← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 13826–13865 · переход к 13831.

стр. 13826

كخطبة المعتدّة لم يضرّ الثاني بعد انقضاء العدّة أن يخطُبها، وهو واضح؛ لأن الأول لم يثبت له بذلك حقّ. قاله في "الفتح". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): أنه استُدلّ بقوله: "على خطبة أخيه" أن محلّ التحريم إذا كان الخاطب مسلمًا، فلو خطب الذميّ ذميّة، فأراد المسلم أن يخطبها جاز له ذلك مطلقًا، وهو قول الأوزاعيّ، ووافقه من الشافعيّة ابن المنذر، وابن جويرية، والخطّابيّ، ويؤيّده قوله في أول حديث عقبة بن عامر ﵁ عند مسلم: "المؤمن أخو المؤمن، فلا يحلّ للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطب على خِطبته حتى يَذَر". وقال الخطّابيّ: قطع اللَّه الأُخَوَّة بين الكافر والمسلم، فيختص النهي بالمسلم. وقال ابن المنذر: الأصل في هذا الإباحة حتى يرِدَ المنع، وقد ورد المنع مقيّدًا بالمسلم، فبقي ما عدا ذلك على أصل الإباحة. وذهب الجمهور إلى إلحاق الذميّ بالمسلم في ذلك، وأن التعبير بأخيه خرج على الغالب، فلا مفهوم له، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ الآية، وكقوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ الآية، ونحو ذلك. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما قاله الأوزاعيّ، ومن معه من أنّ هذا النهي خاصّ بالمسلم، دون الذميّ؛ عملاً بتقييده بالأخوّة، وبالإسلام هو الراجح. واللَّه تعالى أعلم. وبناه بعضهم على أن هذا المنهيّ عنه، هل هو من حقوق العقد، واحترامه، أو من حقوق المتعاقدين؟ فعلى الأول فالراجح ما قال الخطّابّي، وعلى الثاني فالراجح ما قال غيره. وقريبٌ من هذا البناء اختلافهم في ثبوت الشفعة للكافر، فمن جعلها من حقوق الملك أثبتها له، ومن جعلها من حقوق المالك منع. وقريبٌ من هذا البحث ما نُقل عن ابن القاسم، صاحب مالك أن الخاطب الأول إذا كان فاسقًا جاز للعفيف أن يخطُب على خِطبته. ورجحه ابن العربيّ منهم، وهو متّجه فيما إذا كانت المخطوبة عفيفةً، فيكون الفاسق غير كفء لها، فتكون خطبته كلا خِطْبة. ولم يعتبر الجمهور ذلك إذا صدرت منها علامة القبول. وقد أطلق بعضهم الإجماع على خلاف هذا القول. ويلتحق بهذا ما حكاه بعضهم من الجواز إذا لم يكن الخاطب الأول أهلاً في العادة لخِطبة تلك المرأة، كما لو خطب سُوقيّ بنت ملك، وهذا يرجع إلى التكافؤ. قاله في "الفتح".

стр. 13827

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن الفاسق، والذي ليس كفؤًا عادة يعمهما النهي المذكور؛ فلا يجوز أن يخطب على خطبتهما؛ لأنهما مسلمان؛ إذ مجرّد الفسق لا يخرج الشخص من الإسلام عند أهل السنّة، فلا يخرج بذلك عن كونه خطب على خطبة أخيه المسلم، وبنحو هذا صرّح الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذيّ" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): أنه استُدلّ به على تحريم خِطبة المرأة على خِطبة امرأة أخرى؛ إلحاقًا لحكم النساء بحكم الرجال، وصورته أن ترغب امرأة في رجل، وتدعوه إلى تزويجها، فيجيبها، فتجيء امرأة أخرى، فتدعوه، وترَغّبه في نفسها، وتزهّده في التي قبلها، وقد صرّحوا باستحباب خِطبة أهل الفضل من الرجال، ولا يخفى أن محلّ هذا إذا كان المخطوب عزم أن لا يتزوّج إلا بواحدة، فأما إذا جمع بينهما فلا تحريم (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. … ٣٢٤٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ, وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ سَعِيدٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , وَقَالَ مُحَمَّدٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا تَنَاجَشُوا, وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ, وَلَا يَبِعِ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ, وَلَا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ, وَلَا تَسْأَلِ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا, لِتَكْتَفِئَ مَا فِي إِنَائِهَا» (٣)). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن منصور) الجوّاز المكيّ، ثقة [١٠] ٢٠/ ٢١. ٢ - (سعيد بن عبد الرحمن) بن حسان، أبو عبد اللَّه المخزوميّ المكيّ، ثقة [١٠] ٤١/ ١٢٧٧. ٣ - (سفيان) بن عيينة المكي، ثقة ثبت حجة [٨] ١/ ١. ٤ - (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت المدنيّ [٤] ١/ ١. ٥ - (سعيد) بن المسيّب بن حَزْن المخزومي المدني الفقيه الثقة الثبت، من كبار [٣] ٩/ ٩. ٦ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 13828

لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فالأول من أفراده، والثاني من أفراده والترمذيّ. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخيه، وسفيان، فمكيون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه سعيد من الفقهاء السبعة، وفيه أبو هريرة من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :، وَقَالَ مُحَمَّدٌ) هو ابن منصور شيخه الأول (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) يعني أن شيخيه اختلفا في صيغة الأداء، فقال سعيد بن عبد الرحمن: "قال رسول اللَّه ﷺ "، وقال محمد بن منصور: "عن النبيّ ﷺ "، وهذا من احتياطات النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى-، حيث يراعي ألفاظ شيوخه، وإن لم يختلف به المعنى، فإنه لا فرق بين قول الصحابيّ: "قال رسول اللَّه ﷺ "،وقوله: "عن النبيّ ﷺ " في كون كلّ منهما محمولاً على الاتصال، إلا أن الورع مقامٌ آخر، كما يقال: "التقوى غير الفتوى" (لَا تَنَاجَشُوا) بحذف إحدى التاءين، إذ أصله: "لا تتناجشوا". و"النّجش" -بفتحتين، أو بفتح، فسكون-: هو أن يمدح السلعة ليُروّجها، أو يزيد في الثمن، ولا يريد شراءها؛ ليغترّ بذلك غيره. والأصل فيه تنفير الوحش من مكان إلى مكان. وإنما عبّر بالتفاعل؛ لأن التجّار يتعاوضون، فيفعل هذا بصاحبه على أن يُكافئه بمثل ما فعل، فنُهوا عن أن يفعلوا ذلك، معاوضةٌ، فضلاً عن أن يفعلوه بدءًا. وسيأتي تمام البحث فيه في موضعه من "كتاب البيوع" إن شاء اللَّه تعالى. (وَلَا يَبعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ) جاء على صيغة النهي بسقوط الياء، وعلى صيغة النفي بإثبات الياء، وهو بمعنى النهي، فلذا عُطف على النهي السابق، وكذا ما بعده. وقال النوويّ: بالرفع على الخبر، والمراد به النهي، وهو أبلغ في النهي؛ لأن خبر الشارع لا يُتصوّر وقوع خلافه، والنهي قد يقع مخالفته، فكأنّ المعنى عاملوا هذا النهي معاملة الخبر المتحتّم. انتهى. ومعنى الحديث: أنه لا يجوز للمقيم ببلدة أن يبيع السلع التي أتى بها بدوي؛ نفعًا له، بأن يكون دلّالًا؛ لأن ذلك يُلحق الضرر بالحاضرين، فإنه لو ترك البدويّ لباعه لهم بثمن رخيص، وسيأتي تمام البحث فيه في محلّه، إن شاء اللَّه تعالى. (وَلَا يَبعِ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ) قيل: المراد السوم، والنهي للمشتري دون البائع؛ لأن البائع لا يكاد يدخل عَلى البائع، وإنما المشهور زيادة المشتري على المشتري.

стр. 13829

وقيل: يحتمل الحمل على ظاهره، فيمنع البائع أن يبيع على بيع أخيه، وهو أن يَعْرِض سلعته على المشتري الراكن إلى شراء سلعة غيره، وهي أرخص، أو أجود؛ ليزهّده في شراء سلعة الغير. قال عياض: وهو الأولى. وسيأتي تمام البحث في محلّه، إن شاء اللَّه تعالى. (وَلَا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ) من الخِطْبة -بكسر الخاء- بمعنى التماس النكاح، من باب نصر، وهو بالجزم على النهي، والرفع على النفي، كما تقدّم توجيهه آنفًا. وقد تقدّم تمام البحث فيه في شرح حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - الماضي. (وَلَا تَسْأَلِ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا) بالجزم، والرفع، على التوجيه السابق. قيل: هو نهي للمخطوبة عن أن تسأل الخاطب طلاق المرأة التي في نكاحه، وللمرأة من أن تسأل طلاق الضرّة أيضًا. والمراد بالأخت الأخت في الدين، وفي التعبير باسم الأخت تشنيعٌ لفعلها، وتأكيدٌ للنهي عنه، وتحريضٌ لها على تركه، ومثله التعبير باسم الأخ فيما سبق. وفي رواية للبخاريّ: "لا يحلّ لامرأة تسأل طلاق أختها؛ لتستفرغ صحفتها، فإنما لها ما قدّر لها". قال في "الفتح": ظاهرٌ في تحريم ذلك، وهو محمولٌ على ما إذا لم يكن هناك سببٌ يجوّز ذلك، كريبةٍ في المرأة، لا ينبغي معها أن تستمرّ في عصمة الزوج، ويكون ذلك على سبيل النصيحة المحضة، أو لضرر يحصُل لها من الزوج، أو للزوج منها، أو يكون سؤالها ذلك بعوض، وللزوج رغبةٌ في ذلك، فيكون كالخلع مع الأجنبيّ، إلى غير ذلك من المقاصد المختلفة. وقال ابن حبيب: حمل العلماء هذا النهي على الندب، فلو فعل ذلك لم يُفسخ النكاح. وتعقّبه ابن بطّال بأن نفي الحلّ صريح في التحريم، ولكن لا يلزم منه فسخ النكاح، وإنما فيه التغليظ على المرأة أن تسأل طلاق الأخرى، ولْتَرْضَ بما قسم اللَّه لها انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "ولكن لا يلزم الخ" فيه نظرٌ لا يخفى، فقد تقدّم ترجيح أن النهي للفساد، فتبصّر. واللَّه تعالى أعلم. (لِتَكتَفِئَ مَا في إِنَائِهَا (٢) قال في "النهاية": هو تَفتَعِلُ، من كَفَأت القدرَ: إذا كَبَبْتَها؛ لتُفْرغ ما فيها، يقال: كَفَأْتُ الإناء، وأكفأته: إذا كبَبتَه، وإذا أَمَلْتَهُ، وهذا تمثيلٌ لإمالة الضرّة حقّ صاحبتها من زوجها إلى نفسها، إذا سألت طلاقها (٣).

стр. 13830

وقال في "الفتح": "تكتفىء" بالهمز افتعال، من كفأت الإناء إذا قلبته، وأفرغت ما فيه، وكذا يَكفأ، وهو بفتح أوله، وسكون الكاف، وبالهمز، وجاء أكفأت الإناء: إذا أملته، وهو في رواية ابن المسيّب "لتُكفىء" بضمّ أوله، من أكفأت، وهو بمعنى أملته، ويقال: بمعنى كببته أيضًا. انتهى. وقال النوويّ: معنى هذا الحديث: نهي المرأة الأجنبية أن تسأل الزوج طلاق زوجته، وأن ينكحها، ويُصَيِّر لها من نفقته، ومعروفه، ومعاشرته، ونحوها ما كان للمطلّقة، فعبّر عن ذلك باكتفاء ما الصحفة مجازًا. والمراد بأختها غيرها، سواء كانت أختها من النسب، أو الرضاع، أو الدين. ويُلحق بذلك الكافرة في الحكم، وإن لم تكن أختًا في الدين، إما لأن المراد الغالب، أو أنها أختها في الجنس الآدميّ. وحمل ابن عبد البرّ الأخت هنا على الضرّة، فقال: فيه من الفقه أنه لا ينبغي أن تسأل المرأة زوجها أن يُطلّق ضرّتها لتنفرد به. وهذا ممكن في الرواية التي وقعت بلفظ: "لا تسأل المرأة طلاق أختها"، وأما الرواية التي فيها لفظ الشرط، فظاهرها أنها في الأجنبية، ويؤيّده قوله فيها: "ولتنكح"، أي ولتتزوّج الزوج المذكور من غير أن تشترط أن يُطلّق التي قبلها. وعلى هذا فالمراد هنا بالأخت الأخت في الدين، ويؤيّده زيادة ابن حبّان في آخره من طريق أبي كثير السُّحَيميّ (١)، عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: "لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صحفتها، فإن المسلمة أخت المسلمة" (٢). وقد تقدّم نقل الخلاف عن الأوزاعيّ، وبعض الشافعيّة أن ذلك مخصوص بالمسلمة، وبه جزم أبو الشيخ في "كتاب النكاح"، ويأتي مثله هنا، ويجيء على رأي ابن القاسم أن يُستثنى ما إذا كان المسؤول طلاقها فاسقةٌ، وعند الجمهور لا فرق. قاله في "الفتح". وقوله: "لتستفرغ صحفتها" يفسّر المراد بقوله: "تكتفىء". والمراد بالصحفة ما يحصُل من الزوج كما تقدّم من كلام النوويّ. وقال صاحب "النهاية": الصحفة إناءٌ كالقصعة المبسوطة، قال: وهذا مثَلٌ، يريد الاستئثار عليها بحظّها، فيكون كمن قلب إناء غيره في إنائه. وقال الطيبيّ: هذه استعارة مستملحةٌ تمثيليّةٌ، شبّه النصيب والبَخْتُ (٣) بالصحفة، وحظوظها، وتمتّعاتها بما يوضع في الصحفة، من الأطعمة

