بصري. وقال ابن سعد، والنسائيّ: ثقة. وقال العجليّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون. وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث:- ٣٩/ ٣٢٧٩ و"الخيل" ٧/ ٣٥٧٣ و"البيعة " ٦/ ٤١٥٨.
٦ - (سعيد بن جبير) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢٨/ ٤٣٦.
٧ - (ابن عباس) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١ واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، ومحمد بن عيسى علّق عنه البخاريّ. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: داود، عن عمرو بن سعيد، عن سعيد ابن جبير، ورواية داود عن عمرو من رواية الأقران، وفيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - حبر الأمة وبحرها، واحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ رَجُلًا) هو ضماد -بكسر الضاد المعجمة، آخره دالٌ مهملة- الأزديّ، من أزد شنوءة (كَلَّمَ النَّبِيَّ ﷺ فِي شَيْءٍ) هو أنه طلب منه ﷺ أن يرقيه مما يصفه به سفهاء مكّة من أن به جنونًا، كما أخرج ذلك مسلم -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه"، مطوّلًا من طريق عبد الأعلى، عن داود، عن عمرو بن سعيد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن ضمادا قَدِمَ مكةَ، وكان من أزد شنوءة، وكان يَرقِي من هذه الرِّيح، فسمع سفهاءَ من أهل مكة، يقولون: إن محمدا مجنون، فقال: لو أني رأيت هذا الرجل، لعل اللَّه يَشفِيه على يدي، قال: فلقيه، فقال: يا محمد، إني أرقي من هذه الريح، وإن اللَّه يشفي على يدي من شاء، فهل لك؟، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن الحمد للَّه، نحمده، ونستعينه، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه، وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أما بعد"، قال: فقال: أعِدْ عليّ كلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه رسول اللَّه ﷺ ، ثلاث مرات، قال: فقال: لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بلغن ناعوس البحر، قال: فقال: هات يدك، أبايعك على الإسلام، قال: فبايعه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "وعلى قومك"، قال: وعلى قومي، قال: فبعث رسول اللَّه ﷺ سَرِيّة، فمرّوا بقومه، فقال صاحب السرية
стр. 13932
للجيش: هل أصبتم من هؤلاء شيئًا، فقال رجل من القوم: أصبتُ منهم مِطْهَرة، فقال: ردوها، فإن هؤلاء قوم ضماد.
(فَقَالَ: النَّبيُّ ﷺ : "إِنَّ الْحَمْدَ) أي الثناء الجميل (لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ) أي في جميع الأمور (مَنْ يهَدِهِ اللَّهُ) بإثبات ضمير النصب: أي من يوفّقه اللَّه تعالى لاتباع طريق الحقّ (فَلَا مُضِلَّ لَهُ) أي من شيطان، أو نفس، أو غيرهما (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ) بحذف ضمير النصب (فَلَا هَادِيَ لَهُ) أي لا أحدَ يهَديه إلى الحقّ، لا من جهة العقل، ولا من جهة النقل، ولا من جهة أحد من الخلق (وَأَشْهَدُ) أي أعلم، وأتيقّن، وأعترف (أَنْ لًا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) تقدّم معنى الشهادتين في "كتاب الأذان" مستوفىً (أَمَّا بَعْدُ) أي أما بعد ما ذُكر من الحمد، وما بعده. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٩/ ٣٢٧٩ - وفي "الكبرى" ٧٤/ ٥٥٢٧. وأخرجه (م) في "الجمعة" ٨٦٨ (ق) في "النكاح" ١٨٩٣ (أحمد) في "مسند بني هاشم" ٢٧٤٤ و ٣٢٦٥. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ما يستحبّ أن يقال في خطبة النكاح. (ومنها): أن هذه الخطبة نحو خطبة الحاجة المذكورة في حديث عبد اللَّه ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - التي تقدمت في "كتاب الصلاة". (ومنها): أن فيه استحباب اشتمال الخطبة على الحمد، والثناء والشهادتين. (ومنها): أن فيه استحباب قول "أما بعد" في خطب الوعظ، والجمعة، والعيدين، وغيرها، وكذا في خطب الكتب المصنّفة، وقد عقد الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- بابًا في "صحيحه" وذكر فيه جملة من الأحاديث فيها قول النبيّ ﷺ : "أما بعد".
قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: واختلف العلماء في أول من تكلّم به، فقيل: داود ﵇. وقيل: يعرب بن قحطان. وقيل: قُسّ بن ساعدة. وقال بعض المفسّرين، أو كثير منهم: إنه فصل الخطاب الذي أوتيه داود- ﵇. وقال المحقّقون: فصل الخطاب
стр. 13933
الفصل بين الحقّ والباطل انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٤٠ - (بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الْخُطْبَةِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الخُطبة" هنا بضمّ الخاء المعجمة، من خطب، من باب قتل: إذا تكلّم في الموعظة. قال الفيّوميّ: يقال في الموعظة: خطَبَ القومَ، وعليهم، من باب قتل خُطْبةً -بالضمّ، وهي فُعلة بمعنى مفعولة، نحو نُسخةٍ بمعنى منسوخةٍ، وجمعها خُطب، مثلُ غُرْفة وغُرَف، فهو خطيب، والجمع الخطباء، وهو خطيب القوم: إذا كان هو المتكلّم عنهم انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٢٨٠ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ, عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ, عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ, قَالَ: تَشَهَّدَ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ , فَقَالَ أَحَدُهُمَا: مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, فَقَدْ رَشَدَ, وَمَنْ يَعْصِهِمَا, فَقَدْ غَوَى, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إسحاق بن منصور) بن بَهْرَام الكوسج، أبو يعقوب المروزيّ، ثقة ثبت [١١] ٧٢/ ٨٨.
٢ - (عبد الرحمن) بن مهديّ بن حسان البصريّ، ثقة ثبت حجة [٩] ٤٢/ ٤٩.
٣ - (سفبان) بن سعيد الثوريّ الكوفيّ، ثقة ثبت إمام حجة [٧] ٣٣/ ٣٧.
٤ - (عبد العزيز) بن رُفيع، أبو عبد اللَّه المكيّ، نزيل الكوفة، ثقة [٤] ١٩٠/ ٢٩٩٧.
٥ - (تميم بن طرَفة) -بفتح الطاء، والراء، والفاء-: هو الْمُسْليّ -بضم الميم، فسكون المهملة- الكوفيّ، ثقة [٣] ٢٨/ ٨١٦.
٦ - (عديّ بن حاتم) بن عبد اللَّه بن سعد بن الْحَشْرَج -بفتح المهملة، وسكون المعجمة، آخره جيم- الطائيّ، أبو طَرِيف -بفتح المهملة، وآخره فاء- الصحابيّ
стр. 13934
الشهير، كان ممن ثبت على الإسلام في الرّدّة، وحَضَرَ فُتوح العراق، وحروب عليّ، مات - رضي اللَّه تعالى عنه - سنة (٦٨) وهو ابن (١٢٠) سنة، وقيل: (٨٠) سنة. تقدّمت ترجمته في ٢٩/ ٢١٦٩ - . واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من سفيان، وإسحاقُ مروزيّ، وعبدُ الرحمن بصريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: تَشَهَّدَ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: مَن يُطِع اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَدْ رَشِدَ) بفتح الشين المعجمة على المشهور الموافق لقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾، إذ المضارع بالضمّ لا يكون للماضي بالكسر، ولذلك لَمّا قرأ شهاب الدين الموصلي في مجلس الحافظ الْمِزيّ رَشِدَ - بالكسر- ردّ عليه الشيخ بقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾. أو بالكسر، ذكره سيبويه في "كتابه"، وهو الموافق لقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ -بفتحتين- فإن فَعَلًا - بفتحتين- مصدر فَعِلَ -بكسر العين- كفرِحَ فَرَحًا، وسَخِطَ سَخَطًا، ولذلك ردّ الشيخ عليه بقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾. وأنت لو تأمّلت وجدت بكلام المِزّيّ والموصِلِيّ موقعًا عظيمًا، ودلالةً باهرةٌ على فطانتهما. ذكره السنديّ (١).
وقال الفيّوميّ: الرُّشدُ: الصلاحُ، وهو خلاف الغيّ والضلال، وهو إصابة الصواب، ورَشِدَ، من باب تَعِبَ، ورَشَدَ يَرْشُدُ، من باب قَتَلَ، فهو راشدٌ، والاسم الرَّشَاد انتهى.
(وَمَنْ يَعْصِهِمَا، فَقَدْ غَوَى) بفتح الواو، وقيل: بكسرها أيضًا، وضَعَّفُوه، وقال القاضي عياضٌ: وقع في روايةِ مسلم بفتح الواو، وكسرها، والصواب الفتح، وهو من الغَيّ، وهو الانهماك في الشرّ انتهى (٢).
وقال الفيّوميّ: غَوَى غيًّا، من باب ضرب: انهمك في الجهل، وهو خلافُ الرُّشْد، والاسم الْغَوَاية بالفتح انتهى.
وفي "القاموس" و"شرحه": وغَوَى الرجلُ يَغْوِي غَيًّا، وغَوَايةَ بالفتح، ولا يكسر، هذه هي اللغة الفصيحة المعروفة، واقتصر عليها الجوهريّ. قال أبو عبيد: وبعضهم
стр. 13935
يقول: غَوِيَ يَغوَى، كرَضِيَ غَوًى، وليست بالمعروفة: ضلّ، وخاب، وقال الأزهريّ: أي فسد. وقال ابن الأثير: الغيّ: الضلال، والانهماك في الباطل. وقال الراغب: الغَيّ جَهْلٌ من اعتقاد فاسد، وذلك لأن الجهل قد يكون من كون الإنسان غير معتقد اعتقادًا، لا صالحًا، ولا فاسدًا، وهذا النحو الثاني، يقال له: غيّ، وأنشد الأصمعيّ للمرقّش [من الطويل]:
فَمَنْ يَلْقَ خَيرًا يَحمَدِ النَّاسُ أَمْرَهُ … وَمَنْ يَغْوَ لًا يَعْدَمْ عَلَى الْغَيّ لًا ئِمَا
وقال دُريد بن الصّمّة [من الطويل]:
وَهَلْ أَنَا إلاَّ مِنْ غَزِيَّةَ إِنْ غَوَتْ … غَوَيْتُ وَإِنْ تَرْشُدْ غَزِيَّةُ أُرْشَدِ
انتهى ما في "القاموس"، وشرحه "تاج العروس" ببعض تصرّف (١).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ) زاد في رواية مسلم من طريق وكيع، عن سفيان: "قل: ومن يَعص اللَّه ورسوله". قيل: إنما أنكر عليه التشريك في الضمير المقتضي لتوهّم التسوية. وتُعُقّب بأنه ورد في كلامه ﷺ ، فالوجه أن التشريك لي الضمير يُخلّ بالتعظيم الواجب، ويوهم التشريك بالنظر إلى بعض المتكلّمين، وبعض السائلين، فيختلف حكمه بالنظر إلى المتكلّمين والسامعين. وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عديّ بن حاتم - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٠/ ٣٢٨٠ - وفي "الكبرى" ٧٥/ ٥٥٣٠. وأخرجه (م) في "الجمعة" ٨٧٠ (د) في "الصلاة" ١٠٩٩ و"الأدب" ٤٩٨١ (أحمد) في "مسند الكوفيين" ١٧٧٨٣ و ١٨٨٩٢. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ما يُكره للخطيب أن يقوله في خُطبته، وذلك أنه لا يجمع بين اللَّه ورسوله في ضمير واحد، وسيأتي ما قاله أهل العلم في سبب إنكاره ﷺ على الخطيب قوله في المسألة التالية. (ومنها): بيان جواز
стр. 13936
الخطبة أمام النبيّ ﷺ بإذنه، وأن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية محمول على التقدّم بغير إذنه. واللَّه تعالى أعلم. (ومنها): مشروعيّة إنكار المنكر لمن كان أهلًا للإنكار، وذلك بأن يعرف كونه منكرًا، ويقدر على إزالته بحسب مراتب الإزالة المبيّنة في قوله ﷺ : (من رأى منكم منكرًا، فليُغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". رواه مسلم من حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في ذكر ما قاله أهل العلم في إنكاره ﷺ على الخطيب المذكور: قال أبو العباس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: ظاهره أنه أنكر عليه جمعَ اسم اللَّه، واسم رسوله ﷺ في ضمير واحد.
ويُعارضه: ما رواه أبو داود من حديث ابن مسعود ﵁: أن النبيّ ﷺ خطب، فقال في خطبته: "من يُطع اللَّه ورسوله، فقد رَشَد، ومن يَعصهما، فإنه لا يضرّ إلا نفسه". وفي حديث أنس ﵁: "ومن يعصهما فقد غَوَى"، وهما صحيحان.
ويُعارضه أيضًا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، فجمع بين ضمير اسم اللَّه وملائكته، ولهذه المعارضة صَرَفَ بعضُ القرّاء هذا الذّمّ إلى أن ذلك الخطيب وقف على: "ومن يعصهما". وهذا تأويل لم تساعده الرواية" فإن الرواية الصحيحة أنه أتى باللفظين في مساق واحد، وأن آخر كلامه إنما هو: "فقد غوى"، ثم إن النبيّ ﷺ ردّ عليه، وعلّمه صواب ما أخلّ به، فقال: "قل: ومن يَعص اللَّه ورسوله، فقد غَوَى"، فظهر أن ذمّه له إنما كان على الجمع بين الاسمين في الضمير، وحينئذ يتوجّه الإشكال، ونتخلّص عنه من أوجه:
[أحدها]: أن المتكلّم لا يدخل تحت خطاب نفسه إذا وجّهه لغيره، فقوله ﷺ : "بئس الخطيب أنت" منصرفٌ لغير النبيّ ﷺ لفظًا ومعنًى.
[وثانيهما]: أن إنكاره ﷺ على ذلك الخطيب يحتمل أن يكون كأن هناك من يتوهّم التسوية من جمعهما في الضمير الواحد، فمنع ذلك لأجله، وحيث عُدِمَ ذلك جاز الإطلاق.
