مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أم الفضل - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥١/ ٣٣٠٩ - وفي "الكبرى" ٤٨/ ٥٤٥٤. وأخرجه (م) في "الرضاع" ١٤٥١ (ق) في " النكاح" ١٩٤٠ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار"٢٦٣٣٢ و ٢٦٣٣٩ (الدارمي) في "النكاح" ٢٢٥٢. واللَّه تعالى أعلم.
وتمام البحث فيما يتعلّق بمذاهب العلماء تقدّم في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٣١٠ - (أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ يُوسُفَ, عَنْ يَحْيَى, عَنْ هِشَامٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ, وَالْمَصَّتَانِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "شُعيب بن يوسف": أبو عمرو النسائيّ، ثقة صاحب حديث [١٠] ٤٢/ ٤٩ من أفراد المصنّف.
و"يحيى": هو القطّان. و"هشام": هو ابن عروة. والحديث صحيح، انفرد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-٥١/ ٣٣١٠ - وفي "الكبرى" ٤٨/ ٥٤٥٦، وتقدّم شرحه، والبحث عما يتعلّق به من المسائل قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٣١١ - (أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ, وَالْمَصَّتَانِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "زياد بن أيوب": هو أبو هاشم الطوسيّ الأصل، يُلقّب دلّويه، وكان يغضب منها، ولقّبه أحمد شعبة الصغير، ثقة حافظ [١٠] ١٠١/ ١٣٢. و"أيوب": هو ابن أبي تميمة كيسان السختيانيّ. و"ابن أبي مليكة": هو عبد اللَّه ابن عبيد اللَّه المكيّ.
والحديث أخرجه مسلم في "الرضاع" ١٤٥٠، وأخرجه المصنّف هنا - ٥١/ ٣٣١١، و ٣٣١٢ - وفي "الكبرى" ٤٨/ ٥٤٥١ و ٥٤٦٢. و (د) في "النكاح" ٢٠٦٣ (ت) في "الرضاع" ١١٥٠ و (ق) في "النكاح" ١٩٤١ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٣٥٠٦ و ٢٤١٢٣ و ٢٥٢٨٤ و ٢٥٥٦٨ (الدارمي) في "النكاح" ٢٢٥١.
وشرح الحديث، والمسائل المتعلّقة به سبقت قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 14002
٣٣١٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -يَعْنِي ابْنَ زُرَيْعٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ, عَنْ قَتَادَةَ, قَالَ: كَتَبْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ النَّخَعِيِّ, نَسْأَلُهُ عَنِ الرَّضَاعِ؟ فَكَتَبَ أَنَّ شُرَيْحًا, حَدَّثَنَا أَنَّ عَلِيًّا, وَابْنَ مَسْعُودٍ, كَانَا يَقُولَانِ: يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ, وَكَانَ فِي كِتَابِهِ, أَنَّ أَبَا الشَّعْثَاءِ الْمُحَارِبِيَّ, حَدَّثَنَا أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهُ, أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ , كَانَ يَقُولُ: «لَا تُحَرِّمُ الْخَطْفَةُ, وَالْخَطْفَتَانِ»).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (محمد بن عبد اللَّه بن بَزِيع) -بفتح الموحّدة، وكسر الزاي- البصريّ، ثقة [١٠] ٤٣/ ٥٨٨.
٢ - (يزيد بن زُريع) أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٥/ ٥.
٣ - (سعيد) بن أبي عروبة المترجم قبل حديث.
٤ - (قتادة) بن دعامة المترجم قبل حديث أيضًا.
٥ - (إبراهيم بن يزيد النخعيّ) أبو عمران الكوفيّ، ثقة فقيه، يرسل كثيرًا [٥] ٢٩/ ٣٣.
٦ - (شريح) بن الحارث بن قيس بن الجهم بن مُعاوية بن عامر الكنديّ، النخعيّ القاضي، أبو أميّة الكوفيّ، ويقال: شُريح بن شُرَحبيل، ويقال: ابن شراحيل، ويقال: من أولاد الفرس الذين كانوا باليمن، ثقة [٢]. وقيل: له صحبة.
قال ابن معين: كان في زمن النبيّ ﷺ ، ولم يسمع منه، استقضاه عمر على الكوفة، وأقرّه عليّ، وأقام على القضاء بها ستّين سنة، وقضى بالبصرة سنة. قال عليّ بن عبد اللَّه ابن معاوية بن ميسرة: حدّثني أبي، عن أبيه معاوية، عن أبيه مَيْسرة، عن أبيه شُريح قال: وَليت القضاء لعمر، وعثمان، وعليّ، فمن بعدهم إلى أن استعفيتُ من الحجاج، قال: وكان له مائة وعشرون سنة، وعاش بعد استعفائه سنة، ثم مات. وقال ابن المدينيّ: ولي شُريح البصرة سبع سنين زمن زياد، وولي الكوفة ثلاثًا وخمسين سنة. قال عليّ: ويقال: تعلّم العلم من معاذ. وقال حنبل بن إسحاق، عن ابن معين: شُريح ابن هانئ، وشريح بن أرطأة، وشريح القاضي أقدم منهما، وهو ثقة. وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة. وقال أبو حَصِين: كان شاعرًا قائفًا. وكذا قال ابن سيرين، وزاد: وكان تاجرًا، وكان كَوْسجًا. وقال أبو إسحاق السبيعيّ، عن هُبيرة بن يَرِيم: إن عليًّا جمع الناس بالرَّحْبَة، فقال: إني مفارقكم، فجعلوا يسألونه حتى نَفِد ما عندهم، ولم يبق إلا شريحٌ، فجثا على ركبتيه، وجعل يسأله فقال له عليّ: اذهب فأنت أقضى العرب. وقال عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء: أتانا زياد بشُريح، فقضى فينا سنةً، لم يقض فينا
стр. 14003
مثله قبله، ولا بعده. قال أبو نعيم: مات سنة (٧٨) زمن مصعب بن الزبير، وهو ابن مائة وثمان سنين بعد ما عُزل عن القضاء بسنتين. وفيها أرّخه غير واحد. وقال خليفة، وغيره: سنة (٨٠) وقال المدائنيّ: سنة (٨٢). وقيل: سنة (٩٧). وقيل: سنة (٩٩). أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب أربعة أحاديث برقم ٥١/ ٣٣١٢ و ٤/ ٣٧٥٦ و ٤٦/ ٣٩٣٦ و ١١/ ٥٤٠٠.
٧ - (أبو الشعثاء المحاربيّ) سُليم بن الأسود بن حنظلة الكوفيّ، ثقة، من كبار [٣] ٩٠/ ١١٢.
٨ - (عليّ) بن أبي طالب - رضي اللَّه تعالى عنه - ٧٤/ ٩١.
٩ - (ابن مسعود) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنه - ٣٥/ ٣٩.
١٠ - (عائشة) - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى قتادة، والباقون كوفيون، سوى عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، فمدنيّة. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة أبي الخطاب البصريّ، أنه (قَالَ: كتَبْنَا إِلَى إبرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ النَّخَعِيِّ، نَسْألُهُ عَنِ الرِّضَاعِ؟) أي عن المقدار الذي يحرّم منه (فَكَتَبَ أَنَّ شُرَيْحًا) القاضي (حَدَّثَنا أَنَّ عَلِيًّا، وَابْنَ مَسْعُودٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (كَانَا يَقُولَانِ: يُحَرِّمُ مِنَ الرِّضَاعِ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ) أي عملًا بإطلاق الآية: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾، وحديث: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" (وَكَانَ فِي كِتَابِهِ) أي في كتاب إبراهيم الذي أرسله إلى قتادة، ومن معه (أَنَّ أَبَا الشَّعْثَاءِ) سُلَيم بن الأسود (الْمُحَارِبِيَّ) بضم الميم: نسبة إلى قبيلة، وهم عدّة قبائل وبطون، ذكر بعضهم ابن الأثير في "اللباب" ٣/ ١٧٠ - ١٧١ (حَدَّثَنَا أَنَّ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (حَدَّثَتهُ، أن نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ ، كَانَ يَقُولُ: "لا تُحَرِّمُ الْخَطْفَةُ) -بفتح الخاء المعجمة، وسكون الطاء المهملة-: أي الرضاعة القليلة يأخذها الصبيّ من الثدي بسرعة (وَالْخَطْفَتَانِ) أي المرّتان من الرضاعة القليلة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 14004
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-٥١/ ٣٣١٢ - وفي "الكبرى" ٤٨/ ٥٤٦٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٣١٣ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ, فِي حَدِيثِهِ عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ, عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ مَسْرُوقٍ, قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ , وَعِنْدِي رَجُلٌ قَاعِدٌ, فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ, وَرَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ, فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ, إِنَّهُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ, فَقَالَ: «انْظُرْنَ مَا إِخْوَانُكُنَّ؟ ", وَمَرَّةً أُخْرَى: "انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ, مِنَ الرَّضَاعَةِ؟ , فَإِنَّ الرَّضَاعَةَ مِنَ الْمَجَاعَةِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هناد بن السريّ) المذكور في الباب الماضي.
٢ - (أبو الأحوص) سلاّم بن سُلَيم الحنفيّ الكوفيّ، ثقة متقن [٧] ٧٩/ ٩٦.
٣ - (أشعث بن أبي الشعثاء) المحاربيّ الكوفيّ ثقة [٦] ٩٠/ ١١٢.
٤ - (أبوه) أبو الشعثاء سليم بن الأسود المذكور في السند السابق.
٥ - (مسروق) بن الأجدع بن مالك الهمدانيّ الوادعيّ، أبو عائشة الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه مخضرم [٢] ٩٠/ ١١٢.
٦ - (عائشة) - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير الصحابية، فمدنيّة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ مخضرم، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ مَسْرُوقٍ) بن الأجدع -رحمه اللَّه تعالى-، أنه (قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَعِنْدِي رَجُلٌ قَاعِدٌ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه، وأظنّه ابنًا لأبي القُعيس، وغلِط من قال: هو عبد اللَّه بن يزيد، رضيع عائشة؛ لأن عبد اللَّه هذا تابعيّ باتفاق الأئمة، وكان أمّه التي أرضعت عائشة عاشت بعد النبيّ ﷺ ،
стр. 14005
فولدته، فلهذا قيل له: رضيع عائشة انتهى (١) (فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَرَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجهِهِ) وفي رواية البخاريّ من طريق شعبة، عن الأشعث: "فكأنه تغيّر وجهه، كأنه كره ذلك". وفي رواية له من طريق عن الأشعث: "فقال: "عائشة من هذا؟ " (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَقَالَ) ﷺ ("انظُرْنَ مَا إِخْوَانُكُنَّ؟ ") "ما" استفهاميّة، والمعنى: تأمّلن ما وقع من ذلك، هل هو رضاعٌ صحيح بشرطه، من وقوعه في زمن الرضاعة، ومقدار الارتضاع، فإن الحكم الذي ينشأ من الرضاع إنما يكون إذا وقع الرضاع المشترط. قال المهلّب: معناه: انظرن ما سبب هذه الأُخوّة، فإن حرمة الرضاع إنما هي في الصغر حتى تسدّ الرضاعة المجاعة. وقال أبو عُبيد: معناه أن الذي جاع كان طعامه الذي يُشبعه اللبن من الرضاع، لا حيث يكون الغذاء بغير الرضاع.
(وَمَرَّةً أُخْرَى) أي قال مرّة أخرى (انْظُرْنَ مَن إخوَانُكُن مِنَ الرضَاعَةِ؟) بـ"مَنْ" بدل "ما"، وهي أوجه، وهي استفهامية أيضًا (فَإِنَّ الرَّضَاعَةَ) وفي رواية البخاريّ: "فإنما الرضاعة (مِنَ المَجَاعَةِ) فيه تعليل الباعث على إمعان النظر والفكر؛ لأن الرضاعة تُثبتُ النسبَ، وتجعل الرضيع مَحْرَمًا.
والمعنى: أن الرضاعة التي تثبت بها الحرمة، وتحِلُّ بها الخلوة، هي حيث يكون الرضيع طفلًا، يسدّ اللبن جوعته؛ لأن معدته ضعيفة، يكفيها اللبن، وينبتُ بذلك لحمه، فيصير كجزء من المرضعة، فيشترك في الحرمة مع أولادها، فكأنه قال: لا رضاعة معتبرةٌ إلا المغنية عن المجاعة، أو المطعمة من المجاعة، كقوله تعالى: ﴿أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾، ومن شواهده حديث ابن مسعود: "لا رضاع إلا ما شدّ العظم، وأنبت اللحم". أخرجه أبو داود، مرفوعًا، وموقوفًا، وحديث أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء". أخرجه الترمذي، وصححه (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٥١/ ٣٣١٣ - وفي "الكبرى" ٤٩/ ٥٤٦٤. وأخرجه (خ) في
стр. 14006
"الشهادات" ٢٦٤٧ و"النكاح" ٥١٠٢ (م) في "الرضاع" ١٤٥٥ (د) في "النكاح" ٢٠٥٨ (ق) في "النكاح" ١٩٤٥ (الدارمي) ٢٢٥٦. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مقدار الرضاعة التي يثبت بها التحريم، وذلك خمس رضعات، ووجه الاستدلال بهذا الحديث على ذلك، أنه يدلّ على أن الرضعة الواحدة، لا تحرّم؛ لأنها لا تُغني من الجوع، فإذًا لا بدّ من تقدير ما يُحرّم منها، فيكون أولى ما يؤخذ به ما قدّرته الشريعة، وهو خمس رضعات.
