وأما قول الحافظ: ويبقى النظر في أن الاستئمار، هل هو شرط في صحّة العقد، أو مستحبّ على معنى استطابة النفس، كما قال الشافعيّ؟ كلٌّ من الأمرين محتمل انتهى.
ففيه نظر لا يخفى؛ إذ الاحتمال الثاني -وهو الاستحباب- ضعيف؛ لمخالفته لظواهر الأحاديث المذكورة؛ وأما حديث أبو داود المذكور، فلا يصلح للاحتجاج به؛ لأنه ضعيف، كما مرّ آنفًا، فالاحتمال الأول -وهو كون الاستئمار شرطًا في صحّة العقد- أقوى، لظواهر الأحاديث.
وقد حقّق المسألة العلامة ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-، فقال في "الهدي" - بعد ذكر حديث الاستئذان: ما نصّه: وموجب هذا الحكم أنه لا تُجبر البكر البالغ على النكاح، ولا تُزوّج إلا برضاها، وهذا قول جمهور السلف، ومذهب أبي حنيفة، وأحمد في إحدى الروايات عنه، وهو القول الذي ندين اللَّه به، ولا نعتقد سواه، وهو الموافق لحكم رسول اللَّه ﷺ ، وأمره، ونهيه، وقواعد شريعته، ومصالح أمّته.
أما موافقته لحكمه، فإنه حكم بتخيير البكر الكارهة، وليس رواية هذا الحديث مرسلةً بعلّة فيه، فإنه قد روي مسندًا، ومرسلًا، فإن قلنا بقول الفقهاء: إن الاتصال زيادة، ومن وصله مقدّمٌ على من أرسله، فظاهر، وهذا تصرّفهم في غالب الأحاديث، فما بال هذا، خرج عن حكم أمثاله، وإن حكمنا بالإرسال، كقول كثير من المحدّثين، فهذا مرسلٌ قويّ، قد عضدته الآثار الصحيحة الصريحة، والقياس، وقواعد الشرع- كما سنذكره- فيتعيّن القول به.
وأما موافقة هذا القول لأمره، فإنه قال: "والبكر تُستأذن"، وهذا أمرٌ مؤكّد؛ لأنه بصيغة الخبر الدّالّ على تحقّق المخبر به، وثبوته، ولزومه، والأصل في أوامره ﷺ أن تكون للوجوب، ما لم يقم إجماع على خلافه.
وأما موافقته لنهيه، فلقوله: "لا تُنكح البكر حتى تُستأذن"، فأمر، ونهى، وحكم بالتخيير، وهذا إثبات للحكم بأبلغ الطرق.
وأما موافقته لقواعد شرعه، فإن البكر البالغة العاقلة الرشيدة لا يتصرّف أبوها في أقلّ شيء من مالها إلا برضاها (١)، ولا يُجبرها على إخراج اليسير منه بدون رضاها، فكيف يجوز أن يُرقّها، ويُخرج بُضعها منها بغير رضاها إلى من يريده هو، وهي من أكره الناس
стр. 13897
فيه، وهو من أبغض شيء إليها؟ ومع هذا فيُنكحها إياه قهرًا بغير رضاها إلى من يريده، ويجعلها أسيرةً عنده، كما قال النبيّ ﷺ : "اتقوا اللَّه في النساء، فإنّهنّ عوان عندكم" (١). أي أسرى. ومعلومٌ أن إخراج مالها كلّه بغير رضاها أسهل عليها من تزويجها بمن لا تختاره بغير رضاها، ولقد أبطل من قال: إنها إذا عيّنت كفؤًا تحبّه، وعيّن أبوها كفؤًا، فالعبرة بتعيينه، ولو كان بغيضًا إليها، قَبِيح الخِلْقة.
وأما موافقته لمصالح الأمّة، فلا يخفى مصلحة البنت في تزويجها بمن تختاره وترضاه، وحصول مقاصد النكاح لها به، وحصول ضدّ ذلك بمن تبغضه، وتنفر عنه، فلو لم تأت السنّة الصريحة بهذا القول، لكان القياس الصحيح، وقواعد الشريعة لا تقتضي غيره. وباللَّه التوفيق.
[فإن قيل]: فقد حكم رسول اللَّه ﷺ بالفرق بين البكر والثيّب، وقال: "لا تُنكح الأيّم حتى تستأمر، ولا تُنكح البكر حتى تُستأذن"، وقال: "الأيّم أحقّ بنفسها من وليّها، والبكر يَستأذنها أبوها"، فجعل الأيّم أحقّ بنفسها من وليّها، فعُلم أن وليّ البكر أحقّ بها من نفسها، وإلا لم يكن لتخصيص الأيّم بذلك معنيً.
وأيضًا فإنه فرّق بينهما في صفة الإذن، فجعل إذن الثيّب النطق، وإذن البكر الصَّمت، وهذا كلّه يدلّ على عدم اعتبار رضاها، وأنها لا حقّ لها مع أبيها.
[فالجواب]: أنه ليس في ذلك ما يدلّ على جواز تزويجها بغير رضاها مع بلوغها، وعقلها، ورُشدها، وأن يزوّجها بأبغض الخلق إليها إذا كان كفؤًا، والأحاديث التي احتججتم بها صريحةٌ في إبطال هذا القول، وليس معكم أقوى من قوله: "الأيّم أحقّ بنفسها من وليّها". هذا إنما يدلّ بطريق المفهوم، ومنازعوكم يُنازعونكم في كونه حجّةٌ. ولو سُلّم أنه حجّةٌ، فلا يجوز تقديمه على المنطوق الصريح. وهذا أيضًا إنما يدلّ إذا قلت: إن للمفهوم عمومًا، والصواب أنه لا عموم له، إذ دلالته ترجع إلى أن التخصيص بالمذكور لا بدّ له من فائدةٍ، وهي نفي الحكم عما عداه، ومعلومٌ أن انقسام ما عداه إلى ثابت الحكم ومنفيّه فائدة، وأن إثبات حكم آخر للمسكوت فائدة، وإن لم يكن ضدّ حكم المنطوق، وأن تفصيله فائدة، كيف، وهذا مفهومٌ مخالفٌ للقياس الصريح، بل قياس الأولى، كما تقدّم، ويخالف النصوص المذكورة.
وتأمّل قوله ﷺ : "والبكر يستأذنها أبوها"، عقب قوله: "الأيّم أحقّ بنفسها من وليّها"، قطعًا لتوهّم هذا القول، وأن البكر تُزوّج بغير رضاها، ولا إذنها، فلا حقّ لها
стр. 13898
في نفسها البتّة، فوصل إحدى الجملتين بالأخرى، دفعًا لهذا التوهّم. ومن المعلوم أنه لا يلزم من كون الثيّب أحقّ بنفسها من وليّها أن لا يكون للبكر حقّ في نفسها البتّة.
وقد اختلف الفقهاء في مناط الإجبار على ستّة أقوال:
(أحدها): أنه يُجبر بالبكارة، وهو قول الشافعيّ، ومالك، وأحمد في رواية.
(الثاني): أن يُجبر بالصغر، وهو قول أبي حنيفة، وأحمد في الرواية الثانية. (الثالث): أنه يُجبر بهما معًا، وهو الرواية الثالثة عن أحمد. (الرابع): أنه يجبر بأيهما وُجد، وهو الرواية الرابعة عنه. (الخامس): أنه يجبر بالإيلاد، فتُجبر الثيّب البالغ، حكاه القاضي إسماعيل عن الحسن البصريّ، قال: وهو خلاف الإجماع، قال: وله وجهٌ حسنٌ من الفقه. قال ابن القيّم: فيا ليت شعري ما هذا الوجه الأسود المظلم؟. (السادس): أنه يجبر من يكون في عياله. ولا يخفى عليك الراجح من هذه المذاهب انتهى كلام ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى- (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لا يخفى أن الأرجح القول بأن الإجبار بهما معًا؛ فلا تجُبر البكر البالغة، ولا الثيّب الصغير؛ عملًا بمقتضى الحديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): قال في "الفتح": ما حاصله: استُدلّ بحديث الباب على أن الصغيرة الثيّب لا إجبار عليها؛ لعموم كونها أحقّ بنفسها من وليّها، وعلى أن من زالت بكارتها بوطء، ولو كان زنًا لا إجبار عليها، لأب ولا غيره؛ لعموم قوله: "الثيّب أحقّ بنفسها".
وقال أبو حنيفة: هي كالبكر، وخالفه صاحباه، واحتُجّ له بأن علّة الاكتفاء بسكوت البكر هو الحياء، وهو باق في هذه؛ لأن المسألة مفروضة فيمن زالت بكارتها بوطء، لا فيمن اتخذت الزنا ديدنًا وعادة.
وأجيب بأن الحديث نصّ على أن الحياء يتعلّق بالبكر، وقابلها بالثيّب، فدلّ على أن حكمهما مختلف، وهذه ثيّبٌ لغةً وشرعًا، بدليل أنه لو أوصى بعتق كلّ ثيّب في ملكه دخلت إجماعًا، وأما بقاء حيائها كالبكر فممنوعٌ؛ لأنها تستحيي من ذكر وقوع الفجور منها، وأما ثبوت الحياء من أصل النكاح فليست فيه كالبكر التي لم تجُرّبه قط (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه الأولون هو الأرجح؛ لعموم الحديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 13899
(المسألة السابعة): أن بعضهم استدلّ بقوله: "أحقّ بنفسها" على أن للثيّب أن تتزوّج بغير وليّ، ولكنها لا تزوّج نفسها، بل تجعل أمرها إلى رجل، فيزوّجها. حكاه ابن حزم عن داود، وتعقّبه بحديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، مرفوعًا: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطلًا"، وهو حديث صحيح، كما تقدّم، وهو يبيّن أن معنى قوله: "أحقّ بنفسها من وليّها" أنه لا ينفذ عليها أمره بغير إذنها، ولا يُجبرها، فإذا أرادت أن تتزوّج لم يجز لها إلا بإذن وليّها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٢٦٢ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ, قَالَ: سَمِعْتُهُ مِنْهُ بَعْدَ مَوْتِ نَافِعٍ بِسَنَةٍ, وَلَهُ يَوْمَئِذٍ حَلْقَةٌ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ, عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا, وَالْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ, وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة.
و"أبو داود": هو سليمان بن داود الطيالسيّ.
وقوله: "قال: سمعته منه الخ" القائل هو شعبة، وضمير النصب في "سمعته" للحديث، والمجرور في "منه" لمالك. يعني أنه سمع هذا الحديث من مالك بعد موت شيخه نافع بسنة.
وأراد به نافعًا مولى ابن عمر، الذي توفّي سنة (١١٧) أو (١٢٠) وليس هو نافع بن جبير المذكور في السند؛ لأنه مات سنة (٩٩) ومالك ابن ستّ، أو سبع سنين.
وقوله: "وله يومئذ حلقة" يعني أن مالكًا حينما سمع منه هذا الحديث كانت له حلقة من العلم، والظاهر أنه أراد به أن مالكًا تصدّر للتحديث، وهو حدثٌ، قبل أن يتم عمره عشرين سنة. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "واليتيمة تُستأمر" قال السنديّ: يدلّ على جواز نكاح اليتيمة بالاستئذان قبل البلوغ، ومن لا يُجوّز ذلك يَحمل اليتيمة على البالغة، وتسميتها يتيمةً باعتبار ما كان. انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الصواب حمل اليتيمة على البكر بدليل الرواية الماضية، فالمراد باليتيمة هي البكر.
والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق تمام البحث فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم
стр. 13900
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٢٦٣ - (أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الرِّبَاطِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي, عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ, قَالَ: حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ رَبِيعَةَ, عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , قَالَ: «الأَيِّمُ أَوْلَى بِأَمْرِهَا, وَالْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا, وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"يعقوب": هو ابن إبراهيم بن سعد، تقدّم في الباب الماضي. و"ابن إسحاق": هو محمد صاحب "المغازي".
والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٢٦٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ, عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ, عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مَعَ الثَّيِّبِ أَمْرٌ, وَالْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ, فَصَمْتُهَا إِقْرَارُهَا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة.
وقوله: "ليس للوليّ مع الثيّب أمر" هو بمعنى قوله السابق: "الأيّم أحقّ بنفسها من وليّها"، وقد تقدّم أن الصحيح في معناه: أنها أحقّ منه في الإذن صريحًا، وفي اختيار الزوج، ونحو ذلك، لا في عقد النكاح، فلا يجوز لها أن تعقد بنفسها دون إذن وليّها، لصحّة حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليّها، فنكاحها باطل … "، رواه أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، وحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "لا تزوّج المرأة المرأة، ولا تزوّج المرأة نفسها". رواه ابن ماجه.
والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق تمام البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 13901
٣٢ - (استِئْمَارُ الأَبِ البِكْرَ فِي نَفْسِهَا)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أراد بهذه الترجمة الردّ على من أعلّ زيادة لفظة "أبوها"، كأبي داود، والبيهقيّ، فكأنه يقول: إنها زيادة ثقة مقبولة، تفيد وجوب استئمار الأب بنته البكر، خلافًا لمن نفى ذلك، وهذا الذي أشار إليه هو الحقّ، فيجب على الأب الاسئذان كغيره من الأولياء؛ لصحّة الحديث في ذلك، وأما ما قيل: إنهم أجمعوا على أن الأب يزوّج ابنته الصغير إجبارًا، فذاك محمول على الصغيرة التي لا تمييز لها.
وقد ترجم الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- بقوله: [باب لا يُنكح الأبُ وغيره البكرَ، ولا الثيّب، إلا برضاهما]
فقال في "الفتح": في هذه الترجمة أربع صور: تزويج الأب البكر، وتزويج الأب الثيّب، وتزويج غير الأب البكر، وتزويج غير الأب الثيّب. وإذا اعتُبرت الكبر والصغر زادت الصور، فالثيّب البالغ لا يزوّجها الأب، ولا غيره إلا برضاها، اتفاقًا، إلا من شذّ، كما تقدّم. والبكر الصغيرة يزوّجها أبوها اتفاقًا إلا من شذّ، كما تقدّم. والثيّب غير البالغ اختُلف فيها، فقال مالك، وأبو حنيفة: يزوّجها أبوها كما يزوّج البكر. وقال الشافعيّ، وأبو يوسف، ومحمدٌ: لا يزوّجها، إذا زالت البكارة بالوطء، لا بغيره، والعلّة عندهم أن إزالة البكارة تزيل الحياء الذي في البكر. والبكر البالغ يزوّجها أبوها، وكذا غيره من الأولياء، واختُلف في استئمارها. والحديث دالّ على أنه لا إجبار للأب عليها إذا امتنعت. وحكاه الترمذيّ عن أكثر أهل العلم. قال: وقد ألحق الشافعيّ الجدّ بالأب. وقال أبو حنيفة، والأوزاعيّ في الثيّب الصغيرة: يزوّجها كلّ وليّ، فإذا بلغت ثبت لها الخيار. وقال أحمد: إذا بلغت تسعًا جاز للأولياء غير الأب إنكاحها، وكأنه أقام المَظِنّةَ مقام المَئِنة. وعن مالك يلتحق بالأب في ذلك وصيّ الأب، دون بقيّة الأولياء؛ لأنه أقامه مقامه.
قال: ثم إن الترجمة معقودة لاشتراط رضا المزوَّجة بكرًا كانت، أو ثيّبًا، صغيرةً كانت، أو كبيرةٌ، وهو الذي يقتضيه ظاهر الحديث، ولكن تُستثنى الصغيرة من حيث المعنى؛ لأنها لا عبارة لها انتهى (١).
стр. 13902
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي اختاره الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في الترجمة المذكورة، والمصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في هذه الترجمة، وكذا في بقيّة التراجم، من إطلاق وجوب الاستئذان على الأب، وغيره، في البكر وغيرها هو الحقّ؛ لصحّة الأحاديث في ذلك، كما تقدّم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٢٦٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ, عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا, وَالْبِكْرُ يَسْتَأْمِرُهَا أَبُوهَا, وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن منصور": هو الْجّوّاز الثقة المكيّ، من أفراد المصنّف. والباقون كلهم رجال الصحيح. و"سفيان": هو ابن عيينة.
وقوله: "يستأمرها أبوها": قال القرطبيّ: هذه الزيادة من رواية ابن أبي عمر -يعني شيخ مسلم- قال أبو داود: ليست بمحفوظة. وعلى تقدير صحّة هذه الزيادة فمحملها على الاستحباب، لا على الإيجاب، بدليل الإجماع المنعقد على أن للأب إنكاح ابنته الصغيرة، وإجبارها عليه بغير إذنها، وكذلك السيّد في أمته. وقد أبدى بعض أصحابنا لاستئذان الأب لابنته فائدةً، وهي تطييب قلبها، واستعلام حالها، فقد تكون موصوفةً بما يَخفى على الأب مما يمنع النكاح، فإذا استأذنها أعلمته انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تقدّم أن هذه الزيادة محفوظة، فإن الذي زادها هو الإمام المشهور بالحفظ والإتقان: سفيان بن عيينة، فزيادته مقبولة، ولا تنافي بينها وبين الروايات السابقة: "البكر تُستأمر"؛ لأن قوله: "تُستأمر" بالبناء للمفعول، أي يُطلب منها الإذن، فيدخل في ذلك الأب.
وأما قوله: "فمحمول على الاستحباب" ففيه نظرٌ، بل الصواب أن الأمر هنا للوجوب، لا للاستحباب.
وأما دعواه الإجماع، فإن صحّ، فيُحمل على الصغيرة التي لا تعقل ما هو النكاح؟، وما هو الغرض منه؟، وهو محمل تزويج أبي بكر عائشة - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وأما التي لها تمييز في شأن النكاح، وغيره من مصالحها، فلا بدّ من استئذانها، مطلقًا، سواء كان الوليّ أبًا، أو غيره، فتبصّر، ولا تتحيّر.
والحديث صحيح، وقد سبق شرحه مستوفىً، وكذا البحث عن مسائله في الباب الماضي، فراجعه، تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب.
…
стр. 13903
٣٣ - (اسْتِئْمَارُ الثَّيِّبِ فِي نَفْسِهَا)
٣٢٦٦ - (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ دُرُسْتَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ حَدَّثَهُ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , قَالَ: «لَا تُنْكَحُ الثَّيِّبُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ, وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ» , قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ, كَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: «إِذْنُهَا أَنْ تَسْكُتَ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يحيى بن دُرُست) -بضمتين، وسكون المهملة- ابن زياد البصريّ، ثقة [١٠] ٢٣/ ٢٤٢٣ /٢٤.
٢ - (أبو إسماعيل) إبراهيم بن عبد الملك القَنّاد البصريّ، صدوق في حفظه شيء [٧] ٢٣/ ٢٤.
٣ - (يحيى) بن أبي كثير الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقة ثبت، يدلّس ويرسل [٥] ٢٣/ ٢٤.
٤ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ١/ ١.
٥ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو والترمذيّ، وشيخ شيخه، فقد تفرّد به هو، والترمذيّ، وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، من يحيى بن أبي كثير، وهو وإن كان يماميّا، إلا أنه نزل المدينة عشر سنين، كما هو مذكور في ترجمته في "التهذيبين" وغيرهما، والباقيان بصريان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو سلمة من الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وأبو هريرة ﵁ من المكثرين السبعة روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: "لَا تُنْكَحُ الثَّيِّبُ) يحتمل أن يكون الفعل مجزومًا، مبنيًّا للمفعول، على أن "لا" ناهية، وتكسر الحاء للالتقاء الساكنين، و"الثيّب" نائب الفاعل.
стр. 13904
ويحتمل أن يكون الفعل مرفوعًا مبنيًّا للمفعول، و"لا" نافية، و"الثيّب" نائب الفاعل، وهذا الوجه أبلغ في المنع.
والمراد بـ"الثيّب" المرأة التي فارقت زوجها بموت، أو طلاق.
(حَتَّى تُسْتَأْذَنَ) بالبناء للمفعول، وكذا الفعلان بعده (وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ) ووقع في الرواية الآتية في الباب التالي من طريق هشام الدستوائيّ، عن يحيى: "لا تُنكَح الأيّم حتى تُستأمر"، ولا تُنكَح البكر حتى تُستأذن"، وسيأتي الكلام عليه هناك، إن شاء اللَّه تعالى.
(قَالُوا) وفي رواية عمر بن أبي سلمة، عن أبيه: "قلنا"، وحديث عائشة صريحٌ في أنها هي السائلة عن ذلك (يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ إِذْنُهَا؟) وفي حديث عائشة: "قلت: إن البكر تستحيي" (قَالَ: " إِذْنُهَا أَنْ تَسْكُتَ). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٣/ ٣٢٦٦ و ٣٤/ ٣٢٦٨ و ٣٦/ ٣٢٧١ - وفي "الكبرى" و ٣٠/ ٥٣٧٧ و ٣١/ ٥٣٧٨ و ٣٢/ ٥٣٨١. وأخرجه (خ) في "النكاح" ٥١٣٦ و"الحيل" ٦٩٦٨ و ٦٩٧٠ (م) في "النكاح" ١٤١٩ (د) في "النكاح" ٢٠٩٢ و ٢٠٩٣ (ت) في "النكاح" ١١٠٧ (ق) في "النكاح" ١٨٧١ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٧٣٥٦ و ٧٤٧٥ و ٧٧٠١ و ٩٣٢٢ و ٢٧٢٧ (الدارميّ) في "النكاح" ٢١٨٦. واللَّه تعالى أعلم.
وأما بقيّة المسائل فقد تقدّمت في الكلام على حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى - عنهما برقم -٣١/ ٣٢٦١ - واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣٤ - (إِذْنُ الْبِكْرِ)
٣٢٦٧ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ,
стр. 13905
قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ, يُحَدِّثُ عَنْ ذَكْوَانَ, أَبِي عَمْرٍو, عَنْ عَائِشَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «اسْتَأْمِرُوا النِّسَاءَ فِي أَبْضَاعِهِنَّ» , قِيلَ: "فَإِنَّ الْبِكْرَ تَسْتَحِي وَتَسْكُتُ, قَالَ: «هُوَ إِذْنُهَا»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إسحاق بن منصور) بن بهَرَام الكَوْسَج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقة ثبت [١١] ٧٢/ ٨٨.
٢ - (يحيى بن سعيد) بن فرّوخ، أبو سعيد القطّان البصريّ، ثقة ثبت حجة [٩] ٤/ ٤.
٣ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج المكيّ، ثقة فقيه فاضل، يدلّس [٦] ٢٨/ ٣٢.
٤ - (ابن أي مُليكة) عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبي مُلَيكة المكيّ، يقال: اسم أبي مليكة زُهير بن عبد اللَّه، ثقة فقيه [٣] ١٠١/ ١٣٢.
٥ - (ذكوان، أبو عمرو) مولى عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، مدنيّ ثقة [٣].
قال أبو زرعة: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقة.
وقال البخاريّ في "صحيحه": وكانت عائشة يؤمّها عبدها ذكوان في المصحف. وقال ابن أبي مُليكة: كان عبد الرحمن بن أبي بكر يُؤمّ عائشة، فإذا لم يحضر، ففتاها ذكوان. وقال البخاريّ في "تاريخه" من طريق ابن أبي مُليكة أنه أحسن على ذكوان الثناء. وقال الواقديّ: كانت عائشة قد دبّرته، وله أحاديث قليلةٌ، ومات ليالي الحرّة. وقال الهيثم ابن عديّ: أحسبه قُتل بالحرّة سنة (٦٣). روى له الجماعة، سوى الترمذيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٦ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح. (ومنها): أنهم ما بين مدنيين، وهما عائشة وذكوان، ومكيين، وهما ابن أبي مليكة وابن جريج، وبصريّ، وهو يحيى، ومروزيّ، وهو إسحاق. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "اسْتَأْمِرُوا النِّسَاءَ) أي
стр. 13906
اطلبوا أمرهنّ (في) شأن (أَبضَاعِهِنَّ) يحتمل أن يكون -بفتح الهمزة- جمع بُضع-بضمّ، فسكون- بمعنى التزويج. ويحتمل أن يكون بكسر الهمزة، مصدر أبضع: إذا زوّج.
قال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: الْبُضْعُ جمعه أَبْضاعٌ، مثلُ قُفْل وأقفال، يُطلق على الفرج، والجماع، وُيطلق على التزويج أيضًا، كالنكاح يُطلق على العقد، والجماع. وقيل: البُضْع مصدر أيضًا، مثل السُّكْر، والْكُفْر، وأبضعتُ المرأةَ إبضاعًا: زوّجتها. وتُزوّجُ النساءُ في أبضاعهنّ، يُروى بفتح الهمزة، وكسرها، وهما بمعنى، أي في تزويجهنّ، فالمفتوح جمعٌ، والمكسور مصدرٌ، من أبضعتُ، ويقال: بَضَعَها يَبْضَعُها -بفتحتين-: إذا جامعها، ومنه يقال: مَلَكَ بُضْعَها: أي جِمَاعها، والبِضَاع: الجماعُ وزنًا ومعنىً، وهو اسم من باضَعَها مُبَاضَعَةً. انتهى كلام الفيّوميّ (١).