[وثالثها]: أن ذلك الجمع تشريفٌ، وللَّه تعالى أن يشرِّفَ من شاء بما شاء، ويمنع من مثل ذلك للغير، كما قد أقسم بكثير من المخلوقات، ومنعنا من القسم بها، فقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، وكذلك أَذِنَ لنبيّه ﷺ في إطلاق مثل ذلك، ومنع منه الغير على لسان نبيّه ﷺ .
стр. 13937
[ورابعها]: أن العمل بخبر المنع أولى؛ لأوجه: لأنه تقعيد قاعدة، والخبر الآخر يحتمل الخصوص، كما قرّرناه، ولأن هذا الخبر ناقلٌ، والآخر مُبْقٍ على الأصل، فكان الأول أولى، ولأنه قولٌ، والثاني فِعْلٌ، فكان أولى. واللَّه أعلم انتهى كلام القرطبيّ رحمه اللَّه تعالى (١).
وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: قال القاضي، وجماعة من العلماء: إنما أنكر عليه لتشريكه في الضمير المقتضي للتسوية، وأمره بالعطف تعظيمًا للَّه تعالى بتقديم اسمه، كما قال حبيب في الحديث الآخر: "لا يقل أحدكم ما شاء اللَّه، وشاء فلان، ولكن ليقل: ما شاء اللَّه، ثم شاء فلان".
والصواب أن سبب النهي، أن الْخُطَب شأنها البسط والإيضاح، واجتناب الإشارات والرموز، ولهذا ثبت في "الصحيح": "أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا تكلّم بكلمة أعادها ثلاثًا؛ لِتُفْهَمَ".
وأما قول الأولين، فيضعف بأشياء، منها: أن مثل هذا الضمير قد تكرَّر في الأحاديث الصحيحة من كلام رسول اللَّه ﷺ ، كقوله ﷺ : "أن يكون اللَّه ورسوله أحبّ إليه مما سواهما"، وغيره من الأحاديث، وإنما ثنى الضمير ههنا؛ لأنه ليس خطبة وعظ، وإنما هو تعليم حكم، فكلّما قلّ لفظه كان أقرب إلى حفظه بخلاف خطبة الوعظ، فإنه ليس المراد حفظه، وإنما يُراد الاتعاظ بها.
ومما يؤيّد هذا ما ثبت في "سنن أبي داود" بإسناد صحيح، عن ابن مسعود ﵁ قال: علّمنا رسول اللَّه ﷺ خطبة الحاجة: "الحمد للَّه، نستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، من يهد اللَّه، فلا مُضلّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرًا ونذيرًا، بين يدي الساعة، من يطع اللَّه ورسوله، فقد رشد، ومن يعصهما، فإنه لا يضرّ إلا نفسه، ولا يضرّ اللَّه شيئًا". واللَّه أعلم انتهى كلام النوويّ (٢).
وقال الشيخ عزّ الدين من خصائصه ﷺ أنه كان يجوز له الجمع في الضمير بينه وبين ربّه تعالى، وذلك ممتنع على غيره، قال: وإنما يمتنع من غيره، دونه لأن غيره إذا جمع أوهم إطلاقه التسوية، بخلافه هو، فإن منصبه لا يتطرّق إليه إيهام ذلك. انتهى (٣).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله الشيخ عزّ الدين -رحمه اللَّه تعالى- يعكُر
стр. 13938
عليه حديث أبي داود الذي قبله، حيث علّم ﷺ غيره أن يقولوا: "ومن يعصهما"، فدلّ على أنه ليس مخصوصًا به، فالأولى عندي ما رجحه النوويّ، من أن سبب النهي كون الخطب محلّ بسط وإيضاح، لا إشارة وإيجاز، فتأمّل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب.
…
٤١ - (بَابُ الْكَلَامِ الَّذِي يَنْعَقِدُ بِهِ النِّكَاحُ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- يرى ترجيح قول من قال: إن النكاح لا ينعقد إلا بلفظ النكاح، حيث أورد حديث الباب بلفظ: أنكحتكها"، وهو مذهب الشافعيّة، والحنابلة، وزادوا لفظ التزويج، لكن الراجح جوازه بكلّ ما تعارف الناس عليه، وقد تقدّم تحقيق ذلك بأدلته في المسألة الثالثة عشرة من الباب الأول رقم الحديث (٣٢٠١) مستوفًى، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق ..
٣٢٨١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ, عَنْ سُفْيَانَ, قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ, يَقُولُ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ, يَقُولُ: إِنِّي لَفِي الْقَوْمِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ , فَقَامَتِ امْرَأَةٌ, فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ, إِنَّهَا قَدْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَكَ, فَرَأْ فِيهَا رَأْيَكَ, فَسَكَتَ, فَلَمْ يُجِبْهَا النَّبِيُّ ﷺ بِشَيْءٍ, ثُمَّ قَامَتْ, فَقَالَتْ (١): يَا رَسُولَ اللهِ, إِنَّهَا قَدْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَكَ, فَرَأْ فِيهَا رَأْيَكَ, فَقَامَ رَجُلٌ, فَقَالَ: زَوِّجْنِيهَا يَا رَسُولَ اللهِ, قَالَ: «هَلْ مَعَكَ شَيْءٌ؟» , قَالَ: لَا, قَالَ: «اذْهَبْ (٢) , فَاطْلُبْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» , فَذَهَبَ, فَطَلَبَ, ثُمَّ جَاءَ, فَقَالَ: لَمْ أَجِدْ شَيْئًا, وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ, قَالَ: «هَلْ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ» , قَالَ: نَعَمْ, مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا, قَالَ: «قَدْ أَنْكَحْتُكَهَا عَلَى مَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن منصور": هو الجَوّاز المكيّ. و"سفيان": هو ابن عُيينة. و"أبو حازم": هو سلمة بن دينار التمّار الأعرج الزاهد المدنيّ.
وهذا الإسناد من رباعيات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو أعلى الأسانيد له، وهو
стр. 13939
(١٦٦) من رباعيات الكتاب.
والحديث صحيح، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله في - ١/ ٣٢٠١ - واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٤٢ - (الشُّروطُ فِي النِّكَاحِ)
٣٢٨٢ - (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ, عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ, عَنْ أَبِي الْخَيْرِ, عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ, عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ , قَالَ: «إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ يُوَفَّى بِهِ, مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عيسى بن حماد) بن مسلم التجيبيّ، أبو موسى المصريّ المعروف بـ"زُغْبة"، ثقة [١٠] ١٣٥/ ٢١١.
٢ - (الليث) بن سعد الإمام المصريّ الثقة الثبت الفقيه [٧] ٣١/ ٣٥.
٣ - (يزيد بن أبي حبيب) سُويد، أبو رجاء المصريّ، ثقة فقيه يرسل [٥] ١٣٢/ ٢٠٧.
٤ - (أبو الخير) مَرْثد بن عبد اللَّه الْيَزَنيّ المصريّ، ثقة فقيه [٣] ٣٨/ ٥٨٢.
٥ - (عقبة بن عامر) الجُهنيّ الصحابيّ الشهير، ولي إمرة مصر لمعاوية - رضي اللَّه تعالى عنهما - ثلاث سنين، وكان فقيهًا فاضلًا، مات في قرب الستّين، تقدمت ترجمته في ١٠٨/ ١٤٤. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعي: يزيد عن أبي الخيير. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: "إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ يُوَفَّى بِهِ) بالبناء للمفعول، وتشديد الفاء، من التوفية، أو تخفيفها، من الإيفاء. ولفظ "الكبرى": "أن تُوفوا به"، وفي رواية البخاريّ: "أحقّ ما أوفيتم من
стр. 13940
الشروط أن توفوا به". فقوله: "أن يوفى به" في تأويل المصدر مجرور بحرف جرّ محذوف قياسًا؛ لكونه مع "أن"، متعلّق بـ"أحقّ"، كما قال في "الخلاصة":
وَعَدِّ لَازِمًا بِحَرْفِ جَرٍّ … وَإِنْ حُذِفْ فَالنَّصْبُ لِلْمُنْجَرِّ
نَقْلًا وَفِي "أَنَّ" و "أَنْ" يَطَّرِدُ … مَعْ أَمْنِ لَبْسٍ كَـ"عَجِبْتُ أَنْ يَدُوا"
وقوله (مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوجَ) خبر "إنّ"، أي إنّ أليق الشروط بالوفاء شروط النكاح؛ لأن أمره أحوط، وبابه أضيق.
والراجح أن المراد به كلّ ما شرطه الزوج للمرأة ترغيبًا لها في النكاح، مما لم يكن محظورًا شرعا. وقيل: غير ذلك، مما سيأتي بيانه في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عقبة بن عامر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٢/ ٣٢٨٢ و ٣٢٨٣ - وفي "الكبرى" ٧٦/ ٥٥٣١ و ٥٥٣٣. وأخرجه (خ) في "الشروط" ٢٧٢١ و"النكاح" ٥١٥١ (م) في "النكاح" ١٤١٨ (د) في "النكاح" ٢١٣٩ (ت) في "النكاح" ١١٢٧ (ق) في "النكاح" ١٩٥٤ (أحمد) في "مسند الشاميين" ١٦٨٥١ و ١٦٩١١ و ١٦٩٢٥ (الدارمي) في "النكاح" ٢٢٠٣. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في المراد بالشرط المذكور في هذا الحديث:
قال الخطّابيّ -رحمه اللَّه تعالى-: الشروط في النكاح مختلفةٌ:
(فمنها): ما يجب الوفاء به اتفاقًا، وهو ما أمر اللَّه به، من إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان، وعليه حَمَل بعضهم هذا الحديث. (ومنها): ما لا يوفَى به اتفاقًا، كسؤال طلاق أختها. (ومنها): ما اختُلف فيه، كاشتراط أن لا يتزوّج عليها، أو لا يتسرّى، أو لا ينقلها من منزلها إلى منزله.
وعند الشافعيّة الشروط في النكاح على ضربين: منها: ما يرجع إلى الصداق، فيجب الوفاء به. وما يكون خارجًا عنه، فمختلف الحكم فيه، فمنه ما يتعلّق بحقّ الزوج، وسيأتي بيانه. ومنه ما يَشترطه العاقد لنفسه خارجًا عن الصداق، وبعضهم يسمّيه الحلوان، فقيل: هو للمرأة مطلقًا، وهو قول عطاء، وجماعة من التابعين، وبه قال الثوريّ، وأبو عُبيد. وقيل: هو لمن شرطه. قاله مسروقٌ، وعليّ بن الحسين. وقيل: يختصّ ذلك بالأب، دون غيره من الأولياء. وقال الشافعيّ: إن وقع في نفس العقد
стр. 13941
وجب للمرأة مهر مثلها، وإن وقع خارجًا عنه لم يجب. وقال مالك: إن وقع في حال العقد فهو من جملة المهر، أو خارجًا عنه، فهو لمن وُهب له. وجاء ذلك في حديث مرفوع، أخرجه النسائيّ (١) من طريق ابن جُريج، عن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص: "أن النبيّ ﷺ قال: أيّما امرأة نكحت على صداق، أو حِبَاء، أو عِدَةٍ قبل عصمة النكاح، فهو لها، فما كان بعد عصمة النكاح، فهو لمن أُعطيه، وأحقّ ما أكرم الرجل ابنته، أو أخته". وأخرجه البيهقيّ من طريق حجّاج بن أرطأة، عن عمرو بن شعيب، عن عروة، عن عائشة، نحوه.
وقال الترمذيّ بعد تخريجه: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من الصحابة، منهم عمر، قال: إذا تزوّج الرجل المرأةَ، وشرط أن لا يُخرجها لزم. وبه يقول الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق.
قال في "الفتح": كذا قال. والنقل في هذا عن الشافعيّ غريبٌ، بل الحديث عندهم محمول على الشروط التي لا تنافي مقتضى النكاح، بل تكون من مقتضياته، ومقاصده، كاشتراط العشرة بالمعروف، والإنفاق، والكسوة، والسكنى، وأن لا يقصّر في شيء من حقّها، من قسمة، ونحوها، وكشرطه عليها أن لا تَخرُج إلا بإذنه، ولا تمنعه نفسها، ولا تتصرّف في متاعه إلا برضاه، ونحو ذلك. وأما شرطٌ ينافي مقتضى النكاح، كأن لا يَقسم لها، أو لا يتسرّى عليها، أو لا يُنفق، أو نحو ذلك، فلا يجب الوفاء به، بل إن وقع في صلب العقد كفَى، وصحّ النكاح بمهر المثل. وفي وجه يجب المسمّى، ولا أثر للشرط. وفي قول للشافعيّ: يبطل النكاح.
وقال أحمد، وجماعة: يجب الوفاء بالشرط مطلقًا.
وقد استشكل ابن دقيق العيد حملَ الحديث على الشروط التي هي من مقتضيات النكاح، قال: تلك الأمور لا تؤثّر الشروط في إيجابها، فلا تشتدّ الحاجة إلى تعليق الحكم بالاشتراط فيها، ومقتضى الحديث أن لفظ: "أحقّ الشروط" يقتضي أن يكون بعض الشروط يقتضي الوفاء، وبعضها أشدّ اقتضاءً له، والشروط التي هي مقتضى العقود مستويةٌ في وجوب الوفاء، ويترجّح على ما عدا النكاح الشروط المتعلّقة بالنكاح من جهة حرمة الأبضاع، وتأكيد استحلالها. واللَّه أعلم انتهى (٢).
وقال الترمذيّ: وقال عليّ: سبق شرط اللَّه شرطها، قال: وهو قول الثوريّ، وبعض أهل الكوفة، والمراد في الحديث الشروط الجائزة، لا المنهيّ عنها انتهى.
