرضيّة التي تتّصل بالحياة الأبديّة، والسعادة السرمديّة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 13805

١٦ - (الْمَرْأَةُ الْغَيْرَاءُ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الغيراء" بالمدّ كما هو في معظم نسخ "المجتبى"، وكذا في "الكبرى"، وفي بعض النسخ "الغيرَى" بالقصر، وهو الموافق لما في كتب اللغة. قال الفّيوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: غار الرجل على امرأته، والمرأة على زوجها، يَغار، من باب تَعِبَ غَيْرًا، وغَيْرَةً -بالفتح- وغارًا. قال ابن السّكّيت: ولا يُقال: غِيَرًا، وغِيَرَةً -بالكسر- فالرجل غَيُورٌ، وغَيْرَان، والمرأة غَيُورٌ أيضًا، وغَيْرَى، وجمع غَيُور غُيُرٌ، مثلُ رَسُول ورُسُل، وجمع غَيران، وغَيْرَى غُيَارَى بالضمّ، والفتح، وأغار الرجل زوجته: تزوّج عليها، فغارت عليه. انتهى. وفي "النهاية" "الغيرة": هي الحَمِيَّةُ والأنَفَةُ. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٢٣٤ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, أَنْبَأَنَا النَّضْرُ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ, عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنْ أَنَسٍ, قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ, أَلَا تَتَزَوَّجُ مِنْ نِسَاءِ الأَنْصَارِ؟ , قَالَ: «إِنَّ فِيهِمْ لَغَيْرَةً شَدِيدَةً»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه المروزيّ، نزيل نيسابور، ثقة ثبت فقيه [١٠] ٢/ ٢ ٢ - (النضر) بن شُميل المازنيّ، أبو الحسن النحوي البصري، نزيل مرو، ثقة ثبت، من كبار [٩] ٤٠/ ٢٢٠٨. ٣ - (حماد بن سلمة) المذكور قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (إسحاق بن عبد اللَّه) بن أبي طلحة الأنصاريّ، أبو يحيى المدنيّ، ثقة حجة [٤] ١٩/ ٢٠. ٥ - (أنس) بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه أنسًا - رضي اللَّه تعالى عنه - من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم - بالبصرة. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 13806

شرح الحديث (عَنْ أَنَسٍ) بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه قال (قَالُوا) أي الصحابة، أو الأنصار ﵁ (يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا) -بفتح الهمزة، وتخفيف اللام-: معناها هنا العرض، وهو الطلب بلين، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية [النور: ٢٢] بخلاف التحضيض، فإنه طلب بِحَث وإزعاج (تَتَزَوَّجُ مِنْ نِسَاءِ الأَنْصَارِ؟، قَالَ) ﷺ (إِنَّ فِيهِمْ لَغَيْرَةً) بفتح الغين المعجمة، وسكون التحتانيّة-: هي الْحَمِيّةُ والأنَفَةُ، وإنما وصفها بقوله (شَدِيدَةً) لأن أصل المغيرة ليس مذمومًا؛ لأنه من طبيعة النساء، وإنما المذموم ما كان شديدًا. وجملة "إن" تعليلٌ لمحذوف، تقديره: لا أتزوّج منهنّ؛ لأن فيهنّ غيرةً شديدةً، يترتب عليها سوء العشرة، التي توقع الإنسان في مخالفة قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية [النساء: ١٩] وفيه أنه لا ينبغي نكاح المرأة الشديدة الغيرة، وهو الذي أراده المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بعقد هذا الباب هنا، وذلك لأن شدة غيرتها يحملها على أن لا تراعي حقوق الزوج، ومن ثمّ يكافئوها هو بسوء العشرة، فيخلّ كلٌّ منهما بما أوجب اللَّه تعالى عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-١٣/ ٣٢٣٤ - وفي "الكبرى"١٣/ ٥٣٤١. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٧ - (إِبَاحَةُ النَّظَرِ قَبْلَ التَّزْوِيجِ) ٣٢٣٥ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (١) , قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ (٢) , قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -وَهُوَ ابْنُ كَيْسَانَ- عَنْ أَبِي حَازِمٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: خَطَبَ رَجُلٌ امْرَأَةً, مِنَ الأَنْصَارِ, فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «هَلْ نَظَرْتَ إِلَيْهَا؟» , قَالَ: لَا, فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا).

стр. 13807

رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عبد الرحمن بن إبراهيم) الدمشقيّ الحافظ الثبت المعروف بـ"دُحيم بن اليتيم" ٢ - (مروان) بن معاوية الفزاريّ الكوفيّ، ثم المكيّ، ثم الدمشقيّ، الثقة الحافظ، وكان يدلّس أسماء الشيوخ [٨] ٥٠/ ٨٥٠. ٣ - (يزيد بن كيسان) اليشكريّ، أبو إسماعيل، أو أبو مُنَين الكوفيّ، صدوق يخطئ [٦] ١٧٣/ ٢٧٠. ٤ - (أبو حازم) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ الثقة [٣] ١١٠/ ١٤٩. [تنبيه]: زاد في "الكبرى": ما نصّه: قال لنا أبو عبد الرحمن: واسم أبي حازم هذا سلمان، مولى عَزَّة، كوفيّ. واسم أبي حازم المدينيّ وهو ابن دينار (١)، وهو والد عبد العزيز بن أبي حازم انتهى (٢). ٥ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير شيخه، فدمشقيّ، وغير الصحابيّ، فمدنيّ. (ومنها): أنّ فيه أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: خَطَبَ رَجُلٌ) يحتمل أن يكون هو المغيرة بن شعبة الآتي في الحديث التالي، كما قال الحافظ في "الفتح" (٣) (امْرَأَةً، مِنَ الأَنْصَارِ) وفي الرواية الآتية من طريق سفيان بن عيينة، عن يزيد بن كيسان: "أن رجلاً أراد أن يتزوّج امرأةً، فقال النبيّ ﷺ : "انظر إليها … ". وفي رواية لمسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن يزيد بن كيسان، عن أبي هريرة ﵁، قال: كنت عند النبيّ ﷺ ، فأتاه رجلٌ، فأخبره أنه تزوّج امرأةً من الأنصار … ". ومعنى "تزوّج" أراد أن يتزوّج، كما فسّرته رواية المصنّف (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هَلْ نَظَرْتَ إِلَيْهَا؟) وفي الرواية

стр. 13808

الآتية-٢٣/ ٣٢٤٧ - من طريق عليّ بن هاشم بن الْبَرِيد، عن يزيد بن كيسان: "ألا نظرت إليها؟ " ("قَالَ: لَا، فَأَمَرَهُ) قال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذا الأمر على جهة الإرشاد إلى المصلحة، فإنه إذا نظر إليها -أعني المخطوبة- فلعلّه يرى منها ما يُرغّبه في نكاحها. وقد نبّه النبيّ ﷺ -على هذا بقوله فيما ذكره أبو داود من حديث جابر ﵁، إذ قال: "إذا خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل" (١). ولا يقال مثلُ هذا في الواجب، وقاعدة النكاح- وإن كان معاوضةً- مفارقةٌ لقاعدة البيوع، من حيث إنها مبنيّةٌ على المكارمة، والمواصلة، وإظهار الرغبات، والعمل على مكارم الأخلاق، بحيث يجوز فيها النكاح من غير ذكر صداق، وتجوز فيها ضروبٌ من الجهالات والأحكامِ، لا يجوز شيء منها في البيوع، والمعاملات المبنيّة على المشاحّة، والمغابنة. ومن هنا جاز عقد النكاح على امرأة لا يُعرف حالها من جمال، وشباب، وحسن خُلُقٍ، وتمام خَلْقٍ، وهذه وإن كانت مجهولةً حالة العقد، لم يضرّ الجهل بها؛ إذ لم يلتفت الشرع إليه في هذا الباب، فالأمر بالنظر إلى المخطوبة أحرى بأن لا يكون واجبًا، فلم يبقَ إلا أن يحمل ذلك الأمر على ما تقدّم، وبهذا قال جمهور الفقهاء: مالكٌ، والشافعيّ، والكوفيّون، وغيرهم، وأهل الظاهر، وقد كره ذلك قومٌ، لا مبالاة بقولهم للأحايث الصحيحة في هذا الباب انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (٢). (أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا) زاد في رواية سفيان المذكورة: "فإن في أعين الأنصار شيئًا". قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: هكذا الرواية المشهورة: "شيئًا" بالهمز، وهو واحد الأشياء. قيل: المراد صغرٌ. وقيل: زُرْقةٌ. انتهى.