(قِيلَ) وفي رواية البخاريّ: أنها قالت: يا رسول اللَّه، إن البكر تستحي" (فَإِنَّ الْبِكْرَ تَسْتَحِي، وَتَسْكُتُ، قَالَ: هُوَ) أي السكوت المفهوم من "تسكت" (إِذْنُهَا) وفي رواية البخاريّ: "رضاها صَمْتها". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٣٤/ ٣٢٦٧ - وفي "الكبرى" ٣٠/ ٥٣٧٦. وأخرجه (خ) في "النكاح" ٥١٣٧ و"الإكراه" ٥٩٤٦ و"الحيل" ٦٩٧١ (م) في "النكاح" ١٤٢٠ (د) في "النكاح" ٢٠٩٣ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٣٦٦ و ٢٤٧٩٦.
وأما بقية المسائل المتعلّقة بالحديث، فقد تقدّمت قبل بابين في شرح حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٢٦٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ -وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ- قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ, عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , قَالَ: «لَا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ, وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ, قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: «أَنْ تَسْكُتَ»).
стр. 13907
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفق عليه، وقد تقدّم شرحه مستوفىً قبل باب. و"هشام": هو الدستوائيّ.
وقوله: "الأيّم" المراد هنا الثيّب التي فارقت زوجها بموت، أو طلاق، لمقابلتها بالبكر، وهذا هو الأصل في "الأيّم"، ومنه قولهم: "الغَزوُ مَأْيَمَةٌ" أي يُقتل الرجالُ، فتصير النساء أيامى. وقد تُطلق على كلّ من لا زوج لها صغيرةً كانت، أو كبيرةً، بكرًا كانت، أو ثيّبًا. وتقدم تمام البحث فيه.
وقوله: "حتّى تستأمر" بالبناء للمفعول، أصل الاستئمار طلب الأمر، فالمعنى لا يُعقد عليها حتى يُطلب الأمر منها. ويؤخذ من قوله: "تُستأمر" أنه لا يَعقد عليها وليّها إلا بعد أن تأمر بذلك، وليس فيه دلالة على عدم اشتراط الوليّ في حقّها، كما زعم بعض أهل العلم، بل فيه إشعارٌ باشتراطه. أفاده في "الفتح" (١).
وقوله: "ولا تُنكح البكر حتى تُستأذن": قال في "الفتح": كذا وقع في هذه الرواية التفرقة بين الثيّب والبكر، فعبّر للثيّب بالاستئمار، وللبكر بالاستئذان، فيؤخذ منه فرق بينهما من جهة أن الاستئمار يدلّ على تأكيد المشاورة، وجعل الأمر إلى المستأمرة، ولهذا يحتاج الوليّ إلى صريح إذنها في العقد، فهذا صرّحت بمنعه امتنع اتفاقًا، والبكر بخلاف ذلك، والإذن دائرة بين القول والسكوت بخلاف الأمر، فإنه صريحٌ في القول، وإنما جعل السكوت إذنًا في حقّ البكر لأنها قد تستحي أن تُفصح انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تقدّم للمصنّف في الباب الماضي من طريق أبي إسماعيل القنّاد، عن يحيى بلفظ الاستئذان في الثيّب، والاستئمار في البكر، فعندي أن هذا من تصرّفات الرواة، والظاهر أنه لا فرق بين العبارتين، كما يدلّ عليه تصرّف المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في تراجمه، حيث عبّر في -٣١ - باستئذان البكر، وفي -٣٢ - باستئمار الأب البكر، حسب اختلاف الروايات، فالذي يظهر أن الروايات بعضها باللفظ، وبعضها بالمعنى، فلا تعارض بينها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 13908
٣٥ - (الثَّيِّبُ يُزَوِّجُهَا أَبُوهَا، وَهِيَ كَارِهَةٌ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ذكر المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- الثيّب في هذا الباب، والبكر في الباب التالي، والظاهر أن حكمهما عنده سواء، وهو عدم صحّة النكاح عليهما بغير رضاهما، وهو الذي رجّحه الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى-، حيث جمع بينهما في ترجمة واحدة، فقال: [باب إذا زوّج الرجل ابنته، وهي كارهةٌ، فنكاحه مردود].
قال في "الفتح": هكذا أطلق، فشمل البكر والثيّب، لكن حديث الباب مصرَّحٌ فيه بالثيوبة، فكأنه أشار إلى ما ورد في بعض طرقه، كما سأبيّنه. ورَدُّ النكاح إذا كانت ثيّبًا، فزُوِّجت بغير رضاها إجماعٌ، إلا ما نُقل عن الحسن أنه أجاز إجبار الأب للثيّب، ولو كرهت، كما تقدّم. وعن النخعيّ: إن كانت في عياله جاز، وإلا رُدَّ. واختلفوا إذا وقع العقد بغير رضاها، فقالت الحنفيّة: إن أجازته جاز. وعن المالكيّة: إن أجازته عن قرب جاز، وإلا فلا، ورده الباقون مطلقًا. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٢٦٩ - (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ …
وَأَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ, عَنْ مَالِكٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, وَمُجَمِّعِ ابْنَىْ يَزِيدَ بْنِ جَارِيَةَ الأَنْصَارِيِّ, عَنْ خَنْسَاءَ بِنْتِ خِذَامٍ, أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا, وَهِيَ ثَيِّبٌ, فَكَرِهَتْ ذَلِكَ, فَأَتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ , فَرَدَّ نِكَاحَهُ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (هارون بن عبد اللَّه) بن مروان الحمّال، أبو موسى البغداديّ الحافظ، ثقة [١٠] ٥٠/ ٦٢.
٢ - (محمد بن سلمة) المراديّ الجمليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت [١١] ١٩/ ٢٠.
٣ - (معن) بن عيسى القزّاز، أبو يحيى المدنيّ، ثقة ثبت، قال أبو حاتم: هو أثبت
стр. 13909
أصحاب مالك، من كبار [١٠] ٥٠/ ٦٢.
٤ - (عبد الرحمن بن القاسم) صاحب مالك الْعُتَقيّ، أبو عبد اللَّه المصريّ الفقيه ثقة، من كبار [١٠] ١٩/ ٢٠.
٥ - (مالك) بن أنس الإمام الحجة الثبت الفقيه المدنيّ [٧] ٧/ ٧.
٦ - (عبد الرحمن بن القاسم) بن محمد التيميّ، أبو محمد المدنيّ، الثقة الجليل الفاضل [٦] ١٢٠/ ١٦٦.
٧ - (أبوه) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصدّيق التيميّ الفقيه، ثقة ثبت، من كبار [٣] ١٢٠/ ١٦٦.
٨ - (عبد الرحمن) بن يزيد بن جارية -بالجيم، والتحتانية- الأنصاريّ، أبو محمد المدنيّ، أخو عاصم بن عمر بن الخطّاب لأمه.
قال الأعرج: ما رأيت رجلًا بعد الصحابة أفضل منه. وقال الحاكم، عن الدارقطنيّ: ثقة. وقال ابن خلفون: وثّقه العجليّ، وابن الْبّرقيّ، وهو أجلّ من أن يُقال فيه: ثقة. وذكره ابن حبّان في ثقات التابعين، وقال: يقال: إنه وُلد في حياة رسول اللَّه ﷺ . وذكره العسكريّ في [فصل] من وُلد على عهده ﷺ . وقال ابن سعد: كان قديمًا، وولي القضاء لعمر بن عبد العزيز -يعني لما كان أمير المدينة- وكان ثقةً، قليل الحديث، مات بالمدينة سنة ثلاث وتسعين. وقال خليفة: سنة ثمان وتسعين. وتبعه القَرّاب، وابن قانع، وابن زبر، وغيرهم.
وليس له، ولا لأخيه مجمّع عند المصنّف، ولا عند البخاريّ إلا هذا الحديث، فقط.
٩ - (مُجَمع) -بضمّ الميم، وفتح الجيم، وكسر الميم الثقيلة، ثم عين مهملة- ابن يزيد بن جارية الأنصاريّ. روى عن النبيّ ﷺ ، وعن خنساء بنت خدام، وعُتبة بن عُويم ابن ساعدة. وعنه ابنه يعقوب، والقاسم بن محمد، وعكرمة بن سلمة بن ربيعة، وقال ابن حبّان: مجمّع بن يزيد بن جارية له صحبة.
وقال في "الفتح": من بني عمرو بن عوف، وهو ابن أخي مُجمّع بن جارية الصحابيّ الذي جمع القرآن في عهد النبيّ ﷺ ، وأخرج له أصحاب "السنن"، وقد وَهِمَ من زعم أنهما واحد، ومنه قيل: إن لِمُجَمِّع بن يزيد صحبةٌ، وليس كذلك، وإنما الصحبة لعمّه مُجَمِّع بن جارية انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن مما ذكر أن الصحيح أن مجمّع بن يزيد تابعيّ، وليست له صحبةٌ، وإنما الصحبة لعمّه مجمّع بن جارية - رضي اللَّه تعالى عنه -.
стр. 13910
واللَّه تعالى أعلم.
١٠ - (خنساء بنت خذام) هكذا رواية المصنّف هنا، وفي "الكبرى" اسم أبيها - بالخاء المعجمة، والذال المعجمة- وهو الذي في "صحيح البخاريّ" ٧/ ٣٢ و ٩/ ٢٦ - و ٢٣ و"تهذيب الكمال" -٣٥/ ١٦٢ - ١٦٣ و"خلاصة" الخزرجيّ ص-٤٩.
والذي في "تقريب التهذيب": خنساء بن خدام- بالخاء المعجمة المكسورة، والدال المهملة- الأنصاريّة الأوسيّة، زوج أبي لبابة، صحابيّةٌ معروفة انتهى.
وفي "تهذيب التهذيب": خنساء بنت خدام الأنصاريّة الأوسيّة، زوجة أبي لبابة بن عبد المنذر، وهي التي أنكحها أبوها، وهي كارهةٌ، فرد النبيّ ﷺ نكاحها. وروى عنها ابنها السائب بن أبي لبابة، وعبد الرحمن، ومُجَمِّع ابنا يزيد بن جارية، وعبد اللَّه بن يزيد بن وَديعة بن خدام. انتهى (١).
وقال في "الفتح": ما حاصله: "خنساء بنت خدام" -بمعجمة، ثم نون، ثم مهملة، وزن حمراء، وأبوها -بكسر المعجمة، وتخفيف المهملة انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير هارون، فبغداديّ، ومحمد بن سلمة، وشيخه عبد الرحمن، فمصريان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّين، وفيه القاسم أحد الفقهاء السبعة، وأن الصحابية، والراويين عنها من المقلّين من الرواية، فليس لهم في هذا الكتاب، بل ولا في بقية الكتب إلا هذا الحديث. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَن، وَمُجَمِّعِ، ابْنَي يَزِيدَ بْنِ جَارِيَةَ) -بالجيم- أي ابن عامر بن العطّاف (الأنصَارِي) الأوسيّ، من بني عمرو بن عوف. قال الحافظ: وليس لمجمّع بن يزيد في البخاريّ، سوى هذا الحديث، وقد قرنه فيه بأخيه عبد الرحمن بن يزيد. وقال أيضًا في أخيه: وماله في البخاريّ أيضًا سوى هذا الحديث.
وقد وافق مالكًا على إسناد هذا الحديث سفيان بن عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم، وإن اختلف الرواة عنهما في وصل هذا الحديث عن خنساء، وفي إرساله حيث قال بعضهم عن عبد الرحمن، ومجمّع أن خنساء زُوّجت. وكذا اختلفوا عنهما في نسب
стр. 13911
عبد الرحمن، ومجمّع: فمنهم من أسقط يزيد. وقال ابني جارية، والصواب وصله، وإثبات يزيد في نسبهما.