стр. 13831

اللذيذة، وشبّه الافتراق المسبب عن الطلاق باستفراغ الصحفة عن تلك الأطعمة، ثم أدخل المشبه في جنس المشبّه به، واستعمل في المشبّه ما كان مستعملاً في المشبّه به انتهى. وقوله: "ولتنكح" -بكسر اللام، وبإسكانها، وبسكون الحاء- على الأمر. ويحتمل النصب عطفًا على قوله: "لتكتفىء"، فيكون تعليلاً لسؤال طلاقها، ويتعيّن على هذا كسر اللام، ثم يحتمل أن المراد "ولتنكح" ذلك الرجل من غير أن تتعرّض لإخراج الضرّة من عصمته، بل تَكِلُ الأمر في ذلك إلى ما يُقدّره اللَّه، ولهذا ختم بقوله: "فإنما لها ما قُدّر لها"، إشارةً إلى أنها، وإن سألت ذلك، وألحّت فيه، واشترطته، فإنه لا يقع من ذلك إلا ما قدّره اللَّه، فينبغي أن لا تتعرّض هي لهذا المحذور الذي لا يقع منه شيء بمجرّد إرادتها، وهذا مما يؤيّد أن الأخت من النسب، أو الرضاع لا تدخل في هذا. ويحتمل أن يكون المراد "ولتنكح" غيره، وتُعرِضُ عن هذا الرجل. أو المراد ما يشمل الأمرين. والمعنى: "ولتنكح" من تيسّر لها، فإن كانت التي قبلها أجنبيّةً، فلتنكح الرجل المذكور، وإن كانت أختها، فلتنكح غيره. قاله في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٠/ ٣٢٤٠ و ٣٢٤١ و ٣٢٤٢ و ٣٢٤٣ و"البيوع" ١٩/ ٤٥٠٣ و ٢١/ ٤٥٠٧ و ٤٥٠٨ - وفي "الكبرى" ٢١/ ٥٣٥٦ و ٢٢/ ٥٣٥٧ و ٣٥٣٥٨ و ٥٣٥٩ و"البيوع" ١٥/ ٦٠٨٢ و ١٨/ ٦٠٩٣ و ٢٠/ ٦٠٩٦ و ٦٠٩٨. وأخرجه (خ) في "البيوع" ٢١٤٠ و ٢١٥٠ و"النكاح"٥١٤٤ و ٥١٥٢ و"القدر" ٦٦٠١ (م) في "النكاح" ١٤١٣ و"البيوع" ١٥١٥ (د) في "الطلاق" ٢١٧٦ و ٣٤٣٧ و"البيوع" ٣٤٣٨ و ٣٤٤٣ (ت) في "النكاح" ١١٣٤ و"الطلاق" ١١٩٠ و"البيوع" ١٢٢٢ و ١٣٠٤ (ق) في "النكاح" ١٨٦٧ و"التجارات" ٢١٧٢ و ٢١٧٤ و ٢١٧٥ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٧٢٠٧ و ٧٢٧٠ و ٧٤٠٦ و ٧٦٤١ و ٧٦٧٠ و ٨٠٣٩ و ٨٥٠٥ و ٨٨٧٦ و ٨٩٦٩ و ٩٠٥٥ و ٩٥٨٥ و ٩٨٧٥ و ٩٩٠٦ و ٩٩٤٣ و ٩٩٧٣ و ٩٩٩٣ و ١٠١٣٨

стр. 13832

و ١٠٢٧١ و ١٠٤١٧ و ١٠٤٦٣ (الموطأ) في "النكاح" ١١١١ و"البيوع" ١٣٩١ "الجامع" ١٦٦٦ (الدارميّ) في "النكاح" ٢١٧٥. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان تحريم خِطبة الرجل على خطبة أخيه. (ومنها): تحريم النجش، وهو -بفتحتين، أو بفتح، فسكون-: أن يزيد في ثمن السلعة، لا لرغبة فيها، بل ليخدع غيره، ويغرّه ليزيد، ويشتريها. (ومنها): تحريم بيع الحاضر للبادي؛ لئلا يتضرّر أهل الحضر بذلك. (ومنها): تحريم بيع الرجل على بيع أخيه، ويشمل البيع والشراء، إذا البيع يستعمل لهما من الأضداد. (ومنها): تحريم سؤال المرأة طلاق الأخرى حتى يتزوّجها، أو تنفرد به دون الأخرى. (ومنها): حرص الشريعة على قطع أسباب الشحناء والبغضاء، والحقد، والحسد، ولذا حرّمت هذه الأشياء المذكورة في هذا الحديث، وما أشبهها، مما يؤدّي إلى وقوع التنافر، والتشاكس، والتخاذل بين المجتمع الإسلاميّ، بل تطالب المسلمين أن يكونوا يدًا واحدة، وعونًا فيما بينهم، وحربًا لأعدائهم، كما قال اللَّه : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٧١]، وقال : ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٢٤١ - (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ ح وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ, قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ, عَنِ الأَعْرَجِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «لَا يَخْطُبْ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ»). رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، سوى شيخه الحارث، وهو ثقة حافظ، و"معن": هو ابن عيسى القزّاز المدنيّ. و"ابن القاسم": هو عبد الرحمن الْعُتَقيّ الفقيه المصريّ. و"مالك": هو إمام دار الهجرة. والحديث متّفقٌ عليه، وهو مختصر من الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 13833

٣٢٤٢ - (أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ,, قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ,, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , قَالَ: «لَا يَخْطُبْ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ, حَتَّى يَنْكِحَ, أَوْ يَتْرُكَ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"ابن وهب": هو عبد اللَّه. و"يونس": هو ابن يزيد الأيليّ. وقوله: "حتى ينكح، أو يترك": أي لينتظر حتى ينكح، فيتركها، أو يترك، فيخطبها، فهذه ليست علّة لقوله: "لا يخطب"، حتى يقال: يلزم منه جواز الخِطبة إذا نكح، مع أنها لا تجوز، بل غايةٌ للانتظار المفهوم. قاله السنديّ. وقال في "الفتح": قوله: "حتى ينكح" أي حتى يتزوّج الخاطب الأول، فيحصل اليأس المحض، وقوله: "أو يترك" أي الخاطب الأول التزويج، فيجوز حينئذ للثاني الخِطبة، فالغايتان مختلفتان، الأولى ترجع إلى اليأس، والثانية ترجع إلى الرجاء، ونظيره قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] انتهى (١). والحديث متّفق عليه، وقد سبق الكلام عليه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٢٤٣ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ, عَنْ هِشَامٍ, عَنْ مُحَمَّدٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَخْطُبْ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"غندر": هو محمد بن جعفر. و"هشام"، هو ابن حَسّان القردوسيّ البصريّ. و"محمد": هو ابن سيرين. والحديث صحيح، وقد سبق البحث عنه مستوفي قريبًا. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: ذكر في "الكبرى" أن محمد بن سيرين وقف الحديث على أبي هريرة ﵁، فقال: أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: ثنا حماد -يعني ابن زيد- عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة، قال: "لا يَسُمِ الرجلُ على سَوْم أخيه، ولا يخطب على خِطْبة أخيه". انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: مثل هذا الوقف لا يضرّ؛ لأن هشامًا رفعه، وهو ثقة، وهو وإن كان دون أيوب في ابن سيرين، لكن تأيّد رفعه برواية ابن سيرين، وأيضًا

стр. 13834

يمكن الجمع بأن أبا هريرة ﵁ رواه مرفوعًا، وأفتى به أيضًا، فلا تعارض. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢١ - (خِطْبَةُ الرَّجُلِ إِذَا تَرَكَ الْخَاطِبُ، أَوْ أَذَنَ لَهُ) ٣٢٤٤ - (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ, قَالَ: قَالَ: ابْنُ جُرَيْجٍ, سَمِعْتُ نَافِعًا, يُحَدِّثُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ, كَانَ يَقُولُ: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ , أَنْ يَبِيعَ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ, وَلَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ الرَّجُلِ, حَتَّى يَتْرُكَ الْخَاطِبُ قَبْلَهُ, أَوْ يَأْذَنَ لَهُ الْخَاطِبُ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه إبراهيم بن الحسن المِقسميّ المصّيصيّ، وهو ثقة. والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم البحث عنه مستوفًى في الباب الماضي، ودلالته على الترجمة واضحة، فإنه صريح في جواز خِطبة الرجل إذا ترك الخاطب الأول، أو أذن له بالخطبة. وقوله: "أو يأذن له الخاطب" أظهر في مقام الإضمار للإيضاح، وإلا فحقّه أن يقول: "أو يأذن له". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٢٤٥ - (أَخْبَرَنِي حَاجِبُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, وَيَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, وَعَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ, أَنَّهُمَا سَأَلَا فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ عَنْ أَمْرِهَا, فَقَالَتْ: طَلَّقَنِي زَوْجِي ثَلَاثًا, فَكَانَ يَرْزُقُنِي طَعَامًا, فِيهِ شَيْءٌ, فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَئِنْ كَانَتْ لِي النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى, لأَطْلُبَنَّهَا, وَلَا أَقْبَلُ هَذَا, فَقَالَ الْوَكِيلُ: لَيْسَ لَكِ سُكْنَى, وَلَا نَفَقَةٌ, قَالَتْ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ , فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ, فَقَالَ: «لَيْسَ لَكِ سُكْنَى, وَلَا نَفَقَةٌ, فَاعْتَدِّي عِنْدَ فُلَانَةَ» , قَالَتْ: وَكَانَ يَأْتِيهَا أَصْحَابُهُ, ثُمَّ قَالَ: «اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ

стр. 13835

مَكْتُومٍ, فَإِنَّهُ أَعْمَى, فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي» , قَالَتْ: فَلَمَّا حَلَلْتُ آذَنْتُهُ, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «وَمَنْ خَطَبَكِ؟» , فَقُلْتُ: مُعَاوِيَةُ, وَرَجُلٌ آخَرُ مِنْ قُرَيْشٍ, فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ , «أَمَّا مُعَاوِيَةُ, فَإِنَّهُ غُلَامٌ مِنْ غِلْمَانِ قُرَيْشٍ, لَا شَيْءَ لَهُ, وَأَمَّا الآخَرُ فَإِنَّهُ صَاحِبُ شَرٍّ, لَا خَيْرَ فِيهِ, وَلَكِنِ انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ» , قَالَتْ: فَكَرِهْتُهُ, فَقَالَ لَهَا: ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ, فَنَكَحَتْهُ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه إدخال المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- حديث فاطمة بنت قيس - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا في هذا الباب أنه ﷺ لما خطبها مع خِطبة معاوية والرجل الآخر قبله دلّ على أنه مأذون له دلالةً؛ لأنه يُعلَم أنهما يأذنان له في ذلك، إذ معلوم رضا كلّ مؤمن بما قضى به ﷺ ، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٦]. وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. وقال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٦]، وقال ﷺ : "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم … " الحديث متّفقٌ عليه. فإذا رأى النبيّ ﷺ أن المصلحة لفاطمة أن تنكح أسامة، لا أن تنكح واحدًا منهما، عُلِم أنهما يرضيان بذلك، فكان ﷺ بسبب ذلك كالمأذون له في ذلك، فيستفاد منه أنه إذا أذن الخاطب صريحًا جاز من باب أولى. واللَّه تعالى أعلم. ورجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه حاجب بن سليمان الْمِنْبَجِيّ، وهو صدوق يهم. و"حجّاج": هو ابن محمد الأعور المذكور في السند الماضي. و"ابن أبي ذئب": هو محمد بن عبد الرحمن المدنيّ و"يزيد بن عبد اللَّه بن قُسيط" بجرّ "يزيد" عطفًا على "الزهريّ"، وهو الليثيّ المدنيّ الأعرج الثقة. و"أبو سلمة بن عبد الرحمن" ابن عوف: هو الزهريّ المدنيّ الفقيه المشهور. و"الحارث بن عبد الرحمن": هو القرشيّ العامريّ، خال ابن أبي ذئب، صدوق [٥] ٣٦/ ٨٢٦. وقوله: "وعن الحارث" عطفٌ على قوله: "عن الزهريّ، ويزيد بن عبد اللَّه"، فابن أبي ذئب يري هذا الحديث عن الزهريّ، ويزيد بن عبد اللَّه بن قُسيط، كلاهما عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وعن خاله الحارث بن عبد الرحمن، عن محمد بن عبد الرحمن ابن ثوبان، وكلٌّ من أبي سلمة، ومحمد بن عبد الرحمن يرويانه عن فاطمة بنت قيس - رضي اللَّه تعالى عنها -.

