← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 14036–14075 · переход к 14041.

стр. 14036

القدرُ، لا العزل، فأيّ حاجة إليه. قال الحافظ أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى-: اختُلف في معنى قوله ﷺ : "ما عليكم ألا تفعلوا الخ": فقيل: ما عليكم في العزل، ولا في امتناعكم منه شيء، فاعزلوا، أو لا تعزلوا، فقد فُرغ من الخلق، وإعدادهم، وما قضي، وسَبَقَ في علم اللَّه، فلا بدّ أن يكون لا محالة. قال اللَّه : ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا﴾ [النبأ: ٢٩]، وقال : ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر: ٥٢، ٥٣] وقيل: بل معنى قوله ﷺ : "أن لا تفعلوا": أي لا تفعلوا العزل، كأنه نَهى عنه. انتهى كلام ابن عبد البرّ (١). وقال العلاّمة أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: اختُلف في قوله: "لا عليكم ألا تفعلوا"، ففهمتْ طائفةٌ منه النهي والزجر عن العزل، كما حكي عن الحسن، ومحمد ابن المثنى، وكان هؤلاء فهموا من "لا" النهي عما سُئل عنه، وحُذف بعد قوله: "لا"، فكأنه قال: لا تعزلوا، وعليكم ألاّ تفعلوا، تأكيدًا لذلك النهي. وفهمت طائفةٌ أخرى منها الإباحة، وكأنها جعلت جواب السؤال قوله: "لا عليكم ألا تفعلوا": أي ليس عليكم جناحٌ في أن لا تفعلوا. وهذا التأويل أولى بدليل قوله: "ما من نسمة كائنة إلا ستكون"، وبقوله: "لا عليكم ألا تفعلوا، فإنما هو القدر"، وبقوله: "إذا أراد اللَّه خلقَ الشيء لم يمنعه شيء"، وهذه الألفاظ كلّها مصرّحة بأن العزل لا يردّ القدر، ولا يضرّه، فكأنه قال: لا بأس به. وبهذا تمسّك من رأى إباحة العزل مطلقًا عن الزوجة والسُّرِّيّة، وبه قال كثيرٌ من الصحابة، والتابعين، والفقهاء. وقد كرهه آخرون من الصحابة، وغيرهم، متمسّكين بالطريقة المتقدّمة، وبقوله ﷺ : "ذلك الوأد الخفيّ" (٢). ووقع في رواية مسلم لهذا الحديث من طريق أيوب، عن ابن سيرين: ما نصّه: "قال محمد (٣): وقوله: لا عليكم" أقرب إلى النهي. ومن طريق معاذ بن معاذ، عن ابن عون، عن ابن سيرين: ما نصّه: قال ابن عون: فحدّثتُ به الحسنَ، فقال: واللَّه لكأنّ هذا زجر. قال في "الفتح": قال القرطبيّ: كان هؤلاء فهموا من "لا" النهي عما سألوه عنه،

стр. 14037

فكأن عندهم بعد "لا" حذفًا، تقديره: لا تعزلوا، وعليكم أن لا تفعلوا، ويكون قوله: "وعليكم الخ" تأكيدًا للنهي. وتُعُقّب بأن الأصل عدم هذا التقدير، وإنما معناه: ليس عليكم أن تتركوا، وهو يساوي أن لا تفعلوا. وقال غيره: قوله: وإلا عليكم أن لا تفعلوا" أي لا حرج عليكم أن لا تفعلوا، ففيه نفي الحرج عن عدم الفعل، فأفهم ثبوت الحرج في فعل العزل، ولو كان المراد نفي الحرج عن الفعل لقال: لا عليكم أن تفعلوا، إلا أن يُدّعَى أنّ "لا" زائدةٌ، فيقال: الأصل عدم ذلك. ووقع في رواية مسلم من طريق مجاهد، عن قَزَعَةَ، عن أبي سعيد الخدريّ، قال؛ ذُكر العزل عند رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "ولِمَ يَفعَلُ ذلك أحدكم؟ "، ولم يقل: لا يفعل ذلك، فأشار إلى أنه لم يصرّح لهم بالنهي، وإنما أشار أن الأولى ترك ذلك؛ لأن العزل إنما كان خشية حصول الولد، فلا فائدة في ذلك؛ لأن اللَّه إن كان قدّر خلق الولد لم يمنع العزل ذلك، فقد يسبق الماء، ولا يشعر العازل، فيحصل العلوق، ويلحقه الولد، ولا رادّ لما قضى اللَّه، والفرار من حصول الولد يكون لأسباب: (منها): خشية علوق الزوجة الأمةِ؛ لئلاّ يصير الولد رقيقا، أو خشية دخول الضرر على الولد المرضع إذا كانت الموطوءة تُرضعه، أو فرارًا من كثرة العيال، إذا كان الرجل مُقِلًّا، فيرغب عن (١) قلّة الولد، لئلا يتضرّر بتحصيل الكسب، وكلُّ ذلك لا يُغني شيئًا. وقد أخرج أحمد، والبزّار، وصحّحه ابن حبّان من حديث أنس ﵁: أن رجلًا سأل عن العزل؟ فقال النبيّ ﷺ : "لو أن الماء الذي يكون منه الولد أهرقته على صخرة لأخرج اللَّه منها ولدًا". وله شاهدان في "الكبير" للطبراني عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وفي "الأوسط" له عن ابن مسعود ﵁. قال الحافظ: وليس في جميع الصور التي يقع العزل بسببها ما يكون العزل فيه راجحًا، سوى الصورة المتقدّمة من عند مسلم في طريق عبد الرحمن بن بشر، عن أبي سعيد -يعني حديث الباب- وهي خشية أن يضرّ الحمل بالولد المرضع؛ لأنه مما جُرّب، فضرّ غالبًا، لكن وقع في بقية الحديث عند مسلم أن العزل بسبب ذلك لا يفيد؛ لاحتمال أن يقع الحمل بغير الاختيار. ووقع عند مسلم في حديث أُسامة بن زيد: جاء رجلٌ إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال: إني أعزل عن امرأتي شفقةً على ولدها، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إلا، إن كان كذلك، فلا، ما ضار ذلك فارس ولا الروم".