стр. 13809

وقال الغزاليّ في "الإحياء": اختلف في المراد بقوله: "شيئًا"، فقيل: عَمَشٌ. وقيل: صغرٌ. قال الحافظ: الثاني وقع في رواية أبي عوانة في "مستخرجه"، فهو المعتمد انتهى (١). وزاد مسلم من رواية يحيى بن معين، عن مروان بن معاوية: قال: قد نظرتُ إليها، قال: "على كم تزوّجتها؟ "، قال: على أربع أواقٍ، فقال النبيّ ﷺ : "على أربع أواق؟، كأنما تَنْحتون الفضّة من عُرْض هذا الجبل، ما عندنا ما نُعطيك، ولكن عسى أن نبعثك في بعثٍ، تُصيب منه"، قال: فبعث بعثًا إلى بني عبس، بعث ذلك الرجل فيهم. وقوله: "من عُرض الخ" العرض -بضم المهملة، فسكون الراء-: هو الجانب والناحية. و"تنحتون" -بكسر الحاء المهملة-: أي تقطعون. ومعنى هذا الكلام: كراهة إكثار المهر بالنسبة إلى حال الزوج (٢). وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وهذا الإنكار منه ﷺ على هذا الرجل المتزوّج على أربعة أواق ليس إنكارًا لأجل المغالاة، والإكثار في المهر، فإنه ﷺ قد أصدق نساءه خمسمائة درهم، وأربعةُ أواق مائة وستّون درهمًا، وإنما أنكر بالنسبة إلى حال الرجل، فإنه كان فقيرًا في تلك الحال، فأدخل نفسه في مشقّة تَعَرَّضَ للسؤال بسببها، ولذلك قال له: "ما عندنا ما نعطيك"، ثم إن النبيّ ﷺ بكرم أخلاقه، ورأفته، ورحمته جبر منكسر قلبه بقوله: "ولكن عسى أن نبعثك في بعث، فتُصيب منه". يعني سريّةً في الغزو، فبعثه، فأصاب حاجته ببركة النبيّ ﷺ انتهى (٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٧/ ٣٢٣٥، و ٢٣/ ٣٢٤٧ و ٣٢٤٨ - وفي "الكبرى" ١٧/ ٥٣٤٥ و ١٨/ ٥٣٤٧ و ٥٣٤٨. وأخرجه (م) في "النكاح" ١٤٢٤ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٧٧٨٣ و ٧٩١٩. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 13810

(المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو إباحة نظر الخاطب مخطوبته قبل أن يتزوّجها؛ وذلك ليكون داعيًا لنكاحها، أو دافعًا لتركها، كما بينه ﷺ في الحديث التالي بقوله: "فإنه أجدر أن يُؤْدَم بينكما". (ومنها): أن هذا مما يُستثى من تحريم نظر وجه الأجنبيّة للضرورة. (ومنها): أن فيه فضلَ الشريعة السمحة، وإحكام توجيهاتها، حيث تراعي مصالح العباد التي تنتظم بها معاشهم، ومعادهم، من غير حصول ندم، وتحسّر على الفائت، فإن الذي يتسارع إلى نكاح امرأة من غير نظر إليها، وتروٍّ في شأنها كثيرًا ما يقع في عكس مراده، إذا لم تعجبه المرأة، ولم تنبسط نفسه إليها، فيؤدّي ذلك إلى فراقها، وإلحاق الضرر بها بقطع أطماعها، فتلافيًا لمثل هذه الأخطار شرع الشارع الحكيم النظر إلى المخطوبة قبل النكاح، وإن كانت أجنبيّة دفعًا لأشدّ المفسدتين بأخفّهما. فما أجمل هذا التشريع، وما أحكمه؟. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في حكم النظر إلى المرأة قبل النكاح: قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: ذهب مالك، وأبو حنيفة، وسائر الكوفيين، والشافعيّ، وأحمد، وجماهير العلماء، إلى استحباب النظر إلى من يريد تزويجها. وحكى القاضي عياض عن قوم كراهته، وهذا خطأ، مخالفٌ لصريح هذا الحديث، ومخالفٌ لإجماع الأمة على جواز النظر للحاجة عند البيع، والشراء، والشهادة، ونحوها. قال: ثمّ إنه إنما يباح له النظر إلى وجهها، وكفّيها فقط؛ لأنهما ليسا بعورة، ولأنه يُستدلّ بالوجه على الجمال، أو ضدّه، وبالكفّين على خُصُوبة البدن، أو عدمها. قال: هذا مذهبنا، ومذهب الأكثرين. وقال الأوزاعيّ: ينظر إلى مواضع اللحم. وقال داود: ينظر إلى جميع بدنها. وهذا خطأٌ ظاهرٌ، منابذ لأصول السنّة، والإجماع. قال: ثم مذهبنا، ومذهب مالك، وأحمد، والجمهور أنه لا يُشترط في جواز النظر رضاها، بل له ذلك في غفلتها، ومن غير تقدّم إعلام. لكن قال مالك: أكره نظره في غفلتها، مخافة وقوع نظره على عورة. وعن مالك رواية ضعيفة أنه لا ينظر إليها إلا بإذنها. وهذا ضعيفٌ؛ لأن النبيّ ﷺ قد أذن في ذلك مطلقًا، ولم يشترط استئذانها؛ ولأنها تستحيي غالبًا من الإذن، ولأن في ذلك تغريرًا، فربما رآها، فلم تُعجبه، فيتركها، فتنكسر، وتتأذّى. ولهذا قال أصحابنا: يستحبّ أن يكون نظره إليها قبل الخِطْبة، حتى إن كرهها تركها من غير إيذاء، بخلاف ما إذا تركها بعد الخِطبة. انتهى

стр. 13811

كلام النوويّ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحقّ أن النظر جائز، مطلقًا، فتقييد النظر بالوجه والكقين مخالفٌ لظاهر الحديث، وبهذا يقول داود، وابن حزم، وهو رواية عن أحمد أيضًا، قال ابن القيّم في (تهذيب السنن) وقال: داود: ينظر إلى سائر جسدها، وعن أحمد ثلاث روايات: إحدهنّ ينظر إلى وجهها ويديها. والثانية: ينظر ما يظهر غالبًا، كالرقبة، والساقين، ونحوهما. والثالثة: ينظر إليها كلها عورة، وغيرها، فإنه نصّ عن أحمد على أنه يجوز أن ينظر إليها متجرّدة. انتهى (١). وقال ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى- في "المغني": قال أحمد في رواية حنبل: لا بأس أن ينظر إليها، وإلى ما يدعوه إلى نكاحها، من يد، وجسمٍ، ونحو ذلك. قال أبو بكر- يعني المروزيّ-: لا بأس أن ينظر إليها عند الخِطْبة حاسرةً. قال: ووجه جواز النظر إلى ما يظهر غالبًا أن النبيّ ﷺ لَمّا أذن في النظر إليها من غير علمها، عُلم أنه أذن في النظر إلى جميع ما يظهر عادةً؛ إذ لا يمكن إفراد الوجه بالنظر مع مشاركة غيره له في الظهور؛ ولأنه يظهر غالبًا، فأُبيح النظر إليه كالوجه؛ ولأنها امرأة أُبيح النظر إليها بأمر الشارع، فأبيح النظر منها إلى ذلك كذوات المحارم انتهى (٢). وقال أبو محمد بن حزم -رحمه اللَّه تعالى- في "المحلَّى": ومن أراد أن يتزوّج امرأةً حرّةٌ، أو أمة فله أن ينظر منها متغفّلاً لها، وغير متغفّلٍ إلى ما بطن منها، وظهر. قال: وقد اختلف الناس في ذلك، فصحّ عن ابن عمر إباحة النظر إلى ساقها، وبطنها، وظهرها، ويضع يده على عجزها، وصدرها، ونحو ذلك عن عليّ، ولم يصحّ عنه، وصحّ عن أبي موسى الأشعريّ إباحة النظر إلى ما فوق السرّة، ودون الركبة انتهى (٣). والحاصل أن الصواب إطلاق الجواز، فقد أخرج أحمد في "مسنده" ما هو صريح في إطلاق الجواز، وإن كانت غافلة، فقال -رحمه اللَّه تعالى-: حدثنا أبو كامل، حدثنا زهير، حدثنا عبد اللَّه بن عيسى، حدثني موسى بن عبد اللَّه ابن يزيد، عن أبي حميد، أو أبي حميدة -قال: وقد رأى رسول اللَّه ﷺ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا خطب أحدكم امرأة، فلا جناح عليه أن ينظر إليها، إذا كان إنما ينظر إليها لخطبته، وإن كانت لا تَعلَم". وهذا إسناد صحيح، والشكّ في الصحابيّ لا يضرّ، فقد صرّح بجواز رؤيتها، وإن