وقد أخرج طريق ابن عيينة البخاريّ في "ترك الحيل" بصورة الإرسال، وأخرجها أحمد عنه كذلك، وأوردها الطبرانيّ من طريقه موصولةً. وأخرجه الدارقطنيّ في "الموطّآت" من طريق مُعلّي بن منصور، عن مالك بصورة الإرسال أيضًا، والأكثر وصلوه عنه، وخالفهما معًا سفيان الثوريّ في راوٍ من السند، فقال: "عن عبد الرحمن ابن القاسم، عن عبد اللَّه بن يزيد بن وَدِيعة، عن خنساء". أخرجه النسائيّ في "الكبرى" (١)، والطبرانيّ من طريق ابن المبارك عنه. وهي رواية شاذّةٌ، لكن يبعُدُ أن يكون لعبد الرحمن بن القاسم فيه شيخان. قال الحافظ: وعبد اللَّه بن يزيد بن وَديعة، هذا لم أر من ترجم له، ولم يذكر البخاريّ، ولا ابن أبي حاتم، ولا ابن حبّان إلا عبد اللَّه بن وديعة بن خدام الذي روى عن سلمان الفارسيّ في غسل الجمعة، وعنه المقبريّ، وهو تابعي، غير مشهور، إلا في هذا الحديث، ووثّقه الدارقطنيّ، وابن حبّان، وقد ذكره ابن منده في "الصحابة"، وخطّأه أبو نُعيم في ذلك، وأظنّ شيخ عبد الرحمن بن القاسم ابن أخيه، وعبد اللَّه بن يزيد بن وديعة هذا ممن أغفله المزيّ، ومن تبعه، فلم يذكروه في رجال الكتب الستة. انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (٢). (عَنْ خَنْسَاءَ بِنْتِ خِذَامٍ) تقدّم الاختلاف في ضبط اسم أبيها قريبًا. قال في "الفتح": قيل: اسم أبي والدها وديعة، قال الحافظ: والصحيح أن اسم أبيه خالد، ووديعة اسم جدّه فيما أحسب. وقع ذلك في رواية لأحمد من طريق محمد بن إسحاق، عن الحجّاج بن السائب مرسلًا في هذه القصّة، ولكن قال في تسميتها: خُنَاس -بتخفيف النون، وزن فُلان. ووقع في رواية الدارقطنيّ، والطبرانيّ، وابن السكن خنساء، ووصل الحديث عنها، فقال: "عن حجّاج بن السائب بن أبي لبابة، عن أبيه عن جدّته خنساء". وخُنَاس مشتقّ من خنساء، كما يقال في زينب: زُنَاب. وكنية خدام والد خنساء أبو وديعة، كناه أبو نُعيم. وقد وقع عند عبد الرزّاق من حديث ابن عبّاس: "أن خدامًا أبا وديعة أنكح ابنته رجلًا … " الحديث. ووقع عند المستغفريّ من طريق ربيعة بن عبد الرحمن بن يزيد بن جارية أن وديعة بن خدام زوّج ابنته، وهو وهم في اسمه، ولعله كان: أن خدامًا أبا وديعة، فانقلب.
قال الحافظ: وقد ذكرت في "كتاب الصحابة" ما يدلّ على أن لوديعة بن خدام أيضًا
стр. 13912
صحبةً، وله قصّة مع عمر في ميراث سالم مولى أبي حُذيفة، ذكرها البخاريّ في "تاريخه". وقد أطلت في هذا الموضع، لكن جرّ الكلام بعضه بعضًا، ولا يخلو من فائدة انتهى.
(أَنَّ أَباهَا زَوّجَهَا، وَهِيَ ثَيِّبٌ، فَكَرِهَتْ ذَلِكَ) ووقع في رواية الثوريّ المذكورة: "قالت: أنكحني أبي، وأنا كارهة، وأنا بكر"، والأول أرجح، فقد ذكر الحديث الإسماعيليّ من طريق شعبة، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم، فقال في روايته: "وأنا أريد أن أتزوّج عمّ ولدي"، وكذا أخرج عبد الرزّاق، عن معمر، عن سعيد بن عبد الرحمن الجحشيّ، عن أبي بكر بن محمد "أن رجلًا من الأنصار تزوّج خنساء بنت خدام، فقُتل عنها يوم أحد، فأنكحها أبوها رجلًا، فأتت النبيّ ﷺ ، فقالت: إن أبي أنكحني، وإن عمّ ولدي أحبّ إليّ".
فهذا يدلّ على أنها كانت ولدت من زوجها الأول. قال الحافظ: واستفدنا من هذه الرواية نسبة زوجها الأول، واسمه أنيس بن قتادة، سماه الواقديّ في روايته من وجه آخر عن خنساء. ووقع في "المبهمات اللقطب القسطلانيّ أن اسمه أسير، وأنه استُشهد ببدر، ولم يذكر له مستندًا.
قال: وأما الثاني الذي كرهته، فلم أقف على اسمه إلا أن الواقديّ ذكر بإسناد له أنه من بني مُزَينة. ووقع في رواية ابن إسحاق، عن الحجّاج بن السائب بن أبي لبابة، عن أبيه، عنها أنه من بني عمرو بن عوف. وروى عبد الرزّاق، عن ابن جريج، عن عطاء الخراسانيّ، عن ابن عبّاس: "أنّ خدامًا أبا وَديعة أنكح ابنته رجلًا، فقال له النبيّ ﷺ : لا تكرهوهنّ، فنكحت بعد ذلك أبا لبابة، وكانت ثيّبًا". وروى الطبرانيّ بإسناد آخر عن ابن عبّاس، فذكر نحو القصة، قال فيه: "فنزعها من زوجها، وكانت ثيّبًا، فنكحت بعده أبا لبابة". وروى عبد الرزّاق أيضًا عن الثوريّ، عن أبي الحويرث، عن نافع بن جبير، قال: "تأيمت خنساء، فزوّجها أبوها … " الحديث، نحوه، وفيه "فردّ نكاحه، ونكحت أبا لبابة".
قال الحافظ: وهذه أسانيد يَقْوَى بعضها ببعض، وكلّها دالّةٌ على أنها كانت ثيّبًا. نعم أخرج النسائيّ (١) من طريق الأوزاعيّ، عن عطاء، عن جابر: "أن رجلًا زوّج ابنته، وهي بكر من غير أمرها، فأتت النبيّ ﷺ ، ففرّق بينهما". وهذا سندٌ ظاهره الصحة، ولكن له علّة، أخرجه النسائيّ من وجه آخر عن الأوزاعيّ، فأدخل بينه وبين
стр. 13913
عطاء إبراهيم بن مرّة، وفيه مقال، وأرسله، فلم يذكر في إسناده جابرًا.
وأخرج النسائيّ أيضًا (١)، وابن ماجه من طريق جرير بن حازم، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أن جارية بكرًا أتت النبيّ ﷺ ، فذكرت أن أباها زوّجها، وهي كارهةٌ، فخيرها". ورجاله ثقات، لكن قال أبو حاتم، وأبو زرعة: إنه خطأ، وإن الصواب إرساله. وقد أخرجه الطبرانيّ، والدارقطنيّ من وجه آخر عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، بلفظ: "أن رسول اللَّه ﷺ -ردّ نكاح بكر، وثيّب، أنكحهما أبوهما، وهما كارهتان". قال الدارقطنيّ: تفرّد به عبد الملك الذماريّ، وفيه ضعف، والصواب: عن يحيى بن أبي كثير، عن المهاجر، عن عكرمة مرسل (٢).
وقال الحافظ أبو الحسن ابن القطّان الفاسيّ في "بيان الوهم والإيهام"- بعد أن صحّح رواية أن خنساء كانت ثيّبًا-: ما نصّه: فأما قصّة الجارية البكر التي زوّجها أبوها، وهي كارهة، فأخرى (٣)، تظاهرت بها الروايات، من حديث ابن عمر، وجابر، وابن عبّاس، وعائشة ﵃
ذكر منها أبو داود حديث ابن عباس، وهو صحيح، ولا يضرّه أن يُرسله بعض رواته، إذا أسنده من هو ثقة. وليس لخنساء عنده ذكرٌ إلا بما تقدّم من أنها ثيّبٌ، ولا تَعدم في حديث ابن عباس هذا من تُرجّح روايته مرسلًا على رواية من رواه مُسندًا، كذلك فعل أبو داود، والدارقطنيّ عن طريقة لهما قد عُلمت، والصواب غيرها.
وقد يُظنّ أن جرير بن حازم منفردٌ عن أيوب بوصله بزيادة ابن عباس فيه، وليس كذلك، بل قد رواه عن أيوب كذلك زيد بن حِبَّان، ورواه أيضًا عن الثوريّ، عن أيوب بذلك. ولن تَعدم أيضًا من يظنّ به اضطرابًا في متنه، فإن لفظ الموصول: أن جارية بكرًا، ذكرت أن أباها زوّجها، وهي كارهةٌ، فخيّرها رسول اللَّه ﷺ . وفي لفظ المرسل عن عكرمة: "فردّ نكاحها"، وروي: "ففرّق بينهما".
وهذا مُجتمِعٌ، غيرُ متناقض، وإنما المعنى: فلم يُلزمها ذلك، فإنه إذا خيّرها، فقد ردّ الإلزام، وتركها لما ترى.
قال: والمتقرّر أن هناك قصّتين: قصّة خنساء، وهي كانت ثيّبًا، وقصّة هذه الجارية، وهي كانت بكرًا انتهى كلام ابن القطّان -رحمه اللَّه تعالى- (٤).
стр. 13914
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قصّة البكر ستأتي عند المصنّف في الباب التالي إن شاء اللَّه تعالى.
وقال البيهقيّ: إن ثبت الحديث في البكر حُمل على أنها زُوّجت بغير كفء. واللَّه أعلم.
قال الحافظ: وهذا الجواب هو المعتمد، فإنها واقعة عين، فلا يثبت الحكم فيها تعميمًا، وأما الطعن في الحديث، فلا معنى له، فإن طرقه يقوي بعضها بعضًا.
ولقصّة خنساء بنت خدام طريقٌ أخرى، أخرجها الدارقطنيّ، والطبرانيّ، من طريق هُشيم، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة: "أن خنساء بنت خدام زوّجها أبوها، وهي كارهةٌ، فأتت النبيّ ﷺ ، فردّ نكاحها"، ولم يقل فيه: بكرًا، ولا ثيّبًا. قال الدارقطنيّ: رواه أبو عوانة، عن عمر مرسلًا، لم يذكر أبا هريرة. انتهى (١).
(فَأَتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَرَدَّ نِكَاحَهُ) أي أبطله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث خنساء بنت خدام - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٥/ ٣٢٦٩ - وفي "الكبرى" ٣١/ ٥٣٨٠ و ٣٢/ ٥٣٨٢ و ٥٣٨. وأخرجه (خ) في "النكاح" ٥١٣٩ و"الإكراه" ٦٩٤٥ و"الحيل" ٦٩٦٩ (د) في "النكاح" ٢١٠١ (ق) في "النكاح" ١٨٧٣ (الموطا) في "النكاح" ١١٣٥ (الدارمي) في "النكاح" ٢١٩١ و ٢١٩٢. واللَّه تعالى أعلم.
ودلالة الحديث على ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، واضحة، حيث إنها تدلّ على أن تزويج الأب ابنته الثيّب، وهي كارهة مردود، وبقية فوائد الحديث تقدّمت في الأبواب الماضية. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 13915
٣٦ - (الْبِكرُ يُزَوِّجُهَا أَبُوهَا، وَهِيَ كَارِهَةٌ)
٣٢٧٠ - (أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ غُرَابٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا كَهْمَسُ بْنُ الْحَسَنِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ فَتَاةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا, فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي زَوَّجَنِي ابْنَ أَخِيهِ؛ لِيَرْفَعَ بِي خَسِيسَتَهُ, وَأَنَا كَارِهَةٌ, قَالَتِ اجْلِسِي حَتَّى يَأْتِيَ النَّبِيُّ ﷺ , فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , فَأَخْبَرَتْهُ, فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِيهَا, فَدَعَاهُ, فَجَعَلَ الأَمْرَ إِلَيْهَا, فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ, قَدْ أَجَزْتُ مَا صَنَعَ أَبِي, وَلَكِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَعْلَمَ أَلِلنِّسَاءِ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ؟)
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زياد بن أيوب) أبو هاشم البغداديّ الطوسيّ الأصل، الملقّب "دَلّويه"، وكان يغضب منها، ولقّبه أحمد شعبة الصغير، ثقة حافظ [١٠] ١٠١/ ١٣٢.
٢ - (عليّ بن غُراب) -باسم الطائر- الفزاريّ مولاهم، أبو الحسن، ويقال: أبو الوليد الكوفيّ القاضي، صدوق، وكان يدلّس، ويتشيع، وأفرط ابن حبّان في تضعيفه [٨].