стр. 14038

وفي العزل أيضًا إدخال ضرر على المرأة لما فيه من تفويت لذّتها انتهى (١). وسيأتي تحقيق الخلاف في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي سعيد الخدريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٥/ ٣٣٢٨ - وفي "الكبرى" ٥٤/ ٥٤٨٦. وأخرجه (خ) في "البيوع" ٢٢٢٩ و"العتق" ٢٥٤٢ و "المغازي" ٤١٣٨ و"النكاح" ٥٢١٠ و"القدر" ٦٦٠٣ و"التوحيد" ٧٤٠٩ (م) في "النكاح" ١٤٣٨ (د) في "النكاح" ٢١٧٠ و ٢١٧٢ (ق) في "النكاح" ١٩٢٦ (أحمد) في "مسند المكثرين" ١٠٦٩٤ و ١٠٧٨٨ و ١٠٨٢٠ و ١١٠٦٦ و ١١١١٠ و ١١١٥١ و ١١١٧٢ و ١١٢٠٨ و ١١٢٢٥١ و ١١٣٣٥ و ١١٤٦٨ (الموطأ) في "الطلاق" ١٢٦٢ (الدارمي) في "النكاح" ٢٢٢٣ و ٢٢٢٤. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم العزل، وهو مختلف فيه، سيأتي بيانه في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): جواز كراهة الإنسان حمل زوجته؛ لسبب من الأسباب. (ومنها): أن قوله ﷺ "أو إنكم لتفعلون" يُشعر بأنه ﷺ ما كان يطّلع على فعلهم ذلك، ففيه تعقّبٌ على من قال: إن قول الصحابيّ: كنّا نفعل كذا في عهد رسول اللَّه ﷺ مرفوعٌ؛ معتلًّا بأن الظاهر اطلاع النبيّ ﷺ ، ففي هذا الخبر أنهم فعلوا العزل، ولم يعلم به حتى سألوه عنه. ويُجاب عن هذا بأن دواعيهم كانت متوفّرة على سؤاله ﷺ عن أمور الدين، فإذا فعلوا الشيء، وعلموا أنه لم يطّلع عليه بادروا إلى سؤاله عن الحكم فيه، فيكون الظهور من هذه الحيثيّة. أفاده في "الفتح". وأيضًا على تقدير أنه ﷺ لا يطّلع عليه أن الوحي لا يسكت عنه، كما أفصح بذلك جابر ﵁ حيث قال: "كنّا نَعزل، والقرآن يَنزل" رواه مسلم، فقد استدلّ الصحابيّ ﵁ على جواز العزل بعدم نزول القرآن بتحريمه، وهو استدلالٌ واضح.

стр. 14039

وأخرج الدارقطنيّ، وغيره عن أبي ثعلبة الْخُشَنيّ ﵁، مرفوعًا: "إن اللَّه تعالى فرض فرائض، فلا تضيّعوها، وحدّ حُدُودًا، فلا تعتدوها، وحرّم أشياء، فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمةً لكم، غير نسيان، فلا تبحثوا عنها" (١). (ومنها): ما قاله الحافظ ابن عبد البّر: في هذا الحديث إثبات قِدَم العلم، وأن الخلق يُجزَون في علم قد سبق، وجفّ به القلم في كتاب مسطور. على هذا أهل السنَّة، وهم أهل الحديث، والفقه. وجمدة القول في الْقَدَر أنه علم اللَّه، وسرّه، لا يُدرك بجدل، ولا تُشْفِي منه خُصُومةٌ، ولا احتجاج، وحسبُ المؤمن بالقدر أنه لا يقوم بشيء، دون إرادة اللَّه ، وأن الخلق كلهم خلقُهُ، وملكه، ولا يكون في ملكه إلا ما شاء، وما نشاء إلا أن يشاء اللَّه، ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾، له الملك، وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير، وله الخلق، والأمرُ، له ما في السموات، وما في الأرض، وما بينهما، وما تحت الثرى، ولا يكون في شيء من ذلك إلا ما يشاء، يغفر لمن يشاء، ويُعذّب من يشاء، ومن عذّبه فبذنبه، ويعفو عمن يشاء من عباده، ومن لم يوفّقه، فليس بظالم له، لا يظلم مثقال ذرّة، وإن تك حسنةً يُضاعفها، وما ربّك بظلاّم للعبيد انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم العزل: اختلف السلف في حكم العزل، قال ابن عبد البرّ: لا خلاف بين العلماء أنه لا يعزل عن الزوجة الحرّة إلا بإذنها؛ لأن الجماع من حقّها، ولها المطالبة به، وليس الجماع المعروف إلا ما لا يلحقه عزل. ووافقه في نقل الإجماع ابن هُبيرة. قال في "الفتح": وتُعُقّب بأن المعروف عند الشافعيّة أن المرأة لا حقّ لها في الجماع أصلًا (٣)، ثم في خصوص هذه المسألة عند الشافعيّة خلافٌ مشهور في جواز العزل عن الحرّة بغير إذنها. قال الغزاليّ وغيره: يجوز، وهو المصحّح عند المتأخّرين. واحتجّ الجمهور لذلك بحديث عن عمر، أخرجه أحمد، وابن ماجه بلفظ: "نُهي عن العزل عن الحرّة إلا لإذنها". وفي إسناده ابن لهيعة. والوجه الآخر للشافعيّة الجزم بالمنع إذا امتنعت، وفيما إذا رضيت وجهان، أصحّهما الجواز. وهذا كلّه في الحرّة، وأما الأمة، فإن كانت زوجة، فهي مُرَتّبة على الحرّة، إن جاز فيها ففي الأمة أولى، وإن