(ومنها): جواز دخول من اعترفت المرأة بالرضاعة معه عليها، وأنه يصير أخًا لها، وقبول قولها فيمن اعترفت به. (ومنها): سؤال الرجل زوجته عن سبب إدخال الرجال بيته، والاحتياط في ذلك، والنظر فيه.
(ومنها): أنه استدلّ به على أن التغذية بلبن المرضعة يُحَرِّم، سواء كان بشرب أم أكل بأيّ صفة كان، حتى الوُجور، والسُّعوط، والثَّرْد، والطَّبْخ، وغير ذلك، إذا وقع ذلك بالشرط المذكور من العدد لأن ذلك يطرد الجوع، وهو موجود في جميع ما ذُكر، فيوافق الخبر والمعنى، وبهذا قال الجمهور، لكن استثنى الحنفيّة الحُقْنة.
وخالف في ذلك الليث، وأهل الظاهر، فقالوا: إن الرضاعة المحرمة إنما تكون بالتِقَام الثدي، ومصّ اللبن منه.
(ومنها): أنه استُدلّ به على أن الرضاعة إنما تُعتبر في حال الصغر؛ لأنها الحال الذي يمكن طرد الجوع فيها باللبن بخلاف حال الكبر، وضابط ذلك تمام الحولين، وعليه يدلّ حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، رفعه: "لا رضاع إلا ما كان في الحولين". أخرجه الدرقطنيّ، وقال: لم يُسنده عن ابن عيينة غير الهيثم بن جميل، وهو ثقة حافظ. وأخرجه ابن عديّ، وقال: غير الهيثم يوقفه على ابن عباس، وهو المحفوظ. وحديث أمّ سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "لا رضاع إلا ما فتق الأمعاء، وكان قبل الفطام". صححه الترمذيّ، وابن حبّان.
وقال القرطبيّ: في قوله: "فإنما الرضاعة من المجاعة" تثبيت قاعدة كلّيّة صريحة في اعتبار الرضاع في الزمن الذي يستغني به الرضيع عن الطعام باللبن، ويعتضد بقوله تعالى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾، فإنه يدلّ على أن هذه المدّة أقصى مدّة الرضاع المحتاج إليه عادةً المعتبر شرعًا، فما زاد عليه لا يُحتاج إليه عادةً، فلا يُعتبر شرعًا، إذ لا حكم للنادر، وفي اعتبار إرضاع الكبير انتهاك حرمة المرأة بارتضاع الأجنبيّ منها؛ لاطلاعه على عورتها، ولو بالتقامه ثديها.
стр. 14007
يعني على الغالب، وأيضًا على مذهب من يشترط التقام الثدي. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: مذهب عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -كما سيأتي- أنها لا تفرّق في حكم الرضاع بين حال الصغر والكبر، وقد استُشكل ذلك مع كون هذا الحديث من روايتها، واحتجّت هي بقصّة سالم مولى أبي حُذيفة، فلعلّها فهمت من قوله: "إنما الرضاعة من المجاعة" اعتبار مقدار ما يسدّ الجوعة من لبن المرضعة لمن يرتضع منها، وذلك أعمّ من أن يكون المرتضع صغيرًا أو كبيرًا، فلا يكون الحديث نصًّا في منع اعتبار رضاع الكبير، وحديث ابن عبّاس مع تقدير ثبوته ليس نصًا في ذلك، ولا حديث أم سلمة؛ لجواز أن يكون المراد أن الرضاع بعد الفطام ممنوع، ثم لو وقع رتب عليه حكم التحريم، فما ثبت في الأحاديث المذكورة ما يدفع هذا الاحتمال، فلهذا عملت عائشة بذلك (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٥٢ - (لَبَنُ الْفَحْلِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الْفَحْلُ" بفتح الفاء؛ وسكون المهملة: الذكر من الحيوان، جمعه فُحُول، وفُحُولةٌ- بالضمّ فيهما- وفِحالٌ -بالكسر-، والمراد به هنا الرجل الذي نزل بسببه لبن المرأة، فنسبة اللبن إليه مجازيّةٌ؛ للسببيّة.
قال العلاّمة ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى- عند قوله: "ولبن الفحل محرِّمٌ": معناه أن المرأة إذا أرضعت طفلًا بلبن ثاب من وطء رجل، حُرِّمَ الطفلُ على الرجل، وأقاربه، كما يُحرَّم ولده من النسب؛ لأن اللبن من الرجل، كما هو من المرأة، فيصير الطفل ولدًا للرجل، والرجل أباه، وأولاد الرجل إخوته، سواء كانوا من تلك المرأة، أو من غيرها، وإخوة الرجل، وأخواته أعمام الطفل وعمّاته، وآباؤه، وأمهاته أجداده، وجدّاته.
قال أحمد: لبن الفحل أن يكون للرجل امرأتان، فترضع هذه صبيّة، وهذه صبيًّا، لا يزوّج هذا من هذا. وسُئل ابن عبّاس عن رجل له جاريتان، أرضعت إحداهما جارية،
стр. 14008
والأخرى غُلامًا، فقال: لا، اللقاح واحدٌ. قال الترمذيّ: هذا تفسير لبن الفحل. انتهى (١).
وقال في "الفتح": قال القاضي عبد الوهاب: يُتصوّر تجريد لبن الفحل برجل له امرأتان ترضع إحداهما صبيًّا، والأخرى صبية، فالجمهور قالوا: يَحرُم على الصبيّ تزويج الصبيّة، وقال من خالفهم: يجوز. انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الجمهور هو الحقّ، وسيأتي تحقيقه قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى.
٣٣١٤ - (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ, عَنْ عَمْرَةَ, أَنَّ عَائِشَةَ, أَخْبَرَتْهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ عِنْدَهَا, وَأَنَّهَا سَمِعَتْ رَجُلاً, يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ, قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ, هَذَا رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِكَ, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أُرَاهُ فُلَانًا» , لِعَمِّ حَفْصَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ, قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ فُلَانٌ حَيًّا, لِعَمِّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ, دَخَلَ عَلَيَّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا يُحَرَّمُ مِنَ الْوِلَادَةِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلّهم تُرجموا في الباب الماضي، وكذا مضى هناك لطائف الإسناد.
و"معن": هو ابن عيسى القزّاز المدنيّ. و"مالك": هو إمام دار الهجرة. و"عبد اللَّه ابن أبي بكر": هو ابن محمد بن عمرو بن حرّم الأنصاريّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَمرَةَ) بنت عبد الرحمن بن سعد بن زُرارة الأنصاريّة المدنيّة، ثقة [٣] ١٣٤/ ٢٠٣ (أَنَّ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (أَخْبَرَتْهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ عِندَهَا، وَأَنَّهَا سَمِعَتْ رَجُلًا) لم يسمّ (يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ) بنت عمر بن الخطّاب، أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - (قَالَتْ عَائِشَةُ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، قال في "الفتح": فيه التفات، وكان السياف يقتضي أن تقول: قلت انتهى (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِكَ، فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أُرَاهُ) بضمّ الهمزة: أي أظنه (فُلَانًا، لِعَمِّ حَفْصَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ) اللام هنا بمعنى "عن"، نحو قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾. وبه يقول ابن الحاجب. وقال ابن مالك، وغيره: هي لام
стр. 14009
التعليل. وقيل: لام التبليغ. قال ابن هشام: وحيث دخلت اللام على غير المقول له، فالتأويل على بعض ما ذكرناه، نحو: ﴿قَالَتْ: أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾، ﴿وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ الآية، وقول الشاعر [من الكامل]:
كَضَرَائِرِ الْحَسنَاءِ قُلْنَ لِوَجْهِهَا … حَسَدًا وَبُغْضًا إِنَّهُ لَذَمِيمُ (١)
(قَالَت عَائِشَةُ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ فُلَانٌ حَيًّا) قال الحافظ: لم أقف على اسمه، ووهم من فسّره بأفلح أخي أبي القعيس؛ لأن أبا القُعيس أبو عائشة من الرضاعة، وأما أفلح فهو أخوه، وهو عمها من الرضاعة، كما سيأتي أنه عاش حتى جاء يستأذن على عائشة، فأمرها النبيّ ﷺ أن تأذن له بعد أن امتنعت، وقولها: "لو كان حيًّا" يدلّ على أنه كان مات، فيحتمل أن يكون أخًا لهما آخر. ويحتمل أن تكون ظنت أنه مات لبعد عهدها به، ثم قدم بعد ذلك، فاستأذن.
وقال ابن التين: سُئل الشيخ أبو الحسن عن قول عائشة: "لو كان فلانٌ حيًّا" أين هو من الحديث الآخر الذي فيه: "فأبيت أن آذن له"، فالأول ذكرت أنه ميت، والثاني ذكرت أنه حيّ؟.
فقال: هما عمان من الرضاعة: أحدهما رضع مع أبي بكر الصدّيق، وهو الذي قالت فيه: "لو كان حيًّا"، والآخر أخو أبيها من الرضاعة.
قال الحافظ: الثاني ظاهرٌ من الحديث، والأول حسنٌ محتملٌ، وقد ارتضاه عياضٌ، إلا أنه يحتاج إلى نقل؛ لكونه جزم به، قال: وقال ابن أبي حازم: أرى أن المرأة التي أرضعت عائشة امرأة أخي الذي استأذن عليها. قال الحافظ: وهذا بيّنٌ في الحديث الثاني، لا يحتاج إلى ظنّ، ولا هو مشكلٌ، إنما المشكل كونها سألت عن الأول، ثم توقّفت في الثاني.
وقد أجاب عنه القرطبيّ، قال: هما سؤالان، وقعا مرَّتين في زمنين عن رجلين، وتكرّر منها ذلك، إما لأنها نسيت القصة الأولى، وإما لأنها جوّزت تغيّر الحكم، فأعادت السؤال انتهى. وتمامه أن يقال: السؤال الأول كان قبل الوقوع، والثاني بعد الوقوع، فلا استبعاد في تجويز ما ذكر من نسيان، أو تجويز النسخ.
ويؤخذ من كلام عياض جواب آخر، وهو أن أحد العمّين كان أعلى، والآخر أدنى، أو أحدهما كان شقيقًا، والآخر لأب فقط، أو لأم فقط، أو أرضعتها زوجة أخيه بعد
стр. 14010
موته، والآخر في حياته.
وقال ابن المرابط: حديث عمّ حفصة قبل حديث عمّ عائشة، وهما متعارضان في الظاهر، لا في المعنى؛ لأن عمّ حفصة أرضعته المرأة مع عمر، فالرضاعة فيهما من قبل المرأة، وعمّ عائشة إنما هو من قبل الفحل، كانت امرأة أبي القعيس أرضعتها، فجاء أخوه يستأذن عليها، فأبت، فأخبرها الشارع أن لبن الفحل يُحّرم، كما يُحرّم من قبل المرأة انتهى.
فكأنه جوّز أن يكون عمّ عائشة الذي سألت عنه في قصّة عمّ حفصة كان نظير عمّ حفصة في ذلك، فلذلك سألت ثانيًا في قصّة أبي القعيس. وهذا إن كان وجده منقولًا، فلا مَحِيد عنه، وإلا فهو محملٌ حسنٌ. واللَّه تعالى أعلم. قاله في "الفتح" (١).
(لِعَمِّهَا) تقدّم معنى هذه اللام هذِه قريبًا (مِنَ الرَّضَاعَةِ، دَخَلَ عَلَيَّ؟) جواب "لو"
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ ما يُحَرَّمُ مِنَ الوِلادَةِ") أي وتبيح ما تبيحه، وهو بالإجماع فيما يتعلق بتحريم النكاح وتوابعه، وانتشار الحرمة بين الرضيع، وأولاد المرضعة، وتنزيلهم منزلة الأقارب في جواز النظر، والخلوة، والمسافرة، ولكن لا يترتب عليه باقي أحكام الأمومة، من التوارث، ووجوب الإنفاق، والعتق بالملك، والشهادة، والعقل، وإسقاط القصاص. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفق عليه، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله قبل بابين، فلنذكر هنا ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، فنقول:
[مسالة]: في اختلاف أهل العلم في لبن الفحل:
ذهب الجمهور إلى أن لبن الفحل يُحَرِّمُ، قال ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى-: وممن قال بتحريمه: عليّ، وابن عباس، وعطاء، وطاوسٌ، ومجاهد، والحسن، والشعبيّ، والقاسم، وعروة، ومالكٌ، والثوريّ، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وإسحاق، وأبو عُبيد، وأبو ثور، وابن المنذر، وأصحاب الرأي. قال ابن عبد البرّ: وإليه ذهب فقهاء الأمصار بالحجاز، والعراق، والشام، وجماعة أهل الحديث.
ورخّص في لبن الفحل سعيد بن المسيّب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، وعطاء بن يسار، والنخعيّ، وأبو قلابة، وُيروى ذلك عن ابن الزبير، وجماعة من أصحاب رسول اللَّه ﷺ غير مُسَمِّينَ؛ لأن الرضاع من المرأة، لا من الرجل. انتهى (٢).
