← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 13861–13900 · переход к 13866.

стр. 13861

حسن- قال: وروى عن محمد بن المنكدر، عن جابر حديث الاستخارة، وليس أحدٌ يرويه غيره، وهو منكر، وأهل المدينة إذا كان الحديث غلطًا يقولون: ابن المنكدر، عن جابر، كما أن أهل البصرة يقولون: ثابتٌ عن أنس، يحملون عليهما. وقد استشكل الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذيّ" هذا الكلامَ، وقال: ما عرفتُ المراد به، فإن ابن المنكدر، وثابتًا ثقتان، متّفقٌ عليهما. قال الحافظ: يظهر لي أن مرادهم التهكّم، والنكتة في اختصاص الترجمة للشهرة والكثر. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي فسّر به الحافظ كلام الإمام أحمد غير واضح، وأحسن تفسير لكلامه، وأوضحه ما ذكره الحافظ ابن رجب في "شرح علل الترمذيّ"، ونصّه: ومراد أحمد بهذا كثرة من يروي عن ابن المنكدر من ضعفاء أهل المدينة، وكثرة من يروي عن ثابت من ضعفاء أهل البصرة، وسيّىء الحفظ والمجهولين منهم، فإنه كثرت الرواية عن ثابت من هذا الضرب، فوقعت المنكرات في حديثه، وإنما أُتِيَ من جهة من روى عنه من هؤلاء. ذكره هذا المعنى ابن عديّ وغيره. ولما اشتهر رواية ابن المنكدر عن جابر، ورواية ثابت، عن أنس صار كلّ ضعيف، وسيء الحفظ إذا روى حديثًا عن ابن المنكدر يجعله عن جابر، عن النبيّ ﷺ وإن رواه عن ثابت، جعله عن أنس، عن النبيّ ﷺ . هذا معنى كلام الإمام أحمد، واللَّه أعلم. انتهى (١). ونظمت ذلك في "ألفيّة العلل" بقولي: وَقَالَ أَحْمَدُ ذَوُو الْمَدِينَةِ … غَلَطُهُم يُعْزَى لَدَى الرِّوَايَةِ لِوَلَدِ الْمُنكَدِرِ الرِّاوِيَةِ … لِجَابِرٍ كَذَاكَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ يَعْرُونَهُ لِثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ … فَلْتَعلَمَنْ بِالضَّابِطِ الْمُؤَسَّسِ تَفْسِيرُهُ كونُ الطَّرِيقِ اشْتَهَرَا … فِي البَلْدَتَيْنِ عَنْ كِلَيْهِمَا جَرَى فَمَا رَوَوْا لِوَلَدِ الْمُنكَدِرِ … يَعْزُونَهُ بِحُمْقِهِمْ لِجَابِرِ كَذَاكَ مَا عَنْ ثَابِتٍ قَدْ نَقَلُوا … لأَنَسٍ عَزَوْهُ فَافْهَمْ يَا فُلُ قال: ثم ساق ابن عديّ لعبد الرحمن أحاديث، وقال: هو مستقيم الحديث، والذي

стр. 13862

أُنكر عليه حديث الاستخارة. وقد رواه غير واحد من الصحابة كما رواه ابن أبي الموال. قال الحافظ: يريد أن للحديث شواهدَ، وهو كما قال، مع مشاححة في إطلاقه. قال الترمذيّ بعد أن أخرجه: حسنٌ صحيحٌ غريبٌ، لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي الموال، وهو مدنيّ ثقة، روَى عنه غيرُ واحد، وفي الباب عن ابن مسعود، وأبي أيّوب. قال الحافظ: وجاء أيضًا عن أبي سعيد، وأبي هريرة، وابن عباس، وابن عمر. فحديث ابن مسعود أخرجه الطبرانيّ، وصححه الحاكم، وحديث أبي أيّوب أخرجه الطبرانيّ، وصححه ابن حبّان، والحاكم، وحديث أبي سعيد، وأبي هريرة أخرجهما ابن حبّان في "صحيحه"، وحديث ابن عمر، وابن عبّاس حديث واحدٌ، أخرجه الطبرانيّ من طريق إبراهيم بن أبي عَبْلَةَ، عن عطاء، عنهما، وليس في شيء منها ذكر الصلاة، سوى حديث جابر، إلا أن لفظ أبي أيوب: "اكتم الخطبة، وتوضّأ، فأحسن الوضوء، ثم صلّ ما كتب اللَّه لك … " الحديث، فالتقييد بركعتين خاصّ بحديث جابر. وجاء ذكر الاستخارة في حديث سعد رفعه: "من سعادة ابن آدم استخارته اللَّه". أخرجه أحمد، وسنده حسن، وأصله عند الترمذيّ، لكن بذكر الرضا والسخط، لا بذكر الاستخارة. ومن حديث أبي بكر الصّدّيق ﵁: " أن النبيّ ﷺ كان إذا أراد أمرًا قال: اللَّهمّ خِرْ لي، واختر لي". أخرجه الترمذيّ، وسنده ضعيف. وفي حديث أنس ﵁، رفعه: "ما خاب من استخار … " الحديث، أخرجه الطبراني في "الصغير" بسند واهٍ جدًّا. انتهى (١). وقال قتيبة: مات سنة (١٧٣). روى له الجماعة، سوى مسلم، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط. ٣ - (محمد بن المنكدر) بن عبد اللَّه بن الهدير- بالتصغير- التيميّ المدنيّ، ثقة فاضل [٣] ١٠٣/ ١٣٨. ٤ - (جابر بن عبد اللَّه) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابّي - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٣١/ ٣٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد:

стр. 13863

(منها)؛ أنه من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٦٥) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، ثم مصريّ. (ومنها): أن فيه جابرًا - رضي اللَّه تعالى عنه - من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ مُحَمَّدْ بن الْمُنْكَدِرِ) وقع في رواية للبخاريّ في "التوحيد" من طريق معن بن عيسى، عن عبد الرحمن: "سمعت محمد بن المنكدر يُحدّث عبد اللَّه بن الحسن -أي الحسن بن عليّ بن أبي طالب- يقول: أخبرني جابر السَّلَميّ"، وهو -بفتح السين المهملة، واللام - نسبة إلى بني سَلِمَة -بكسر اللام- بطنٌ من الأنصار. وعند الإسماعيليّ من طريق بشر بن عُمير: "حدّثني عبد الرحمن سمعت ابن المنكدر حدّثني جابر". (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبدِ اللَّهِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يُعَلِّمُنا الِاسْتِخَارَةَ) وفي رواية البخاريّ، من طريق معن المذكورة: "يُعلّم أصحابه"، وكذا في طريق بشر بن عُمير" (فِي الأُمُورِ كُلِّهَا) قال ابن أبي جمرة: هو عامّ أُريد به الخصوص، فإن الواجب، والمستحبّ لا يُستخار في فعلهما، والحرام، والمكروه، لا يُستخار في تركهما، فانحصر الأمر في المباح، وفي المستحبّ إذا تعارض منه أمران، أيّهما يبدأ به، ويقتصر عليه. قال الحافظ: وتدخل الاستخارة فيما عدا ذلك في الواجب، والمستحبّ المخيّر، وفيما كان زمنه موسّعًا، ويَتناول العمومُ العظيمَ من الأمور، والحقير، فربّ حقير يترتّب عليه الأمر العظيم (١). (كَمًا يُعَلّمُنًا السُورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ) أي يعتني بشأن الاستخارة؛ لعظم نفعها، وعمومه، كما يعتني بالسورة. وقال في "الفتح": قيل: وجه التشبيه عموم الحاجة في الأمور كلّها إلى الاستخارة، كعموم الحاجة إلى القراءة في الصلاة. ويحتمل أن يكون المراد ما وقع في حديث ابن مسعود ﵁ في التشهّد: "علّمني رسول اللَّه ﷺ التشهّد كفّي بين كفّيه". أخرجه البخاريّ. في "الاستئذان". وفي رواية الأسود بن يزيد، عن ابن مسعود ﵁: "أخذتُ التشهّد من في رسول اللَّه ﷺ كلمةً كلمةً". أخرجها الطحاويّ. وفي رواية سلمان نحوه، وقال: "حرفًا حرفًا". أخرجه الطبرانيّ. وقال ابن أبي جمرة: التشبيه في تحفّظ حروفه، وترتّب كلماته، ومنع الزيادة والنقص

стр. 13864

منه، والدرس له، والمحافظة عليه. ويحتمل أن يكون من جهة الاهتمام به، والتحقيق لبركته، والاحترام له. ويحتمل أن يكون من جهة كون كلّ منهما عُلم بالوحي. قاله في "الفتح". (يَقولُ) زاد عند أبي داود: "لنا"، والجملة بيان لقوله: "يعلّمنا الاستخارة" (إِذًا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ) قال ابن أبي جمرة ترتيب الوارد على القلب على مراتب: الهمّة، ثمّ اللَّمَّة، ثمّ الْخَطْرَة"، ثمّ النّيّة، ثمّ الإرادة، ثمّ العزيمة. فالثلاثة الأُوَلُ لا يؤاخذ بها بخلاف الثلاثة الأُخر، فقوله: "إذا همّ" يُشير إلى أوّل ما يَرِدُ على القلب، يستخير، فيظهر له ببركة الصلاة والدعاء ما هو الخير، بخلاف ما إذا تمكن الأمر عنده، وقَوِيت فيه عزيمته وإرادته، فإنه يَصير إليه له ميلٌ، وحُبّ، فيُخشى أن يَخفى عنه وجه الأرشديّة؛ لغلبة ميله إليه. قال: ويحتمل أن يكون المراد بالهمّ العزيمة؛ لأن الخاطر لا يثبت، فلا يستمرّ إلا على ما يقصد التصميم على فعله، وإلا لو استخار في كلّ خاطر لاستخار فيما لا يُعبأ به، فتضيع عليه أوقاته. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الأول بعيدٌ جدًّا عن معنى الحديث، فلا ينبغي الالتفات إليه، بل الاحتمال الثاني هو المتعيّن، ويؤيّده ما وقع في حديث ابن مسعود ﵁: "إذا أراد أحدكم أمرًا فليقل". واللَّه تعالى أعلم. (فَلْيَرْكَع) الأمر فيه للندب، كما سيأتي تحقيقه في "المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى (رَكعَتَينِ) هذا يقيّد مطلق حديث أبي أيّوب حيث قال: "صلّ ما كتب اللَّه لك". قال في "الفتح": ويمكن الجمع بأن المراد أنه لا يقتصر على ركعة واحدة؛ للتنصيص على الركعتين، ويكون ذكرهما على سبيل التنبيه بالأدنى على الأعلى، فلو صلّى أكثر من ركعتين أجزأه. والظاهر أنه يشترط إذا أراد أن أن يزيد على الركعتين أن يُسلّم من كلّ ركعتين ليحصل مسمّى ركعتين، ولا يُجزىء لو وصل أربعًا بتسليمة، وكلام النوويّ يُشعر بالإجزاء انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "ويمكن الجمع الخ" فيه نظر لا يخفى، بل الظاهر تقييد المطلق في حديث أبي أيوب بهذا الحديث، وأما دلالته على جواز أكثر من ركعتين فبعيدة، فتنبّه. والحاصل أن السنّة أن يقتصر على الركعتين، كما هو المنصوص عليه في حديث الباب. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 13865

(من غَيْرِ الفَرِيضَةِ) فيه احتراز عن صلاة الصبح مثلًا. ويحتمل أن يريد بالفريضة عينها وما يتعلّق بها، فيُحترز عن الراتبة، كركعتي الفجر مثلًا. وقال النوويّ في "الأذكار": لو دعا بدعاء الاستخارة عقب صلاة الظهر مثلًا، أو غيرها من النوافل الراتبة، والمطلقة، سواء اقتصر على ركعتين، أو أكثر أجزأ. قال الحافظ: كذا أطلق، وفيه نظر. ويظهر أن يقال: إن نوى تلك الصلاة بعينها، وصلاة الاستخارة معًا أجزأ، بخلاف ما إذا لم ينو، ويفارق صلاة تحية المسجد؛ لأن المراد بها شَغلُ البقعة بالدعاء (١)، والمراد بصلاة الاستخارة أن يقع الدعاء عقبها، أو فيها، ويبعد الإجزاء لمن عرض له الطلب بعد فراغ الصلاة؛ لأن ظاهر الخبر أن تقع الصلاة والدعاء بعد وجود إرادة الأمر. وأفاد النوويّ أنه يقرأ في الركعتين الكافرون والإخلاص. قال الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذيّ": لم أقف على دليل ذلك، ولعله ألحقها بركعتي الفجر، والركعتين بعد المغرب، قال: ولهما مناسبة بالحال لما فيهما من الإخلاص والتوحيد، والمستخير محتاج لذلك. قال: والمناسب أن يقرأ فيهما مثل قوله: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾. وقال الحافظ: والأكمل أن يقرأ في كلّ منهما السورة، والآية الأوليين في الأولى، والأخريين في الثانية انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قالوه يحتاج إلى دليل، فإذ ثبت قلنا به، وإلا فالأمر واسع، لا تقييد فيه بشيء مما ذُكر. فتبصّر، ولا تتحيّر. واللَّه تعالى أعلم. (ثُمَّ يَقُولُ) هذا ظاهر في كون الدعاء بعد تمام الصلاة. قال في "الفتح": ثم هو ظاهر في تأخير الدعاء عن الصلاة، فلو دعا به في أثناء الصلاة احتمل الإجزاء. ويحتمل الترتيب على تقديم الشروع في الصلاة قبل الدعاء، فإن موطن الدعاء في الصلاة السجود، أو التشهّد. انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأولى عندي أن يكون الدعاء بعد التسليم من الصلاة؛ لأن "ثم" ظاهرة في الترتيب والمهلة، فيكون معنى المهلة هنا أن يؤخر الدعاء عن الصلاة. واللَّه تعالى أعلم. [فائدة]: قال ابن أبي جمرة -رحمه اللَّه تعالى-: الحكمة في تقديم الصلاة على الدعاء