стр. 14040

امتنع فوجهان، أصحّهما الجواز؛ تحرّزًا من إرقاق الولد، وإن كانت سُرّيّةً جاز بلا خلاف عندهم إلا في وجه حكاه الرويانيّ في المنع مطلقًا، كمذهب ابن حزم، وإن كانت السرّية مستولدةً، فالراجح الجواز فيه مطلقًا؛ لأنها راسخةٌ في الفراش. وقيل؛ حكمها حكم الأمة المزوّجة. هذا: واتفقت المذاهب الثلاثة على أن الحرّة لا يعزل عنها إلا بإذنها، وأن الأمة يعزل عنها بَغير إذنها، واختلفوا في المزوّجة، فعند المالكيّة يحتاج إلى إذن سيّدها، وهو قول أبي حنيفة، والراجح عن محمد، وقال أبو يوسف، وأحمد: الإذن لها، وهي رواية عن أحمد، وعنه بإذنها، وعنه يباح العزل مطلقًا، وعنه المنع مطلقًا. والذي احتجّ به من جنح إلى التفصيل لا يصحّ إلا عند عبد الرزاق عنه بسند صحيح، عن ابن عبّاس، قال: "تُستأمر الحرّة في العزل، ولا تُستأمر الأمة السرّيّة، فإن كانت أمة تحت حرّ، فعليه أن يستأمرها". وهذا نصّ في المسألة، فلو كان مرفوعًا لم يجُز العدول عنه. وقد استنكر ابن العربيّ القول بمنع العزل عمن يقول بأن المرأة لا حقّ لها في الوطء، ونقل عن مالك أن لها حقّ المطالبة به إذا قصد بتركه إضرارها (١). وعن الشافعيّ، وأبي حنيفة لا حقّ لها فيه إلا في وطأة واحدة يستقرّ بها المهر، قال: فإذا كان الأمر كذلك، فكيف يكون لها حقّ في العزل، فإن خصّوه بالوطئة الأولى، فيمكن، وإلا فلا يسوغ فيما بعد ذلك إلا على مذهب مالك بالشرط المذكور انتهى. وما نقله عن الشافعيّ غريبٌ، والمعروف عند أصحابه أنه لا حقّ لها أصلًا. نعم جزم ابن حزم بوجوب الوطء، وبتحريم العزل، واستند إلى حديث جدامة بنت وهبٍ: "أن النبيّ ﷺ سُئل عن العزل، فقال: "ذلك الوأد الخفيّ". أخرجه مسلم. وهذا معارض بحديثين: أحدهما أخرجه الترمذيّ، والنسائيّ، وصححه من طريق معمر عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر، قال: "كانت لنا جواري، وكنّا نعزل، فقالت اليهود: إن تلك الموءودة الصغرى، فسُئل رسول اللَّه ﷺ عن ذلك؟ فقال: كذبت اليهود، لو أراد اللَّه خلقه لم تستطع ردّه".

стр. 14041

وأخرجه النسائيّ من طريق هشام، وعليّ بن المبارك، وغيرهما عن يحيى، عن محمد ابن عبد الرحمن، عن أبي مُطيع بن رفاعة، عن أبي سعيد نحوه. ومن طريق أبي عامر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ نحوه. ومن طريق سليمان الأحول أنه سمع عمرو بن دينار يسأل أبا سلمة بن عبد الرحمن عن العزل؟ فقال: زعم أبو سعيد، فذكر نحوه، قال: فسألت أبا سلمة، أسمعته من أبي سعيد؟ قال: لا، ولكن أخبرني رجلٌ عنه. والحديث الثاني: في النسائيّ من وجه آخر عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. وهذه طرُقٌ يتقوّى بعضها ببعضٍ. وجُمعَ بينها وبين حديث جدامة يحمل حديث جدامة على التنزيه، وهذه طريقة البيهقيّ. ومنهم من ضعّف حديث جدامة بأنه معارضٌ بما هو أكثر طرُقًا منه، وكيف يصرح بتكذيب اليهود في ذلك، ثم يُثبته؟. وهذا دفعٌ للأحاديث الصحيحة بالتوهّم، والحديث صحيحٌ لا ريب فيه، والجمع ممكنٌ. ومنهم من ادّعى أنه منسوخٌ. ورُدّ بعدم معرفة التاريخ. وقال الطحاويّ: يحتمل أن يكون حديث جدامة على وفق ما كان عليه الأمر أوّلًا من موافقة أهل الكتاب، وكان ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يُنْزَل عليه، ثم أعلمه اللَّه بالحكم، فكذب اليهود فيما كانوا يقولونه. وتعقّبه ابن رُشد، ثم ابن العربيّ بأنه لا يَجزِم بشيء تبعًا لليهود، ثم يُصرّح بتكذيبهم فيه. ومنهم: من رجّح حديث جدامة بثبوته في الصحيح، وضعف مقابله بأنه حديث واحد، اختُلف في إسناده، فاضطَرَبَ. وردّ بأن الاختلاف إنما يَقدح حيث لا يقوَى بعض الوجوه، فمتى قويَ بعضها عُمل به، وهو هنا كذلك، والجمع ممكن. ورجّح ابن حزم العمل بحديث جدامة بأن أحاديث غيرها توافق أصل الإباحة، وحديثها يدلّ على المنع، قال: فمن ادّعى أنه أُبيح بعد أن مُنع، فعليه البيان. وتُعُقّب بأن حديثها ليس صريحًا في المنع، إذ لا يلزم من تسميته وأدًا خفيًّا على طريقة التشبيه أن يكون حرامًا. وخصّه بعضهم بالعزل عن الحامل؛ لزوال المعنى الذي كان يحذره الذي يَعزل من حصول الحمل. لكن فيه تضييعُ الحمل؛ لأن المنيّ يغذوه، فقد يؤدّي العزل إلى موته،