стр. 13812

كانت غافلة. وأيضًا فالنبيّ ﷺ حينما قال للصحابي: "انظر إليها" ما حدّد له موضعًا للنظر، بل أطلق، وقد تأيد هذا بعمل راويه الصحابيّ ﵁، فقد صحّ أن جابرًا ﵁ تخبّأ لمخطوبته حتى ينظر إليها غافلة، فنظر إليها، فأعجبته، فنكحها. وُيروى أيضًا عن محمد بن مسلمة الأنصاريّ ﵁، وفي سنده حجاج بن أرطاة، وهو ضعيف، ورواه ابن حبّان في "صحيحه"، وفيه ضعف أيضًا، غير أن للحديث طرقًا يتقوّى بمجموعها (١). وقد صحّ فعله عن عمر ﵁، فقد أخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن أبي عمر، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن عليّ ابن الحنفيّة، أن عمر ﵁ خطب إلى عليّ ابنته أمّ كلثوم، فذكر له صغرها، فقيل له: إنه ردّك، فعاوده، فقال له عليّ: أبعثُ بها إليك، فإن رضيتَ، فهي امرأتك، فأرسل بها إليه، فكشف عن ساقها، فقالت: مَهْ، لولا أنك أمير المؤمنين لصككتُ عينيك" (٢). فقد كشف عمر بن الخطاب ﵁ عن ساق مخطوبته، ولذا قال الحافظ في "التلخيص": وهذا يُشكل على من قال: إنه لا ينظر غير الوجه والكفّين. وقال بعض المحقّقين: وتأيّد ذلك بعمل الصحابة ﵃، ومنهم محمد بن مسلمة، وجابر بن عبد اللَّه، فإن كلًّا منهما قد تخبّأ لخطيبته ديرى منها ما يدعوه إلى نكاحها، أفيظنّ بهما عاقلٌ أنهما تخبّآ للنظر إلى الوجه والكفّين فقط، ومثل عمر بن الخطّاب الذي كشف عن ساقي أم كلثوم بنت عليّ ﵁. فهؤلاء ثلاثة من كبار الصحابة، أحدهم الخليفة الراشد أجازوا النظر إلى أكثر من الوجه والكفّين، ولا مخالف لهم من الصحابة فيما أعلم انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تلخّص مما ذُكر من الأقوال في هذه المسألة، وأدلّتها أن إطلاق جواز النظر إلى المخطوبة، سواء كان كفيها، ووجهها، أو غيرهما من بدنها، وسواء كان بإذنها، أو لا، هو الحقّ الموافق لظواهر أحاديث الباب، وعمل هؤلاء الصحابة ﵃، فقد فعله عمر، وجابر، ومحمد بن مسلمة، وصحّ القول به عن ابن عمر، وأبي موسى الأشعريّ، كما تقدّم لي كلام ابن حزم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: قال: أصحابنا: وإذا لم يمكنه النظر إليها

стр. 13813

استُحبّ له أن يبعث امرأةَ يَثِق بها تنظر إليها، وتخبره، ويكون ذلك قبل الخطبة؛ لما ذكرناه انتهى كلام النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: يؤيّد ما قالوه: ما أخرجه أحمد، والطبرانيّ، والحاكم، والبيهقيّ من حديث أنس ﵁: أنه ﷺ بعث أمّ سُليم إلى امرأة، فقال: "انظري إلى عرقوبها، وشُمّي عوارضها"، ولفظ الطبرانيّ: "وشُمِّي معاطفها". واستنكره أحمد، والمشهور فيه طريق عُمارة، عن ثابت، عنه. ورواه أبو داود في "المراسيل" عن موسى بن إسماعيل، عن حماد، عن ثابت. ووصله الحاكم من هذا الوجه بذكر أنس فيه، وتعقّبه البيهقيّ بأن ذكر أنس فيه وَهَم. قال: ورواه أبو النعمان، عن حماد مرسلاً، قال: ورواه محمد بن كثير الصنعانيّ، عن حماد موصولاً. قاله الحافظ في "التلخيص" (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: يتبيّن مما ذُكر أن الأرجح في الحديث الإرسال. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (فائدة): روى عبد الرزّاق في "الأمالي" -٢/ ٤٦/١ - بسند صحيح، عن ابن طاوس، قال: أردت أن أتزوّج امرأةً، فقال لي أبي: اذهب، فانظر إليها، فذهبت، فغلست رأسي، وترجّلت، ولبست من صالح ثيابي، فلما رآني في تلك الهيئة قال: لا تذهب انتهى (٣). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن منع طاوس لابنه أن يذهب متزيّنًا خشية أن تغترّ المرأة بذلك، فتقع في الندم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [فائدة آخرى]: كتب الشيخ الألباني حفظه تعالى كلامًا نفيسًا مهما، قال في "السلسلة الصحيحة" -١/ ١٥٨ - بعد تخريجه أحاديث الباب: ما نصّه: هذا: ومع صحّة الأحاديث في هذه المسألة، وقول جماهير العلماء بها -على الخلاف السابق- فقد أعرض كثير من المسلمين في العصور المتأخّرة عن العمل بها، فإنهم لا يسمحون للخاطب بالنظر إلى فتاتهم -ولو في حدود القول الضيّق- تورّعًا منهم- زعموا-، ومن عجائب الورع البارد أن بعضهم يأذن لابنته بالخروج إلى الشارع سافرةً بغير حجاب شرعيّ، ثم يأبى أن يراها الخاطب في دارها، وبين أهلها بثياب الشرع. وفي مقابل هؤلاء بعض الآباء المستهترين الذين لا يَغارون على بناتهم، تقليدًا منهم

стр. 13814

لأسيادهم الأوربيين، فيسمحون للمصوّر أن يصوّرهنّ، وهنّ سافرات سُفورًا غير مشروع، والمصوّر رجل أجنبيّ عنهنّ، وقد يكون كافرًا، ثم يقدّمون صورهنّ إلى بعض الشبّان بزعم أنهم يريدون خطبتهنّ، ثم ينتهي الأمر على غير خِطبة، وتظلّ صور بناتهم معهم، ليتغزّلوا بها، وليُطفئوا حرارة الشباب بالنظر إليها، ألا فتعسًا للآباء الذين لا يَغارون. وإنا للَّه، وإنا إليه راجعون انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٢٣٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رِزْمَةَ (١) , قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمٌ (٢) , عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ, عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ, قَالَ: خَطَبْتُ امْرَأَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ , فَقَالَ: النَّبِيُّ ﷺ : «أَنَظَرْتَ إِلَيْهَا؟» , قُلْتُ: لَا, قَالَ: «فَانْظُرْ إِلَيْهَا, فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن عبد العزيز بن أبي رِزمة) -بكسر الراء، وسكون الزاي- بن غزوان- بفتح المعجمة، وسكون الزاي- أبو عمرو المروزيّ ثقة [١٠] ٤٧/ ٦٠٢. ٢ - (حفص بن غياث) بن طلق بن معاوية النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ، القاضي، ثقة فقيه تغيّر حفظه قليلاً في الآخر [٨] ٨٦/ ١٠٥. ٣ - (عاصم) بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقة [٤] ١٤٨/ ٢٣٩. ٤ - (بكر بن عبد اللَّه المزنيّ) أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقة ثبت جليل [٣] ٨٧/ ١٠٧. ٥ - (المغيرة بن شعبة) بن مسعود بن معتب الثقفي الصحابي المشهور، أسلم ﵁ قبل الحديبية، وولي إمرة البصرة، ثم الكوفة، مات سنة (٥٠) على الصحيح، تقدمت ترجمته ١٦/ ١٧. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فمروزيّ وشيخ شيخه فكوفيٌّ. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 13815