стр. 13942
وقد اختُلف عن عمر، فروى ابن وهب بإسناد جيّد عن عبيد بن السبّاق: "أن رجلًا تزوّج امرأة، فشرط لها أن لا يخرجها من دارها، فارتفعوا إلى عمر فوضع الشرط، وقال: المرأة مع زوجها". قال أبو عبيد: تضادّت الروايات عن عمر في هذا، وقد قال بالقول الأول عمرو بن العاص، ومن التابعين طاوس، وأبو الشعثاء، وهو قول الأوزاعيّ، وقول الليث، والثوريّ، والجمهور بقول عليّ، حتى لو كان صداقًا مثلها مائة مثلًا، فرضيت بخمسين على أن لا يخرجها، فله إخراجها، ولا يلزمه إلا المسمّى. وقالت الحنفيّة: لها أن ترجع عليه بما نقصته له من الصداق. وقال الشافعيّ: يصحّ النكاح، ويلغو الشرط، ويلزمه مهر المثل. وعنه يصحّ، وتستحقّ الكل. وقال أبو عبيد: والذي نأخذ به أنا نأمره بالوفاء بشرطه من غير أن يحكم عليه بذلك. قال: وقد أجمعوا على أنها لو اشترطت عليه أن لا يطأها لم يجب الوفاء بذلك الشرط، فكذلك هذا.
ومما يقوّي حمل حديث عقبة على الندب ما سيأتي في حديث عائشة في قصّة بريرة: "كلّ شرط ليمس في كتاب اللَّه، فهو باطل". والوطء، والإسكان، وغيرهما من حقوق الزوج إذا شرط عليه إسقاط شيء منها كان شرطًا، ليس في كتاب اللَّه، فيبطل.
وأخرج إسحاق في "مسنده" من طريق كثير بن عبد اللَّه بن عمرو، عن أبيه، عن جدّه، مرفوعًا بلفظه: "المسلمون عند شروطهم، إلا شرطًا حرّم حلالًا، أو أحلّ حرامًا". وكثير ابن عبد اللَّه ضعيف عند الأكثرين، لكن البخاريّ، ومن تبعه كالترمذيّ، وابن خزيمة يُقوّون أمره (١). وقد علّق البخاريّ الجزء الأول منه في "صحيحه" بصيغة الجزم.
وأخرج الطبرانيّ في "الصغير" بإسناد حسن عن جابر: "أن النبيّ ﷺ خطب أمّ مبشّر بنت البراء بن معرور، فقالت: إني شرطت لزوجي أن لا أتزوّج بعده، فقال النبيّ ﷺ : "إن هذا لا يصلح". أفاده في "الفتح" (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يترجّح عندي أن الشرط الذي يلزم الوفاء به هو الشرط الذي يذكره الزوج ترغيبًا للزوجة في النكاح، مما لا يؤدّي إلى تحريم حلالٍ، أو تحليل حرام، وأما ما أدّى إلى ذلك فليس مراد حديث الباب؛ إذ الباطل لا يجوز الوفاء به؛ لحديث: "كلّ شرط ليس في كتاب اللَّه فهو باطل". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٢٨٣ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ تَمِيمٍ, قَالَ: سَمِعْتُ حَجَّاجًا, يَقُولُ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ, عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ, أَنَّ أَبَا الْخَيْرِ حَدَّثَهُ, عَنْ عُقْبَةَ
стр. 13943
بْنِ عَامِرٍ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ يُوَفَّى بِهِ, مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عبد اللَّه بن محمد بن تميم": هو أبو حميد المصّيصيّ، ثقة [١١] ٢٠٠/ ٣١٩ من أفراد المصنّف. و"حجّاج": هو ابن محمد الأعور المصّيصيّ الثقة الثبت. و"ابن جريج": هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكيّ الفقيه الحجة. و"سعيد بن أبي أيوب مِقْلَاص المصريّ الثقة الثبت.
والحديث متفق عليه، وقد سبق البحث عنه مستوفًى في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٤٣ - (النِّكَاحُ الَّذِي تَحِلُّ بِهِ الْمُطَلَّقَةُ ثَلاثًا لِمُطَلِّقِهَا)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "تَحِلّ" بفتح أوله، وكسر ثانيه مبنيًا للفاعل، من الحِلِّ ثلاثيًّا، ضدّ الحرمة. ويحتمل أن يكون مبنيًا للمفعول، من الإحلال رباعيًا: أي يحكم بكونها حلالًا بسبب ذلك النكاح واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٢٨٤ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ , فَقَالَتْ: إِنَّ رِفَاعَةَ طَلَّقَنِي, فَأَبَتَّ طَلَاقِي, وَإِنِّي تَزَوَّجْتُ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ, وَمَا مَعَهُ إِلاَّ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ, فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , وَقَالَ «لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ, لَا حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ, وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظليّ المروزيّ ابن راهويه ثقة ثبت [١٠] ٢/ ٢.
٢ - (سفيان) بن عيينة بن أبي عمران، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبت [٨] ١/ ١.
٣ - (الزهريّ) محمد بن مسلم المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٤] ١/ ١.
٤ - (عروة) بن الزبير بن العوّام المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٤٠/ ٤٤.
٥ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم
стр. 13944
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فمروزيّ، وسفيان، فمكيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه عروة من الفقهاء السبعة، وعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ) -بكسر الراء- وهو رفاعة بن سَمَوْأل -بفتح المهملة، والميم، وسكون الواو، بعدها همزة، ثم لام (١) - الْقُرَظيّ- بالقاف، والظاء المعجمة- من بني قُريظة. قال وليّ الدين: وقيل: هو ابن رفاعة، وهو أحد العشرة الذين نزل فيهم قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ الآية، كما رواه الطبرانيّ في "معجمه"، وابن مردويه في "تفسيره" من حديث رفاعة بإسناد صحيح. انتهى (٢).
وامرأته سمّاها مالك في روايته من حديث عبد الرحمن بن الزَّبِير، كما أخرجه ابن وهب، والطبرانيّ، والدارقطنيّ في "الغرائب" موصولًا، وهو في "المبسوط" "مرسلٌ تَميمة بنت وهب، وهي بمثنّاة، واختُلف هل هي بفتحها، أو بالتصغير، والثاني أرجح، ووقع مجزومًا به في النكاح لسعيد بن أبي عروبة، عن قتادة. وقيل: اسمها سهيمة -بسين مصغّرًا - أخرجه أبو نُعيم، وكأنه تصحيف. وعند ابن منده أميمة بألف. أخرجه من طريق أبي صالح، عن ابن عبّاس، وسمّى أباها الحارث، وهي واحدة اختلف في التلفّظ باسمها، والراجح الأول. قاله في "الفتح" (٣).
وقال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: وامرأته تميمة بنت وهب، كما رواه مالك في "الموطإ" من رواية ابن وهب، عنه، عن المسور بن رفاعة، عن الزَّبِير بن عبد الرحمن بن الزَّبِير، عن أبيه: "أنّ رفاعة طلّق امرأته ثلاثًا على عهد رسول اللَّه ﷺ ، فتزوّجها عبد الرحمن ابن الزَّبير، فاعتُرض عنها، فلم يَستطع أن يمسّها، فطلّقها، ولم يمسّها، فأراد رفاعة أن ينكحها، وهو زوجها الذي كان طلّقها قبل عبد الرحمن، فذكرت ذلك لرسول اللَّه ﷺ ، فنهاه عن تزويجها، وقال: لا يحلّ لك حتى تذوق العسيلة".
هكذا أسنده ابن وهب، عن مالك في روايته، ومن طريقه رواه البيهقيّ في "سننه"، وابن عبد البرّ في "التمهيد". ورواه يحيى بن يحيى، وأكثر رواة "الموطّإ" عن مالك
стр. 13945
مرسلًا، لم يقولوا: "عن أبيه". قال ابن عبد البرّ: وابن وهب من أجلّ من روى عن مالك هذا الشأن، وأثبتهم فيه، قال: فالحديث مسندٌ متّصلٌ صحيح، وتابع ابن وهب على روايته عن مالك متّصلًا إبراهيم بن طهمان، رواه النسائيّ في "مسند مالك"، وعُبيد اللَّه بن عبد المجيد الحنفيّ. قال: وذكره أيضًا سحنون، عن ابن وهب، وابن القاسم، وعليّ بن زياد، كلهم عن مالك، وفيه "عن أبيه" (١).
قال الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذيّ": وكذا رواه القعنبيّ عن مالك متّصلًا. رواه الطبرانيّ في "معجمه الكبير" عن عبد العزيز، عن القعنبيّ انتهى.
قال وليّ الدين: وهذا الذي ذكرته من أنها تميمة بنت وهب، هو الذي ذكره ابن بشكوال في "مبهماته". وقال ابن طاهر في "مبهماته": هي أميمة بنت الحارث، كما روي عن ابن عبّاس. وقيل: تميمة بنت أبي عُبيد القرظيّة، روي عن قتادة. وفي حديث عائشة "تميمة بن وهب". انتهى (٢).
(إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ رفَاعَةَ طَلَّقَني، فَأَبَتَّ طَلَاقِي) أي طلّقني ثلاثًا. يقال: بتّ الرجل طلاق امرأته، وأبتها بالألف: إذا قطعها عن الرجعة. قال الفيّوميّ: بَتَّهُ بَتًّا، من باب ضرب، وقتل: قطعه. وبتّ الرجل طلاق امرأته، فهي مبتوتةً، والأصلُ مبتوتٌ طلاقها، وطلّقها طَلْقةً بَتَّةً، وبَتَّها بَتَّةً: إذا قطعها عن الرجعة، وأبتّ طلاقها بالألف لغةٌ. قال الأزهريّ: وُيستعمل الثلاثيّ والرباعيّ لازمين، ومتعدّيين، فيقال: بتّ طلاقَهَا، وأبتّ، وطلاقٌ باتٌّ، ومُبِتٌّ. وقال ابن فارس: يقال لما لا رجعة فيه: لا أفعله بَتَّةً انتهى.
قال الشيخ ابن دقيق العيد في "شرح العمدة": تطليقه إياها بالبتات من حيث اللفظ يحتمل أن يكون بإرسال الطلقات الثلاث. ويحتمل أن يكون بإيقاع آخر طلقة. ويحتمل أن يكون بإحدى الكنايات التي تُحمل على البينونة عند جماعة من الفقهاء، وليس في اللفظ عموم، ولا إشعار بأحد هذه المعاني، وإنما يؤخذ ذلك من أحاديث أُخر، تبيّن المراد، ومن احتجّ على شيء من هذه الاحتمالات بالحديث، فلم يُصب؛ لأنه إنما دلّ على مطلق البتّ، والدّالّ على المطلق لا يدلّ على أحد قيديه بعينه (٣).
قال وليّ الدين: قلت: اعتبر الشيخ لفظ الرواية التي شرحها، وهذه الرواية التي هنا صريحة في الاحتمال الثاني، فان لفظها "آخر ثلاث تطليقات"، فدلّ على أنه لم يجمعها لها دفعةً واحدةً. واعتبر ابن عبد البرّ لفظ الرواية التي سقناها من "الموطإ"، فاستدلّ به
стр. 13946
على جواز جمع الطلاقات الثلاث، ثم قال: ويحتمل أن يكون طلاقه ذلك آخر ثلاث طلقات، ولكن الظاهر لا يُخرَج عنه إلا ببيان انتهى.
قال وليّ الدّين: وقد عرفت أن هذا الاحتمال هو صريح لفظ الرواية التي نحن في شرحها. واعتبر القرطبيّ لفظة "فبتّ طلاقها"، وقال: ظاهره أنه قال لها: أنت طالقٌ البتّة، فيكون حجةً لمالك على أن البتّةً محمولةٌ على الثلاث في المدخول بها. ويحتمل أن يريد به آخر ثلاث تطليقات، كما جاء في الرواية الأخرى: "أن رجلًا طلّق امرأته ثلاثًا". وجاز أن يُعبّر عنها بالبتَات؛ لأن الثلاث قطعت جميع الْعُلَق، والطلاق انتهى (١).
قال وليّ الدين: وكلّ ذلك ذهول عن قوله في هذه الرواية: "فطلّقها آخر ثلاث تطليقات" انتهى (٢).
وقال الحافظ في "الفتح" بعد ما ذكر نحو ما ذكره القرطبيّ عن مالك، من أن البتّة محمولة على ثلاث تطليقات: ما نصّه: وهو عَجَبٌ ممن استدلّ به، فإن البتّ بمعنى القطع، والمراد به قطع العصمة، وهو أعمّ من أن يكون بالثلاث مجموعةٌ، أو بوقوع الثالثة التي هي آخر ثلاث تطليقات، وقد جاء في رواية البخاريّ في "اللباس" مصرَّحًا به أنه طلّقها آخر ثلاث تطليقات، فبطل الاحتجاج به. انتهى (٣).
(وَإِنِّي تَزَوَّجْتُ بَعْدَهُ) أي بعد رفاعة (عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ) قال النوويّ -بفتح الزاي، وكسر الموحّدة- بلا خلاف، وهو الزبير بن باطاء، ويقال: باطياء. وكان عبد الرحمن صحابيًّا، والزَّبِيرُ قُتل يهوديًّا في غزوة بني قُريظة.
وهذا الذي ذكرنا من أن عبد الرحمن بن الزَّبِير بن باطاء القرظيّ هو الذي تزوّج امرأة رفاعة القُرظيّ هو الذي ذكره أبو عمر ابن عبد البرّ، والمحقّقون. وقال ابن منده، وأبو نعيم الأصفهانيّ في كتابيهما في "معرفة الصحابة": إنما هو عبد الرحمن بن الزبير بن زيد بن أُميّة بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن أوس. والصواب الأول انتهى (٤).
قال وليّ الدين: وأما ابنه الزبير بن عبد الرحمن، فقيل: هو كجدّه بالفتح، وصححه ابن عبد البرّ، وحكاه عن رواية يحيى بن يحيى، وابن وهب، وابن القاسم، والقعنبيّ، وغيرهم، وحكى الاختلاف فيه في رواية يحيى بن بكير، والذي يقتضيه كلام البخاريّ،
стр. 13947
والدارقطنيّ، وابن ماكولا أنه بالضمّ كالجدّ (١)، وصحّحه الذهبيّ انتهى (٢).