стр. 13866

أن المراد بالاستخارة حصول الجمع بين خيري الدنيا والآخرة، فيحتاج إلى قرع باب الملك، ولا شيء لذلك أنجح من الصلاة؛ لما فيها من تعظيم اللَّه، والثناء عليه، والافتقار إليه مآلاً وحالاً انتهى (١). (اللَّهُمَّ إِني أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ) الباء للتعليل، أي لأنك أعلم، وكذا قوله: "بقدرتك". ويحتمل أن تكون للاستعانة، كقوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا﴾. ويحتمل أن تكون للاستعطاف، كقوله: ﴿قَالَ: رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ الآية (وَأَسْتَعِينُكَ بِقُدْرَتِكَ) أي أطلب منك العون على ذلك، إن كان خيرًا. وفي نسخة، وهو الذي عند البخاريّ: "وأستقدرك بقدرتك". أي أطلب منك أن تجعل لي على ذلك قدرةً. ويحتمل أن يكون المعنى: أطلُبُ منك أن تقدّره لي، والمراد بالتقدير التيسير. (وَأَسْاَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيم) أي أسألك ذلك لأجل فضلك العظيم، لا لاستحقاقي ذلك، ولا لوجوبه عليك، فَمفعول "أسال" محذوف، و"من" تعليليّةٌ. ويحتمل أن تكون "من" زائدة، و"فضلك" مفعول به، أي أسألك فضلك العظيم في هذه الحاجة، وغيرها. (فَإِنَّكَ تَقْدِرُ) بضمّ الدال، وكسرها، من بابي قتل، وضرب. ويقال: قَدَرَ اللَّه تعالى ذلك عليه يَقدُرُه -بالضمّ- وَيقدِرُهُ -بالكسر- قَدْرًا -بفتح، فسكون-، وقَدَرًا - بالتحريك-، وقدر عليه- بالتشديد- تقديرًا، كلّ ذلك بمعنى (٢) واستَقْدَرَ اللَّهَ خيرًا: سأله أن يُقَدِّرَ له به، قال الشاعر [من البسيط]: فَاسْتَقدِرِ اللَّهَ خَيرًا وَارضَيَنَّ بِهِ … فَبَيْنَمَا العُسْرُ إِذْ دَارَتْ مَيَاسِيرُ أفاده في "القاموس" و"شرحه". (وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ، وَلًا أَعْلَمُ) فيه إشارة إلى أن العدم والقدرة للَّه وحده، وليس للعبد من ذلك إلا ما قدر اللَّه له، وكأنه قال: أنت يا ربّ تقدر قبل أن تخلُق فيّ القدرةَ، وعند ما تخلقها فيّ، وبعد ما تخلقها (وَأَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ، أَنَّ هَذَا الأمرَ) وفي رواية للبخاريّ من طريق معن، عن ابن أبي الموال: "اللَّهمّ فإن كنت تعلم هذا الأمرَ"، وزاد أبو داود في رواية عبد الرحمن بن مقاتل، عن عبد الرحمن بن أبي الموال: "الذي يريد"، وزاد في رواية معن: "ثمّ يسمّيه بعينه"، وقد ذكر ذلك في آخر الحديث في الباب. قال في "الفتح": وظاهر سياقه أن ينطق به. ويحتمل أن يكتفي باستحضاره بقلبه عند

стр. 13867

الدعاء، وعلى الثاني تكون الجملة حاليّةً، والتقدير: فليدع مسمّيًا حاجته. وقوله: "إن كنت" استشكل الكرمانيّ الإتيان بصيغة الشكّ هنا، ولا يجوز الشكّ في كون اللَّه عالمًا. وأجاب بأن الشكّ في أن العلم متعلّقٌ بالخير، أو الشرِّ، لا في أصل العلم انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي الأولى مما قاله الكرمانيّ أن تكون "إن" هنا للتأكيد، لا للشكّ، كما يقول الرجل لابنه: إن كنت ابني فلا تفعل كذا، فإنه لا يشكّ في كونه ابنه، وإنما مراده التأكيد في الانتهاء عن ذلك الفعل؛ لأن كونه ابنه يوجب عليه طاعة أمره، كما أن كونه أباه يوجب أن يكون أعلم بمصالح ولده، فاستحقّ بذلك عدم مخالفته له. وقد قال جمهور النحاة في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: إنه شرط جيء به للتهييج والإلهاب. قاله ابن هشام في "مغنيه" (٢). فيكون المراد هنا توكيده طلبه من اللَّه تعالى أن يُيَسِّر ما أراده، حيث إنه أعلم بمصالح عبده، والعبد لا علم له بشيء منها. ويحتمل أن تكون "إن" بمعنى "قد"، كما قيل في قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى: ٩]، أي قد نفعت، قاله ابن الأعرابي، وقال أبو العباس: العرب تقول: إن قام زيد بمعنى قد قام زيد. وقال الكسائي: وسمعتهم يقولونه، فظننته شرطًا، فسألتهم، فقالوا: زيد قد قام نريد، ولا نريد ما قام زيد. وروى المنذريّ عن ابن اليزيديّ، عن أبي زيد أنه تجيء "إن" في موضع "لقد"، مثل قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ المعنى لقد كان، من غير شكّ من القوم، ومثله: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣]، و ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٦]. ذكره في "التاج" (٣). فيكون المعنى هنا: اللَّهم قد كنت تعلم الخ، فلكونك عالمًا بأصلح الأمر لي أسألك أن تيسره لي. واللَّه تعالى أعلم. (خَيْرٌ لي في دِينِى، وَمَعَاشِي) زاد في رواية أبي داود: "ومعادي"، وهو يؤيّد أن المراد بالمعاش الحياة. ويحتمل أن يريد بالمعاش ما يُعاش فيه، ولذلك وقع في حديث ابن مسعود في بعض طرقه عند الطبرانيّ في "الأوسط" "في ديني، ودنياي"، وفي حديث أبي أيوب عند الطبرانيّ "في دنياي، وآخرتي"، زاد ابن حبّان في روايته

стр. 13868

"وديني"، وفي حديث أبي سعيد "في ديني، ومعيشتي". (وَعَاقِبَةِ أَمْرِي -أَوْ قَالَ-: (فِي عَاجل أَمرِي وَآجِلِهِ) هو شكّ من الراوي، ولم تختلف الطرق في ذلك، واقتصر في حديث أَبيَ أيوب على "عاقبة أمري"، وكذا في حديث ابن مسعود، وهو يؤيّد أحد الاحتمالين في أن العاجل والآجل مذكوران بدل الألفاظ الثلاثة، أو بدل الأخيرين فقط، وعلى هذا فقول الكرمانيّ: لا يكون الداعي جازمًا بما قال رسول اللَّه ﷺ ، إلا إن دعا ثلاث مرّات يقول مرّة "في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري"، ومرّةً "في عاجل أمري وآجله"، ومرّة "في ديني، وعاجل أمري وآجله". قال الحافظ: ولم يقع ذلك أي الشكّ في حديث أبي أيوب، ولا أبي هريرة أصلًا. (فَاقْدِرْهُ لِي) قال أبو الحسن القابسيّ: أهل بلدنا يكسرون القال، وأهل المشرق يضمّونها. انتهى. ومعناه: اجعله مقدورًا لي، أو قدّره من التقدير. وقال الشيخ شهاب الدين القرافيّ في "كتاب أنوار البروق": يتعيّن أن يُراد بالتقدير هنا التيسير، فمعناه فيسره (١) (وَيَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذًا الأَمْرَ، شَرٌ لِي فِي دِينِى، وَمَعَاشِي) قال السنديّ: ينبغي أن يجعل الواو هنا بمعنى "أو"، بخلاف قوله: خير في كذا وكذا، فإن هناك على بابها؛ لأن المطلوب حين تيسره أن يكون خيرًا من جميع الوجوه، وأما حين الصرف، فيكفي أن يكون شرًّا من بعض الوجوه انتهى (٢) (وَعَاقِبَةِ أَمْرِي -أَو قَالَ- "فِي عَاجِلِ أَمْري وَآجِلِهِ، فَاصْرِفْهُ عَنِّي، وَاصْرِفْني عَنْهُ) أي حتى لا يبقى قلبه بعد صرف الأمر عنه متعلّقًا به. (وَاقْدُرْ لِي) بسكون الياء، وفتحها؛ لأن ياء المتكلّم يجوز بناؤها على السكون، وهو الأصل، وعلى الفتح تخفيفًا (الْخَيْرَ، حَيْثُ كَانَ) وفي حديث أبي سعيد بعد قوله: "واقدر لي الخير أينما كان"، "ولا حول ولا قوّة إلا باللَّه". (ثُمَّ أَرْضِنِي بِهِ") وفي رواية: "ثم رضّني به" بتشديد الضاد المعجمة، أي اجعلني راضيًا به. وفي بعض طَرق حديث ابن مسعود عند الطبرانيّ في "الأوسط": "ورضّني بقضائك". وفي حديث أبي أيوب: "ورضّني بقدرك". والسرّ فيه أن لا يبقى قلبه متعلّقًا به، فلا يطمئنّ خاطره، والرضا سكون النفس إلى القضاء (قَالَ: وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ) أي ينطق بلسانه معيّنًا حاجته التي يستخير فيها عند قوله: "أن هذا الأمر الخ"، كما سبق بيانه، وهذا هو الظاهر. ويحتمل أن يكون المراد استحضاره بقلبه عند الدعاء، والأول أولى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 13869

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث جابر بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٧/ ٣٢٥٤ - وفي "الكبرى" ٩٥/ ٥٥٨١. وأخرجه (خ) في "التهجّد" ١١٦٢ و"الدعوات" ٦٣٨٢ و"التوحيد" ٧٣٩٠ (د) في "الصلاة" ١٥٣٨ (ت) في "الصلاة" ٤٨٠ (ق) في "الصلاة" ١٣٨٣ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١٤٢٩٧. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان كيفيّة الاستخارة إذا أراد الشخص أن يفعل شيئًا مّا. (ومنها): شفقة النبيّ ﷺ على أمته، وتعليمهم جميع ما ينفعهم في دينهم ودنياهم. ووقع في بعض طرقه عند الطبرانيّ في حديث ابن مسعود ﵁ أنه ﷺ كان يدعو بهذا الدعاء إذا أراد أن يصنع أمرًا. (ومنها): أن العبد لا يكون قادرًا إلا مع الفعل، لا قبله، واللَّه تعالى هو خالق العدم بالشيء للعبد، وهمّه به، واقتداره عليه. (ومنها): أنه يجب على العبد ردّ الأمور كلها إلى اللَّه تعالى، والتبرّي من الحول والقوّة إليه، وأن يسأل ربّه في الأمور كلّها؛ لأنه العالم بكلّ الأشياء، وبما يصلح لعبده منها، وهو القادر على تهيئة ذلك، وتيسيره له. (ومنها): أن فيه إشارةً إلى أن عطاء الربُّ فضلٌ منه، وليس لأحد عليه حقٌّ في نعمه، كما هو مذهب أهل السنّة. (ومنها): أن فيه دليلًا لأهل السنّة أن الشرّ من تقدير اللَّه على العبد؛ لأنه لو كان يَقدِر على اختراعه لقدر على صرفه، ولم يحتج إلى طلب صرفه عنه. (ومنها): أنه استُدلّ به على أن الأمر بالشيء ليس نهيًا عن ضدّه؛ لأنه لو كان كذلك لا كتفى بقوله: "إن كنت تعلم أنه خير لي" عن قوله: "وإن كنت تعلم أنه شرّ لي الخ"؛ لأنه إذا لم يكن خيرًا فهو شرّ. وتُعُقّب بأنه لاحتمال وجود الواسطة (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): أنه يؤخذ من قوله: "من غير الفريضة" أن الأمر بصلاة ركعتي الاستخارة لشى على الوجوب. قال الحافظ العراقيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح الترمذيّ": ولم أر من قال بوجوب الاستخارة؛ لورود الأمر بها، ولتشبيهها بتعليم السورة من القرآن، كما استُدلّ بمثل ذلك في وجوب التشهّد في الصلاة؛ لورود الأمر به