стр. 14042

أو إلى ضعفه المفضي إلى موته، فيكون وَأْدًا خفيًّا. وجمعوا أيض بيّن تكذيب اليهود في قولهم: الموؤودة الصغرى، وبين إثبات كونه وأدًا خفيًّا في حديث جدامة بأن قولهم: الموؤودة الصغرى يقتضي أنه وأدٌ ظاهر، لكنه صغير بالنسبة إلى دفن المولود بعد وضعه حيًّا، فلا يعارض قوله: إن العزل وأدٌ خفيّ، فإنه يدلّ على أنه ليس في حكم الظاهر، فلا يترتّب عليه حكم، وإنما جعله وأدًا من جهة اشتراكهما في قطع الولادة. وقال بعضهم: قوله: "الوأد الخفيّ" وَرَدَ على طريقة التشبيه؛ لأنه قطع طريق الولادة قبل مجيئه، فأشبه قتل الولد بعد مجيئه. قال ابن القيّم: الذي كُذِّبَت فيه اليهودُ زعمهم أن العزل لا يُتصوّر معه الحمل أصلًا، وجعلوه بمنزلة قطع النسل بالوأد، فأكذبهم، وأخبر أنه لا يمنع الحمل إذا شاء اللَّه خلقه، وإذا لم يرد خلقه لم يكن وأدًا حقيقيةً، وإنما سمّاه وأدًا خفيًّا في حديث جدامة؛ لأن الرجل إنما يعزل هربًا من الحمل، فأجرى قصده لذلك مجرى الوأد، لكن الفرق بينهما أن الوأد ظاهر بالمباشرة، اجتمع فيه القصد والفعل، والعزل يتعلّق بالقصد صِرْفًا، فلذلك وصفه بكونه خفيًّا. قال الحافظ: فهذه عدّة أجوبة يقف معها الاستدلال بحديث جدامة على المنع. قال: وقد جنح إلى المنع من الشافعيّة ابن حبّان (١)، فقال في "صحيحه": [ذكرُ الخبر الدّالّ على أن هذا الفعل مزجورٌ عنه، لا يُباح استعماله]، ثم ساق حديث أبي ذرّ رفعه: "ضعه في حلاله، وجنّبه حرامه، وأقرره، فإن شاء اللَّه أحياه، وإن شاء أماته، ولك أجر" انتهى. ولا دلالة فيما ساقه على ما ادّعاه من التحريم، بل هو أمر إرشاد لما دلّت عليه بقية الأخبار. واللَّه أعلم. وعند عبد الرزّاق وجهٌ آخر عن ابن عباس أنه أنكر أن يكون العزل وأدًا، وقال: المني يكون نطفةً، ثم علقةً، ثم مضغةً، ثم عظمًا، ثم يُكسى لحمًا، قال: والعزل قبل ذلك كله". وأخرج الطحاويّ من طريق عبد اللَّه بن عديّ بن الخيار عن عليّ نحوه في قصّة

стр. 14043

حرب عند عمر، وسنده جيّد. انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن مما ذُكر أن الأرجح قول من قال بجواز العزل للحاجة، وأن الأولى عدم فعله، وبهذا تجتمع الأدلة في هذا الباب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: اختلف القائلون بالنهي عن العزل في علّة النهي، فقيل: لتفويت حقّ المرأة. وقيل: لمعاندة القَدَر، وهذا الثاني هو الذي يقتضيه معظم الأخبار الواردة في ذلك، والأول مبنيّ على صحّة الخبر المفرّق بيّن الحرّة والأمة. وقال إمام الحرمين: موضع المنع أنه ينزع بقصد الإنزال خارج الفرج خشية العلوق، ومتى فُقِد ذلك لم يُمنع، وكأنه راعى سبب المنع، فإذا فُقد بقي أصل الإباحة، فله أن ينزع متى شاء حتى لو نزع، فأنزل خارج الفرج اتفاقًا، لم يتعلّق به النهي. قاله في "الفتح" (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في حكم معالجة إسقاط النطفة، واستعمال الأدوية لذلك، أو لمنع الحمل، وحكم تحديد النسل: قال في "الفتح" بعد ذكر ما تقدّم في المسألة الماضية: ما نصّه: وُينتزع من حكم العزل حكم معالجة المرأة إسقاط النطفة قبل نفخ الروح، فمن قال بالمنع هناك، ففي هذه أولى، ومن قال بالجواز يمكن أن يلتحق به هذا، ويمكن أن يُفرّق بأنه أشدّ؛ لأن العزل لم يقع فيه تعاطي السبب، ومعالجة السقط تقع بعد تعاطي السبب. ويلتحق بهذه المسألة تعاطي المرأة ما يقطع الْحَبَل من أصله، وقد أفتى بعض متأخّري الشافعيّة بالمنع، وهو مشكلٌ على قولهم بإباحة العزل مطلقًا. انتهى (٣). وقد صدرت قرارات من هيئة كبار العلماء في هذا الموضوع، أحببت إيرادها هنا تتميمًا للفائدة، وهذا نصّها: وهذا قرار رقم ٤٢ بتاريخ ١٣/ ٤/ ١٣٩٦هـ الحمد للَّه، والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده، وعلى آله وصحبه، وبعد: ففي الدورة الثامنة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة في النصف الأول من شهر ربيع الآخر عام ١٣٩٦ هـ بَحَثَ المجلسُ موضوع منع الحمل، وتحديد النسل، وتنظيمه، بناءً على ما تقرّر في الدورة السابعة للمجلس المنعقدة في النصف الأول من شهر شعبان

