٤٦ - (تَحْرِيمُ الْجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ)
٣٢٨٨ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ, عَنْ عَبْدَةَ, عَنْ هِشَامٍ, عَنْ أَبِيهِ,, عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ, أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ, هَلْ لَكَ فِي أُخْتِي؟ قَالَ: «فَأَصْنَعُ مَاذَا؟» , قَالَتْ: تَزَوَّجُهَا, قَالَ: «فَإِنَّ ذَلِكَ أَحَبُّ إِلَيْكِ؟» , قَالَتْ: نَعَمْ, لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ, وَأَحَبُّ مَنْ يَشْرَكُنِي فِي خَيْرٍ أُخْتِي, قَالَ: «إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي» , قَالَتْ: فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكَ تَخْطُبُ دُرَّةَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ, قَالَ: «بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ؟» , قَالَتْ: نَعَمْ, قَالَ: «وَاللَّهِ لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي, مَا حَلَّتْ لِي, إِنَّهَا لَابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ, فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ, وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح.
و"عبدة": هو ابن سليمان الكلابيّ. و"هشام": هو ابن عروة.
وقوله: "فأصنع ماذا؟ " قال في "الفتح": فيه شاهدٌ على جواز تقديم الفعل على "ما" الاستفهامية؛ خلافًا لمن أنكره من النحاة.
والحديث متّفق عليه، وتقدّم شرحه، وبيان مسائله قبل باب، ودلالته على الترجمة واضحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٤٧ - (الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا)
٣٢٨٩ - (أَخْبَرَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ, عَنْ أَبِي الزِّنَادِ, عَنِ الأَعْرَجِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا, وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هارون بن عبد اللَّه) الحمال، أبو موسى البغداديّ، ثقة حافظ [١٠] ٥٠/ ٦٥.
٢ - (معن) بن عيسى الأشجعيّ مولاهم، أبو يحيى المدنيّ القزّاز، ثقة ثبت، من
стр. 13967
كبار [١٠] ٥٠/ ٦٢.
٣ - (مالك) بن أنس الإمام المدنيّ الثقة الثبت الحجة [٧] ٧/ ٧.
٤ - (أبو الزناد) عبد اللَّه بن ذكوان القرشيّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقة فقيه [٥] ٧/ ٧.
٥ - (الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز، أبو داود المدنيّ، مولى ربيعة بن الحارث، ثقة ثبت فقيه [٣] ٧/ ٧.
٦ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغداديّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ﵁ أكثر الصحابة حديثًا، روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁. هكذا في رواية الأعرج، عن أبي هريرة، وكذا رواية قبيصة ابن ذُؤيب، واختُلف في رواية الشعبيّ، ففي رواية عنه، عن أبي هريرة، وفي رواية عنه، عن جابر، كما سيأتي في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى، والحديث صحيح من الطريقين.
وقد أخرج البخاريّ روايته عن جابر، ثم قال: وقال داود، وابن عون، عن الشعبيّ، عن أبي هريرة. قال في "الفتح": أما رواية داود -وهو ابن أبي هند- فوصلها أبو داود، والترمذيّ، والدارميّ من طريقه، قال: "حدثنا عامر -هو الشعبيّ- أنبأنا أبو هريرة، أن رسول اللَّه ﷺ نهى أن تُنكح المرأة على عمّتها، أو المرأة على خالتها، أو العمّة على بنت أخيها، أو الخالة عليّ بنت أختها، لا الصغرى على الكبرى، ولا الكبرى على الصغرى". لفظ الدارميّ، والترمذيّ نحوه. ولفظ أبي داود: "لا تُنكَح المرأة على عمّتها، ولا على خالتها". وأخرجه مسلم من وجه آخر، عن داود بن أبي هند، فقال: "عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة"، فكان لداود فيه شيخان، وهو محفوظٌ لابن سيرين عن أبي هريرة من غير هذا الوجه.
وأما رواية ابن عون -وهو عبد اللَّه- فوصلها النسائيّ في "الكبرى" ٣/ ٢٩٤ رقم - ٥٤٣١ - من طريق خالد بن الحارث، عنه، بلفظ: "لا تزوّج المرأة على عمّتها، ولا
стр. 13968
على خالتها". قال: ووقع لنا في "فوائد أبى محمد بن أبي شريح" من وجه آخر، عن ابن عون، بلفظ: "نهى أن تُنكح المرأة على ابنة أخيها، أو ابنة أختها".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي عزاه إلى "فوائد أبي محمد" موجود عند النسائيّ بالسند السابق، ولعله لم يقع في نسخة الحافظ، ولفظه بعد ما تقدّم: "قال: ولا تزوّج المرأة على ابنة أخيها، ولا ابنة أختها". فتنبّه.
قال الحافظ: والذي يظهر أن الطريقين محفوظان. وقد رواه حمّاد بن سلمة، عن عاصم، عن الشعبيّ، عن جابر، أو أبي هريرة، لكن نقل البيهقيّ عن الشافعيّ أن هذا الحديث لم يروه من وجه يثبته أهل الحديث إلا عن أبي هريرة، وروي من وجوه لا يُثبتها أهل العلم بالحديث. قال البيهقيّ: هو كما قال، قد جاء من حديث عليّ، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عبّاس، وعبد اللَّه بن عمرو، وأنس، وأبي سعيد، وعائشة، وليس فيها شيء على شرط الصحيح، وإنما اتفقا على إثبات حديث أبي هريرة.
وأخرج البخاريّ رواية عاصم، عن الشعبيّ، عن جابر، وبيّن الاختلاف على الشعبيّ فيه، قال: والحفّاظ يرون رواية عاصم خطأ، والصواب رواية ابن عون، وداود بن أبي هند انتهى.
قال الحافظ: وهذا الاختلاف لم يقدح عند البخاريّ؛ لأن الشعبيّ أشهر بجابر منه بأبي هريرة. وللحديث طرق أخرى عن جابر بشرط الصحيح، أخرجها النسائيّ -٤٨/ ٣٢٣٠٠ - من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر. والحديث محفوظ أيضًا من أوجه عن جابر. والحديث محفوظ أيضًا من أوجه عن أبي هريرة، فلكلّ من الطريقين ما يعضده، وقول من نقل البيهقيّ عنهم تضعيف حديث جابر معارَضٌ بتصحيح الترمذيّ، وابن حبّان، وغيرهما له، وكفى بتخريج البخاريّ له موصولًا قوَّةً.
قال ابن عبد البرّ: بعض أهل الحديث يزعم أنه لم يرو هذا الحديث غير أبي هريرة - يعني من وجه يصحّ- وكأنه لم يُصحّح حديث الشعبيّ، عن جابر، وصحّحه عن أبي هريرة، والحديثان جميعًا صحيحان. وأما من نقل البيهقيّ أنهم رووه من الصحابة غير هذين، فقد ذكر مثل ذلك الترمذيّ بقوله: "وفي الباب"، لكن لم يذكر ابن مسعود، ولا ابن عبّاس، ولا أنسًا، وزاد بدلهم أبا موسى، وأبا أُمامة، وسمرة.
قال الحافظ: ووقع لي أيضًا من حديث أبي الدرداء، ومن حديث عتّاب بن أَسِيد، ومن حديث سعد بن أبي وقّاص، ومن حديث زينب امرأة ابن مسعود، فصار عدّة من رواه غير الأولين ثلاثة عشر نفسًا، وأحاديثهم موجودةٌ عند ابن أبي شيبة، وأحمد، وأبي داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وأبي يعلى، والبزّار، والطبرانيّ، وابن حبّان، وغيرهم،
стр. 13969
ولولا خشية التطويل لأوردتها مفصّلةً، لكن في لفظ ابن عبّاس عند أبي داود "أنه كره أن يُجمع بين العمة والخالة، وبين العمّتين، والخالتين"، وفي روايته عند ابن حبّان: "نهى أن تُزوّج المرأة على العمّة والخالة، وقال: إنكنّ إذا فعلتنّ ذلك، قطعتنّ أرحامكنّ" انتهى (١).
(قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لًا يُجْمَعُ) قال القرطبيّ: برفع العين هي الرواية على الخبر عن المشروعية، فيتضمّن النهي عن ذلك انتهى.
وقال السنديّ: قوله: "لا يجمع" عليّ بناء المفعول: نهيٌ، أو نفيٌ بمعناه. ويحتمل بناء الفاعل على الوجهين، على أن الضمير لـ"أحد"، أو"ناكح"، والمراد أنه لا يجمع في النكاح بعقد، أو عقدين، أو في الجماع بملك اليمين انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حاصل ما أشار إليه السنديّ أن "لا" هنا يحتمل أن تكون ناهية، فيكون الفعل مجزومًا، ويحتمل أن تكون نافيةً، فيكون الفعل مرفوعًا، والمراد به النهي.
قلت: لكن إن صحّت الرواية على الرفع فقط، كما صرّح به القرطبيّ، فإنها متعيّنة، ويكون الكلام نفيًا، بمعنى النهي، ولا يجوز الجزم؛ لأن الرواية مقدّمة. وكذلك كونه بالبناء للفاعل، ويكون الفاعل ضميرًا يعود على "أحد"، أو "ناكح"، يعتمد على صحّة الرواية" فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
(بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمّتِهَا، وَلًا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا) سواء كان بنكاح، أووطأً بملك يمين، وسواء تزوّج إحداهما على الآخر، أو عقد عليهما معًا، فإن جمع بينهما بعقد بطلا، أو مرتّبًا بطل الثاني. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٧/ ٣٢٨٩ و ٣٢٩٠ و ٣٢٩١ و ٣٢٩٢ و ٣٢٩٣ و ٣٢٩٤ و ٣٢٩٥ و ٣٢٩٦ و ٣٢٩٧ - وفي "الكبرى" ٤٤/ ٥٤١٩ و ٥٤٢٠ و ٥٤٢٢ و ٥٤٢٣ و ٥٤٢٤ و ٥٤٢٥ و ٥٤٢٦. وأخرجه (خ) في "النكاح" ٥١٠٩ و ٥١١١ (م) في "النكاح" ١٤٠٨
стр. 13970
(د) في "النكاح" ٢٠٦٥ و ٢٠٦٦ (ت) في "النكاح" ١١٢٦ (ق) في "النكاح" ١٩٢٩ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٧٠٩٣ و ٧٤١٣ و ٨٨٧٦ و ٨٩٥٠ و ٩١٨٤ و ٩٢١٦ و ٩٣٠٣ و ٩٥٢٤ و ٩٩٧٥ و ١٠٢٢٧ و ١٠٢١١ و ١٠٣٣٤ و ١٠٣٣٤ و ١٠٥٠٥ (الموطأ) في "النكاح" ١١٢٩ (الدارمي) في "النكاح" ٢١٧٨ و ٢١٧٩. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في أقوال أهل العلم في الجمع بين من ذُكر في هذا الحديث، ونحوه:
قال الإمام الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-: تحريم الجمع بين من ذُكر هو قول من لقيته من المفتين، لا اختلاف بينهم في ذلك. وقال الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى- بعد تخريجه: العمل على هذا عند عامّة أهل العلم، لا نعلم بينهم اختلافًا أنه لا يحلّ للرجل أن يجمع بين المرأة وعمّتها، أو خالتها، ولا أن تُنكح المرأة على عمّتها، أو خالتها. وقال ابن المنذر: لست أعلم في منع ذلك اختلافًا اليوم، وإنما قال بالجواز فرقة من الخوارج، وإذا ثبت الحكم بالسنّة، واتفق أهل العلم على القول به، لم يضرّه خلاف من خالفه. وكذا نقل الإجماع ابن عبد البرّ، وابن حزم، والقرطبيّ، والنوويّ. لكن استثنى ابن حزم عثمان الْبَتِّيّ، وهو أحد الفقهاء القدماء من أهل البصرة -وهو بفتح الموحّدة، وتشديد المثناة- واستثنى النوويّ طائفةً من الخوارج والشيعة. واستثنى القرطبيّ الخوارج، ولفظه: وهذا الحديث مجمع على العمل به في تحريم الجمع بين من ذُكر فيه بالنكاح، وكذلك أجمع المسلمون على تحريم الجمع بين الأختين بالنكاح؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] وأما بملك اليمين، فروي عن بعض السلف جوازه، وهو خلافٌ شاذّ استقرّ الإجماع بعدُ على خلافه. وأجاز الخوارج الجمع بين الأختين، وبين المرأة وعمتها وخالتها، ولا يُعتدّ بخلافهم؛ لأنهم مرقوا من الدين، وخرجوا منه، ولأنهم مخالفون للسنة الثابتة (١) انتهى.