стр. 13870

في قوله: "فليقل"، ولتشبيهه بتعليم السورة من القرآن. [فإن قيل]: الأمر تعلق بالشرط، وهو قوله: "إذا همّ أحدكم بالأمر". [قلنا]: وكذلك في التشهّد إنما يؤمر به من صلى. ويمكن الفرق، وإن اشتركا فيما ذُكر أن التشهّد جزء من الصلاة، فيؤخذ الوجوب من قوله عمرو: "صلّوا كما رأيتوني أصلّي". ودلّ على عدم وجوب الاستخارة ما دلّ على عدم وجوب صلاة زائدة على الخمس في حديث: "هل عليّ غيرها؟، قال: لا إلا أن تطوع" انتهى. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وهذا وإن صلح للاستدلال به على عدم وجوب ركعتي الاستخارة، لكن لا يمنع من الاستدلال به على وجوب دعاء الاستخارة، فكأنهم فهموا أن الأمر فيه للإرشاد، فعدلوا به عن سنن الوجوب، ولما كان مشتملاً على ذكر اللَّه، والتفويض إليه كان مندوبًا. واللَّه أعلم انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي الأولى أن يعلّل عدم وجوب الدعاء بكونه تابعًا للصلاة، فلما لم تجب هي لم يجب هو أيضًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): اختُلف فماذا يفعل المستخير بعد الاستخارة: قال ابن عبد السلام -رحمه اللَّه تعالى- يفعل ما اتفق، ويستدلّ له بقوله في بعض طرق حديث ابن مسعود ﵁ في آخره، ثم يَعزم، وأول الحديث: "إذا أراد أحدكم أمرًا فليقل". وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- في "الأذكار": يفعل بعد الاستخارة ما يَنشرح به صدره، ويستدلّ له بحديث أنس ﵁ عند ابن السنّيّ: "إذا هممت بأمر، فاستخر ربّك سبعًا، ثم انظر إلى الذي يَسبق في قلبك، فإن الخير فيه". قال الحافظ: وهذا لو ثبت لكان هو المعتمد، لكن سنده واهٍ جدًّا. والمعتمد أنه لا يفعل ما ينشرح به صدره مما له فيه هوىً قويّ قبل الاستخارة، وإلى ذلك الإشارة بقوله في آخر الحديث أبي سعيد ﵁: "ولا حول، ولا قوّة إلا باللَّه". انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر لي أن ما قاله ابن عبد السلام -رحمه اللَّه تعالى- هو الأولى؛ لأن فائدة الاستخارة هو أن ييسّر اللَّه تعالى لعبده المستخير ما هو الأصلح له، فإذا اتفق له شيءٌ ما، وتيسّر له بعد أن استخار اللَّه تعالى، وفوّض إليه أمره، وسأله أن ييسّر له، فذاك إشارة إلى استجابته له، فلا ينبغي له أن يتوقّف في تنفيذ ذلك؛ إذ هو الأصلح له. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 13871

٢٨ - (إِنْكَاحُ الابْنِ أُمَّهُ) ٣٢٥٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ, عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ, عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ, حَدَّثَنِي ابْنُ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ, لَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا, بَعَثَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ يَخْطُبُهَا عَلَيْهِ, فَلَمْ تَزَوَّجْهُ, فَبَعَثَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ, يَخْطُبُهَا عَلَيْهِ, فَقَالَتْ: أَخْبِرْ رَسُولَ اللهِ ﷺ , أَنِّي امْرَأَةٌ غَيْرَي, وَأَنِّي امْرَأَةٌ مُصْبِيَةٌ, وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِي شَاهِدٌ, فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ , فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ, فَقَالَ: «ارْجِعْ إِلَيْهَا, فَقُلْ لَهَا: أَمَّا قَوْلُكِ: إِنِّي امْرَأَةٌ غَيْرَي, فَسَأَدْعُو اللَّهَ لَكِ, فَيُذْهِبُ غَيْرَتَكِ, وَأَمَّا قَوْلُكِ إِنِّي امْرَأَةٌ مُصْبِيَةٌ, فَسَتُكْفَيْنَ صِبْيَانَكِ, وَأَمَّا قَوْلُكِ: أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِي شَاهِدٌ, فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِكِ شَاهِدٌ, وَلَا غَائِبٌ يَكْرَهُ ذَلِكَ» , فَقَالَتْ لاِبْنِهَا: يَا عُمَرُ, قُمْ, فَزَوِّجْ رَسُولَ اللهِ ﷺ , فَزَوَّجَهُ. مُخْتَصَرٌ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (محمد بن إسماعيل بن إبراهيم) المعروف أبوه بابن عليّة البصريّ، نزيل دمشق، وقاضيها، ثقة [١١] ٢٢/ ٤٨٩ من أفراد المصنّف. ٢٤٤ - (يزيد) بن هارون السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ ثقة متقن عابد [٩] ١٥٣/ ٢٤٤. ٣ - (حماد بن سلمة) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت، من كبار [٨] ١٨١/ ٢٨٨. ٤ - (ثابت البنانيّ) ابن أسلم، أبو محمد البصريّ، ثقة عابد [٤] ٤٥/ ٥٣. ٥ - (ابن عمر بن أبي سلمة) قيل: اسمه محمد، مقبول [٦]. وفي "تهذيب "التهذيب": ابن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، وعنه ثابت البنانيّ، كأن اسمه محمد، فإن يعقوب بن محمد الزهريّ، روى عن عبد الرحمن بن محمد بن عمر ابن أبي سلمة، عن أبيه، عن جدّه أحاديث. انتهى. تفرّد به أبو داود، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٦ - (أبوه) أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ١/ ١. ٧ - (أم سلمة) هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمر المخزومية، أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنهما -، تقدّمت في ١٢٣/ ١٨٣. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 13872

لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات، غير ابن عمر بن أبي سلمة، فمجهول. (ومنها): أنه ما بين بصريين، وواسطيّ ومدنيين. (ومنها): أن فيه أبا سلمة من الفقهاء السبعة على بعض الأقوال. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أميّة، أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - (لَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا) أي بعد وفاة زوجها أبي سلمة ﵁ عبد اللَّه بن عبد الأسد بن هلال المخزوميّ، أخي النبيّ ﷺ من الرضاعة، وابن عمّته برّة بنت عبد المطّلب، كان من السابقين، شهد بدرًا، ومات في جمادى الآخرة سنة أربع، بعد أحد ﵁ (بَعَثَ إِلَيْهًا أَبُو بَكرٍ) الصدّيق - رضي اللَّه تعالى عنه - (يَخْطُبُهًاعَلَيْهِ) من باب نصر، أي يطلب نكاحها (فَلَمْ تَزَوَّجْهُ) بفتح التاء، هو على حذف إحدى التاءين، وأصله "تتزوّجه" (فَبَعَثَ إِلَيْهًارَسُولُ اللهِ ﷺ عُمَرَ ابْنَ الْخَطَّابِ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (يَخْطُبُهَا عَلَيْهِ) ﷺ (فَقَالَتْ) أمِ سلمة - رضي اللَّه تعالى - عنها (أَخْبِرْ) فعل أمر من الإخبار (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، أَنِّي امْرَأةٌ غَيْرَى) -بفتح الغين المعجمة، وسكون التحتانية، بوزن فَعلَى، مقصورًا- من الْغَيْرَة، وفي نسخة: "غيراء" بالمدّ، وهو خطأ. و"المغيرة": كراهة الشخص اشتراك غيره فيما هو حقّه. أفاده الكفَويّ (١) تعني أنها ذات غيرة شديدة، لا تتمكّن معها من الاجتماع مع سائر أزواجه ﷺ (وَأَنِّي امْرأَةٌ مُصْبِيَةٌ) بضم الميم، بصيغة اسم الفاعل، من أصبت المرأةُ إذا صارت ذات صبيان، يَشغلونها عن أداء حقوق النبي ﷺ ؛ لأنهم يحتاجون إلى مؤنة تحتاج معها أن تعمل لهم في قوتهم (وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائي شَاهِدٌ) يحتمل أن يكون "شاهد" منصوبًا خبر "ليس"، وكُتب بلا ألف، على لغة ربيعة الذين يقفون على المنصوب المنوّن بالسكون، وهو عادة قدماء المحدّثين، فإنهم يرسمون المنصوب المنوّن بصورتي المرفوع والمجرور. ويحتمل أن يكون مرفوعًا، خبرًا لـ"أحد"، وعملت "ليس" في ضمير شأن، والجملة خبر "ليس"، وهي المفسّرة لضمير الشأن. وأرادت أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها - بهذا أن النكاح يحتاج إلى مشورة الأولياء، ورضاهم، فكيف يتمّ بدون حضورهم. والحاصل أن أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها - ذكرت مما يمنع من أن يتزوجها النبي ﷺ ثلاثة أشياء: "أحدها": كونها غيرى. "الثاني": كونها ذات صبيان. "الثالث": غياب

стр. 13873

أوليائها عنها. فردّ عليها النبيّ ﷺ ، بما يأتي. وفي رواية لأحمد: فقالت: يا رسول اللَّه، إن فيّ ثلاث خصال: أنا امرأة كبيرة، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أنا أكبر منك"، قالت: وأنا امرأة غيور، قال: "أدعو اللَّه ، فيذهب غيرتك"، قالت: يا رسول اللَّه، وإني امرأة مُصبيهّ، قال: "هم إلى اللَّه، وإلى رسوله … " الحديث. (فأَتَى) عمر ﵁ (رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ) أي ما ذكرته من الموانع لنكاحه لها (فَقَالَ) ﷺ لعمر ﵁ مبيّنًا أن ما ذكرته ليس مانعًا من النكاح؛ إذ يمكن معالجته، وحلّه على ما يأتي (ارْجِعْ إِلَيْهَا، فَقُلْ لَهَا: أَمَّا قَوْلُكِ: إِنِّي امْرَأَةٌ غَيْرَى، فَسَأَدعُو اللَّهَ لَكِ، فَيُذهِبُ) من الإذهاب رباعيًّا (غَيْرَتَك) بالنصب على المفعولية (وَأَمَّا قَوْلُكِ: إِنِّي امْرَأَةٌ مُصْبِيَةٌ، فَسَتُكفَيْنَ صِبْيَانَكِ) بالبناء للمفعول، من الكفاية، و"صبيانك" بالنصب مفعول ثانَ لـ"تكفين"، كما في قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ الآية. يعني سيكفيكِ اللَّه تعالى مؤونة صبيانك، وليس إليكِ نفقتهم. وفي رواية لأحمد: "هم إلى اللَّه، ورسوله". وفي رواية: "وأما ما ذكرت من العيال، فإنما عيالك عيالي". (وَأَمَّا قَوْلُكِ: أَنْ) مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن مقدّر، وخبرها جملة "ليس"، كِما قال ابن مالك في "الخلاصة": وَإِنْ تُخَفَّفْ "أَنَّ" فَاسْمُهَا اسْتَكَنُّ … وَالْخَبَرَ اجْعَلْ جُمْلَةً مِنْ بَعْدِ "أَنَّ" وَإِنْ يَكُنْ فِعْلًا وَلَمْ يَكُنْ دُعًا … وَلَمْ يَكُنْ تَصْرِيفُهُ مُمْتَنِعَا فَالأَحْسَنُ الفَصْلُ بِـ "قَدْ" أَو نَفِيِ اوْ … تَنفِيسِ اوْ "لَو" وَقَلِيلٌ ذِكْرُ "لَو" أي أنّه (لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائي شَاهِدٌ) تقدم توجيهه نصبًا ورفعًا (فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَؤلِيَائِكِ شَاهِدٌ، وَلًا غَائِبٌ) ههنا بالرفع على الوصفيّة لـ"أَحَدِ"، لا غير، وخبر "ليس" قوله (يَكْرَهُ) بفتح الياء، من الكراهة ثلاثيًا (ذَلِكَ) أي نكاحي لك؛ لأن كلّ أحد يحبّ، بل يُحَاوِلُ بكلّ ما يستطيع أن يكون رسول اللَّه ﷺ صهرًا له (فَقَالَت) أم سلمة عند ما ذُكر لها رفع الموانع التي أوردتها؛ اعتذارًا لعدم قبولها الخطبة (لِابْنِهَا: يًا عُمَرُ، قُمْ، فَزَوِّجْ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَزَوَّجَهُ) وهذا محلّ الترجمة، حيث زوّج عمر أمه، أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها - من رسول اللَّه ﷺ ، ففيه إنكاح الابن أمه؛ لكن الحديث لا يصحّ، فلا يكون حجة للمسألة، وأيضًا فإنه كان صغيرًا، كما سنبيّنه، فلا يصلح وليًّا للإنكاح. وقوله (مُختَصَرٌ) خبر لمحذوف، أي هذا السياق مختصر من سياق مطوّل، مشتمل على قصّة لأم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها -، وقد ساقه الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى- في "مسند" بطوله، ولفظه:

стр. 13874

- حدثنا عفان، قال: حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت، قال: حدثني ابن عمر ابن أبي سلمة بمنى، عن أبيه، أن أم سلمة، قالت: قال أبو سلمة: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا أصاب أحدكم مصيبة، فليقل: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، عندك احتسبتُ مصيبتي، وأجرني فيها، وأبدلني ما هو خير منها"، قلما احتُضِر أبو سلمة، قال: اللَّهم اخلفني في أهلي بخير، فلما قُبض، قلت: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، اللهم عندك أحتسب مصيبتي، فأجرني فيها، قالت: وأردت أن أقول: وأبدلني خيرا منه، فقلت: ومن خير من أبي سلمة؟، فما زلت حتى قلتها، فلما انقضت عدتها، خطبها أبو بكر، فردته، ثم خطبها عمر، فردته، فبعث إليها رسول اللَّه ﷺ ، فقالت: مرحبا برسول اللَّه ﷺ وبرسوله، أخبر رسول اللَّه ﷺ أني امرأة غيرى، وأني مُصبِية، وأنه ليس أحد من أوليائي شاهدًا، فبعث إليها رسول اللَّه ﷺ : "أما قولك: إني مصبية، فإن اللَّه سيكفيك صبيانك، وأما قولك: إني غيرى، فسادعو اللَّه أن يذهب غيرتك، وأما الأولياء، فليس أحد منهم شاهد، ولا غائب، إلا سيرضاني"، قلت: يا عمر قم، فزوج رسول اللَّه ﷺ ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أما إني لا أنقصك شيئا، مما أعطيت أختك فلانة، رَحَيَينِ، وجَرَّتَين، ووسادة من أدم، حشوها ليف"، قال: وكان رسول اللَّه ﷺ يأتيها، فإذا جاء أخذت زينبَ، فوضعتها في حجرها لترضعها، وكان رسول اللَّه ﷺ -حَيِيًّا كريما، يستحيي، فرجع، ففعل ذلك مرارا، فَفَطِنَ عمار بن ياسر لما تصنع، فأقبل ذات يوم، وجاء عمار، وكان أخاها لأمها، فدخل عليها، فانتشطها من حجرها، وقال: دعي هذه المقبوحة المشقوحة، التي آذيتِ بها رسول اللَّه ﷺ ، قال: وجاء رسول اللَّه ﷺ ، فدخل، فجعل يقلب بصره في البيت، ويقول: "أين زناب؟، ما فعلت زناب؟ "، قالت: جاء عمار، فذهب بها، قال فبنى بأهله، ثم قال: "إن شئت أن أسبع لك، سبعت للنساء". حدثنا عفان، حدثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، قال: حدثني عمر بن أبي سلمة. وقال سليمان بن المغيرة: ابن عمر بن أبي سلمة، مرسل. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا ضعيف؛ لجهالة ابن عمر بن أبي سلمة، فقد تفرّد بالرواية عنه ثابت البنانيّ، فهو مجهول عين، فلا تصحّ روايته. وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا -٢٨/ ٣٢٥٥ - وفي "الكبرى"

стр. 13875

٣٥/ ٥٣٩٦. وأخرجه (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٦١٥٧ و ٢٦١٨ و ٢٦١٨٢. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: رجح الحافظ ابن كثير -رحمه اللَّه تعالى- أنّ الذي أمرته أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها - بتزويجها من رسول اللَّه ﷺ هو سلمة بن أبي سلمة: ونصّه بعد أن حكى القصّة: وقالت لعمر آخرَ ما قالت له: قم، فزوّج النبيّ ﷺ تعني قد رضيت، وأذنت. فتوهّم بعض العلماء أنها تقول لابنها عمر بن أبي سلمة، وقد كان إذ ذاك صغيرًا، لا يلي مثله العقد. وقد جمعت في ذلك جزءًا مفردًا بينتُ فيه الصواب في ذلك -وللَّه الحمد والمنّة- وأن الذي ولِى عقدها عليه ابنها سلمة بن أبي سلمة، وهو أكبر ولدها، وساغ هذا؛ لأن أباه ابن عمّها، فللابن ولاية أمّه إذا كان سببًا لها من غير جهة البنوّة بالإجماع، وكذا إذا كان معتقًا، أو حاكمًا، فأما محض البنّوّة فلا يلي بها عقد النكاح عند الشافعيّ وحده، وخالفه الثلاثة: أبو حنيفة، ومالك، وأحمد -رحمهم اللَّه تعالى- انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لم يتبين لي وجه ترجيح ابن كثير -رحمه اللَّه تعالى- كون الذي تولى الإنكاح هو سلمة ولدها، وليس هو عمر بن أبي سلمة ولدها الآخر، فليُنظر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في اشتراط الوليّ في النكاح: قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: اختلف العلماء في اشتراط الوليّ في صحّة النكاح، فقال مالك، والشافعيّ: يُشترط، ولا يصحّ نكاح إلا بوليّ. وقال أبو حنيفة: لا يشترط في الثيّب، ولا في البكر البالغة، بل لها أن تزوّج نفسها بغير إذن وليّها. وقال أبو ثور: يجوز أن تزوّج نفسها بإذن وليها، ولا يجوز بغير إذنه. وقال داود: يشترط الوليّ في تزويج البكر دون الثيّب. واحتجّ مالكٌ، والشافعيّ بالحديث المشهور: "لا نكاح إلا بوليّ". وهذا يقتضي نفي الصحّة. واحتجّ داود بأن الحديث المذكور في مسلم (٢) صريح في الفرق بين البكر والثيب، وأن الثيّب أحقّ بنفسها، والبكر تُستأذن. قال النوويّ: وأجاب أصحابنا عنه بأنها أحقّ، أي شريكة في الحقّ، بمعنى أنها لا تُجبر، وهي أيضًا أحقّ في تعيين الزوج. واحتجّ أبو حنيفة بالقياس على البيع وغيره، فإنها تستقلّ فيه بلا وليّ، وحَمَلَ

стр. 13876

الأحاديث الواردة في اشتراط الوليّ على الأمة والصغيرة، وخصّ عمومها بهذا القياس، وتخصيص العموم بالقياس جائزٌ عند كثيرين من أهل الأصول. واحتجّ أبو ثور بالحديث المشهور: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل"، ولأن الوليّ إنما يُراد ليختار كفؤًا لدفع العار، وذلك يحصل بإذنه. قال العلماء: ناقض داود مذهبه في اشتراط الوليّ في البكر دون الثيّب؛ لأنه إحداث قول في مسألة مختلف فيها، ولم يُسبق إليه، ومذهبه أنه لا يجوز إحداث مثل هذا. واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويّ (١). وقال أبو عبد اللَّه القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ الآية [البقرة: ٢٢١]: في هذه الآية دليل بالنصّ على أنه لا نكاح إلا بوليّ: قال محمد ابن عليّ بن الحسين: النكاح بوليّ في كتاب اللَّه، ثم قرأ: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾. قال ابن المنذر: ثبت عن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا نكاح إلا بوليّ". وقد اختلف أهل العلم في النكاح بغير ولي، فقال كثير من أهل العلم: لا نكاح إلا بوليّ، روي هذا عن عمر بن الخطّاب، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي هريرة ﵃، وبه قال سعيد بن المسيّب، والحسن البصريّ، وعمر بن عبد العزيز، وجابر بن زيد، وسفيان الثوريّ، وابن أبي ليلى، وابن شُبْرُمة، وابن المبارك، والشافعيّ، وعُبيد اللَّه بن الحسن، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد. قال القرطبيّ: وهو قول مالك، وأبي ثور، والطبريّ. قال أبو عمر: حجة من قال: لا نكاح إلا بوليّ أن رسول اللَّه ﷺ قد ثبت عنه أنه قال: "لا نكاح إلا بوليّ"، رَوَى هذا الحديثَ شعبة، والثوريّ، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن النبيّ ﷺ مرسلًا، فمن يَقبل المرسل يلزمه قبوله، وأما من لا يقبل المراسيل، فيلزمه أيضًا؛ لأن الذين وصلوه من أهل الحفظ، والثقة، وممن وصله إسرائيل، وأبو عوانة، كلاهما عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبيّ ﷺ . وإسرائيل، ومن تابعه حُفّاظٌ، والحافظ تُقبل زيادته، وهذه الزيادة يعضِدها أصولٌ؛ قال اللَّه : ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾. وهذه الآية نزلت في معقل بن يسار إذ عَضَلَ أخته عن مراجعة زوجها. قاله البخاريّ. ولولا أن له حقًّا في الإنكاح ما نُهي عن العضل. ومما يدلّ على هذا أيضًا من الكتاب قوله: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾، وقوله:

стр. 13877

﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾، فلم يُخاطب تعالى بالنكاح غير الرجال، ولو كان إلى النساء لذكرهنّ. وقال تعالى: حكايةً عن شُعيب في قصّة موسى ﵉: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ الآية. فقد تعاضد الكتاب والسنّةُ على أن لا نكاح إلا بوليّ. قال الطبريّ: في حديث حفصة حين تأيمت، وعقد عمر عليها النكاح، ولم تعقده هي إبطالُ قولِ من قال: إن للمرأة البالغة المالكة لنفسها تزويج نفسها، وعقد النكاح، دون وليّها، ولو كان ذلك لها لم يكن رسول اللَّه ﷺ ليدع خِطْبة حفصة لنفسها، إذا كانت أولى بنفسها من أبيها، وخطبها إلى من لا يملك أمرها، ولا العقد عليها، وفيه بيان قوله ﷺ : "الأيّم أحقّ بنفسها من وليّها" أن معنى ذلك أنها أحقّ بنفسها في أنه لا يَعقِد عليها إلا برضاها لا أنها أحقّ بنفسها في أن تعقد عقد النكاح على نفسها دون وليّها. وروى الدارقطنيّ عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تزوّج المرأة المرأةَ، ولا تزوّج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوّج نفسها". قال: حديث صحيح (١). وروى أبو داود من حديث سفيان، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، قالت: قال رسول اللَّه ﷺ "أيما امرأة نَكَحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل -ثلاث مرّات-، فإن دخل بها فالمهر بما أصاب منها، فان تشاجروا فالسلطان وليّ من لا وليّ له". وهذا حديث صحيح (٢). ولا اعتبار بقول ابن عُليّة، عن ابن جُريج، أنه قال: سألت عنه الزهريّ، فلم يَعرفه". ولم يقل هذا أحدٌ عن ابن جريج غير ابن عليّة. وقد رواه جماعةٌ عن الزهريّ لم يذكروا ذلك، ولو ثبت هذا عن الزهريّ لم يكن في ذلك حجّةٌ؛ لأنه قد نقله عنه ثقاتٌ، منهم سليمان بن موسى، وهو ثقة إمامٌ، وجعفر بن ربيعة، فلو نسيه الزهريّ لم يضره ذلك؛ لأن النسيان لا يُعصَم منه ابن آدم، قال ﷺ : "نَسي آدم، فنسيت ذرّيته" (٣)، وكان ﷺ ينسى، فمن سواه أحرى أن ينسى، ومن حفظ حجة على من نسي، فإذا رَوَى الخبر ثقة، فلا يضرّه نسيان من نسيه، هذا لو صحّ ما حَكى ابن عليّة، عن ابن جريج،

стр. 13878

فكيف، وقد أنكر أهل العلم ذلك من حكايته، ولم يعرّجوا عليها. وإذا ثبت هذا الخبر، فقد صرّح الكتاب والسنة بأن لا نكاح إلا بوليّ، فلا معنى لما خالفهما. وقد كان الزهريّ، والشعبيّ، يقولان: إذا زَوّجت المرأة نفسها كفؤًا بشاهدين، فذلك نكاحٌ جائز، وكذلك كان أبو حنيفة يقول: إذا زوّجت المرأة نفسها كفؤًا بشاهدين فذلك نكاح جائز، وهو قول زُفر. وإن زوّجت نفسها غير كفءٍ فالنكاح جائز، وللأولياء أن يفرّقوا بينهما. قال ابن المنذر: وأما قول النعمان، فمخالف للسنّة، خارجٌ عن قول أكثر أهل العلم، وبالخبر عن رسول اللَّه ﷺ نقول. وقال أبو يوسف: لا يجوز النكاح إلا بوليّ، فإن سلّم الوليّ جاز، وإن أبى أن يسلم، والزوج كفءٌ: أجازه القاضي، وإنما يتمّ النكاح في قوله حين يجيزه القاضي، وهو قول محمد بن الحسن، وقد كان محمد بن الحسن يقول: يأمر القاضي الوليّ بإجازته، فإن لم يفعل استأنف عقدًا، ولا خلاف بين أبي حنيفة وأصحابه أنه إذا أذن لها وليّها، فعقدت النكاح بنفسها جاز. وقال الأوزاعيّ: إذا ولّت أمرها رجلًا، فزوّجها كفؤًا، فالنكاح جائز، وليس للولّي أن يفرّق بينهما، إلا أن تكون عربية تزوّجت مولى، وهذا نحو مذهب مالك. وحمل القائلون بمذهب الزهريّ، وأبي حنيفة، والشعبيّ قوله ﷺ : "لا نكاح إلا بوليّ" على الكمال، لا على الوجوب، كما قال ﷺ : "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" (١). واستدلّوا على هذا بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. انتهى المقصود من كلام القرطبيّ (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أرجح الأقوال عندي هو القول باشتراط الوليّ في النكاح، وهو الذي عليه الجمهور؛ لصحة الأحاديث المذكورة بذلك، وأما حملها على معنى الكمال، وتأويلها بذلك، فغير صحيح، يردّه قوله ﷺ : "فنكاحها باطلٌ"، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحيّر بالاعتساف، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 13879