وقال في "الفتح": واتفقت الروايات كلّها عن هشام بن عروة أن الزوج الأول رفاعة، والثاني عبد الرحمن، وكذا قال عبد الوهّاب بن عطاء، عن سعيد بن أبي عروبة في "كتاب النكاح" له عن قتادة أن تَميمة بنت أبي عُبيد القرظية كانت تحت رفاعة، فطلّقها، فخَلَفَ عليها عبدُ الرحمن بن الزَّبِير. وتسميته لأبيها لا تنافي رواية مالك، فلعلّ اسمه وهب، وكنيته أبو عبيد.
إلا ما وقع عند ابن إسحاق في "المغازي" من رواية سلمة بن الفضل عنه، وتفرّد به عنه، عن هشام، عن أبيه، قال: كانت امرأة من قُريظة، يقال لها: تميمة تحت عبد الرحمن بن الزبير، فطلّقها، فتزوّجها رفاعة، ثم فارقها، فأرادت أن ترجع إلى عبد الرحمن بن الزَّبِير. وهو مع إرساله مقلوب، والمحفوظ ما اتفق عليه الجماعة عن هشام (وَمًا مَعَهُ إِلاَّ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ) -بضمّ الهاء، وسكون الدال المهملة، بعدها موحّدةٌ مفتوحةٌ- هو طرَفُ الثوب الذَي لم يُنسج، مأخوذ من هُدْب العين (٣)، وهو شعر الْجَفْن. وأرادت أن ذكره يُشبه الهُدْبة في الاسترخاء، وعدم الانتشار. قاله في "الفتح". وقال وليّ الدين: "الْهُدْبةُ" بضم الهاء، وإسكان الدال، بعدها باء موحّدة- هي طرف الثوب الذي لم يُنسَج، وهو ما يبقى بعد قطع الثوب من السداء، شُبّه بُهدْب العين، وهو شعر جَفْنها. ثم يحتمل أن يكون تشبيه الذكر بالهدبة لصغره. ويحتمل أن يكون لاسترخائه، وعدم انتشاره (٤).
وفي رواية للبخاريّ من طريق أبي معاوية، عن هشام: "فتزوّجت زوجًا غيره، فلم يصل منها إلى شيء يريده". وعند أبي عوانة من طريق الدراورديّ، عن هشام: "فنكحها عبد الرحمن بن الربير، فاعتُرِضَ عنها". وقوله: "فاعتُرِضَ" بضم المثناة، وآخره ضادٌ معجمة، أي حصل له عارضٌ، حال بينه وبين إتيانها، إما من الجنّ، وإما من المرض.
وفي رواية للبخاريّ من طريق يحيى بن سعيد القطّان، عن هشام: "فذكرت له أنه لا يأتيها". وفي رواية من طريق أبي معاية، عن هشام: "فلم يقربني إلا هَنَةً واحدةً، ولم يَصِل منّي إلى شيء". و"الهنَة" -بفتح الهاء، وتخفيف النون-: المرّة الواحدة الحقير.
стр. 13948
(فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ: لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي) قال وليّ الدين: هكذا رويناه بفتح التاء، وكسر الجيم. ويجوز أن يكون بضمّ التاء، وفتح الجيم، مبنيًّا للمفعول. وسببه أنه فهم عنها إرادة فراق عبد الرحمن، وارادة أن يكون فراقها سببًا للرجوع إلى رفاعة، وكأنه قيل لها: إن هذا المقصود لا يحصل على تقدير أن يكون الأمر على ما ذكرت. انتهى (١) (إِلَى رِفَاعَةَ، لَا) وفي رواية للبخاريّ من طريق أيوب، عن عكرمة: أن رفاعة طلّق امرأته، فتزوّجها عبد الرحمن بن الزَّبِير القرظي، قالت عائشة: فجاءت، وعليها خمار أخضر، فشكت إليها -أي إلى عائشة- من زوجها، وأرتها خضرة بجلدها، فلما جاء رسول اللَّه ﷺ ، والنساء ينصر بعضهنّ بعضًا، قالت عائشة: ما رأيت ما يَلْقَى المؤمناتُ، لَجِلْدُها أشدُّ خضرةٌ من ثوبها، قال: وسمع زوجها أنها قد أتت رسولَ اللَّه ﷺ ، فجاء، ومعه ابنان له من غيرها، قالت: واللَّه ما لي إليه من ذنب إلا أن ما معه، ليس بأغنى عنّي من هذه، وأخذت هدبة من ثوبها، فقال: كذبت واللَّه يا رسول اللَّه، إني لأنفضُها نَفْضَ الأديم، ولكنها ناشزة، تريد رفاعة، قال: "فإن كان ذلك لم تحلّي له، أو لم تصلحي له حتى يذوق من عُسَيلتك"، قال: وأبصر معه ابنين له، فقال: "بنوك هؤلاء؟ " قال: نعم، قال: "هذا الذي تزعمين ما تزعُمين؟، فواللَّه لهم أشبه به من الغراب بالغراب".
قال في "الفتح": وكأن هذه المراجعة بينهما هي التي حملت خالد بن سعيد بن العاص على قوله الذي وقع في رواية الزهريّ، عن عروة، فإن في آخر الحديث من طريق شعيب، عنه: "قال: فسمع خالد بن سعيد قولها، وهو بالباب، فقال: يا أبا بكر، ألا تنهى هذه عما تجهر به عند رسول اللَّه ﷺ ؟ فواللَّه ما يزيد رسول اللَّه ﷺ على التبسّم".
وفيه ما كان الصحابة ﵃ عليه من سلوك الأدب بحضرة النبيّ ﷺ ، وإنكارهم على من خالف ذلك بفعله، أو قوله؛ لقول خالد بن سعيد لأبي بكر الصدّيق، وهو جالس: "ألا تنهى هذه؟ "، وإنما قال خالد ذلك لأنه كان خارج الحجرة، فاحتمل عنده أن يكون هناك ما يمنعه من مباشرة نهيها بنفسه، فأمر به أبا بكر؛ لكونه جالسًا عند النبيّ ﷺ ، مشاهدًا لصورة الحال، ولذلك لما رأى أبو بكر النبيّ ﷺ يتبسّم عند مقالتها لم يزجرها، وتبسّمه ﷺ كان تعجبًا منها، إما لتصريحها بما يستحيي النساء من التصريح به غالبًا، وإما لضعف عقل النساء؛ لكون الحامل لها على ذلك شدّة بغضها في الزوج الثاني، ومحبّتها في الرجوع إلى الزوج الأول، ويستفاد منه جواز وقوع ذلك انتهى (٢).
стр. 13949
(حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ، وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ) قال النوويّ: هو -بضمّ العين، وفتح السين، تصغير عَسَلَة-، وهي كناية عن الجماع، شبه لذّته بلذّة العسل، وحلاوته، قالوا: وأنّث العسيلة؛ لأن في العسل نعتين: التذكير والتأنيث. وقيل: أنّثها على إرادة النطفة، وهذا ضعيف؛ لأن الإنزال لا يشترط انتهى (١).
وقال الفيّوميّ: وهذه استعارة لطيفة، فإنه شبّه لذّة الجماع بحلاوة العسل، أو سمّى الجماعَ عسَلًا؛ لأن العرب تُسمّي كلَّ ما تستحليه عَسَلًا، وأشار بالتصغير إلى تقليل القدر الذي لا بُد منه في حصول الاكتفاء به، قال العلماء: وهو تغييب الحَشَفَة؛ لأنه مظِنّةُ اللّذّة. انتهى.
وقال في "الفتح": كذا في الموضعين بالتصغير، واختُلف في توجيهه، فقيل: هي تصغير العسل؛ لأن العسل مؤنّثٌ، جزم به القزّاز، ثم قال: وأحسب التذكير لغة. وقال الأزهريّ: يُذكّر، ويؤنّث. وقيل: لأن العرب إذا حقّرت الشيءَ أدخلت فيه هاء التأنيث، ومن ذلك قولهم: دُريهمات، فجمعوا الدرهم جمعَ المؤنّث عند إرادة الحقير، وقالوا أيضًا في تصغير هند هُنيدة. وقيل: التأنيث باعتبار الوطأة إشارة إلى أنها تكفي في المقصود من تحليلها للزوج الأول. وقيل: المراد قطعة من العسل، والتصغير للتقليل إشارة إلى أن القدر القليل كافٍ في تحصيل الحلّ. قال الأزهريّ: الصواب أن معنى الْعُسَيلة حلاوة الجماع الذي يحصل بتغييب الحشفة في الفرج، وأنّث تشبيهًا بقطعهّ من عسل. وقال الداوديّ: صُغّرت لشدّة شبهها بالعسل. وقال أبو عبيد: العسيلة لذّة الجماع، والعرب تُسمّي كلّ شيء تستلذّه عَسَلًا.
وقال الجوهريّ: صُغّرت العسلة بالهاء؛ لأن الغالب في العسل التأنيث، قال: ويقال: إنما أنّث لأنه أريد به العسلة، وهي القطعة منه، كما يقال للقطعة من الذهب: ذَهَبَة انتهى.
وقيل: معنى العُسَيلة النطفة. وهذا يوافق قول الحسن البصريّ القائل باشتراط حصول الإنزال في صحّة التحليل، وخالف بذلك جمهور العلماء، فإنهم جعلوا الشرط إدخال الحشفة في الفرج فقط، وهو الحقّ، فقد جاء تفسير العُسَلية بالجماع مرفوعًا، أخرجه الإمام أحمد في "مسنده"، ولفظه:
حدثنا مروان، قال: أخبرنا أبو عبد الملك المكي، قال: حدثنا عبد اللَّه بن أبي مليكة، عن عائشة، أن النبي ﷺ قال: "الْعُسيلة هي الجماع".
ورجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير، أبي عبد الملك، وهو إسماعيل بن عبد الملك بن الصُّغير، قال ابن معين في رواية: ليس به بأس، وقال البخاريّ، وابن
стр. 13950
عديّ: يكتب حديثه، وتكلّم فيه غيرهم، وقال في "التقريب": صدوق، كثير الوهم. انتهى.
وسيأتي تحقيق الخلاف في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٤٣/ ٣٢٨٤ و ٩/ ٣٤٠٨ و ٣٤٠٩ و ١٠/ ٣٤١٠ و ١٢/ ٣٤١٢ و ٣٤١٣ وفي "الكبرى" ٧٧/ ٥٥٣٤ و ١٠/ ٥٦٠٠ و ٥٦٠١ و ١١/ ٥٦٠٢ و ١٣/ ٥٦٠٤ و ٥٦٠٦٥٦٠٧. وأخرجه (خ) في "الشهادات" ٢٦٣٩ و"الطلاق" ٥٢٦٠ و ٥٢٦٥ و ٥٣١٧ و"اللباس" ٥٧٩٢ و ٥٨٢٥ و"الأدب" ٦٠٨٤ (م) في "النكاح" ١٤٣٣ (د) في "الطلاق" ٢٣٠٩ (ت) في "النكاح" ١١١٨ (ق) في "النكاح" ١٩٣٢ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٣٥٣٨ و ٢٣٥٧٨ و ٢٥٠٧٧ و ٢٥٣٦٤ و ٢٥٣٨٩ (الموطأ) في "النكاح" ١١٢٧ (الدارمي) في "الطلاق" ٢٢٦٧ و ٢٢٦٨. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ما تحلّ به المطلّقة ثلاثًا من النكاح، وذلك أنه لا بدّ من جماع الزوج الثاني لها. (ومنها): أنه يدلّ على أن وطء الزوج الثاني لا يكون محلّلًا ارتجاع الزوج للمرأة إلا إن كان حال وطئه منتشرًا ذكره، فلو كان أشلّ، أو كان هو عِنِّينًا، أو طفلاً لم يكف على أصحّ قولي العلماء، وهو الأصحّ عند الشافعيّة أيضَا. قاله في "الفتح". (ومنها): أن الجمهور استدلّوا به على أن تغييب الحشفة في قبلها كافٍ في ذلك، من غير إنزال المنيّ. وشذّ الحسن البصريّ، فشرط الإنزال، وجعله حقيقة العسيلة. قال الجمهور: بدخول الذكر تحصل اللذّة، والعسيلة (١).
(ومنها): ما قاله القرطبيّ: إنه يستفاد من الحديث على قول الجمهور أن الحكم يتعلق بأقلّ ما ينطلق عليه الاسم، خلافًا لمن قال: لا بدّ من حصول جميعه، وفي قوله: "حتى تذوقي عسيلته الخ" إشعارٌ بإمكان ذلك، لكن قولها: "ليس معه إلا مثلُ هذه الهدبة" ظاهر في تعذر الجماع المشترَط. فأجاب الكرمانيّ بأن مرادها بالهدبة التشبيه بها
стр. 13951
في الدقة والرقّة، لا في الرخاوة، وعدم الحركة. قال الحافظ: واستُبعِد ما قال، وسياق الخبر يُعطي بأنها شكت منه عدم الانتشار، ولا يمنع من ذلك قوله ﷺ : "حتى تذوقي"؛ لأنه علّقه على الإمكان، وهو جائز الوقوع، فكأنه قال: اصبري حتى يتأتّى منه ذلك، وإن تفارقا، فلا بدّ لها عند إرادة الرجوع إلى رفاعة من زوج آخر، يحصل لها منه ذلك. (ومنها): أنه استُدلّ بإطلاق وجود الذوق منهما على اشتراط علم الزوجين به، حتى لو وطئها نائمةً، أو مغمى عليها لم يكف، ولو أنزل هو، وبالغ ابن المنذر، فنقله عن جميع الفقهاء.
وتُعُقّب بأن فيه خلافًا. وقال القرطبيّ: فيه حجةٌ لأحد القولين في أنه لو وطئها نائمةً، أو مُغمًى عليها لم تحل لمطلّقها؛ لأنها لم تذق العسيلة؛ إذ لم تدركها (١). وجزم ابن القاسم بأن وطء المجنون يُحلل، وخالفه أشهب. قاله في "الفتح" (٢).