وتعقّبه في "الفتح"، فقال: وفي نقله عنهم جواز الجمع بين الأختين غلط بيّنٌ، فإن عمدتهم التمسّك بأدلّة القرآن، لا يُخالفونها البتّةَ، وإنما يردّون الأحاديثَ؛ لاعتقادهم عدم الثقة بنقلتها، وتحريم الجمع بين الأختين بنصوص القرآن. ونقل ابن دقيق العيد تحريم الجمع بين المرأة وعمتها عن جمهور العلماء، ولم يُعيّن المخالف انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أن جمهور أهل السنّة على العمل بما في حديث الباب، ونحوه، من تحريم الجمع بين المرأة وعمّتها، وبين المرأة وخالتها. واللَّه
стр. 13971
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): زاد في رواية الشيخين بعد رواية حديث الباب عن ابن شهاب -رحمه اللَّه تعالى-: ما نصّه: "فنرى خالة أبيها، وعمّة أبيها بتلك المنزلة". لفظ مسلم.
قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: إنما صار ابن شهاب إلى ذلك؛ لأنه حمل الخالة،
والعمّة على العموم، وتمّ له ذلك؛ لأن العفة اسم لكلّ امرأة شاركت أباك في أصليه، أو في أحدهما، والخالة اسم لكلّ أنثى شاركت أمك في أصليها، أو في أحدهما.
وقد عقد علماؤنا -يعني المالكيّة- فيمن يحرم الجمع بينهما عقدًا حسنًا، فقالوا: كلّ امرأتين بينهما نسبٌ، بحيث لو كانت إحداهما ذكرًا لحرمت عليه الأخرى، فلا يُجمع بينهما. وإن شئت أسقطت "بينهما نسبٌ" وقلت بعد ذلك: كانت إحداهما ذكرًا، لحرمت عليه الأخرى من الطرفين. وفائدة هذا الاحتراز مسألة نكاح المرأة وربيبتها (١)،فإن الجمع بينهما جائز، ولو قدّرت امرأة الأب رجلًا، لحلّت له الأخرى، وهذا التحرّي (٢) هو على مذهب الجمهور المجيزين للجمع بين المرأة وربيبتها، وقد منعه الحسن، وابن أبي ليلى، وعكرمة.
وعلّل الجمهور منع الجمع بين من ذكرناه؛ لما يُفضي إليه الجمع من قطع الأرحام القريبة بما يقع بين الضرائر، من الشنآن والشرور بسبب الغيرة، وقد شهد لصحّة هذا التعليل ما ذكره أبو محمد الأصيليّ في "فوائده"، وأبو عمر بن عبد البّر عن ابن عباس، قال: نهى رسول اللَّه ﷺ أن يتزوّج الرجل المرأة على العمة، أو على الخالة، وقال: "إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم". ومن مراسيل أبي داود عن حسين، قال: نهى رسول اللَّه ﷺ أن تنكح المرأة على قرابتها، مخافة القطيعة.
وقد طرد بعض السلف هذه العلّة، فمنع الجمع بين بنتي العمّتين، والخالتين، وبنتي الخالين، والعمّين. وجمهور السلف، وأئمة الفتوى على خلافه، وقصر التحريم على ما ينطلق عليه لفظ العمّات، والخالات.
وقد روى الترمذيّ حديث أبي هريرة ﵁ هذا، وقال فيه: إن رسول اللَّه ﷺ نهى أن تنكح المرأة على عمّتها، أو العمّة على ابنة أخيها، والمرأة على خالتها، أو الخالة على ابنة أختها، ولا تُنكح الصغرى على الكبرى، ولا الكبرى على الصغرى. وقال:
стр. 13972
حديث حسنٌ صحيح (١).
وهو مساقٌ حسنٌ بيّنٌ، غير أن فيه واوًا اقتضت إشكالاً، وهي التي في قوله: "ولا"، وذلك أنه قد ذكر العمّة، وهي الكبرى، وابنة أخيها، وهي الصغرى، والخالة، وهي الكبرى، وابنة أختها، وهي الصغرى، ثم أتى بالنهي عن إدخال إحداهما على الأخرى، طردًا وعكسًا. ويرتفع الإشكال بأن تقدّر الواو زائدة، ويكون الكلام الذي بعدها مؤكدًّا لما قبلها، ومؤيّدًا له.
وفي كتاب أبي داود من حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، مرفوعًا: "نَهَى أن يُجمع بين العمّة والخالة، وبين العمتين، والخالتين". قال ابن النّحّاس: الواجب على لفظ هذا الحديث ألا يُجمعَ بين امرأتين، إحداهما عمة الأخرى، والأخرى خالة الأخرى، وهذا يخرّج على وجه صحيح، وهو أن يكون رجلٌ، وابنه تزوّجا امرأة وابنتها، تزوّج الأب البنت، والابن الأمّ، فولدت كلّ واحدة منهما بنتًا، فابنة الأب عمّة ابنة الابن، وابنة الابن خالة ابنة الأب.
وأما الخالتان: فأن يتزوّج رجلٌ ابنة رجل، ويتزوّج الثاني ابنة الأول، فيولد لكلّ منهما ابنةٌ، فابنة كلّ واحد منهما خالة الأخرى.
وأما العمتان: فأن يتزوّج رجلٌ أمّ رجل، ويتزوّج الآخر أمّ الآخر، ثم يولد لكلّ واحد منهما ابنةٌ، فبنت كلّ واحد منهما عمّة الأخرى. انتهى كلام القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (٢).
وقال الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى-: قد اختلف العلماء في المعنى المراد بقوله ﷺ : لا تُنكح المرأة على عمّتها، ولا على خالتها":
فقالت طائفة: معناه كراهية القطيعة، فلا يجوز لأحد أن يجمع بين امرأتين بينهما قرابة رحمٍ محرّمة، أو غير محرّمة، فلم يجيزوا الجمع بين ابنتي عمّ، أو عمّة، ولا بين ابنتي خال، أو خالة. روي ذلك عن إسحاق بن طلحة بن عبيد اللَّه، والحسن بن أبي الحسن، وجابر بن زيد، وعكرمة، وقتادة، وعطاء، على اختلاف عنه. وروى ابن عيينة عن ابن أبي نَجيح، عن عطاء أنه كره أن يُجمع بين ابنتي العمّ. وعن ابن عيينة، وابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن الحسن بن محمد بن عليّ أنه أخبره أن حسن بن حسن بن عليّ نكح ابنة محمد بن عليّ، وابنة عمر بن عليّ، جمع بين ابنتي عمّ، فأصبح نساؤهم لا يدرين إلى أيّتهما يذهبن. قال ابن جريج: فقلت لعطاء: الجمع بين المرأة
стр. 13973
وابنة عمّها؟ قال: لا بأس بذلك.
قال أبو عمر: ابن جريج أثبت الناس في عطاء، لا يُقاس به فيه ابن أبي نَجيح، ولا غيره. وروى معمر، عن قتادة، قال: لا بأس أن يجمع الرجل بين ابنتي العمّ.
قال أبو عمر: على هذا القول جمهور العلماء، وجماعة الفقهاء، أئمة الفتوى: مالك، والشافعيّ، وأبو حنيفة، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق، والأوزاعيّ، وغيرهم.
وقال جماعة منهم: إنما يُكره الجمع بين امرأتين، لو كانت إحدهما رجلًا لم يجز له نكاح الأخرى؛ اعتبارًا بالأختين، وليس ابنة العمّ من هذا المعنى. وروى معتمر بن سليمان، عن فُضيل بن ميسرة، عن أبي حَرِيز، عن الشعبيّ، قال: كلّ امرأتين إذا جَعَلتَ موضع إحداهما ذكرًا لم يجز له أن يتزوّج الأخرى، فالجمع بينهما حرامٌ، قلت له: عمن هذا؟ فقال: عن أصحاب محمد ﷺ . وروى الثوريّ، عن ابن أبي ليلى، عن الشعبيّ، قال: لا ينبغي رجل أن يجمع بين امرأتين، لو كانت إحداهما رجلًا لم يحلّ له نكاحها. قال سفيان: تفسير هذا عندنا أن يكون من النسب، ولا تكون بمنزلة امرأة رجل، وابنة زوجها، فإنه يَجمَع بينهما إن شاء.
قال أبو عمر: قد اختلف العلماء في جمع الرجل في النكاح بين امرأة رجلٍ وابنته من غيرها، فالجمهور على أن ذلك جائزٌ، وعليه جماعة الفقهاء بالمدينة، ومكة، والعراق، ومصر، والشام، إلا ابن أبي ليلى، من أهل الكوفة. وقد تقدّمه إلى ذلك الحسن، وعليّ، وعكرمة، وخالفهم أكثر الفقهاء؛ لأنه لا نسب بينهما. وروي أن عبد اللَّه بن جعفر بن أبي طالب، جمع بين امرأة عليّ، وابنته من غيرها، وعبد اللَّه بن صفوان بن أمية، تزوّج امرأة رجل وابنته من غيرها.
وقالت طائفة منهم الحسن، وعكرمة: لا يجوز لأحد أن يجمع بين امرأة رجل وابنته من غيرها. واعتلّوا بالعلّة التي ذكرنا بأن إحداهما لو كان رجلًا لم يحلّ له نكاح الأخرى. انتهى كلام ابن عبد البرّ ببعض تصرّف (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذُكر من الأدلة أن ما ذهب إليه الجمهور من جواز نكاح زوجة الرجل، وابنته من غيرها هو الحقّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٢٩٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ, عَنْ يُونُسَ, قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي
стр. 13974
قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَالْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ عَبدِ الوَهَّابِ بْنِ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ" أبو عمر الأسديّ الزبيريّ المدنيّ، صدوق [١٠].
قال أبو حاتم، والنسائيّ: لا بأس به. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: مستقيم الحديث، سمع منه ابن صاعد بالمدينة سنة (٢٤٥). تفرّد به المصنّف، وله عنده هذا الحديث فقط.
و"محمد بن فُلَيح" بن سليمان الأسلميّ، أو الخُزَاعيّ المدنيّ، صدوق يَهِم [٩].
قال ابن أبي حاتم، عن أبيه: حدّثنا معاوية بن صالح، عن ابن معين، قال؛ فُليح ليس بثقة، ولا ابنه، قال أبي: كان ابن معين، يَحمل على محمد، قلت: فما قولك فيه؟ قال: ما به بأس، ليس بذاك القويّ. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال الدارقطنيّ: ثقة. وقال هارون بن عبد اللَّه الفَرْويّ: مات سنة (١٩٧)، أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وابن ماجه. وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
و"يونس": هو ابن يزيد الأيليّ.
و"قَبيصة -بفتح أوله، وكسر الموحّدة (١) - ابن ذُؤيب" -بالذال المعجمة، مصغّرًا - ابن حَلْحَلَة- بمهملتين مفتوحتين، بينهما لام ساكنة- الْخُزَاعيّ، أبو سعيد، ويقال: أبو إسحاق المدنيّ، نزيل دمشق، من أولاد الصحابة، ولد عام الفتح.
قال ابن سعد: كان على خاتم عبد الملك، وكان آثر الناس عنده، وكان البريدَ إليه، وكان ثقةً مأمونًا كثير الحديث. وقال ابن لهيعة، عن ابن شهاب: كان من علماء هذه الأمّة. وذكره أبو الزناد في الفقهاء. وقال محمد بن راشد، عن مكحول: ما رأيت أحدًا أعلم منه. وقال مغيرة، عن الشعبيّ: كان أعلم الناس بقضاء زيد بن ثابت. وقال الغلّابيّ، عن ابن معين: أُتي به رسول اللَّه ﷺ ليدعو له بالبركة. وقال الهيثم، عن عبد اللَّه بن عيّاش: ذهبت عينه يوم الحرّة. وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في ثقات التابعين، وقال: كان من فقهاء أهل المدينة، وصالحيهم، مات بالشام سنة (٨٦) وكذا قال خليفة وغيره. وقيل: غير ذلك. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
والحديث متّفق عليه، وتقدّم شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم
стр. 13975
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٢٩١ - (أَخْبَرَنِي (١) إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ, أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ رَبِيعَةَ حَدَّثَهُ, عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ, وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : "أَنَّهُ نَهَى أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا, أَوْ خَالَتِهَا (٢) ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "إبراهيم بن يعقوب": هو الْجُوزَجانيّ، نزيل دمشق ثقة حافظ رمي بالنصب [١١] ١٢٢/ ١٧٤.
و"ابن أبي مريم": هو سعيد بن الحَكَم بن محمد بن سالم، أبو محمد المصريّ الفقيه الثقة الثبت، من كبار [١٠] ٣/ ٢٠٩٨. و"يحيى بن أيوب": الغافقيّ، أبو العبّاس المصريّ، صدوق، ربما أخطأ [٧] ٦٠/ ١٧٧١
و" جعفر بن ربيعة": هو أبو شُرَحبيل المصريّ، ثقة [٥] ١٢٢/ ١٧٤.
و"عراك بن مالك": هو الغفاريّ الكنانيّ المدنيّ الثقة الفاضل [٣] ١٣٤/ ٢٠٧.