стр. 14044

١٣٩٥هـ من إدراج موضوعها في جداول أعمال الدورة الثامنة. وقد اطّلع المجلس على البحث المعدّ في ذلك، من قِبَل اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء، وبعد تداول الرأي، والمناقشة بيّن الأعضاء، والاستماع إلى وجهات النظر، قرّر المجلس ما يلي: نظرًا إلى أن الشريعة الإِسلامية تَرغب في انتشار النسل، وتكثيره، وتعتبر النسل نعمةً كبرى، ومنّةً عظيمةً، مَنَّ اللَّهُ بها على عباده، فقد تضافرت بذلك النصوص الشرعيّة، من كتاب اللَّه، وسنّة رسوله ﷺ ، مما أوردته اللجنة الدائمة للبحوث العلميّة، والإفتاء في بحثها المعدّ للهيئة، والمقدّم لها، ونظرًا إلى أن القول بتحديد النسل، أو منع الحمل مصادم للفطرة الإنسانيّة التي فطر اللَّه الخلق عليها، وللشريعة الإِسلاميّة التي ارتضاها الربّ لعباده، ونظرًا إلى أن دعاة القول بتحديد النسل، أو منع الحمل فئة تهدف بدعوتها إلى الكيد للمسلمين بصفة عامة، وللأمة العربيّة المسلمة بصفة خاصّة، حتى تكون لديهم القدرة على استعمار البلاد، واستعمار أهلها، وحيث إن في الأخذ بذلك ضربًا من أعمال الجاهليّة، وسوء ظن باللَّه تعالى، وإضعافًا للكيان الإِسلاميّ المتكوّن من كثرة اللبنات البشريّة، وترابطها؛ لذلك كلّه، فإن المجلس يقرّر بأنه لا يجوز تحديد النسل مطلقًا، ولا يجوز منع الحمل إذا كان القصد منه خشية الإملاق؛ لأن اللَّه تعالى هو الرزاق ذو القوة المتين ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾، وأما إذا كان منع الحمل لضرورة محقّقة، ككون المرأة لا تلد ولادة عاديّةٌ، وتضطرّ معها إلى إجراء عمليّة جراحية لإخراج الولد، أو كان تأخيره لفترة ما؛ لمصلحة يراها الزوجان، فإنه لا مانع حينئذ من منع الحمل، أو تأخيره، عملًا بما جاء في الأحاديث الصحيحة وما روي عن جمع من الصحابة ﵃ من جواز العزل، وتمشيًا مع ما صرّح به بعض الفقهاء من جواز شرب الدواء لإلقاء النطفة قبل الأربعين، بل قد يتعيّن منع الحمل في حالة ثبوت الضرورة المحقّقة، وقد توقف فضيلة الشيخ عبد اللَّه بن غديان في حكم الاستثناء. وصلى اللَّه على محمد. "هيئة كبار العلماء". وهذا نصّ قرار مجمع الفقه الإِسلامي رقم (١) د ٥/ ٠٩/ ٨٨ بشأن تنظيم النسل: إن مجلس مجمع الفقه الإِسلاميّ المنعقد في دورة المؤتمر الخامس بالكويت من (١) إلى (٦) جمادى الأولى ١٤٠٩ هـ ١٠/ - إلى ١٥ - كانون الأول (ديسمبر) ١٩٨٨ م بعد اطلاعه على البحوث المقدّمة من الأعضاء، والخبراء في موضوع تنظيم النسل، واستماعه للمناقشات التي دارت حوله، وبناءً على أن من مقاصد الزواج في الشريعة الإِسلاميّة الإنجاب، والحفاظ على النوع الإنسانيّ، وأنه لا يجوز إهدار هذا المقصد؛

стр. 14045

لأن إهداره يتنافى مع نصوص الشريعة، وتوجيهاتها الداعية إلى تكثير النسل، والحفاظ عليه، والعناية به باعتبار حفظ النسل أحد الكليّات الخمس التي جاءت الشرائع برعايتها، قرّر ما يلي: ١ - : لا يجوز إصدار قانون عامّ يحد من حرّية الزوجين في الإنجاب. ٢ - : يحرم استئصال القدرة على الإنجاب في الرجل، أو المرأة، وهو ما يُعرف بـ "الإعقام"، أو "التعقيم" ما لم تدع إلى ذلك الضرورة بمعاييرها الشرعيّة. ٣ - : يجوز التحكّم المؤقّت في الإنجاب بقصد المباعدة بين فترات الحمل، أو إيقافه لمدّة معينة من الزمان، إذا دعت حاجة معتبرةٌ شرعًا بحسب تقدير الزوجين عن تشاور بينهما، وتراضٍ، بشرط أن لا يترتّب على ذلك ضررٌ، وأن تكون الوسيلة مشروعةٌ، وأن لا يكون فيها عدوانٌ على حمل قائم. واللَّه أعلم. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قرّره هيئة كبار العلماء، ومجمع الفقه الإِسلامي بالكويت، ونحوهما ما قرره مجلس المجمع الفقه الإسلاميّ بمكة المكرمة، تقرير حسنٌ جدًّا، ينبغي التمسّك به. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: ومما له صلةٌ بالمسألة ما قرّره مجلس المجمع الفقه الإسلاميّ لرابطة العالم الإِسلاميّ بشأن تحويل الذكر إلى الأنثى، وبالعكس، فقد قرّر في دورته الحادية عشرة المنعقدة بمكة المكرّمة في الفترة من يوم الأحد ١٣ رجب ١٤٠٩هـ الموافق ١٩ فبراير ١٩٨٩ م إلى يوم الأحد ٢٠ رجب ١٤٠٩ هـ الموافق ٢٦ فبراير ١٩٨٩ م قد نظر في موضوع تحويل الذكر إلى الأنثى، وبالعكس، وبعد البحث والمناقشة بين أعضائه قرّر ما يلي: ١ - : الذكر الذي كملت أعضاء ذكورته، والأنثى التي كملت أعضاء أنوثتها، لا يحلّ تحويل أحدهما إلى النوع الآخر، ومحاولة التحويل جريمة يستحقّ فاعلها العقوبة؛ لأنه تغيير لخلق اللَّه، وقد حرّم اللَّه هذا التغيير بقوله تعالى، مخبرًا عن قول الشيطان: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾، فقد جاء في "صحيح مسلم" (١) عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: "لعن اللَّه الواشمات، والمستوشمات، والنامصات، والمتنمصات، والمتفلّجات للحسن، المغيّرات خلق اللَّه "، ثم قال: ألا ألعن من لعن رسول اللَّه ﷺ ، وهو في كتاب اللَّه -يعني قوله تعالى:

стр. 14046

﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. ٢ - : أما من اجتمع في أعضائه علامات النساء والرجال، فينظر فيه إلى الغالب من حاله، فإن غلبت عليه الذكورة، جاز علاجه طبيًا بما يُزيل الاشتباه في أنوثته، سواء كان العلاج بالجراحة، أو بالهرمونات؛ لأن هذا المرض والعلاج يُقصد به الشفاء منه، وليس تغييرًا لخلق اللَّه . وصلى اللَّه على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا، والحمد للَّه ربّ العالمين (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٣٢٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, عَنْ مُحَمَّدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ أَبِي الْفَيْضِ, قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُرَّةَ الزُّرَقِيَّ, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الزُّرَقِيِّ, أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الْعَزْلِ؟ , فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي تُرْضِعُ, وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ, فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ مَا قَدْ قُدِّرَ فِي الرَّحِمِ سَيَكُونُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد" شيخ محمد بن بشّار هو ابن جعفر، غُندر. و"أبو الفيض" بن أيّوب، ويقال: ابن أيّوب الْمَهريّ -بفتح الميم، وسكون الهاء- الحمصيّ، من بني عقيل، مشهور بكنيته، ثقة [٤]. قال ابن سُميع في الطبقة الرابعة: لقيه شعبة بواسط. وقال الغلابيّ، عن ابن معين: أبو الفيض الذي روى عنه شعبة شاميّ من أبناء جندب الحجّاج. وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقة. وقال العجليّ: شاميّ ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. وقال يعقوب ابن سفيان: له أحاديث حسان. وذكره ابن حبّان في "الثقات". أخرج له أبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله عنده حديث الباب فقط. و"عبد اللَّه بن مرّة الزّرقيّ" -بضم الزاي، وفتح الراء، بعدها قافٌ- الأنصاريّ المدنيّ، مجهول [٦]. روى عن أبي سعد الأنصاريّ. وعنه أبو الفيض الحمصيّ الشاميّ فقط، تفرّد به المصنّف، وليس له عنده إلا هذا الحديث فقط. و"أبو سعيد الزرقيّ" الأنصاريّ، ويقال: أبو سعد، قيل: اسمه سعيد بن عُمارة بن سعد. وقيل: عامر بن مسعود. روى عن النبيّ ﷺ في "العزل"، وفي "الضحايا". وعنه عبد اللَّه بن مُرّة الزُّرقيّ، ويونس بن ميسرة بن حَلْبس، ومكحول الشاميّ. ووقع عند

стр. 14047

الطبرانيّ في حديث يونس بن ميسرة، قال: خرجت مع أبي سعد الخير إلى شراء الضحايا … الحديث. ووقع في رواية ابن ماجه لهذا الحديث بعينه عن يونس: خرجت مع أبي سعيد الزُّرقي. وقال ابن أبي حاتم: سُئل أبي عن أبي سعيد الزرقي، فقال: هو من الأنصار، ولا أدري له صحبة أم لا. وقال سعيد بن عبد العزيز: له صحبة. ووهّى ابن عبد البرّ قول من قال: هو عامر بن مسعود، وإليه يومئ كلام الحاكم أبي أحمد. وقال ابن حبّان في "الصحابة": سعد بن عُمارة أبو سعيد. وقيل: عُمارة بن سعد، والأول أصحّ، وهو الذي يقال له: أبو سعيد الخير. تفرد به المصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنّف حديث الباب فقط، وعند ابن ماجه حديث واحد في "الضحايا". وقوله: "إن ما قد قُدّر في الرحم سيكون" "ما" موصولة اسم "إنّ"، وليست كافّةً، و"قُدِّر" بالبناء للمجهول، و"في الرحم" متعلّق به، والجملة صلة الموصول، وخبر "إنّ" قوله: "سيكون"، بتقدير خبر "يكون"، أي "فيه"، أي سيكون حاصلًا فيه. والمعنى: أن الذي قدّر اللَّه تعالى أن يكون في الرحم، سيكون فيه. ويحتمل أن تكون "يكون" تامّة، بمعنى يقع، ويوجد، فلا حاجة إلى تقدير الخبر. واللَّه تعالى أعلم. والحديث صحيح، وإن كان في إسناده مجهولٌ، وهو عبد اللَّه بن مرّة الزرقيّ، إلا أن الأحاديث السابقة تشهد له، فيصحّ بها، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-٥٥/ ٣٣٢٩ - وفي "الكبرى" ٥٤/ ٥٤٨٧. وأخرجه (أحمد) في "مسند المكيّين" ١٥٣٠٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٥٦ - (حَقُّ الرَّضَاعِ، وَحُرْمَتُهُ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: و"الْحُرْمَةُ" -بضمّ، فسكون-: ما لا يحِلّ انتهاكه. و"الحرمة": الْمَهَابةُ، وهو اسم من الاحترام، مثلُ الْفُرْقة، من الافتراق، والجمع حُرُمات، مثل غُرْفة وغُرْفات. أفاده الفيّوميّ. فيكون عطفه على "حقّ" من عطف المرادف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٣٣٠ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ هِشَامٍ, قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَبِي عَنْ حَجَّاجِ بْنِ حَجَّاجٍ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ, مَا يُذْهِبُ عَنِّي مَذَمَّةَ الرَّضَاعِ؟ , قَالَ: «غُرَّةُ عَبْدٍ, أَوْ أَمَةٍ»).