(ومنها): ما قاله ابن عبد البرّ في قوله: "تريدين أن ترجعي إلى رفاعة" دليلٌ على أن إرادة المرأة الرجوع إلى زوجها لا يضرّ العاقد عليها، وأنها ليست بذلك في معنى التحليل المستحقّ صاحبه اللعن (٣).
(ومنها): أنه استُدلّ به على جواز رجوعها لزوجها الأول إذا حصل الجماع من الثاني، لكن شرط المالكيّة، ونُقل عن عثمان، وزيد بن ثابت أن لا يكون في ذلك مخادعةٌ من الزوج الثاني، ولا إرادة تحليلها للأول. وقال الأكثر: إن شُرط ذلك في العقد فسد، وإلا فلا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في اشتراط وطء الزوج الثاني للمطلّقة ثلاثًا: ذهب الجمهور من الصحابة، والتابعين، فمن بعدهم إلى أن المطلّقة ثلاثًا لا تحلّ لمطلّقها حتى تنكح زوجًا غيره، ويطأها، ثم يفارقها، وتنقضي عدّتها، فأما مجرّد عقده عليها، فلا يُبيحها للأول.
وخالف في ذلك سعيد بن المسيّب، فقال: إذا عقد الثاني عليها، ثم فارقها، حلّت للأوّل، ولا يُشترط وطء الثاني؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٠]، والنكاح حقيقة في العقد على الصحيح.
وأجاب الجمهور بأن هذا الحديث مخصّص لعموم الآية، ومبيّنٌ للمراد بها. قال النوويّ: قال العلماء: ولعلّ سعيدًا لم يبلغه هذا الحديث. قال القاضي عياض: لم يقل
стр. 13952
أحد بقول سعيد في هذا إلا طائفةٌ من الخوارج (١).
وقال في "الفتح": قال جمهور العلماء: ذوق العسيلة كناية عن المجامعة، وهو تغييب حشفة الرجل في فرج المرأة، وزاد الحسن البصريّ: حصول الإنزال. وهذا الشرط انفرد به عن الجماعة. قاله ابن المنذر، وآخرون. وقال ابن بطّال: شذّ الحسن في هذا، وخالفه سائر الفقهاء، وقالوا: يكفي من ذلك ما يوجب الحدّ، ويحصّن الشخص، ويوجب كمال الصداق، ويُفسد الحجّ والصوم. وهو في التشديد يقابل قول سعيد بن المسيّب في الرخصة.
ويردّ قول الحسن أن الإنزال لو كان شرطًا لكان كافيًا، وليس كذلك؛ لأن كلًّا منهما إذا كان بعيد العهد بالجماع مثلًا أنزل قبل تمام الإيلاج، وإذا أنزل كلّ منهما قبل تمام الإيلاج لم يذق عسيلة صاحبه، لا إن فُسّرت العسيلة بالإمناء، ولا بلذّة الجماع.
قال ابن المنذر: أجمع العلماء على اشتراط الجماع لتحلّ للأوّل، إلا سعيد بن المسيّب، ثم ساق بسنده الصحيح عنه، قال: يقول الناس: لا تحلّ للأول حتى يُجامعها الثاني، وأنا أقول: إذا تزوّجها تزويجًا صحيحًا، لا يريد بذلك إحلالها للأول، فلا بأس أن يتزوّجها الأول. وهكذا أخرجه ابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور. وفيه تعقّب على من استعبد صحته عن سعيد. قال ابن المنذر: وهذا القول لا نعلم أحدًا وافقه عليه إلا طائفة من الخوارج، ولعلّه لم يبغله الحديث، فأخذ بظاهر القرآن.
قال الحافظ: سياق كلامه يُشعر بذلك.
وفيه دلالة على ضعف الخبر الوارد في ذلك، وهو ما أخرجه النسائيّ - ١٢/ ٣٤١٥ - من رواية شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن سالم بن رزين، عن سالم بن عبد اللَّه، عن سعيد بن المسيّب، عن ابن عمر، رفعه في الرجل تكون له المرأة، فيُطلّقها، ثم يتزوّجها آخر، فيُطلّقها قبل أن يدخل بها، فترجع إلى الأول، فقال: لا، حتى تذوق العسيلة". وقد أخرجه النسائيّ أيضًا- ١٢/ ٣٤١٦ - من رواية سفيان الثوريّ، عن علقمة بن مرثد، فقال: عن رزين ابن سليمان الأحمريّ، عن ابن عمر نحوه. قال النسائيّ: هذا أولى بالصواب. وإنما قال ذلك؛ لأن الثوريّ أتقن، وأحفظ من شعبة، وروايته أولى بالصواب من وجهين:
[أحدهما]: أن شيخ علقمة شيخهما هو رزين بن سليمان، كما قال الثوريّ، لا سالم ابن رزين، كما قال شعبة، فقد رواه جماعة عن علقمة كذلك، منهم: غيلان بن جامع، أحد الثقات.
[ثانيهما]: أن الحديث لو كان عند سعيد بن المسيّب، عن ابن عمر، مرفوعًا ما نسبه إلى مقالة الناس الذين خالفهم.
стр. 13953
ويؤخذ من كلام ابن المنذر أن نقل أبي جعفر النحّاس في "معاني القرآن"، وتبعه عبد الوهاب المالكيّ في "شرح الرسالة" القول بذلك عن سعيد بن جبير وَهَمٌ، وأعجب منه أن أبا حبّان (١) جزم به عن السعيدين: سعيد بن المسيّب، وسعيد بن جبير، ولا يُعرف له سندٌ عن سعيد بن جبير في شيء من المصنّفات، وكفى قول ابن المنذر حجةً في ذلك. وحكى ابن الجوزيّ عن داود أنه وافق سعيد بن المسيّب انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن مما ذُكر أن جمهور العلماء على أن المطلّقة ثلاثًا لا تحلّ لزوجها الأول إلا بعد نكاح صحيح، ويُجامعها الزوج الثاني، وإن لم يُنزل، ثم يطلّقها، فتنقضي عدّتها، وهذا هو الحقّ الموافق لظاهر حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى - عنها المذكور في الباب، فما نُقل عن سعيد بن المسيّب من الاكتفاء بالعقد المجرّد عن الجماع، وكذا عن الحسن البصريّ من اشتراط الإنزال، فمما لا يُلتفت إليه؛ لمخالفته ما صحّ عن رسول اللَّه ﷺ . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): اتفقوا على أنه إذا كان الجماع في نكاح فاسد لم يحلّل، وشذّ الحكم، فقال: يكفي، وأن من تزوّج أمة، ثم بتّ طلاقها، ثم ملكها لم يحلّ له أن يطأها حتى تتزوّج غيره. وقال ابن عبّاس، وبعض أصحابه، والحسن البصريّ: تحلّ له بملك اليمين.
واختلفوا فيما إذا وطئها حائضًا، أو بعد أن طهرت قبل تطهّر، أو أحدهما صائم، أو محرم.
وقال ابن حزم: أخذ الحنفيّة بالشرط الذي في هذا الحديث عن عائشة، وهو زائد على ظاهر القرآن، ولم يأخذوا بحديثها في اشتراط خمس رضعات؛ لأنه زائد على ما في القرآن، فليزمهم الأخذ به، أو ترك حديث الباب.
وأجابوا بأن النكاح عندهم حقيقة في الوطء، فالحديث موافق لظاهر القرآن.
ونقل ابن العربيّ عن بعضهم أنه ورد على حديث الباب ما ملخصّه أنه يلزم من القول به إما الزيادة بخبر الواحد على ما في القرآن، فيستلزم نسخ القرآن بالسنة التي لم تتواتر، أو حمل اللفظ الواحد على معنيين مختلفين مع ما فيه من الإلباس.
والجواب عن الأول أن الشرط إذا كان من مقتضيات اللفظ ام تكن إضافته نسخًا، ولا زيادة. وعن الثاني أن النكاح في الآية أضيف إليها، وهي لا تتولى العقد بمجرّدها، فتعين أن المراد به في حقّها الوطء، ومن شرطه اتفاقًا أن يكون وطأً مباحًا، فيحتاج إلى
стр. 13954
سبق العقد.
ويمكن أن يقال: لما كان اللفظ محتملًا للمعنيين بيّنت السنّة أنه لا بدّ من حصولهما. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): أنه استُدلّ بحديث الباب على أن المرأة لا حقّ لها في الجماع؛ لأن هذه المرأة شكت زوجها لا يطؤها، وأن ذكره لا ينتشر، وأنه ليس معه ما يغني عنها، ولم يفسخ النبيّ ﷺ نكاحها بذلك، ومن ثمّ قال إبراهيم بن إسماعيل ابن عليّة، وداود بن عليّ: لا يفسخ بالعُنّة، ولا يُضرب لِلْعِنِّين أجل.
وقال ابن المنذر: اختلفوا في المرأة تطالب الرجل بالجماع، فقال الأكثر: إن وطئها بعد أن دخل بها مرّة واحدةً لم يؤجّل أجل العنّين، وهو قول الأوزاعيّ، والثوريّ، وأبي حنيفة، ومالك، والشافعيّ، وإسحاق. وقال أبو ثور: إن ترك جماعها لعلّة أُجّل سنة، وإن كان لغير علّة فلا تأجيل.
وقال القاضي عياض: اتفق كافة العلماء على أن للمرأة حقًّا في الجماع، فيثبت لها الخيار إذا تزوّجت المجبوب، والممسوح، جاهلة بهما، ويُضرَب للعنّين أجلٌ سنة؛ لاحتمال زوال ما به.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي نقله عياض -رحمه اللَّه تعالى- عن كافّة العلماء من أن للمرأة حقًّا في الجماع هو الحقّ؛ لأن اللَّه تعالى أوجب على الزوج المعاشرة بالمعروف، وهو من المعروف، وقال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وقد عُلِم الحقّ للرجل على امرأته أن يُجامعها، فكذلك لها ذلك. واللَّه تعالى أعلم.
قال في "الفتح": وأما استدلال داود ومن يقول بقوله بقصّة امرأة رفاعة، فلا حجة فيها؛ لأن في بعض طرقه أن الزوج الثاني كان أيضًا طلّقها، كما وقع عند مسلم صريحًا من طريق القاسم، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، قالت: "طلّق رجلٌ امرأته ثلاثًا، فتزوّجها رجلٌ آخر، فطلّقها قبل أن يدخل بها، فأراد زوجها الأول أن يتزوّجها، فسُئل النبيّ ﷺ عن ذلك؛ فقال: لا … " الحديث. وأصله عند البخاريّ في أوائل "الطلاق". ووقع في حديث الزهريّ، عن عروة عند البخاريّ في "اللباس" في آخر الحديث بعد قوله: "حتى تذوقي عُسيلته، ويذوق عُسيلتك"، قال: ففارقته بعد، زاد ابن جريج عن الزهريّ في هذا الحديث: "أنها جاءت بعد ذلك إلى النبيّ ﷺ ، فقالت: إنه -يعني زوجها الثاني- مسّها، فمنعها أن ترجع إلى زوجها الأول". وصرّح مقاتل بن حيّان في تفسيره، مرسلًا: "قالت: يا رسول اللَّه إنه كان مسّني، فقال: كذبت بقولك الأول، فلن أُصدّقك في الآخر، وأنها أتت أبا بكر، ثم عمر، فمنعاها".
стр. 13955
وكذا وقعت هذه الزيادة الأخيرة في رواية ابن جريج المذكورة، أخرجها عبد الرزاق، عنه.
ووقع عند مالك في "الموطأ" عن المسور بن رفاعة، عن الزَّبِير بن عبد الرحمن بن الزَّبير، زاد خارج "الموطّأ" فيما رواه ابن وهب عنه، وتابعه إبراهيم بن طهمان، عن مالك عند الدارقطنيّ في "الغرائب"، عن أبيه: "أن رفاعة طلّق امرأته تميمة بنت وهب ثلاثًا، فنكحها عبد الرحمن، فاعتُرِضَ عنها، فلم يستطع أن يمسّها، ففارقها، فأراد رفاعة أن يتزوّجها … " الحديث.
ووقع عند أبي داود من طريق الأسود، عن عائشة: "سئل رسول اللَّه ﷺ عن رجل طلّق امرأته، فتزوّجت غيره، فدخل بها، وطلّقها قبل أن يواقعها، أتحلّ للأول؟ قال: لا … " الحديث.
وأخرج الطبريّ، وابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة ﵁ نحوه. والطبريّ أيضًا، والبيهقيّ من حديث أنس ﵁ كذلك. وكذا وقع في رواية حماد بن سلمة، عن هشام ابن عروة، عن أبيه، عن عائشة: "أن عمرو بن حزم طلّق الْغُميصاء، فنكحها رجلٌ، فطلّقها قبل أن يمسّها، فسألت النبيّ ﷺ ؟، فقال: لا، حتى يذوق الآخر عسيلتها، وتذوق عسيلته". وأخرجه الطبرانيّ، ورواته ثقات.
قال الحافظ: فإن كان حماد بن سلمة حفظه، فهو حديث آخر لعائشة في قصّة أخرى، غير قصّة امرأة رفاعة، وله شاهد من حديث عُبيد اللَّه -بالتصغير ابن عباس، عند النسائيّ، كما سيأتي في المسألة التالية. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): أنه قد وقع لغير امرأة رفاعة قريبٌ مما وقع لها، فقد أخرج النسائيّ-١٢/ ٣٤١٤ - من طريق سليمان بن يسار، عن عُبَيد اللَّه بن عباس -أي ابن عبد المطّلب-: "أن الْغُميصاء، أو الرميصاء، أتت النبيّ ﷺ تشكو من زوجها أنه لا يصل إليها، فلم يلبث أن جاء، فقال: إنها كاذبةٌ، ولكنها تريد أن ترجع إلى زوجها الأول، فقال: ليس ذلك لها حتى تذوق عسيلته". ورجاله ثقات، لكن اختلف فيه على سليمان بن يسار.