قال أبو حاتم: كان مروان بن معاوية قَلَبَ اسمه، فقال: عليّ بن عبد العزيز. وزعم الفلكيّ أن غُرابًا لقبٌ، وأن اسمه عبد العزيز. قال عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عنه؟ فقال: ليس لي به خبرة، سمعت منه مجلسًا واحدًا كان يُدلّس، ما أُراه كان إلا صدوقًا. وقال المرْوذيّ عن أحمد: كان حديثه حديث أهل الصدق. وقال مُهنّا عن أحمد: كوفي ليس له حلاوة. وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: هو المسكين صدوق. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: لم يكن به بأس، ولكنّه كان يتشيّع. وقال مرّة عنه: ثقة. وقال ابن نُمير: يعرفونه بالسماع، وله أحاديث منكرة. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: لا بأس به. وقال أبو زرعة: حدثنا إبراهيم بن موسى عنه. وقال ابن معين: صدوق. قال: وقلت لأبي زرعة: عليّ بن غُراب أحبّ إليك، أو علي بن عاصم؟ فقال: عليّ بن غُراب هو صدوقٌ عندي، وأحبّ إليّ من عليّ بن عاصم. وقال الآجريّ عن أبي داود: ضعيف، ترك الناس حديثه. قال: وقال عيسى ابن يونس: كنّا نُسمّيه الْمُسوّديّ. قال أبو داود: وهو ضعيف، وأنا لا أكتب حديثه، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وكان يدلّس. وقال الجوزجانيّ: ساقط. قال الخطيب: أظنّه طعن عليه
стр. 13916
لأجل مذهبه، فإنه كان يتشيّع، قال: وأما روايته، فقد وصفوه بالصدق. وقال الدارقطنيّ: يُعتَبر به. وقال ابن حبّان: حدّث بالأشياء الموضوعة، فبطل الاحتجاج به، وكان غاليًا في التشيع. وقال ابن عديّ: له غرائب وأفراد، وهو ممن يُكتب حديثه. وقال ابن سعد: كان صدوقًا، وفيه ضعف، وصحب يعقوب بن داود -يعني وزير المهدي- فتركه الناس. وقال الحسين بن إدريس: سألت محمد بن عبد اللَّه بن عمّار عن عليّ بن غُراب؟ فقال: كان صاحب حديث، بصيرًا به، قلت: أليس هو ضعيفًا؟ قال: إنه كان يتشيّع، ولست أنا بتارك الرواية عن رجل صاحب حديث بعد أن لا يكون كذابًا، للتشيّع، أو القدر، ولست براوٍ عن رجل لا يُبصر الحديث، ولا يعقله، ولو كان أفضل من فَتحٍ -يعني الْمَوْصِليّ-. وقال ابن قانع: كوفيّ شيعيّ ثقة. وقال ابن شاهين: قال عثمان بن أبي شيبة: ثقة. ووقع في "العلل" الدارقطنيّ بعد أن ذكر جماعةً من جملتهم عليّ بن غُراب، فوصفهم بأنهم ثقات حفّاظ. وقال الحضرميّ: مات عليّ بن غُراب، مولى الوليد بن صخر بن الوليد الفزاريّ، أبو الحسن سنة (١٨٤) بالكوفة. وقال ابن سعد مثله. روى له المصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنّف ثلاثة أحاديث برقم ٣٢٧٠ و ٥١٦١ و ٥٥٣١.
٣ - (كهمس بن الحسن) أبو الحسن التميميّ البصريّ، ثقة [٥] ٣٩/ ٦٨١.
٤ - (عبد اللَّه بن بُريدة) بن الْحُصَيب، أبو سهل الأسلميّ المروزيّ القاضي، ثقة [٣] ٢٥/ ٣٩٣.
٥ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح غير علي بن غراب، كما سبق آنفًا. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعي. (ومنها): أن فيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم.
شرحِ الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (أَنَّ فَتَاةً) لم تُسمّ (دَخَلَتْ عَلَيْهَا) أي على عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - (فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي زَوّجَنِي ابْنَ أَخِيهِ؛ لِيَرْفَعَ بِي) أي ليزيل بإنكاحي إياه (خَسيسَتَهُ) أي دناءته. تعني أنه خسيسٌ، فأراد أن يجعله بي عزيزًا. والخسيس الدنيء، والخِسّة، والخَسَاسةُ الحالةُ يكون عليها الخسيس، يقال: رَفَعَ خسيسته، ومن
стр. 13917
خَسيسته: إذا فعل به فعلًا يكون فيه رِفْعَته. قاله ابن الأثير (١). وقال في "اللسان": قال الأزهريّ: يقال: رفع اللَّه خسيسةَ فلانٍ: إذا رفع حاله بعد انحطاطها انتهى (٢) (وَأَنَا كَارِهَةٌ) جملة حاليّة من ضمير المتكلّم (قَالَتِ) عائشة لها (اجْلِسِي حَتَّى يَأْتِيَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخْبَرَتهُ) أي ما صنع أبوها بها من تزويجها من ابن أخيه، وهي كارهة (فَأَرْسَلَ) ﷺ (إِلَى أَبيهَا، فَدَعَاهُ، فَجَعَلَ الأَمْرَ إِلَيْهَا) أي لها الاختيار بين البقاء مع زوجها، وبين تركها إياه (فقَالَت: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ أَجَزْتُ مَا صَنَعَ أَبِي) أي من التزيج لمن كرهته (وَلَكِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَعلَمَ أَلِلنِّسَاءِ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ؟) الهمزة للاستفهام، و"للنساء" جارٌ ومجرور خبر مقدّم، لـ"شيء"، و"من الأمر" حال منه، وكان في الأصل صفة له، لكن لما قُدّم أُعرب حالًا؛ لأن القاعدة أن نعت النكرة إذا قدّم عليها يعرب حالًا.
وتعني بذلك أن مرادها في مرافعة أبيها إلى النبيّ ﷺ ليس إبطال النكاح، وإنما فعلت ذلك لتَعلم، وتتبيّن هل النساء لهنّ حقّ في أمر نكاحهنّ، بحيث لا يحلّ تزويجهنّ إلا برضاهنّ، أو ليس لهنّ من الأمر شيء، وإنما هو للأولياء فقط، يزوّجوهنّ كيف شاءوا، فبيّن النبيّ ﷺ أن الأمر لهنّ، لا للأولياء، فلا يحلّ لهم أن يزوّجوهنّ إلا برضاهنّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا صحيح، وقد أشار المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "الكبرى" إلى تقويته، حيث قال: "قال أبو عبد الرحمن: هذا الحديث يوثّقونه" انتهى (٣).
[فإن قلت]: كيف يكون صحيحًا، وفيه انقطاع؛ لأن عبد اللَّه بن بُريدة لم يسمع من عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، كما قال الدارقطنيّ؟.
[قلت]: إنما صحّ لأمور:
(أحدها): أنه متّصل على طريقة الإمام مسلم -رحمه اللَّه تعالى-، وهي أن المعاصرة تكفي في الاتصال، حيث إن عبد اللَّه بن بُريدة عاصر عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - مدّة طويلة، فإنه وُلد سنة (١٥) من الهجرة، وماتت هي سنة (٥٧) وقيل: بعدها.
стр. 13918
(الثاني): أن له شواهد:
(فمنها): حديث أبي هريرة ﵁ الآتي بعد هذا، وهو حديث حسنٌ، كما سيأتي، وهو الذي يظهر من صنيع المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، حيث أورده بعده تقوية له. واللَّه تعالى أعلم.
(ومنها): حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -: "أن جارية بكرًا، أنكحها أبوها، وهي كارهة، فخيّرها رسول اللَّه ﷺ "، وفي رواية: "ففرّق النبيّ ﷺ بينهما". رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والدارقطنيّ.
وقد صححه الحافظ أبو الحسن ابن القطّان، وغاية ما عُلّل به الإرسال، قال البيهقيّ: أخطأ فيه جرير بن حازم على أيوب السختيانيّ، والمحفوظ عن أيوب، عن عكرمة، عن النبيّ ﷺ مرسلًا. وقد رواه أبو داود عن محمد بن عُبيد، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة مرسلًا. وقد رواه ابن ماجه أيضًا من حديث زيد بن حبّان، عن أيوب موصولًا، وزيد مختلف في توثيقه، قال أبو حاتم في "علله": سألت أبي عن حديث حسين، فقال: هو خطأ إنما هو كما رواه الثقات حماد بن زيد، وابن عليّة، عن أيوب، عن عكرمة، عن النبيّ ﷺ مرسلًا، وهو الصحيح، فقلت له: الوهم ممن؟ فقال: ينبغي أن يكون من حسين، فإنه لم يروه عن جرير بن حازم غيره. قال في "التنقيح": قال الخطيب البغداديّ: قد رواه سليمان بن حرب، عن جرير بن حازم أيضًا كما رواه حسين، فبرأت عهدته، ثم رواه بإسناده، قال: ورواه أيوب بن سُويد هكذا عن الثوريّ، عن أيوب موصولًا، وكذلك رواه معمر بن سليمان، عن زيد بن حِبّان، عن أيوب انتهى.
وقال أبو الحسن ابن القطّان في كتابه "بيان الوهم والإيهام": حديث ابن عباس صحيح، ولا يضرّه أن يُرسله بعض رواته، إذا أسنده من هو ثقة انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تبيّن بهذا أن حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - صحيح، فإن غاية إعلاله هو تفرّد جرير بن حازم، عن أيوب بوصله، وتفرّد حسين بن محمد، عن جرير، به.
وقد تبيّن أن جريرًا، لم ينفرد به، فقد رواه أيوب بن سُويد، عن الثوريّ عن أيوب موصولًا، وكذلك رواه معمر بن سليمان الرقّيّ، عن زيد بن حِبّان، عن أيوب موصولًا (١) أيضًا. وبأن حسينًا لم ينفرد به عن جرير، فقد رواه سليمان بن حرب، عن
стр. 13919
جرير بن حازم بوصله (١).
والحاصل أن حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - صحيح موصولًا، فيؤيّد حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - المذكور في الباب.
(ومنها): ما أخرجه أحمد، والدارقطنيّ، من حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى - عنهما بإسناد رجاله ثقات، ولفظ أحمد من طريق عمر بن حسين بن عبد اللَّه، مولى آل حاطب، عن نافع، مولى عبد اللَّه بن عمر، عن عبد اللَّه بن عمر، قال: توفي عثمان بن مظعون، وترك ابنة له من خويلة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص، قال: وأوصى إلى أخيه، قُدامة بن مظعون، قال: عبد اللَّه: وهما خالاي، قال: فمضيت إلى قدامة بن مظعون، أخطب ابنة عثمان بن مظعون، فزوجنيها، ودخل المغيرة بن شعبة- يعني إلى أمها- فأرغبها في المال، فحطت إليه، وحطت الجارية إلى هوى أمها، فأبيا، حتى ارتفع أمرهما إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال قدامة بن مظعون: يا رسول اللَّه، ابنة أخي أوصى بها إلي، فزوجتها ابن عمتها، عبد اللَّه بن عمر، فلم أُقَصِّر بها في الصلاح، ولا في الكفاءة، ولكنها امرأة، وإنما حطت إلى هوى أمها، قال: فقال رسول اللَّه ﷺ : "هي يتيمة، ولا تُنكَح إلا بإذنها"، قال: فانتُزِعَت -واللَّه- مني بعد أن ملكتها، فزوجوها المغيرة بن شعبة.
والحاصل أن حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - صحيح بهذه الشواهد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا تفرّد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-٣٦/ ٣٢٧٠ - وفي "الكبرى" ٣٣/ ٥٣٩٠. وأخرجه (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٤٥٢٣. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): دلّ حديث الباب على أن البكر البالغة إذا زُوّجت بغير إذنها لم يصحّ العقد عليها، وإليه ذهب الأوزاعيّ، والثوريّ، والحنفيّة، وحكاه الترمذيّ عن أكثر أهل العلم. وخالف في ذلك مالك، والشافعيّ، والليث، وابن أبي ليلى، وأحمد، وإسحاق، فقالوا: يجوز للأب أن يزوّجها بغير استئذان، ويردّ عليهم ما تقدم من الأحاديث (٢).
والحاصل أن المذهب الأول هو الحقّ؛ لوضوح أدلّته. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 13920
٣٢٧١ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ,, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى,, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ,, قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : «تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ فِي نَفْسِهَا, فَإِنْ سَكَتَتْ فَهُوَ إِذْنُهَا, وَإِنْ أَبَتْ فَلَا جَوَازَ عَلَيْهَا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة.
و"عمرو بن عليّ": هو الفلّاس. و"يحيى": هو ابن سعيد القطّان. و"محمد بن عمرو" هو: ابن علقمة بن وقّاص الليثيّ المدنيّ. و"أبو سلمة": هو ابن عبد الرحمن بن عوف الفقيه المدنيّ.
وقوله: وإن أبت فلا جواز عليها" أي لا سبيل عليها، أو لا ولاية عليها، وهذا يدلّ على أنه ليس على البكر ولاية الإجبار، فاليتيمة هنا بمعنى البكر فيما تقدّم.
والحديث صحيح، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله قبل بابين، فراجعه هناك تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣٧ - (الرُّخْصَةُ فِي نِكَاحِ الْمُحْرِمِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- لم يرد بالرخصة هنا ما يقابل العزيمة، بمعنى أن نكاح المحرم كان ممنوعًا، ثم رُخّص فيه، بل أراد مطلق الجواز، بدليل أنه ترجم بعده للنهي عنه، فكأنه أشار به إلى ترجيح النهي على الإباحة، كما هو المذهب الراجح في المسألة، على ما سيأتي بيانه قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى.
٣٢٧٢ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَوَاءٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ, عَنْ قَتَادَةَ, وَيَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ, عَنْ عِكْرِمَةَ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: تَزَوَّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ, وَهُوَ مُحْرِمٌ, وَفِي حَدِيثِ يَعْلَى بِسَرِفَ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"محمد بن سواء": هو السدوسيّ العنبريّ، أبو الخطّاب البصريّ المكفوف، صدوق رمي بالقدر [٩] ٧٨/ ١٩٩٣.