стр. 13836

فقوله: (أنهما سألا الخ" ضمير التثنية لأبي سلمة، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان. وقولها "طلقني زوجي ثلاثًا". أي آخر تطليقات ثلاث، كما بيّنته الروايات الأخرى، لا أنه طلّقها مرّة واحدة. وقولها: "فيه شيء" كناية عن رداءته. وقولها: (وكان يأتيها أصحابه، أي يزورونها، ويجتمعون عندها؛ لكرمها، وإطعامها لهم. وقوله: "فإذا حللتِ فآذنيني" بالمد من الإيذان، وهو الإعلام، والمعنى: فإذا حلّ للأزوج نكاحك بانقضاء العدّة، فأعلميني، حتى أختار لك زوجًا مناسبًا. وقولها: "ورجلٌ آخر الخ" تقدّم أنه أبو جهم. وقوله: "فإنه غلام" أي هو من الأصاغر، لا من الأكابر. وقوله: "لا شيء له" أي فقيرٌ. وقوله: "صاحب شرّ" أي كثير الضرب للنساء. وفيه أنه يجوز ذكر مثل هذه الأوصاف، إذا دعت الحاجة إلى ذكرها، ولا يكون من الغيبة المحرّمة؛ للضرورة. والحديث صحيح، وقد تقدّم تمام البحث فيه في -٨/ ٣٢٢٣ - فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢٢ - (بَابٌ إِذَا اسْتَشَارَتِ الْمَرْأَةُ رَجُلًا فِيمَن يَخْطُبُهَا، هَلْ يُخْبِرُهَا بِمَا يَعْلَمُ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: جواب "إذا" محذوف يعدم من سياق الحديث: أي نعم يُخبرها بذلك؛ لهذا الحديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٢٤٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, وَاللَّفْظُ لِمُحَمَّدٍ, عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ, أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ, طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ, وَهُوَ غَائِبٌ,

стр. 13837

فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلُهُ بِشَعِيرٍ, فَسَخِطَتْهُ, فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ, فَجَاءَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ , فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ, فَقَالَ: «لَيْسَ لَكِ نَفَقَةٌ» , فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ, ثُمَّ قَالَ: «تِلْكَ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي, فَاعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ, فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى, تَضَعِينَ ثِيَابَكِ, فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي» , قَالَتْ: فَلَمَّا حَلَلْتُ, ذَكَرْتُ لَهُ, أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ, وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَمَّا أَبُو جَهْمٍ, فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ, وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ, لَا مَالَ لَهُ, وَلَكِنِ انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ» , فَكَرِهْتُهُ, ثُمَّ قَالَ: «انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ» , فَنَكَحْتُهُ, فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا, وَاغْتَبَطْتُ بِهِ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، وهو ثقة حافظ. و"عبد اللَّه بن يزيد": هو المخزوميّ المدنيّ المقرئ الأعور، مولى الأسود بن سُفيان ثقة [٦] ٥١/ ٩٦١. وقوله: "أن أبا حفص طلّقها" قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: هكذا قال الجمهور. وقيل: أبو حفص بن عمرو. وقيل: أبو حفص بن المغيرة. واختُلف في اسمه، والأكثرون على أن اسمه عبد الحميد. وقال النسائيّ: اسمه أحمد. وقال آخرون: اسمه كنيته (١). وقوله: "فسخطته" بكسر الخاء: أي لم ترض به. وقوله: "أم شريك" اسمها غُزيّة. وقيل: غُزيلة بنت دودان. وقوله: "يغشاها" أي يدخلون عليها. وقوله: "تضعين ثيابك" أي ليس هناك من تخافين نظره. وقوله: "فآذنيني" بالمدّ، من الإيذان بمعنى الإعلام: أي أعلميني بحالك. وقوله: "فلا يَضَعُ عصاه". أي كثير الضرب للنساء، كما جاء في رواية أخرى، وهذا هو الصواب في تفسيره. وقيل: كثير الأسفار. وقيل: كثير الجماع، والعصا كناية عن العضو. وهذا أبعد الوجوه. [حكاية مليحة]: قال أبو عبد اللَّه الحاكم في "كتاب مناقب الشافعيّ" ﵀ تَعَالَى-: من لطيف استنباطه ما رواه محمد بن جرير الطبريّ، عن الربيع، قال: كان الشافعيّ يومًا بين يدي مالك بن أنسِ ﵁، فجاء رجلٌ إلى مالك، فقال: يا أبا عبد اللَّه إني رجلٌ أبيع الْقُمْرِيّ، وإني بعت يومي هذا قُمْريًّا، فبعد زمان أتى صاحب القُمْريّ، فقال: إنّ قُمريك لا يَصيح، فتناكرنا إلى أن حلفتُ بالطلاق أن قمرييّ لا يَهْدأ

стр. 13838

من الصياح قال مالك: طُلِّقت امرأتك، فانصرف الرجل حَزِينًا، فقام الشافعيّ إليه، وهو يومئذ ابن أربع عشرة سنة، وقال للسائل: أصياح قُمريّك أكثر، أم سكوته؟ قال السائل: بل صياحه، قال الشافعيّ: امض، فإن زوجتك ما طُلّقت، ثم رجع الشافعيّ إلى الحلقة، فعاد السائل إلى مالك، وقال: يا أبا عبد اللَّه، تفكر في واقعتي، تستحقّ الثواب، فقال مالك -رحمه اللَّه تعالى-: الجواب ما تقدّم، قال: فإن عندك من قال: الطلاق غير واقع، فقال مالك: ومن هو؛ فقال السائل: هو هذا الغلام، وأومأ بيده إلى الشافعيّ، فغضب مالك، وقال: ومن أين هذا الجواب، فقال الشافعيّ: لأني سألته أصياحه أكثر، أم سكوته؟ فقال: إن صياحه أكثر، فقال مالك: وهذا الدليل أقبح، أَيُّ تأثيرٍ لقلّة سكوته، وكثرة صياحه في هذا الباب؟، فقال الشافعيّ: لأنك حدّثتني عن عبد اللَّه بن يزيد، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة بنت قيس، أنها أتت النبيّ ﷺ ، فقالت: يا رسول اللَّه إن أبا جهم، ومعاوية خطباني، فبأيهما أتزوّج؟، فقال لها: "أما معاوية فصُعلوك، وأما أبو جهم فلا يَضَعُ عصاه عن عاتقه"، وقد علم الرسول ﷺ أن أبا جهم كان يأكل، وينام، ويستريح، فعلمنا أنه ﷺ عَنَى بقوله: "لا يَضَعُ عصاه عن عاتقه" على تفسير أن الأغلب من أحواله ذلك، فكذلك هنا حملتُ قوله: هذا القمريّ لا يهدأ من الصياح أن الأغلب من أحواله ذلك، فلما سمع مالكٌ ذلك تعجّب من الشافعيّ، ولم يَقدَح في قوله البتّة انتهى (١). وقوله: "فصُعلوك" بضم الصاد المهملة، والسلام، كعُصْفُور: الفقير. وقوله: "لا ما له": قال النوويّ: في هذا الحديث استعمال المجاز، وجواز إطلاق مثل هذه العبارة، فإنه قال ذلك مع العلم بأنه كان لمعاوية ﵁ ثوبٌ يلبسه، ونحو ذلك من المال المحقّر، وأن أبا جهم كان يَضَعُ العصا عن عاتقه في حال نومه، وأكله، وغيرهما، ولكن لما كان كثير الحمل للعصا، وكان معاوية قليل المال جدًّا، جاز إطلاق هذا اللفظ عليه مجازًا انتهى. وقولها: "واغْتَبَطتُ" يحتمل أن يكون بالبناء للفاعل، أو المفعول، من الاغتباط، يقال: غبطت الرجلَ أغبِطه غبطًا، من باب ضرب: إذا تمنّيت أن يكون حالك مثل حاله، من غير أن تريد زوالها منه، ولا أن تتحوّل عنه، فهو محمودٌ، بخلاف الحسد، فإنه تمنّي نعمته على أن تتحوّل عنه، وهو مذموم. وقال في "اللسان": الغِبطة: حسن الحال، والنعمة والسرور، قال: وفلان مغتبط - أي بكسر الباء-: أي في غِبْطة، وجائزٌ أن تقول: مُغتَبَطٌ -بفتح الباء-، وقد اغتبط-

стр. 13839

بالبناء للفاعل- فهو مغتَبِطٌ، واغْتُبِطَ- بالبناء للمفعول- فهو مُغتَبَطٌ. انتهى باختصار، وإيضاح (١). والمعنى هنا: أن النساء يتمنّين حالها لوفور حظّها من ذلك الزوج، بسبب بركة امتثالها لأمره ﷺ بنكاحها له. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢٣ - (إِذَا اسْتَشَارَ رَجُلٌ رَجُلاً فِي الْمَرْأَةِ، هَلْ يُخْبِرُهُ بِمَا يَعْلَمُ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: جواب "إذا" محذوف يُعلم من الحديث، أي نعم يُخبره، ودلالة الحديث عليه واضحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٢٤٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمِ بْنِ الْبَرِيدِ, عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ, عَنْ أَبِي حَازِمٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ, إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ , فَقَالَ: إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً, فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَلَا نَظَرْتَ إِلَيْهَا, فَإِنَّ فِي أَعْيُنِ الأَنْصَارِ شَيْئًا». قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَجَدْتُ هَذَا الْحَدِيثَ, فِي مَوْضِعٍ آخَرَ, عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ, أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَ, وَالصَّوَابُ أَبُو هُرَيْرَةَ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وهو صدوق. والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم للمصنّف في -١٧/ ٣٢٣٥ - وتقدّم شرحه، وبيان مسائله هناك. وقوله: "فان في أعين الأنصار شيئًا" بالهمز واحد الأشياء. قيل: المراد صغر. وقيل: زرقة. وقد تقدم تمام البحث فيه بالرقم المذكور. وقوله: "أن جابر بن عبد اللَّه حَدَّثَ" حديث جابر ﵁ أخرجه أبو داود، والحاكم، مرفوعًا: "إذا خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها،

стр. 13840

فليفعل". قال الحافظ: وسنده حسن، وله شاهد من حديث محمد بن مسلمة، وصححه ابن حبّان، والحاكم، وأخرجه أحمد، وابن ماجه، ومن حديث أبي حُميد، أخرجه أحمد، والبزّار انتهى (١). وقوله: "والصواب أبو هريرة" الظاهر أن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أراد أن الصواب بهذا الإسناد -أعني رواية يزيد بن كيسان- عن أبي هريرة ﵁، لا عن جابر ﵁، لكن هذا لا يستلزم ضعف حديث جابر ﵁، فقد رواه أحمد، وأبو داود، بسند صحيح، عنه، ولفظ أحمد: ١٤٤٥٥ - حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني داود بن الحصين، مولى عمرو بن عثمان، عن واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ، عن جابر بن عبد اللَّه الأنصاريّ، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ ، يقول: "إذا خطب أحدكم المرأة، فقدر أن يرى منها بعض ما يدعوه إليها، فليفعل". زاد في رواية أخرى: قال: فخطبت جارية من بني سَلِمَة، فكنت أختبئ لها تحت الكَرَب (٢)، حتى رأيت منها بعض ما دعاني إلى نكاحها، فتزوجتها. والحاصل أن طريق يزيد بن كيسان، عن جابر غير محفوظة، وإنما المحفوظ حديث أبي هريرة ﵁، وأيضًا رواية يزيد عن جابر منقطعة, لأن يزيد لم يلق صحابيًّا، لا جابرًا، ولا غيره. وأما حديث جابر فهو صحيح من الطريق المذكور، وقد تقدّم تمام البحث فيه في شرح الحديث الماضي بالرقم المتقدّم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٢٤٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ, عَنْ أَبِي حَازِمٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَجُلاً أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً, فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «انْظُرْ إِلَيْهَا, فَإِنَّ فِي أَعْيُنِ الأَنْصَارِ شَيْئًا»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وهو ثقة. و"سفيان": هو ابن عيينة. وقوله: "أراد أن يتزوّج" فيه بيان أن معنى قوله في الرواية الماضية: "إني تزوّجت امرأة". أي أردت أن تزوّجها. والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق البحث فيه مستوفًى. واللَّه تعالى أعلم

стр. 13841

بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢٤ - (بَابُ عَرْضِ الرَّجُلِ ابْنَتَهُ عَلَى مَنْ يَرْضَى (١)) ٣٢٤٩ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ سَالِمٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, عَنْ عُمَرَ, قَالَ: تَأَيَّمَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ, مِنْ خُنَيْسٍ -يَعْنِي ابْنَ حُذَافَةَ- وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ , مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا, فَتُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ, فَلَقِيتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ, فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَفْصَةَ, فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ, فَقَالَ: سَأَنْظُرُ فِي ذَلِكَ, فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ, فَلَقِيتُهُ, فَقَالَ: مَا أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ يَوْمِي هَذَا, قَالَ عُمَرُ: فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁, فَقُلْتُ إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ, فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا, فَكُنْتُ عَلَيْهِ أَوْجَدَ مِنِّي عَلَى عُثْمَانَ ﵁, فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ, فَخَطَبَهَا إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ , فَأَنْكَحْتُهَا إِيَّاهُ فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ, فَقَالَ: لَعَلَّكَ وَجَدْتَ عَلَيَّ, حِينَ عَرَضْتَ عَلَيَّ حَفْصَةَ, فَلَمْ أَرْجِعْ إِلَيْكَ شَيْئًا؟ قُلْتُ: نَعَمْ, قَالَ: فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِى حِينَ عَرَضْتَ عَلَيَّ, أَنْ أَرْجِعَ إِلَيْكَ شَيْئًا, إِلاَّ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَذْكُرُهَا, وَلَمْ أَكُنْ لأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللهِ ﷺ , وَلَوْ تَرَكَهَا نَكَحْتُهَا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظليّ المعروف بابن راهويه المروزيّ، ثقة ثبت [١٠] ٢/ ٢. ٢ - (عبد الرزاق) بن همام بن نافع الحميريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقة حافظ مصنف شهير، لكنه عمي في آخر عمره، فتغير، وكان يتشيّع [٩] ٦١/ ٧٧. ٣ - (معمر) بن راشد الأزدي مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضل [٧] ١٠/ ١٠.