قال الحافظ: ووقع عند شيخنا -يعني الحافظ العراقيّ- في "شرح الترمذيّ": "عبد اللَّه بن عباس"، مكبّرًا، وتعقب على ابن عساكر، والْمِزّيّ أنهما لم يذكرا هذا الحديث في "الأطراف". ولا تعقّب عليهما، فإنهما ذكراه في مسند عبيد اللَّه - بالتصغير- وهو الصواب.
стр. 13956
وقد اختُلف في سماعه من النبيّ ﷺ ، إلا أنه وُلد في عصره، فذُكر لذلك في الصحابة.
واسم زوج الغميصاء هذه عمرو بن حزم. أخرجه الطبرانيّ، وأبو مسلم الكجيّ، وأبو نُعيم في الصحابة من طريق حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن عمرو بن حزم طلّق الغميصاء، فتزوّجها رجلٌ قبل أن يمسّها، فأرادت أن ترجع إلى زوجها الأول … الحديث. قال الحافظ: ولم أعرف اسم زوجها الثاني.
ووقعت لامرأة ثالثة قصّة أخرى أيضًا مع رفاعة رجلٍ آخر غير الأول، والزوج الثاني عبد الرحمن بن الزبير أيضًا. أخرجه مقاتل بن حيّان في "تفسيره"، ومن طريقه ابن شاهين في "الصحابة"، ثم أبو موسى في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ قال: "نزلت في عائشة بنت عبد الرحمن بن عقيل النضريّة، كانت تحت رفاعة بن وهب بن عتيك، وهو ابن عمها، فطلّقها بائنًا، فتزوّجت بعده عبد الرحمن بن الزَّبِير، ثم طلّقها، فأتت النبيّ ﷺ ، فقالت: إنه طلّقني قبل أن يمسّني، أفأرجع إلى ابن عمّي، زوجي الأول؟ قال: لا" الحديث.
قال الحافظ: وهذا الحديث إن كان محفوظًا، فالواضح من سياقه أنها قصّة أخرى، وأن كلًّا من رفاعة القُرظيّ، ورفاعة النضريّ وقع له مع زوجة له طلاقٌ، فتزوّج كلًّا منهما عبد الرحمن بن الزَّبِير، فطلّقها قبل أن يمسّها، فالحكم في قصّتهما متّحدٌ مع تغاير الأشخاص.
وبهذا يتبيّن خطأ من وحد بينهما، ظنًّا منه أن رفاعة بن سَمَوْأَل هو رفاعة بن وهب، فقال: اختُلف في امرأة رفاعة على خمسة أقوال، فذكر الاختلاف في النطق بتميمة، وضمّ إليها عائشة، والتحقيق ما تقدّم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: جزمه في تخطئة من وحّد بينهما فيه نظر لا يخفى، إذ هو محتمل، كما أبداه هو بعد ورقتين، حيث قال: ما نصّه: وقد قدّمتُ أنه وقع لكل من رفاعة بن سموأل، ورفاعة بن وهب أنه طلّق امرأته، وأن كلًّا منهما تزوّجها عبد الرحمن بن الزبير، وأن كلًّا منهما شَكَتْ أنه ليس معه إلا مثلُ الهدبة، فلعلّ إحدى المرأتين شكته قبل أن يفارقها، والأخرى بعد أن يفارقها.
ويحتمل أن تكون القصّة واحدةً، ووقع الوهم من بعض الرواة في التسمية، أو في النسبة، وتكون المرأة شَكَت مرّتين من قبل المفارقة، ومن بعدها. واللَّه أعلم انتهى (١).
стр. 13957
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الاحتمال الأخير عندي هو الأقرب. واللَّه تعالى أعلم.
ووقع أيضًا لأبي رُكانة قصّة أخرى، فقد أخرج أبو داود، من حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: طلّق عبد يزيد، أبو رُكانة أم ركانة، ونكح امرأة من مُزينة، فجاءت إلى النبيّ ﷺ ، فقالت: ما يُغني عنّي إلا كما تُغني هذه الشعرة -لشعرة أخذتها من رأسها- ففرّق بيني وبينه، قال: فقال النبيّ ﷺ لعبد يزيد: "طلّقها، وراجع أمّ ركانة، ففعل". وهو حديث ضعيف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٤٤ - (تَحْرِيمُ الرَّبِيبَةِ الَّتي فِي حَجْرِهِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- يرى تحريم الربيبة بشرط كونها في حجر الزوج، كما هو ظاهر الآية، وحديث الباب، وهو مذهب طائفة من أهل العلم، وذهب الجمهور إلى التحريم مطلقًا، وهو الأولى، احتياطًا، وسنذكر تمام البحث فيه في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى.
٣٢٨٥ - (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعَيْبٌ, قَالَ: أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ, أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ, وَأُمُّهَا أُمُّ سَلَمَةَ, زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ , أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ, أَخْبَرَتْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ, أَنْكِحْ أُخْتِي بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ, قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَوَتُحِبِّينَ ذَلِكِ؟» , فَقُلْتُ: نَعَمْ, لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ, وَأَحَبُّ مَنْ يُشَارِكُنِي فِي خَيْرٍ أُخْتِي, فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ أُخْتَكِ لَا تَحِلُّ لِي» , فَقُلْتُ وَاللَّهِ, يَا رَسُولَ اللهِ, إِنَّا لَنَتَحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ, أَنْ تَنْكِحَ دُرَّةَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ, فَقَالَ: «بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ؟» , فَقُلْتُ: نَعَمْ, فَقَالَ: «وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّهَا رَبِيبَتِي, فِي حَجْرِي, مَا حَلَّتْ لِي, إِنَّهَا لَابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ, أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ, فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ, وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عمران بن بكّار) بن راشد الكلاعيّ البَرّاد الحمصيّ المؤذّن، ثقة [١١] ١٧/ ٢١٣٣.
стр. 13958
٢ - (أبو اليمان) الحم بن نافع البَهرَانيّ الحمصيّ، ثقة ثبت [١٠] ١٤/ ٢١٣٢.
٣ - (شعيب) بن أبي حمزة دينار الأمويّ مولاهم، أبو بشر الحمصيّ، ثقة عابد، قال ابن معين: من أثبت الناس في الزهريّ [٧] ٦٩/ ٨٥.
٤ - (زينب بنت أبي سلمة) عبد اللَّه بن عبد الأسد المخزومية، ربيبة النبيّ ﷺ ، ماتت سنة (٧٣)، وحضر ابن عمر جنازتها قبل أن يحجّ، ويموت بمكّة، تقدّمت ترجمتها ١٢٣/ ١٨٢.
٥ - (أم حبيبة بنت أبي سفيان) رملة بنت صخر بن حرب الأمويّة، أم المؤمنين، مشهورة بكنيتها، ماتت سنة اثنتين، أو أربع، وقيل: تسع وأربعين. وقيل: وخمسين، - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وتقدّمت ترجمتها في ١٢٢/ ١٨٠، والباقيان تُرجما في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رواته كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالحمصيين إلى شعيب، وبالمدنيين بعده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وصحابيّة عن صحابيّة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن الزهريّ -رحمه اللَّه تعالى- أنه (قال: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ) بن الزبير بن العوّام، أحد الفقهاء المشهورين بالمدينة (أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ) عبد اللَّه بن عبد الأسد بن هلال بن عبد اللَّه بن عُمر بن مخزوم المخزوميّ، أخي النبيّ ﷺ من الرضاعة، كما صرّح به في هذا الحديث، وابن عمّته صفية بنت عبد المطّلب، كان من السابقين إلى الإسلام، شهد بدرًا، ومات في حياة النبيّ ﷺ ، مات في جمادى الآخرة سنة أربع من الهجرة، بعد أحد، فتزوّج النبيّ ﷺ بعده زوجته أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنهما - (وَأُمُّهَا أُمُّ سَلَمَةَ) جملة من مبتدإ وخبر، معترضة، ذكرت لبيان أنها ربيبة النبيّ ﷺ ، واسمها هند بنت أبي أميّة المخزوميّة - رضي اللَّه تعالى عنها - (زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ ) برفع "زوج" بدل من "أم سلمة". وقد تقدّم قصّة زواجها من النبيّ ﷺ في -٢٨/ ٣٢٥٥ - (أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَيِي سُفْيَانَ) رملة بنت صخر - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَخْبَرَتها أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، انكِح) بكسر الكاف، أمر من نكح، ينكح، من باب ضرب، فهمزته همزة وصل، وليست همزة قطع، فما وقع في بعض النسخ، من كتابتها بصورة همزة القطع، فغلط، فتنبّه: أي
стр. 13959
تزوّج (أُخْتِي بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ) وفي رواية يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شهاب، عند مسلم، والنسائيّ (١) في هذا الحديث: "انكح أختي عزة بنت أبي سفيان"، ولابن ماجه من هذا الوجه: "انكح أختي عزّة"، وفي رواية هشام بن عروة، عن أبيه في هذا الحديث عند الطبرانيّ أنها قالت: "يا رسول اللَّه، هل لك في حَمْنَةَ بنت أبي سفيان؟، قال: أصنع ماذا؟ قالت: تنكحها". وعند أبي موسى في "الذيل": "درّة بنت أبي سفيان"، وهذا وقع في رواية الحميديّ في "مسنده" عن سفيان، عن هشام، وأخرجه أبو نُعيم، والبيهقيّ، من طريق الحميديّ، وقالا: قد أخرجه عنه، لكن حذف هذا الاسم، وكأنه عمدًا، وكذا وقع في الرواية زينب بنت أم سلمة، وحذفه البخاريّ أيضًا منها، ثم نبّه على أن الصواب درّة، وجزم المنذريّ بأن اسمها حمنة، كما في الطبرانيّ. وقال عياض: لا نعلم لعزّة ذكرًا في بنات أبي سفيان إلا في رواية يزيد بن أبي حبيب. وقال أبو موسى: الأشهر فيها عزّة (٢).
(قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَوَ تُحِبِّينَ ذَلِكِ؟) هو استفهام تعجّب من كونها تطلُب أن يتزوّج غيرها مع ما طُبع عليه النساء من المغيرة (فَقُلْتُ: نَعَمْ، لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ) أي لست بمنفردة بك، ولا خالية من ضَرّة. وقال بعضهم: هو بوزن فاعل، من الإخلاء، متعدّيًا، ولا زمًا، من أخليت، بمعنى خَلَوتُ من الضرّة، أي لست بمتفرّغة، ولا خالية من ضرّة. وفي بعض الروايات بفتح اللام بلفظِ المفعول، حكاها الكرمانيّ. وقال عياض: مُخلية: أي منفردة، يقال: أخْلِ أَمْرَكَ، وأَخْلِ بِهِ: أي انفرد به. وقال صاحب "النهاية": معناه: لم أجدك خاليًا من الزوجات، وليس هو من قولهم: امرأة مُخْلِيَةٌ: إذا خلت من الأزواج انتهى.
(وَأَحَبُّ مَنْ يُشَارِكُنِي) "أحبّ" مرفوع بالابتداء، ومتَعلَّقُهُ محذوفٌ: أي إليّ. وفي الرواية التالية: "من شَرِكَني" بغير ألف (فِي خَيْرٍ أُخْتِي) كذا للأكثر بتنكير "خير"، أي في أيّ خير كان. وفي رواية عند البخاريّ عن هشام بن عروة، عن أبيه: "في الخير" بالتعريف. قيل: المراد صحبة رسول اللَّه ﷺ ، المتضمّنة لسعادة الدارين، الساترة لما لعلّه يَعْرِضُ من المغيرة التي جرت بها العادة بين الزوجات، لكن في رواية هشام المذكورة: "وأحبّ من شَرِكني فيك أختي"، فعرف أن المراد بالخير ذاته ﷺ . قاله في "الفتح" (٣).
стр. 13960
(فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ أُخْتَكِ لًا تحَلُّ لِي"، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّا لَنَتَحَدَّثُ) وفي الرواية التالية: "واللَّه فقد تحدّثنا". وفي رواية البخاريّ: "فإنا نُحَدَّثُ" بضمّ أوله، وفتح الحاء على البناء للمجهول.
قال الحافظ: لم أقف على اسم من أخبر بذلك، ولعله كان من المنافقين، فإنه قد ظهر أن الخبر لا أصل له، وهذا مما يُستَدلُّ به على ضعف المراسيل.
(أنَّكَ تُرِيدُ، أَنْ تَنْكِحَ دُرَّةَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ) وفي الباب التالي: "فإنه قد بلغني أنك تخطب دَرّة بنت أم سلمة". وهو بضمّ المهملة، وتشديد الراء. وفي رواية حكاها عياضٌ، وخطأها "ذَرَّة" -بفتح المعجمة-. وعند أبي داود من طريق هشام، عن أبيه، عن زينب، عن أم سلمة "درّة"، أو"ذرّة" على الشكّ، شكّ زهيرٌ راويه عن هشام. ووقع عند البيهقيّ من رواية الحميديّ، عن سفيان، عن هشام: "بلغني أنك تخطب زينب بنت أبي سلمة". وهو خطأ. ووقع عند أبي موسى في "ذيل المعرفة" حمنة بنت أبي سلمة، وهو خطأ. قاله في "الفتح" (١).
(فَقَالَ: "بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ؟) بتقدير همزة الاستفهام، وهو استفهام استثبات؛ لرفع الإشكال، أو استفهام إنكار، والمعنى: أنها إن كانت بنتَ أم سلمة من أمّ سلمة، فيكون تحريمها من وجهين، كما سيأتي بيانه، وإن كانت من غيرها فمن وجه واحد، وكأنّ أمّ حبيبة لم تطّلع على تحريم ذلك؛ إما لأن ذلك كان قبل نزول آية التحريم، وإما بعد ذلك، وظنّت أنه من خصائص النبيّ ﷺ -كذا قال الكرمانيّ.