شرح الحديث (عَنِ الْمُغِيرَةِ بن شُعْبَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: خَطَبْتُ امْرَأَةً عَلَى عَهْدِ) أي في وقت (رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: النَّبِيُّ ﷺ : "أَنَظَرْتَ إِلَيْهَا؟ "، قُلتُ: لَا، قَالَ: "فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَإنَّهُ أَجْدَرُ) أفعل تفضيل، من جدُر، من باب كرُم، يقال: هو جديرٌ بكذا، ولكذا: أَي خَليقٌ له، والجمع جَديرون، وجُدَراءُ، والأنثى جَديرة. أفاده في "اللسان" (أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا) بالبناء للمفعول، من أَدَمَ يَأْدِمُ أَدْمًا، بلا مدّ، من باب ضرب، أو من آدم بالمدّ يُؤْدِمُ إيدامًا، أي يوفَّقَ، ويؤلّف بينكما. قال ابن الأثير: أي تكون بينكما المحبّة والاتفاق، يقال: أَدَم اللَّه بينهما يَأْدِم أَدمًا بالسكون- من باب ضرب-: أي ألّف، ووفّق، وكذلك آدم يُؤْدِم بالمدّ، فَعَلَ، وأَفْعَلَ انتهى (١). وقال في "اللسان": "الأُدْمُ": الأُلفة، والاتفاقُ، وأَدَم اللَّهُ بينهم يَأْدِمُ أَدْمًا، ويقال: آدم بينهما يُؤْدِمُ إِيدامًا أيضًا، فَعَلَ، وأَفعَلَ بمعنًى، وأنشد: وَالْبِيضُ لَا يُؤْدِمْنَ إِلاَّ مُؤْدَمًا أي لا يُحْبِبْنَ إلا مُحبّبًا موضعاً لذلك. قال: وقال الكسائيّ في معنى الحديث: "يُؤدَمُ بينكما" يعني أن تكون بينهما المحبّة والاتفاق. قال أبو عبيد: لا أرى الأصل فيه إلا من أَدمِ الطعام لأن صلاحه وطيبه إنما يكون بالإدام، ولذلك يقال: طعامٌ مأدُومٌ انتهى. وأخرج حديث المغيرة هذا الإمام أحمد في "مسنده"، والبيهقيّ في "سننه"، مطوّلاً، ولفظ أحمد- ٤/ ٢٤٤ و ٢٤٥: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن عاصم الأحول، عن بكر بن عبد اللَّه المزني، عن المغيرة بن شعبة، قال: "أتيت النبيّ ﷺ ، فذكرت له امرأة أخطبها، فقال: "اذهب، فانظر إليها، فإنه أجدر أن يُؤْدَمَ بينكما"، قال: فأتيت امرأة من الأنصار، فخطبتها إلى أبويها، وأخبرتهما بقول رسول اللَّه ﷺ ، فكأنهما كرها ذلك، قال: فسَمِعَتِ ذلك المرأة، وهي في خِدْرِها، فقالت: إن كان رسول اللَّه ﷺ أمرك أن تنظر، فانظر، وإلا، فإني أنشدك، كأنها أعظمت ذلك عليه، قال: فنظرت إليها، فتزوجتها، فذكر من موافقتها. وفي رواية البيهقيّ -٧/ ٨٤ - ٨٥ - : "فقلت: إن رسول اللَّه ﷺ أمرني أن أنظر إليها، قال: "فسكتا، قال: فرفعت الجارية جانب الخدر، فقالت: أُحرّج عليك إن كان رسول اللَّه ﷺ أمرك أن تنظر إليّ، لَمّا نظرتَ، وإن كان رسول اللَّه ﷺ لم يأمرك أن

стр. 13816

تنظر إليّ فلا تنظر، قال: فنظرت إليها، ثم تزوّجتها، قال: فما وقعت عندي امرأة بمنزلتها، ولقد تزوّجتُ سبعين -أو بضعًا وسبعين امرأة انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث المغيرة بن شُعبة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٧/ ٣٢٣٦ - وفي "الكبرى" ١٧/ ٥٣٤٦. وأخرجه (ت) في "النكاح" ١٠٨٧ (ق) في "النكاح" ١٨٦٦ (أحمد) في "مسند الكوفيين" ١٧٦٧١ و ١٧٦٨٨ (الدارميّ) في "النكاح" ٢١٧٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٨ - (التَّزْوِيجُ فِي شَوَّالٍ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "شَوَّال" بفتح الشين المعجمة، وتشديد الواو. قال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: و"شوّالٌ" شهر عيد الفطر، وجمعه شوّالات، وشواويلُ، وقد تدخله الألف واللام. قال ابن فارس: وزعم ناسٌ أن الشّوّال سُمي بذلك لأنه وافق وقتًا تَشُول فيه الإبلُ. انتهى. وقال ابن منظور -رحمه اللَّه تعالى-: وشَوّالٌ من أسماء المشهور، معروفٌ، اسم الشهر الذي يلي شهر رمضان، وهو أول أشهر الحجّ، قيل: سُمِّي بتشويل لبن الإبل، وهو تَولّيهِ، وإدباره، وكذلك حال الإبل في اشتداد الحرّ، وانقطاع الرّطْب. وقال الفرّاء: سُمّي بذلك لِشَوَلَان الناقة فيه بذنَبِها، والجمع شَوَاويل على القياس، وشَوَاوِل على طرح الزائد، وشوَالات. وكانت العرب تَطَيَّرُ من عقد النكاح فيه، وتقول: إن المنكوحة تمتنع من ناكحها كما تمتنع طَرُوقة الجَمَل إذا لَقِحَت، وشالت بذَنَبِها، فأبطل النبيّ ﷺ طِيَرَتَهم انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٢٣٧ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ سُفْيَانَ, قَالَ: حَدَّثَنِي

стр. 13817

إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي شَوَّالٍ, وَأُدْخِلْتُ عَلَيْهِ فِي شَوَّالٍ -وَكَانَتْ عَائِشَةُ, تُحِبُّ أَنْ تُدْخِلَ نِسَاءَهَا فِي شَوَّالٍ- فَأَيُّ نِسَائِهِ كَانَتْ أَحْظَى عِنْدَهُ مِنِّي"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عُبَيدُ اللَّه بن سَعِيدِ) أبو قدامة السرخسيّ، ثقة ثبت سنّيّ [١٠] ١٥/ ١٥. ٢ - (يحيي) بن سعيد القطّان البصريّ، ثقة ثبت حجة [٩] ٤/ ٤. ٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه حجة [٧] ٣٣/ ٣٧. ٤ - (و"إسماعيل بن أُميّة) بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية الأمويّ، ثقة ثبت [٦] ١٦/ ٢٤٦٨. ٥ - (عبد اللَّه بن عروة) بن الزبير بن العوّام، أبي بكر الأسديّ، ثقة ثبت فاضلٌ [٣]. قال أبو حاتم، والنسائيّ: ثقة. وقال الدارقطنيّ: ثقة أحد الأثبات. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال أحمد بن صالح المصريّ: ليس بينه وبين أبيه في السنّ إلا خمس عشرة سنة. وقال الزبير بن بكّار: كان له عقلٌ، وحزمٌ، ولسان، وفضلٌ، وشرفٌ، وكان يُشبه عبد اللَّه بن الزبير في لسانه، بلغ خمسًا، أو ستًا وتسعين سنة. وقال مصعبٌ الزبيريّ: كان عبد اللَّه بن الزبير يقول لعروة: ولدتَ لي، يريد أن عبد اللَّه بن عروة يشبهه، وزوّجه ابنته أم حكيم بعد أن خطبها معاوية على ابنه يزيد. وقال يوسف بن يعقوب الماجشون: كنت مع أبي في حاجة، فلما انصرفنا قال لي: هل لك في هذا الشيخ، فإنه من بقايا قريش، وأنت واجدٌ عنده ما شئت من حديث، ونُبْل رأيٍ، يريد عبد اللَّه بن عروة. بقي إلى أواخر دولة بني أميّة، وكان مولده سنة (٤٥). روى له الجماعة، سوى أبي داود، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، أورده في موضعين: هنا ١٨/ ٣٢٣٧ وفي ٧٧/ ٣٣٧٧. ٦ - (عروة) بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٤٠/ ٤٤. ٧ - (عائشة) - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن خالته، وتابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه أحد الفقهاء السبعة، عروة. (ومنها): أن فيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 13818

شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: "تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي شَوَّالٍ، وَأُدْخِلْتُ) بالبناء للمفعول (عَلَيْهِ فِي شَوَّالٍ) ولمسلم: "وبنى بي في شوّال". قال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: إنما قالت عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - ذلك لتردّ به قول من كان يَكره عقدَ النكاح في شهر شوّال، ويتشاءم به من جهة أنّ شوّالاً من الشَّوْل، وهو الرفع، ومنه شالت الناقة بذنبها، وقد جعلوه كنايةً عن الهلاك؛ إذ قالوا: شالت نعامتهم: أي هلكوا، فشوّالٌ معناه كثير الشول، فإنه للمبالغة، فكأنهم كانوا يتوهّمون أن كلّ من تزوّج في شوّال منهنّ شال الشنآن بيها وبين الزوج، أو شالت نفرته، فلم تحصل لها حظوةٌ عنده، ولذلك قالت عائشة رادّةً لذلك الوهم: "فأيّ نسائه كان أحظى عنده منّي". أي لم يضرّني ذلك، ولا نقص من حظوتي انتهى (١) (وَكَانَتْ عَائِشَةُ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (تُحِبُّ أَنْ تُدْخِلَ نِسَاءَهَا) أي نساء قومها على أزواجهنّ (في شَوّالٍ) تبرّكًا بما حصل لها فيه من الخير برسول اللَّه ﷺ ، ومن الحظوة عنه، ولمخالفة ما يقوله الجهّال من ذلك. قال القرطبيّ: ومن هذا النوع كراهة الجهّال عندنا اليومَ عقد النكاح في شهر المحرّم، بل ينبغي أن يُتيمّن بالعقد والدخول فيه؛ تمسّكًا بما عظّم اللَّه ، ورسوله ﷺ من حرمته، ورَدْعًا للجهّال عن جهالاتهم انتهى. [تنبيه]: جملة: "وكانت عائشة تُحبّ أن تُدخل نساءها في شوّال" ليست في "الكبرى"، وهي في رواية المصنّف معترضة بين قولها: "وأدخلت عليه في شوّال"، وقولها: "فأيّ نسائه الخ". وقد ساقه على الوجه مسلم في "صحيحه"، من طريق وكيع، عن سفيان، عن إسماعيل بن أمية، ولفظه: "تزوّجني رسول اللَّه ﷺ في شوّال، وبنى بي في شوّال، فأيُّ نساء النبيّ- ﷺ كان أحظى عنده منّي، قال: وكانت عائشة تستحبّ أن تُدخل نساءها في شوّال". (فَأَيُّ نِسَائِهِ) ﷺ ، وهو اسم استفهام إنكاريّ، مبتدأ، خبره قوله (كَانَتْ أَحْظَى) أفعل تفضيل من الحظوة. يقال: حَظِيَ عند الناس يَحْظَى، من باب تَعِبَ حِظَةٌ، وزان عِدَةٍ، وحظوةً بضمّ الحاء، وكسرها: إذا أحبّوه، ورفعوا منزلته، فهو حَظِيٌّ، على فَعِيلٍ، والمرأة حَظِيةٌ، إذا كانت عند زوجها كذلك. قاله الفيّوميّ (عِنْدَهُ) ﷺ (مِنِّي) الظرف،

стр. 13819

والجاز والمجرور متعلّقان بـ"أحظى". والمعنى: لا أحد أكثر حظوة عند النبيّ ﷺ منّي، مع أنه ﷺ تزوّجني في شوّال، وبنى بي فيه، فبطل بذلك ما كان يزعمه الجاهليّة من التشاؤم بهذا الشهر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٨/ ٣٢٣٧ و ٧٧/ ٣٣٧٧ - وفي "الكبرى" ٢٠/ ٥٣٥٣ و ٩٩/ ٥٥٧٢. وأخرجه (م) في "النكاح" ١٤٢٣ (ت) في "النكاح" ١٠٩٣ (ق) في "النكاح" ١٩٩٠ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٣٧٥١ و ٢٥١٨٨ (الدارميّ) في "النكاح" ٢٢١١. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو استحباب التزويج في شهر شوّال، قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: فيه استحباب التزويج، والتزوّج، والدخول في شوّال. وقد نصّ أصحابنا على استحبابه، واستدلّوا بهذا الحديث انتهى. (ومنها): حرص النبيّ ﷺ على هو آثار الشرك، والاعتقادات الجاهليّة، حيث تزوّج عائشة في شوّال، وبنى بها فيه؛ لذلك، وكذلك كانت هي تحرص على إدخال نسائها فيه. (ومنها): أنه ينبغي لأهل العلم، ودعاة الخير الاجتهاد في إزالة ما كان عليه عادة الناس، من التشاؤم في بعض الشهور، أو الأيام، أو الأشخاص، فإن ذلك من آثار الشرك، وما أكثره اليوم في شتّى بقاع الأرض، بشتّى أنواع الخرافات، فلا حول ولا قوّة إلا باللَّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 13820

١٩ - (الْخِطْبَةُ فِي النِّكَاحِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على مشروعيّة خِطْبَةِ النساء لأجل نكاحهنّ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الْخِطْبة" هنا -بكسر الخاء المعجمة، وسكون الطاء المهملة- قال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: خاطبه مخاطبةً، وخِطابًا، وهو الكلام بين متكلّم وسامع، ومنه اشتقاق الخطبة -بضمّ الخاء، وكسرها باختلاف معنيين، فيقال في الموعظة: خَطَبَ القومَ، وعليهم، من باب قَتَلَ، خُطْبةً -بالضمّ- وهي فُعْلَةٌ بمعنى مَفْعُولةٍ، نحوُ نُسْخةٍ بمعنى منسوخةٍ، وغُرْفَةٍ من ماءٍ بمعنى مغروفة، وجمعها خُطَبٌ، مثلُ غرفة وغُرَفٍ، فهو خَطِيبٌ، والجمع الخُطَباءُ، وهو خَطِيبُ القوم، إذا كان هو المتكلّمَ عنهم. وخَطَبَ المرأةَ إلى القوم: إذا طلب أن يتزوّج منهم، واختطبها، والاسم الْخِطْبَةُ-بالكسر- فهو خاطبٌ، وخَطّابٌ مبالغةٌ، وبه سُمِّي، واختطبه القومُ: دعوه إلى تزويج صاحبتهم انتهى. واستدلال المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بالحديث على الترجمة واضحٌ؛ فقد خطب جماعة من الصحابة ﵃ فاطمة بنت قيس - رضي اللَّه تعالى عنها -، وخطبها النبيّ ﷺ لأسامة بن زيد ﵁. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٢٣٨ - (أَخْبَرَنِي (١) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلاَّمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ, قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي, قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ, قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ, قَالَ: حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ شَرَاحِيلَ الشَّعْبِيُّ, أَنَّهُ سَمِعَ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ, - وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الأُوَلِ, قَالَتْ: خَطَبَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ, فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ , وَخَطَبَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى مَوْلَاهُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ, وَقَدْ كُنْتُ حُدِّثْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , قَالَ: «مَنْ أَحَبَّنِي فَلْيُحِبَّ أُسَامَةَ» , فَلَمَّا كَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ , قُلْتُ: أَمْرِي بِيَدِكَ, فَأَنْكِحْنِي مَنْ شِئْتَ, فَقَالَ: «انْطَلِقِي إِلَى أُمِّ شَرِيكٍ» , وَأُمُّ شَرِيكٍ امْرَأَةٌ غَنِيَّةٌ, مِنَ الأَنْصَارِ, عَظِيمَةُ النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ , يَنْزِلُ عَلَيْهَا الضِّيفَانُ, فَقُلْتُ: سَأَفْعَلُ, قَالَ: «لَا تَفْعَلِي, فَإِنَّ أُمَّ شَرِيكٍ, كَثِيرَةُ الضِّيفَانِ, فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَسْقُطَ عَنْكِ خِمَارُكِ, أَوْ يَنْكَشِفَ الثَّوْبُ عَنْ سَاقَيْكِ, فَيَرَى الْقَوْمُ مِنْكِ بَعْضَ مَا تَكْرَهِينَ, وَلَكِنِ انْتَقِلِي إِلَى ابْنِ عَمِّكِ, عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ» , وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فِهْرٍ, فَانْتَقَلْتُ إِلَيْهِ. مُخْتَصَرٌ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدم للمصنّف