стр. 14011
وقال في "الفتح": وفي الحديث أن لبن الفحل يحرّم، فتنتشر الحرمة لمن ارتضع الصغير بلبنه، فلا تحلّ له بنت زوج المرأة التي أرضعته من غيرها مثلًا، وفيه خلاف قديم، حكي عن ابن عمر، وابن الزبير، ورافع بن خَديج، وزينب بنت أمّ سلمة، وغيرهم. ونقله ابن بطّال عن عائشة، وفيه نظر. ومن التابعين عن سعيد بن المسيّب، وأبي سلمة، والقاسم، وسالم، وسليمان بن يسار، وعطاء بن يسار، والشعبيّ، وإبراهيم النخعيّ، وأبي قلابة، وإياس بن معاوية. أخرجها ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن المنذر. وعن ابن سيرين: "نُبّئت أن ناسًا من أهل المدينة اختلفوا فيه". وعن زينب بنت أبي سلمة أنها سألت، والصحابة متوافرون، وأمهات المؤمنين، فقالوا: الرضاعة من قبل الرجل لا تُحرّم شيئًا. وقال به من الفقهاء ربيعة الرأي، وإبراهيم ابن عليّة، وابن بنت الشافعيّ، وداود، وأتباعه.
وأغرب عياضٌ، ومن تبعه في تخصيصهم ذلك بداود، وإبراهيم، مع وجود الرواية عمن ذكرنا بذلك.
وحجتهم في ذلك قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ الآية. ولم يذكر العمّة، ولا البنت كما ذكرهما في النسب.
وأجيبوا بأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدلّ على نفي الحكم عما عداه، ولا سيّما وقد جاءت به الأحاديث الصحيحة. واحتجّ بعضهم من حيث النظر بأن اللبن لا ينفصل من الرجل، وإنما ينفصل من المرأة، فكيف تنتشر الحرمة إلى الرجل؟. والجواب أنه قياسٌ في مقابلة النصّ، فلا يُلتفت إليه. وأيضًا فإن سبب اللبن هو ماء الرجل والمرأة معًا، فوجب أن يكون الرضاع منهما، كالجدّ لَمّا كان سبب الولد أوجب تحريم ولد الولد به؛ لتعلّقه بولده، وإلى هذا أشار ابن عبّاس بقوله في هذه المسألة: "اللقاح واحد". أخرجه ابن أبي شيبة. وأيضًا فإن الوطء يُدرّ اللبن، فللفحل فيه نصيب.
وذهب الجمهور من الصحابة، والتابعين، وفقهاء الأمصار، كالأوزاعيّ في أهل الشام، والثوريّ، وأبي حنيفة، وصاحبيه في أهل الكوفة، وابن جريج في أهل مكة، ومالك في أهل المدينة، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأتباعهم إلى أن لبن الفحل يُحرِّمُ. وحجتهم هذا الحديث الصحيح.
وألزم الشافعيّ المالكيّة في هذه المسألة بردّ أصلهم بتقديم عمل أهل المدينة، ولو خالف الحديث الصحيح، إذا كان من الآحاد؛ لما رواه عن عبد العزيز بن محمد، عن ربيعة، من أن لبن الفحل لا يحرّم، قال عبد العزيز بن محمد: وهذا رأي فقهائنا، إلا الزهريّ، فقال الشافعيّ: لا نعلم شيئًا من علم الخاصّة أولى بأن يكون عامًّا ظاهرًا من
стр. 14012
هذا، وقد تركوه للخبر الوارد، فيلزمهم على هذا: إما أن يردّوا هذا الخبر، وهم لم يردّوه، أو يردّوا ما خالف الخبر، وعلى كلّ حال هو المطلوب. انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذُكر أن ما ذهب إليه الجمهور، من أن لبن الفحل يتعلّق به التحريم هو الحقّ؛ لحديث الباب. قال ابن قدامة بعد ذكر حديث الباب؛ ما نصّه: وهذا نصّ قاطع في محلّ النزاع، فلا يُعوّل على ما خالفه انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٣١٥ - (أَخْبَرَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ, عَنْ عُرْوَةَ, أَنَّ عَائِشَةَ (٣) قَالَتْ: جَاءَ عَمِّي أَبُو الْجَعْدِ, مِنَ الرَّضَاعَةِ, فَرَدَدْتُهُ, قَالَ: وَقَالَ هِشَامٌ: هُوَ أَبُو الْقُعَيْسِ, فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , فَأَخْبَرْتُهُ, فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : «ائْذَنِي لَهُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدموا غير مرّة.
و"عطاء": هو ابن أبي رباح.
وقوله: "أبو الجعد" هو كنية أفلح الآتي، عمّ عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -.
وقوله: "وقال هشام: هو. أبو القُعيس" يعني أن هشام بن عروة قال في روايته: إن عمّ عائشة هو أبو القعيس، لكن اتفق الحفّاظ على أن الصواب أنه أخو أبي القعيس، لا أبو القعيس، وهو أفلح الآتي في الروايات الآتية، وهو أبو الجعد، وقد تقدّم بيان ذلك قبل بابين في -٤٩/ ٣٣٠٢ - فتنبّه.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله بالرقم المذكور. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٣١٦ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ, اسْتَأْذَنَ عَلَى عَائِشَةَ, بَعْدَ آيَةِ الْحِجَابِ, فَأَبَتْ أَنْ تَأْذَنَ لَهُ, فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ , فَقَالَ: «ائْذَنِي لَهُ, فَإِنَّهُ عَمُّكِ» , فَقُلْتُ: إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ, وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ, فَقَالَ: «إِنَّهُ عَمُّكِ, فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ»).
стр. 14013
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلّهم تقدّموا والنصف الأول من الإسناد بصريون، والآخر مدنيّون.
[تنبيه]: وقع في نسخ "المجتبى": ما نصّه: "حدثني أبي، عن أيوب"، وهو خطأ، والصواب كما في بعض نسخ "الكبرى"، ونحوه في "تحفة الأشراف" ج ١٢/ ص ٢٢٨ - زيادة: "عن أبيه"، فعبد الصمد لا يرويه عن أيوب مباشرة، وإنما يرويه بواسطة أبيه عبد الوارث، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "فذُكر الخ" بالبناء للمفعول، والذاكرة له هي عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، كما سيأتي في الحديث التالي، إن شاء اللَّه تعالى.
وقولها: "إنما أرضعتني المرأة" أي امرأة أخيه، لا أخوه، كأنها ظنّت أن أحكام الرضاع تثبت بين الرضيع والمرضع فقط.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٣١٧ - (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, أَنْبَأَنَا مَعْنٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: كَانَ أَفْلَحُ أَخُو أَبِي الْقُعَيْسِ, يَسْتَأْذِنُ عَلَيَّ, وَهُوَ عَمِّي مِنَ الرَّضَاعَةِ, فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ, حَتَّى جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , فَأَخْبَرْتُهُ, فَقَالَ: «ائْذَنِي لَهُ فَإِنَّهُ عَمُّكِ» , قَالَتْ عَائِشَةُ: وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ نَزَلَ الْحِجَابُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة.
والحديث متفق عليه، كما سبق بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٣١٨ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, وَهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتِ: اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ عَمِّي, أَفْلَحُ, بَعْدَ مَا نَزَلَ الْحِجَابُ, فَلَمْ آذَنْ لَهُ, فَأَتَانِي النَّبِيُّ ﷺ , فَسَأَلْتُهُ؟ , فَقَالَ: «ائْذَنِي لَهُ, , فَإِنَّهُ عَمُّكِ» , قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ, إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ, وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ, قَالَ: «ائْذَنِي لَهُ تَرِبَتْ يَمِينُكِ, فَإِنَّهُ عَمُّكِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و"سفيان": هو ابن عيينة.
[تنبيه]: قوله: "وهشام بن عروة" بالجرّ عطفًا على "الزهريّ"، فسفيان يروي هذا الحديث من كلّ من الزهريّ، وعروة، وكلاهما يرويانه عن عروة. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 14014
وقوله: "تربت يمينك"، إنما قاله إظهارًا لكراهية ذكر هذا الكلام، فإنه معلوم أن المرأة هي التي تُرضع، لا الرجل.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٣١٩ - (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَسْوَدِ, وَإِسْحَاقُ بْنُ بَكْرٍ, قَالَا: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ, عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ, عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: جَاءَ أَفْلَحُ, أَخُو أَبِي الْقُعَيْسِ, يَسْتَأْذِنُ, فَقُلْتُ: لَا آذَنُ لَهُ, حَتَّى أَسْتَأْذِنَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ , فَلَمَّا جَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ , قُلْتُ لَهُ: جَاءَ أَفْلَحُ أَخُو أَبِي الْقُعَيْسِ, يَسْتَأْذِنُ, فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ, فَقَالَ: «ائْذَنِي لَهُ, فَإِنَّهُ عَمُّكِ» , قُلْتُ: إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي الْقُعَيْسِ, وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ, قَالَ: «ائْذَنِي لَهُ, فَإِنَّهُ عَمُّكِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: (الربيع بن سليمان بن داود الجيزيّ، أبو محمد المصريّ الأعرج، ثقة [١١] ١٢٢/ ١٧٣. و"أبو الأسود": هو النضر بن عبد الجبّار المراديّ مولاهم المصريّ، ثقة، من كبار [١٠] ٦٦/ ١٨٠١. و"إسحاق بن بكر": هو أبو يعقوب المصريّ، صدوق فقيه [١٠] ١٢٢/ ١٧٣. و"بكر بن مضر": هو والد إسحاق بن بكر الراوي عنه المصريّ الثقة الثبت [٨] ١٢٢/ ١٧٣. و"جعفر بن ربيعة": هو أبو شرحبيل المصريّ الثقة [٥] ١٢٢/ ١٧٣. و"عراك بن مالك": هو الغفاريّ الكناني المدنيّ الثقة الفاضل [٣] ١٣٢/ ٢٠٧.
ومن لطائف الإسناد أن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه، فانفرد به هو، وأبو داود، وشيخ شيخه، فانفرد به هو، وأبو داود، وابن ماجه، وهم مصريون إلى جعفر، والباقون مدنيون، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم، عن بعض، وفيه رواية الابن، عن أبيه.
والحديث متفق عليه، وقد سبق البحث عنه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 14015
٥٣ - (بَابُ رَضَاعِ الْكَبِيرِ)
٣٣٢٠ - (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: سَمِعْتُ حُمَيْدَ بْنَ نَافِعٍ, يَقُولُ: سَمِعْتُ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ, تَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ, زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ , تَقُولُ: جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ, إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ , فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ, إِنِّي لأَرَى فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ, مِنْ دُخُولِ سَالِمٍ عَلَيَّ, قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَرْضِعِيهِ» , قُلْتُ: إِنَّهُ لَذُو لِحْيَةٍ, فَقَالَ: "أَرْضِعِيهِ, يَذْهَبْ مَا فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ", قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا عَرَفْتُهُ فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ بَعْدُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يونس بن عبد الأعلى) بن ميسرة الصدفيّ، أبو موسى المصريّ، ثقة، من صغار [١٠] ١/ ٤٤٩.
٢ - (ابن وهب) عبد اللَّه القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقة حافظ عابد [٩] ٩/ ٩.
٣ - (مخرمة بن بُكير) بن عبد اللَّه، أبو المسور المدنيّ، صدوق، وروايته عن أبيه وجادة من كتابه، قاله أحمد، وابن معين، وغيرهما، وقال ابن المدينيّ: سمع من أبيه قليلًا [٧] ٢٨/ ٤٣٨.
٤ - (أبوه) بُكير بن عبد اللَّه بن الأشجّ المخزوميّ مولاهم، أبو عبد اللَّه، أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقة [٥] ١٣٥/ ٢١١.
٥ - (حُميد بن نافع) الأنصاريّ، أبو أفلح المدنيّ، ثقة [٣] ٥٣/ ٣٣٢.
٦ - (زينب بنت أبي سلمة) عبد اللَّه بن عبد الأسد المخزوميّة، ربيبة النبيّ ﷺ ، ماتت سنة (٧٣)، وتقدّمت ترجمتها في ١٢٣/ ١٨٢.
٧ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، إلا شيخه، وشيخ شيخه، فمصريان، و "بكير" مدنيّ سكن مصر. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ: بُكير، عن حميد، وصحابيّة، عن صحابية: زينب، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنهما -. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 14016
شرح الحديث
عن زينب بنت أبي سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها قالت: (سَمِعْتُ عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (تَقُولُ: جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنتُ سُهَيْلِ) بن عمرو القرشيّة العامرية، أسلمت قديمًا، وهاجرت مع زوجها أبي حُذيفة إلى الحبشة، فولدت له هناك محمد بن أبي حذيفة. ذكره ابن إسحاق. وقال ابن سعد: أمها فاطمة بنت عبد العزّى ابن أبي قيس، من رهط زوجها سُهيل بن عمرو، أسلمت قديمًا بمكة، وبايعت، ثم تزوّجت شَماخ بن سعيد بن قائف بن الأوقص السلميّ، فولدت له عامرًا، ثم تزوّجت عبد اللَّه بن الأسود بن عمرو، من بني مالك بن حِسْل، فولدت له سليطًا، ثم تزوّجت عبد الرحمن بن عوف، فولدت له سالمًا، فهم إخوة ابن أبي حذيفة لأمه (١) (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يًا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَأَرَى فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ) حُذف منه المفعول: أي الكراهية.
و"أبو حُذيفة": هو ابن عُتبة بن ربيعة بن عبد شمسى بن عبد مناف، القرشيّ العَبْشميّ، خال معاوية، اسمه مِهْشَم، وقيل: هاشم، وقيل: قيس، كان من السابقين إلى الإسلام، وهاجر الهجرتين، وصلّى إلى القبلتين. قال ابن إسحاق: أسلم بعد ثلاثة وأربعين إنسانًا. وهو ممن شهد بدرًا، وكان طُوَالًا، حسن الوجه، استُشهد يوم اليمامة، وهو ابن ستّ وخمسين سنة (٢).