(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في ترتيب الأولياء: ذهب مالك إلى أن أولهم البنون، وإن سفلوا، ثم الآباء، ثم الإخوة للأب والأمّ، ثم للأب، ثم بنو الإخوة للأب والأمّ، ثم بنو الإخوة للأب، ثم الأجداد للأب، وإن علوا، ثم العمومة على ترتيب الإخوة، ثم بنوهم على ترتيب بني الإخوة، وإن سفلوا، ثم المولى، ثم السلطان، أو قاضيه، والوصيّ مقدّم في إنكاح الأيتام على الأولياء، وهو خليفة الأب ووكيله، فأشبه حاله حاله لو كان حيًّا. وقال الشافعيّ: لا ولاية لأحد مع الأب، فإن مات فالجدّ، ثم أب أب الجدّ؛ لأنهم كلهم آباء، والولاية بعد الجدّ للإخوة، ثم الأقرب. وقال المزنيّ: قال في الجديد: من انفرد بأمّ كان أولى بالنكاح، كالميراث، وقال في القديم: هما سواء. وروى المدنيّون عن مالك مثل قول الشافعيّ، وأن الأب أولى من الابن، وهو أحد قولي أبي حنيفة. وقال أحمد: أحقهم بالمرأة أن يزوّجها أبوها، ثم الابن، ثم الأخ، ثم ابنه، ثم العمّ. وقال إسحاق: الابن أولى من الأب، كما قال مالك. واختاره ابن المنذر؛ لحديث أم سلمة المذكور في الباب؛ لكن قد عرفت أنه ضعيف، فلا يصحّ الاحتجاج به (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أنّ ما ذهب إليه الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى- أرجح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في وجوب الإشهاد على النكاح: قال ابن رشد -رحمه اللَّه تعالى-: اتفق أبو حنيفة، والشافعيّ، ومالك على أن الشهادة من شرط النكاح، واختلفوا هل هي شرط تمام يؤمر به عند الدخول، أو شرط صحّة يؤمر به عند العقد، واتفقوا على أنه لا يجوز نكاح السرّ، واختلفوا إذا أشهد شاهدين، ووصيا بالكتمان، هل هو سرّ، أو ليس بسرّ؟ فقال مالكٌ: هو سرّ، ويُفسخ، وقال أبو حنيفة، والشافعيّ: ليس بسرّ. وسبب اختلافهم، هل الشهادة في ذلك حكم شرعيّ، أم إنما المقصود منها سدّ ذريعة الاختلاف، أو الإنكار؟ فمن قال: حكم شرعيّ، قال: هي شرط من شروط الصحّة، ومن قال: توثّقٌ قال: من شروط التمام. والأصل في هذا ما روي عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -: "لا نكاح إلا بشاهدي عدل، ووليّ مرشد"، ولا مخالف له من الصحابة، وكثيرٌ من الناس رأى هذا داخلًا في باب الإجماع، وهو ضعيف. وهذا الحديث قد روي مرفوعًا ذكره الدارقطنيّ،

стр. 13880

وذكر أن في سنده مجاهيل. وأبو حنيفة ينعقد النكاح عنده بشهادة فاسقين؛ لأن المقصود عنده بالشهادة هو الإعلان فقط. والشافعيّ يرى أن الشهادة تتضمّن المعنيين: أعني الإعلان، والقبول، ولذلك اشترط فيها العدالة. وأما مالك فليس تتضمّن عنده الإعلان إذا وُصّيَ الشاهدان بالكتمان. وسبب اختلافهم هل ما تقع فيه الشهادة ينطلق عليه اسم السرّ، أم لا؟. والأصل في اشتراط الإعلان قول النبيّ ﷺ : "أعلنوا هذا النكاح، واضربوا عليه بالدفوف". أخرجه أبو داود (١). وقال عمر فيه: هذا نكاح السرّ، ولو تقدّمت فيه لرجمت. وقال أبو ثور، وجماعة: ليس الشهود من شرط النكاح، لا شرط صحّة، ولا شرط تمام. وفعل ذلك الحسن بن عليّ، روي عنه تزوّج بغير شهادة، ثم أعلن بالنكاح. انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن الأرجح كون المعتبر في النكاح هو الإعلان، سواء كان بإشهاد شاهدين، أو بإعلانه بغير ذلك؛ لأنه لا تثبت أحاديث وجوب الإشهاد في النكاح، وإنما يثبت أحاديث إعلان النكاح، كحديث: "أعلنوا النكاح"، وهو حديث حسنٌ، أخرجه أحمد، وابن حبّان في "صحيحه" من حديث عبد اللَّه بن الزبير. وحديث: "فصل ما بين الحلال والحرام الدفّ، والصوت في النكاح"، حديث حسن أخرجه المصنّف برقم -٧٢/ ٣٣٧٠، والترمذيّ، وابن ماجه. والحاصل أن الواجب هو إعلان النكاح، سواء كان بالإشهاد، أو بغير ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه إنيب". …

стр. 13881

٢٩ - (إِنْكَاحُ الرَّجُلِ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ) زاد في "الكبرى": "وذكرُ اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر عائشة أم المؤمنين في ذلك". قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا الباب بيان جواز نكاح الصغيرة البكر، وإن لم تكن صالحة للوطء، والردّ على من منع ذلك، وادعى أن ذلك من خصوصيات النبيّ ﷺ . وقد ترجم الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- بنحو ترجمته، حيث قال: "باب إنكاح الرجل ولده الصغار؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾، فجعل عدّتها ثلاثة أشهر قبل البلوغ، ثم أورد حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - المذكور في الباب. قال في "الفتح": قوله: "لقول اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ الخ، أي فدلّ على أن نكاحها قبل البلوغ جائزٌ، وهو استنباط حسنٌ، لكن ليس في الآية تخصيص ذلك بالولد، ولا بالبكر. ويمكن أن يقال: الأصل في الأبضاع التحريم إلا ما دلّ عليه الدليل، وقد ورد حديث عائشة في تزويج أبي بكر لها، وهي دون البلوغ، فبقي ما عداه على الأصل، ولهذا السرّ أورد حديث عائشة. قال المهلّب: أجمعوا على أنه يجوز للأب تزويج ابنته الصغيرة البكر، ولو كانت لا يوطأ مثلها. إلا أن الطحاويّ حكى عن ابن شُبْرُمة منعه فيمن لا توطأ. وحكى ابن حزم عن ابن شُبرمة مطلقًا أن الأب لا يُزوّج ابنته البكر الصغيرة حتى تبلغ، وتأذن، وزعم أن تزويج النبيّ ﷺ عائشة، وهي بنت ستّ سنين كان من خصائصه، ومقابله تجويز الحسن، والنخعيّ للأب إجبار بنته كبيرة كانت، أو صغيرةً، بكرًا كانت، أو ثيّبًا انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب (١). ٣٢٥٦ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَزَوَّجَهَا, وَهِيَ بِنْتُ سِتٍّ, وَبَنَى بِهَا, وَهِيَ بِنْتُ تِسْعٍ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت [١٠] ٢/ ٢. ٢ - (أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقة، من كبار [٩] ٢٦/ ٣٠. ٣ - (هشام بن عروة) بن الزبير، أبو المنذر المدنيّ، ثقة فقيه، ربما دلس [٥] ٤٩/ ٦١.

стр. 13882

٤ - (أبوه) عروة بن الزبير بن العوّام المدني الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٤٠/ ٤٤. ٥ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فمروزيّ، وأبي معاوية، فكوفيّ. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعي عن تابعيّ، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَزَوَّجَهَا) أي عقد عليها، وكان ذلك بمكة قبل الهجرة (وَهِيَ بِنْتُ سِتٍّ) أي بنت ست سنين (وَبَنَى بِهَا) أي دخل بها، وكان ذلك بالمدينة في شوّال من السنة الأولى من الهجرة. وقيل: من السنة الثانية. [فائدة]: قال الفيّوميّ: وبنى على أهله: دخل بها، وأصله أن الرجل كان إذا تزوّج بنَى للعِرْسِ خِبَاءً جديدًا، وعَمَّرَه بما يَحتاج إليه، أو بُنِيَ له؛ تكريمًا، ثم كثُر، حتى كُنِي به عن الجماع. وقال ابن دُريد: بَنَى عليها، وبَنَى بها، والأول أفصح، هكذا نقله جماعة. ولفظ "التهذيب": والعامّة تقول: بَنَى بأهله، وليس من كلام العرب. قال ابن السِّكيت: بَنَى على أهله: إذا زُفّت إليه انتهى (١). وعبارة ابن منظور: والباني: العروس الذي يبني على أهله، قال الشاعر [شطر بيت من الوافر]: يَلوحُ كَأَنَّهُ مِصْبَاحُ بَانِي وبَنَى فلان على أهله بِناءً، ولا يُقال بأهله. هذا قول أهل اللغة. وحكى ابن جنّي: بني بأهله، وابتنى بها، عدّاهما جميعًا بالباء. ثم ذكر نحو ما تقدّم عن "تهذيب الأزهريّ". قال: وقد ورد بني بأهله في شعر جرْدَانٍ الْعَوْدِ، قال [من الطويل]: بَنَيتُ بِهَا قَبلَ الْمِحَاقِ بِلَيْلَةٍ … فَكَانَ مِحَاقًا كُلُّهُ ذَلِكَ الشَّهْرُ قال ابن الأثير: وقد جاء بَنَى بأهله في غير موضع من الحديث، وغير الحديث انتهى (٢).

стр. 13883

وقال في "الفتح" بعد ما ذكر قول من قال: لا يقال: بني بأهله: ما نصّه: ولا معنى لهذا التغليط؛ لكثرة استعمال الفصحاء له، وحسبك بقول عائشة: "بني بي"، وبقول عروة في آخر الحديث: "وبنى بها". انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: فثبت بما ذُكر أن "بني بها" لغة عربيّة، فصيحة؛ لورودها في الشعر العربيّ، وفي كلام الفصحاء، كعائشة، وعروة، وغيرهم، وأثبتها من اللغويين ابن دُريد، وابن جنّي، فلا يصحّ دعوى أنها لغة عامية، فتبصّر، ولا تتحيّر. واللَّه تعالى أعلم. (وَهِيَ بِنْتُ تِسْعٍ) وفي رواية البخاريّ من طريق أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه، قال: "تُوفّيت خديجة قبل مخرج النبيّ ﷺ -إلى المدينة بثلاث سنين، فلبث سنتين، أو قريبًا من ذلك، ونكح عائشة، وهي بنت ستّ سنين، ثم بنى بها، وهي بنت تسع سنين". فقال في "الفتح": فيه إشكال؛ لأن ظاهره يقتضي أنه لم يبن بها إلا بعد قدومه المدينة بسنتين، ونحو ذلك؛ لأن قوله: "فلبث سنتين، أو نحو ذلك"، أي بعد موت خديجة. وقوله: "ونكح عائشة"، أي عقد عليها لقوله بعد ذلك: "وبنى بها، وهي بنت تسع"، فيخرج من ذلك أنه بني بعد قدومه بسنتين، وليس كذلك؛ لأنه وقع عند المصنّف -البخاريّ- في "النكاح" من رواية الثوريّ، عن هشام بن عروة في هذا الحديث "ومكثت عنده تسعًا"، وسيأتي ما قيل: من إدراج النكاح في هذه الطريق، وهو في الجملة صحيح، فإن عند مسلم من حديث الزهريّ، عن عروة، عن عائشة في هذا الحديث: وزُفّت إليه، وهي بنت تسع، ولُعْبَتها معها، ومات عنها، وهي بنت ثمان عشرة". وله من طريق الأسود، عن عائشة نحوه. ومن طريق عبد اللَّه بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: "تزوّجني رسول اللَّه ﷺ في شوّال، وبنى بي في شوّال"، فعلى هذا فقوله: "فلبث سنتين، أو قريبًا من ذلك"، أي لم يدخل على أحد من النساء، ثم دخل على سودة بنت زمعة قبل أن يُهاجر، ثم بني بعائشة بعد أن هاجر، فكأنّ ذكر سودة سقط على بعض رواته. وقد روى أحمد، والطبرانيّ بإسناد حسن، عن عائشة، قالت: "لما تُوفّيت خديجة قالت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون: يا رسول اللَّه ألا تَزَوّج؟ قال: نعم، فما عندكِ؟ قالت: بكر وثيّب، البكر بنت أحبّ خلق اللَّه إليك عائشة، والثيّب سودة بنت

стр. 13884

زمعة. قال: فاذهبي، فاذكريهما عليّ، فدخلت على أبي بكر، فقال: إنما هي بنت أخيه، قال: قولي له: أنت أخي في الإسلام، وابنتك تصلح لي، فجاءه، فأنكحه، ثم دخلت على سودة، فقالت لها: أخبري أبي، فذكرت له، فزوّجه" (١). وذكر ابن إسحاق

стр. 13885

وغيره أنه دخل على سودة بمكّة. وأخرج الطبرانيّ من وجه آخر عن عائشة قالت: "لما هاجر رسول اللَّه ﷺ ، وأبو بكر خَلَّفَنا بمكة، فلما استقر بالمدينة، بعث زيد بن حارثة، وأبا رافع، وبعث أبو بكر عبد اللَّه بن أُرَيقط، وكتب إلى عبد اللَّه بن أبي بكر أن يحمل معه أم رومان، وأم أبي بكر، وأنا وأختي أسماء، فخرج بنا، وخرج زيد، وأبو رافع بفاطمة، وأمّ كلثوم، وسودة بنت زمعة، وأخذ زيد امرأته أم أيمن، وولديها أيمن، وأسامة، واصطحبنا، حتى قدمنا المدينة، فنزلت في عيال أبي بكر، ونزل آل النبيّ ﷺ عنده، وهو يومئذ يبني المسجد وبيوته، فأدخل سودة بنت زمعة أحد تلك البيوت، وكان يكون عندها، فقال له أبو بكر: ما يمنعك أن تبني بأهلك؟ فبنى بي … " الحديث. قال الماورديّ: الفقهاء يقولون: تزوّج عائشة قبل سودة، والمحدّثون يقولون: تزوّج سودة قبل عائشة، وقد يُجمع بينهما بأنه عقد على عائشة، ولم يدخل بها، ودخل بسودة. قال الحافظ: والرواية التي ذكرتها عن الطبرانيّ ترفع الإشكال، وتوجّه الجمع المذكور. واللَّه أعلم. وقد أخرج الإسماعيليّ من طريق عبد اللَّه بن محمد بن يحيي، عن هشام، عن أبيه "أنه كتب إلى الوليد: إنك سألتني متى توفّيت خديجة؟ وإنها توفّيت قبل مخرج النبيّ ﷺ من مكة بثلاث سنين، أو قريب من ذلك، نكح النبيّ ﷺ عائشة بعد مُتَوَفَّى خديجة، وعائشةُ بنت ستّ سنين، ثم إن النبي ﷺ بني بها بعد ما قدم المدينة، وهي بنت تسع سنين". وهذا السياق لا إشكال فيه، ويرتفع به ما تقدّم من الإشكال أيضًا. واللَّه أعلم. وإذا ثبت أنه بني بها في شوّال من السنة الأولى من الهجرة قوِيَ قولُ من قال: إنه دخل بها بعد الهجرة بسبعة أشهر. وقد وهّاه النوويّ في "تهذيبه"، وليس بواهٍ إذا عددناه من ربيع الأول، وجزمه بأن دخوله بها كان في السنة الثانية يُخالف ما ثبت أنه دخل بها بعد خديجة بثلاث سنين. وقال الدمياطيّ في "السيرة" له: ماتت خديجة في رمضان، وعقد على سودة في شوّال، ثم على عائشة، ودخل بسودة قبل عائشة. انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تحرر بما سبق أنه ﷺ تزوج عائشة قبل سودة، ودخل بسودة قبل عائشة ﵄، وهذا هو الجمع السديد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 13886