والحديث متّفق عليه، وتقدم تمام البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٢٩٢ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ, عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ : "نَهَى عَنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ, يُجْمَعُ بَيْنَهُنَّ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا, وَالْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
وقوله: "عن أربع نسوة" أي عن الجمع بين اثنتين منهنّ، على الوجه الذي ذُكر في الحديث.
وقوله: "يُجمع بينهنّ" بالبناء للمفعول. قال السنديّ: والأقرب أنه بتقدير أن يُجمع بينهن، أي بين ثنتين منهنّ، بدلٌ عن أربع نسوة. ويحتمل أنه صفة "نسوة" بمعنى أنه يمكن الجمع بينهن لولا النهي، فنَهَى عن الجمع بينهنّ لذلك، أي أربع نسوة يجتمع في الوجود عادةً، فيمكن لذلك الجمع، لولا النهي، فنهى، حتى لا يَجمع أحدٌ، فهو نهي مقيدٌ. واللَّه تعالى أعلم انتهى (٣).
стр. 13976
والحديث متّفقٌ عليه، ومضى القول فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٢٩٣ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, قَالَ: أَخْبَرَنِي أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى, عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَشَجِّ, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ, عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ يَسَارٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ,,, عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا, وَلَا عَلَى خَالَتِهَا»).
"عمرو بن منصور": هو أبو سعيد النسائيّ الثقة الثبت [١١] ١٠٨/ ١٤٧، من أفراد المصنّف.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: و"عبد اللَّه بن يوسف": هو التّنّسييّ المصريّ الثقة الثبت، من كبار [١٠] ١٧/ ١٥٤٠.
و"الليث": هو ابن سعد المذكور في السند السابق. و"أيوب بن موسى": هو أبو موسى الأمويّ المكيّ الثقة ل [٦] ١٥٠/ ٢٤١ و"بُكير بن عبد اللَّه بن الأشجّ": هو المخزوميّ مولاهم المدنيّ، نزيل مصر، ثقة فقيه [٥] ١٣٥/ ٢١١. و"سليمان بن يسار": هو الهلاليّ مولاهم، الثقة الفاضل الفقيه، من كبار [٣] ١٢٢/ ١٥٦.
و"عبد الملك بن يسار" الهلاليّ المدنيّ، مولى ميمونة، ثقة [٣].
روى عن أبي هريرة ﵁ هذا الحديث فقط، وعنه أخوه سليمان بن يسار. قال أبو داود: ثقة. وقال ابن سعد: كان قليل الحديث. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وذكر أن بكير ابن الأشجّ روى أيضًا عنه. وقال ابن أبي عاصم وغيره: مات سنة (١١٠). وأرّخه ابن قانع سنة (٤) وأكثر على خلافه. تفرّد به المصنّف بحديث الباب فقط.
والحديث متّفقٌ عليه، وسبق الكلام عليه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٢٩٤ - (أَخْبَرَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ, عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ,, قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ , أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا, أَوْ عَلَى خَالَتِهَا").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا. و"أبو سلمة": هو ابن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ الثبت الفقيه.
والحديث متّفقٌ عليه، وسبق البحث عنه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٢٩٥ - (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ دُرُسْتَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ
стр. 13977
أَبِي كَثِيرٍ, أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ حَدَّثَهُ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا, وَلَا عَلَى خَالَتِهَا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "يحيى بن دُرُسْت" -بضمتين، وسكون المهملة- ابن زياد البصريّ، ثقة [١٠] ٢٣/ ٢٤. و"أبو إسماعيل": هو إبراهيم بن عبد الملك القنَّاد البصريّ، صدوق في حفظه شيء [٧] ٢٣/ ٢٤. والباقون كلهم رجال الصحيح.
والحديث متّفقٌ عليه، وسبق البحث عنه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٤٨ - (تَحْرِيمُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا)
٣٢٩٦ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى,, قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا, وَلَا عَلَى خَالَتِهَا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا. و"يحيى": هو القطّان. و"هشام": هو ابن حسّان القردُوسيّ البصريّ. و"محمد": هو ابن سيرين.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الباب الماضي، ودلالته على الترجمة واضحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٢٩٧ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا الْمُعْتَمِرُ, عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ, عَنِ الشَّعْبِيِّ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ , أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا, وَالْعَمَّةُ عَلَى بِنْتِ أَخِيهَا").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا.
و"إسحاق بن إبراهيم": هو ابن راهويه. و"المعتمر": هو ابن سليمان.
стр. 13978
والحديث متّفقٌ عليه، وسبق البحث فيه مستوفًى في الباب الماضي أيضًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٢٩٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عَاصِمٌ, قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى الشَّعْبِيِّ كِتَابًا, فِيهِ عَنْ جَابِرٍ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا, وَلَا عَلَى خَالَتِهَا» , قَالَ: سَمِعْتُ هَذَا مِنْ جَابِرٍ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة.
و"خالد": هو ابن الحارث الهُجَيميّ. و"عاصم": هو ابن سليمان الأحول البصريّ.
والحديث أخرجه البخاريّ، وتقدّم في الحديث الأول من الباب الماضي أنه صحيح من رواية الشعبيّ، عن أبي هريرة، وجابر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وتضعيف بعضهم، كالبيهقيّ لرواية جابر ﵁ غير صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٢٩٩ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ, عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ, عَنْ عَاصِمٍ, عَنِ الشَّعْبِيِّ, قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ, يَقُولُ: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا, وَخَالَتِهَا").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وقد وثّقه هو وغيره.
والحديث صحيح، وقد سبق تمام البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٣٠٠ - (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ, عَنْ جَابِرٍ, قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ , أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا, أَوْ عَلَى خَالَتِهَا").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وهو ثقة.
و"حجاج": هو ابن محمد الأعور. والحديث صحيح، وقد سبق تمام البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 13979
٤٩ - (مَا يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الرضاعة"، و"الرضاع" -بفتح الراء، وكسرها فيهما-، يقال: رَضَعَ الصبيُّ رَضَعًا، من باب تَعِب في لغة نجد، ورَضَعَ رَضْعًا، من باب ضَرَب لغةٌ لأهل تهامة، وأهل مكّة، يتكلّمون بها، وبعضهم يقول: أصل المصدر من هذه اللغة كسرُ الضاد، وإنما السكون تخفيف مثلُ الْحَلِفِ والْحَلْفِ، ورَضَعَ يَرْضَعُ بفتحتين لغةٌ ثالثةٌ رَضَاعًا، ورَضَاعَةً بفتح الراء. وأرضعته أمّه، فارتضع، فهي مُرْضِعٌ، ومُرْضِعَةٌ أيضًا. وقال الفرّاء، وجماعة، إن قُصِدَ حقيقة الوصف بالإرضاع، فمرضِعٌ بغير هاء، وإن قُصد مجاز الوصف بمعنى أنها محلّ الإرضاع فيما كان، أو سيكون فبالهاء، وعليه قوله تعالى: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾، ونساء مَرَاضِعُ، ومَرَاضِيعُ. قاله الفيّوميّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٣٠١ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: أَنْبَأَنَا مَالِكٌ, قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «مَا حَرَّمَتْهُ الْوِلَادَةُ حَرَّمَهُ الرَّضَاعُ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عبيد اللَّه بن سعيد) أبو قُدامة السرخسيّ، ثقة ثبت سنّيّ [١٠] ١٥/ ١٥.
٢ - (يحيي) بن سعيد القطّان البصريّ، ثقة ثبت إمام [٩] ٤/ ٤.
٣ - (مالك) بن أنس الإمام المدنيّ، ثقة ثبت حجة [٧] ٧/ ٧.
٤ - (عبد اللَّه بن دينار) العدويّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقة [٤] ١٦٧/ ٢٦٠.
٥ - (سليمان بن يسار) الهلاليّ مولاهم المدنيّ، ثقة فاضل فقيه، من كبار [٣] ١٢٢/ ١٥٦.
٦ - (عروة) بن الزبير بن العوّام المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٤٠/ ٤٤.
٧ - (عائشة) - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فسرخسيّ، ويحيى، فبصريّ. (ومنها): أن فيه ثلاثة من ثقات التابعين، يروي بعضهم عن بعض: عبد اللَّه بن دينار،
стр. 13980
وسليمان، وعروة. (ومنها): أن سليمان وعروة من الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، المجموعين في قول بعضهم:
إِذَا قِيلَ مَنْ فِي الْعِلْمِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ … مَقَالَتُهُم لَيْسَتْ عَنِ الْحَقِّ خَارِجَهْ
فَقُلْ هُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ عُرْوَةُ قَاسِمٌ … سَعِيدٌ أَبُو بَكْرٍ سُلَيْمَانُ خَارِجَهْ
(ومنها): أن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة المجموعين في قولي:
المُكثِرُونَ فِي رِوَايَةِ الخَبَر … مِنَ الصَّحَابَةِ الأَكَارِمِ الْغُرَرْ
أَبُو هُرَيْرَةَ يَلِيهِ ابْنُ عُمَرْ … فَأَنَسٌ فَزَوجَةُ الْهَادِي الأَبَرُ
ثُمَّ ابْنُ عَباسٍ يَلِيهِ جَابِرُ … وَبَعْدَهُ الْخُدرِيُّ فَهْوَ الآخِرُ.
واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "مَا حَرَّمَتْهُ الوِلَادَةُ) بكسر الواو (حَرَّمَهُ الرَّضَاعُ) بكسر الراء، وفتحها، أي وأباحت ما أباحته، يعني أن الرضيع يصير ولدًا للمرضعة بسبب الرضاع، فيحرم عليه ما يحرُم على ولدها النسبي، ويباح له ما يُباح له.
قال في "الفتح": وهو بالإجماع فيما يتعلّق بتحريم النكاح، وتوابعه، وانتشار الحرمة بين الرضيع، وأولاد المرضعة، وتنزيلهم منزلة الأقارب في جواز النظر، والخلوة، والمسافرة، ولكن لا يترتّب عليه باقي أحكام الأمومة، من التوارث، ووجوب الإنفاق، والعتق بالملك، والشهادة، والعقل، وإسقاط القصاص.
ووقع في رواية: "الرضاعة، تحرّم ما حرّمته الولادة". قال القرطبيّ: وهو دالّ على جواز نقل الرواية بالمعنى، قال: ويحتمل أن يكون النبيّ ﷺ قال اللفظين في وقتين. قال الحافظ: الثاني هو المعتمد، فإن الحديثين مختلفان في القصّة، والسبب، والرواي، وإنما يأتي ما قال إذا اتحد ذلك. وقد وقع عند أحمد من وجه آخر عن عائشة: "يحرُم من الرضاع ما يحرم من النسب، من خال، أو عمّ، أو أخ".
قال القرطبيّ: في الحديث دلالةٌ على أن الرضاع ينشُر الحرمة بين الرضيع والمرضعة وزوجها، صاحب اللبن، أو سيّدها، فإذا أرضعت المرأة صبيًّا حرُمت عليه؛ لأنها تصير أمّه، وأمها لأنها جدّته، فصاعدًا، وأختها؛ لأنها خالته، وبنتها؛ لأنها أخته، وبنت بنتها، فنازلًا؛ لأنها بنت أخته، وكذلك بنت صاحب اللبن؛ لأنها أخته، وبنت بنته فنازلًا؛ لأنها بنت أخته، وأمّه، فصاعدًا؛ لأنها جدّته، وأخته؛ لأنها عمّته، ولا يتعدّى التحريم إلى أحد من قرابة الرضيع، فليست أخته من الرضاعة أختًا لأخيه، ولا بنتًا
стр. 13981
لأبيه؛ إذ لا رضاع بينهم.
والحكمة في ذلك أن سبب التحريم ما ينفصل من أجزاء المرأة، وزوجها، وهو اللبن، فإذا اغتذى به الرضيع صار جزءًا من أجزائها، فانتشر التحريم بينهما، واعتُبر صاحب اللبن أن وجود اللبن بسبب مائه وغذائه، بخلاف قرابات الرضيع؛ لأنه ليس بينهم وبين المرضعة، ولا زوجها نسبٌ، ولا سببٌ. فتدبّره. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٩/ ٣٣٠١ و ٣٣٠٢ و ٣٣٠٣ و ٣٣٠٤ و ٥٢/ ٣٣١٤ و ٣٣١٥ و ٣٣١٦ و ٣٣١٧ و ٣٣١٨ و ٣٣١٩ - وفي "الكبرى" ٤٦/ ٥٤٣٦ و ٥٤٣٥ و ٥٤٣٦ و ٥٤٤٤ و ٥٠/ ٥٤٦٨ و ٥٤٦٩ و ٥٤٧٠ و ٥٤٧١ و ٥٤٧٢ و ٥٤٧٣. وأخرجه (خ) في "الشهادات" ٢٦٤٤ و ٢٦٤٦ و"النكاح" ٥١٠٣ و ٥٢٣٩ (م) في "النكاح" ١٤٠٨ و"الرضاع"١٤٤٤ و ١٤٤٥ (د) في "النكاح" ٢٠٥٥ و ٢٠٥٧ (ت) في "الرضاع" ١١٤٧ و ١١٤٨ (ق) في "النكاح" ١٩٣٧ و ١٩٤٨ و ١٩٤٩ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٣٥٣٤ و ٢٣٥٦٥ و ٢٣٥٨٢ و ٢٣٦٥٠ و ٢٣٧٢٢ و ٢٣٨٥٠ و ٢٣٩١٠ و ٢٥٠٩٢ و ٢٥١٢٣ و ٢٥٢٩٥ و ٢٥٨٠٢ (الموطأ) في "الرضاع" ١٢٧٧ و ١٢٧٨ و ١٢٧٩ (الدارمي) في "النكاح" ٢٢٤٧ و ٢٢٤٨. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قال في "الفتح": قال العلماء: يُستثنى من عموم قوله ﷺ : "يحرم من الرضاع ما يحرُم من النسب" أربع نسوة، يحرُمن في النسب مطلقًا، وفي الرضاع قد لا يحرُمن:
[الأولى]: أم الأخ في النسب حرام؛ لأنها إما أمّ، وإما زوج أبٍ، وفي الرضاع قد تكون أجنبيّةً، فترضع الأخ، فلا تحرم على أخيه.