(مِن) تعليليّة، أي لأجل (دُخُولِ سَالِمٍ عَلَيَّ) وذلك أنه تبناه حين كان التبنّي جائزًا، فكان يُدعى ابنه، وكان يسكن معهم في بيت واحد، فحين نزلت الآية: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾، وحرّم التبنّي كره أبو حذيفة دخول سالم مع اتحاد المسكن، وفي تعدّده مشقّةٌ عليهم، فجاءت سهلة إلى رسول اللَّه ﷺ لحلّ هذه المشكلة.
وفي رواية مسلم: فقالت: إن سالمًا كان يُدعَى لأبي حُذيفة، وإن اللَّه قد أنزل في كتابه: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾، وكان يدخل عليّ، وأنا فُضُلٌ (٣)، ونحن في منزل ضَيِّقٍ … " الحديث.
وسالم: هو ابن معقل -بفتح الميم، وسكون العين المهملة، وكسر القاف- يكنى أبا
стр. 14017
عبد اللَّه، كان من الفرس، وكان عبدًا لثُبيتة -بضمّ الثاء المثلّثلة، وفتح الباء الموحدة، وإسكان الياء المثنّاة، من تحتُ، بعدها نون- وقيل: بُثينة -بضمّ الباء الموحّدة، وفتح الثاء المثلثة، وإسكان الياء المثنّاة، من تحتُ، بعدها نون- وقيل: عمرة. وقيل: سلمى بنت يَعار -بفتح الياء المثناة، من تحتُ. وقيل: بالمثنّاة من فوقُ- الأنصاريّة، فأعتقته سائبةً، فانقطع إلى أبي حُذيفة، فتبنّاه، حتى جاء الشرع بإبطال ذلك، وكانا من أفاضل الصحابة ﵃، واستُشهِدا باليمامة سنة اثنتى عشرة، فوُجد رأس أحدهما عند رجلي الآخر (١).
وكان أبو حذيفة أنكحه ابنة أخته فاطمة بنت الوليد بن عتبة. وروى البخاريّ من حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -: كان سالم مولى أبي حذيفة يؤمّ المهاجرين الأولين في مسجد قُباء، فيهم أبو بكر، وعمر. وأخرجه الطبرانيّ، زاد: وكان أكثرهم قرآنًا. وأخرج الشيخان عن عبد اللَّه بن عمرو، رفعه: "خذوا القرآن من أربعة: من ابن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وأُبيّ بن كعب، ومُعاذ بن جبل". وأخرج ابن المبارك في "كتاب الجهاد" من طريق حنظلة بن أبي سفيان، عن عبد الرحمن بن سابط: أن عائشة احتبست على النبيّ ﷺ ، فقال: ما حبسك؟ قالت: سمعت قارئًا يقرأ، فذكرت من حسن قراءته، فأخذ رداءه، وخرج، فإذا هو سالمٌ مولى أبي حذيفة، فقال: "الحمد للَّه الذي جعل في أمتي مثلك". وأخرجه أحمد، وابن ماجه من طريق الوليد بن مسلم: حدثني حنظلة، عن عبد الرحمن بن سابط، عن عائشة، فذكره موصولًا، وله شاهد عند البزّار بإسناد رجاله ثقات. وروى ابن المبارك أيضًا أن لواء المهاجرين كان مع سالم، فقيل له في ذلك، فقال: بئس حامل القرآن أنا -يعني إن فررت، فقُطعت يمينه، فأخذه بيساره، فقطعت، فاعتنقه إلى أن صُرع، فقال لأصحابه: ما فعل أبو حذيفة؟ -يعني مولاه- قيل: قُتل، قال: فانتجعوني بجنبه (٢)، فأرسل عمر ميراثه إلى معتقته ثُبيتة، فقالت: إنما أعتقته سائبةً، فجعله في بيت المال. وذكر ابن سعد أن عمر أعطى ميراثه لأمه، فقال: كُليه انتهى ملخّصًا من "الإصابة" (٣).
(قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَرْضِعِيهِ") وفي رواية لمسلم: "فقال: "أرضعيه، تحرمي عليه" (قُلْتُ: إِنَّهُ لَذُو لِحْيَةٍ) أرادت أنه رجل كبير، لا يصلح للإرضاع، حيث تجاوز مدّة الرضاع. وفي الرواية التالية: قالت: وكيف أرضعه، وهو رجل كبير؟، فقال: ألستُ
стр. 14018
أعلم أنه رجلٌ كبيرٌ؟ ". وفي رواية لمسلم: "قالت: وكيف أرضعه، وهو رجلٌ كبير، فتبسم رسول اللَّه ﷺ ، وقال: قد علمت أنه رجلٌ كبيرٌ"، وفي رواية: "وكان قد شهد بدرًا" (فَقَالَ) ﷺ (أَرْضِعِيهِ) أي وإن كان ذا لحية (يَذْهَبْ) مجزوم بأداة شرط مقدّر، أي إن ترضعيه يذهبْ، أو بالطلب قبله؛ لنيابته عن أداة الشرط.
قال النوويّ: قال القاضي: لعلّها حلبته، ثم شربه من غير أن يمسّ ثديها، ولا التقت بشرتاهما، وهذا الذي قاله القاضي حسين. ويحتمل أنه عُفي عن مسّه للحاجة، كما خُصّ بالرضاعة مع الكبر. انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الثاني هو القويّ؛ إلا قوله: "كما خُصّ الخ"، فسيأتي أن الأرجح عدم خصوصيته.
وأما ما أخرجه ابن سعد، عن الواقديّ، عن محمد بن عبد اللَّه ابن أخي الزهريّ، عن أبيه، قال: كانت تحلُبُ في مسعط، أو إناء، قدر رَضْعَة، فيشربه في كلّ يوم حتى مضت خمسة أيام، فكان بعدُ يدخل عليها، وهي حاسرٌ، رخصة من رسول اللَّه ﷺ لسهلة انتهى (٢). ففي إسناده الواقديّ شديد الضعف، وهو أيضًا مرسل. واللَّه تعالى أعلم.
(مَا فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيفَةَ) أي من الكراهية (قَالَتْ) سهلة - رضي اللَّه تعالى عنها - (واللَّهِ مَا عَرَفْتُهُ) الضمير لما يظهر في وجهه، من الكراهية (فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ بَعْدُ) تعني أنها بعد ما أرضعت سالمًا بأمر النبيّ ﷺ لم تر في وجه زوجها ما كانت تراه قبل أن ترضعه، من الكراهية، وذلك لأنه علم أنها صارت أمه رضاعًا، فلم يبق في قلبه رِيبة في دخوله عليها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٣/ ٣٣٢٠ و ٣٣٢١ و ٣٣٢٢ و ٣٣٢٣ و ٣٣٢٤ - وفي "الكبرى" ٥١/ ٥٤٧٤ و ٥٤٧٦ و ٥٤٧٩ و ٥٤٨٠ و ٥٤٨١. وأخرجه (م) في "الرضاع" ١٤٥٣ (د) في
стр. 14019
"النكاح" ٢٠٦١ (ق) في "النكاح" ١٩٤٣. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم رضاع الكبير، وظاهر تبويبه أنه يرى جوازه، وقد اختلف فيه العلماء كما سيأتي بيانه في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): سهولة الشريعة، وسماحتها حيث سهّلت في محلّ الحاجة، فأجازت إرضاع المرأة من له صلة بها، إذا اضطرّت إلى ذلك. (ومنها): أن من أشكل عليه حكم من الأحكام الشرعية عليه أن يسأل العلماء، سواء كان ذكرًا، أم أنثى. (ومنها): أن التبنّي كان جائزًا، ثم نسخ. (ومنها)؛ أنه يجوز لمن لم يبلغ مبلغ الرجال من الصغار أن يدخلوا على النساء الأجنبيّات. (ومنها): جواز الإرشاد إلى الحيل المشروعة. (ومنها): ما قاله ابن الرفعة: يؤخذ منه جواز تعاطي ما يُحصّل الحِلَّ في المستقبل، وإن كان ليس حلالًا في الحال (١). (ومنها): ما كان عليه أبو حذيفة من الغيرة، فيما لم يأذن به الشرع، وانقياده للحقّ بعد الرضاع، وهكذا ينبغي لكلّ مسلم أن يكون غيورًا على حُرَمه، فإذا كان هناك تسهيلٌ من الشارع انقاد له. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم رضاع الكبير:
ذهبت طائفة إلى أن إرضاع الكبير يثبت به التحريم، وممن قاله به عليّ بن أبي طالب، كما حكاه عنه ابن حزم، وأما ابن عبد البرّ، فأنكر الرواية عنه في ذلك، وقال: لا يصحّ. وعائشة، وعروة بن الزبير، وعطاء بن أبي رباح، والليث بن سعد، وابن عُلية، وحكاه النوويّ عن داود الظاهريّ، وإليه ذهب ابن حزم، ويؤيّد ذلك الإطلاقات القرآنيّة، كقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، وهو ظاهر مذهب المصنّف كما قررناه في المسألة السابقة.
وذهب الجمهور إلى أن حكم الرضاع إنما يثبت في الصغير، وأجابوا عن قصّة سالم بأجوبة:
(منها): أنه حكم منسوخٌ، وبه جزم المحبّ الطبريّ في "أحكامه"، وقرّره بعضهم بأن قصّة سالم كانت في أوائل الهجرة، والأحاديث الدالّة على اعتبار الحولين من رواية أحداث الصحابة، دلّ على تأخّرها. وهو مستندٌ ضعيفٌ؛ إذ لا يلزم من تأخّر إسلام الراوي، ولا صغره أن لا يكون ما رواه متقدّمًا. وأيضًا ففي سياق قصّة سالم ما يُشعر
стр. 14020
بسبق الحكم باعتبار الحولين؛ لقول امرأة أبي حذيفة في بعض طرقه، حيث قال لها النبيّ ﷺ : "أرضعيه"، قالت: وكيف أرضعه، وهو رجلٌ كبيرٌ؟، فتبسّم رسول اللَّه ﷺ ، وقال: "قد علمت أنه رجلٌ كبير"، وفي رواية: قالت: إنه ذو لحية، قال: "أرضعيه". وهذا يشعر بأنها كانت تعرف أن الصغر معتبرٌ في الرضاع المحرّم.
(ومنها): دعوى الخصوصيّة بسالم، وامرأةِ أبي حُذيفة، والأصل فيه قول أم سلمة، وأزواج النبيّ ﷺ : ما نرى هذا إلا رخصةً أرخصها رسول اللَّه ﷺ لسالم بسهلة، فلما نزل الاحتجاب، ومُنِعوا من التبنّي شقّ ذلك على سهلة، فوقع الترخيص لها في ذلك؛ لرفع ما حصل لها من المشقّة.
وهذا فيه نظرٌ؛ لأنه يقتضي إلحاق من يساوي سهلة في المشقّة، والاحتجاج بها، فتنفَى الخصوصية (١).
وفيه أيضًا أن دعوى الخصوصيّة تحتاج إلى دليل، وقد اعترف أزواج النبيّ ﷺ بصحّة الحجة التي جاءت بها عائشة، ولا حجة في إبائهنّ لها، كما أنه لا حجة في أقوالهنّ، ولهذا سكتت أمّ سلمة لما قالت لها عائشة: أما لك في رسول اللَّه ﷺ أسوةٌ حسنةٌ؟، ولو كانت هذه السنّة مختصّةً بسالم لَبَيَّنَها رسول اللَّه ﷺ ، كما بيّن اختصاص أبي بردة بالتضحية بالجذع من المعز، واختصاص خزيمة بأن شهادته كشهادة رجلين (٢).
وذهب بعضهم إلى أن الرضاع يُعتبر فيه الصغر إلا فيما دعت إليه الحاجة، كرضاع الكبير الذي لا يستغني عن دخوله على المرأة، ويشقّ احتجابها منه، وإليه ذهب شيخ الإسلام ابن تيميّة، ورجّحه الشوكانيّ، قال: وبه يحصل الجمع بين الأحاديث، وذلك بأن تجعل قصّة سالم المذكورة مخصّصة لعموم: "إنما الرضاع من المجاعة"، و"لا رضاع إلا في الحولين"، و"لا رضاع إلا ما فتق الأمعاء، وكان قبل الفطام"، و"لا رضاع إلا ما أنشر العظم، وأنبت اللحم". وهذه طريقة متوسطة بين طريقة من استدلّ بهذه الأحاديث على أنه لا حكم لرضاع الكبير مطلقًا، وبين من جعل رضاع الكبير كرضاع الصغير مطلقًا؛ لما لا يخلو عنه كلّ واحدة من هاتين الطريقتين من التعسّف. ويؤيّد هذا أن سؤال سهلة امرأة أبي حذيفة كان بعد نزول آية الحجاب، وهي مصرّحة بعدم جواز إبداء الزينة لغير من في الآية، فلا يُخصّ منها غير من استثناه اللَّه تعالى، إلا بدليل، كقضيّة سالم، وما كان مماثلًا لها في تلك العلّة التي هي الحاجة إلى رفع الحجاب، من
стр. 14021
غير أن يقيّد ذلك بحاجة مخصوصة من الحاجات المقتضية لرفع الحجاب، ولا بشخص من الأشخاص، ولا بمقدار من عمر الرضيع معلوم، وقد ثبت في حديث سهلة أنها قالت للنبيّ ﷺ : "إن سالمًا ذو لحية، فقال: "أرضعيه". انتهى كلام الشوكانيّ (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن هذا القول الثالث المفصِّل كما ذهب إليه ابن تيمية، ورجحه الشوكانيّ -رحمهما اللَّه تعالى- هو الأرجح إذ به يحصل التوفيق بين الأدلة، وحاصله أن رضاع الكبير محرّمٌ، إذا كانت هناك حاجة مثل حاجة سهلة، وسالم، حيث إنه لا يستغني عن دخوله عليها، ويشق عليها الاحتجاب عنه، فإذا رضع منها خمس رضعات، كما أمر ﷺ سهلة بأن ترضع سالمًا خمس رضعات ثبت التحريم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): اختلف القائلون بعدم تحريم رضاع الكبير في السنّ الذي يختص التحريم بالإرضاع فيه على أقوال:
(القول الأوّل): أنه حولان على طريق التحديد من غير زيادة، فمتى وقع الرضاع بعدهما، ولو بلحظة لم يترتّب عليه حكم. وهذا مذهب الشافعيّ، وأحمد، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وإسحاق بن راهويه، وأبي عُبيد، وأبي ثور، وحكاه ابن عبد البرّ عن الحسن بن حيّ. وحكاه ابن حزم عن ابن شبرمة، وسفيان الثوريّ، وداود، وأصحابهم. وحكاه ابن عبد البرّ عن داود أيضًا. وهذا يُخالف نقل النوويّ عن داود. قال ابن حزم: ورواه ابن وهب، عن مالك، ثم رجع عنه.