قال الحافظ: والاحتمال الثاني هو المعتمد، والأول يدفعه سياق الحديث، وكأنّ أمّ حبيبة استدلت على جواز الجمع بين الأختين بجواز الجمع بين المرأة وابنتها بطريق الأولى؛ لأن الربيبة حرمت على التأبيد، والأخت حرمت في صورة الجمع فقط، فأجابها ﷺ بأن ذلك لا يحلّ، وأن الذي بلغها من ذلك ليس بحقّ، وأنها تحرم عليه من جهتين.
(فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: "وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّهَا رَبِيبَتي) أي بنت زوجتي، مشتقّةٌ من الربّ، وهو الإصلاح؛ لأنه يقوم بأمرها. وقيل: من التربية، وهو غلطٌ من جهة الاشتقاق (فِي حَجْرِي) راعَى فيه لفظ الآية، وإلا فلا مفهوم له، كذا عند الجمهور، وأنه خرج مخرج الغالب، وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا. وفي رواية عراك، عن زينب بنت أمّ سلمة، عند الطبرانيّ: "لو لم أنكح أمّ سلمة ما حلّت لي، إن أباها أخي من الرضاعة"، ووقع في
стр. 13961
رواية ابن عيينة، عن هشام: "واللَّه لو لم تكن ربيبتي ما حلّت لي"، فذكر ابن حزم أن منهم من احتجّ به على أن لا فرق بين اشتراط كونها في الحجر أولا، وهو ضعيف؛ لأن القصة واحدة، والذين زادوا فيها لفظ: "في حجري" حفّاظ أثبات.
(ماحَلَّتْ لِي، إِنّها لابنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ) أي أرضعت أبا سلمة، وهو من تقديم المفعول على الفاعل (ثُوَيْبَةُ) بمثلّثة، وموحّدة، مصغرًا- كانت مولاة لأبي لهب بن عبد المطّلب، عمّ النبيّ ﷺ (فَلَا تَعْرِضْنَ) -بفتح أوله، وسكون العين، وكسر الراء، بعدها معجمة ساكنة، ثم نون- على الخطاب لجماعة النساء، وبكسر المعجمة، وتشديد النون، خطاب لأم حبيبة وحدها، والأول أوجه.
وقال ابن التين: ضبط -بضمّ الضاد- في بعض الأمهات، ولا أعلم له وجهًا لأنه إن كان الخطاب لجماعة النساء، وهو الأبين، فهو بسكون الضاد؛ لأنه فعل مستقبل مبنيّ على أصله، ولو أدخلت عليه التأكيد، فشدّدت النون لكان تعرّضنانّ؛ لأنه يجتمع ثلاث نونات، فيفرّق بينهن بالألف، وإن كان الخطاب لأم حبيبة خاصّة، فتكون الضاد، مكسورة، والنون مشدّدة.
وقال القرطبيّ: جاء بلفظ الجمع، وإن كانت القصة لاثنين، وهما أم حبيبة، وأم سلمة ردعًا، وزجرًا أن تعود واحدة منهما، أو من غيرهما إلى مثل ذلك، وهذا كما لو رأى رجلٌ امرأةً تكلّم رجلًا، فقال لها: أتكلّمين الرجال، فإنه مستعمل شائعٌ.
(عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ) وكان لأم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها - من البنات زينب راوية الخبر، ودُرّة التي قيل: إنها مخطوبة. وكان لأم حبيبة من البنات حبيبة، وقد روت عنها الحديث، ولها صحبة (وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ) وكان لأم سلمة من الأخوات قُريبة زوج زمعة بن الأسود، وقُريبة الصغرى زوج عمر، ثم معاوية، وعزة بنت أبي أمية زوج منبّه بن الحجّاج.
وكان لأم حبيبة من الأخوات هند زوج الحارث بن نوفل، وجُويرية زوج السائب بن أبي حُبيش، وأُميمة زوج عروة بن مسعود.
وكان لغيرهما من أمهات المؤمنين من الأخوات أم كلثوم، وأم حبيبة ابنتا زمعة أختا سودة. وأسماء أخت عائشة، وزينب بنت عمر أخت حفصة، وغيرهنّ. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ: "قال عروة: وئُويبة مولاةٌ لأبي لهب، وكان أبو لهب أعتقها، فأرضعت النبيّ ﷺ ، فلما مات أبو لهب أُريه بعض أهله بشرّ حِيبة (١)، قال
стр. 13962
له: ماذا لقيتَ؟ قال أبو لهب: لم ألق بعدكم (١)، غير أني سُقيت في هذه بعتاقتي ثُويبة" انتهى.
قال في "الفتح": وفي هذا الحديث دلالة على أن الكافر قد ينفعه العمل الصالح في الآخرة؛ لكنه مخالف لظاهر القرآن، قال اللَّه تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾، وأجيب أوّلًا بأن الخبر مرسل، أرسله عروة، ولم يذكر من حدّث به، وعلى تقدير أن يكون موصولًا، فالذي في الخبر رؤيا منام، فلا حجة فيه، ولعلّ الذي رآها لم يكن إذ ذاك أسلم بعد، فلا يحتجّ به، وثانيًا على تقدير القبول، فيحتمل أن يكون ما يتعلّق بالنبيّ ﷺ مخصوصًا من ذلك، بدليل قصّة أبي طالب، كما تقدّم أنه خفّف عنه، فنُقل من الغمرات إلى الضحضاح. وقال البيهقيّ: ما ورد من بطلان الخير للكفار، فمعناه أنهم لا يكون لهم التخلّص من النار، ولا دخول الجنّة، ويجوز أن يخفف عنهم من العذاب الذي يستوجبونه على ما ارتكبوه من الجرائم سوى الكفر بما عملوه من الخيرات. وأما عياض، فقال: انعقد الإجماع على أن الكفّار لا تنفعهم أعمالهم، ولا يُثابون عليها بنعيم، ولا تخفيف عذاب، وإن كان بعضهم أشدّ عذابًا من بعض. قال الحافظ: وهذا لا يرد الاحتمال الذي ذكره البيهقيّ، فإن جميع ما ورد من ذلك فيما يتعلّق بذنب الكفر، وأما ذنب غير الكفر، فما المانع من تخفيفه؟. وقال القرطبيّ: هذا التخفيف خاصّ بهذا، وبمن ورد النصّ فيه. وقال ابن المنيّر في "الحاشية": هنا قضيّتان: إحداهما محال، وهي اعتبار طاعة الكافر مع كفره؛ لأن شرط الطاعة أن تقع بقصد صحيح، وهذا مفقود من الكافر.
الثانية: إثابة الكافر على بعض الأعمال تفضّلًا من اللَّه تعالى، وهذا لا يحيله العقل، فإذا تقرّر ذلك لم يكن عتق أبي لهب لثويبة قربة معتبرة، ويجوز أن يتفضّل اللَّه عليه بما شاء كما تفضّل على أبي طالب، والمتّبع في ذلك التوقيف نفيًا وإثباتًا.
قال الحافظ: وتتمة هذا أن يقع التفضّل المذكور إكرامًا لمن وقع من الكافر البرّ له، ونحو ذلك (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن هذه القصّة منامية، والذي رآها لا يدرى، هل هو مسلم، أم لا؟، فلا داعي إلى التكلّف بالتأويلات التي ذكروها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 13963
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث زينب بنت أبي سلمة - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٤/ ٣٢٨٥ و ٤٥/ ٣٢٨٦ و ٣٢٨٧ و ٤٦/ ٣٢٨٨ - وفي "الكبرى"٤٢/ ٥٤١٥ و ٥٤١٦ و ٤٣/ ٥٤١٧ و ٥٤١٨. وأخرجه (خ) في "النكاح" ٥١٠١و ٥٠٦ و ٥٠٧ و"النفقات" ٥٣٧٢ (م) في "الرضاع" ١٤٤٩ (د) في "النكاح" ٢٠٥٦ (ق) في "النكاح" ١٩٣٩ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٥٩٥٤ و ٢٦٨٦٦. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان تحريم الربيبة التي في حجر الرجل. (ومنها): تحريم الجمع بين الأمّ والبنت، وهذا هو الذي عقد له الباب التالي. (ومنها): تحريم الجمع بين الأختين، وسيأتي بعد باب، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): ثبوت الرضاع بالتحريم، وسيأتي له باب خاصّ به. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم نكاح الربيبة:
ذهب الجمهور إلى تحريم الربيبة مطلقًا، سواء كانت في حجره، أم لا؟. وذهبت طائفة إلى أنها إذا لم تكن في حجره يجوز أن يتزوّجها.
وسبب ذلك اختلافهم في قوله تعالى: ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾ هل للغالب، أو يُعتبر فيه مفهوم المخالفة، فذهب إلى الأول الجمهور، وإلى الثاني بعضهم، وقد صحّ ذلك عن عمر بن الخطّاب، وعليّ بن أبي طالب - رضي اللَّه تعالى عنهما -، فقد صحّ عن عمر ﵁ أنه أفتى من سأله إذا تزوّج بنت رجل كانت تحته جدّتها، ولم تكن البنت في حجره. أخرجه أبو عبيد.
وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وغيرهما من طريق إبراهيم بن عُبيد، عن مالك ابن أوس، قال: كانت عندي امرأة قد ولدت لي، فماتت، فوجدت عليها، فلقيت عليّ ابن أبي طالب، فقال لي: مالك؟، فأخبرته، فقال: ألها ابنة؟ -يعني من غيرك- قلت: نعم، قال: كانت في حجرك؟ قلت: لا، هي في الطائف، قال: فانكحها، قلت: فأين قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ﴾؟ قال: إنها لم تكن في حجرك.
قال الحافظ: وقد دفع بعض المتأخّرين هذا الأثر، وادّعى نفي ثبوته بأن إبراهيم بن
стр. 13964
عُبيد لا يُعرف، وهو عجيب، فإن الأثر المذكور عند ابن أبي حاتم في "تفسيره" من طريق إبراهيم بن عُبيد بن رفاعة، وإبراهيم ثقة، تابعيّ معروفٌ، وأبوه، وجدّه صحابيّان، والأثر صحيح عن عليّ ﵁.
قال الحافظ: بعد أثر عمر ﵁ المتقدِّم: وهذا وإن كان الجمهور على خلافه، فقد احتجّ أبو عبيد للجمهور بقوله ﷺ : "فلا تَعْرِضنّ عليّ بناتكنّ"، قال: نعم، ولم يقيّد بالحجر. وهذا فيه نظرٌ؛ لأن المطلق محمول على المقيّد، ولولا الإجماع الحادث في المسألة، وندرة المخالف، لكان الأخذ به أولى؛ لأن التحريم جاء مشروطًا بأمرين: أن تكون في الحجر، وأن يكون الذي يريد التزويج قد دخل بالأمّ، فلا تحرم بوجود أحد الشرطين، واحتجّوا أيضًا بقوله ﷺ : "لو لم تكن ربيبتي ما حلّت لي"، وهذا وقع في بعض طرق الحديث كما تقدّم، وفي أكثر طرقه: "لو لم تكن ربيبتي في حجري"، فقيّد بالحجر كما قيّد به القرآن، فقوي اعتباره. واللَّه أعلم. انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "لولا الإجماع الحادث" فيه نظر لا يخفى، إذ دعوى الإجماع غير صحيحة، يَرُدُّها قوله: "وندرة المخالف"، فإنه صريح في أنه لا إجماع في المسألة، فتنبّه، وإلى ما ثبت عن عمر، وعليّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - ذهب ابن حزم، وانتصر له، في كتابه "المحلّى" -٩/ ٥٢٧ - ٥٣٢، فليُراجَع.
لكن الذي ذهب إليه الجمهور أولى، احتياطًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٤٥ - (تَحْرِيمُ الْجَمْعِ بَيْنَ الأُمِّ وَالْبِنْتِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ظاهر هذه الترجمة يؤكّد ما قدّمته من أن المصنّف يؤيّد مذهب من يرى جواز نكاح بنت الزوجة التي ليست في حجره، وإلا فلا فائدة في هذه الترجمة؛ لأنه إذا لم يجز نكاح الربيبة مطلقًا، سواء كانت في حجره، أم لا، كما هو
стр. 13965
مذهب الجمهور علم تحريم الجمع بين الأم والبنت من باب أولى، وأما إذا قيل بجواز نكاح غير الربيبة التي في الحجر، فقد يخفى حكم الجمع بينهما، فبينه بهذه الترجمة، ووجه دلالة الحديث عليه، أنه إذا حرم الجمع بين الأختين؛ لأجل القطيعة، فلأن يحرم الجمع بين الأمِ والبنت من باب أولى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٢٨٦ - (أَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ بَيَانٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ,, أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ, عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ, أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ, زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ, أَنْكِحْ بِنْتَ أَبِي -تَعْنِي أُخْتَهَا- فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : «وَتُحِبِّينَ ذَلِكِ؟» , قَالَتْ: نَعَمْ, لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ, وَأَحَبُّ مَنْ شَرِكَتْنِي فِي خَيْرٍ أُخْتِي, فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ» , قَالَتْ: أُمُّ حَبِيبَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ, وَاللَّهِ لَقَدْ تَحَدَّثْنَا, أَنَّكَ تَنْكِحُ دُرَّةَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ, فَقَالَ: «بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ؟» , قَالَتْ: أُمُّ حَبِيبَةَ: نَعَمْ, قَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : «فَوَاللَّهِ لَوْ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حَجْرِي, مَا حَلَّتْ, إِنَّهَا لَابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ, أَرْضَعَتْنِي, وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ, فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ, وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه. وهو أبو عبد اللَّه الواسطيّ، نزيل مصر، ثقة عابد [١٠] ٢٠/ ١٣٩٩.
وقوله: "شركتني"، وفي نسخة: "شركني"، وهو -بفتح الشين، وكسر الراء- من باب تعب، يقال: شَرِكتُهُ في الأمر أَشْرَكه شَرِكًا، وشركةً، وزان كَلِمٍ، وكَلِمَة -بفتح الأول، وكسر الثاني-: إذا صرتُ له شَرِيكًا. قاله الفيّوميّ.