[الثانية]: أم الحفيد حرام في النسب؛ لأنها إما بنت، أو زوج ابنٍ، وفي الرضاع قد تكون أجنبيّةً، فترضع الحفيد، فلا تحرم على جدّه.
[الثالثة]: جدّة الولد في النسب حرام؛ لأنها إما أم، أو أم زوجة، وفي الرضاع قد
стр. 13982
تكون أجنبية، أرضعت الولد، فيجوز لوالده أن يتزوّجها.
"الرابعة": أخت الولد حرام في النسب؛ لأنها بنت، أو ربيبةٌ، وفي الرضاع قد تكون أجنبية، فترضع الولد، فلا تحرم على الوالد.
وهذه الصور الأربع اقتصر عليها جماعة، ولم يستثن الجمهور شيئًا من ذلك، وفي التحقيق لا يُستثنى شيء من ذلك؛ لأنهنّ لم يحرمن من جهة النسب، وإنما حرمن من جهة المصاهرة.
واستدرك بعض المتأخّرين أمّ العمّ، وأمّ العمّة، وأمّ الخال، وأمّ الخالة، فإنهنّ يحرُمن في النسب، لا في الرضاع. وليس ذلك على عمومه. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٣٠٢ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ, عَنْ عِرَاكٍ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ, أَنَّ عَمَّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ, يُسَمَّى أَفْلَحَ, اسْتَأْذَنَ عَلَيْهَا, فَحَجَبَتْهُ, فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , فَقَالَ: «لَا تَحْتَجِبِي مِنْهُ, فَإِنَّهُ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد: ستة، وكلهم من رجال الصحيح، وقد تقدّموا قبل باب. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (أَنَّهَا أَخْبَرَتهُ، أَنَّ عَمَّها مِنَ الرَّضَاعَةِ، يُسَمَّى أَفْلَحَ) وفي الرواية الآتية في - ٥٢/ ٣٣١٧ - من طريق ابن شهاب، عن عروة: "قالت كان أفلح أخو أبي القعيس يستأذن عليّ، وهو عمّي من الرضاعة، فأبيت أن آذن له، حتى جاء رسول اللَّه ﷺ ، فأخبرته، فقال: ائذني له، فإنه عمّك، قالت عائشة: وذلك بعد أن نزل الحجاب".
"أبو القُعيس" بقاف، وعين، وسين مهملتين، مصغّرًا. وفي رواية لمسلم: أفلح بن قُعيس، قال في "الفتح": والمحفوظ أفلح أخو أبي القعيس. ويحتمل أن يكون اسم أبيه قُعيسًا، أو اسم جدّه، فنُسب إليه، فتكون كنية أبي القعيس وافقت اسم أبيه، أو اسم جدّه. ويؤيّده ما وقع في "الأدب" من طريق عُقيل، عن الزهريّ، بلفظ: "فإن أخا بني القعيس"، وكذا وقع عند النسائيّ من طريق وهب بن كيسان، عن عروة (٢). ووقع عند
стр. 13983
البخاريّ في "التفسير" من طريق شعيب، عن ابن شهاب بلفظ: "أن أفلح أخا أبي القعيس"، وكذا لمسلم من طريق يونس، ومعمر، عن الزهريّ، وهو المحفوظ عن أصحاب الزهريّ، لكن وقع عند مسلم من طريق ابن عُيينة، عن الزهريّ "أفلح بن أبي القعيس"، وكذا لأبي داود من طريق الثوريّ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، ولمسلم من طريق ابن جريج، عن عطاء: "أخبرني عروة أن عائشة قالت: استأذن عليّ عمّي من الرضاعة أبو الجعد"، قال: فقال لي هشام: إنما هو أبو القُعيس. وكذا وقع عند مسلم، من طريق أبي معاوية، عن هشام: "استأذن عليها أبو القُعَيس"، وسائر الرواة عن هشام قالوا: "أفلح أخو أبي القعيس"، كما هو المشهور، وكذا سائر أصحاب عروة، ووقع عند سعيد بن منصور، من طريق القاسم بن محمد: "أن أبا قعيس أتى عائشة، يستأذن عليها". وأخرجه الطبرانيّ في "الأوسط" من طريق القاسم، عن أبي القعيس.
والمحفوظ أن الذي استأذن هو أفلح، وأبو القعيس هو أخوه.
قال القرطبيّ: كلّ ما جاء من الروايات وَهَمٌ إلا من قال: "أفلح أخو أبي القعيس"، أو قال: "أبو الجعد"؛ لأنها كنية أفلح.
قال الحافظ: وإذا تدبّرتَ ما حرّرتُ عرفتَ أن كثيرًا من الروايات لا وَهَمَ فيه، ولم يُخطىء عطاء في قوله: "أبو الجعد"، فإنه يحتمل أن يكون حفظ كنية أفلح. وأما اسم أبي القعيس فلم أقف عليه إلا في كلام الدارقطنيّ، قال: هو وائل بن أفلح الأشعريّ. وحكى هذا ابن عبد البرّ، ثم حكى أيضًا أن اسمه الجعد. فعلى هذا يكون أخوه وافق اسمه اسم أبيه. ويحتمل أن يكون أبو القعيس نُسِبَ لجدّه، ويكون اسمه وائل بن قُعيس ابن أفلح بن القعيس، وأخوه أفلح بن قعيس بن أفلح، أبو الجعد. قال ابن عبد البرّ في "الاستيعاب": لا أعلم لأبي القعيس ذكرًا إلا في هذا الحديث.
(اسْتَأْذَنَ عَلَيْهَا) أي طلب منها أن تأذن له في الدخول عليها (فَحَجَبَتْهُ) أي منعته من الدخول عليها. وفي رواية شعيب، عن الزهريّ: "فقلت: لا آذن له، حتى أستأذن رسول اللَّه ﷺ ، فإن أخاه أبا القعيس ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس" (فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) ببناء الفعل للمفعول، والمخبرة هي عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، كما مرّ آنفًا (فَفَالَ: "لا تَحْتَجِيِي مِنْهُ) وفي رواية: "ائذني له، فإنه عمّك تربت يمينك"، وفي رواية "يداك"، أو "يمينك". وفي رواية مالك، عن هشام بن عروة: "إنه عمّك فليلج عليك". وفي رواية الحكم: "صدق أفلح، ائذني له"، ووقع في رواية سفيان الثوريّ، عن هشام عند أبي داود: "دخل عليّ أفلح، فاستترت منه، فقال: أتستترين مني، وأنا عمّك؟ قلت: من أين؟ قال: أرضعتك امرأة أخي، قلت:
стр. 13984
إنما أرضعتني المرأة، ولم يُرضعني الرجل … " الحديث.
ويُجمع بأنه دخل عليها أوّلًا، فاستترت، ودار بينهما الكلام، ثم جاء يستأذن ظنًّا منه أنها قبلت قوله: "فلم تأذن له، حتى تستأذن رسول اللَّه ﷺ " (١).
(فَإِنَّهُ يَحرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ) هذا ظاهر في رفعه. ووقع في رواية شعيب: "قال عروة: فبذلك كانت عائشة تقول: حرموا من الرضاع ما يحرم من النسب"، ووقع في رواية سفيان بن عيينة: "ما تحرمون من النسب". وهذا ظاهره الوقف (٢).
ولا تعارض بينهما، فإن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - ترويه عن النبيّ ﷺ ، وتفتي به، وعدى تقدير التعارض، فالرفع يقدّم على الوقف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تخريجه في الحديث الماضي.
(المسألة الثانية): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ما يَحرُم من الرضاع، وهو ما يحرم من النسب. (ومنها): أن لبن الفحل يتعلّق به التحريم، فتنتشر الحرمة لمن ارتضع بلبنه، فلا تحلّ له بنت زوج المرأة التي أرضعته من غيرها مثلًا، وفيه خلاف قديمٌ، سيأتي بيانه بعد بابين، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): أنه استُدلّ به على أن من ادّعى الرضاع، وصدّقه الرضيع يثبتُ حكم الرضاع بينهما، ولا يَحتاج إلى بيّنة؛ لأن أفلح ادّعى، وصدّقته عائشة، وأذن الشارع بمجرّد ذلك.
وتُعُقّب باحتمال أن يكون الشارع اطّلع على ذلك من غير دعوى أفلح، وتسليم عائشة. قاله في "الفتح" (٣).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: فيه أن الأول هو الظاهر، فلا يعدل عنه بالاحتمال. واللَّه تعالى أعلم.
(ومنها): أنه استُدِلّ به على أن قليل الرضاع يُحرّم كما يحرّم كثيره؛ لعدم الاستفصال
стр. 13985
فيه. وتُعقَّب بأن عدم الذكر لا يدلّ على العدم المحض، ولا سيّما وعائشة هي التي روت: "خمس رضعات يحرّمن". (ومنها): أن من شكّ في حكم يتوقّف عن العمل حتى يسأل العلماء عنه. (ومنها): أن من اشتبه عليه الشيء طالب المدّعي ببيانه ليرجع إليه أحدهما، وأن العالم إذا سئل يصدّق من قال الصواب فيها. (ومنها): أن فيه وجوبَ احتجاب المرأة من الرجال الأجانب. (ومنها): مشروعيّة استئذان المحرم على محرمه. (ومنها): أن المرأة لا تأذن في بيت الرجل إلا بإذنه. (ومنها): جواز التسمية بـ"أفلح". (ومنها): أن المستفتي إذا بادر بالتعليل قبل سماع الفتوى أُنكِر عليه؛ لقوله لها: "تربت يمينك"، فإن فيه إشارةً إلى أنه كان من حقها أن تسأل عن الحكم فقط، ولا تُعلّل. (ومنها): أن بعضهم ألزم به من أطلق من الحنفيّة القائلين: إن الصحابيّ إذا روى عن النبيّ ﷺ حديثًا، وصحّ عنه، ثمّ صحّ عنه العمل بخلافه أن العمل بما رأى، لا بما روى؛ لأن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - صحّ عنها أن لا اعتبار بلبن الفحل، ذكره مالك في "الموطّإ"، وسعيد بن منصور في "السنن"، وأبو عبيد في "كتاب النكاح" بإسناد حسن، وأخذ الجمهور، ومنهم الحنفيّة بخلاف ذلك، وعملوا بروايتها في قصّة أخي أبي القُعيس، وحرّموه بلبن الفحل، فكان يلزمهم على قاعدتهم أن يتّبعوا عمل عائشة، ويُعرضوا عن روايتها، ولو كان رَوَى هذا الحكم غير عائشة لكان لهم معذرة، لكنّه لم يروه غيرها، وهو إلزام قويّ. قاله في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٣٠٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ, عَنْ عَمْرَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»).
قالَ الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و"عبد اللَّه بن أبي بكر" بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ المدنيّ. و"عمرة" بن عبد الرحمن الأنصاريّ المدنيّة.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في الحديث الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٣٠٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَمْرَةَ, قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ, تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَحْرُمُ
стр. 13986
مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلَادَةِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن عُبيد" بن محمد بن واقد المحاربيّ النحّاس الكوفيّ، صدوق [١٠] ١٤٤/ ٢٢٦.
و"عليّ بن هاشم" بن الْبَرِيد الكوفيّ، صدوق يتشيّع، من صغار الثامنة ٤٣/ ٢٢٤٢.
وفي هذا الإسناد رواية عبد اللَّه بن أبي بكر، عن أبيه، عن عمرة، بخلاف الرواية السابقة، فإنه روى عن عمرة مباشرة، وهي الرواية التي أخرجها مسلم، والظاهر أن الروايتين محفوظتان، وذلك أنه عبد اللَّه رواه عن أبيه، عنها، ثم حدّثته هي بعد ذلك، أو حدثته هي، وثبّته أبوه.