واحتجّ هؤلاء بقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ الآية. وبقوله ﷺ : "إنما الرضاعة من المجاعة" (٢)، متّفقٌ عليه. قال ابن عبد البرّ: وهو خلاف رواية أهل المدينة عن عائشة، ولكن العمل بالأمصار على هذا انتهى.
وبما رواه الترمذيّ، والنسائيّ، عن أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها -، قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء (٣)، من الثدي، وكان قبل الفطام". قال الترمذيّ: حسنٌ صحيح. وروى الدارقطنيّ من طريق الهيثم بن جميل، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا رضاع إلا ما كان في الحولين". قال الدارقطنيّ: لم يسنده، عن ابن عيينة
стр. 14022
غير الهيثم بن جميل، وهو ثقة حافظ انتهى. وهذا الحديث نصّ في هذه المسألة. قاله وليّ الدين (١).
(القول الثاني): أنه يُعتبر حكمه، ولو كان بعد الحولين بمدّة قريبة، وهو مستمرّ الرضاع، أو بعد يومين من فصاله، وهذا هو المشهور من مذهب مالك، وفي القريبة عندهم أقوالٌ: قيل: أيام يسيرة. وقيل: شهر. وقيل: شهران. وقيل: ثلاثة. قال أبو العباس القرطبيّ: وكأن مالكًا -رحمه اللَّه تعالى- يشير إلى أنه لا يفطم الصبيّ دفعة واحدة في يوم واحد، بل في أيام، وعلى تدريج، فتلك الأيام التي يحاول فيها فطامه حكمها حكم الحولين؛ لقضاء العادة بمعاودته الرضاع فيها.
(القول الثالث): تقدير ذلك بسنتين ونصف، وهو قول أبي حنيفة، وجعل قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ دالًا على تقدير كلّ من الحمل، والفصال بذلك كالأجل المضروب للمدتين. وقال صاحباه، والشافعيّ: هذه المدّة للمجموع، وقد دلّ قوله تعالى: ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ على حصّة الفصال من ذلك، فصارت بقيّة المدّة، وهي ستة أشهر للحمل، وهي أقلّه، مع أن أبا حنيفة لا يقول: أكثر الحمل سنتان ونصف، وإنما يقول: إنه سنتان.
(القول الرابع): تقديره بثلاث سنين، وهذا قول زفر، كذا أطلق النقل عنه غير واحد، منهم صاحب "الهداية"، وقيّد ابن عبد البرّ عنه بأن يجتزىء باللبن، ولا يطعم. (القول الخامس): أنه إن فطم قبل الحولين فما رضع بعده لا يكون رضاعًا، ولو أرضع ثلاث سنين لم يفطم كان رضاعًا، حكاه ابن عبد البرّ عن الأوزاعيّ، وحكي أيضًا عن ابن القاسم أنه لو فطمته أمه قبل الحولين، واستغنى عن الرضاع، فأرضعته أجنبيّة قبل تمام الحولين لم يعد رضاعًا (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذه الأقوال كلّها للقائلين بعدم تحريم رضاع الكبير، وقد تقدّم لك في المسألة السابقة أن الأرجح أنه محرّم إذا كانت هناك حاجة مثل حاجة سالم مع سهلة، وكان خمس رضعات، كما أثبته الشارع لهما لشدّة حاجتهما، وأمر سهلة أن تُرضعه خمس رضعات، وأما إذا لم توجد حاجة شديدة فقول من حدّده بحولين أرجح؛ لوضوح أدّلته. فتبصّر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٣٢١ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, قَالَ: سَمِعْنَاهُ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ -وَهُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ- عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: جَاءَتْ سَهْلَةُ
стр. 14023
بِنْتُ سُهَيْلٍ, إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ , فَقَالَتْ: إِنِّي أَرَى فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ, مِنْ دُخُولِ سَالِمٍ عَلَيَّ, قَالَ: «فَأَرْضِعِيهِ» , قَالَتْ: وَكَيْفَ أُرْضِعُهُ, وَهُوَ رَجُلٌ كَبِيرٌ؟ فَقَالَ: «أَلَسْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ رَجُلٌ كَبِيرٌ؟» , ثُمَّ جَاءَتْ بَعْدُ, فَقَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا, مَا رَأَيْتُ فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ بَعْدُ شَيْئًا أَكْرَهُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن" الزهريّ البصريّ، صدوق، من صغار [١٠] ٤٢/ ٤٨.
و"سفيان": هو ابن عيينة. و"القاسم": هو ابن محمد بن أبي بكر الصدّيق. والإسناد كله رجال الصحيح.
وقولها: "من دخول سالم الخ" أي لأجل دخوله عليّ.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٣٢٢ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ الْوَزِيرِ, قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ, عَنْ يَحْيَى, وَرَبِيعَةَ, عَنِ الْقَاسِمِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ امْرَأَةَ أَبِي حُذَيْفَةَ, أَنْ تُرْضِعَ سَالِمًا, مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ, حَتَّى تَذْهَبَ (١) غَيْرَةُ أَبِي حُذَيْفَةَ, فَأَرْضَعَتْهُ, وَهُوَ رَجُلٌ, قَالَ رَبِيعَةُ: فَكَانَتْ رُخْصَةً لِسَالِمٍ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه "أحمد بن يحيى بن الوزير": هو أبو عبد اللَّه المصريّ، ثقة [١١] ٤٢/ ٢٦٩٠ فتفرد به هو وأبو داود.
[تنبيه]: وقع في النسخة المصريّة: "أبو الوزير"، وهو تصحيف، والصواب "ابن الوزير". فتنبّه.
و"سليمان": هو ابن بلال المدنيّ، ثقة [٨] ٣٠/ ٥٥٨. و"يحيي": هو ابن سعيد الأنصاريّ المدنيّ القاضي، ثقة ثبت [٥] ٢٢/ ٢٣. و"ربيعة": هو ابن أبي عبد الرحمن فَرُّوخ المدنيّ الفقيه، المعروف بـ"ربيعة الرأي" [٥] ٣٦/ ٧٢٩.
[تنبيه]: قوله: "وربيعة" بالجرّ عطفًا على "يحيي"، يعني أن سليمان بن بلال أخبر ابنَ وهب، عن كلّ من يحيى بن سعيد، وربيعة الرأي، وكلاهما يرويان عن القاسم بن محمد بن أبي بكر. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "غيرة" بفتح الغين المعجمة، وسكون التحتانية، من غار الرجل على امرأته، وهي على زوجها يَغَار، من باب تَعِب غَيْرًا، وغَيْرَةً -بالفتح-، وغارًا، ولا يقال: غِيرًا، وغِيرةً بالكسر.
стр. 14024
وقول ربيعة: "فكانت رخصةً الخ" الضمير للحكم المذكور، والتأنيث باعتبار الخبر، وهو "رخصة"، والمراد به أن حلّ إرضاع الكبير، وثبوت الحرمة به رخصةٌ لسالم للضرورة، ولا يتناول غيره.
وهذا رأي ربيعة، كما هو رأي أكثر أهل العلم، وتقدّم البحث فيه مستوفىً قريبًا، وأن الأرجح أنه ليس رخصةً لسالم فقط، بل يعُمّه وغيره، ممن هو على مثل حاله في الضرورة، فتنبّه.
والحديث صحيحٌ، وقد سبق بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٣٢٣ - (أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ, عَنْ سُفْيَانَ -وَهُوَ ابْنُ حَبِيبٍ- عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ, عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: جَاءَتْ سَهْلَةُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ , فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ, إِنَّ سَالِمًا يَدْخُلُ عَلَيْنَا, وَقَدْ عَقَلَ مَا يَعْقِلُ الرِّجَالُ, وَعَلِمَ مَا يَعْلَمُ الرِّجَالُ, قَالَ: «أَرْضِعِيهِ, تَحْرُمِي عَلَيْهِ بِذَلِكَ» , فَمَكَثْتُ حَوْلاً, لَا أُحَدِّثُ بِهِ, وَلَقِيتُ الْقَاسِمَ, فَقَالَ: حَدِّثْ بِهِ, وَلَا تَهَابُهُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "حميد بن مسعدة": هو الباهليّ البصريّ، صدوق [١٠] ٥/ ٥. و"سفيان بن حبيب": هو البزّاز، أبو محمد البصريّ، ثقة [٩] ٦٧/ ٨٢. و"ابن جريج": هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج. و"ابن أبي مُليكة": هو عبد اللَّه بن عُبيد اللَّه بن أبي مليكة. ورجال الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير سفيان بن حبيب، فإنه من رجال الأربعة، وأخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد".
وقولها: "وقد عقل ما يعقل الرجال" أي من عورات النساء. وقولها: "وعلم ما يعلم الرجال" مؤكّدٌ لما قبله.
وقوله: "فمكثت حولًا الخ" "مكث" من باب قتل: أي أقمت، وتَلَبَّثتُ.
[تنبيه]: قائل: "مكثت" هو ابن أبي مُليكة، وسياق مسلم في "صحيحه" أصرح في ذلك، ولفظه: قال: فمكثتُ سنة، أو قريبًا منها، لا أُحدّثُ به، وهِبْتُهُ، ثم لقيتُ القاسم، فقلت له: لقد حدّثتني حديثًا ما حدّثتُهُ بعدُ، قال: فما هو؟ فأخبرته، قال: فحدّثهُ عنّي أن عائشة أخبرتنيه" انتهى.
والظاهر أن سبب عدم تحديث ابن أبي مليكة به، ومكثه حولًا، أو قريبًا منه، خوفه أن لا يُقبل منه؛ لكون أكثر أهل العلم على خلافه، حيث إنهم لا يرون تحريم رضاع الكبير، ثم لما لقي القاسم حثه على التحديث به، وعدم الخوف منه؛ لثبوته عن النبيّ ﷺ ، فإنه إذا ثبت الحديث عنه، وجب نشره، والعمل به، دون أن يُلتَفَتَ إلى عدم عمل
стр. 14025
الأكثرين به؛ لأن السنة إذا ثبتت فإنها حاكمة، وليست محكومًا عليها.
وقوله: "ولا تهابه" "لا" نافية، والفعل. مرفوع، والمراد من النفي النهي، أي لا تخف من تحديثه؛ لثبوته.
والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
٣٣٢٤ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا أَيُّوبُ, عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ, عَنِ الْقَاسِمِ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ سَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ, كَانَ مَعَ أَبِي حُذَيْفَةَ وَأَهْلِهِ, فِي بَيْتِهِمْ, فَأَتَتْ بِنْتُ سُهَيْلٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ:: إِنَّ سَالِمًا قَدْ بَلَغَ مَا يَبْلُغُ الرِّجَالُ, وَعَقَلَ مَا عَقَلُوهُ, وَإِنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْنَا, وَإِنِّي أَظُنُّ فِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا, فَقَالَ: النَّبِيُّ ﷺ : «أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ» , فَأَرْضَعْتُهُ, فَذَهَبَ الَّذِي فِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ, فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ, فَقُلْتُ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُهُ, فَذَهَبَ الَّذِي فِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عمرو بن عليّ": هو الفلّاس. و"عبد الوهاب": هو ابن عبد المجيد الثقفيّ البصريّ. و"أيوب": هو ابن كيسان السختيانيّ البصريّ. ورجال الإسناد كلهم رجال الصحيح.
وقوله: "تحرمي عليه" أي تصيري حرامًا عليه بذلك الرضاع، ويذهب بسببه غَيْرة أبي حذيفة - رضي اللَّه تعالى عنه -.
والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٣٢٥ - (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ, وَمَالِكٌ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ عُرْوَةَ, قَالَ: أَبَى سَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ, بِتِلْكَ الرَّضْعَةِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ, يُرِيدُ رَضَاعَةَ الْكَبِيرِ, وَقُلْنَ لِعَائِشَةَ: وَاللَّهِ مَا نُرَى الَّذِي أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ, إِلاَّ رُخْصَةً فِي رَضَاعَةِ سَالِمٍ وَحْدَهُ, مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ , وَاللَّهِ لَا يَدْخُلُ عَلَيْنَا أَحَدٌ بِهَذِهِ الرَّضْعَةِ, وَلَا يَرَانَا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
٩ - (يونس بن عبد الأعلى) الصدفيّ، أبو موسى المصريّ، ثقة، من صغار [١٠] ١/ ٤٤٩.
٢ - (ابن وهب) عبد اللَّه المصريّ، ثقة حافظ عابد [٩] ٩/ ٩.