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٩/ ٣٢٥٦ و ٣٢٥٧ و ٣٢٥٨ و ٣٢٥٩ و ٧٧/ ٣٣٧٨ و ٧٨/ ٣٣٧٩ و ٣٣٨٠ - وفي "الكبرى" ٢٧/ ٥٣٦٥ و ٥٣٦٦ و ٥٣٦٧ و ٥٣٦٨ و ٥٣٦٩ و ٨٩/ ٥٥٦٩ و ٥٥٧٠ و ٥٥٧١ و ٩٠/ ٥٥٧٢. وأخرجه (خ) في "النكاح" ٥١٣٣ و ٥١٣٤ و ٥١٥٨ (م) في "النكاح" ١٤٢٢ (د) في "النكاح" ٢١٢١ و"الأدب" ٤٩٣٣ و ٤٣٥ (ق) في "النكاح" ١٨٧٦ (أحمد) في "باقي الأنصار" ٢٥٢٤١ و ٢٥٨٦٥ (الدارمي) في "النكاح"٢٢٦١. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان جواز إنكاح الأب بنته الصغيرة، وهو مجمع عليه إلا ما حكي عن ابن شُبرمة كما تقدّم. (ومنها): جواز نكاح المرأة، وإن لم تكن صالحة للوطء. (ومنها): أن الوليّ الخاص يقدّم على الوليّ العام، حيث زوّج أبو بكر بنته عائشة للنبيّ ﷺ ، وقد اختلف فيه عند المالكيّة، كما أشار إليه في "الفتح" (١). (ومنها): أن النهي عن إنكاح البكر حتى تُستأذن مخصوص بالبالغة حتى يُتصوّر منها الإذن، وأما الصغيرة فلا حاجة إلى استئذانها، إذ لا معنى لذلك، حيث إنها لا تدري ما هو النكاح. قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذا صريح في جواز تزويج الأب الصغيرةَ بغير إذنها؛ لأنه لا إذن لها، والجدّ كالأب عندنا. قال: وأجمع المسلمون على جواز تزويجه بنته الصغيرة لهذا الحديث. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: دعوى الإجاع فيه نظر، فقد تقدم خلاف ابن شبرمة فيه، فتنبّه. واللَّه أعلم. قال: وإذا بلغت فلا خيار لها في فسخه عند مالك، والشافعيّ، وسائر فقهاء الحجاز. وقال أهل العراق: لها الخيار إذا بلغت، أما غير الأب، والجدّ من الأولياء، فلا يجوز أن يزوّجها عند الشافعيّ، والثوريّ، ومالك، وابن أبي ليلى، وأحمد، وأبي

стр. 13887

ثور، وأبي عُبيد، والجمهور، قالوا: فإن زوّجها لم يصحّ. وقال الأوزاعيّ، وأبو حنيفة، وآخرون من السلف: يجوز لجميع الأولياء، ويصحّ، ولها الخيار إذا بلغت، إلا أبا يوسف، فقال: لا خيار لها. واتفق الجمهور على أن الوصيّ الأجنبيّ لا يزوّجها. وجوّز شُريحٌ، وعروة، وحمّادٌ له تزويجها قبل البلوغ. وحكاه الخطّابيّ عن مالك أيضًا. قال: (واعلم): أن الشافعيّ، وأصحابه قالوا: يُستحبّ أن لا يزوّج الأب والجدّ حتى تبلغ، ويستأذنها لئلا يوقعها في أسر الزوج، وهي كارهةٌ. وهذا الذي قالوه: لا يخالف حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -؛ لأن مرادهم أنه لا يزوّجها قبل البلوغ إذا لم تكن مصلحةٌ ظاهرةٌ يخاف فوتها بالتاخير، كحديث عائشة، فيستحبّ تحصيل ذلك الزوج؛ لأن الأب مأمور بمصلحة ولده، فلا يفوّتها. قال: وأما وقت زفاف الصغيرة المزوّجة، والدخول بها، فإن اتّفق الزوج والوليّ على شيء لا ضرر فيه على الصغيرة عُمل به، وإن اختلفا، فقال أحمد، وأبو عُبيد: تجُبر على ذلك بنت تسع سنين دون غيرها. وقال مالك، والشافعيّ، وأبو حنيفة: حدّ ذلك أن تُطيق الجماع، ويختلف ذلك باختلافهنّ، ولا يُضبط بسنّ، وهذا هو الصحيح، وليس حديث عائشة تحديدًا، ولا المنع من ذلك فيمن أطاقته قبل تسع، ولا الإذن فيه لمن لم تُطقه، وقد بلغت تسعًا. قال الداوديّ: وكانت عائشة قد شبّت شَبابًا حسنًا - رضي اللَّه تعالى عنها - انتهى كلام النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- (١). وهو تحقيق نفيس جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٢٥٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ بْنِ مُسَاوِرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ, عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: "تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ لِسَبْعِ سِنِينَ, وَدَخَلَ عَلَيَّ لِتِسْعِ سِنِينَ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن النضر بن مساور" المروزيّ، صدوق [١٠] ٧٠/ ٢٣٤٧. و" جعفر بن سليمان" الضُّبَعيّ، أبو سليمان البصريّ، صدوق زاهد، يتشيّع [٨] ١٤/ ١٤. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: "لسبع سنين" هكذا في هذه الرواية، وكذا هو عند مسلم من طريق معمر، عن الزهريّ، عن هشام، وكذا في رواية حماد بن سلمة عند أحمد -رحمه اللَّه تعالى- في "مسنده"، ولفظه:

стр. 13888

حدثنا حسن بن موسى، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: "تزوجني رسول اللَّه ﷺ ، مُتَوَفَّى خديجة، قبل مخرجه إلى المدينة، بسنتين أو ثلاث، وأنا بنت سبع سنين، فلما قدمنا المدينة، جاءتني نسوة، وأنا ألعب في أُرْجُوحة، وأنا مُجَمَّمَةٌ (١)، فذهبن بي، فهَيَّأْنَنِي، وصنعنني، ثم أتين بي رسول اللَّه ﷺ ، فَبَنَى بي، وأنا بنت تسع سنين" (٢). وفي "مسند أبي داود الطيالسيّ" - ص ٢٠٥ - شكّ حماد في ستّ، أو سبع، ولفظه: "تزوّجني رسول اللَّه ﷺ ، وأنا بنت ستّ، أو سبع بمكة … ". والجمع بين الروايتين، كما قال النوويّ أن يقال: أنه كان لها ستّ وكسرٌ، ففي رواية اقتصرت على السنين، وفي رواية عدّت السنة التي دخلت فيها. واللَّه تعالى أعلم. والحديث صحيح، وقد سبق تمام البحث فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٢٥٨ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْثَرٌ, عَنْ مُطَرِّفٍ, عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ, قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: "تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ لِتِسْعِ سِنِينَ, وَصَحِبْتُهُ تِسْعًا"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عَبْثر" -بفتح أوله، وسكون الموحّدة، وفتح المثلّثة- ابن القاسم الزُّبيديّ -بالضمّ- أبو زبيد- مصغرًا - الكوفيّ، ثقة [٨] ١٩٠/ ١١٦٤. و"مطرف" -بصيغة اسم الفاعل- ابن طَرِيف الكوفيّ، ثقة فاضل، من صغار [٦] ٢/ ٣٢٧. و"أبو إسحاق": هو عمرو بن عبد اللَّه السبيعيّ الثقة الثبت الكوفيّ. و"أبو عبيدة": هو عامر بن عبد اللَّه بن مسعود الهذليّ الكوفيّ، ثقة من كبار [٣] ٥٥/ ٦٢٢. وقوله: "لتسع سنين" هكذا هو في هذه الرواية، وكذا في رواية الأسود التي بعدها، وهي مخالفة لرواية عروة، فإن فيه: "تزوّجني لستّ سنين"، كما تقدّم. ويمكن الجمع بين الروايتين بحمل "قولها: تزوّجني" على معنى "بَنَى بي"، فلا تخالف بين الروايتين. واللَّه تعالى أعلم. والحديث في سنده أبو إسحاق السبيعيّ، وهو مدلّس، وقد عنعنه، لكن يشهد له ما قبله، وما بعده، فيصحّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 13889

٣٢٥٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ, وَأَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ, قَالَا:: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنِ الأَسْوَدِ, عَنْ عَائِشَةَ,: "تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ , وَهِيَ بِنْتُ تِسْعٍ, وَمَاتَ عَنْهَا, وَهِيَ بِنْتُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ"). قال الجامع عفا اللَّه تعَالى عنه: "محمد بن العلاء": هو أبو كُريب أحد مشايخ الستّة. و"أحمد بن حرب": هو الطائيّ الموصليّ، صدوق [١٠] ١٠٢/ ١٣٥. تفرّد به المصنّف. و"إبراهيم": هو ابن يزيد النخعيّ. و"الأسود": هو ابن يزيد النخعيّ. وقوله: "بنت تسع" تقدّم قريبًا أن المراد أنه بني بها، لا أنه عقد عليها النكاح وهي بنت تسعٍ، فإنه إنما عقد عليها وهي بنت ستّ سنين، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. والحديث صحيح، وقد سبق تخريجه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٣٠ - (إِنْكَاحُ الرَّجُلِ ابْنَتَهُ الْكَبِيرَةَ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أراد بيان جواز تزويج الرجل ابنته الكبيرة بغير إذنها، إذا علم أنها لا تكره ذلك، وكان الخاطب كفؤًا لها، وسيأتي تمام البحث في هذه المسألة في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى. ٣٢٦٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ, يُحَدِّثُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁, حَدَّثَنَا, قَالَ: يَعْنِي تَأَيَّمَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ, مِنْ خُنَيْسِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ, وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ , فَتُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ, قَالَ عُمَرُ: فَأَتَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ, ﵁, فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ, قَالَ: قُلْتُ: إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ, قَالَ: سَأَنْظُرُ فِي أَمْرِي, فَلَبِثْتُ (١) لَيَالِيَ, ثُمَّ لَقِيَنِي, فَقَالَ: قَدْ بَدَا لِي أَنْ لَا أَتَزَوَّجَ يَوْمِي هَذَا, قَالَ عُمَرُ: فَلَقِيتُ (٢) أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁, فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتَ زَوَّجْتُكَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ, فَصَمَتَ أَبُو بَكْرٍ, فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ

стр. 13890

شَيْئًا, فَكُنْتُ عَلَيْهِ أَوْجَدَ مِنِّي عَلَى عُثْمَانَ, فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ, ثُمَّ خَطَبَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ , فَأَنْكَحْتُهَا إِيَّاهُ, فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ, فَقَالَ: لَعَلَّكَ وَجَدْتَ عَلَيَّ, حِينَ عَرَضْتَ عَلَيَّ حَفْصَةَ, فَلَمْ أَرْجِعْ إِلَيْكَ شَيْئًا, قَالَ عُمَرُ:: قُلْتُ: نَعَمْ, قَالَ: فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرْجِعَ إِلَيْكَ شَيْئًا, فِيمَا عَرَضْتَ عَلَيَّ, إِلاَّ أَنِّي قَدْ كُنْتُ عَلِمْتُ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , قَدْ ذَكَرَهَا, وَلَمْ أَكُنْ لأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللهِ ﷺ , وَلَوْ تَرَكَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَبِلْتُهَا). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن عبد اللَّه بن المبارك": هو أبو جعفر الْمُخَرِّميّ البغداديّ الثقة الحافظ. و"يعقوب بن إبراهيم": هو الزهريّ المدنيّ، نزيل البغداد الثقة الفاضل. و"أبوه": هو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن المدنيّ، نزيل بغداد الثقة الحجة. و"صالح": هو ابن كيسان الثقة الثبت. وقوله: "وقد بدا لي" أي ظهر لي عدم تزوّجي في هذه الأوقات، فاليوم بمعنى الوقت. والحديث أخرجه البخاريّ، وقد تقدّم شرحه، والكلام على مسائله قبل خمسة أبواب-٢٤/ ٣٢٤٩ - فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٣١ - (اسْتِئْذَانُ الْبِكْرِ فِي نَفْسِهَا) زاد في "الكبرى": "وذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر ابن عباس فيه". ٣٢٦١ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ, عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , قَالَ: «الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا, وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا, وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيبة) بن سعيد البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] ٧/ ٧. ٣ - (عبد اللَّه بن الفضل) بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب الهاشميّ