стр. 13921
و"سعيد": هو ابن أبي عروبة.
و"يعلي بن حكيم" الثقفيّ مولاهم المكيّ، نزيل البصرة، ثقة [٦].
قال أحمد، وابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به.
وقال يعقوب بن سفيان: مستقيم الحديث. وقال ابن خراش: كان صدوقًا. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له الجماعة، سوى الترمذيّ، وله عند المصنّف في هذا الكتاب خمسة أحاديث برقم ٣٧/ ٣٢٧٢ و ٣٨/ ٣٢٧٧ وفي "المزارعة" ٤٥/ ٣٨٩٦ و ٣٨٩٧ و ٣٨٩٨.
والحديث صحيح الإسناد، إلا أنه تُكُلّم فيه، كما سيأتي بيان ذلك في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في "كتاب الحجّ" -٩٠/ ٢٨٣٨ - ولم يبق إلا البحث في مسألتين:
(المسألة الأولى): في أقوال أهل العلم في حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا، حيث خالف أحاديث النهي عن نكاح المحرم:
قال الحافظ أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى- في "كتاب الاستذكار" -١١/ ٢٥٩ - ٢٦٢ - : ما حاصله: اختلفت الآثار المسندة في تزويج رسول اللَّه ﷺ ميمونة - رضي اللَّه تعالى - عنها، واختلف في ذلك أهل السير، والعلم بالأخبار، فقد أتت الآثار بأن رسول اللَّه ﷺ تزوّجها حلالًا متواترةً من طرق شتّى، عن أبي رافع، مولى النبيّ ﷺ ، وعن سليمان ابن يسار، وهو مولاها، وعن يزيد بن الأصمّ، وهو ابن أختها، وهو قول سعيد بن المسيّب، وسليمان بن يسار، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وابن شهاب، وجمهور علماء المدينة، يقولون: إن رسول اللَّه ﷺ لم يَنكح ميمونة إلا وهو حلالٌ، وما أعلم أحدًا من الصحابة روي عنه أنه ﷺ نكح ميمونة، وهو محرم إلا ابن عباس (١)، وحديثه بذلك صحيحٌ ثابتٌ من نكاح ميمونة، إلا أن يكون متعارضًا مع رواية غيره، فيسقط الاحتجاج بكلام الطائفتين، وتُطلب الحجة من غير قصّة ميمونة. وإذا كان كذلك، فإن عثمان بن عفّان قد روى عن النبيّ ﷺ أنه نهى عن نكاح المحرم، وقال: "لا يَنكح المحرم، ولا يُنكح"، ولا معارض له؛ لأن حديث ابن عبّاس في نكاح ميمونة قد عارضه في ذلك غيره.
ثم أخرج أبو عمر بسنده عن يزيد بن الأصمّ، قال: حدّثتني ميمونة ابنة الحارث: "أن رسول اللَّه ﷺ تزوّجها، وهو حلالٌ" (٢). قال: يزيد: كانت خالتي، وخالة ابن عبّاس.
стр. 13922
وروى حمّاد بن سلمة، عن حبيب بن الشهيد، عن ميمون بن مِهران، عن يزيد بن الأصمّ، عن ميمونة، قالت: تزوّجني رسول اللَّه ﷺ بسرِف، وهما حلالان بعد ما رجعا من مكّة. وذكر عبد الرزّاق، قال: أخبرني معمر، عن الزهريّ، قال: أخبرني يزيد بن الأصمّ: أن النبيّ ﷺ تزوّج ميمونة حلالًا.
قال أبو عمر: قد نقل قومٌ حديث يزيد بن الأصمّ مرسلًا؛ لظاهر رواية الزهريّ، وليس كما ظهر، إلا رواية الزهريّ، فحملت للتأويل، وجاز لمن أخبرته ميمونة أن النبيّ ﷺ تزوّجها حلالًا أن يُخبر بأن رسول اللَّه ﷺ تزوّج ميمونة حلالًا، يُحدّث به هكذا وحده، يقول: حدّثتني ميمونة أن رسول اللَّه ﷺ -تزوّجها حلالًا.
على أنهم يلزمهم مثله في حديث ابن عبّاس: "أن رسول اللَّه ﷺ تزوّج ميمونة، وهو محرم؛ لأنه ليس فيه أن ميمونة أخبرته، وموضع ابن عبّاس من ميمونة بموضع يزيد بن الأصمّ سواء. انتهى كلام ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى- (١).
وقال في "الفتح": قال الأثرم: قلت لأحمد: إن أبا ثور يقول: بأيّ شيء يُدفَع حديث ابن عبّاس؟ -أي مع صحّته- قال: فقال: اللَّه المستعان، ابن المسيّب يقول: وَهِمَ ابن عبّاس، وميمونة تقول: تزوّجني وهو حلال انتهى.
وقد عارض حديث ابن عباس حديث عثمان: "لا ينكح المحرم، ولا يُنكح" أخرجه مسلم.
ويُجمع بينه وبين حديث ابن عبّاس يحمل حديث ابن عبّاس على أنه من خصائص النبيّ ﷺ .
وقال ابن عبد البرّ: اختلفت الآثار في هذا الحكم، لكن الرواية أنه تزوّجها، وهو حلال، جاءت من طرق شتّى، وحديث ابن عبّاس صحيح الإسناد، لكن الوهم إلى الواحد أقرب منه إلى الجماعة، فأقلّ أحوال الخبرين أن يتعارضا، فتطلب الحجة من غيرهما، وحديث عثمان صحيح في منع نكاح المحرم، فهو المعتمد انتهى.
ومنهم من حمل حديث عثمان على الوطء. وتُعُقّب بأنه ثبت فيه: "لا يَنكِح" بفتح أوله، و"لا يُنكَح" بضمّ أوله، "ولا يخطب". ووقع في "صحيح ابن حبّان" زيادة: "ولا يُخطب عليه". ويترجح حديث عثمان بأنه تقعيد قاعدة، وحديث ابن عبّاس واقعة عين، تحمل أنواعًا من الاحتمالات:
[فمنها]: أن ابن عبّاس كان يرى أن من قلّد الهدي يصير محرمًا، كما تقدّم تقرير ذلك
стр. 13923
في "الحجّ"، والنبي ﷺ كان قلّد الهدي في عمرته تلك التي تزوّج فيها ميمونة، فيكون إطلاقه أنه ﷺ تزوّجها، وهو محرمٌ، أي عقد عليها بعد أن قلّد الهدي، وإن لم يكن تلبّس بالإحرام، وذلك أنه كان أرسل إليها أبا رافع يخطبها، فجعلت أمرها إلى العبّاس، فزوّجها من النبيّ ﷺ .
وقد أخرج الترمذيّ، وابن خزيمة، وابن حبّان في "صحيحيهما" من طريق مطر الوراق، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سليمان بن يسار، عن أبي رافع: "أن النبيّ ﷺ تزوّج ميمونة، وهو حلالٌ، وبنى بها، وهو حلال، وكنت أنا الرسول بينهما". قال الترمذيّ: لا نعلم أحدًا أسنده غير حماد بن زيد، عن مطر. ورواه مالك، عن ربيعة، عن سليمان، مرسلًا.
[ومنها]: أن قول ابن عباس تزوّج ميمونة، وهو محرم، أي داخل الحرام، أو في الشهر الحرام، قال الأعشى [من الرمل]:
قَتَلُوا كِسْرَى بِلَيْلٍ مُحْرِمًا … غَادَرُوهُ لَمْ يُمَتَّعْ بِكَفَنْ
أي في الشهر الحرام. وقال آخر [من الكامل]:
قَتَلُوا ابْنَ عَفَّانَ الخَلِيفَةَ مُحْرِمًا … وَدَعَا فَلَمْ أَرَ مِثْلَهُ مَقْتُولَا
أي في البلد الحرام. وإلى هذا التأويل جنح ابن حبّان، فجزم به في "صحيحه".
وعارض حديثَ ابن عباس أيضًا حديثُ يزيد بن الأصمّ: "أن النبيّ ﷺ تزوّج ميمونة، وهو حلالٌ". أخرجه مسلم من طريق الزهريّ، قال: "وكانت خالته، كما كانت خالة ابن عباس". وأخرج مسلم من وجه آخر عن يزيد بن الأصمّ، قال: "حدّثتني ميمونة أن رسول اللَّه ﷺ تزوّجها، وهو حلال، قال: وكانت خالتي، وخالة ابن عبّاس".
وأما أثر ابن المسيّب الذي أشار إليه أحمد، فأخرجه أبو داود. وأخرج البيهقيّ من طريق الأوزاعيّ، عن عطاء، عن ابن عبّاس … الحديث، قال: وقال سعيد بن المسيّب: ذَهِلَ ابنُ عباس، وإن كانت خالته، ما تزوّجها إلا بعد ما أحلّ.
قال الطبريّ: الصواب من القول عندنا أن نكاح المحرم فاسدٌ؛ لصحّة حديث عثمان ﵁. وأما قصّة ميمونة، فتعارضت الأخبار فيها، ثم ساق من طريق أيوب، قال: أُنبئت أن الاختلاف في زواج ميمونة إنما وقع لأن النبيّ ﷺ كان بعث إلى العبّاس ليُنكحها إياه، فأنكحه، فقال بعضهم: أنكحها قبل أن يُحرم النبيّ ﷺ ، وقال بعضهم: بعد ما أحرم، وقد ثبت أن عمر، وعليًّا، وغيرهما من الصحابة فرّقوا بين محرم نكح، وبين امرأته، ولا يكون هذا إلا عن ثبت. انتهى.
стр. 13924
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تلخّص مما تقدّم أن حديث كونه ﷺ تزوّج ميمونة - رضي اللَّه تعالى عنها -، وهما حلالان أرجح من حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - أنه ﷺ تزوّجها، وهما محرمان؛ لموافقته لحديث عثمان ﵁، مرفوعًا: "لا يَنكح المحرم، ولا يُنكح"، وأما حديث ابن عبّاس، فقابل للتأويلات المذكورة، فلا يُعارض الأول. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - قد جاء مثله صحيحًاعن عائشة، وأبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنهما -، فأما حديث عائشة، فأخرجه النسائيّ من طريق أبي سلمة عنها، وأخرجه الطحاويّ، والبزار، من طريق مسروق عنها، وصححه ابن حبّان، وأكثر ما أُعلّ بالإرسال، وليس ذلك بقادح فيه. وقال النسائيّ (١): "أخبرنا عمرو بن عليّ، أنبأنا أبو عاصم، عن عثمان بن الأسود، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة مثله"، قال عمرو بن عليّ: قلت لأبي عاصم: أنت أمليت علينا من الرقعة ليس فيه عائشة، فقال: دع عائشة، حتى انظر فيه، وهذا إسناد صحيح، لولا هذه القصّة، لكن هو شاهد قويّ أيضًا.
وأما حديث أبي هريرة ﵁ فأخرجه الدارقطنيّ، وفي إسناده كاملٌ أبو العلاء، وفيه ضعف، لكنه يَعتضد بحديثي ابن عباس وعائشة.
قال: وفيه ردّ على قول ابن عبد البرّ: إن ابن عبّاس تفرّد من بين الصحابة بأن النبيّ ﷺ تزوّج، وهو محرم.
قال: وجاء عن الشعبيّ، ومجاهد مرسلًا مثله، أخرجهما ابن أبي شيبة.
وأخرج الطحاويّ من طريق عبد اللَّه بن محمد بن أبي بكر، قال: سألت أنسًا عن نكاح المحرم؟ فقال: لا بأس به، وهل هو إلا كالبيع، وإسناده قويّ. لكنه في مقابلة النص، فلا عبرة به، وكان أنسًا لم يبلغه حديث عثمان ﵁. انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في ردّ الحافظ على ابن عبد البرّ نظر لا يخفى؛ إذ مراده ما صحّ في ذلك، وحديث عائشة، وأبي هريرة ضعيفان، كما يظهر مما ذُكر آنفًا، فكيف يُردّ عليه بالضعيف؟. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[المسألة الثانية]: في اختلاف أهل العلم في حكم تزويج المحرم:
قال الحافظ أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى-: اختلف الفقهاء في نكاح المحرم: فقال مالكٌ، والشافعيّ، وأصحابهما، والليث، والأوزاعيّ: لا يَنكح المحرم، ولا يُنكح،
стр. 13925
فإن فعل فالنكاح باطلٌ. وهو قول عمر بن الخطّاب، وعليّ بن أبي طالب، وعبد اللَّه بن عمر، وزيد بن ثابت، وسعيد بن المسيّب، وسالم بن عبد اللَّه، وسُليمان بن يسار. وبه قال أحمد بن حنبل. قال أحمد: ذهب فيه إلى حديث عثمان، وقال: رُوي عن عمر، وعلي، وزيد بن ثابت أنهم فرَّقوا بينهما.