٣ - (يونس) بن يزيد الأيليّ، أبو يزيد، ثقة [٧] ٩/ ٩.
٤ - (مالك) بن أنس الإمام المدنيّ الحجة الثبت [٧] ٧/ ٧.
стр. 14026
٥ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهريّ المدنيّ الحجة الثبت الإمام [٤] ١/ ١.
٦ - (عروة) بن الزبير بن العوّام المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٤٠/ ٤٤.
٧ - (أزواج النبيّ ﷺ ) - رضي اللَّه تعالى عنهنّ -. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من مالك، والباقون مصريون، ويونس وإن كان أيليّا إلا أنه سكن مصر، ومات بصعيد مصر. (ومنها): أن فيه رواية تابعى عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عُرْوَةَ) بن الزبير (قَالَ: أَبَى) قال الفيّوميّ: أبَى الرجل يَأْبَى إِبَاءً -بالكسر، والمدّ- وإباءةً: امتنع، فهو آبٍ، وأَبِيّ على فاعل وفَعِيلِ، وتأبيّ مثلُهُ، وبناؤه شاذّ؛ لأن فَعَلَ يَفعَلُ -بفتحتين يكون حَلقيّ العين، أو اللام، ولم يأت من حَلقيّ الفاء إلا أبَى يأبَى، وعَضَّ يَعَضّ في لغة، وأَثَّ الشعرُ يَأَثَّ: إذا كثُر، والْتَفَّ، وربّما جاء في غير ذلك، قالوا: وَدَّ يَوَدُّ في لغة، وأما لغة طيّىء في باب نَسِيَ يَنْسَى: إذا قَلَبُوا، وقالوا: نَسَى ينسَى، فهو تخفيف انتهى (١).
وذكر بعضهم أن ابنَ سِيدَهْ حَكَى عن قوم أَبِيَ يَأبَى -أي من باب عَلِمَ- كنَسِيَ يَنْسَى. وحكى ابن جنيّ، وصاحب "القاموس": أَبَى يَأْبِي، كضرب يَضرب، فعلى هذا يجوز أن يكون أَبَى يَأْبَى -بالفتح فيهما- من باب تداخل اللغتين، أي أن المتكلّم بالفتح فيهما أخذ الماضي من لغة، والمضارع من لغة انتهى (٢).
والمعنى هنا: امتنع (سَائِرُ أَزوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ ) أي باقي أزواجه ﷺ رضي اللَّه تعالى عنهنّ -، غير عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، فإنها كانت تعَمِّمُ الحكم كلّ من رضع كبيرًا، ولا تخصّه بسالم (أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِنّ، بِتِلْكَ الرَّضْعَةِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ) زاد في رواية أبي داود: "حتى يَرْضَعَ في المهد" (يُرِيدُ رَضَاعَةَ الكَبِيرِ) أي يريد عروة بتلك الرضعة الإشارة إلى رضاعة الكبير (وَقُلنَ لِعَائِشَةَ: وَاللَّهِ مَا نُرَى) بضم النون: أي نَظُنُّ، أو بفتحها: أي نعتقد (الَّذِي أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، سَهلَةَ بِنتَ سُهَيلِ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أي بإرضاع سالم، مع كبره (إِلَّا رُخْصَةً) أي تيسيرًا عليها (فِي رَضَاعَةِ سَالِمٍ وَحْدَهُ، مِنْ رَسُولِ اللهِ
стр. 14027
- ﷺ ) متعلّقٌ بـ"رخصة" (وَاللَّهِ لَا يَدْخُلُ عَلَيْنَا أَحَدٌ بِهَذِهِ الرَّضعَةِ، وَلَا يَرَانَا) قال الزرقانيّ: أي لأنها قضيّة عين، لم تأت في غيره، واحتفّت بها قرينة التبنّي، وصفات لا توجد في غيره، فلا يُقاس عليه. قال المازريّ: ولها أن تُجيب بأنه ورد متأخّرًا، فهو ناسخٌ لما عداه، مع ما لأمهات المؤمنين من شدّة الحكم في الحجاب، والتغليظ فيه. قال الزرقاني: كذا قال، وفيه نظرٌ لا يخفى (١).
وقال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرحه": ولو كان الأمر إلينا لقلنا بثبوت ذلك الحكم في الكبير، عند الضرورة، كما في الْمَوْرِدِ، وأما القول بالثبوت مطلقًا كما تقول عائشة فبعيدٌ، ودعوى الخصوصيّة لا بدّ من إثباتها انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- حسنٌ جدًّا، وقد تقدّم تحقيقه.
والحاصل أن الأرجح أنه لا يخُصّ سالمًا، بل هو رخصة لكلّ من كان على مثل حال سالم من الضرورة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عروة عن أزواج النبيّ ﷺ هذا موقوفٌ صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٣/ ٣٣٢٥ و ٣٣٢٦ - وفي "الكبرى" ٥١/ ٥٤٧٧ و ٥٤٧٨. وأخرجه (د) في "النكاح" ٢٠٦١ (الموطأ) في "الرضاع" ١٢٨٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٣٢٦ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ, قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي, عَنْ جَدِّي, قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, أَخْبَرَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ, أَنَّ أُمَّهُ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ, أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أُمَّهَا أُمَّ سَلَمَةَ, زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ , كَانَتْ تَقُولُ: أَبَى سَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُدْخَلَ عَلَيْهِنَّ بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ, وَقُلْنَ لِعَائِشَةَ: وَاللَّهِ مَا نُرَى هَذِهِ إِلاَّ رُخْصَةً, رَخَّصَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ خَاصَّةً لِسَالِمٍ, فَلَا يَدْخُلْ عَلَيْنَا أَحَدٌ بِهَذِهِ الرَّضَاعَةِ, وَلَا يَرَانَا).
стр. 14028
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلّهم تقدّموا، غير:
١ - (أبي عبيدة بن عبد اللَّه بن زَمعة) بن الأسود بن المطّلب بن أسد بن عبد العزّى بن قُصَي القرشيّ الأسديّ، مقبول [٣].
روى عن أبيه، وأمه زينب بنت أبي سلمة، وجدّته أم سلمة زوج النبيّ ﷺ ، وأم قيس بنت مِحصَن، وحمزة بن عبد اللَّه بن عمر. وعنه ابنه رُكَيح، وموسى بن يعقوب بن عبد اللَّه بن وهب بن زمعة، والأعرج، وعبد اللَّه بن زياد، والزهريّ، ومحمد بن إسحاق. وقال أبو زرعة: لا أعرف أحدًا سمّاه.
له عند مسلم، والمصنّف حديث الباب فقط، وأخرج له أبو داود حديثًا واحدًا في "الحجّ"، وابن ماجه ثلاثة أحاديث.
وقوله: "أن يُدخل الخ" بالبناء للمفعول.
والحديث موقوف صحيح، سبق الكلام عليه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٥٤ - (الْغِيْلَةُ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الغِيلَة" -بكسر الغين المعجمة- ويقال لها: الْغَيلُ -بفتح، فسكون- والْغِيال: أن يجامع الرجل امرأته، وهي موضع، وسيأتي تمام البحث فيها قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى.
٣٣٢٧ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ, وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ جُدَامَةَ بِنْتَ وَهْبٍ حَدَّثَتْهَا, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , قَالَ: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ, حَتَّى ذَكَرْتُ أَنَّ فَارِسَ وَالرُّومَ يَصْنَعُهُ -وَقَالَ إِسْحَاقُ-: «يَصْنَعُونَهُ, فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ»).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عبيد اللَّه) بن سعيد، أبو قُدامة السرخسيّ، ثقة ثبت [١٠] ١٥/ ١٥.
٢ - (إسحاق بن منصور) الكوسج، أبو يعقوب المروزيّ، ثقة ثبت [١١] ٧٢/ ٨٨.
стр. 14029
٣ - (عبد الرحمن) بن مهديّ بن حسان البصريّ، ثقة ثبت حجة [٩] ٤٢/ ٤٩.
٤ - (أبو الأسود) محمد بن عبد الرحمن بن نوفل الأسديّ المدنيّ، يتيم عروة، ثقة [٦] ١٧١/ ٢٧٦.
٥ - (جُدامة بنت وهب) بن محصن، ويقال: بنت جَندَل، ويقال: بنت جُندَب الأسدية، أخت عُكاشة بن مِحصَن لأمه. روت عن النبيّ ﷺ في النهي عن الغِيلَة. وروت عنها عائشة زوج النبيّ ﷺ ، وكان إسلامها قديمًا، وهاجرت مع قومها إلى
المدينة. وقال الواقديّ: كانت تحت أنس بن قتادة، ممن شهِدَ بدرًا، وقُتِل يوم أحد. وقال الدارقطنيّ: هي بالجيم، والدال المهملة، ومن ذكرها بالذال المعجمة، فقد صحف. وكذا قال العسكريّ، وحُكي بالذال المعجمة عن جماعة. وقال الطبريّ: جُدامة بنت جَندل، والمحدّثون قالوا: ابنة وهب، والمختار أنها ابنة جَنْدل الأسديّة، أسلمت قديما بمكّة، وبايعت، وهاجرت مع قومها إلى المدينة (١).
وقال الإمام مسلم -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" بعد أن أورد الحديث عن شيخيه: خلف بن هشام، ويحيى بن يحيى: ما نصّه: وأما خلف فقال: عن جُذامة الأسديّة، والصحيح ما قاله يحيى بالدال -يعني بالمهملة- انتهى.
قال النوويّ: وهكذا قال جمهور العلماء: إن الصحيح أنها بالمهملة، والجيم مضمومة بلا خلاف.
وقوله: " جدامة بنت وهب"، وفي الرواية الأخرى: جدامة بنت وهب أخت عكاشة. قال القاضي عياض: قال بعضهم: إنها أخت عكاشة على قول من قال: إنها جدامة بنت وهب بن محصن. وقال آخرون: هي أخت رجل آخر، يقال له: عكاشة بن وهب، ليس بعكاشة بن مِحصن المشهور. ثم ذكر كلام الطبريّ السابق. قال: والمختار أنها جدامة بنت وهب الأسديّة أخت عكاشة بن محصن المشهور الأسديّ، وتكون أخته من أمه انتهى كلام النوويّ (٢). روى لها الجماعة، سوى البخاريّ، لها عندهم حديث الباب فقط. والباقون تقدّموا قريبًا. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخيه، فالأول سرخسيّ، والثاني
стр. 14030
مروزيّ، وعبد الرحمن، فإنه بصريّ. (ومنها): أن فيه عروة من الفقهاء السبعة، وعائشة من المكثرين السبعة. (ومنها): أن فيه رواية صحابية عن صحابية: عائشة عن جُدَامَةَ ﵄، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) أمّ المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - (أَنَّ جُدَامَةَ) بضم الجيم، والدال المهملة (١) (بنتَ وَهب) بن مِحصن، - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (حَدّثَتْهَا) أي أخبرت عائشة. قال الحافظ ائن عبد البرّ: كلّ الرواة رووه هكذا، إلا أبا عامر العَقَديَّ، فجعله عن عائشة، لم يذكر جُدامة، وكذا رواه القعنبيّ في غير "الموطّإ"، ورواه فيه كسائر الرواة عن عائشة، عن جُدامة، وفي رواية عائشة عن جُدامة دليلٌ على حرصها على العلم، وبحثها عنه، وأن القوم لم يكونوا يُرسلون من الأحاديث في الأغلب إلا ما يستوفيه المحدّث لهم بها، أو لوجوه غير ذلك انتهى (٢).
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "لَقَدْ هَمَمْتُ) أي قصدت (أَنْ أَنْهَى عَنِ الغِيلَةِ) قال النوويّ: قال أهل اللغة: الغيلة هنا بكسر الغين، ويقال لها: الغيل -بفتح الغين مع حذف الهاء، والغِيال -بكسر الغين. وقال جماعة من أهل اللغة: الغَيلة -بالفتح المرّة الواحدة، وأما بالكسر فهي الاسم من الغيل. وقيل: إن أريد بها وطء المرضع جاز الغيلة، والغيلة بالكسر والفتح.
واختلف العلماء في المراد بالغيلة في هذا الحديث، وهي الغيل، فقال مالك في "الموطّإ"، والأصمعيّ، وغيره من أهل اللغة: أن يُجامع امرأته، وهي موضع، يقال منه، أغال الرجل، وأَغْيَلَ إذا فَعَلَ ذلك. وقال ابن السّكّيت: هو أن تُرضع المرأة، وهي حامل، يقال منه: غالت، وأغيلت.
قال العلماء: سبب همّه ﷺ بالنهي عنها أنه يخاف منه ضرر الولد الرضيع، قالوا: والأطبّاء يقولون: إن ذلك اللبن داء، والعرب تكرهه، وتتّقيه. انتهى كلام النوويّ (٣).