стр. 14048

رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يعقوب بن إبراهيم) الدورقيّ، أبو يوسف البغداديّ، ثقة حافظ [١٠] ٢١/ ٢٢. ٢ - (يحيي) بن سعيد القطّان البصريّ، ثقة ثبت [٩] ٤/ ٤. ٣ - (هشام) بن عروة بن الزبير المدنيّ، ثقة فقيه ربما دلّس [٥] ٤٩/ ٦١. ٤ - (أبوه) عروة بن الزبير بن العوّام المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٤٠/ ٤٤. ٥ - (حجّاج بن حجّاج) بن مالك الأسلميّ، مقبول [٣]. روى عن أبيه، وأبي هريرة. وعنه عروة بن الزبير، وعبد اللَّه بن الزبير على اختلاف فيه. وثّقه ابن حبّان. تفرّد به المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، أخرجوا له حديث الباب فقط. وله عند المصنّف في "السنن "الكبرى" حديث آخر من روايته عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا يُحرّم من الرضاع المصة والمصتان، ولا يحرّم منه إلا ما فتق الأمعاء من اللبن". ٦ - (أبوه) حجاج بن مالك بن عويمر بن أبي أسيد بن رفاعة الأسلميّ. روى عن النبيّ ﷺ حديث الباب. وعنه ابنه حجاج بن حجاج الأسلميّ. تفرّد به المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ بحديث الباب فقط. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير حجاج بن حجاج، وأبيه، فمن رجال المصنف، وأبي داود، والترمذيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه. (ومنها): أن صحابيه من المقلّين من الرواية، فليس له إلا حديث الباب فقط. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ حَجَّاجٍ بْنِ حَجّاج) الأسلميّ (عَنْ أَبِيهِ) هكذا رواه يحيى بن سعيد القطّان، عن حجاج، عن أبيه، فزاد "عن أبيه"، وتابعه عليه جماعة، وهو الصواب، كما سيأتي. وخالفه سفيان الثوريّ، فلم يقل: "عن أبيه"، قال المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في "الكبرى" ٣/ ٣٠٦ رقم ٥٤٨٣ - : أخبرنا إسحاق بن منصور الكوسج المروزيّ، قال: حدثنا عبد الرحمن -يعني ابن مهديّ- عن سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن حجاج الأسلميّ، قال: قلت: يا رسول اللَّه: ما يذهب عني مذمّة الرضاع؟ قال: "غرةٌ عبدٌ، أو أمة" انتهى. وقال البيهقيّ في "السنن الكبرى" -٧/ ٤٦٤ بعد أن أخرجه من طريق عبد اللَّه بن

стр. 14049

وهب، عن عمرو بن الحارث، والليث بن سعد، وسعيد بن عبد الرحمن الجمحي، كلهم عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن الحجاج بن الحجاج الأسلميّ، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ . قال: وأخبرنيه ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة بن الزبير، عن حجاج بن حجاج الأسلميّ، عن أبيه، أنه قال: يا رسول اللَّه، ما يُذهب عني مذمة الرضاع، فقال رسول اللَّه ﷺ : "الغرّة، العبد، والأمة". وكذلك رواه أبو معاوية، وعبد اللَّه بن إدريس، عن هشام بن عروة، إلا أنهما قالا: "العبد، أو الأمة". وقيل: عنه، عن حجاج بن أبي الحجّاج، عن أبيه. والصواب الحجاج بن الحجاج، عن أبيه. قاله البخاريّ انتهى (١). (قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ما يُذهِبُ عَنِّي مَذَمَّةَ الرِّضَاعِ؟) أي أيّ شيء يُذهب عني الحقّ الذي تعلّق بي للمرضعة؟؛ لأجل إحسانها لي بالرضاع، فإني إن لم أكافئها على ذلك صرتُ مذمومًا عند الناس بسبب عدم المكافأة. وقال في "النهاية": "الْمَذَمَّة" بالفتح مَفْعَلة من الذّمّ، وبالكسر من الذِّمَّة، والذِّمَام. وقيل: هي بالكسر والفتح: الحقُّ، والحرمة التي يُذمّ مُضَيِّعُها. والمراد بمذمّة الرضاع: الحقّ اللازم بسبب الرضاع، فكأنه سأل ما يُسقط عنّي حقّ المرضعة حتّى أكون قد أدّيته كاملًا؟، وكانوا يستحبّون أن يُعطوا للمرضعة عند فِصَال الصبيّ شيئًا سوى أجرتها انتهى (٢). (قَالَ) ﷺ (غُرَّةُ) فاعل لمحذوف، دلّ عليه السؤال، أي يُذهب عنك المذمّة غرّة. ويحتمل أن يكون خبرًا لمبتدإ محذوف، أي الْمُذهِب عنك ذلك غُرّة. و"الغُرّة" بضم الغين المعجمة، وتشديد الراء: أصل الغرّة: البياض الذي يكون في وجه الفرس، والمراد به هنا العبد نفسه، أو الأمة نفسها. قال ابن منظور: الغرّة: العبد، أو الأمة، كأنه عُبّر عن الحسم كلّه بالغرّة، وقال الراجز: كُلُّ قَتيلِ فِي كُلَيْبٍ غُرَّهْ … حَتَّى يَنَالَ الْقَتْلَ آلُ مُرَّهْ يقول: كلهم ليسوا بكفء لكليب، إنما هم بمنزلة العبيد والإماء، إن قتلتُهُم، حتى أَقتُل آل مرّة، فإنهم الأكفاء حينئذ. قال: وقال أبو سعيد: الغرّةُ عند العرب أنفَسُ شيء يُمْلَكُ، وأفضلُهُ، والفرسُ غُرّةُ مال الرجل، والعبدُ غرّةُ ماله، والبعير النجيب غُرّةُ ماله،