وقال أبو حنيفة، وأصحابه، وسفيان الثوريّ: لا بأس بأن ينكح المحرم، وأن يُنكح. وهو قول القاسم بن محمد، وإبراهيم النخعيّ. ذكر عبد الرزّاق، قال: أخبرنا محمد بن مسلم الطائفيّ، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه أنه لم ير بنكاح المحرم بأسًا. قال: وأخبرني الثوريّ، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: يتزوّج المحرم إن شاء، لا بأس به. قال عبد الرزّاق: وقال الثوريّ: لا يُلتفت إلى أهل المدينة، حجة الكوفيين
في جواز نكاح المحرم حديث ابن عبّاس أن رسول اللَّه ﷺ نكح ميمونة، وهو محرم. رواه جماعة من أصحابه، منهم عطاء بن أبي رباح، ومجاهد بن جبر، وجابر بن زيد، أبو الشعثاء، وعكرمة، وسعيد بن جبير. وروى ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: حديث ابن شهاب، عن جابر بن زيد، عن ابن عبّاس أن رسول اللَّه ﷺ نكح ميمونة، وهو محرم. فقال ابن شهاب: حدثني يزيد بن الأصمّ أن رسول اللَّه ﷺ تزوّج ميمونة … "، قال عمرو: فقلت لابن شهاب: أتجعل حفظ ابن عباس كحفظ أعرابيّ يبول على فخذيه؟ (١).
قال أبو عمر: قد ذكرنا حجة الحجازيين القائلين بأن نكاح المحرم لا يجوز؛ لحديث عثمان ﵁ عن النبيّ ﷺ أنه نهى عن نكاح المحرم، وأن عمر بن الخطّاب فرّق بين من نكح وبين امرأته، والفُرقة لا تكون في هذا إلا عن بصيرة مستحكمة، وذكرنا جماعة الأئمة القائلين من أهل المدينة، وليس مع العراقيين في هذا حجة إلا حديث ابن عباس في قصّة، قد خالفه فيها غيره بما تقدّم ذكره.
قال: واختلف أهل السير في تزويج رسول اللَّه ﷺ ، فذكر موسى بن عقبة، عن ابن شهاب أنه تزوّجها حلالًا. وقال أبو عبيدة معمر بن المثنّى: تزوّجها، وهو محرمٌ،
стр. 13926
والأول أصحّ -إن شاء اللَّه- والحجة في ذلك حديث عثمان ﵁. والحمد للَّه انتهى كلام ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى- ببعض اختصار (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي رجحه الحافظ أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى- من كون النبيّ ﷺ تزوّج ميمونة - رضي اللَّه تعالى عنها -وهو حلال هو الحقّ؛ لقوة دليله، كما تقدّم.
والحاصل أن الأرجح القول بتحريم نكاح المحرم، فتبصّر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٢٧٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عَمْرٍو, عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ, أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ, أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ, وَهُوَ مُحْرِمٌ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن منصور": هو الجوّاز المكيّ الثقة. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"عمرو": هو ابن دينار. و"أبو الشعثاء": هو جابر بن زيد البصريّ الثقة الفقيه.
والحديث صحيح الإسناد، كما سبق بيانه في الحديث الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهوحسبنا، ونعم الوكيل.
٣٢٧٤ - (أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَجَّاجِ, قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , نَكَحَ مَيْمُونَةَ, وَهُوَ مُحْرِمٌ, جَعَلَتْ أَمْرَهَا إِلَى الْعَبَّاسِ, فَأَنْكَحَهَا إِيَّاهُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عثمان بن عبد اللَّه": هو أبو عمرو البصريّ، نزيل أنطاكية، ثقة، من صغار [١١] ١١٢/ ١٥٥. من أفراد المصنّف.
و"إبراهيم بن الحجاج" بن زيد الساميّ -بالمهملة- الناجيّ، أبو إسحاق البصريّ، ثقة يَهِم قليلًا [١٠].
قال الدارقطنيّ في، "الجرح والتعديل": ثقة. وقال ابن قانع: صالح. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مات سنة (٢٣١) أو سنة (٢) وقال موسى بن هارون: مات سنة (٢٣٣). وهو من أفراد المصنّف، وله عنده في هذا الكتاب أربعة أحاديث برقم -٣٧/ ٣٢٧٤ و ٤٣/ ٥١٧٧ و ٤٠/ ٥٦٥٤ و ٤٨/ ٥٦٧٩.
و"وهيب": هو ابن خالد البصريّ الحافظ. والحديث صحيح الإسناد، كما سبق بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 13927
٣٢٧٥ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ -وَهُوَ ابْنُ مُوسَى- عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ, وَهُوَ مُحْرِمٌ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن نصر": هو أبو عبد اللَّه بن أبي جعفر النيسابوريّ الزاهد المقرئ الفقيه الحافظ الثقة [١١] ٦٠/ ١٧٨٢. من أفراد المصنّف، والترمذيّ. و"عبيد اللَّه بن موسى": هو ابن أبي المختار باذام، أبو محمد العبسيّ الكوفيّ الثقة، وكان يتشيّع [٩] ٧٢/ ١٣٢٦. والحديث صحيح الإسناد، وقد سبق البحث عنه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣٨ - (النَّهْيُ عَنْ نِكَاحِ الْمُحْرِم)
٣٢٧٦ - (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ … وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ, قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ, عَنْ نَافِعٍ, عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ, أَنَّ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ, قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ, ﵁, يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ, وَلَا يُنْكِحُ, وَلَا يَخْطُبُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فتفرد به هو وأبو داود، و"هارون بن عبد اللَّه": هو أبو موسى الحمّال البغداديّ الحافظ. و"معن": هو ابن عيسى القزّاز المدنيّ الثبت. و"مالك": هو ابن أنس إمام دار الهجرة. و"ابن القاسم": هو عبد الرحمن الْعُتقيّ المصريّ الفقيه، صاحب مالك. و"نُبيه بن وهب": هو العبدريّ المدنيّ الثقة. و"نافع": هو مولى ابن عمر المدنيّ الفقيه الثبت.
وقوله: "لا ينكح" بفتح أوله، "ولا" في المواضع الثلاثة يحتمل أن تكون ناهية، والفعل مجزوم، ويحتمل أن تكون نافية، والفعل مرفوع، والنفي بمعنى النهي، وهو أبلغ.
ومعنى "لا ينكح": أي لا يعقد لنفسه. وقوله: "لا يُنكح" بضم أوله: أي لا يعقد لغيره، وقوله: "ولا يخطب" من باب نصر، من الْخِطْبة، بكسر المعجمة، وهذا يبطل تأويل من أوّل النكاح في الحديث بالجماع، كما تقدّم.
وفيه تحريم الْخِطبة في حالة الإحرام. وأما ما قاله في شرح السيوطيّ من أن النهي نهي تنزيه، وليس بحرام، ففيه نظر لا يخفى، فأين الدليل على صرفه إلى التنزيه؟. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 13928
والحديث أخرجه مسلم، وتقدّم في -٩١/ ٢٨٤٣ - وتقدّم هناك شرحه مستوفىً، وكذا بيان مسائله، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٢٧٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الأَشْعَثِ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -وَهُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ, عَنْ مَطَرٍ, وَيَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ, عَنْ نَافِعٍ,, عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ, عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ, أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ, ﵁, حَدَّثَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ, وَلَا يُنْكِحُ, وَلَا يَخْطُبُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد عندهم رجال الصحيح.
"أبو الأشعث": هو أحمد بن المقدام العجليّ البصريّ، صدوق [١٠] ١٣٨/ ٣١٩.
و"سعيد": هو ابن أبي عروبة. و"مطر": هو ابن طهمان الورّاق البصريّ. و"يعلي بن حكيم" تقدّم في الباب الماضي. و"نافع": هو مولى ابن عمر.
وقوله: "يعلي بن حكيم" بالجرّ عطفًا على "مطر"، فسعيد يروي عنهما، وكلاهما يرويان عن نُبيه بن وهب الخ.
[تنبيه]: سقط من نسخ "المجتبى" المطبوعة ذكر "نافع" من هذا السند، وهو خطأ فاحشٌ، والصواب إثباته، كما في النسخة "الهندية" ٢/ ٧٨ وكذا هو في "تحفة الأشراف" ٧/ ٢٤٣، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق تمام البحث فيه في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣٩ - (بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ مِنَ الْكَلَامِ عِنْدَ النِّكَاحِ)
قال الجامع - عفا اللَّه عنه -: أراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بالكلام هنا ما يتقدّم عقد النكاح من الخطبة المذكورة في الحديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٢٧٨ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْثَرٌ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: عَلَّمَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ , التَّشَهُّدَ فِي الصَّلَاةِ, وَالتَّشَهُّدَ فِي
стр. 13929
الْحَاجَةِ, قَالَ: التَّشَهُّدُ فِي الْحَاجَةِ: «أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ, نَسْتَعِينُهُ, وَنَسْتَغْفِرُهُ, وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا, مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ, وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ, وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ, وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ, وَيَقْرَأُ ثَلَاثَ آيَاتٍ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث تقدّم في "الصلاة" -٢٤/ ١٤٠٤ - ورجال إسناده كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"عَبْثَر": هو ابن القاسم الزُّبيديّ، أبو زُبيد الكوفيّ، ثقة [٨] ١٩٠/ ١١٦٤. و"أبو إسحاق": هو عمرو بن عبد اللَّه الهمدانيّ الكوفيّ ثقة عابد [٣] ٣٨/ ٤٢. و"أبو الأحوص": هو عوف بن مالك بن نَضْلَة الْجُشميّ الكوفيّ، ثقة [٣] ٥٠/ ٨٤٩. و"عبد اللَّه": هو ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -.
وقوله: "التشهّد في الحاجة" أي أيّ حاجة كانت، فقد أخرج أبو داود في "سننه" من طريق سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي عُبيدة، عن عبد اللَّه: "في خطبة الحاجة، في النكاح وغيره".
ولذلك قال الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-: الخطبة سنةٌ في أول العقود، مثل البيع، والنكاح، وغيرهما انتهى.
وقوله: "ويقرأ ثلاث آيات"، وهي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠].
والحديث صحيح، وقد تقدّم شرحه مستوفًى، وكذا بيان مسائله بالرقم المذكور، فراجعه، تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٢٧٩ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ, عَنْ دَاوُدَ, عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ رَجُلاً كَلَّمَ النَّبِيَّ ﷺ فِي شَيْءٍ, فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ, نَحْمَدُهُ, وَنَسْتَعِينُهُ, مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ, فَلَا مُضِلَّ لَهُ, وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ, وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ, وَحْدَهُ, لَا شَرِيكَ لَهُ, وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَمَّا بَعْدُ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عمرو بن منصور) أبو سعيد النسائيّ، ثقة ثبتٌ [١١] ١٠٨/ ١٤٧. من أفراد المصنّف.
стр. 13930
٢ - (محمد بن عيسى) بن نَجِيح أبو جعفر ابن الطبّاع البغداديّ، نزيل أَذَنَةَ (١) ثقة فقيهٌ [١٠].
قال الأثرم، عن أحمد: إن ابن الطبّاع لبيب كيّس. قال: وسمعت أبا عبد اللَّه ذكر حديث هُشيم، عن ابن شُبْرُمة، عن الشعبيّ في الذي يصوم في كفّارة، ثم يُوسر، فقال: لا أراه سمعه، قيل له: فإن أبا جعفر محمد بن عيسى يقول فيه: أخبرنا ابن شُبرُمة، قال: فتعجّب، فقلت له: ألا إن أبا جعفر عالمٌ بهذا؟ قال: نعم. وقال البخاريّ: سمعت عليًّا قال: سمعت يحيى، وعبد الرحمن يسألان محمد بن عيسى عن حديث هُشيم، وما أعلم أحدًا أعلم به منه. وقال أبو حاتم: سمعت محمد بن عيسى يقول: اختَلَفَ عبد الرحمن بن مهديّ، وأبو داود في حديث لِهُشيم، فتراضيا بي. وقال أبو حاتم أيضًا: حدثنا محمد بن عيسى ابن الطبّاع الثقة المأمون، ما رأيت من المحدثين أحفظ للأبواب منه. قال ابن أبي حاتم: سئل أبي عن محمد، وإسحاق ابني عيسى ابن الطبّاع؟ فقال: محمد أحبّ إليّ، وقال: إسحاق أجلّ، ومحمد أتقن. وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي قال: قلت لأحمد: عمن أكتب المصنّفات؟ قال: عن ابن الطبّاع، وإبراهيم بن موسى، وأبي بكر بن أبي شيبة.
وقال أبو داود: سمعت محمد بن بكّار يقول: محمد بن عيسى أفضل من إسحاق. وقال أبو داود: محمد بن عيسى كان يتفقه، وكان يحفظ نحوًا من أربعين ألف حديث، وكان ربّما دلّس. وقال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: من أعلم الناس بحديث هُشيم، مات بالثَّغْر. وقال البخاريّ: مات سنة (٢٢٤) وكان مولده سنة (١٥٠).