والحديث متّفقٌ عليه، وتمام شرحه، والكلام على مسائله تقدما في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٢٨٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ, عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ, أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ, أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ, قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : إِنَّا قَدْ تَحَدَّثْنَا أَنَّكَ نَاكِحٌ دُرَّةَ, بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَعَلَى أُمِّ سَلَمَةَ؟ لَوْ أَنِّي لَمْ أَنْكِحْ أُمَّ سَلَمَةَ, مَا حَلَّتْ لِي, إِنَّ أَبَاهَا أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال الإسناد كلهم رجال الصحيح.
و"الليث": هو ابن سعد الإمام الحجة الثبت المصريّ.
والحديث متّفق عليه، سبق الكلام عليه في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 13966
٤٦ - (تَحْرِيمُ الْجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ)
٣٢٨٨ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ, عَنْ عَبْدَةَ, عَنْ هِشَامٍ, عَنْ أَبِيهِ,, عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ, أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ, هَلْ لَكَ فِي أُخْتِي؟ قَالَ: «فَأَصْنَعُ مَاذَا؟» , قَالَتْ: تَزَوَّجُهَا, قَالَ: «فَإِنَّ ذَلِكَ أَحَبُّ إِلَيْكِ؟» , قَالَتْ: نَعَمْ, لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ, وَأَحَبُّ مَنْ يَشْرَكُنِي فِي خَيْرٍ أُخْتِي, قَالَ: «إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي» , قَالَتْ: فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكَ تَخْطُبُ دُرَّةَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ, قَالَ: «بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ؟» , قَالَتْ: نَعَمْ, قَالَ: «وَاللَّهِ لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي, مَا حَلَّتْ لِي, إِنَّهَا لَابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ, فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ, وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح.
و"عبدة": هو ابن سليمان الكلابيّ. و"هشام": هو ابن عروة.
وقوله: "فأصنع ماذا؟ " قال في "الفتح": فيه شاهدٌ على جواز تقديم الفعل على "ما" الاستفهامية؛ خلافًا لمن أنكره من النحاة.
والحديث متّفق عليه، وتقدّم شرحه، وبيان مسائله قبل باب، ودلالته على الترجمة واضحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٤٧ - (الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا)
٣٢٨٩ - (أَخْبَرَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ, عَنْ أَبِي الزِّنَادِ, عَنِ الأَعْرَجِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا, وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هارون بن عبد اللَّه) الحمال، أبو موسى البغداديّ، ثقة حافظ [١٠] ٥٠/ ٦٥.
٢ - (معن) بن عيسى الأشجعيّ مولاهم، أبو يحيى المدنيّ القزّاز، ثقة ثبت، من
стр. 13967
كبار [١٠] ٥٠/ ٦٢.
٣ - (مالك) بن أنس الإمام المدنيّ الثقة الثبت الحجة [٧] ٧/ ٧.
٤ - (أبو الزناد) عبد اللَّه بن ذكوان القرشيّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقة فقيه [٥] ٧/ ٧.
٥ - (الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز، أبو داود المدنيّ، مولى ربيعة بن الحارث، ثقة ثبت فقيه [٣] ٧/ ٧.
٦ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغداديّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ﵁ أكثر الصحابة حديثًا، روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁. هكذا في رواية الأعرج، عن أبي هريرة، وكذا رواية قبيصة ابن ذُؤيب، واختُلف في رواية الشعبيّ، ففي رواية عنه، عن أبي هريرة، وفي رواية عنه، عن جابر، كما سيأتي في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى، والحديث صحيح من الطريقين.
وقد أخرج البخاريّ روايته عن جابر، ثم قال: وقال داود، وابن عون، عن الشعبيّ، عن أبي هريرة. قال في "الفتح": أما رواية داود -وهو ابن أبي هند- فوصلها أبو داود، والترمذيّ، والدارميّ من طريقه، قال: "حدثنا عامر -هو الشعبيّ- أنبأنا أبو هريرة، أن رسول اللَّه ﷺ نهى أن تُنكح المرأة على عمّتها، أو المرأة على خالتها، أو العمّة على بنت أخيها، أو الخالة عليّ بنت أختها، لا الصغرى على الكبرى، ولا الكبرى على الصغرى". لفظ الدارميّ، والترمذيّ نحوه. ولفظ أبي داود: "لا تُنكَح المرأة على عمّتها، ولا على خالتها". وأخرجه مسلم من وجه آخر، عن داود بن أبي هند، فقال: "عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة"، فكان لداود فيه شيخان، وهو محفوظٌ لابن سيرين عن أبي هريرة من غير هذا الوجه.
وأما رواية ابن عون -وهو عبد اللَّه- فوصلها النسائيّ في "الكبرى" ٣/ ٢٩٤ رقم - ٥٤٣١ - من طريق خالد بن الحارث، عنه، بلفظ: "لا تزوّج المرأة على عمّتها، ولا
стр. 13968
على خالتها". قال: ووقع لنا في "فوائد أبى محمد بن أبي شريح" من وجه آخر، عن ابن عون، بلفظ: "نهى أن تُنكح المرأة على ابنة أخيها، أو ابنة أختها".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي عزاه إلى "فوائد أبي محمد" موجود عند النسائيّ بالسند السابق، ولعله لم يقع في نسخة الحافظ، ولفظه بعد ما تقدّم: "قال: ولا تزوّج المرأة على ابنة أخيها، ولا ابنة أختها". فتنبّه.
قال الحافظ: والذي يظهر أن الطريقين محفوظان. وقد رواه حمّاد بن سلمة، عن عاصم، عن الشعبيّ، عن جابر، أو أبي هريرة، لكن نقل البيهقيّ عن الشافعيّ أن هذا الحديث لم يروه من وجه يثبته أهل الحديث إلا عن أبي هريرة، وروي من وجوه لا يُثبتها أهل العلم بالحديث. قال البيهقيّ: هو كما قال، قد جاء من حديث عليّ، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عبّاس، وعبد اللَّه بن عمرو، وأنس، وأبي سعيد، وعائشة، وليس فيها شيء على شرط الصحيح، وإنما اتفقا على إثبات حديث أبي هريرة.
وأخرج البخاريّ رواية عاصم، عن الشعبيّ، عن جابر، وبيّن الاختلاف على الشعبيّ فيه، قال: والحفّاظ يرون رواية عاصم خطأ، والصواب رواية ابن عون، وداود بن أبي هند انتهى.
قال الحافظ: وهذا الاختلاف لم يقدح عند البخاريّ؛ لأن الشعبيّ أشهر بجابر منه بأبي هريرة. وللحديث طرق أخرى عن جابر بشرط الصحيح، أخرجها النسائيّ -٤٨/ ٣٢٣٠٠ - من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر. والحديث محفوظ أيضًا من أوجه عن جابر. والحديث محفوظ أيضًا من أوجه عن أبي هريرة، فلكلّ من الطريقين ما يعضده، وقول من نقل البيهقيّ عنهم تضعيف حديث جابر معارَضٌ بتصحيح الترمذيّ، وابن حبّان، وغيرهما له، وكفى بتخريج البخاريّ له موصولًا قوَّةً.
قال ابن عبد البرّ: بعض أهل الحديث يزعم أنه لم يرو هذا الحديث غير أبي هريرة - يعني من وجه يصحّ- وكأنه لم يُصحّح حديث الشعبيّ، عن جابر، وصحّحه عن أبي هريرة، والحديثان جميعًا صحيحان. وأما من نقل البيهقيّ أنهم رووه من الصحابة غير هذين، فقد ذكر مثل ذلك الترمذيّ بقوله: "وفي الباب"، لكن لم يذكر ابن مسعود، ولا ابن عبّاس، ولا أنسًا، وزاد بدلهم أبا موسى، وأبا أُمامة، وسمرة.
قال الحافظ: ووقع لي أيضًا من حديث أبي الدرداء، ومن حديث عتّاب بن أَسِيد، ومن حديث سعد بن أبي وقّاص، ومن حديث زينب امرأة ابن مسعود، فصار عدّة من رواه غير الأولين ثلاثة عشر نفسًا، وأحاديثهم موجودةٌ عند ابن أبي شيبة، وأحمد، وأبي داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وأبي يعلى، والبزّار، والطبرانيّ، وابن حبّان، وغيرهم،
стр. 13969
ولولا خشية التطويل لأوردتها مفصّلةً، لكن في لفظ ابن عبّاس عند أبي داود "أنه كره أن يُجمع بين العمة والخالة، وبين العمّتين، والخالتين"، وفي روايته عند ابن حبّان: "نهى أن تُزوّج المرأة على العمّة والخالة، وقال: إنكنّ إذا فعلتنّ ذلك، قطعتنّ أرحامكنّ" انتهى (١).
(قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لًا يُجْمَعُ) قال القرطبيّ: برفع العين هي الرواية على الخبر عن المشروعية، فيتضمّن النهي عن ذلك انتهى.
وقال السنديّ: قوله: "لا يجمع" عليّ بناء المفعول: نهيٌ، أو نفيٌ بمعناه. ويحتمل بناء الفاعل على الوجهين، على أن الضمير لـ"أحد"، أو"ناكح"، والمراد أنه لا يجمع في النكاح بعقد، أو عقدين، أو في الجماع بملك اليمين انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حاصل ما أشار إليه السنديّ أن "لا" هنا يحتمل أن تكون ناهية، فيكون الفعل مجزومًا، ويحتمل أن تكون نافيةً، فيكون الفعل مرفوعًا، والمراد به النهي.
قلت: لكن إن صحّت الرواية على الرفع فقط، كما صرّح به القرطبيّ، فإنها متعيّنة، ويكون الكلام نفيًا، بمعنى النهي، ولا يجوز الجزم؛ لأن الرواية مقدّمة. وكذلك كونه بالبناء للفاعل، ويكون الفاعل ضميرًا يعود على "أحد"، أو "ناكح"، يعتمد على صحّة الرواية" فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
(بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمّتِهَا، وَلًا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا) سواء كان بنكاح، أووطأً بملك يمين، وسواء تزوّج إحداهما على الآخر، أو عقد عليهما معًا، فإن جمع بينهما بعقد بطلا، أو مرتّبًا بطل الثاني. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٧/ ٣٢٨٩ و ٣٢٩٠ و ٣٢٩١ و ٣٢٩٢ و ٣٢٩٣ و ٣٢٩٤ و ٣٢٩٥ و ٣٢٩٦ و ٣٢٩٧ - وفي "الكبرى" ٤٤/ ٥٤١٩ و ٥٤٢٠ و ٥٤٢٢ و ٥٤٢٣ و ٥٤٢٤ و ٥٤٢٥ و ٥٤٢٦. وأخرجه (خ) في "النكاح" ٥١٠٩ و ٥١١١ (م) في "النكاح" ١٤٠٨
стр. 13970
(د) في "النكاح" ٢٠٦٥ و ٢٠٦٦ (ت) في "النكاح" ١١٢٦ (ق) في "النكاح" ١٩٢٩ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٧٠٩٣ و ٧٤١٣ و ٨٨٧٦ و ٨٩٥٠ و ٩١٨٤ و ٩٢١٦ و ٩٣٠٣ و ٩٥٢٤ و ٩٩٧٥ و ١٠٢٢٧ و ١٠٢١١ و ١٠٣٣٤ و ١٠٣٣٤ و ١٠٥٠٥ (الموطأ) في "النكاح" ١١٢٩ (الدارمي) في "النكاح" ٢١٧٨ و ٢١٧٩. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في أقوال أهل العلم في الجمع بين من ذُكر في هذا الحديث، ونحوه:
قال الإمام الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-: تحريم الجمع بين من ذُكر هو قول من لقيته من المفتين، لا اختلاف بينهم في ذلك. وقال الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى- بعد تخريجه: العمل على هذا عند عامّة أهل العلم، لا نعلم بينهم اختلافًا أنه لا يحلّ للرجل أن يجمع بين المرأة وعمّتها، أو خالتها، ولا أن تُنكح المرأة على عمّتها، أو خالتها. وقال ابن المنذر: لست أعلم في منع ذلك اختلافًا اليوم، وإنما قال بالجواز فرقة من الخوارج، وإذا ثبت الحكم بالسنّة، واتفق أهل العلم على القول به، لم يضرّه خلاف من خالفه. وكذا نقل الإجماع ابن عبد البرّ، وابن حزم، والقرطبيّ، والنوويّ. لكن استثنى ابن حزم عثمان الْبَتِّيّ، وهو أحد الفقهاء القدماء من أهل البصرة -وهو بفتح الموحّدة، وتشديد المثناة- واستثنى النوويّ طائفةً من الخوارج والشيعة. واستثنى القرطبيّ الخوارج، ولفظه: وهذا الحديث مجمع على العمل به في تحريم الجمع بين من ذُكر فيه بالنكاح، وكذلك أجمع المسلمون على تحريم الجمع بين الأختين بالنكاح؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] وأما بملك اليمين، فروي عن بعض السلف جوازه، وهو خلافٌ شاذّ استقرّ الإجماع بعدُ على خلافه. وأجاز الخوارج الجمع بين الأختين، وبين المرأة وعمتها وخالتها، ولا يُعتدّ بخلافهم؛ لأنهم مرقوا من الدين، وخرجوا منه، ولأنهم مخالفون للسنة الثابتة (١) انتهى.
وتعقّبه في "الفتح"، فقال: وفي نقله عنهم جواز الجمع بين الأختين غلط بيّنٌ، فإن عمدتهم التمسّك بأدلّة القرآن، لا يُخالفونها البتّةَ، وإنما يردّون الأحاديثَ؛ لاعتقادهم عدم الثقة بنقلتها، وتحريم الجمع بين الأختين بنصوص القرآن. ونقل ابن دقيق العيد تحريم الجمع بين المرأة وعمتها عن جمهور العلماء، ولم يُعيّن المخالف انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أن جمهور أهل السنّة على العمل بما في حديث الباب، ونحوه، من تحريم الجمع بين المرأة وعمّتها، وبين المرأة وخالتها. واللَّه