стр. 13891

المدنيّ، ثقة [٤] ٥٤/ ٢٧٥٢. ٤ - (نافع بن جبير بن مطعم) النوفليّ، أبو محمد، أو أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة فاضل [٣] ٩٦/ ١٢٤. ٥ - (ابن عباس) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فإنه بغلانيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (الْأَيِّمُ) -بفتح الهمزة، وتشديد التحتانيّة-: هو في الأصل من لا زوج لها، بكرًا كانت، أو ثيّبًا، والمراد به هنا: الثيب، كما فسّرته الرواية الأخرى، ولمقابلته بالبكر، ولأنه الأكثر استعمالًا. قال أبو العباس القرطبيّ: اتفق أهل اللغة على أن الأيّم في الأصل هي المرأة التي لا زوج لها، بكرًا كانت أو ثيّبًا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] تقول العرب تأيّمت المرأة: إذا أقامت لا تتزوّج، ويقال: أيّمٌ بيّنة الأَيّمَة، وقد آمت هي، وإِمْتُ أنا، قال الشاعر [من الطويل]: لَقَدْ إِمْتُ حَتَّى لَامَني كُلُّ صاحِبٍ … رَجَاءً بِسَلْمَى أَنَّ تَئِيمَ كَمَا إِمْتُ قال أبو عبيد: يقال: رجلٌ أَيّمٌ، وامرأةٌ أيّمٌ، وأكثر ما يكون في النساء، وهو كالمستعار في الرجال. انتهى (١). وقال القاضي عياضٌ: اختلف العلماء في المراد بالأيّم هنا، مع اتفاق أهل اللغة على أنها تُطلق على امرأة لا زوج لها، صغيرةً كانت، أو كبيرةً، بكرًا كانت، أو ثيّبًا. قاله إبراهيم الحربيّ، وإسماعيل القاضي، وغيرهما. والأيّمَةُ العُزُوبة، ورجلٌ أيّمٌ، وامرأة أيّمٌ. وحكى أبو عبيد: أيّمةٌ أيضًا. قال القاضي: ثم اختلف العلماء في المراد به هنا، فقال علماء الحجاز، والفقهاء

стр. 13892

كافةً: المراد الثيّب، واستدلّوا بأنه جاء مفسراً في الرواية الأخرى بالثيّب، وبأنها جعلت في مقابلة البكر، وبأن أكثر استعمالها في اللغة للثيّب. وقال الكوفيون، وزفر: الأيّم هنا كلّ امرأة لا زوج لها، بكرًا كانت أو ثيّبًا، كما هو مقتضاه في اللغة قالوا: فكلّ امرأة بلغت فهي أحقّ بنفسها من وليّها، وعقدها على نفسها النكاح صحيح. وبه قال الشعبيّ، والزهريّ، قالوا: وليس الوليّ من أركان صحّة النكاح، بل من تمامه. وقال الأوزاعيّ، وأبو يوسف، ومحمد: تتوقّف صحّة النكاح على إجازة الوليّ. قال القاضي: واختلفوا أيضًا في قوله ﷺ : "أحقّ من وليّها"، هل هي أحقّ بالإذن فقط، أو بالإذن والعقد على نفسها؟ فعند الجمهور بالإذن فقط، وعند هؤلاء بهما جميعًا (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحقّ ما قاله الجمهور من أن الوليّ شرط في صحّة النكاح، وليس للمرأة إلا مجرّد الإذن، إما صريحًا، وهو للثيّب، أو سكوتًا، وهو للبكر للحديث الصحيح: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل". واللَّه تعالى أعلم. (أَحَقُّ بنَفْسِها مِنْ وَلِيِّهَا) أي تنطق بنفسها، ولا ينطق الوليّ عنها. وقال النوويّ: يحتمل من حيث المعنى أن المراد أحقّ من وليّها في كلّ شيء، من عقد، وغيره، كما قاله أبو حنيفة، وداود. ويحتمل أنها أحقّ بالرضا، أي لا تُزوّج حتى تنطق بالإذن، بخلاف البكر، ولكن لَمّا صحّ قوله ﷺ : "لا نكاح إلا بوليّ" مع غيره من الأحاديث الدالّة على اشتراط الوليّ تعليق الاحتمال الثاني. [واعلم]: أن لفظة "أحقّ" هنا للمشاركة، معناه أن لها في نفسها في النكاح حقًّا، ولويها حقًا، وحقها أوكد من حقّه، فإنه لو أراد تزويجها كفؤًا، وامتنعت لم تُجبر، ولو أرادت أن تتزوّج كفؤًا، فامتنع الوليّ أُجبر، فإن أصرّ زوّجها القاضي، فدلّ على تأكيد حقّها، ورجحانه انتهى (٢). (وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا) ببناء الفعل للمفعول: أي يطلب إذنها في تزويجها. وفي الروايات الآتية بلفظ: "تُستأمر". قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: هكذا وقع في حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -: "والبكر تُستأمر"، وفي حديث أبي هريرة ﵁: "الأيّم تُستأمر، والبكر تُستأذن"، وهو أتقن مساقًا من حديث ابن عباس لأن "تُستأمر" معناه: يُستدعَى أمرها، وهذا يظهر منه أن يصدر منها بالقول ما يُسمى أمرًا، وهذا ممكن من الثيّب؛ لأنها لا

стр. 13893

يَلحقها من الخجل، والانقباض ما يَلحق البكر، فلا يُكتفى منها إلا بنطق يدلّ على مرادها صريحًا. وأما "تُستأذن" فإنه يقتضي أن يظهر منها ما يدلّ على رضاها، وإذنها بأيّ وجه كان، من سكوت، أو غيره، ولا تُكلّف النطقَ، ولذلك لما قال في حديث ابن عباسِ "لا تُنكح البكر حتى تُستأذن" أشكل عليهم إذنها، فسألوا، فأجيبوا بقوله (وَإذْنَهُا صُمَاتهُا) بضم الصاد المهملة، ويقال: فيه الصّمت -بالفتح- والصّموت -بالضمّ-: ومعناها السكوت، ولشيخنا عبد الباسط المناسيّ -رحمه اللَّه تعالى-: الصَّمْتُ وَالصُّمَاتُ والصُّمُوتُ … مَصَادِرٌ يُعْنَى بِهَا السُّكُوتُ قال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: والأصل وصُماتها كإذنها، فشُبِّهَ الصُّماتُ بالإذن شرعًا، ثم جُعِل إذنًا مجازًا، ثم قُدّم مبالغةً، والمعنى: هو كاف في الإذن، وهذا مثل قوله: "ذكاة الجنين ذكاة أمّة"، والأصل ذكاة أمّ الجنين ذكاته، وإنما قلنا: الأصل: صماتها كإذنها؛ لأنه لا يُخبرُ عن شيءٍ إلا بما يصحّ أن يكون وصفًا له حقيقةً، أو مجازًا، فيصحّ أن يقال: الفرس يطير، ولا يصحّ أن يقال: الحجر يطير؛ لأنه لا يوصف بذلك، فصُماتها كإذنها صحيح، ولا يصحّ أن يكون "إذنها" مبتدءًا؛ لأن الإذن لا يصحّ أن يوصف بالسكوت؛ لأنه يكون نفيًا له، فيبقى المعنى: إذنها مثل سكوتها، وقبل الشرع كان سكوتها غير كاف، فكذلك إذنها، فينعكس المعنى انتهى (١). قال ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: يستحبّ إعلام البكر أن سكوتها إذنٌ، لكن لو قالت بعد العقد: ما علمت أن صمتي إذنٌ لم يبطل العقد بذلك عند الجمهور، وأبطله بعض المالكيّة، وقال ابن شعبان منهم: يقال لها ذلك ثلاثًا إن رضيت فاسكتي، وإن كرهت فانطلقي. وقال بعضهم: يُطالُ المقام عندها لئلا تخجل، فيمنعها ذلك من المسارعة. واختلفوا فيما إذا لم تتكلّم، بل ظهرت منها قرينة السخط، أو الرضا بالتبسّم مثلًا، أو البكاء، فعند المالكيّة إن نفرت، أو بكت، أو قامت، أو ظهر منها ما يدلّ على الكراهة لم تُزوَّج. وعند الشافعيّة: لا أثر لشيء من ذلك في المنع إلا إن قَرَنت مع البكاء الصياح ونحوه، وفرّق بعضهم بين الدمع، فإن كان حارًّا دلّ على المنع، وإن كان باردًا دلّ على الرضا. قاله في "الفتح" (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 13894

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣١/ ٣٢٦١ و ٣٢٦٢ و ٣٢٦٣ و ٣٢٦٤ و ٣٢/ ٣٢٦٥ - في "الكبرى" ٢٨/ ٥٣٧١ و ٥٣٧٢ و ٥٣٧٢ و ٥٣٧٣ و ٥٣٧٤. وأخرجه (م) في "النكاح" ١٤٢١ (د) في "النكاح" ٢٠٩٨ و ٢١٠٠ (ت) في "النكاح" ١١٠٨ (ق) في "النكاح" ١٨٧٠ (أحمد) في "مسند بني هاشم" ١٨٩١ و ٢١٦٤ و ٢٣٦١ و ٣٢١٢ و ٣٣٣٣ و ٣٤١١ و ١١١٤ و ٢١٨٨ و ٢١٨٩ (الدارمي) في "النكاح" ٢١٨٨ و ٢١٨٩ و ٢١٩٠. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو وجوب استئذان البكر في نفسها. (ومنها): أن الأيّم أحقّ بأمر النكاح من الوليّ، بمعنى أنه لا بدّ من إذنها الصريح، أو ردّها، لا بمعنى أنها تزوّج نفسها، كما يقول به داود الظاهريّ. (ومنها): أن البكر لا يجب عليها التصريح بالقول، بل يكفي سكوتها. (ومنها): أنه يدلّ على أنَّ السكوت على الشيء بعد العلم به يكون رضًا به، لكن بشرط أن لا يكون السكوت عن خوف ونحوه. (ومنها): أن فيه إشارةً إلى أن البكر التي أُمِر باستئذانها هي البالغة، إذ لا معنى لاستئذان من لا تدري ما الإذن؟، ومن يستوي سكوتها وسخطها. (ومنها): أنه يدلّ على أن البكر إذا أعلنت بالمنع لم يجز النكاح، وإن أعلنت بالرضا جاز بطريق أولى، وشذّ بعض أهل الظاهر، فقال: لا يجوز أيضًا، وقوفًا عند ظاهر قوله: "وإذنها أن تسكت". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): نقل ابن عبد البرّ عن مالك أن سكوت البكر اليتيمة قبل إذنها، وتفويضها لا يكون رضًا منها، بخلاف ما إذا كان بعد تفويضها إلى وليّها. وخصّ بعض الشافعيّة الاكتفاء بسكوت البكر البالغ بالنسبة إلى الأب والجدّ، دون غيرهما؛ لأنها تستحيي منهما أكثر من غيرهما. والصحيح الذي عليه الجمهور استعمال الحديث في جميع الأبكار بالنسبة لجميع الأولياء. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم تزويج الأب البكر البالغة بغير إذنها: ذهب الأوزاعيّ، والثوريّ، والحنفيّة، ووافقهم أبو ثور: إلى شترط استئذانها،

стр. 13895

فلو عقد عليها بغير استئذان لم يصحّ. وذهب آخرون إلى أنه يجوز للأب أن يزوّجها، ولو كانت بالغة بغير استئذان، وهو قول ابن أبي ليلى، ومالك، والليث، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق. ومن حجّتهم مفهوم حديث الباب؛ لأنه جعل الثيّب أحقّ بنفسها من وليّها، فدلّ على أن وليّ البكر أحقّ بها منها. واحتجّ بعضهم بحديث يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، مرفوعًا: "تُستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فهو إذنها"، قال: فقيّد ذلك باليتيمة، فيحمل المطلق عليه. وفيه نظر -كما قال الحافظ- لحديث ابن عباس الآتي بلفظ: "والبكر يستأمرها أبوها" فنصّ على ذكر الأب. وأجاب الشافعيّ بأن المؤامرة قد تكون عن استطابة النفس. ويؤيّده حديث ابن عمر، رفعه: "آمروا النساء في بناتهنّ"، أخرجه أبو داود. قال الشافعيّ: لا خلاف أنه ليس للأمّ أمرٌ، لكنه على معنى استطابة النفس. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لكن الحديث ضعيفٌ، لا يصلح للاستدلال به. واللَّه تعالى أعلم. وقال البيهقيّ: زيادة ذكر الأب في حديث ابن عباس غير محفوظة، قال الشافعيّ: زادها ابن عُيينة في حديثه. وكان ابن عمر، والقاسم، وسالم يزوّجون الأبكار لا يستأمرونهنّ. قال البيهقيّ: والمحفوظ في حديث ابن عباس: "البكر تُستأمر"، ورواه صالح بن كيسان بلفظ: "واليتيمة تُستأمر"، وكذلك رواه أبو بردة، عن أبي موسى، ومحمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فدلّ على أن المراد بالبكر اليتيمة. قال الحافظ: وهذا لا يدفع زيادة الثقة الحافظ بلفظ الأب، ولو قال قائلٌ: بل المراد باليتيمة البكر لم يُدفع، و"تُستأمر" بضمّ أوله يدخل فيه الأب وغيره، فلا تعارض بين الروايات. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: كلام الحافظ هذا حسنٌ جدًّا. وحاصله أن رواية "يستأذنها أبوها" صحيحة؛ لأنها زيادة ثقة حافظ، وهو سفيان بن عيينة، وأيضًا إن رواية "تُستأذن" لا تنافيها، إذ الاستئذان يعمّ الأب، وغيره، وأما رواية "اليتيمة" فتردّ إلى معنى "البكر" جمعًا بين الروايات. والحاصل أن ما ذهب إليه الأولون -وهو عدم جواز تزويج البكر البالغة بغير إذنها- هو الأرجح، لظهور أدلّته. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 13896