стр. 13842

٤ - (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام المدنيّ الحجة الثبت [٤] ١/ ١. ٥ - (سالم) بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب العدويّ المدني الفقيه، ثقة ثبت عابد فاضل، من كبار [٣] ٢٣/ ٤٩٠. ٦ - (ابن عمر) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. ٧ - (عمر) بن الخطّاب بن نُفيل القرشي العدويّ، أمير المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦٠/ ٧٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ، وشيخه مروزيّ، والباقيان يمنيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وصحابي عن صحابي، والابن عن أبيه، عن أبيه. (ومنها): أن فيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، وفيه عمر ﵁ من الخلفاء الراشدين الأربعة، واحد العشرة المبشرين بالجنّة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ) بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: تَأَيَّمَتْ حَفْصَة بِنْتُ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أي صارت بلا زوج بسبب موته، كما سيأتي قريبًا، يقال: تأيّمت المرأة -بهمزة مفتوحة، وتحتانية ثقيلة -أي صارت أَيِّمًا، وهي التي يموت زوجها، أو تَبِينُ منه، وتنقضي عدّتها، وأكثر ما يُطلق على من مات زوجها. قاله في "الفتح". وقال في "المصباح": الأَيّمُ العَزَبُ رجلًا كان أو امرأة، قال الصغانيّ: وسواء تزوّج من قبلُ، أو لم يتزوّج، فيقال: رجلٌ أَيِّمٌ، وامرأة أيّمٌ، قال الشاعر [من الطويل]: فَأُبْنَا وَقَدْ آمَتْ نِسَاءٌ كَثِيرَةٌ … وَنسوَانُ سَعْدٍ لَيْسَ فِيهِنَّ أَيِّمُ وقال ابن السِّكِّيت أيضًا: فلانة أَيّمٌ إذا لم يكن لها زوج، بكرًا كانت أو ثيّبًا، ويقال أيضًا: أَيِّمَةٌ للأنثى. وآم يَئيم مثلُ سار يَسيرُ، والأَيْمَةُ اسمٌ منه. والحربُ مَأْيَمَةٌ؛ لأن الرجال تُقتل فيها، فتبقى النساء بلا أزواج. ورجلٌ أيْمَان: ماتت امرأته، وامرأة أيْمَى: مات زوجها، والجمع فيهما أَيَامَى بالفتح، مثل سكرانَ وسكرى، وسَكَارَى. قال ابن السِّكِّيت: أصلُ أَيَامَى أَيَائِمُ، فنُقلت الميم إلى موضع الهمزة، ثم قُلِبت الهمزة

стр. 13843

ألفًا، وفُتحت الميم تخفيفًا (١). (من خُنَيْسٍ) - بخاء معجمة، ونون، وسين مهملة، مصغّرًا- (-يَعْنِي ابْنَ حُذَافَةَ-) ابن عديّ بن سعد بن سلم القرشيّ السّهْميّ. كان من السابقين إلى الإسلام، وهاجر إلى الحبشة، ثم رجع، فهاجر إلى المدينة. وعند أحمد عن عبد الرزّاق، عن معمر، عن ابن شهاب، وهي رواية يونس عن الزهريّ: "ابن حذافة، أو "حُذيفة"، والصواب حُذافة، وهو أخو عبد اللَّه بن حُذافة - رضي اللَّه تعالى عنهما -. ومن الرواة من فتح أول خنس، وكسر ثانيه، والأول هو المشهور بالتصغير. وعند معمر كالأول، لكن بحاء مهملة، وموحّدة، وشين معجمة. وقال الدارقطنيّ: اختلف على عبد الرزّاق، فروي عنه على الصواب، وروي عنه بالشكّ (وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، فَتُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ) قالوا: مات بعد غزوة أحد من جراحة أصَابته بها. وقيل: بل بعد بدر. قال الحافظ: ولعله أولى، فإنهم قالوا: إن النبيّ ﷺ تزوّجها بعد خمسة وعشرين شهرًا من الهجرة. وفي رواية بعد ثلاثين شهرًا. وفي رواية بعد عشرين شهرًا، وكانت أحد بعد بدر بأكثر من ثلاثين شهرا، ولكنه يصحّ على قول من قال بعد ثلاثين على إلغاء الكسر. وجزم ابن سعد بأنه مات عقب قدوم النبيّ ﷺ من بدر، وبه جزم ابن سيّد الناس، وقال ابن عبد البرّ: إنه شهد أحدًا، ومات من جراحة بها. وكانت حفصة أسنّ من أخيها عبد اللَّه، فإنها وُلدت قبل البعثة بخمس سنين، وعبد اللَّه وُلد بعد البعثة بثلاث، أو أربع. (فَلَقِيتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ) ﵁ (فَعَرَضْتُ) بفتح الراء، من باب ضرب، يقال: عرضتُ المتاعَ للبيع: إذا أظهرتَهُ لذوي الرغبة ليشتروه (عَلَيْهِ حَفْصَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (فَقُلْتُ: إنْ شِئْتَ نَكَحْتُكَ حَفْصَةَ، فَقَالَ) عثمان ﵁ (سَأَنظُرُ فِي ذَلِكَ) أي أتفكّر، وُيستعمل النظر أيضًا بمعنى الرأفة، لكن تعديته باللام، وبمعنى الرؤية، وهو الأصل، وُيعدَّى بـ"إلى"، وقد يأتي يغير صلة، وهو بمعنى الانتظار. والمعنى: سأتفكّر في شأني، هل لي رغبة في النكاح أم لا؟ (فَلَبِثْتُ) بكسر الباء، من باب تَعِبَ، وجاء في المصدر السكون للتخفيف، واللَّبْثة بالفتحَ المرّة، وبالكسر الهيئة والنوع، والاسم اللُّبْثُ بالضمّ، واللَّبَاث بالفتح. قاله الفيّوميّ (لَيَالِيَ) منصوب على الظرفية، متعلّقٌ بما قبله (فَلَقِيتُهُ) بكسر القاف، من باب تَعِب، أي صادفت عثمان (فَقَالَ: مَا أُرِيدُ أن أَتَزَوَّجَ يَوْمِي هذا) أي في الوقت الحاضر، فاليوم بمعنى الوقت. وفي الرواية الآتية -٣٠/ ٣٢٦٠ - من طريق صالح بن كيسان، عن ابن شهاب: "فقال: قد

стр. 13844

بدا لي أن لا أتزوّج يومي هذا". قال في "الفتح": هذا هو الصحيح، ووقع في رواية ربْعيّ بن حراش، عن عثمان عند الطبريّ، وصححه هو والحاكم: "أن عثمان خطب إلى عمر بنته، فردّه، فبلغ ذلك النبيّ ﷺ ، فلما راح إليه عمر، قال: يا عمر ألا أدلّك على خَتَن خير من عثمان، وأدلّ عثمان على خَتَن خير منك؟ قال: نعم، يا نبيّ اللَّه، قال: تُزَوِّجني بنتك، وأزوّج عثمان بنتي". قال الحافظ الضياء: إسناده لا بأس به، لكن في الصحيح أن عمر عرض على عثمان حفصة، فردّ عليه: "قد بدا لي أن لا أتزوّج". قال الحافظ: أخرج ابن سعد من مرسل الحسن نحو حديث ربعيّ، ومن مرسل سعيد بن المسيّب أتمّ منه، وزاد في آخره: "فخار اللَّه لهما جميعًا". ويحتمل في الجمع بينهما أن يكون عثمان خطب أوّلًا إلى عمر، فردّه، كما في رواية رِبْعيّ، وسبب ردّه يحتمل أن يكون من جهتها، وهي أنها لم ترغب في التزويج عن قرب من وفاة زوجها. ويحتمل غير ذلك من الأسباب التي لا غضاضة فيها على عثمان في ردّ عمر له، ثم لما ارتفع السبب بادر عمر، فعرضها على عثمان رعايةً لخاطره كما في حديث الباب، ولعلّ عثمان بلغه ما بلغ أبا بكر من ذكر النبيّ ﷺ لها، فصنع كما صنع من ترك إفشاء ذلك، وردّ على عمر بجميل. ووقع في رواية ابن سعد: "فقال عثمان: مالي في النساء من حاجة"، وذكر ابن سعد عن الواقديّ بسند له أن عمر عرض حفصة على عثمان حين توفّيت رقيّة بنت رسول اللَّه ﷺ ، وعثمان يومئذ يُريد أم كلثوم بنت النبيّ ﷺ . قال الحافظ: وهذا مما يؤيّد أن موت خنيس كان بعد بدر، فإن رقيّة ماتت ليالي بدر، وتخلَّف عثمان عن بدر لتمريضها. وقد أخرج إسحاق في مسنده، وابن سعد من مرسل سعيد بن الميسب، قال: "تأيّمت حفصة من زوجها، وتأيّم عثمان من رُقيّة، فمرّ عمر بعثمان، وهو حزين، فقال: هل لك في حفصة؟ فقد انقضت عدّتها من فلان". واستُشكل أيضًا بأنه لو كان مات بعد أحد للزم أن لا تنقضي عدّتها إلا في سنة أربع. واجيب باحتمال أن تكون وضعت عقب وفاته، ولو سِقْطًا، فحلّت (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الجواب باحتمال الوضع محلّ نظر، فليتأمَّل. واللَّه تعالى أعلم. (قَالَ عُمَرُ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁) هذا يُشعر بأنه عقب ردّ عثمان له عرضها على أبي بكر (فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ، فَلَمْ يرْجِع) بفتح الياء (إِلَيَّ شَيْئًا) وفي رواية صالح بن كيسان المذكورة: "فصمت أبو بكر،

стр. 13845

فلم يَرجِع إليّ شيئًا". فقوله: "صَمَتَ" أي سكت وزنًا ومعنًى، وقوله: "فلم يرجع الخ" تأكيد لرفع المجاز؛ لاحتمال أن يُظنّ أنه صمت زمانًا، ثم تكلّم. قاله في "الفتح". (فَكُنْتُ عَلَيْهِ أَوْجَدَ مِنِّي عَلَى عُثْمَانَ ﵁) أي أشدّ مَوْجِدةً، أي غَضَبًا على أبي بكر ﵁ من غضبي على عثمان ﵁، وذلك لأمرين: [أحدهما]: ما كان بينهما من أكيد المودّة؛ ولأن النبيّ ﷺ كان آخى بينهما. وأما عثمان فلعلّه كان تقدّم من عمر ردّه، فلم يَعتِب عليه، حيث لم يُجبه لما سبق منه في حقّه. [والثاني]: لكون عثمان أجابه أوّلًا، ثم اعتذر له ثانيًا، ولكون أبي بكر لم يُعِدْ عليه جوابًا. ووقع في رواية ابن سعد: "فغضِبَ على أبي بكر، وقال فيها: كنت أشدّ غضبًا حين سكت منّي على عثمان". (فَلَبِثتُ لَيَالِيَ، فَخَطَبَهَا إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَنْكَحْتُهَا إِيَّاهُ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (فَقَالَ: لَعَلَّكَ وَجَدْتَ عَلَيَّ) أي غضبت، يقال: وَجَدَ عليه، من باب ضرب، مَوْجِدَةً: إذا غَضِبَ (حِينَ عَرَضْتَ عَلَيَّ حَفْصَةَ، فَلَمْ أَرْجِعْ إِلَيْكَ شَيْئًا؟) بفتح حرف المضارعة، وكسر الجيم، أي لم أُعِدْ عليك الجواب (قُلتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّهُ) الضمير للشأن، أي إن الأمر والشأن (لَم يَمْنَعْنِي حِينَ عَرَضْتَ عَلَيَّ، أَنْ أَرْجِعَ إِلَيْكَ شَيْئًا، إِلَّا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُهَا) وفي رواية ابن سعد: "فقال أبو بكر: إن النبي ﷺ قد كان ذكر منها شيئًا، وكان سرًّا". قال في "الفتح": ولعلّ اطلاع أبي بكر على أن النبيّ ﷺ قصد خِطبة حفصة كان بإخباره ﷺ له إما على سبيل الاستشارة، وإما لأنه كان لا يكتم عنه شيئًا مما يريده حتى ولا ما في العادة عليه غضاضة، وهو كون ابنته عائشة عنده، ولم يمنعه ذلك من إطلاعه على ما يريد؛ لوثوقه بإيثاره إياه على نفسه، ولهذا أطلع أبا بكر على ذلك قبل إطلاع عمر الذي يقع الكلام معه في الخِطْبة. انتهى (١). (وَلَمْ أَكُنْ لأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) وفي رواية ابن سعد: "وكرهت أن أُفشي سرّ رسول اللَّهِ ﷺ ". ثم إنه يحتمل أن يكون سبب كتمان أبي بكر ﵁ ذلك أنه خشي أن يبدو لرسول اللَّه ﷺ أن لا يتزوّجها، فيقع في قلب عمر انكسار. والله تعالى أعلم. (وَلَوْ تَرَكَهَا نَكَحْتُهَا) وفي رواية صالح المذكورة: "ولو تركها رسول اللَّه ﷺ قبلتها".