علّق عنه البخاريّ، وأخرج له أبو داود، والترمذيّ في "الشمائل"، والمصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب خمسة أحاديث: -٣٩/ ٣٢٧٩ و"تحريم الدم" ٥/ ٤٠١٩ و"البيوع" ٧٧/ ٤٦٣٩ و"الزينة" ١٦/ ٥٠٨٠ و ٧٩/ ٥٢٨٤.
٣ - (يحيى بن زكريا بن أبي زائدة) أبو سعيد الهمدانيّ الكوفيّ، ثقة متقنٌ، من كبار [٩] ١٤٤/ ٢٢٦.
٤ - (داود) بن أبي هند القشيريّ البصريّ، ثقة متقنٌ، كان يَهِم بآخره [٥] ٢١/ ٥٣٨.
٥ - (عمرو بن سعيد) القرشيّ، ويقال: الثقفيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة [٥].
قال الدُّوريّ، عن ابن معين: مشهور. وقال ابن الجنيد، عن ابن معين: شيخٌ
стр. 13931
بصري. وقال ابن سعد، والنسائيّ: ثقة. وقال العجليّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون. وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث:- ٣٩/ ٣٢٧٩ و"الخيل" ٧/ ٣٥٧٣ و"البيعة " ٦/ ٤١٥٨.
٦ - (سعيد بن جبير) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢٨/ ٤٣٦.
٧ - (ابن عباس) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١ واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، ومحمد بن عيسى علّق عنه البخاريّ. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: داود، عن عمرو بن سعيد، عن سعيد ابن جبير، ورواية داود عن عمرو من رواية الأقران، وفيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - حبر الأمة وبحرها، واحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ رَجُلًا) هو ضماد -بكسر الضاد المعجمة، آخره دالٌ مهملة- الأزديّ، من أزد شنوءة (كَلَّمَ النَّبِيَّ ﷺ فِي شَيْءٍ) هو أنه طلب منه ﷺ أن يرقيه مما يصفه به سفهاء مكّة من أن به جنونًا، كما أخرج ذلك مسلم -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه"، مطوّلًا من طريق عبد الأعلى، عن داود، عن عمرو بن سعيد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن ضمادا قَدِمَ مكةَ، وكان من أزد شنوءة، وكان يَرقِي من هذه الرِّيح، فسمع سفهاءَ من أهل مكة، يقولون: إن محمدا مجنون، فقال: لو أني رأيت هذا الرجل، لعل اللَّه يَشفِيه على يدي، قال: فلقيه، فقال: يا محمد، إني أرقي من هذه الريح، وإن اللَّه يشفي على يدي من شاء، فهل لك؟، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن الحمد للَّه، نحمده، ونستعينه، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه، وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أما بعد"، قال: فقال: أعِدْ عليّ كلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه رسول اللَّه ﷺ ، ثلاث مرات، قال: فقال: لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بلغن ناعوس البحر، قال: فقال: هات يدك، أبايعك على الإسلام، قال: فبايعه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "وعلى قومك"، قال: وعلى قومي، قال: فبعث رسول اللَّه ﷺ سَرِيّة، فمرّوا بقومه، فقال صاحب السرية
стр. 13932
للجيش: هل أصبتم من هؤلاء شيئًا، فقال رجل من القوم: أصبتُ منهم مِطْهَرة، فقال: ردوها، فإن هؤلاء قوم ضماد.
(فَقَالَ: النَّبيُّ ﷺ : "إِنَّ الْحَمْدَ) أي الثناء الجميل (لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ) أي في جميع الأمور (مَنْ يهَدِهِ اللَّهُ) بإثبات ضمير النصب: أي من يوفّقه اللَّه تعالى لاتباع طريق الحقّ (فَلَا مُضِلَّ لَهُ) أي من شيطان، أو نفس، أو غيرهما (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ) بحذف ضمير النصب (فَلَا هَادِيَ لَهُ) أي لا أحدَ يهَديه إلى الحقّ، لا من جهة العقل، ولا من جهة النقل، ولا من جهة أحد من الخلق (وَأَشْهَدُ) أي أعلم، وأتيقّن، وأعترف (أَنْ لًا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) تقدّم معنى الشهادتين في "كتاب الأذان" مستوفىً (أَمَّا بَعْدُ) أي أما بعد ما ذُكر من الحمد، وما بعده. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٩/ ٣٢٧٩ - وفي "الكبرى" ٧٤/ ٥٥٢٧. وأخرجه (م) في "الجمعة" ٨٦٨ (ق) في "النكاح" ١٨٩٣ (أحمد) في "مسند بني هاشم" ٢٧٤٤ و ٣٢٦٥. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ما يستحبّ أن يقال في خطبة النكاح. (ومنها): أن هذه الخطبة نحو خطبة الحاجة المذكورة في حديث عبد اللَّه ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - التي تقدمت في "كتاب الصلاة". (ومنها): أن فيه استحباب اشتمال الخطبة على الحمد، والثناء والشهادتين. (ومنها): أن فيه استحباب قول "أما بعد" في خطب الوعظ، والجمعة، والعيدين، وغيرها، وكذا في خطب الكتب المصنّفة، وقد عقد الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- بابًا في "صحيحه" وذكر فيه جملة من الأحاديث فيها قول النبيّ ﷺ : "أما بعد".
قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: واختلف العلماء في أول من تكلّم به، فقيل: داود ﵇. وقيل: يعرب بن قحطان. وقيل: قُسّ بن ساعدة. وقال بعض المفسّرين، أو كثير منهم: إنه فصل الخطاب الذي أوتيه داود- ﵇. وقال المحقّقون: فصل الخطاب
стр. 13933
الفصل بين الحقّ والباطل انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٤٠ - (بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الْخُطْبَةِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الخُطبة" هنا بضمّ الخاء المعجمة، من خطب، من باب قتل: إذا تكلّم في الموعظة. قال الفيّوميّ: يقال في الموعظة: خطَبَ القومَ، وعليهم، من باب قتل خُطْبةً -بالضمّ، وهي فُعلة بمعنى مفعولة، نحو نُسخةٍ بمعنى منسوخةٍ، وجمعها خُطب، مثلُ غُرْفة وغُرَف، فهو خطيب، والجمع الخطباء، وهو خطيب القوم: إذا كان هو المتكلّم عنهم انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٢٨٠ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ, عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ, عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ, قَالَ: تَشَهَّدَ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ , فَقَالَ أَحَدُهُمَا: مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, فَقَدْ رَشَدَ, وَمَنْ يَعْصِهِمَا, فَقَدْ غَوَى, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إسحاق بن منصور) بن بَهْرَام الكوسج، أبو يعقوب المروزيّ، ثقة ثبت [١١] ٧٢/ ٨٨.
٢ - (عبد الرحمن) بن مهديّ بن حسان البصريّ، ثقة ثبت حجة [٩] ٤٢/ ٤٩.
٣ - (سفبان) بن سعيد الثوريّ الكوفيّ، ثقة ثبت إمام حجة [٧] ٣٣/ ٣٧.
٤ - (عبد العزيز) بن رُفيع، أبو عبد اللَّه المكيّ، نزيل الكوفة، ثقة [٤] ١٩٠/ ٢٩٩٧.
٥ - (تميم بن طرَفة) -بفتح الطاء، والراء، والفاء-: هو الْمُسْليّ -بضم الميم، فسكون المهملة- الكوفيّ، ثقة [٣] ٢٨/ ٨١٦.
٦ - (عديّ بن حاتم) بن عبد اللَّه بن سعد بن الْحَشْرَج -بفتح المهملة، وسكون المعجمة، آخره جيم- الطائيّ، أبو طَرِيف -بفتح المهملة، وآخره فاء- الصحابيّ
стр. 13934
الشهير، كان ممن ثبت على الإسلام في الرّدّة، وحَضَرَ فُتوح العراق، وحروب عليّ، مات - رضي اللَّه تعالى عنه - سنة (٦٨) وهو ابن (١٢٠) سنة، وقيل: (٨٠) سنة. تقدّمت ترجمته في ٢٩/ ٢١٦٩ - . واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من سفيان، وإسحاقُ مروزيّ، وعبدُ الرحمن بصريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: تَشَهَّدَ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: مَن يُطِع اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَدْ رَشِدَ) بفتح الشين المعجمة على المشهور الموافق لقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾، إذ المضارع بالضمّ لا يكون للماضي بالكسر، ولذلك لَمّا قرأ شهاب الدين الموصلي في مجلس الحافظ الْمِزيّ رَشِدَ - بالكسر- ردّ عليه الشيخ بقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾. أو بالكسر، ذكره سيبويه في "كتابه"، وهو الموافق لقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ -بفتحتين- فإن فَعَلًا - بفتحتين- مصدر فَعِلَ -بكسر العين- كفرِحَ فَرَحًا، وسَخِطَ سَخَطًا، ولذلك ردّ الشيخ عليه بقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾. وأنت لو تأمّلت وجدت بكلام المِزّيّ والموصِلِيّ موقعًا عظيمًا، ودلالةً باهرةٌ على فطانتهما. ذكره السنديّ (١).
وقال الفيّوميّ: الرُّشدُ: الصلاحُ، وهو خلاف الغيّ والضلال، وهو إصابة الصواب، ورَشِدَ، من باب تَعِبَ، ورَشَدَ يَرْشُدُ، من باب قَتَلَ، فهو راشدٌ، والاسم الرَّشَاد انتهى.
(وَمَنْ يَعْصِهِمَا، فَقَدْ غَوَى) بفتح الواو، وقيل: بكسرها أيضًا، وضَعَّفُوه، وقال القاضي عياضٌ: وقع في روايةِ مسلم بفتح الواو، وكسرها، والصواب الفتح، وهو من الغَيّ، وهو الانهماك في الشرّ انتهى (٢).
وقال الفيّوميّ: غَوَى غيًّا، من باب ضرب: انهمك في الجهل، وهو خلافُ الرُّشْد، والاسم الْغَوَاية بالفتح انتهى.
وفي "القاموس" و"شرحه": وغَوَى الرجلُ يَغْوِي غَيًّا، وغَوَايةَ بالفتح، ولا يكسر، هذه هي اللغة الفصيحة المعروفة، واقتصر عليها الجوهريّ. قال أبو عبيد: وبعضهم
стр. 13935
يقول: غَوِيَ يَغوَى، كرَضِيَ غَوًى، وليست بالمعروفة: ضلّ، وخاب، وقال الأزهريّ: أي فسد. وقال ابن الأثير: الغيّ: الضلال، والانهماك في الباطل. وقال الراغب: الغَيّ جَهْلٌ من اعتقاد فاسد، وذلك لأن الجهل قد يكون من كون الإنسان غير معتقد اعتقادًا، لا صالحًا، ولا فاسدًا، وهذا النحو الثاني، يقال له: غيّ، وأنشد الأصمعيّ للمرقّش [من الطويل]:
فَمَنْ يَلْقَ خَيرًا يَحمَدِ النَّاسُ أَمْرَهُ … وَمَنْ يَغْوَ لًا يَعْدَمْ عَلَى الْغَيّ لًا ئِمَا
وقال دُريد بن الصّمّة [من الطويل]:
وَهَلْ أَنَا إلاَّ مِنْ غَزِيَّةَ إِنْ غَوَتْ … غَوَيْتُ وَإِنْ تَرْشُدْ غَزِيَّةُ أُرْشَدِ
انتهى ما في "القاموس"، وشرحه "تاج العروس" ببعض تصرّف (١).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ) زاد في رواية مسلم من طريق وكيع، عن سفيان: "قل: ومن يَعص اللَّه ورسوله". قيل: إنما أنكر عليه التشريك في الضمير المقتضي لتوهّم التسوية. وتُعُقّب بأنه ورد في كلامه ﷺ ، فالوجه أن التشريك لي الضمير يُخلّ بالتعظيم الواجب، ويوهم التشريك بالنظر إلى بعض المتكلّمين، وبعض السائلين، فيختلف حكمه بالنظر إلى المتكلّمين والسامعين. وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عديّ بن حاتم - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٠/ ٣٢٨٠ - وفي "الكبرى" ٧٥/ ٥٥٣٠. وأخرجه (م) في "الجمعة" ٨٧٠ (د) في "الصلاة" ١٠٩٩ و"الأدب" ٤٩٨١ (أحمد) في "مسند الكوفيين" ١٧٧٨٣ و ١٨٨٩٢. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ما يُكره للخطيب أن يقوله في خُطبته، وذلك أنه لا يجمع بين اللَّه ورسوله في ضمير واحد، وسيأتي ما قاله أهل العلم في سبب إنكاره ﷺ على الخطيب قوله في المسألة التالية. (ومنها): بيان جواز