وأما قول الحافظ: ويبقى النظر في أن الاستئمار، هل هو شرط في صحّة العقد، أو مستحبّ على معنى استطابة النفس، كما قال الشافعيّ؟ كلٌّ من الأمرين محتمل انتهى. ففيه نظر لا يخفى؛ إذ الاحتمال الثاني -وهو الاستحباب- ضعيف؛ لمخالفته لظواهر الأحاديث المذكورة؛ وأما حديث أبو داود المذكور، فلا يصلح للاحتجاج به؛ لأنه ضعيف، كما مرّ آنفًا، فالاحتمال الأول -وهو كون الاستئمار شرطًا في صحّة العقد- أقوى، لظواهر الأحاديث. وقد حقّق المسألة العلامة ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-، فقال في "الهدي" - بعد ذكر حديث الاستئذان: ما نصّه: وموجب هذا الحكم أنه لا تُجبر البكر البالغ على النكاح، ولا تُزوّج إلا برضاها، وهذا قول جمهور السلف، ومذهب أبي حنيفة، وأحمد في إحدى الروايات عنه، وهو القول الذي ندين اللَّه به، ولا نعتقد سواه، وهو الموافق لحكم رسول اللَّه ﷺ ، وأمره، ونهيه، وقواعد شريعته، ومصالح أمّته. أما موافقته لحكمه، فإنه حكم بتخيير البكر الكارهة، وليس رواية هذا الحديث مرسلةً بعلّة فيه، فإنه قد روي مسندًا، ومرسلًا، فإن قلنا بقول الفقهاء: إن الاتصال زيادة، ومن وصله مقدّمٌ على من أرسله، فظاهر، وهذا تصرّفهم في غالب الأحاديث، فما بال هذا، خرج عن حكم أمثاله، وإن حكمنا بالإرسال، كقول كثير من المحدّثين، فهذا مرسلٌ قويّ، قد عضدته الآثار الصحيحة الصريحة، والقياس، وقواعد الشرع- كما سنذكره- فيتعيّن القول به. وأما موافقة هذا القول لأمره، فإنه قال: "والبكر تُستأذن"، وهذا أمرٌ مؤكّد؛ لأنه بصيغة الخبر الدّالّ على تحقّق المخبر به، وثبوته، ولزومه، والأصل في أوامره ﷺ أن تكون للوجوب، ما لم يقم إجماع على خلافه. وأما موافقته لنهيه، فلقوله: "لا تُنكح البكر حتى تُستأذن"، فأمر، ونهى، وحكم بالتخيير، وهذا إثبات للحكم بأبلغ الطرق. وأما موافقته لقواعد شرعه، فإن البكر البالغة العاقلة الرشيدة لا يتصرّف أبوها في أقلّ شيء من مالها إلا برضاها (١)، ولا يُجبرها على إخراج اليسير منه بدون رضاها، فكيف يجوز أن يُرقّها، ويُخرج بُضعها منها بغير رضاها إلى من يريده هو، وهي من أكره الناس

стр. 13897

فيه، وهو من أبغض شيء إليها؟ ومع هذا فيُنكحها إياه قهرًا بغير رضاها إلى من يريده، ويجعلها أسيرةً عنده، كما قال النبيّ ﷺ : "اتقوا اللَّه في النساء، فإنّهنّ عوان عندكم" (١). أي أسرى. ومعلومٌ أن إخراج مالها كلّه بغير رضاها أسهل عليها من تزويجها بمن لا تختاره بغير رضاها، ولقد أبطل من قال: إنها إذا عيّنت كفؤًا تحبّه، وعيّن أبوها كفؤًا، فالعبرة بتعيينه، ولو كان بغيضًا إليها، قَبِيح الخِلْقة. وأما موافقته لمصالح الأمّة، فلا يخفى مصلحة البنت في تزويجها بمن تختاره وترضاه، وحصول مقاصد النكاح لها به، وحصول ضدّ ذلك بمن تبغضه، وتنفر عنه، فلو لم تأت السنّة الصريحة بهذا القول، لكان القياس الصحيح، وقواعد الشريعة لا تقتضي غيره. وباللَّه التوفيق. [فإن قيل]: فقد حكم رسول اللَّه ﷺ بالفرق بين البكر والثيّب، وقال: "لا تُنكح الأيّم حتى تستأمر، ولا تُنكح البكر حتى تُستأذن"، وقال: "الأيّم أحقّ بنفسها من وليّها، والبكر يَستأذنها أبوها"، فجعل الأيّم أحقّ بنفسها من وليّها، فعُلم أن وليّ البكر أحقّ بها من نفسها، وإلا لم يكن لتخصيص الأيّم بذلك معنيً. وأيضًا فإنه فرّق بينهما في صفة الإذن، فجعل إذن الثيّب النطق، وإذن البكر الصَّمت، وهذا كلّه يدلّ على عدم اعتبار رضاها، وأنها لا حقّ لها مع أبيها. [فالجواب]: أنه ليس في ذلك ما يدلّ على جواز تزويجها بغير رضاها مع بلوغها، وعقلها، ورُشدها، وأن يزوّجها بأبغض الخلق إليها إذا كان كفؤًا، والأحاديث التي احتججتم بها صريحةٌ في إبطال هذا القول، وليس معكم أقوى من قوله: "الأيّم أحقّ بنفسها من وليّها". هذا إنما يدلّ بطريق المفهوم، ومنازعوكم يُنازعونكم في كونه حجّةٌ. ولو سُلّم أنه حجّةٌ، فلا يجوز تقديمه على المنطوق الصريح. وهذا أيضًا إنما يدلّ إذا قلت: إن للمفهوم عمومًا، والصواب أنه لا عموم له، إذ دلالته ترجع إلى أن التخصيص بالمذكور لا بدّ له من فائدةٍ، وهي نفي الحكم عما عداه، ومعلومٌ أن انقسام ما عداه إلى ثابت الحكم ومنفيّه فائدة، وأن إثبات حكم آخر للمسكوت فائدة، وإن لم يكن ضدّ حكم المنطوق، وأن تفصيله فائدة، كيف، وهذا مفهومٌ مخالفٌ للقياس الصريح، بل قياس الأولى، كما تقدّم، ويخالف النصوص المذكورة. وتأمّل قوله ﷺ : "والبكر يستأذنها أبوها"، عقب قوله: "الأيّم أحقّ بنفسها من وليّها"، قطعًا لتوهّم هذا القول، وأن البكر تُزوّج بغير رضاها، ولا إذنها، فلا حقّ لها

стр. 13898

في نفسها البتّة، فوصل إحدى الجملتين بالأخرى، دفعًا لهذا التوهّم. ومن المعلوم أنه لا يلزم من كون الثيّب أحقّ بنفسها من وليّها أن لا يكون للبكر حقّ في نفسها البتّة. وقد اختلف الفقهاء في مناط الإجبار على ستّة أقوال: (أحدها): أنه يُجبر بالبكارة، وهو قول الشافعيّ، ومالك، وأحمد في رواية. (الثاني): أن يُجبر بالصغر، وهو قول أبي حنيفة، وأحمد في الرواية الثانية. (الثالث): أنه يُجبر بهما معًا، وهو الرواية الثالثة عن أحمد. (الرابع): أنه يجبر بأيهما وُجد، وهو الرواية الرابعة عنه. (الخامس): أنه يجبر بالإيلاد، فتُجبر الثيّب البالغ، حكاه القاضي إسماعيل عن الحسن البصريّ، قال: وهو خلاف الإجماع، قال: وله وجهٌ حسنٌ من الفقه. قال ابن القيّم: فيا ليت شعري ما هذا الوجه الأسود المظلم؟. (السادس): أنه يجبر من يكون في عياله. ولا يخفى عليك الراجح من هذه المذاهب انتهى كلام ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لا يخفى أن الأرجح القول بأن الإجبار بهما معًا؛ فلا تجُبر البكر البالغة، ولا الثيّب الصغير؛ عملًا بمقتضى الحديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): قال في "الفتح": ما حاصله: استُدلّ بحديث الباب على أن الصغيرة الثيّب لا إجبار عليها؛ لعموم كونها أحقّ بنفسها من وليّها، وعلى أن من زالت بكارتها بوطء، ولو كان زنًا لا إجبار عليها، لأب ولا غيره؛ لعموم قوله: "الثيّب أحقّ بنفسها". وقال أبو حنيفة: هي كالبكر، وخالفه صاحباه، واحتُجّ له بأن علّة الاكتفاء بسكوت البكر هو الحياء، وهو باق في هذه؛ لأن المسألة مفروضة فيمن زالت بكارتها بوطء، لا فيمن اتخذت الزنا ديدنًا وعادة. وأجيب بأن الحديث نصّ على أن الحياء يتعلّق بالبكر، وقابلها بالثيّب، فدلّ على أن حكمهما مختلف، وهذه ثيّبٌ لغةً وشرعًا، بدليل أنه لو أوصى بعتق كلّ ثيّب في ملكه دخلت إجماعًا، وأما بقاء حيائها كالبكر فممنوعٌ؛ لأنها تستحيي من ذكر وقوع الفجور منها، وأما ثبوت الحياء من أصل النكاح فليست فيه كالبكر التي لم تجُرّبه قط (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه الأولون هو الأرجح؛ لعموم الحديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 13899

(المسألة السابعة): أن بعضهم استدلّ بقوله: "أحقّ بنفسها" على أن للثيّب أن تتزوّج بغير وليّ، ولكنها لا تزوّج نفسها، بل تجعل أمرها إلى رجل، فيزوّجها. حكاه ابن حزم عن داود، وتعقّبه بحديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، مرفوعًا: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطلًا"، وهو حديث صحيح، كما تقدّم، وهو يبيّن أن معنى قوله: "أحقّ بنفسها من وليّها" أنه لا ينفذ عليها أمره بغير إذنها، ولا يُجبرها، فإذا أرادت أن تتزوّج لم يجز لها إلا بإذن وليّها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٢٦٢ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ, قَالَ: سَمِعْتُهُ مِنْهُ بَعْدَ مَوْتِ نَافِعٍ بِسَنَةٍ, وَلَهُ يَوْمَئِذٍ حَلْقَةٌ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ, عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا, وَالْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ, وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. و"أبو داود": هو سليمان بن داود الطيالسيّ. وقوله: "قال: سمعته منه الخ" القائل هو شعبة، وضمير النصب في "سمعته" للحديث، والمجرور في "منه" لمالك. يعني أنه سمع هذا الحديث من مالك بعد موت شيخه نافع بسنة. وأراد به نافعًا مولى ابن عمر، الذي توفّي سنة (١١٧) أو (١٢٠) وليس هو نافع بن جبير المذكور في السند؛ لأنه مات سنة (٩٩) ومالك ابن ستّ، أو سبع سنين. وقوله: "وله يومئذ حلقة" يعني أن مالكًا حينما سمع منه هذا الحديث كانت له حلقة من العلم، والظاهر أنه أراد به أن مالكًا تصدّر للتحديث، وهو حدثٌ، قبل أن يتم عمره عشرين سنة. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "واليتيمة تُستأمر" قال السنديّ: يدلّ على جواز نكاح اليتيمة بالاستئذان قبل البلوغ، ومن لا يُجوّز ذلك يَحمل اليتيمة على البالغة، وتسميتها يتيمةً باعتبار ما كان. انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الصواب حمل اليتيمة على البكر بدليل الرواية الماضية، فالمراد باليتيمة هي البكر. والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق تمام البحث فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم

стр. 13900

بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٢٦٣ - (أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الرِّبَاطِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي, عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ, قَالَ: حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ رَبِيعَةَ, عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , قَالَ: «الأَيِّمُ أَوْلَى بِأَمْرِهَا, وَالْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا, وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"يعقوب": هو ابن إبراهيم بن سعد، تقدّم في الباب الماضي. و"ابن إسحاق": هو محمد صاحب "المغازي". والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٢٦٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ, عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ, عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مَعَ الثَّيِّبِ أَمْرٌ, وَالْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ, فَصَمْتُهَا إِقْرَارُهَا»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. وقوله: "ليس للوليّ مع الثيّب أمر" هو بمعنى قوله السابق: "الأيّم أحقّ بنفسها من وليّها"، وقد تقدّم أن الصحيح في معناه: أنها أحقّ منه في الإذن صريحًا، وفي اختيار الزوج، ونحو ذلك، لا في عقد النكاح، فلا يجوز لها أن تعقد بنفسها دون إذن وليّها، لصحّة حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليّها، فنكاحها باطل … "، رواه أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، وحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "لا تزوّج المرأة المرأة، ولا تزوّج المرأة نفسها". رواه ابن ماجه. والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق تمام البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
следующие страницы →