стр. 13846

وفيه أنه لولا هذا العذر لقبلها، فيُستفاد منه عذره في كونه لم يقل كما قال عثمان ﵁: "ما أريد أن أتزوّج يومي هذا". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٢٤/ ٣٢٤٨ و ٣٢٦٠ - وفي "الكبرى" ٢٥/ ٥٣٦٣٢٦/ ٥٣٦٤. وأخرجه (خ) في "المغازي" ٤٠٥ و"النكاح"٥١٢٩ و ٥١٤٥ (أحمد) في "مسند العشرة" ٧٥ و"مسند المكثرين" ٤٧٩٢. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مشروعيّة عرض الرجل ابنته، وكذا غيرها من مولياته على من يرضى من الرجال، ممن يعتقد خيريّته وصلاحيته؛ لما فيه من النفع العائد على المعروضة عليه، وأنه لا استحياء في ذلك. (ومنها): عتاب الرجل لأخيه، وعتبه عليه، واعتذاره إليه، وقد جُبِلت الطباع البشريّة على ذلك. (ومنها): الرخصة في تزويج من عرض النبيّ ﷺ -بخطبتها، أو أراد أن يتزوّجها لقول الصدّيق: "لو تركها لقبلتها". (ومنها): أنه لا بأس بعرض المرأة على الرجل المتزوّج؛ لأن أبا بكر كان حينئذ متزوّجًا، (ومنها): أنّ من حلف لا يُفشي سرّ فلان، فأفشى فلانٌ سرّ نفسه، ثم تحدّث به الحالف لا يحنث؛ لأن صاحب السرّ، هو الذي أفشاه، فلم يكن الإفشاء من قبل الحالف، وهذا بخلاف ما لو حدّث واحدًا آخر بشيء، واستحلفه ليكتمه، فليقيه رجل، فذكر له أنّ صاحب الحديث حدّثه بمثل ما حدّثه به، فأظهر التعجّب، وقال: ما ظننت أنه حدّث بذلك غيري، فإن هذا يحنث؛ لأن تحليفه وقع على أنه يكتم أنه حدّثه، وقد أفشاه. (ومنها): أن الأب تخُطب إليه بنته الثيّب كما تُخطب إليه البكر، ولا تخطب إلى نفسها، كذا قال ابن بطّال. ولكن قوله: لا تخطب إلى نفسها ليس في الخبر ما يدلّ عليه. (ومنها): أنه يزوّج بنته الثيّب من غير أن يستأمرها إذا علم أنها لا تكره ذلك، وكان الخاطب كفؤًا لها. وليس في الحديث تصريح بالنفي المذكور، إلا أنه يؤخذ من غيره. ذكره في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم

стр. 13847

بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢٥ - (بَابُ عَرْضِ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا عَلَى مَنْ تَرْضَى) ٣٢٥٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنِي مَرْحُومُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْعَطَّارُ, أَبُو عَبْدِ الصَّمَدِ, قَالَ: سَمِعْتُ ثَابِتًا الْبُنَانِيَّ, يَقُولُ: كُنْتُ عِنْدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, وَعِنْدَهُ ابْنَةٌ لَهُ, فَقَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ , فَعَرَضَتْ عَلَيْهِ نَفْسَهَا, فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ, أَلَكَ فِىَّ حَاجَةٌ؟). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (محمد بن المثنّى) بن عُبيد، العنزي، أبو موسى البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٦٤/ ٨٠. ٢ - (مرحوم بن عبد العزيز بن مِهران العطّار) الأمويّ، مولى آل معاوية بن أبي سفيان البصريّ، ثقة [٨]. وثقه أحمد، وابن معين، والنسائيّ، وأبو نعيم، ويعقوب بن سفيان، وابن حبّان. وقال البزّار: مشهورٌ ثقة، كان أحد العبّاد. قال أبو داود: مات سنة (١٨٧). وقال البخاريّ: قال بشر بن عُبيس بن مرحوم: مات سنة (١٨٨) وكان يوم مات الحسن ابن سبع سنين، ومات الحسن سنة (١١٠). روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب برقم ٢٥/ ٣٢٥٠ و ٣٢٥١، وحديث معاوية ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ خرج على حلقة … " الحديث رقم ٣٧/ ٥٤٢٧ [كيف يَستحلف الحاكم]. وقال في "الفتح": ليس له في البخاريّ سوى هذا الحديث، وقد أورده عنه في "كتاب الأدب" أيضًا. وذكر البزّار أنه تفرّد به عن ثابت انتهى (١). [تنبيه]: قوله: "أبو عبد الصمد" هكذا في "المجتبى" ٦/ ٧٨ - ، والذي في "تهذيب الكمال" -٢٧/ ٣٦٦ - و"تهذيب التهذيب" - ٤/ ٤٦ - : أبو محمد، ويقال: أبو عبد اللَّه،

стр. 13848

هذا الأخير هو الذي في "الكبرى" -٣/ ٢٧٧. واللَّه تعالى أعلم. ٣ - (ثابت البنانيّ) ابن أسلم، أبو محمد البصريّ، ثقة عابد [٤] ٤٥/ ٥٣. ٤ - (أنس بن مالك) - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو أعلى الأسانيد له، كما تقدم غير مرّة، وهو (١٦١) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه ثابتًا يقال: لازم أنسًا ﵁ أربعين سنة. (ومنها): أن فيه أنسَا ﵁ من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم - بالبصرة سنة (٢) أو (٩٣)، وقد جاوز المائة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث عن ثابت البُنَانيّ -رحمه اللَّه تعالى-، أنه (كُنْتُ عِنْدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (وَعِنْدَهُ ابْنَةٌ لَهُ) قال الحافظ: لم أقف على اسمها، وأظنّها أُمينة بالتصغير (فَقَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ) قال الحافظ أيضًا: لم أقف على تعيينها، وأشبه من رأيت بقصّتها ممن تقدّم ذكر اسمهنّ في الواهبات ليلى بنت قيس بن الخطيم، ويظهر لي أن صاحبة هذه القصّة غير التي في حديث سهل ﵁ (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَعَرَضتْ عَلَيْهِ نَفْسَهَا) أي ليتزوّجها (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَكَ فِيَّ) أي زواجي (حَاجَةٌ؟) أي رغبة، واحتياج. زاد في الرواية التالية: "فضحكت ابنة أنس، فقالت: ما كان أقلّ حياءها؟، فقال أنس: هي خير منكِ، عرضت نفسها على النبيّ ﷺ ". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٥/ ٣٢٥ و ٣٢٥١ - وفي "الكبرى" ٢٤/ ٥٣٦١ و ٥٣٦٢. وأخرجه (خ) في "النكاح" ٥١٢ و"الأدب" ٦١٢٣ (ق) في "النكاح" ٢٠٠١ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١٣٤٢٣. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده:

стр. 13849

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو مشروعيّة عرض المرأة نفسها على من ترضاه من أهل الصلاح. (ومنها): أن مثل هذا ليس بقلّة حياء شرعًا، وإن كان في عادة الناس يستحيى منه؛ لأن ذلك يعود على المرأة بالنفع الدنيويّ والأخرويّ. (ومنها): الحرص، وشدّة الرغبة في نيل شرف الدنيا والآخرة، وأن ذلك مما يستحسنه الشرع الشريف، والعقل، لا ما يزعم بعض الناس، ويتخيله بأن ذلك مما يُخلّ بالمروءة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٢٥١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْحُومٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ, عَنْ أَنَسٍ: "أَنَّ امْرَأَةً عَرَضَتْ نَفْسَهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ , فَضَحِكَتِ ابْنَةُ أَنَسٍ, فَقَالَتْ: مَا كَانَ أَقَلَّ حَيَاءَهَا؟ , فَقَالَ أَنَسٌ: هِيَ خَيْرٌ مِنْكِ, عَرَضَتْ نَفْسَهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ "). رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، والسند من الرباعيات، كسابقه، وهو (١٦٢) من رباعيات الكتاب، والحديث أخرجه البخاريّ، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله في الحديث الذي قبله. وقولها: "ما كان أقلَّ حياءها؟ " "أقلّ" فعل ماض متعدّ، قال في "القاموس": أقلّه: جعله قليلاً، كقلّله، و"ما" تعجّبيّةٌ مبتدأ، و"كان" زائدةٌ، والضمير الفاعل يعود لـ"ما"، وفي"حياءها" بالنصب مفعول به لـ"أقلّ"، والجملة خبر المبتدإ. والمعنى: أيُّ شيء جعل حياءها قليلاً، ومقصودها التعجّب من قلّة حيائها، حيث عرضت نفسها على النبيّ ﷺ ؛ لأن العادة أن المرأة تستحيي من أن تعرِضَ نفسها للرجال. وفي رواية البخاريّ: "فقالت: بنت أنس: ما أقلّ حياءها، وا سوأتاه، قال: هي خير منك، رغِبت في النبيّ ﷺ ، فعرضت نفسها عليه". وقولها: "وا سوأتاه" أصل السَّوْأَة - بفتح السين المهملة، وسكون الواو، بعدها همزة- الفَعْلة القبيحة، وتُطلق على الفرج، والمراد هنا الأول، والألف للندبة، والهاء للسكت. قاله في "الفتح". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 13850

٢٦ - (صَلَاةُ الْمَرْأَةِ إِذَا خُطِبَتْ، وَاسْتِخَارَتُهَا رَبَّهَا) قوله: "خُطبت" بالبناء للمفعول. ٣٢٥٢ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) عَبْدُ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ, عَنْ ثَابِتٍ, عَنْ أَنَسٍ, قَالَ: لَمَّا انْقَضَتْ عِدَّةُ زَيْنَبَ, قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِزَيْدٍ: «اذْكُرْهَا عَلَيَّ» , قَالَ زَيْدٌ: فَانْطَلَقْتُ, فَقُلْتُ: يَا زَيْنَبُ, أَبْشِرِي, أَرْسَلَنِي إِلَيْكِ رَسُولُ اللهِ ﷺ , يَذْكُرُكِ, فَقَالَتْ: مَا أَنَا بِصَانِعَةٍ شَيْئًا, حَتَّى أَسْتَأْمِرَ رَبِّي, فَقَامَتْ إِلَى مَسْجِدِهَا, وَنَزَلَ الْقُرْآنُ, وَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , فَدَخَلَ بِغَيْرِ أَمْرٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سويد بن نصر) أبو الفضل المروزيّ، لقبه الشاه، راوية ابن المبارك، ثقة [١٠] ٤٥/ ٥٥. ٢ - (عبد اللَّه) بن المبارك بن واضح الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت فاضل حجة [٨] ٣٢/ ٣٦. ٣ - (سليمان بن المغيرة) القيسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة [٧] ٥٣/ ٦١٦، والباقيان تقدما في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو والترمذيّ. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، وابن المبارك، فمروزيان. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَنَسِ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: لَمَّا انقَضَتْ عِدَّةُ زَيْنَبَ) أي من طلاق زيد بن حارثة - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وهي زينب بنت جحش بن رئاب بن يَعْمَر بن صَبْرة بن مرّة بن كَبير بن غَنْم بن دُودان بن أسد بن خُزيمة الأسديّة، أم المؤمنين. وأمّها أُميمة بنت عبد المطّلب عمة رسول اللَّه ﷺ (٢). زوجها رسول اللَّه ﷺ زيد بن حارثة - رضي

стр. 13851

اللَّه تعالى عنهما، وأصدقها عشرة دنانير وستين درهمًا، وخمارًا، وملحفةً، ودرعًا، وخمسين مُدًّا من طعام، وعشرة أمداد من تمر. قاله مقاتل بن حيّان، فمكثت عنده قريبًا من سنة، أو فوقها، ثم وقع بينهما، فجاء زيد يشكوها إلى رسول اللَّه ﷺ ، فجعل رسول اللَّه ﷺ يقولِ له: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٧] (١). [فائدة]: ذكر المفسّرون أقوالاً في المراد بقوله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ الآية، والأصحّ أنه إخبار اللَّه تعالى نبيّه ﷺ أنها ستصير زوجته. أخرج ابن أبي حاتم، من طريق السدّيّ، قال: "بلغنا أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش، وكانت أمها أُميمة بنت عبد المطّلب، عمة رسول اللَّه ﷺ ، وكان رسول اللَّه ﷺ أراد أن أن يزوّجها زيد بن حارثة مولاه، فكرهت ذلك، ثم إنها رضيت بما صنع رسول اللَّه ﷺ ، فزوّجها إياه، ثم أعلم اللَّه نبيّه ﷺ بعدُ أنها من أزواجه، فكان يستحيي أن يأمر بطلاقها، وكان لا يزال يكون بين زيد وزينب ما يكون بين الناس، فأمره رسول اللَّه ﷺ أن يُمسك عليه زوجه، وأن يتقي اللَّه، وكان يَخشى الناس أن يَعيبوا عليه، ويقولوا: تزوّج امرأة ابنه، وكان قد تبنّى زيدًا". وعنده من طريق عليّ بن زيد بن جُدعان، عن عليّ بن الحسين بن عليّ، قال: أعلم اللَّه نبيه ﷺ أن زينب ستكون من أزواجه قبل أن يتزوّجها، فلما أتاه زيد يشكوها إليه، وقال له: اتق اللَّه، وأمسك عليك زوجك، قال اللَّه: قد أخبرتك أني مزوّجكها، وتُخفي في نفسك ما اللَّه مبديه. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وقد أطنب الترمذيّ الحكيم في تحسين هذه الرواية، وقال: إنها من جواهر العلم المكنون، وكأنه لم يقف على نفسير السدّيّ الذي أوردته، وهو أوضح سياقًا، وأصحّ إسنادًا إليه؛ لضعف عليّ بن زيد بن جُدعان. وروى عبد الرزّاق، عن معمر، عن قتادة، قال: جاء زيد بن حارثة، فقال: يا رسول اللَّه إن زينب اشتدّ عليّ لسانها، وأنا أريد أن أُطلّقها، فقال له: اتق اللَّه، وأمسك عليك زوجك، قال: والنبيّ ﷺ يحبّ أن يُطلّقها، ويَخشى قالةَ الناس. ووردت آثار أخرى أخرجها ابن أبي حاتم، والطبريّ، ونقلها كثير من المفسّرين، لا ينبغي التشاغل بها (٢)، والذي أوردته منها هو المعتمد.