والحديث متفق عليه، وقد سبق تمام البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٥٠ - (تَحْرِيمُ بِنْتِ الأَخَ مِنَ الرَّضَاعَةِ)
٣٣٠٥ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ, عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ, عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ, عَنْ عَلِيٍّ ﵁, قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ, مَا لَكَ تَنَوَّقُ فِي قُرَيْشٍ, وَتَدَعُنَا؟ , قَالَ: «وَعِنْدَكَ أَحَدٌ؟» , قُلْتُ: نَعَمْ, بِنْتُ حَمْزَةَ, قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي, إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هنّاد بن السريّ) بن مصعب التميميّ، أبو السريّ الكوفيّ، ثقة [١٠] ٢٣/ ٢٥.
٢ - (أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش، من كبار [٩] ٢٦/ ٣٠.
٣ - (الأعمش) سليمان بن مهران الكاهليّ مولاهم الكوفيّ، ثقة حافظ قارئ ورع، لكنه يدلّس [٥] ١٧/ ١٨.
٤ - (سعد بن عُبيدة) أبو حمزة الكوفيّ الثقة [٣] ٧٧/ ١٠٠٨.
стр. 13987
٥ - (أبو عبد الرحمن السلميّ) عبد اللَّه بن حبيب بن رَبيعة الكوفيّ المقرئ، ثقة ثبت، ولأبيه صحبة [٢] ١١٢/ ١٥٢.
٦ - (عليّ) بن أبي طالب - رضي اللَّه تعالى عنه - ٧٤/ ٩١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن سعد، عن أبي عبد الرحمن السلميّ. (ومنها): أن صحابيّه ﵁ أحد الخلفاء الراشدين الأربعة، واحد العشرة المبشّرين بالجنّة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَليٍّ ﵁) أنه (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَكَ تَنَوَّقُ) بفتح التاء الفوقيّة، ثم نون مفتوحة، ثمّ واو مشدّدة، ثمّ قاف: أي تختار، وتُبالغ في الاختيار. وقال القرطبيّ: هذا الحرف عند أكثر الرواة بفتح النون والواو وتشديدها، وهو فعلٌ مضارعٌ محذوف إحدى التاءين، وماضيه تَنَوَّقَ، ومصدره تَنَوُّقًا: أي بالغ في اختيار الشيء، وانتقائه. وعند العذريّ، والهوزنيّ، وابن الحذاء: تَتُوقُ- بتاء مضمومة، من تاق يتوقُ، توقًا، وتَوَقَانًا: إذا اشتاق. انتهى (١).
وقال في "الفتح" بعد ما ذكر نحو ما تقدّم في ضبطه: مشتقٌّ من النّيقة -بكسر النون، وسكون التحتانيّة، بعدها قافٌ: وهو الخيار من الشيء، يقال: تنوّق تنوُّقًا: أي بالغ في اختيار الشيء، وانتقائه. انتهى (فِي قُرَيْشٍ) متعلّق بـ"تنوّق"، أي تختار نساء قريش غير بني هاشم فتنكحهن (وَتَدَعُنَا؟) أي تتركنا معاشر بني هاشم، فلا تنكح نساءهم.
وفي رواية سعيد بن منصور، من طريق سعيد بن المسيّب: "قال عليّ: يا رسول اللَّه، ألا تتزوّج بنت عمّك حمزة، فإنها من أحسن فتاة قريش".
وكأن عليًّا لم يعلم بأن حمزة رضيع النبيّ ﷺ ، أو جوّز الخصوصيّة، أو كان ذلك قبيل تقرير الحكم. قال القرطبيّ: وبعيد أن يقال عن عليّ: لم يعلم بتحريم ذلك. قاله في "الفتح" (٢).
(قَالَ) ﷺ (وَعِنْدَكَ) وفي نسخة: "وعندكم" (أَحَدٌ؟) بتقدير أداة الاستفهام، أي هل
стр. 13988
عندكم امرأة تصلُح للنكاح؟.
[تنبيه]: إنما ذَكَّر لفظ "أحد" وإن كان المراد المرأة؛ لأنه يطلق على الذكر والأنثى، والواحد والكثير. قال الفيّوميّ: و"أحَدٌ" أصله وَحَدٌ، فأُبدلت الواو همزةً، ويقع على الذكر والأنثى، وفي التنزيل: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية. ويكون بمعنى "شيء"، وعليه قراءة ابن مسعود: "وإن فاتكم أحدٌ من أزواجكم". أي شيءٌ. ويكون أحدٌ مرادفًا لواحدٍ في موضعين سماعًا: أحدهما وصف اسم الباري تعالى، فيقال: هو الواحد، وهو الأحد؛ لاختصاصه بالأحديّة، فلا يَشْرَكُهُ فيها غيره، ولهذا لا يُنعت به غير اللَّه تعالى، فلا يقال: رجلٌ أحدٌ، ولا درهمٌ أحدٌ، ونحو ذلك. والموضع الثاني: أسماء العدد؛ للغلبة، وكثرة الاستعمال، فيقال: أحدٌ وعشرون، وواحدٌ وعشرون، وفي غير هذين يقع الفرق بينهما في الاستعمال بأن "الأحد" لنفي ما يذكر معه، فلا يُستعمل إلا في الجحد؛ لما فيه من العموم، نحوُ ما قام أحدٌ، أو مضافًا نحو ما قام أحدُ الثلاثة، والواحد اسمٌ لِمُفتَتَحِ العددِ، كما تقدّم، ويُستعمل في الإثبات مضافًا، وغير مضافٍ، فيقال: جاءني واحدٌ من القوم، وأما تأنيث أحد، فلا يكون إلا بالألف، لكن لا يقال: إحدى إلا مع غيرها، نحوُ إحدى عشرة، وإحدى وعشرون، قال ثعلب: وليس للأحد جمعٌ، وأما الآحاد، فيحتمل أن يكون جمع الواحد، مثل شاهد وأشهاد، قالوا: وإذا نُفي أحدٌ اختَصَّ بالعاقل، وأطلقوا فيه القول، وقد تقدّم أن "الأحد" يكون بمعنى "شيء"، وهو موضوع للعموم، فيكون كذلك، فيُستعمل لغير العاقل أيضًا، نحوُ ما بالدار من أحد، أي من شيء، عاقلًا كان أو غير عاقل، ثم يُستثنى، فيقال: إلا حمارًا، ونحوهُ، فيكون الاستثناء متّصلًا، وصرّح بعضهم بإطلاق "أحد" على غير العاقل؛ لأنه بمعنى "شيء"، كما تقدّم انتهى كلام الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى- (١).
(قُلْتُ: نَعَمْ، بِنتُ حَمْزَةَ) مبتدأ خبره محذوف، أي عندنا بنت حمزة بن عبد المطّلب ﵁. واسمها عُمارة. وقيل: فاطمة. وقيل: أمامة. وقيل: أمة اللَّه. وقيل: سلمى. والأول هو المشهور. قاله في "الفتح" (٢). وقال في موضع آخر: وجملة ما تحصّل لنا من الخلاف في اسمها سبعة أقوال: أمامة، وعمارة، وسلمى، وعائشة، وفاطمة، وأمة اللَّه، ويعلى. وحكى المزّيّ في أسمائها أمّ الفضل، لكن صرّح ابن بشكوال بأنها كنية. انتهى (٣).
стр. 13989
(قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّهَا لَا تحَلُّ لِي) أي لا يحلّ لي نكاحها (إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ) جملة "إنّ" تعليليّةٌ؛ إنما لم تحلّ لي؛ لأنها ابنة أخي من الرضاعة، وهو حمزة ابن عبد المطّلب ﵁، فقد أرضعتهما ثُويبة مولاة أبي لهب، عمّه ﷺ ، كما أرضعت أبا سلمة ﵁. قال مصعب الزبيريّ: كانت ثُويبة أرضعت النبيّ ﷺ بعد ما أرضعت حمزة، ثم أرضعت أبا سلمة. انتهى.
[تنبيه]: ذكر ابن منده ثويبة في "الصحابة"، وقال: اختُلف في إسلامها. وقال أبو نُعيم: لا نعلم أحدًا ذكر إسلامها غيره. والذي في السير أن النبيّ ﷺ كان يُكرمها، وكانت تدخل عليه بعد ما تزوّج خديجة، وكان يرسل إليها الصلة من المدينة إلى أن كان بعد فتح خيبر ماتت، ومات ابنها مسروح انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٥٠/ ٣٣٠٥ - وفي "الكبرى" ٤٧/ ٥٤٤٦. وأخرجه (م) في "الرضاع" ١٤٤٦ (أحمد) في "مسند العشرة" ٦٢١ و ٩٣٣ و ١١٠٢ و ١١٧٣ و ١٣٦١. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان تحريم بنت الأخ من الرضاعة. (ومنها): أن فيه ثبوت الرضاع بالاستفاضة، فإنها كانت في الجاهليّة، وكان ذلك مستفيضًا عند من وقع له. (ومنها): أيضًا يستفاد ثبوت النسب، فإنه إذا ثبت الرضاع، فإن من لازمه أن يثبت النسب، وقد عقد الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- لذلك بابًا، فقال: [باب الشهادة على الأنساب، والرضاع، والمستفيض، والموت القديم].
قال في "الفتح": هذه الترجمة معقودة لشهادة الاستفاضة، وذكر منها النسب، والرضاعة، والقديم، فأما النسب، فيستفاد من أحاديث الرضاعة، فإنه من لازمه، وقد نُقِل فيه الإجماع، وأما الرضاعة، فيستفاد ثبوتها بالاستفاضة من أحاديث الباب، فإنها
стр. 13990
كانت في الجاهليّة، وكان ذلك مستفيضا عند من وقع له. وأما الموت القديم، فيستفاد منه حكمه بالإلحاق. قاله ابن المنيّر. واحترز بالقديم عن الحادث، والمراد بالقديم ما تطاول الزمان عليه، وحدّه بعض المالكيّة بخمسين سنة، وقيل: بأربعين انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٣٠٦ - (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, عَنْ شُعْبَةَ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ بِنْتُ حَمْزَةَ, فَقَالَ: «إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ» , قَالَ: شُعْبَةُ: هَذَا سَمِعَهُ قَتَادَةُ, مِنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "إبراهيم بن محمد" بن عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن مَعمَر التيمي المعمريّ، أبو إسحاق البصريّ، قاضيها، ثقة [١١] ٢٨/ ٥٥٠.
و"يحيى بن سعيد": هو القطّان. و" جابر بن زيد": هو أبو الشعثاء الأزديّ، ثم الْجَوْفيّ البصريّ الثقة الفقيه [٣] ١٣٦/ ٢٣٦.
ورجال الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وفيه رواية تابعي، عن تابعيّ.
وقوله: "ذُكر لرسول اللَّه ﷺ الخ" بالبناء للمفعول، وقد تقدّم أن الذي ذكر له ذلك هو عليّ ﵁.
وقوله: "قال شعبة الخ" إنما صرّح شعبة بذلك؛ لأن قتادة مشهورٌ بالتدليس، فيُخشى أن يكون دلّسه، فأزال ذلك بأنه سمعه من جابر.
والحديث متّفقٌ عليه، وأخرجه المصنّف هنا -/ ٣٣٠٧ و ٣٣٠٨ - وفي "الكبرى" ٤٧/ ٥٤٤٥ و ٥٤٤٧. وسبق تمام البحث فيه في الحديث الذي قبله.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٣٠٧ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , أُرِيدَ عَلَى بِنْتِ حَمْزَةَ, فَقَالَ: «إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ, وَإِنَّهُ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عبد اللَّه بن الصبّاح بن عبد اللَّه": هو الهاشميّ العطار البصريّ، ثقة، من كبار [١٠] ٤٩/ ١٧٣٩.
و"محمد بن سواء" - بتخفيف الواو، والمدّ-: هو أبو الخطّاب السدوسيّ العنبريّ البصريّ المكفوف، صدوق رمي بالقدر [٩] ٧٨/ ١٩٩٣.
و"سعيد": هو ابن ابن أبي عروبة.
стр. 13991
وقوله: "أريد على بنت حمزة" أي أرادوه لأجل أن يتزوّجها، وقد سبق أن الذي أراده على ذلك، وطلب منه ذلك هو عليّ بن أبي طالب ﵁.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٥١ - (الْقَدْرُ الَّذِي يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "يحرم" بضم أوله، وفتح ثانيه، وتشديد الراء المكسورة من التحريم، مبنيًا للفاعل، والمعنى بيان عدد الرضاعة الذي يثبت به التحريم للرضاعة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٣٠٨ - (أَخْبَرَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ, قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ, عَنْ عَمْرَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: كَانَ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَقَالَ الْحَارِثُ: "فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ, عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ, يُحَرِّمْنَ, ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ", فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , وَهِيَ مِمَّا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هارون بن عبد اللَّه) أبو موسى الحمّال البغداديّ، ثقة حافظ [١٠] ٥٠/ ٦٢.