وفسّره مالك في "الموطّإ"، فقال: الغِيلةُ أن يمسّ الرجل امرأته، وهي تُرضع. قال الحافظ أبو عمر: اختلف العلماء، وأهل اللغة في معنى "الغِيلة"، فقال منهم قائلون كما قال مالك: معناها أن يطأ الرجل امرأته، وهي ترضع. وقال الأخفش: الغِيلة، والغِيل سواء، وهو أن تلد المرأة، فيغشاها زوجها، وهي تُرضع، فتحمل، فإذا حملت فسد
стр. 14031
اللبن عليّ الصبيّ، ويفسد به جسده، وتضعف قوته، حتى ربّما كان ذلك في عقله، قال: وقد قال النبيّ ﷺ فيه: "إنه ليدرك الفارس، فيُدعثره عن سرجه" (١). أي يضعُف، فيسقط عن السرج، قال الشاعر [من الوافر]:
فَوَارِسُ لَمْ يُغَالُوا فِي رَضَاعِ … فَتَنْبُوا فِي أَكُفِّهِمُ السُّيُوفُ
يقال: قد أغال الرجل ولده، وأُغيل الصبيّ، وصبيّ مُغالٌ، ومُغْيَلٌ: إذا وَطِىء أبوه أمّه في رضاعه، قال امرؤ القيس [من الطويل]:
فَمِثْلِكِ حُبْلَى قَدْ طَرَقْتُ وَمُرْضِعِ … فَأَلْهَيْتُهَا عَنْ ذِي تَمَائِمَ مُغْيَلِ
وقال بعض أهل اللغة: الغِيلة أن تُرضع المرأة ولدها، وهي حاملٌ. وقال غيره: الغيل نفس الرضاع. انتهى (٢).
وقال أبو العبَّاس القرطبيّ بعد أن ذكر المعنيين السابقين: والحاصل أن كلّ واحد منهما يقال عليه غيلة في اللغة، وذلك أن اللفظ كيفما دار إنما يرجع إلى الضرر والهلاك، ومنه تقول العرب: غالني أمر كذا: أي أضرّ بي، وغالته الغول: أي أهلكته، وكلّ واحدة من الحالتين المذكورتين مُضرّةٌ بالولد، ولذلك يصحّ أن تُحمل الغيلة في الحديث على كلّ واحد منهما.
فأما ضرر المعنى الأول، فقالوا: إن الماء -يعني المنيّ- يُغيل اللبن: أي يفسده، ويُسأل عن تعليله أهل الطب. وأما الثاني، فضرره بيّن محسوس، فإن لبن الحامل داء، وعلّة في جوف الصبيّ، يظهر أثره عليه.
ومراده ﷺ بالحديث المعنى الأول، دون الثاني؛ لأنه هو الذي يحتاج إلى نظر في كونه يضرّ الولد، حتى احتاج النبيّ ﷺ إلى أن ينظر إلى أحوال غير العرب الذين يصنعون ذلك، فلما رأى أنه لا يضرّ أولادهم لم يَنْهَ عنه. وأما الثاني، فضرره معلومٌ للعرب، وغيرهم، بحيث لا يحتاج إلى نظر، ولا فكر.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: كون المراد من الحديث المعنى الأول فقط، مع أن أهل اللغة أثبتوا المعنيين محلّ نظر. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 14032
قال: وإنما همّ النبيّ ﷺ بالنهي عن الغِيلة لما أكثرت العرب من اتقاء ذلك، والتحدّث بضرره، حتى قالوا: إنه ليدرك الفارس، فيُدعثره عن فرسه. قال: ثم لما حصل عند النبيّ ﷺ أنه لا يضرّ أولاد العجم سوّى بينهم، وبين العرب في هذا المعنى، فسوّغه، فيكون حجة لمن قال من الأصوليين: إن النبيّ ﷺ -كان يحكم بالرأي والاجتهاد. انتهى كلام القرطبيّ باختصار (١).
(حَتَّى ذَكَرْتُ أَنَّ فَارِسَ) لقب قبيلة، ليس باب ولا أمّ، وإنما هم أخلاط من تَغْلِب اصطلحوا على هذا الاسم (وَالرُّومَ) بضم الراء نسبة إلى روم بن عيصو بن إسحاق (يَصْنَعُهُ) أي يصنع المذكور من الغيلة (وَقَالَ إِسْحَاقُ) أي ابن منصور، أحد شيخيه (يَصْنَعُونَهُ) أي بلفظ الفعل المسند إلى واو الجماعة. وفي رواية مسلم: "يُغِيلون" بضمّ الياء "فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ) وفي رواية لمسلم: "فنظرت في الروم، وفارس، فإذا هم يُغيلون أولادهم، فلا يضُرّ أولادهم ذلك شيئًا".
قال الحافظ أبو عمر: هذا يردّ كلّ ما قاله الأخفش، وحكاه عن العرب، وذلك من أكاذيب العرب، وظنونهم، ولو كان ذلك حقًّا لنهى عنه رسول اللَّه ﷺ على جهة الإرشاد والأدب، فإنه كان ﷺ حريصًا على نفع المؤمنين رؤوفًا بهم، وما ترك شيئًا ينفعهم إلا دلّهم عليه، وأمره به ﷺ . انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جُدامة بنت وهب - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٤/ ٣٣٢٧ - وفي "الكبرى" ٥٤/ ٥٤٨٥. وأخرجه (م) في "النكاح" ١٤٤٢ (د) في "الطبّ" ٣٨٨٢ (ت) في "الطب" ٢٠٧٦ (ق) في "النكاح" ٢٠١١ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٦٤٩٤ و"مسند القبائل" ٢٦٩٠١ (الموطأ) في "الرضاع" ١٢٩٢ (الدارمي) في "النكاح" ٢٢١٧. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم الغِيلة، وهو الجواز،
стр. 14033
حيث إن النبيّ ﷺ لم ينه عنه، وبيّن سبب ترك النهي. (ومنها): جواز الاجتهاد لرسول اللَّه ﷺ ، وبه يقول جمهور الأصوليين. وقيل: لا يجوز؛ لتمكنّه من الوحي. قال النوويّ: والصواب الأول (١). (ومنها): أن فيه إباحة التحدّث عن الأمم الماضية بما يفعلون. (ومنها): ما قاله الحافظ ابن عبد البرّ: فيه دليلٌ على أن من نهيه ﷺ ما يكون أدبًا، ورفقًا، وإحسانًا إلى أمته ليس من باب الديانة، ولو نهى عن الغِيلة كان ذلك وجه نهيه عنها انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قال الحافظ أبو عمر: قال ابن القاسم، وابن الماجشون، وحكاه ابن القاسم، عن مالك، ولم يسمعه منه: في الرجل يتزوّج المرأة، وهي تُرضع، فيُصيبها، وهي تُرضع: إن ذلك اللبن له، وللزوج قبله؛ لأن الماء يُغيّر اللبن، ويكون منه الغذاء. واحتجّ بهذا الحديث: "لقد هممتُ أن أنهى عن الغيلة … " الحديث. قال ابن القاسم: وبلغني عن مالك: إذا ولدت المرأة من الرجل، فاللبن منه بعد انفصاله وقبله، ولو طلّقها، فتزوّجت، وحملت من الثاني، فاللبن منهما جميعًا أبدًا حتى يتبيّن انقطاعه من الأول. ومن الحجة لمالك أيضًا أن اللبن يغيّره وطء الزوج الثاني، ولوطئه فيه تأثير قوله ﷺ : إذ نظر إلى المرأة الحامل من السبي، فسأل: "هل يطأ هذه صاحبها؟ " قيل له: نعم، فقال: لقد هممتُ أن ألعنه لعنةً تدخل معه في قبره، أيورّثه، وليس منه، أو يستعبده، وهو قد عداه في سمعه وبصره". قال: وهو حديثٌ في إسناده لين (٣).
وقال أبو حنيفة، وأصحابه، والشافعيّ: اللبن من الأول في هذه المسألة حتى تضع، فيكون من الآخر، وهو قول ابن شهاب. وقد روي عن الشافعيّ أنه منهما حتى تضع، فيكون من الثاني. انتهى (٤).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه مالك ﵀ أقرب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 14034
٥٥ - (بَابُ الْعَزْلِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "العزل" -بفتح العين المهملة، وسكون الزاي-: مصدر عزل، من باب ضرب، يقال عزَلتُ الشيء عن غيره عَزْلًا: إذا نحّيته عنه، ومنه عزَلتُ النائب، كالوكيل: إذا أخرجته عما كان له من الحكم. وعزَلَ المجامعُ: إذا قارب الإنزال، فنزع، وأمنى خارج الفرج.
[فائدة]: المجامع إذا أمنى في الفرج الذي ابتدأ الجماع فيه، قيل: أَمَاهَ: أي ألقَى ماءه، وإن لم يُنزل، فإن كان لإعياء وفُتُور، قيل: أَكْسَلَ، وأقحَطَ، وفَهَّرَ تفهيرًا، وإن نزع، وأمنى خارج الفرج، قيل: عزل، لهان أولج في فرجٍ آخر، وأمنى فيه، قيل: فَهَرَ فَهرًا، من باب نفع، ونُهي عن ذلك، وإن أمنى قبل أن يُجامع، فهو الزُّمَّلِقُ -بضمّ الزاي، وفتح الميم، مشدّدة، وكسر اللام- ذكره الفيّوميّ. (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٣٢٨ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, وَحُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ, قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرِ بْنِ مَسْعُودٍ, وَرَدَّ الْحَدِيثَ, حَتَّى رَدَّهُ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ, قَالَ: ذُكِرَ ذَلِكَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ , قَالَ: «وَمَا ذَاكُمْ؟» , قُلْنَا: الرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ الْمَرْأَةُ, فَيُصِيبُهَا, وَيَكْرَهُ الْحَمْلَ, وَتَكُونُ لَهُ الأَمَةُ, فَيُصِيبُ مِنْهَا, وَيَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ مِنْهُ, قَالَ: «لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا, فَإِنَّمَا هُوَ الْقَدَرُ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إسماعيل بن مسعود) الْجَحدريّ البصريّ، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧.
٢ - (حميد بن مسعدة) بن المبارك الساميّ الباهليّ البصريّ، صدوق [١٠] ٥/ ٥.
٣ - (يزيد بن زُريع) أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٥/ ٥.
٤ - (ابن عون) عبد اللَّه، أبو عون البصريّ، ثقة ثبت فاضل [٥ (٢)] ٢٩/ ٣٣.
٥ - (محمد بن سيرين) الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقة ثبت فقيه عابد [٣] ٤٦/ ٥٧.
٦ - (عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرِ بْنِ مَسْعُودٍ) الأنصاريّ الأزرق، أبو بشر المدنيّ، مقبول [٣] ٥٠/ ١٢٨٦.
стр. 14035
٧ - (أبو سعيد الخدريّ) سعد بن مالك بن سنان الصحابي ابن الصحابي - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٦٩/ ٢٦٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه إسماعيل، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى ابن سيرين، والباقيان مدنيّان. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: ابن عون، عن ابن سيرين، عن عبد الرحمن بن بشر، وفيه أبو سعد ﵁ من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرِ بْنِ مَسْعُودٍ) الأنصاريّ الأزرق (وَرَدَّ الْحَدِيثَ) أي ردّ عبد الرحمن هذا الحديث (حًتَّى رَدَّهُ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (قَالَ: ذُكرَ ذَلِكَ) أي العزل، وفي رواية مسلم من طريق معاذ بن معاذ، عن ابن عون: "ذُكر العزل عند النبيّ ﷺ … " (عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) يعني أنهم سألوه عن حكم العزل. وقال القرطبيّ: والذي حرّكهم للسؤال عنه أنهم خافوا أنه يكون محرّمًا؛ لأنه قطعٌ للنسل، ولذلك أُطلق عليه: "الوأد الخفيّ" (١).
(قَالَ) ﷺ (وَمَا ذَاكُمْ؟) أي أيُّ شيء ذاك الأمر الذي تذكرونه؟ قُلْنَا: الرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ الْمَرْأَةُ،) أي الزوجة (فَيُصِيبُهَا) أي يُجامعها. وفي رواية مسلم المذكورة: "فيُصيب منها" (وَيكْرَهُ الْحَمْلَ) بفتح حرف المضارعة، مبنيًّا للفاعل، وفاعله ضمير "الرجل"، و"الحمل" مفعوله (وَتكُونُ لَهُ الأَمَةُ، فَيُصِيبُ مِنهَا، وَيَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ مِنْهُ) لئلا يكون ولده رقيقًا، أولئلا يمتنع عليه بيعها؛ لكونها أمّ ولده. وقال في "الفتح": ففي هذه الرواية إشارة إلى أن سبب العزل شيئان: أحدهما كراهة مجيء الولد من الأمة، وهو إما أنفَةٌ من ذلك، وإما لئلا يتعذّر بيع الأمة إذا صارت أم ولد، وإما لغير ذلك. والثاني: كراهة أن تحمل الموطوءة، وهي ترضع، فيضرّ ذلك بالولد المرضع انتهى (٢).
(قَالَ) ﷺ (لَا عَلَيْكُم أَنَّ لَا تَفْعَلُوا) أي ليس عليكم ضرر في الترك، ففيه إشارةٌ أن ترك العزل أحسن من فعله. أو المعنى على النهي: أي لا تفعلوا العزل. وفي رواية البخاريّ: "أو إنكم لتفعلون؟ "فَإنَّمَا هُوَ الْقَدَرُ) أي إنما المؤثر في وجود الولد وعدمه
стр. 14036
القدرُ، لا العزل، فأيّ حاجة إليه.
قال الحافظ أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى-: اختُلف في معنى قوله ﷺ : "ما عليكم ألا تفعلوا الخ": فقيل: ما عليكم في العزل، ولا في امتناعكم منه شيء، فاعزلوا، أو لا تعزلوا، فقد فُرغ من الخلق، وإعدادهم، وما قضي، وسَبَقَ في علم اللَّه، فلا بدّ أن يكون لا محالة. قال اللَّه : ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا﴾ [النبأ: ٢٩]، وقال : ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر: ٥٢، ٥٣] وقيل: بل معنى قوله ﷺ : "أن لا تفعلوا": أي لا تفعلوا العزل، كأنه نَهى عنه. انتهى كلام ابن عبد البرّ (١).