стр. 13852

والحاصل أن الذي كان يُخفيه النبيّ ﷺ هو إخبار اللَّه إياه أنها ستصير زوجته، والذي كان يحمله على إخفاء ذلك خشية قول الناس تزوّج امرأة ابنه، وأراد اللَّه إبطال ما كان أهل الجاهليّة عليه من أحكام التبنّي بأمر لا أبلغ في الإبطال منه، وهو تزوّج امرأة الذي يُدعَى ابنًا، ووقوع ذلك من إمام المسلمين ليكون أدعى لقبولهم، وإنما وقع الخبط في تأويل متعلّق الخشية. واللَّه تعالى أعلم. وأخرج الترمذيّ، من طريق داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن عائشة ﵂، قالت: "لو كان رسول اللَّه ﷺ ، كاتما شيئا من الوحي، لكتم هذه الآية: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ يعني بالإسلام ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ يعني بالعتق، فأعتقته ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ إلى قوله ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب: ٣٧] وإن رسوِل اللَّه ﷺ لما تزوجها، قالوا: تزوج حليلة ابنه، فأنزل اللَّه تعالى ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، وكان رسول اللَّه ﷺ تبناه، وهو صغير، فلبث حتى صار رجلا، يقال له: زيد بن محمد، فأنزل اللَّه ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ فلان مولى فلان، وفلان أخو فلان، ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥] يعني أعدل. قال أبو عيسى: هذا حديث غريب (١)، قد روي عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة، قالت: لو كان النبي ﷺ ، كاتما شيئا من الوحي، لكتم هذه الآية: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ هذا الحرف، لم يرو بطوله. وقال ابن العربيّ: إنما قال ﷺ لزيد: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ اختبارًا لما عنده من الرغبة فيها، أو عنها، فلما أطلعه زيد على ما عنده منها من النفرة التي نشأت من تعاظمها عليه، وبذاءة لسانها أذن له في طلاقها، وليس في مخالفة متعلّق الأمر لمتعلّق العلم ما يمنع من الأمر به. واللَّه أعلم (٢). (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لِزَيْدٍ: "اذْكُرْهَا عَلَيَّ") يقال: ذكر المرأة: إذا خطبها. وقيل: تعرّض لخِطبتها (٣). أي اخطبها لأجلي من نفسها، والتمس نكاحها لي. وإنما أرسل النبيّ ﷺ زيدا؛ لئلا يظنّ أحدٌ أن ذلك وقع قهرًا بغير رضاه، وفيه أيضًا اختبار ما كان

стр. 13853

عنده منها، هل بقي منه شيء، أو لا؟. واللَّه تعالى أعلم (١). (قَالَ: زَيْدُ) (فَانْطَلَقْتُ) وفي رواية مسلم: "فانطلق زيد، حتى أتاها، وهي تخُمّر عَجِينها، قال: فلما رأيتها عظُمت في صدري، حتى ما أستطيع أن أنظر إليها، أن رسول اللَّه ﷺ ذكرها، فولّيت ظهري، ونكصت على عَقِبي، فقلت: يا زينب، أرسل رسول اللَّه ﷺ يذكرك … " الحديث. قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: معنى هذا الكلام أنه لمّا خطبها النبيّ ﷺ ، وعَلِمَ زيد أنها صالحة لأن تكون من أزواج النبيّ ﷺ ، ومن أمهات المؤمنين، حصل لها في نفسه صورة أخرى، وإجلالٌ زائدٌ على ما كان لها عنده في حال كونها زوجته، وتوليته إياها ظهره مبالغةٌ في التحرّز من رؤيتها، وصيانةٌ لقلبه من التعلّق بها، على أن الحجاب إذ ذاك لم يكن مشروعًا بعدُ، على ما يدلّ عليه بقيّة الخبر انتهى (٢). (فَقُلْتُ: يَا زَيْنَبُ، أَبْشِرِي) بقطع الهمزة، وكسر الشين المعجمة، من أبشر رباعيًّا، يقال: أَبْشَرَ الرجلُ إبشارًا: إذا فَرِحَ، قال الشاعر [من الخفيف]: ثُمَّ أَبْشَرتُ إِذْ رَأَيْتُ سَوَامَا … وَبُيُوتًا مَبْثُوثَةً وَجِلَالَا أو بوصل الهمزة، وضمّ الشين المعجمة، وفتحها، من بَشَرْتُ بكذا، من باب نصر، وفَرِح: إذا فرحتَ به، ففيه ثلاث لغات، ويتعدّى أيضًا، فيقال: بَشَرتُهُ، من باب نصر، وبشّرته بالتضعيف، وأبشرته بالهمزة: إذا أفرحته. وإنما سميت البشارة به؛ لأن بَشَرَة الإنسان تنبسط عند السرور. أفاده في "لسان العرب". (أَرْسَلَنِي إِلَيْكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يَذْكُرُكِ) أي يخطبك، وهذه الجملة علة لأمرها بالبشرى، أي افرَحي لأنه ﷺ خطبك (فَقَالَتْ) زينب - رضي اللَّه تعالى عنها - (مَا أَنَا بِصَانِعَةٍ شَيْئًا، حَتَّى أَسْتَأْمِرَ رَبِّي) أي أستخيره، وانظر أمره على لسان رسول اللَّه ﷺ ، فلماَ وَكَلَت أمرها إلى اللَّه تعالى، وصحّ تفويضها إليه، تولّى اللَّه تعالىِ إنكاحها منه ﷺ ، ولم يُحوجها إلى من يتولّى عقد نكاحها، ولذلك قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ الآية [الأحزاب: ٣٧]، ولما أعلمه اللَّه تعالى بذلك دخل عليها بغير وليّ، وتجديد عقد، ولا تقرير صداق، ولا شيء مما يكون شرطًا في حقنا، ومشروعًا لنا، وهذا من خصائصه ﷺ اللاتي لا يشاركه فيها أحد بإجماع المسلمين. قاله القرطبيّ (٣) (فَقَامَتْ إِلَى مَسْجِدِهَا) بفتح الجيم، وكسرها: أي موضع صلاتها من بيتها لتصلّي

стр. 13854

صلاة الاستخارة؛ لأنه ﷺ كان علمها ذلك، كما سيأتي في الباب التالي حديث جابر ﵁، كان رسول اللَّه ﷺ يعلّمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلّمنا السورة من القرآن … " الحديث. قال النوويّ: ولعلّ استخارتها؛ لخوفها من التقصير في حقّه ﷺ (١). (وَنَزَلَ الْقُرْآنُ) يعني قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ الآية [سورة الأحزاب: ٣٧] (وَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَدَخَلَ بِغَيْرِ أَمْرٍ) أي بغير إذن منها؛ لأن اللَّه تعالى زوّجه إياها بهذه الآية الكريمة. زاد في رواية مسلم، من طريق بهز بن أسد، عن سليمان بن المغيرة، ما: لفظه: قال: فقال: ولقد رأيتنا أن رسول اللَّه ﷺ ، أطعمنا الخبز واللحم، حين امتد النهار، فخرج الناس، وبقي رجال يتحدثون في البيت، بعد الطعام، فخرج رسول اللَّه ﷺ ، واتبعته، فجعل يتتبع حُجَرَ نسائه، يسلم عليهن، ويَقُلنَ: يا رسول اللَّه، كيف وجدت أهلك؟، قال: فما أدري أنا أخبرته أن القوم قد خرجوا، أو أخبرني؟، قال: فانطلق حتى دخل البيت، فذهبت أدخل معه، فألقى السِّتْرَ بيني وبينه، ونزل الحجاب، قال: وَوُعِظ القومُ بما وُعِظُوا به. زاد ابن رافع في حديثه: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٦/ ٣٢٥٢ - وفي "الكبرى" في ٣٧/ ٥٣٩٩ و"التفسير". ١١٤١ و ١١٤١١. وأخرجه (م) في "النكاح" ١٤٢٨ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١٢٦١١. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو مشروعيّة صلاة المرأة إذا خُطبت، مستخيرةٌ ربها، ودعاؤها عند الخِطبة قبل الإجابة. (ومنها): استحباب صلاة الاستخارة لمن همّ بأمر، سواء كان ذلك الأمر ظاهر الخير، أم لا. (ومنها): أن من

стр. 13855

وكل أمره إلى اللَّه تعالى يسّر اللَّه له ما هو الأحظّ له، والأنفع دنيا وأخرى. (ومنها): أنه لا بأس أن يبعث الرجل لخطبة المرأة له من كان زوجها سابقًا، إذا علم أنه لا يكره ذلك، كما كان حال زيد ﵁ مع رسول اللَّه ﷺ . (ومنها): فضل زينب - رضي اللَّه تعالى عنها -، حيث زوّجها اللَّه من رسوله ﷺ ، ولذلك كانت تفتخر على بقية أزواج النبيّ ﷺ ، فقد أخرج البخاريّ عن أنس ﵁، قال: إن زينب بنت جحش - رضي اللَّه تعالى عنها - كانت تفتخر على أزواج النبيّ ﷺ ، فتقول: زوّجكنّ أهاليكنّ، وزوّجني اللَّه تعالى من فوق سبع سموات". وأخرج ابن جرير في "تفسيره" من طريق المغيرة، عن الشعبيّ، قال: كانت زينب - رضي اللَّه تعالى عنها -، تقول: للنبيّ ﷺ : إني لأُدلي عليك بثلاث، ما من نسائك امرأة تُدلي بهنّ: إن جدّي وجدّك واحد، وإني أَنكحنيك اللَّه من السماء، وإن السفير جبريل ﵇. انتهى (١). وهذا مرسل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٢٥٣ - (أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الصُّوفِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ طَهْمَانَ, أَبُو بَكْرٍ, سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ, يَقُولُ: كَانَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ, تَفْخَرُ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ , تَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ , أَنْكَحَنِي مِنَ السَّمَاءِ, وَفِيهَا نَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: مناسبة حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا لَهذا الباب من حيث إن فيه إشارةً إلى أن سبب الفخر الذي نالته زينب - رضي اللَّه تعالى عنها - إنما حصل لها بسبب صلاتها، واستخارتها ربّها، فلما التجأت إليه ، تولّى أمرها بنفسه، فزوّجها من رسوله ﷺ ، وأنزل في شأنها قرآنا يُتلى، فيستحبّ للنساء أن يقتدين بها حتى يحصل لهنّ ما حصل من البركة. واللَّه تعالى أعلم. ورجال هذا إسناده: أربعة: ١ - (أحمد بن يحيي) بن زكريا الأوديّ، أبو جعفر الكوفيّ العابد، وهو ثقة [١١] ٣٨/ ١٢٧٤. ٢ - (أبو نُعيم) الفضل بن دُكين التيميّ مولاهم الكوفيّ، الثقة الثبت [٩] ١١/ ٥١٦. ٣ - (عيسى بن طهمان) بن رامة الْجُشميّ -بضم الجيم، وفتح المعجمة- أبو بكر البصريّ، نزيل الكوفة، صدوق، أفرط ابن حبّان، والذنب فيما استنكره من حديثه لغيره [٥]. قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: شيخٌ ثقة. وقال حنبل بن إسحاق، عن أحمد بن

стр. 13856

حنبل: ليس به بأس. وكذا قال ابن معين، والنسائيّ. وقال المفضّل الغلابيّ، عن ابن معين: بصريّ، صار إلى الكوفة ثقة، لقيه أبو النضر البغداديّ. وقال أبو حاتم: لا بأس به، يُشبه حديثه حديث أهل الصدق، ما بحديثه بأس. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة. وقال أبو داود: لا بأس به، أحاديثه مستقيمة. وقال مرّةً: ثقة. وقال الحاكم، عن الدارقطنيّ: ثقة. وقال ابن معين في رواية جعفر الطيالسيّ عنه: لا بأس به. وقال الحاكم: صدوق. وقال ابن حبّان: يتفرّد بالمناكير عن أنس، كأنه كان يدلّس عن أبان ابن عيّاش، ويزيد الرقاشي عنه، لا يجوز الاحتجاج بخبره. وقال العقيليّ: لا يتابع على حديثه، ولعلّه أُتي من خالد بن عبد الرحمن؛ لأن أبا نعيم، وخلّادًا -يعني ابن يحيى- قد حدّثا عنه أحاديث مقاربة. ثم ساق له من رواية خالد عنه، عن أنس حديثين: أحدهما: "من وسّع لنا في مسجدنا هذا بني اللَّه له بيتًا في الجنّة". والثاني: أنه ﷺ قال لعثمان: "أُزوّجك خيرًا من بنت عمر، ويتزوّج بنت عمر خيرٌ منك". وأورد له ابن حبّان عن أنس حديث: "ارحموا ثلاثةً: عزيز قوم ذَلَّ … " الحديث. وقال الذهبيّ: مات قبل الستّين ومائة. روى له البخاريّ، والترمذيّ، في "الشمائل"، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديث الباب فقط. والصحابيّ تقدم في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٦٣) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه ما بين كوفيين، وبصريين. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث عن عيسى بن طهمان -رحمه اللَّه تعالى-، أنه قال: (سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (يَقُولُ: كَانَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جحشٍ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (تَفْخَرُ) -بفتح الخاء المعجمة- يقال: فَخَرتُ به فَخْرًا، من باب نفع، وافتخرتُ مثله، والاسم الْفَخَار- بالفتح-، وهو المباهاةُ بالمكارم، والمناقب، من حَسَبٍ، ونَسَبٍ، وغير ذلك، إما في المتكلّم، أو في آبائه. قاله الفيّوميّ (عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ ، تَقُولُ) هذا بيان لكيفية فخرها، والأمر الذي افتخرت به (إِنَّ اللَّهَ ، أَنْكَحَنِي) أي زوَّجني من النبيّ ﷺ (مِنَ السمَاءِ) أي أنزل ذلك منه. وفي لفظ البخاريّ: "إن اللَّه أنكحني في السماء"، وزاد الإسماعيليّ من طريق الفريابيّ، وأبي قُتيبة، عن عيسى: "أنتنّ أنكحكنّ آباؤكنّ".