٢ - (الحارث بن مسكين) بن محمد المصريّ القاضي، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩.
[تنبيه]: قوله: "والحارثُ بنُ مسكين" بالرفع عطف على "هارون"، فهو شيخ ثان للمصنّف. واللَّه تعالى أعلم.
٣ - (معن) بن عيسى القزّاز المدنيّ، ثقة ثبت، من كبار [١٠] ٥٠/ ٦٢.
٤ - (ابن القاسم) عبد الرحمن الْعُتَقيّ المصريّ الفقيه، ثقة، من كبار [١٠] ١٩/ ٢٠.
٥ - (مالك) بن أنس الإمام الحجة الثبت [٧] ٧/ ٧.
٦ - (عبد اللَّه بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ المدنيّ القاضي، ثقة [٥] ١١٨/ ١٦٣.
стр. 13992
٧ - (عمرة) بنت عبد الرحمن بن سعد بن زُرارة الأنصارية المدنيّة، ثقة [٣] ١٣٤/ ٢٠٣.
٨ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث فتفرد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير هارون، فبغداديّ، والحارث وابن القاسم، فمصريان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّة، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: كَانَ فِيمَا أَنزَلَ اللَّهُ ، وَقَالَ الْحَارِثُ: "فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ القُرآنِ، عَشْرُ رَضَعَات) مبتدأ خبره جملة "يُحرّمن". وقوله (مَعْلُومَاتٍ) احترز به عما يُتوهّم، أو يُشكّ في وصوله إلى الجوف من الرضعات، وفيه أن الرضعات إذا كانت غير معلومات لم تحرّم (يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ) أي التحريم المتعلّق بالرضاع كان شرطه أن يكون الرضيع رضع من المرأة عشر رضعات معلومات، ثم نسخ ذلك بأنه إذا رضع منها خمس رضعات معلومات ثبت التحريم بينهما (فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَهِيَ مِمَّا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ) ببناء الفعل للمفعول، والجملة في محلّ نصب على الحال، أي مات ﷺ ، والحال أن "خمس رضعات معلومات"
يُحرّمن من جملة ما يُقرأ من القرآن.
قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: وقولها: "فتوفي رسول اللَّه ﷺ ، وهنّ فيما يُقرأ" بضمّ الياء من يُقرأ، ومعناه: أن النسخ بخمس رضعات تأخّر إنزاله جدًّا حتّى إنه ﷺ توفّي، وبعض الناس يقرأ خمس رضعات، ويجعلها قرآنا متلوًّا؛ لكونه لم يبلغه النسخ؛ لقرب عهده، فلما بلغهم النسخ بعد ذلك رجعوا عن ذلك، وأجمعوا على أن هذا لا يُتلى.
والنسخ ثلاثة أنواع:
[أحدها]: ما نُسخ حكمه، وتلاوته، كعشر رضعات. [والثاني]: ما نُسخت تلاوته، دون حكمه، كخمس رضعات، وكـ "الشيخ والشيخة إذا زنيا، فارجموهما". [والثالث]: ما نُسخ حكمه، وبقيت تلاوته، وهذا هو أكثر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، واللَّه أعلم انتهى (١).
стр. 13993
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -؛ الحاصل أن كُلًّا من العشر، والخمس منسوخٌ، لكن الأول نسخ تلاوةً وحكمًا، بخلاف الثاني، فإنه نسخ تلاوةً فقط، دون حكم، فيجب العمل به، فلا يُحرّم من الرضاع أقلّ من خمس رضعات، وهذا هو الراجح. وسيأتي تحقيق الخلاف فيه قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٥١/ ٣٣٠٨ - وفي "الكبرى"٤٨/ ٥٤٤٩. وأخرجه (م) في "الرضاع" ١٤٥٢ (د) في "النكاح" ٢٠٦٢ (ق) في "النكاح" ١٩٤٢ (الموطأ) في "الرضاع" ١٢٩٣ (الدارمي) في "النكاح" ٢٢٥٣. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان القدر الذي يحرّم من الرضاعة، وهو خمس رضعات معلومات، وفيه اختلاف بين العلماء، كما سيأتي تحقيقه في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): أن فيه جواز النسخ، وأنه ثلاثة أقسام: ما نُسخ تلاوة وحكمًا. وما نُسخ حكما فقط. وما نُسخ تلاوةً فقط، كما سبق بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في مقدار ما يُحرّم من الرضاعة:
قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى-: اختلف السلف والخلف في مقدار ما يحرّم من الرضاع:
فقال مالك، وأبو حنيفة، وأصحابه، والثوريّ، والأوزاعيّ، والليث، والطبري: قليل الرضاع، وكثيره يُحرّم، ولو مصّةً واحدةً، إذا وصلت إلى حلقه، وجوفه.
وهو قول عليّ، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عبّاس، وسعيد بن المسيّب، والحسن، ومجاهد، وعروة، وطاوس، وعطاء، ومكحول، والزهويّ، وقتادة، والحكم، وحمّاد. وقال الليث بن سعد: أجمع المسلمون في أن قليل الرضاع، وكثيره يُحرّم في المهد ما أفطر الصائم.
قال أبو عمر: لم يقف الليث على خلاف في ذلك.
وعند مالك في هذا الباب: عن إبراهيم بن عقبة؛ أنه سأل سعيد بن المسيّب، عن
стр. 13994
الرضاعة؟ فقال سعيد: كلّ ما كان في الحولين، وإن كانت قطرة واحدةً، فهو يحرّم، وما كان بعد الحولين، فإنما هو طعام يأكله.
قال إبراهيم بن عقبة: ثم سألت عروة بن الزبير؟ فقال: مثل ما قال سعيد بن المسيّب. وعن يحيى بن سعيد أنه قال: سمعت سعيد بن المسيّب يقول: لا رضاعة إلا ما كان في المهد، وإلا ما أنبت اللحم والدم.
وعن ابن شهاب أنه كان يقول: الرضاعة قليلها وكثيرها تُحرّم، والرضاعة من قبل الرجال تُحرّم.
قال أبو عمر: الحجة في هذا ظاهر قول اللَّه : ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، ولم يخصّ قليل الرضاعة من كثيرها.
وقد روى ابن جريج، عن عمر بن دينار، عن ابن عمر أنه قيل له: قضى ابن الزبير بألا تُحرّم المصة، ولا المصّتان. فقال: قضاء اللَّه خير من قضاء ابن الزبير، حرّم الأختَ من الرضاعة.
وقالت طائفة منهم: عبد اللَّه بن الزبير، وأمّ الفضل، وعائشة على اختلاف عنها: لا تحرّم المصة، ولا المصّتان، ولا الرضعة، ولا الرضعتان، ولا الإملاجة، ولا الإملاجتان.
وبه قال سليمان بن يسار، وسعيد بن المسيّب. وإليه ذهب أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عُبيد. ورووا في ذلك حديثًا عن النبيّ ﷺ أنه قال: "لا تحرّم الإملاجة، ولا الإملاجتان" (١)، ومنهم من يرويه: "الرضعة، والرضعتان". قالوا: فما زاد على ذلك حرَّم، وذهبوا إلى أن الثلاث رضعات، فما فوقها تحُرّم، ولا تحرّم ما دونها.
وذهب الشافعيّ إلى أنه لا يحرّم من الرضاع إلا خمس رضعات متفرّقات. واحتجّ بقوله ﷺ : "لا تحرّم الرضاعة، ولا الرضعتان، ولا المصّة، ولا المصّتان". ومما رواه أبو بكر، قال: حدّثنا أبو خالد الأحمر، عن حجّاج، عن أبي الزبير، قال: سألت ابن الزبير، عن الرضاع؛ فقال: لا تُحرّم الرضعة، ولا الرضعتان، ولا الثلاث، قال أصحابه: وابن الزبير، رَوَى هذا الحديثَ، وفَهِمَ منه أنه لا تُحرّم الثلاث أيضًا، وأفتى به. وذكروا عن ابن مسعود، وأبي موسى، وسليمان بن يسار، وغيرهم أنهم قالوا: إنما يُحرّم من الرضاع ما أنبت اللحم والدم، وأنشز العظم، وفتق الأمعاء. وعن أبي هريرة
стр. 13995
- ﵁: "لا يُحرّم من الرضاعة إلا ما فتَقَ الأمعاء".
واحتجّ الشافعيّ بحديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - المذكور في الباب: "كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يُحرّمن، ثم نُسخن … " الحديث.
فكان في هذا الحديث بيان ما يُحرّم من الرضعات، وكان مفسِّرًا لقوله: "لا تحرّم الرضعة، والرضعتان"، فدلّ على أن قوله: "لا تحرّم المصّة، ولا المصّتان، ولا الرضعة، ولا الرضعتان" خرج على جواب سائل سأله عن الرضعة، والرضعتين، هل تُحرّمان؟ فقال: لا؛ لأن من سنّته وشريعته أنه لا يُحرّم إلا خمس رضعات، وأنها نَسَخت العشر الرضعات، كما لو سأل سائلٌ: هل يُقطع السارق في درهم، أو درهمين؟، كان الجواب لا يقطع في درهم، ولا درهمين؛ لأنه قد بيّن رسول اللَّه ﷺ أنه لا يقطع إلا في ربع دينار، فكذلك بيانه في الخمس الرضعات.
[أفإن قيل]: لو كانت ناسخةً للعشر رضعات عند عائشة كما روت عنها عمرة، ما كانت عائشة لتأمر أختها أم كلثوم أن تُرضع سالم بن عبد اللَّه عشر رضعات؛ ليدخل عليها، فتستعمل المنسوخ، وتدع الناسخ. وكذلك حفصة أمرت أختها فاطمة بمثل ذلك في عاصم.
[والجواب]: أن أصحاب عائشة الذين هم أعلم بها من نافع، وهم: عروة، والقاسم، وعمرة رووا عنها خمس رضعات، ولم يَرو أحدٌ منهم عشر رضعات. وقد روي عنها سبع رضعات، وقد روي عنها عشر رضعات، والصحيح عنها خمس رضعات، ومن روى أكثر من خمس رضعات، فقد وَهِم؛ لأنه قد صحّ عنها أن الخمس الرضعات المعلومات نَسخن العشر المعلومات، فمحالٌ أن تقول بالمنسوخ. وهذا لا يصحّ عنها عند ذي فهم. وفي حديثها المسند أن رسول اللَّه ﷺ أمر سهلة بنت سُهيل امرأة أبي حذيفة أن تُرضع سالمًا مولى أبي حذيفة خمس رضعات. قال عروة: فأخذت بذلك عائشة. فكيف يَقبَل أحدٌ عنها أنها أفتت بعد موت النبيّ ﷺ بعشر رضعات؟ هذا لا يقبله من أنصف نفسه، ووفق لرشده، ولو صحّ عنها حديث نافع، عن سالم في العشر كان غيره معارضًا له بالخمس. انتهى كلام ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى- (١).
وقال العلاّمة ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-: قال أصحاب الخمس: الحجة لنا حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، وقد أخبرت هي أن رسول اللَّه ﷺ توفّي، والأمر على ذلك، قالوا: ويكفي في هذا قول النبيّ ﷺ لسهلة بنت سهيل: "أرضعي سالمًا خمس
стр. 13996
رضعات، تحرمي عليه"، قالوا: وعائشة أعلم الأمة بحكم هذه المسألة هي، ونساء النبيّ ﷺ ، وكانت عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - إذا أرادت أن يدخل عليها أحدٌ أمرت إحدى بنات إخوتها، أو أخواتها، فأرضعته خمس رضعات. قالوا: ونفي التحريم بالرضعة، والرضعتين صريحٌ في عدم تعليق التحريم بقليل الرضاع وكثيره، وهي ثلاثة أحاديث صحيحة صريحة، بعضها خرج جوابًا للسائل، وبعضها تأسيسُ حكم مبتدأ. قالوا: وإذا علقنا التحريم بالخمس، لم نكن قد خالفنا شيئًا من النصوص التي استدللتم بها، وإنما نكون قد قيّدنا مطلقها بالخمس، وتقييد المطلق بيان، لا نسخٌ، ولا تخصيص.
وأما من علّق التحريم بالقليل والكثير، فإنه يُخالف أحاديث نفي التحريم بالرضعة والرضعتين، وأما صاحب الثلاث، فإنه وإن لم يُخالفها، فهو مخالف لأحاديث الخمس.
قال من لم يُقيّده بالخمس: حديث الخمس لم تنقله عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - نقل الأخبار، فيحتجَّ به، وإنما نقلته نقل القرآن، والقرآن إنما يَثبُت بالتواتر، والأمة لم تنقل ذلك قرآنًا، فلا يكون قرآنًا، وإذا لم يكن قرآنًا، ولا خبرًا امتنع إثبات الحكم به.
قال أصحاب الخمس: الكلام فيما نقل من القرآن آحادًا في فصلين:
[أحدهما]: كونه من القرآن.