стр. 13821

-رحمه اللَّه تعالى- في -٨/ ٣٢٢٣ - باب "تزوّج المولى العربيّة"، وتقدّم شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. و"عبد الرحمن بن محمد بن سلاّم": هو أبو القاسم البغداديّ، ثم الطَّرَسُوسيّ، لا بأس به [١١] ١٧٢/ ١١٤١. و"عبد الصمد بن عبد الوارث": هو التَّنُّوريّ، أبو سهل البصريّ، صدوق [٩] ١٢٢/ ١٧٤. و"أبوه": هو عبد الوارث بن سعيد، أبو عُبيدة التَّنُّوري البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٦/ ٦. و"حُسينٌ المعلّم": هو ابن ذكوان المكتب العَوْذيّ البصريّ، ثقة ربما وهم [٦] ١٢٢/ ١٧٤. و"عبد اللَّه بن بُريدة": هو الأسلميّ، أبو سهل المروزيّ القاضي، ثقة [٣] ٢٥/ ٣٩٣. و"عامر الشعبيّ": هو ابن شراحيل، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة مشهور فقيه فاضل [٣] ٦٦/ ٨٢. وقوله: "فأنكني من شئت" هو من الإنكاح رباعيًّا، أي زوَّجني أيَّ شخص، كان، أسامة، أو غيره. وقوله: "فقال: انطلقي الخ" بالفاء في معظم النسخ، وفي بعضها بدونها، قال السنديّ: وهو الظاهر فإن هذا رجوع إلى أول القصّة، وإلى ما جرى قبل الْخِطْبة، حال العدّة، فالفاء لا تناسبه، والمراد قال قبل ذلك حال بقاء العدّة انتهى (١). وقوله: "غَنيّةٌ" -بفتح العين المعجمة، وكسر النون- من الغِنَى، وهو كثرة المال، وهو صفة لـ"امرأة". وذكر السنديّ أنه "امرأة عتيّة"، قال: ضُبط بالإضافة، وعتيّة بعين مهملة مضمومة، ومثناة فوقية مفتوحة، وياء مشدّدة، والأقرب إلى الأذهان أن يكون بالتوصيف، وغنيّة بالغين المعجمة، والنون انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي ذكره لم أجدة في النسخ التي بين يديّ من "المجتبى"، ولا من "الكبرى"، ولا يظهر له معنى على الوجه الذي ذكره من الضبط، فليُحرّر. وقوله: "كثيرة الضيفان" بكسر الضاد جمع ضيف. وقوله: "مختصر" خبر لمحذوف، أي هذا الحديث مختصر من حديث طويل لفاطمة بنت قيس - رضي اللَّه تعالى عنها -، وقد تقدّم بطوله في شرح الحديث رقم -٨/ ٣٢٢٣ - فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 13822

٢٠ - (النَّهْيُ أَنْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ) ٣٢٣٩ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «لَا يَخْطُبْ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ بَعْضٍ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (الليث) بن سعد الإمام المصريّ الثقة الثبت الحجة [٧] ٣١/ ٣٥. ٣ - (نافع) مولى ابن عمر المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ١٢/ ١٢. ٤ - (ابن عمر) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢ واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو أعلى الأسانيد له، وهو (١٦١) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه مصريين، ومدنيين. (ومنها): أن فيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "لَا يَخْطُبُ أَحَدُكُمْ) بالرفع على أن "لا" نافية، وبالجزم على أنها ناهية، والأول أبلغ في المنع (عَلَى خِطْبَةِ بَعْضٍ) وفي رواية ابن جريج الآتية: "لا يخطب الرجل على خطبة الرجل". وظاهره أنه لا يجوز للرجل أن يخطب على خطبة الفاسق، ولا الكافر، نحو أن يخطب ذمّيّةً، فلا يجوز لمن يجوز نكاحها أن يخطبها. لكن هذا الإطلاق مقيّد بقوله في حديث أبي هريرة ﵁: "لا يخطب الرجل على خطبة أخيه"؛ لأنه لا أخوّة بين المسلم والكافر. وبقوله في حديث عقبة ﵁: "المؤمن أخو المؤمن … " الحديث، فإنه يخرج بذلك الفاسق. وإلى المنع من الخِطبة على خطبة الكافر والفاسق ذهب الجمهور، قالوا: والتعبير بالأخ خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له. وذهب الأوزاعيّ، وجماعة من الشافعيّة إلى أنها تجوز الخِطبة على خطبة الكافر. وهو الراجح، كما سيأتي في المسألة

стр. 13823

السادسة، إن شاء اللَّه تعالى (١). وزاد في الرواية الآتية من طريق ابن جريج، عن نافع: "حتى يترك الخاطب قبله، أو يأذن له الخاطب". أي حتى يأذن الأول للثاني. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٠/ ٣٢٣٩ و ٢١/ ٣٢٤٤ وفي "البيوع" ٢٠/ ٤٥٠٤ و ٤٥٠٥ - وفي "الكبرى" ٢١/ ٥٣٥٤ و ٢٣/ ٥٣٦٠ وفي "البيوع" ١٩/ ٦٠٩٤ و ٦٠٩٥. وأخرجه (خ) في "النكاح" ٥١٤٢ و"البيوع" ١٤١٢ (د) في "البيوع" ٣٤٣٦ (ت) في "البيوع" ١٢٩٢ (ق) في "النكاح" ١٨٦٨ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٤٧٠٨ و ٦٠٢٤ و ٦٠٥٢ و ٦١٠٠ و ٦٣٧٥ (الموطأ) في "النكاح" ١١١٢ (الدارميّ) في "النكاح" ٢١٧٦. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان النهي عن أن يخطب الرجل على خطبة أخيه، والنهي للتحريم. (ومنها): أن النهي إذا لم يترك الأول، أو لم يأذن له، وإلا فلا نهي. (ومنها): أن فيه فضيلة الإسلام، وأنه تشريع ربانيّ جاء لإصلاح الفرد والمجتمع، فهو دئمًا يحثّ على الألفة والمودّة، وُيبعد كلّ ما من شأنه إحداث التباغض، والتعادي بين المسلمين، فلذلك نهى عن خِطبة المسلم على خطبة أخيه؛ لئلا يحصل بينهما شقاق، وتنافر، فواجب المسلم نحو أخيه التودّد إليه بكلّ ما يستطيع، والقيام بنصرته، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ الآية [الحجرات: ١٠]. وقال النبيّ ﷺ : "المؤمن للمؤمن كالبيان يشدّ بعضه بعضًا" متّفق عليه. وقوله ﷺ : "مثل المؤمنين في توادّهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى". متّفق عليه. وأخرج مسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد اللَّه إخوانا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه،

стр. 13824

ولا يخذُله، ولا يحقره، التقوى هاهنا، ويشير إلى صدره ثلاث مرات، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كلّ المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في حكم الْخِطْبَة على الخِطبة: ذهب الجمهور إلى أن النهي في هذا الحديث للتحريم. وقال الخطّابيّ: هو نهي تأديب، وليس بنهي تحريم، يُبطل العقد عند أكثر الفقهاء. كذا قال. قال في "الفتح": ولا ملازمة بين كونه للتحريم، وبين البطلان عند الجمهور، بل هو عندهم للتحريم، ولا يبطل به العقد، بل حكى النوويّ أن النهي فيه للتحريم بالإجماع، ولكن اختلفوا في شروطه، فقال الشافعيّة، والحنابلة محلّ التحريم ما إذا صرّحت المخطوبة، أو وليّها الذي أذنت له، حيث يكون إذنها معتبرًا بالإجابة، فلو وقع التصريح بالردّ فلا تحريم، ولو لم يعلم الثاني بالحال فيجوز الهجوم على الخِطبة؛ لأن الأصل الإباحة. وعند الحنابلة في ذلك روايتان. وإن وقعت الإجابة بالتعريض، كقولها: لا رغبة عنك، فقولان عند الشافعيّة، الأصحّ -وهو قول المالكيّة، والحنفيّة- لا يحرم أيضًا. وإذا لم تردّ، ولم تقبل فيجوز، والحجة فيه قول فاطمة بنت قيس - رضي اللَّه تعالى عنها -: خطبني معاوية، وأبو الجهم، فلم ينكر النبيّ ﷺ ذلك عليهما، بل خطبها هو لأسامة بن زيد - رضي اللَّه تعالى عنهما -. وأشار النوويّ وغيره إلى أنه لا حجة فيه؛ لاحتمال أن يكونا خطبا معًا، أو لم يعلم الثاني بخِطبة الأول، والنبيّ ﷺ أشار بأسامة، ولم يخطب، وعلى تقدير أن يكون خطب، فكأنه لما ذكر لها ما في معاوية، وأبي جهم ظهر منها الرغبة عنهما، فخطبها لأسامة. وحكى الترمذيّ عن الشافعيّ أن معنى حديث الباب: إذا خطب الرجل المرأة، فرضيت به، وركنت إليه، فليس لأحد أن يخطب على خطبته، فإذا لم يعلم برضاها، ولا ركونها، فلا بأس أن يخطبها. والحجة فيه قصّة فاطمة بنت قيس، فإنها لم تخُبره برضاها بواحد منهما، ولو أخبرته بذلك لم يُشر عليها بغير من اختارت. فلو لم توجد منها إجابة، ولا ردّ، فقطع بعض الشافعيّة بالجواز، ومنهم من أجرى القولين. ونصّ الشافعيّ في البكر على أن سكوتها رضًا بالخاطب. وعن بعض المالكيّة: لا تمنع الخطبة إلا على خطبة من وقع بينهما التراضي على الصداق. وإذا وُجد شروط التحريم، ووقع العقد للثاني، فقال الجمهور: يصحّ مع ارتكاب التحريم. وقال داود: يُفسخ النكاح قبل الدخول وبعده. وعند المالكيّة خلافٌ