стр. 13857

قال في "الفتح": وهذا الإطلاق محمول على البعض، وإلا فالمحقَّق أن التي زوّجها أبوها منهنّ عائشة، وحفصة، فقط، وفي سودة، وزينب بنت خُزيمة، وجويرية احتمال، وأما أمّ سلمة، وأم حبيبة، وصفيّة، وميمونة، فلم يُزوِّجْ واحدةً منهنّ أبوها. انتهى. وفي رواية له من طريق ثابت، عن أنس ﵁: "فكانت زينب تفخر على أزواج النبيّ ﷺ ، تقول: زوّجكنّ أهاليكنّ، وزوّجني اللَّه تعالى من فوق سبع سماوات". ووقع عند ابن سعد من وجه آخر، عن أنس بلفظ: "قالت زينب يا رسول اللَّه، إني لستُ كأحد من نسائك، ليست منهنّ امرأة إلا زوّجها أبوها، أو أخوها، أو أهلها غيري". وسنده ضعيف. ومن وجه آخر موصول عن أم سلمة: "قالت زينب ما أنا كأحد من نساء النبيّ ﷺ ، إنّهنّ زُوّجْنّ بالمهور، زوّجهنّ الأولياء، وأنا زوَّجني اللَّه رسوله ﷺ ، وأنزل اللَّه في الكتاب". وفي مرسل الشعبيّ: "قالت زينب: يا رسول اللَّه، أنا أعظم نسائك عليك حقًّا، أنا خيرهنّ مُنكحًا، وأكرمهنّ سَفِيرًا، وأقربهنّ رحمًا، فزوّجنيك الرحمن من فوق عرشه، وكان جبريل هو السفير بذلك، وأنا ابنة عمتك، وليس لك من نسائك قريبة غيري". أخرجه الطبرانيّ، وأبو القاسم الطحاويّ في "كتاب الحجّة والتبيان" له. قاله في "الفتح" (١). [تنبيه]: قال الكرمانيّ: قوله: "في السماء" ظاهره غير مراد، إذ اللَّه منزّهٌ عن الحلول في المكان، لكن لما كانت جهة العلوّ أشرف من غيرها أضافها إليه؛ إشارةً إلى علوّ الذات والصفات انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى: الحقّ أن هذا، وأمثاله، كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، وكحديث ينزل ربّنا إلى سماء الدنيا كلّ ليلة … " الحديث، يُحمل على ظاهره، مع اعتقاد التنزيه للَّه تعالى عن مشابهة خلقه في صفاته، وقوله: إذ اللَّه منزّه عن الحلول في المكان صحيح، لكن لا يلزم من إثبات هذه الصفات له الحلول في المكان؛ وإثما يأتي هذا التخيل من قياس الغائب بالشاهد، فاللَّه له صفاته اللائقة به، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾: فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحيّر بالاعتساف. واللَّه تعالى أعلم. (وَفِيهَا) أي في شأن زواج زينب - رضي اللَّه تعالى عنها - (نَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ) أي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ الآية، ففي رواية البخاريّ من رواية

стр. 13858

أَبِي قلابة، قال: أنس بن مالك: أنا أعلم الناس بهذه الآية، آيةِ الحجاب، لَمّا أُهديت زينب بنت جحش، ﵂، إلى رسول اللَّه ﷺ ، كانت معه في البيت، صنع طعاما، ودعا القوم، فقعدوا يتحدثون، فجعل النبي ﷺ يخرج، ثم يرجع، وهم قعود يتحدثون، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ﴾، فضرب الحجاب، وقام القوم. وفي رواية له من عبد العزيز بن صُهيب، عن أنس ﵁، قال: بُنِيَ على النبيّ ﷺ ، بزينب بنت جحش، بخبز ولحم، فأرسِلتُ على الطعام داعيا، فيجيء قوم فيأكلون ويخرجون، ثم يجيء قوم، فيأكلون ويخرجون، فدعوت حتى ما أجد أحدا أدعو، فقلت: يا نبي اللَّه ما أجد أحدا أدعوه، قال: "ارفعوا طعامكم"، وبقي ثلاثة رهط، يتحدثون في البيت، فخرج النبي ﷺ ، فانطلق إلى حجرة عائشة، فقال: "السلام عليكم أهل البيت ورحمة اللَّه"، فقالت: وعليك السلام ورحمة اللَّه، كيف وجدت أهلك، بارك اللَّه لك، فتَقَرَّى حُجَر نسائه كلهن، يقول لهن كما يقول لعائشة، ويقلن له كما قالت عائشة، ثم رجع النبي ﷺ ، فإذا ثلاثة من رهط في البيت يتحدثون، وكان النبي ﷺ شديد الحياء، فخرج منطلقا نحو حجرة عائشة، فما أدري آخبرته، أو أُخبر أن القوم خرجوا، فرجع حتى إذا وضع رجله في أسكفة الباب داخلة، وأخرى خارجة، أرخى الستر بيني وبينه، وأُنزلت آية الحجاب. [تنبيه]: وقع في رواية مجاهد، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - لنزول آية الحجاب سبب آخر، أخرجه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في "الكبرى" رقم -١١٤١٩ - ولفظه: "قالت: كنت آكل مع النبيّ ﷺ حَيسًا في قَعْبٍ، فمرّ عمر ﵁، فدعاه، فأكل، فاصابت أصبعه أصبعي، فقال: حَسٌ -أو أوّه- لو أطاع فيكنّ ما رأتكنّ عين، فنزل الحجاب". ويمكن الجمع -كما قال الحافظ- بأن ذلك وقع قبل قصّة زينب، فلقربه منها أُطلقت نزول الحجاب بهذا السبب، ولا مانع من تعدّد الأسباب. وقد أخرج ابن مردويه من حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: دخل رجلٌ على النبيّ ﷺ ، فأطال الجلوس، فخرج النبيّ ﷺ ثلاث مرّات؛ ليخرج، فلم يفعل، فدخل عمر ﵁، فرأى الكراهية في وجهه، فقال للرجل: لعلّك آيت النبيّ ﷺ ، فقال النبيّ ﷺ : "لقد قمتُ ثلاثًا؛ لكي يتبعني، فلم يفعل"، فقال له عمر ﵁: يا رسول اللَّه، لو اتخذت حجابًا، فإن نساءك لسن كسائر النساء، وذلك أطهر لقلوبهنّ،

стр. 13859

فنزلت آية الحجاب. قاله في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٦/ ٣٢٥٣ - وفي "الكبرى" ٣٧/ ٥٤٠٠ و ٥٤٠١. وأخرجه (خ) في "التوحيد" ٧٤٢٠ و ٧٤٢١ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١٢٩٤٨. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): فضل النبيّ ﷺ ، وما خصّه اللَّه تعالى به من المزايا الرفعية، ومنها أنه زوّجه زينب - رضي اللَّه تعالى عنها - في السماء، وليس هناك صداق، ولا ما يُتطلّب في عقد النكاح. (ومنها): بيان منقبة زينب - رضي اللَّه تعالى عنها -، كما بيّنت هي ذلك حيث قالت: "إن اللَّه أنكحني من السماء". (ومنها): بيان سبب نزول آية الحجاب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢٧ - (كَيْفَ الاسْتِخَارَةُ؟) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الاستخارة": استفعالٌ من الخير، أو من الْخِيرة -بكسر أوّله، وفتح ثانيه، بوزن الْعِنَبَة- اسم من قولك خار اللَّه له، واستخار اللَّه: طلَب منه الخِيَرَة، وخار اللَّه له: أعطاه ما هو خيرٌ له، والمراد طلب خير الأمرين لمن احتاج إلى أحدهما. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٢٥٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الْمَوَالِ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ, عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , يُعَلِّمُنَا الاِسْتِخَارَةَ, فِي الأُمُورِ كُلِّهَا, كَمَا

стр. 13860

يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ, يَقُولُ: «إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ, فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ, مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ, ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ, وَأَسْتَعِينُكَ بِقُدْرَتِكَ, وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ, فَإِنَّكَ تَقْدِرُ, وَلَا أَقْدِرُ, وَتَعْلَمُ, وَلَا أَعْلَمُ, وَأَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ, اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ, أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي, وَمَعَاشِي, وَعَاقِبَةِ أَمْرِي" -أَوْ قَالَ-: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ, فَاقْدُرْهُ لِي, وَيَسِّرْهُ لِي, ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ, وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ, شَرٌّ لِي فِي دِينِي, وَمَعَاشِي, وَعَاقِبَةِ أَمْرِي" -أَوْ قَالَ- "فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ, فَاصْرِفْهُ عَنِّي, وَاصْرِفْنِي عَنْهُ, وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ, حَيْثُ كَانَ, ثُمَّ أَرْضِنِي بِهِ", -قَالَ-: "وَيُسَمِّى حَاجَتَهُ"). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (ابن أبي الموال) -بفتح الميم، وتخفيف الواو، بصيغة جمع مولى -وهو عبد الرحمن بن أبي الموال واسمه زيد، ويقال: زيد جدّ عبد الرحمن، وأبوه لا يعرف اسمه، أبو محمد، مولى آل عليّ، صدوق ربما أخطأ [٧]. قال أبو طالب، عن أحمد: لا بأس بة. وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: صالح. وقال الترمذيّ، والنسائيّ: ثقة. وكذا قال الدُّوريّ، عن ابن معين، والآجرّيّ، عن أبي داود. وقال أبو زرعة: لا بأس به، صدوق. وقال ابن حبّان في "الثقات": يُخطىء. وقال أبو طالب، عن أحمد: كان يروي حديثًا منكرًا عن ابن المنكدر، عن جابر في الاستخارة، ليس أحدٌ يرويه غيره. قال: وأهل المدينة يقولون، إذا كان حديث غلط: ابن المنكدر، عن جابر. وأهل البصرة يقولون: ثابتٌ، عن أنس، يَحملون عليهما. وقال ابن عديّ: ولعبد الرحمن غير ما ذكرت، وهو مستقيم الحديث، والذي أُنكر عليه حديث الاستخارة، وقد روى حديث الاستخارة غيرُ واحد من الصحابة، كما رواه ابن أبي الموال انتهى. وقد جاء من رواية أيوب، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وابن مسعود، وغيرهم، وليس في حديث منهم ذكر الصلاة إلا في حديث أبي أيوب، ولم يُقيّده بركعتين، ولا بقوله: "من غير الفريضة". وذكر في "الفتح": ما حاصله: عبد الرحمن من ثقات المدنيين، وكان يُنسب إلى ولاء آل عليّ بن أبي طالب، وخرج مع محمد بن عبد اللَّه بن الحسن في زمن المنصور، فلما قُتل محمد حُبس عبد الرحمن المذكور بعد أن ضُرب. وقد وثّقه ابن معين، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وغيرهم. وذكره ابن عديّ في "الكامل" في الضعفاء وأسند عن أحمد بن حنبل أنه قال: كان محبوسًا في المطبق حين هُزِمَ هؤلاء -يعني بني