[والثاني]: وجوب العمل به، ولا ريب أنهما حكمان متغايران، فإن الأول يوجب انعقاد الصلاة به، وتحريم مسّه على المحدث، وقراءته على الجنب، وغير ذلك من أحكام القرآن، فإذا انتفت هذه الأحكام لعدم التواتر، لم يلزم انتفاء العمل به، فإنه يكفي فيه الظنّ، وقد احتجّ كلّ واحد من الأئمة الأربعة به في موضع، فاحتجّ به الشافعيّ، وأحمد في هذا الموضع. واحتجّ به أبو حنيفة في وجوب التتابع في صيام الكفّارة بقراءة ابن مسعود: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات". واحتجّ به مالك، والصحابة قبله في فرض الواحد من ولد الأمّ أنه السدس بقراءة أُبَيّ: "وإن كان رجلٌ يُورث كلالة، أو امرأة، وله أخ، أو أخت من أمّ، فلكلّ واحد منهما السدس"، فالناس كلهم احتجّوا بهذه القراءة، ولا مستند للإجماع سواها.
قالوا: وأما قولكم: إما أن يكون نقله قرآنًا، أو خبرًا، قلنا: بل قرآنًا صريحًا، قولكم: فكان يجب نقله متواترًا، قلنا: حتى إذا نسخ لفظه، أو بقي، أما الأول، فممنوع، والثاني مسلَّم، وغاية ما في الأمر أنه قرآن نُسخ لفظه، وبقي حكمه، فيكون له حكم قوله: "الشيخ والشيخة إذا زنيا، فارجموهما" مما اكتُفِى بنقله آحادًا، وحكمه ثابت، وهذا مما لا جواب عنه.
стр. 13997
وفي المسألة مذهبان آخران ضعيفان:
"أحدهما": أن التحريم لا يثبت بأقلّ من سبع، كما سئل طاوس عن قول من يقول: لا يحرم من الرضاع، دون سبع رضعات، فقال: قد كان ذلك، ثم حدث بعد ذلك أمر جاء بالتحريم، المرّةُ الواحدة تحرّم، وهذا المذهب لا دليل عليه.
[الثاني]: التحريم إنما يثبت بعشر رضعات، وهذا يُروى عن حفصة، وعائشة - رضي اللَّه تعالى عنهما -.
وفيها مذهب آخر، وهو الفرق بين أزواج النبيّ ﷺ ، وغيرهنّ قال طاوس: كان لأزواج النبيّ ﷺ رضعات محرّمات، ولسائر الناس رضعات معلومات، ثم تُرك ذلك بعد.
وقد تبيّن الصحيح من هذه الأقوال. وباللَّه التوفيق انتهى كلام ابن القيّم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (١).
وقال الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى-: أجاب القائلون بتحريم قليل الرضاع وكثيره عن الأحاديث التي استدلّ بها القائلون بخمس رضعات بأجوبة:
[منها]: أنها متضمّنة لكون الخمس الرضعات قرآنا، والقرآن شرطه التواتر، ولم يتواتر محلّ النزاع.
وأجيب بأن كون التواتر شرطًا ممنوعٌ، والسند ما أسلفنا عن أئمّة القراءات، كالجزريّ وغيره في "باب الحجّة في الصلاة بقراءة ابن مسعود، وأُبيّ" من أبواب الصلاة، فإنه نقل هو وجماعة من أئمة القراءات الإجماع على ما يُخالف هذه الدعوى، ولم يُعارضه نقله ما يصلح لمعارضته، كما بيّنا ذلك هناك. وأيضًا اشتراط التواتر فيما نُسخ لفظه على رأي المشترطين ممنوعٌ. وأيضًا انتفاء قرآنيّته لا يستلزم انتفاء حجّيّته على فرض شرطيّة التواتر؛ لأن الحجّة ثبتت بالظنّ، ويجب عنده العمل، وقد عَمِلَ الأئمة بقراءة الآحاد في مسائل كثيرة، منها: قراءة ابن مسعود "فصيام ثلاثة أيام متتابعات"، وقراءة أُبيّ: "وله أخٌ أو أختٌ من أمّ"، ووقع الإجماع على ذلك، ولا مستند له غيرها. وأجابوا أيضًا بأن ذلك لو كان قرآنا لحُفِظ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. وأجيب بأن كونه غير محفوظ ممنوعٌ، بل قد حفظه اللَّه برواية عائشة له. وأيضًا المعتبر حفظ الحكم، ولو سُلّم انتفاء قرآنيّته على جميع التقادير لكان سنة؛ لكون الصحابيّ راويًا له عنه ﷺ ؛ لوصفه له بالقرآنيّة، وهو يستلزم صدوره
стр. 13998
عن لسانه، وذلك كاف في الحجيّة؛ لما تقرّر في الأصول من أن المرويّ آحادًا إذا انتفى عنه وصف القرآنيّة لم ينتف وجوب العمل به، كما سلف.
واحتجّوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وإطلاق الرضاع يُشعر بأنه يقع بالقليل والكثير، ومثلُ ذلك حديثُ: "يحرم من الرضاع ما يحرُم من النسب". ويُجاب بأنه مطلقٌ مقيّد بما سلف.
واحتجّوا بما ثبت في "الصحيحين" عن عقبة بن الحارث ﵁ أنه تزوّج أم يحيى بنت أبي إهاب الآتي للنسائيّ في -٥٧/ ٣٣٣١ - ، فإن النبيّ ﷺ لم يستفصله عن الكيفيّة، ولا سأل عن العدد حين أمره بفراقها.
ويُجاب أيضًا بأن أحاديث الباب اشتملت على زيادة على ذلك المطلق المشعور به من ترك الاستفصال، فيتعيّن الأخذ بها، على أنه يمكن أن يكون ترك الاستفصال لسبق البيان منه ﷺ للقدر الذي يثبت به التحريم.
[فإن قلت]: حديث: "لا يُحرّم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء" يدلّ على عدم اعتبار الخمس؛ لأن الفتق يحصل بدونها.
[قلت]: أجيب عن ذلك بأن الحديث منقطع؛ لأنه من رواية فاطمة بنت المنذر، عن أم سلمة، ولم تسمع منها شيئًا.
فالظاهر ما ذهب إليه القائلون باعتبار الخمس.
وأما حديث: "لا تُحرّم الرضعة والرضعتان"، ونحوه من الأحاديث، فمفهومها يقتضي أن ما زاد عليها يوجب التحريم، كما أن مفهوم أحاديث الخمس أن ما دونها لا يقتضي التحريم، فيتعارض المفهومان، ويُرجع إلى الترجيح، ولكنه قد ثبت عند ابن ماجه بلفظ: "لا يُحرّم إلا عشر رضعات، أو خمس"، وهذا مفهوم حصر، وهو أولى من مفهوم العدد.
وأيضًا قد ذهب بعض علماء البيان كالزمخشريّ إلى أن الإخبار بالجملة الفعليّة المضارعية يفيد الحصر، والإخبار عن الخمس الرضعات بلفظ يُحرّمن كذلك، ولو سلم استواء المفهومين، وعدم انتهاض أحدهما كان المتوجّه تساقهما، وحمل ذلك المطلق على الخمس، لا على ما دونها، إلا أن يدلّ عليه دليلٌ، ولا دليل يقتضي أن ما دون الخمس يحرم إلا مفهوم قوله: "لا تحرّم الرضعة والرضعتان"، والمفروض أنه قد سقط، نعم لا بدّ من تقييد الخمس الرضعات بكونها في زمن المجاعة؛ لحديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - الآتي آخر الباب: "فإن الرضاعة من المجاعة".
وأما حديث ابن مسعود ﵁ عند أبي داود، مرفوعًا: "لا رضاع إلا ما أنشز العظم،
стр. 13999
وأنبت اللحم". فيجاب بأن الإنبات والإنشاز إن كانا يحصلان بدون الخمس، ففي حديث الخمس زيادة يجب قبولها، والعمل بها، وإن كانا لا يحصلان إلا بزيادة عليها، فيكون حديث الخمس مقيّدًا بهذا الحديث، لولا أنه من طريق أبي موسى الهلاليّ، عن أبيه، عن ابن مسعود. وقد قال أبو حاتم: إن أبا موسى، وأباه مجهولان. وقد أخرجه البيهقيّ من حديث أبي حَصِين، عن أبي عطيّة، قال: جاء رجلٌ إلى أبي موسى، فذكره بمعناه، وهذا يدلّ على فرض أنه يفيد ارتفاع الجهالة عن أبي موسى، لا يفيد ارتفاعها عن أبيه، فلا ينتهض الحديث لتقييد أحاديث الخمس بإنشاز العظم، وإنبات اللحم. انتهى كلام الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى- ببعض تصرّف (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن مما تقدّم من الأدلة أن ما ذهب إليه القائلون باعتبار الخمس، ومنهم الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى- هو الأرجح، لوضوح أدلّته، وانظر ما كتبه ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى- في "المُحلّى" منتصرًا لهذا المذهب، فقد حقّق الموضوع تحقيقًا جيّدًا. (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٣٠٩ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ, عَنْ قَتَادَةَ, وَأَيُّوبَ, عَنْ صَالِحٍ, أَبِي الْخَلِيلِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ, عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ, أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ , سُئِلَ عَنِ الرَّضَاعِ؟ فَقَالَ: «لَا تُحَرِّمُ الإِمْلَاجَةُ, وَلَا الإِمْلَاجَتَانِ». وَقَالَ قَتَادَةُ: «الْمَصَّةُ, وَالْمَصَّتَانِ»).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عبد اللَّه بن الصبّاح بن عبد اللَّه) الهاشميّ العطّار البصريّ، ثقة، من كبار [١٠] ٤٩/ ١٧٣٩.
٢ - (محمد بن سواء) -بتخفيف الواو، والمدّ- أبو الخطّاب السدوسيّ العنبريّ البصريّ المكفوف، صدوق رمي بالقدر [٩] ٧٨/ ١٩٩٣.
٣ - (سعيد) بن أبي عروبة مهران، أبو النضر البصريّ، ثقة ثبت، من أثبت الناس في قتادة، لكنه يدلس، واختلط بآخره [٦] ٣٤/ ٣٨.
٤ - (قتادة) بن دعامة السدوسيّ، أبو الخطاب البصريّ، ثقة ثبت، يدلس [٤] ٣٠/ ٣٤.
стр. 14000
٥ - (أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت فقيه عابد [٥] ٤٢/ ٤٨.
[تنبيه]: قوله: "وأيوب" بالجرّ عطفا على "قتادة"، فسعيد يروي هذا الحديث عن كلّ من قتادة، وأيوب، وكلاهما يرويانه عن صالح أبي الخليل. واللَّه تعالى أعلم.
٦ - (صالحٌ) بن أبي مريم الضُّبَعيّ مولاهم، أبو الخليل البصريّ، ثقة [٦].
قال ابن معين، وأبو داود، والنسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وأغرب ابن عبد البرّ، فقال في "التمهيد": لا يُحتجّ به. أخرج له الجماعة، وله عند المصنف في هذا الكتاب خمسة أحاديث برقم ٣٣٠٩ و ٣٣٣٤ و ٤٤٥٨ و ٤٤٦٥ و ٤٥٦٥.
٧ - (عبد اللَّه بن الحارث بن نوفل) أبو محمد الهاشمي المدنيّ، أمير البصرة، له رؤية، ولأبيه، وجدّه صحبة [٢] ٤١/ ٢٢١١.
٨ - (أمّ الفضل) لبابة بنت الحارث بن حَزن الهلاليّة، زوج العباس بن عبد المطّلب، وأخت ميمونة زوج النبيّ ﷺ ، ماتت في خلافة عثمان ﵁، تقدّمت ترجمتها في ٦٤/ ٩٨٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير الصحابية، فإنها مدنيّة. (ومنها): أن رواية قتادة، وأيوب عن صالح أبي الخليل من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأنهما تابعيان، بخلافه. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أُمِّ الفَضْلِ) لبابة بنت الحارث - رضي اللَّه تعالى عنها - (أَنَّ نَبِيَّ اللَّه ﷺ ، سُئِلَ عَنِ الرِّضَاعِ؟) أي عن مقدار الرضاع الذي يتعلق به التحريم (فَقَالَ: "لَا تحُرِّمُ الإمْلَاجَةُ) بكسر الهمزة المرّة، من أملجته أمه: إذا أرضعته، أي لا تحرّم الرضعة الواحدة (وَلَا الإِمْلَاجَتَانِ) أي الرضعتان (وَقَالَ قَتَادَةُ) بن دعامة في روايته (الْمَصَّةُ) بفتح الميم، وتشديد الصاد المهملة: المرّة من مَصّ يَمَصّ، يقال: مَصِصْتُه بالكسر أَمَصُّهُ، من باب تَعِبَ، ومَصَصْتُهُ أمُصُّهُ، من باب قتل: شربتُهُ شُربًا رَفِيقًا، كامتصصته. أفاده في "القاموس".