стр. 13825

كالقولين. وقال بعضهم؛ يُفسخ قبله، لا بعده. وحجة الجمهور أن المنهيّ عنه الخِطبة، والخطبة ليست شرطًا في صحّة النكاح، فلا يُفسخ النكاح بوقوعها غير صحيحة. وحكى الطبريّ عن أن بعض العلماء قال: إن هذا النهي منسوخٌ بقصّة فاطمة بنت قيس. ثم ردّه، وغلّطه بأنها جاءت مستشيرةً، فأُشير عليها بما هو الأولى، ولم يكن هناك خِطبة على خطبة، كما تقدّم. ثم إن دعوى النسخ في مثل هذا غلطٌ؛ لأن الشارع أشار إلى علّة النهي في حديث عقبة بن عامر ﵁ بالأخوة، وهي صفة لازمة، وعلّة مطلوبةٌ للدوام، فلا يصحّ أن يلحقها نسخٌ. واللَّه تعالى أعلم (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أرجح الأقوال عندي قول من قال ببطلان النكاح الذي عقد بالخطبة على الخطبة؛ لصريح النهى الوارد في الحديث، والنهي للتحريم، وهو أيضًا يقتضي الفساد، وليس هناك دليلٌ يدلّ على صرف النهي عن التحريم، والفساد إلى خلافهما، فوجب القول بالبطلان. وهذا القول هو الذي مال إليه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه اللَّه تعالى-، حيث قال: إذا خطب الرجل امرأةً، وركن إليه من إليه نكاحها، كالأب، فإنه لا يحلّ لغيره أن يخطبها. قال: ولكن العقد الثاني هل يقع صحيحًا، أو باطلاً؟ فيه قولان للعلماء: [أحدهما]: وهو أحد القولين في مذهب مالك، وأحمد أن عقد الثاني باطلٌ، فتنزع منه، وتردّ إلى الأوّل. [الثاني]: أن النكاح صحيح، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعيّ، فيعاقب من فعل المحرّم، ويردّ إلى الأول جميع ما أُخذ منه، والقول الأول أشبه بما في الكتاب والسنّة انتهى كلام شيخ الإسلام بالاختصار (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): أنه استُدلّ بحديث الباب على أن الخاطب الأول إذا أذن للخاطب الثاني في التزويج ارتفع التحريم، ولكن هل يختصّ ذلك بالمأذون له، أو يتعدّى لغيره؟ لأن مجرّد الإذن الصادر من الخاطب الأول دالّ على إعراضه عن تزويج تلك المرأة، وبإعراضه يجوز لغيره أن يخطبها، الظاهر الثاني، فيكون الجواز للمأذون له بالتنصيص، ولغير المأذون له بالإلحاق. ويؤيّده قوله: "أو يترك". وصرّح الرويانيّ من الشافعيّة بأن محلّ التحريم إذا كانت الخِطبة من الأول جائزة، فإن كانت ممنوعة

стр. 13826

كخطبة المعتدّة لم يضرّ الثاني بعد انقضاء العدّة أن يخطُبها، وهو واضح؛ لأن الأول لم يثبت له بذلك حقّ. قاله في "الفتح". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): أنه استُدلّ بقوله: "على خطبة أخيه" أن محلّ التحريم إذا كان الخاطب مسلمًا، فلو خطب الذميّ ذميّة، فأراد المسلم أن يخطبها جاز له ذلك مطلقًا، وهو قول الأوزاعيّ، ووافقه من الشافعيّة ابن المنذر، وابن جويرية، والخطّابيّ، ويؤيّده قوله في أول حديث عقبة بن عامر ﵁ عند مسلم: "المؤمن أخو المؤمن، فلا يحلّ للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطب على خِطبته حتى يَذَر". وقال الخطّابيّ: قطع اللَّه الأُخَوَّة بين الكافر والمسلم، فيختص النهي بالمسلم. وقال ابن المنذر: الأصل في هذا الإباحة حتى يرِدَ المنع، وقد ورد المنع مقيّدًا بالمسلم، فبقي ما عدا ذلك على أصل الإباحة. وذهب الجمهور إلى إلحاق الذميّ بالمسلم في ذلك، وأن التعبير بأخيه خرج على الغالب، فلا مفهوم له، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ الآية، وكقوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ الآية، ونحو ذلك. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما قاله الأوزاعيّ، ومن معه من أنّ هذا النهي خاصّ بالمسلم، دون الذميّ؛ عملاً بتقييده بالأخوّة، وبالإسلام هو الراجح. واللَّه تعالى أعلم. وبناه بعضهم على أن هذا المنهيّ عنه، هل هو من حقوق العقد، واحترامه، أو من حقوق المتعاقدين؟ فعلى الأول فالراجح ما قال الخطّابّي، وعلى الثاني فالراجح ما قال غيره. وقريبٌ من هذا البناء اختلافهم في ثبوت الشفعة للكافر، فمن جعلها من حقوق الملك أثبتها له، ومن جعلها من حقوق المالك منع. وقريبٌ من هذا البحث ما نُقل عن ابن القاسم، صاحب مالك أن الخاطب الأول إذا كان فاسقًا جاز للعفيف أن يخطُب على خِطبته. ورجحه ابن العربيّ منهم، وهو متّجه فيما إذا كانت المخطوبة عفيفةً، فيكون الفاسق غير كفء لها، فتكون خطبته كلا خِطْبة. ولم يعتبر الجمهور ذلك إذا صدرت منها علامة القبول. وقد أطلق بعضهم الإجماع على خلاف هذا القول. ويلتحق بهذا ما حكاه بعضهم من الجواز إذا لم يكن الخاطب الأول أهلاً في العادة لخِطبة تلك المرأة، كما لو خطب سُوقيّ بنت ملك، وهذا يرجع إلى التكافؤ. قاله في "الفتح".

стр. 13827

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن الفاسق، والذي ليس كفؤًا عادة يعمهما النهي المذكور؛ فلا يجوز أن يخطب على خطبتهما؛ لأنهما مسلمان؛ إذ مجرّد الفسق لا يخرج الشخص من الإسلام عند أهل السنّة، فلا يخرج بذلك عن كونه خطب على خطبة أخيه المسلم، وبنحو هذا صرّح الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذيّ" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): أنه استُدلّ به على تحريم خِطبة المرأة على خِطبة امرأة أخرى؛ إلحاقًا لحكم النساء بحكم الرجال، وصورته أن ترغب امرأة في رجل، وتدعوه إلى تزويجها، فيجيبها، فتجيء امرأة أخرى، فتدعوه، وترَغّبه في نفسها، وتزهّده في التي قبلها، وقد صرّحوا باستحباب خِطبة أهل الفضل من الرجال، ولا يخفى أن محلّ هذا إذا كان المخطوب عزم أن لا يتزوّج إلا بواحدة، فأما إذا جمع بينهما فلا تحريم (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. … ٣٢٤٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ, وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ سَعِيدٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , وَقَالَ مُحَمَّدٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا تَنَاجَشُوا, وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ, وَلَا يَبِعِ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ, وَلَا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ, وَلَا تَسْأَلِ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا, لِتَكْتَفِئَ مَا فِي إِنَائِهَا» (٣)). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن منصور) الجوّاز المكيّ، ثقة [١٠] ٢٠/ ٢١. ٢ - (سعيد بن عبد الرحمن) بن حسان، أبو عبد اللَّه المخزوميّ المكيّ، ثقة [١٠] ٤١/ ١٢٧٧. ٣ - (سفيان) بن عيينة المكي، ثقة ثبت حجة [٨] ١/ ١. ٤ - (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت المدنيّ [٤] ١/ ١. ٥ - (سعيد) بن المسيّب بن حَزْن المخزومي المدني الفقيه الثقة الثبت، من كبار [٣] ٩/ ٩. ٦ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 13828

لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فالأول من أفراده، والثاني من أفراده والترمذيّ. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخيه، وسفيان، فمكيون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه سعيد من الفقهاء السبعة، وفيه أبو هريرة من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :، وَقَالَ مُحَمَّدٌ) هو ابن منصور شيخه الأول (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) يعني أن شيخيه اختلفا في صيغة الأداء، فقال سعيد بن عبد الرحمن: "قال رسول اللَّه ﷺ "، وقال محمد بن منصور: "عن النبيّ ﷺ "، وهذا من احتياطات النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى-، حيث يراعي ألفاظ شيوخه، وإن لم يختلف به المعنى، فإنه لا فرق بين قول الصحابيّ: "قال رسول اللَّه ﷺ "،وقوله: "عن النبيّ ﷺ " في كون كلّ منهما محمولاً على الاتصال، إلا أن الورع مقامٌ آخر، كما يقال: "التقوى غير الفتوى" (لَا تَنَاجَشُوا) بحذف إحدى التاءين، إذ أصله: "لا تتناجشوا". و"النّجش" -بفتحتين، أو بفتح، فسكون-: هو أن يمدح السلعة ليُروّجها، أو يزيد في الثمن، ولا يريد شراءها؛ ليغترّ بذلك غيره. والأصل فيه تنفير الوحش من مكان إلى مكان. وإنما عبّر بالتفاعل؛ لأن التجّار يتعاوضون، فيفعل هذا بصاحبه على أن يُكافئه بمثل ما فعل، فنُهوا عن أن يفعلوا ذلك، معاوضةٌ، فضلاً عن أن يفعلوه بدءًا. وسيأتي تمام البحث فيه في موضعه من "كتاب البيوع" إن شاء اللَّه تعالى. (وَلَا يَبعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ) جاء على صيغة النهي بسقوط الياء، وعلى صيغة النفي بإثبات الياء، وهو بمعنى النهي، فلذا عُطف على النهي السابق، وكذا ما بعده. وقال النوويّ: بالرفع على الخبر، والمراد به النهي، وهو أبلغ في النهي؛ لأن خبر الشارع لا يُتصوّر وقوع خلافه، والنهي قد يقع مخالفته، فكأنّ المعنى عاملوا هذا النهي معاملة الخبر المتحتّم. انتهى. ومعنى الحديث: أنه لا يجوز للمقيم ببلدة أن يبيع السلع التي أتى بها بدوي؛ نفعًا له، بأن يكون دلّالًا؛ لأن ذلك يُلحق الضرر بالحاضرين، فإنه لو ترك البدويّ لباعه لهم بثمن رخيص، وسيأتي تمام البحث فيه في محلّه، إن شاء اللَّه تعالى. (وَلَا يَبعِ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ) قيل: المراد السوم، والنهي للمشتري دون البائع؛ لأن البائع لا يكاد يدخل عَلى البائع، وإنما المشهور زيادة المشتري على المشتري.

стр. 13829

وقيل: يحتمل الحمل على ظاهره، فيمنع البائع أن يبيع على بيع أخيه، وهو أن يَعْرِض سلعته على المشتري الراكن إلى شراء سلعة غيره، وهي أرخص، أو أجود؛ ليزهّده في شراء سلعة الغير. قال عياض: وهو الأولى. وسيأتي تمام البحث في محلّه، إن شاء اللَّه تعالى. (وَلَا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ) من الخِطْبة -بكسر الخاء- بمعنى التماس النكاح، من باب نصر، وهو بالجزم على النهي، والرفع على النفي، كما تقدّم توجيهه آنفًا. وقد تقدّم تمام البحث فيه في شرح حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - الماضي. (وَلَا تَسْأَلِ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا) بالجزم، والرفع، على التوجيه السابق. قيل: هو نهي للمخطوبة عن أن تسأل الخاطب طلاق المرأة التي في نكاحه، وللمرأة من أن تسأل طلاق الضرّة أيضًا. والمراد بالأخت الأخت في الدين، وفي التعبير باسم الأخت تشنيعٌ لفعلها، وتأكيدٌ للنهي عنه، وتحريضٌ لها على تركه، ومثله التعبير باسم الأخ فيما سبق. وفي رواية للبخاريّ: "لا يحلّ لامرأة تسأل طلاق أختها؛ لتستفرغ صحفتها، فإنما لها ما قدّر لها". قال في "الفتح": ظاهرٌ في تحريم ذلك، وهو محمولٌ على ما إذا لم يكن هناك سببٌ يجوّز ذلك، كريبةٍ في المرأة، لا ينبغي معها أن تستمرّ في عصمة الزوج، ويكون ذلك على سبيل النصيحة المحضة، أو لضرر يحصُل لها من الزوج، أو للزوج منها، أو يكون سؤالها ذلك بعوض، وللزوج رغبةٌ في ذلك، فيكون كالخلع مع الأجنبيّ، إلى غير ذلك من المقاصد المختلفة. وقال ابن حبيب: حمل العلماء هذا النهي على الندب، فلو فعل ذلك لم يُفسخ النكاح. وتعقّبه ابن بطّال بأن نفي الحلّ صريح في التحريم، ولكن لا يلزم منه فسخ النكاح، وإنما فيه التغليظ على المرأة أن تسأل طلاق الأخرى، ولْتَرْضَ بما قسم اللَّه لها انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "ولكن لا يلزم الخ" فيه نظرٌ لا يخفى، فقد تقدّم ترجيح أن النهي للفساد، فتبصّر. واللَّه تعالى أعلم. (لِتَكتَفِئَ مَا في إِنَائِهَا (٢) قال في "النهاية": هو تَفتَعِلُ، من كَفَأت القدرَ: إذا كَبَبْتَها؛ لتُفْرغ ما فيها، يقال: كَفَأْتُ الإناء، وأكفأته: إذا كبَبتَه، وإذا أَمَلْتَهُ، وهذا تمثيلٌ لإمالة الضرّة حقّ صاحبتها من زوجها إلى نفسها، إذا سألت طلاقها (٣).

стр. 13830

وقال في "الفتح": "تكتفىء" بالهمز افتعال، من كفأت الإناء إذا قلبته، وأفرغت ما فيه، وكذا يَكفأ، وهو بفتح أوله، وسكون الكاف، وبالهمز، وجاء أكفأت الإناء: إذا أملته، وهو في رواية ابن المسيّب "لتُكفىء" بضمّ أوله، من أكفأت، وهو بمعنى أملته، ويقال: بمعنى كببته أيضًا. انتهى. وقال النوويّ: معنى هذا الحديث: نهي المرأة الأجنبية أن تسأل الزوج طلاق زوجته، وأن ينكحها، ويُصَيِّر لها من نفقته، ومعروفه، ومعاشرته، ونحوها ما كان للمطلّقة، فعبّر عن ذلك باكتفاء ما الصحفة مجازًا. والمراد بأختها غيرها، سواء كانت أختها من النسب، أو الرضاع، أو الدين. ويُلحق بذلك الكافرة في الحكم، وإن لم تكن أختًا في الدين، إما لأن المراد الغالب، أو أنها أختها في الجنس الآدميّ. وحمل ابن عبد البرّ الأخت هنا على الضرّة، فقال: فيه من الفقه أنه لا ينبغي أن تسأل المرأة زوجها أن يُطلّق ضرّتها لتنفرد به. وهذا ممكن في الرواية التي وقعت بلفظ: "لا تسأل المرأة طلاق أختها"، وأما الرواية التي فيها لفظ الشرط، فظاهرها أنها في الأجنبية، ويؤيّده قوله فيها: "ولتنكح"، أي ولتتزوّج الزوج المذكور من غير أن تشترط أن يُطلّق التي قبلها. وعلى هذا فالمراد هنا بالأخت الأخت في الدين، ويؤيّده زيادة ابن حبّان في آخره من طريق أبي كثير السُّحَيميّ (١)، عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: "لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صحفتها، فإن المسلمة أخت المسلمة" (٢). وقد تقدّم نقل الخلاف عن الأوزاعيّ، وبعض الشافعيّة أن ذلك مخصوص بالمسلمة، وبه جزم أبو الشيخ في "كتاب النكاح"، ويأتي مثله هنا، ويجيء على رأي ابن القاسم أن يُستثنى ما إذا كان المسؤول طلاقها فاسقةٌ، وعند الجمهور لا فرق. قاله في "الفتح". وقوله: "لتستفرغ صحفتها" يفسّر المراد بقوله: "تكتفىء". والمراد بالصحفة ما يحصُل من الزوج كما تقدّم من كلام النوويّ. وقال صاحب "النهاية": الصحفة إناءٌ كالقصعة المبسوطة، قال: وهذا مثَلٌ، يريد الاستئثار عليها بحظّها، فيكون كمن قلب إناء غيره في إنائه. وقال الطيبيّ: هذه استعارة مستملحةٌ تمثيليّةٌ، شبّه النصيب والبَخْتُ (٣) بالصحفة، وحظوظها، وتمتّعاتها بما يوضع في الصحفة، من الأطعمة
следующие страницы →