стр. 13861

حسن- قال: وروى عن محمد بن المنكدر، عن جابر حديث الاستخارة، وليس أحدٌ يرويه غيره، وهو منكر، وأهل المدينة إذا كان الحديث غلطًا يقولون: ابن المنكدر، عن جابر، كما أن أهل البصرة يقولون: ثابتٌ عن أنس، يحملون عليهما. وقد استشكل الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذيّ" هذا الكلامَ، وقال: ما عرفتُ المراد به، فإن ابن المنكدر، وثابتًا ثقتان، متّفقٌ عليهما. قال الحافظ: يظهر لي أن مرادهم التهكّم، والنكتة في اختصاص الترجمة للشهرة والكثر. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي فسّر به الحافظ كلام الإمام أحمد غير واضح، وأحسن تفسير لكلامه، وأوضحه ما ذكره الحافظ ابن رجب في "شرح علل الترمذيّ"، ونصّه: ومراد أحمد بهذا كثرة من يروي عن ابن المنكدر من ضعفاء أهل المدينة، وكثرة من يروي عن ثابت من ضعفاء أهل البصرة، وسيّىء الحفظ والمجهولين منهم، فإنه كثرت الرواية عن ثابت من هذا الضرب، فوقعت المنكرات في حديثه، وإنما أُتِيَ من جهة من روى عنه من هؤلاء. ذكره هذا المعنى ابن عديّ وغيره. ولما اشتهر رواية ابن المنكدر عن جابر، ورواية ثابت، عن أنس صار كلّ ضعيف، وسيء الحفظ إذا روى حديثًا عن ابن المنكدر يجعله عن جابر، عن النبيّ ﷺ وإن رواه عن ثابت، جعله عن أنس، عن النبيّ ﷺ . هذا معنى كلام الإمام أحمد، واللَّه أعلم. انتهى (١). ونظمت ذلك في "ألفيّة العلل" بقولي: وَقَالَ أَحْمَدُ ذَوُو الْمَدِينَةِ … غَلَطُهُم يُعْزَى لَدَى الرِّوَايَةِ لِوَلَدِ الْمُنكَدِرِ الرِّاوِيَةِ … لِجَابِرٍ كَذَاكَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ يَعْرُونَهُ لِثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ … فَلْتَعلَمَنْ بِالضَّابِطِ الْمُؤَسَّسِ تَفْسِيرُهُ كونُ الطَّرِيقِ اشْتَهَرَا … فِي البَلْدَتَيْنِ عَنْ كِلَيْهِمَا جَرَى فَمَا رَوَوْا لِوَلَدِ الْمُنكَدِرِ … يَعْزُونَهُ بِحُمْقِهِمْ لِجَابِرِ كَذَاكَ مَا عَنْ ثَابِتٍ قَدْ نَقَلُوا … لأَنَسٍ عَزَوْهُ فَافْهَمْ يَا فُلُ قال: ثم ساق ابن عديّ لعبد الرحمن أحاديث، وقال: هو مستقيم الحديث، والذي

стр. 13862

أُنكر عليه حديث الاستخارة. وقد رواه غير واحد من الصحابة كما رواه ابن أبي الموال. قال الحافظ: يريد أن للحديث شواهدَ، وهو كما قال، مع مشاححة في إطلاقه. قال الترمذيّ بعد أن أخرجه: حسنٌ صحيحٌ غريبٌ، لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي الموال، وهو مدنيّ ثقة، روَى عنه غيرُ واحد، وفي الباب عن ابن مسعود، وأبي أيّوب. قال الحافظ: وجاء أيضًا عن أبي سعيد، وأبي هريرة، وابن عباس، وابن عمر. فحديث ابن مسعود أخرجه الطبرانيّ، وصححه الحاكم، وحديث أبي أيّوب أخرجه الطبرانيّ، وصححه ابن حبّان، والحاكم، وحديث أبي سعيد، وأبي هريرة أخرجهما ابن حبّان في "صحيحه"، وحديث ابن عمر، وابن عبّاس حديث واحدٌ، أخرجه الطبرانيّ من طريق إبراهيم بن أبي عَبْلَةَ، عن عطاء، عنهما، وليس في شيء منها ذكر الصلاة، سوى حديث جابر، إلا أن لفظ أبي أيوب: "اكتم الخطبة، وتوضّأ، فأحسن الوضوء، ثم صلّ ما كتب اللَّه لك … " الحديث، فالتقييد بركعتين خاصّ بحديث جابر. وجاء ذكر الاستخارة في حديث سعد رفعه: "من سعادة ابن آدم استخارته اللَّه". أخرجه أحمد، وسنده حسن، وأصله عند الترمذيّ، لكن بذكر الرضا والسخط، لا بذكر الاستخارة. ومن حديث أبي بكر الصّدّيق ﵁: " أن النبيّ ﷺ كان إذا أراد أمرًا قال: اللَّهمّ خِرْ لي، واختر لي". أخرجه الترمذيّ، وسنده ضعيف. وفي حديث أنس ﵁، رفعه: "ما خاب من استخار … " الحديث، أخرجه الطبراني في "الصغير" بسند واهٍ جدًّا. انتهى (١). وقال قتيبة: مات سنة (١٧٣). روى له الجماعة، سوى مسلم، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط. ٣ - (محمد بن المنكدر) بن عبد اللَّه بن الهدير- بالتصغير- التيميّ المدنيّ، ثقة فاضل [٣] ١٠٣/ ١٣٨. ٤ - (جابر بن عبد اللَّه) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابّي - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٣١/ ٣٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد:

стр. 13863

(منها)؛ أنه من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٦٥) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، ثم مصريّ. (ومنها): أن فيه جابرًا - رضي اللَّه تعالى عنه - من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ مُحَمَّدْ بن الْمُنْكَدِرِ) وقع في رواية للبخاريّ في "التوحيد" من طريق معن بن عيسى، عن عبد الرحمن: "سمعت محمد بن المنكدر يُحدّث عبد اللَّه بن الحسن -أي الحسن بن عليّ بن أبي طالب- يقول: أخبرني جابر السَّلَميّ"، وهو -بفتح السين المهملة، واللام - نسبة إلى بني سَلِمَة -بكسر اللام- بطنٌ من الأنصار. وعند الإسماعيليّ من طريق بشر بن عُمير: "حدّثني عبد الرحمن سمعت ابن المنكدر حدّثني جابر". (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبدِ اللَّهِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يُعَلِّمُنا الِاسْتِخَارَةَ) وفي رواية البخاريّ، من طريق معن المذكورة: "يُعلّم أصحابه"، وكذا في طريق بشر بن عُمير" (فِي الأُمُورِ كُلِّهَا) قال ابن أبي جمرة: هو عامّ أُريد به الخصوص، فإن الواجب، والمستحبّ لا يُستخار في فعلهما، والحرام، والمكروه، لا يُستخار في تركهما، فانحصر الأمر في المباح، وفي المستحبّ إذا تعارض منه أمران، أيّهما يبدأ به، ويقتصر عليه. قال الحافظ: وتدخل الاستخارة فيما عدا ذلك في الواجب، والمستحبّ المخيّر، وفيما كان زمنه موسّعًا، ويَتناول العمومُ العظيمَ من الأمور، والحقير، فربّ حقير يترتّب عليه الأمر العظيم (١). (كَمًا يُعَلّمُنًا السُورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ) أي يعتني بشأن الاستخارة؛ لعظم نفعها، وعمومه، كما يعتني بالسورة. وقال في "الفتح": قيل: وجه التشبيه عموم الحاجة في الأمور كلّها إلى الاستخارة، كعموم الحاجة إلى القراءة في الصلاة. ويحتمل أن يكون المراد ما وقع في حديث ابن مسعود ﵁ في التشهّد: "علّمني رسول اللَّه ﷺ التشهّد كفّي بين كفّيه". أخرجه البخاريّ. في "الاستئذان". وفي رواية الأسود بن يزيد، عن ابن مسعود ﵁: "أخذتُ التشهّد من في رسول اللَّه ﷺ كلمةً كلمةً". أخرجها الطحاويّ. وفي رواية سلمان نحوه، وقال: "حرفًا حرفًا". أخرجه الطبرانيّ. وقال ابن أبي جمرة: التشبيه في تحفّظ حروفه، وترتّب كلماته، ومنع الزيادة والنقص

стр. 13864

منه، والدرس له، والمحافظة عليه. ويحتمل أن يكون من جهة الاهتمام به، والتحقيق لبركته، والاحترام له. ويحتمل أن يكون من جهة كون كلّ منهما عُلم بالوحي. قاله في "الفتح". (يَقولُ) زاد عند أبي داود: "لنا"، والجملة بيان لقوله: "يعلّمنا الاستخارة" (إِذًا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ) قال ابن أبي جمرة ترتيب الوارد على القلب على مراتب: الهمّة، ثمّ اللَّمَّة، ثمّ الْخَطْرَة"، ثمّ النّيّة، ثمّ الإرادة، ثمّ العزيمة. فالثلاثة الأُوَلُ لا يؤاخذ بها بخلاف الثلاثة الأُخر، فقوله: "إذا همّ" يُشير إلى أوّل ما يَرِدُ على القلب، يستخير، فيظهر له ببركة الصلاة والدعاء ما هو الخير، بخلاف ما إذا تمكن الأمر عنده، وقَوِيت فيه عزيمته وإرادته، فإنه يَصير إليه له ميلٌ، وحُبّ، فيُخشى أن يَخفى عنه وجه الأرشديّة؛ لغلبة ميله إليه. قال: ويحتمل أن يكون المراد بالهمّ العزيمة؛ لأن الخاطر لا يثبت، فلا يستمرّ إلا على ما يقصد التصميم على فعله، وإلا لو استخار في كلّ خاطر لاستخار فيما لا يُعبأ به، فتضيع عليه أوقاته. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الأول بعيدٌ جدًّا عن معنى الحديث، فلا ينبغي الالتفات إليه، بل الاحتمال الثاني هو المتعيّن، ويؤيّده ما وقع في حديث ابن مسعود ﵁: "إذا أراد أحدكم أمرًا فليقل". واللَّه تعالى أعلم. (فَلْيَرْكَع) الأمر فيه للندب، كما سيأتي تحقيقه في "المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى (رَكعَتَينِ) هذا يقيّد مطلق حديث أبي أيّوب حيث قال: "صلّ ما كتب اللَّه لك". قال في "الفتح": ويمكن الجمع بأن المراد أنه لا يقتصر على ركعة واحدة؛ للتنصيص على الركعتين، ويكون ذكرهما على سبيل التنبيه بالأدنى على الأعلى، فلو صلّى أكثر من ركعتين أجزأه. والظاهر أنه يشترط إذا أراد أن أن يزيد على الركعتين أن يُسلّم من كلّ ركعتين ليحصل مسمّى ركعتين، ولا يُجزىء لو وصل أربعًا بتسليمة، وكلام النوويّ يُشعر بالإجزاء انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "ويمكن الجمع الخ" فيه نظر لا يخفى، بل الظاهر تقييد المطلق في حديث أبي أيوب بهذا الحديث، وأما دلالته على جواز أكثر من ركعتين فبعيدة، فتنبّه. والحاصل أن السنّة أن يقتصر على الركعتين، كما هو المنصوص عليه في حديث الباب. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 13865

(من غَيْرِ الفَرِيضَةِ) فيه احتراز عن صلاة الصبح مثلًا. ويحتمل أن يريد بالفريضة عينها وما يتعلّق بها، فيُحترز عن الراتبة، كركعتي الفجر مثلًا. وقال النوويّ في "الأذكار": لو دعا بدعاء الاستخارة عقب صلاة الظهر مثلًا، أو غيرها من النوافل الراتبة، والمطلقة، سواء اقتصر على ركعتين، أو أكثر أجزأ. قال الحافظ: كذا أطلق، وفيه نظر. ويظهر أن يقال: إن نوى تلك الصلاة بعينها، وصلاة الاستخارة معًا أجزأ، بخلاف ما إذا لم ينو، ويفارق صلاة تحية المسجد؛ لأن المراد بها شَغلُ البقعة بالدعاء (١)، والمراد بصلاة الاستخارة أن يقع الدعاء عقبها، أو فيها، ويبعد الإجزاء لمن عرض له الطلب بعد فراغ الصلاة؛ لأن ظاهر الخبر أن تقع الصلاة والدعاء بعد وجود إرادة الأمر. وأفاد النوويّ أنه يقرأ في الركعتين الكافرون والإخلاص. قال الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذيّ": لم أقف على دليل ذلك، ولعله ألحقها بركعتي الفجر، والركعتين بعد المغرب، قال: ولهما مناسبة بالحال لما فيهما من الإخلاص والتوحيد، والمستخير محتاج لذلك. قال: والمناسب أن يقرأ فيهما مثل قوله: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾. وقال الحافظ: والأكمل أن يقرأ في كلّ منهما السورة، والآية الأوليين في الأولى، والأخريين في الثانية انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قالوه يحتاج إلى دليل، فإذ ثبت قلنا به، وإلا فالأمر واسع، لا تقييد فيه بشيء مما ذُكر. فتبصّر، ولا تتحيّر. واللَّه تعالى أعلم. (ثُمَّ يَقُولُ) هذا ظاهر في كون الدعاء بعد تمام الصلاة. قال في "الفتح": ثم هو ظاهر في تأخير الدعاء عن الصلاة، فلو دعا به في أثناء الصلاة احتمل الإجزاء. ويحتمل الترتيب على تقديم الشروع في الصلاة قبل الدعاء، فإن موطن الدعاء في الصلاة السجود، أو التشهّد. انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأولى عندي أن يكون الدعاء بعد التسليم من الصلاة؛ لأن "ثم" ظاهرة في الترتيب والمهلة، فيكون معنى المهلة هنا أن يؤخر الدعاء عن الصلاة. واللَّه تعالى أعلم. [فائدة]: قال ابن أبي جمرة -رحمه اللَّه تعالى-: الحكمة في تقديم الصلاة على الدعاء
следующие страницы →