أي لا تُحرّم الرضعة الواحدة (وَالْمَصَّتَانِ) أي الرضعتان. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 14001
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أم الفضل - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥١/ ٣٣٠٩ - وفي "الكبرى" ٤٨/ ٥٤٥٤. وأخرجه (م) في "الرضاع" ١٤٥١ (ق) في " النكاح" ١٩٤٠ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار"٢٦٣٣٢ و ٢٦٣٣٩ (الدارمي) في "النكاح" ٢٢٥٢. واللَّه تعالى أعلم.
وتمام البحث فيما يتعلّق بمذاهب العلماء تقدّم في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٣١٠ - (أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ يُوسُفَ, عَنْ يَحْيَى, عَنْ هِشَامٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ, وَالْمَصَّتَانِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "شُعيب بن يوسف": أبو عمرو النسائيّ، ثقة صاحب حديث [١٠] ٤٢/ ٤٩ من أفراد المصنّف.
و"يحيى": هو القطّان. و"هشام": هو ابن عروة. والحديث صحيح، انفرد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-٥١/ ٣٣١٠ - وفي "الكبرى" ٤٨/ ٥٤٥٦، وتقدّم شرحه، والبحث عما يتعلّق به من المسائل قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٣١١ - (أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ, وَالْمَصَّتَانِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "زياد بن أيوب": هو أبو هاشم الطوسيّ الأصل، يُلقّب دلّويه، وكان يغضب منها، ولقّبه أحمد شعبة الصغير، ثقة حافظ [١٠] ١٠١/ ١٣٢. و"أيوب": هو ابن أبي تميمة كيسان السختيانيّ. و"ابن أبي مليكة": هو عبد اللَّه ابن عبيد اللَّه المكيّ.
والحديث أخرجه مسلم في "الرضاع" ١٤٥٠، وأخرجه المصنّف هنا - ٥١/ ٣٣١١، و ٣٣١٢ - وفي "الكبرى" ٤٨/ ٥٤٥١ و ٥٤٦٢. و (د) في "النكاح" ٢٠٦٣ (ت) في "الرضاع" ١١٥٠ و (ق) في "النكاح" ١٩٤١ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٣٥٠٦ و ٢٤١٢٣ و ٢٥٢٨٤ و ٢٥٥٦٨ (الدارمي) في "النكاح" ٢٢٥١.
وشرح الحديث، والمسائل المتعلّقة به سبقت قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 14002
٣٣١٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -يَعْنِي ابْنَ زُرَيْعٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ, عَنْ قَتَادَةَ, قَالَ: كَتَبْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ النَّخَعِيِّ, نَسْأَلُهُ عَنِ الرَّضَاعِ؟ فَكَتَبَ أَنَّ شُرَيْحًا, حَدَّثَنَا أَنَّ عَلِيًّا, وَابْنَ مَسْعُودٍ, كَانَا يَقُولَانِ: يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ, وَكَانَ فِي كِتَابِهِ, أَنَّ أَبَا الشَّعْثَاءِ الْمُحَارِبِيَّ, حَدَّثَنَا أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهُ, أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ , كَانَ يَقُولُ: «لَا تُحَرِّمُ الْخَطْفَةُ, وَالْخَطْفَتَانِ»).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (محمد بن عبد اللَّه بن بَزِيع) -بفتح الموحّدة، وكسر الزاي- البصريّ، ثقة [١٠] ٤٣/ ٥٨٨.
٢ - (يزيد بن زُريع) أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٥/ ٥.
٣ - (سعيد) بن أبي عروبة المترجم قبل حديث.
٤ - (قتادة) بن دعامة المترجم قبل حديث أيضًا.
٥ - (إبراهيم بن يزيد النخعيّ) أبو عمران الكوفيّ، ثقة فقيه، يرسل كثيرًا [٥] ٢٩/ ٣٣.
٦ - (شريح) بن الحارث بن قيس بن الجهم بن مُعاوية بن عامر الكنديّ، النخعيّ القاضي، أبو أميّة الكوفيّ، ويقال: شُريح بن شُرَحبيل، ويقال: ابن شراحيل، ويقال: من أولاد الفرس الذين كانوا باليمن، ثقة [٢]. وقيل: له صحبة.
قال ابن معين: كان في زمن النبيّ ﷺ ، ولم يسمع منه، استقضاه عمر على الكوفة، وأقرّه عليّ، وأقام على القضاء بها ستّين سنة، وقضى بالبصرة سنة. قال عليّ بن عبد اللَّه ابن معاوية بن ميسرة: حدّثني أبي، عن أبيه معاوية، عن أبيه مَيْسرة، عن أبيه شُريح قال: وَليت القضاء لعمر، وعثمان، وعليّ، فمن بعدهم إلى أن استعفيتُ من الحجاج، قال: وكان له مائة وعشرون سنة، وعاش بعد استعفائه سنة، ثم مات. وقال ابن المدينيّ: ولي شُريح البصرة سبع سنين زمن زياد، وولي الكوفة ثلاثًا وخمسين سنة. قال عليّ: ويقال: تعلّم العلم من معاذ. وقال حنبل بن إسحاق، عن ابن معين: شُريح ابن هانئ، وشريح بن أرطأة، وشريح القاضي أقدم منهما، وهو ثقة. وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة. وقال أبو حَصِين: كان شاعرًا قائفًا. وكذا قال ابن سيرين، وزاد: وكان تاجرًا، وكان كَوْسجًا. وقال أبو إسحاق السبيعيّ، عن هُبيرة بن يَرِيم: إن عليًّا جمع الناس بالرَّحْبَة، فقال: إني مفارقكم، فجعلوا يسألونه حتى نَفِد ما عندهم، ولم يبق إلا شريحٌ، فجثا على ركبتيه، وجعل يسأله فقال له عليّ: اذهب فأنت أقضى العرب. وقال عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء: أتانا زياد بشُريح، فقضى فينا سنةً، لم يقض فينا
стр. 14003
مثله قبله، ولا بعده. قال أبو نعيم: مات سنة (٧٨) زمن مصعب بن الزبير، وهو ابن مائة وثمان سنين بعد ما عُزل عن القضاء بسنتين. وفيها أرّخه غير واحد. وقال خليفة، وغيره: سنة (٨٠) وقال المدائنيّ: سنة (٨٢). وقيل: سنة (٩٧). وقيل: سنة (٩٩). أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب أربعة أحاديث برقم ٥١/ ٣٣١٢ و ٤/ ٣٧٥٦ و ٤٦/ ٣٩٣٦ و ١١/ ٥٤٠٠.
٧ - (أبو الشعثاء المحاربيّ) سُليم بن الأسود بن حنظلة الكوفيّ، ثقة، من كبار [٣] ٩٠/ ١١٢.
٨ - (عليّ) بن أبي طالب - رضي اللَّه تعالى عنه - ٧٤/ ٩١.
٩ - (ابن مسعود) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنه - ٣٥/ ٣٩.
١٠ - (عائشة) - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى قتادة، والباقون كوفيون، سوى عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، فمدنيّة. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة أبي الخطاب البصريّ، أنه (قَالَ: كتَبْنَا إِلَى إبرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ النَّخَعِيِّ، نَسْألُهُ عَنِ الرِّضَاعِ؟) أي عن المقدار الذي يحرّم منه (فَكَتَبَ أَنَّ شُرَيْحًا) القاضي (حَدَّثَنا أَنَّ عَلِيًّا، وَابْنَ مَسْعُودٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (كَانَا يَقُولَانِ: يُحَرِّمُ مِنَ الرِّضَاعِ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ) أي عملًا بإطلاق الآية: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾، وحديث: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" (وَكَانَ فِي كِتَابِهِ) أي في كتاب إبراهيم الذي أرسله إلى قتادة، ومن معه (أَنَّ أَبَا الشَّعْثَاءِ) سُلَيم بن الأسود (الْمُحَارِبِيَّ) بضم الميم: نسبة إلى قبيلة، وهم عدّة قبائل وبطون، ذكر بعضهم ابن الأثير في "اللباب" ٣/ ١٧٠ - ١٧١ (حَدَّثَنَا أَنَّ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (حَدَّثَتهُ، أن نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ ، كَانَ يَقُولُ: "لا تُحَرِّمُ الْخَطْفَةُ) -بفتح الخاء المعجمة، وسكون الطاء المهملة-: أي الرضاعة القليلة يأخذها الصبيّ من الثدي بسرعة (وَالْخَطْفَتَانِ) أي المرّتان من الرضاعة القليلة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 14004
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-٥١/ ٣٣١٢ - وفي "الكبرى" ٤٨/ ٥٤٦٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٣١٣ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ, فِي حَدِيثِهِ عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ, عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ مَسْرُوقٍ, قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ , وَعِنْدِي رَجُلٌ قَاعِدٌ, فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ, وَرَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ, فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ, إِنَّهُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ, فَقَالَ: «انْظُرْنَ مَا إِخْوَانُكُنَّ؟ ", وَمَرَّةً أُخْرَى: "انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ, مِنَ الرَّضَاعَةِ؟ , فَإِنَّ الرَّضَاعَةَ مِنَ الْمَجَاعَةِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هناد بن السريّ) المذكور في الباب الماضي.
٢ - (أبو الأحوص) سلاّم بن سُلَيم الحنفيّ الكوفيّ، ثقة متقن [٧] ٧٩/ ٩٦.
٣ - (أشعث بن أبي الشعثاء) المحاربيّ الكوفيّ ثقة [٦] ٩٠/ ١١٢.
٤ - (أبوه) أبو الشعثاء سليم بن الأسود المذكور في السند السابق.
٥ - (مسروق) بن الأجدع بن مالك الهمدانيّ الوادعيّ، أبو عائشة الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه مخضرم [٢] ٩٠/ ١١٢.
٦ - (عائشة) - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير الصحابية، فمدنيّة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ مخضرم، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ مَسْرُوقٍ) بن الأجدع -رحمه اللَّه تعالى-، أنه (قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَعِنْدِي رَجُلٌ قَاعِدٌ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه، وأظنّه ابنًا لأبي القُعيس، وغلِط من قال: هو عبد اللَّه بن يزيد، رضيع عائشة؛ لأن عبد اللَّه هذا تابعيّ باتفاق الأئمة، وكان أمّه التي أرضعت عائشة عاشت بعد النبيّ ﷺ ،
стр. 14005
فولدته، فلهذا قيل له: رضيع عائشة انتهى (١) (فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَرَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجهِهِ) وفي رواية البخاريّ من طريق شعبة، عن الأشعث: "فكأنه تغيّر وجهه، كأنه كره ذلك". وفي رواية له من طريق عن الأشعث: "فقال: "عائشة من هذا؟ " (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَقَالَ) ﷺ ("انظُرْنَ مَا إِخْوَانُكُنَّ؟ ") "ما" استفهاميّة، والمعنى: تأمّلن ما وقع من ذلك، هل هو رضاعٌ صحيح بشرطه، من وقوعه في زمن الرضاعة، ومقدار الارتضاع، فإن الحكم الذي ينشأ من الرضاع إنما يكون إذا وقع الرضاع المشترط. قال المهلّب: معناه: انظرن ما سبب هذه الأُخوّة، فإن حرمة الرضاع إنما هي في الصغر حتى تسدّ الرضاعة المجاعة. وقال أبو عُبيد: معناه أن الذي جاع كان طعامه الذي يُشبعه اللبن من الرضاع، لا حيث يكون الغذاء بغير الرضاع.
(وَمَرَّةً أُخْرَى) أي قال مرّة أخرى (انْظُرْنَ مَن إخوَانُكُن مِنَ الرضَاعَةِ؟) بـ"مَنْ" بدل "ما"، وهي أوجه، وهي استفهامية أيضًا (فَإِنَّ الرَّضَاعَةَ) وفي رواية البخاريّ: "فإنما الرضاعة (مِنَ المَجَاعَةِ) فيه تعليل الباعث على إمعان النظر والفكر؛ لأن الرضاعة تُثبتُ النسبَ، وتجعل الرضيع مَحْرَمًا.
والمعنى: أن الرضاعة التي تثبت بها الحرمة، وتحِلُّ بها الخلوة، هي حيث يكون الرضيع طفلًا، يسدّ اللبن جوعته؛ لأن معدته ضعيفة، يكفيها اللبن، وينبتُ بذلك لحمه، فيصير كجزء من المرضعة، فيشترك في الحرمة مع أولادها، فكأنه قال: لا رضاعة معتبرةٌ إلا المغنية عن المجاعة، أو المطعمة من المجاعة، كقوله تعالى: ﴿أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾، ومن شواهده حديث ابن مسعود: "لا رضاع إلا ما شدّ العظم، وأنبت اللحم". أخرجه أبو داود، مرفوعًا، وموقوفًا، وحديث أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء". أخرجه الترمذي، وصححه (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٥١/ ٣٣١٣ - وفي "الكبرى" ٤٩/ ٥٤٦٤. وأخرجه (خ) في