وقال العلاّمة أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: اختُلف في قوله: "لا عليكم ألا تفعلوا"، ففهمتْ طائفةٌ منه النهي والزجر عن العزل، كما حكي عن الحسن، ومحمد ابن المثنى، وكان هؤلاء فهموا من "لا" النهي عما سُئل عنه، وحُذف بعد قوله: "لا"، فكأنه قال: لا تعزلوا، وعليكم ألاّ تفعلوا، تأكيدًا لذلك النهي.
وفهمت طائفةٌ أخرى منها الإباحة، وكأنها جعلت جواب السؤال قوله: "لا عليكم ألا تفعلوا": أي ليس عليكم جناحٌ في أن لا تفعلوا.
وهذا التأويل أولى بدليل قوله: "ما من نسمة كائنة إلا ستكون"، وبقوله: "لا عليكم ألا تفعلوا، فإنما هو القدر"، وبقوله: "إذا أراد اللَّه خلقَ الشيء لم يمنعه شيء"، وهذه الألفاظ كلّها مصرّحة بأن العزل لا يردّ القدر، ولا يضرّه، فكأنه قال: لا بأس به.
وبهذا تمسّك من رأى إباحة العزل مطلقًا عن الزوجة والسُّرِّيّة، وبه قال كثيرٌ من الصحابة، والتابعين، والفقهاء.
وقد كرهه آخرون من الصحابة، وغيرهم، متمسّكين بالطريقة المتقدّمة، وبقوله ﷺ : "ذلك الوأد الخفيّ" (٢).
ووقع في رواية مسلم لهذا الحديث من طريق أيوب، عن ابن سيرين: ما نصّه: "قال محمد (٣): وقوله: لا عليكم" أقرب إلى النهي. ومن طريق معاذ بن معاذ، عن ابن عون، عن ابن سيرين: ما نصّه: قال ابن عون: فحدّثتُ به الحسنَ، فقال: واللَّه لكأنّ هذا زجر.
قال في "الفتح": قال القرطبيّ: كان هؤلاء فهموا من "لا" النهي عما سألوه عنه،
стр. 14037
فكأن عندهم بعد "لا" حذفًا، تقديره: لا تعزلوا، وعليكم أن لا تفعلوا، ويكون قوله: "وعليكم الخ" تأكيدًا للنهي.
وتُعُقّب بأن الأصل عدم هذا التقدير، وإنما معناه: ليس عليكم أن تتركوا، وهو يساوي أن لا تفعلوا. وقال غيره: قوله: وإلا عليكم أن لا تفعلوا" أي لا حرج عليكم أن لا تفعلوا، ففيه نفي الحرج عن عدم الفعل، فأفهم ثبوت الحرج في فعل العزل، ولو كان المراد نفي الحرج عن الفعل لقال: لا عليكم أن تفعلوا، إلا أن يُدّعَى أنّ "لا" زائدةٌ، فيقال: الأصل عدم ذلك.
ووقع في رواية مسلم من طريق مجاهد، عن قَزَعَةَ، عن أبي سعيد الخدريّ، قال؛ ذُكر العزل عند رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "ولِمَ يَفعَلُ ذلك أحدكم؟ "، ولم يقل: لا يفعل ذلك، فأشار إلى أنه لم يصرّح لهم بالنهي، وإنما أشار أن الأولى ترك ذلك؛ لأن العزل إنما كان خشية حصول الولد، فلا فائدة في ذلك؛ لأن اللَّه إن كان قدّر خلق الولد لم يمنع العزل ذلك، فقد يسبق الماء، ولا يشعر العازل، فيحصل العلوق، ويلحقه الولد، ولا رادّ لما قضى اللَّه، والفرار من حصول الولد يكون لأسباب:
(منها): خشية علوق الزوجة الأمةِ؛ لئلاّ يصير الولد رقيقا، أو خشية دخول الضرر على الولد المرضع إذا كانت الموطوءة تُرضعه، أو فرارًا من كثرة العيال، إذا كان الرجل مُقِلًّا، فيرغب عن (١) قلّة الولد، لئلا يتضرّر بتحصيل الكسب، وكلُّ ذلك لا يُغني شيئًا. وقد أخرج أحمد، والبزّار، وصحّحه ابن حبّان من حديث أنس ﵁: أن رجلًا سأل عن العزل؟ فقال النبيّ ﷺ : "لو أن الماء الذي يكون منه الولد أهرقته على صخرة لأخرج اللَّه منها ولدًا". وله شاهدان في "الكبير" للطبراني عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وفي "الأوسط" له عن ابن مسعود ﵁.
قال الحافظ: وليس في جميع الصور التي يقع العزل بسببها ما يكون العزل فيه راجحًا، سوى الصورة المتقدّمة من عند مسلم في طريق عبد الرحمن بن بشر، عن أبي سعيد -يعني حديث الباب- وهي خشية أن يضرّ الحمل بالولد المرضع؛ لأنه مما جُرّب، فضرّ غالبًا، لكن وقع في بقية الحديث عند مسلم أن العزل بسبب ذلك لا يفيد؛ لاحتمال أن يقع الحمل بغير الاختيار. ووقع عند مسلم في حديث أُسامة بن زيد: جاء رجلٌ إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال: إني أعزل عن امرأتي شفقةً على ولدها، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إلا، إن كان كذلك، فلا، ما ضار ذلك فارس ولا الروم".
стр. 14038
وفي العزل أيضًا إدخال ضرر على المرأة لما فيه من تفويت لذّتها انتهى (١). وسيأتي تحقيق الخلاف في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي سعيد الخدريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٥/ ٣٣٢٨ - وفي "الكبرى" ٥٤/ ٥٤٨٦. وأخرجه (خ) في "البيوع" ٢٢٢٩ و"العتق" ٢٥٤٢ و "المغازي" ٤١٣٨ و"النكاح" ٥٢١٠ و"القدر" ٦٦٠٣ و"التوحيد" ٧٤٠٩ (م) في "النكاح" ١٤٣٨ (د) في "النكاح" ٢١٧٠ و ٢١٧٢ (ق) في "النكاح" ١٩٢٦ (أحمد) في "مسند المكثرين" ١٠٦٩٤ و ١٠٧٨٨ و ١٠٨٢٠ و ١١٠٦٦ و ١١١١٠ و ١١١٥١ و ١١١٧٢ و ١١٢٠٨ و ١١٢٢٥١ و ١١٣٣٥ و ١١٤٦٨ (الموطأ) في "الطلاق" ١٢٦٢ (الدارمي) في "النكاح" ٢٢٢٣ و ٢٢٢٤. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم العزل، وهو مختلف فيه، سيأتي بيانه في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): جواز كراهة الإنسان حمل زوجته؛ لسبب من الأسباب.
(ومنها): أن قوله ﷺ "أو إنكم لتفعلون" يُشعر بأنه ﷺ ما كان يطّلع على فعلهم ذلك، ففيه تعقّبٌ على من قال: إن قول الصحابيّ: كنّا نفعل كذا في عهد رسول اللَّه ﷺ مرفوعٌ؛ معتلًّا بأن الظاهر اطلاع النبيّ ﷺ ، ففي هذا الخبر أنهم فعلوا العزل، ولم يعلم به حتى سألوه عنه.
ويُجاب عن هذا بأن دواعيهم كانت متوفّرة على سؤاله ﷺ عن أمور الدين، فإذا فعلوا الشيء، وعلموا أنه لم يطّلع عليه بادروا إلى سؤاله عن الحكم فيه، فيكون الظهور من هذه الحيثيّة. أفاده في "الفتح".
وأيضًا على تقدير أنه ﷺ لا يطّلع عليه أن الوحي لا يسكت عنه، كما أفصح بذلك جابر ﵁ حيث قال: "كنّا نَعزل، والقرآن يَنزل" رواه مسلم، فقد استدلّ الصحابيّ ﵁ على جواز العزل بعدم نزول القرآن بتحريمه، وهو استدلالٌ واضح.
стр. 14039
وأخرج الدارقطنيّ، وغيره عن أبي ثعلبة الْخُشَنيّ ﵁، مرفوعًا: "إن اللَّه تعالى فرض فرائض، فلا تضيّعوها، وحدّ حُدُودًا، فلا تعتدوها، وحرّم أشياء، فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمةً لكم، غير نسيان، فلا تبحثوا عنها" (١).
(ومنها): ما قاله الحافظ ابن عبد البّر: في هذا الحديث إثبات قِدَم العلم، وأن الخلق يُجزَون في علم قد سبق، وجفّ به القلم في كتاب مسطور. على هذا أهل السنَّة، وهم أهل الحديث، والفقه.
وجمدة القول في الْقَدَر أنه علم اللَّه، وسرّه، لا يُدرك بجدل، ولا تُشْفِي منه خُصُومةٌ، ولا احتجاج، وحسبُ المؤمن بالقدر أنه لا يقوم بشيء، دون إرادة اللَّه ، وأن الخلق كلهم خلقُهُ، وملكه، ولا يكون في ملكه إلا ما شاء، وما نشاء إلا أن يشاء اللَّه، ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾، له الملك، وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير، وله الخلق، والأمرُ، له ما في السموات، وما في الأرض، وما بينهما، وما تحت الثرى، ولا يكون في شيء من ذلك إلا ما يشاء، يغفر لمن يشاء، ويُعذّب من يشاء، ومن عذّبه فبذنبه، ويعفو عمن يشاء من عباده، ومن لم يوفّقه، فليس بظالم له، لا يظلم مثقال ذرّة، وإن تك حسنةً يُضاعفها، وما ربّك بظلاّم للعبيد انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم العزل:
اختلف السلف في حكم العزل، قال ابن عبد البرّ: لا خلاف بين العلماء أنه لا يعزل عن الزوجة الحرّة إلا بإذنها؛ لأن الجماع من حقّها، ولها المطالبة به، وليس الجماع المعروف إلا ما لا يلحقه عزل. ووافقه في نقل الإجماع ابن هُبيرة.
قال في "الفتح": وتُعُقّب بأن المعروف عند الشافعيّة أن المرأة لا حقّ لها في الجماع أصلًا (٣)، ثم في خصوص هذه المسألة عند الشافعيّة خلافٌ مشهور في جواز العزل عن الحرّة بغير إذنها. قال الغزاليّ وغيره: يجوز، وهو المصحّح عند المتأخّرين.
واحتجّ الجمهور لذلك بحديث عن عمر، أخرجه أحمد، وابن ماجه بلفظ: "نُهي عن العزل عن الحرّة إلا لإذنها". وفي إسناده ابن لهيعة. والوجه الآخر للشافعيّة الجزم بالمنع إذا امتنعت، وفيما إذا رضيت وجهان، أصحّهما الجواز. وهذا كلّه في الحرّة، وأما الأمة، فإن كانت زوجة، فهي مُرَتّبة على الحرّة، إن جاز فيها ففي الأمة أولى، وإن
стр. 14040
امتنع فوجهان، أصحّهما الجواز؛ تحرّزًا من إرقاق الولد، وإن كانت سُرّيّةً جاز بلا خلاف عندهم إلا في وجه حكاه الرويانيّ في المنع مطلقًا، كمذهب ابن حزم، وإن كانت السرّية مستولدةً، فالراجح الجواز فيه مطلقًا؛ لأنها راسخةٌ في الفراش. وقيل؛ حكمها حكم الأمة المزوّجة.
هذا: واتفقت المذاهب الثلاثة على أن الحرّة لا يعزل عنها إلا بإذنها، وأن الأمة يعزل عنها بَغير إذنها، واختلفوا في المزوّجة، فعند المالكيّة يحتاج إلى إذن سيّدها، وهو قول أبي حنيفة، والراجح عن محمد، وقال أبو يوسف، وأحمد: الإذن لها، وهي رواية عن أحمد، وعنه بإذنها، وعنه يباح العزل مطلقًا، وعنه المنع مطلقًا.
والذي احتجّ به من جنح إلى التفصيل لا يصحّ إلا عند عبد الرزاق عنه بسند صحيح، عن ابن عبّاس، قال: "تُستأمر الحرّة في العزل، ولا تُستأمر الأمة السرّيّة، فإن كانت أمة تحت حرّ، فعليه أن يستأمرها". وهذا نصّ في المسألة، فلو كان مرفوعًا لم يجُز العدول عنه.
وقد استنكر ابن العربيّ القول بمنع العزل عمن يقول بأن المرأة لا حقّ لها في الوطء، ونقل عن مالك أن لها حقّ المطالبة به إذا قصد بتركه إضرارها (١). وعن الشافعيّ، وأبي حنيفة لا حقّ لها فيه إلا في وطأة واحدة يستقرّ بها المهر، قال: فإذا كان الأمر كذلك، فكيف يكون لها حقّ في العزل، فإن خصّوه بالوطئة الأولى، فيمكن، وإلا فلا يسوغ فيما بعد ذلك إلا على مذهب مالك بالشرط المذكور انتهى.
وما نقله عن الشافعيّ غريبٌ، والمعروف عند أصحابه أنه لا حقّ لها أصلًا. نعم جزم ابن حزم بوجوب الوطء، وبتحريم العزل، واستند إلى حديث جدامة بنت وهبٍ: "أن النبيّ ﷺ سُئل عن العزل، فقال: "ذلك الوأد الخفيّ". أخرجه مسلم.
وهذا معارض بحديثين: أحدهما أخرجه الترمذيّ، والنسائيّ، وصححه من طريق معمر عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر، قال: "كانت لنا جواري، وكنّا نعزل، فقالت اليهود: إن تلك الموءودة الصغرى، فسُئل رسول اللَّه ﷺ عن ذلك؟ فقال: كذبت اليهود، لو أراد اللَّه خلقه لم تستطع ردّه".