стр. 14050

والأمةُ الفارهةُ من غرّة المال. قال: وأصل الغرّة البياض الذي يكون في وجه الفرس، وكأنه عُبّر عن الجسم كلّه بالغرّة انتهى (١). وقال في "الفتح": والغرّة في الأصل البياض يكون في جبهة الفرس، وقد استعمل للآدميّ في الحديث المتقدِّم في الوضوء: "إن أمتي يدعون يوم القيامة غرًّا". وتطلق الغرّة على الشيء النفيس، آدميًّا كان، أو غيره، ذكرًا كان، أو أنثى. وقيل: أُطلق على الآدمي غرّةٌ لأنه أشرف الحيوان، فإن محلّ الغرّة الوجه، والوجهُ أشرف الأعضاء انتهى (٢). والمعنى: أنه- ﷺ قال له: إنها قد قامت بخدمتك، وأنت طفلٌ، فكافئها بخادم يقوم بمهنتها، وقضاء حاجتها؛ أداءً لحقّها؛ إذ الجزاء من جنس العمل. وقوله (عَبْد، أَو أَمَة) يحتمل أن يكون بالرفع بدلا من "غرّة"، أو عطف بيان. ويحتمل أن يكون بالإضافة، ويكون من إضافة العام إلى الخاصّ، كشجر أراك، وعلم الفقه، و"أو" يحتمل أن تكون للتنويع، أو للشّكّ من الراوي، والأول أظهر. وقال في "الفتح": عند شرح دية الجنين: ما نصّه: وقال الإسماعيليّ: "فقضى رسول اللَّه ﷺ فيها بغرّة عبد، أو أمة": قرأ العامة بالإضافة، وغيرهم بالتنوين. وحكى القاضي عياض الخلاف، وقال: التنوين أوجه؛ لأنه بيان للغرّة ما هي؟، وتوجيه الآخر أن الشيء قد يُضاف إلى نفسه، لكنّه نادر. وقال الباجيّ: يحتمل أن تكون "أو" شكًّا من الراوي في تلك الواقعة المخصوصة، ويحتمل أن تكون للتنويع، وهو الأظهر. انتهى (٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث حجّاج بن مالك هذا حسنٌ، وقال الترمذيّ: هذا حديث حسنٌ صحيح. [فإن قلت]: كيف يكون حسنًا، وفي إسناده حجاج بن حجاج، قال عنه في "التقريب": مقبول، أي يحتاج إلى متابع؟. [قلت]: حجّاج بن حجاج وثّقه ابن حبّان، وقال الذهبيّ عنه في "الميزان" - ١/ ٤٦١: صدوق. وروى عنه عروة بن الزبير، وعبد اللَّه الزبير على خلاف فيه، فمن كان

стр. 14051

هكذا لا ينقص حديثه عن درجة الحسن، فالحق أن حديثه حسنٌ. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٦/ ٣٣٣٠ - وفي "الكبرى" ٥٢/ ٥٤٨٢ و ٥٤٨٣. وأخرجه (د) ف ٢٠٦٤ (ت) في "الرضاع" ١١٥٣ (أحمد) في "مسند المكيين"١٥٣٠٦. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حقّ الرضاع، وحرمته. (ومنها): أن أم الرضاعة تستحقّ البرّ والإحسان إليها من الرضيع، وأن ذلك يَسقُط ببذله الغرّة المذكورة. (ومنها): ما كان عليه الصحابة من الحرص على تعلّم أحكام الدين. (ومنها): عناية الشارع بمراعاة حقوق أصحاب "الإحسان" فينبغي مكافأتهم، وفي حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، مرفوعًا: "من استعاذكم باللَّه، فأعيذوه، ومن سألكم باللَّه، فأعطوه، ومن دعاكم، فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفًا، فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه، فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه". رواه أحمد، وأبو داود، وصححه ابن حبّان، والحاكم، ووافقه الذهبيّ. (ومنها): أن مكافأة المرضعة لا يكون بشيء قليل، وإنما بشيء حسن جميل؛ لأن غرّة الشيء خياره، وأفضله، فكما أن إحسانها أتمّ، كذلك تكون مكافأتها أتمّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٥٧ - (الشِّهَادَةُ فِي الرِّضَاعِ) ٣٣٣١ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ, قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ, عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ, قَالَ: وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ عُقْبَةَ, وَلَكِنِّي لِحَدِيثِ عُبَيْدٍ أَحْفَظُ, قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً, فَجَاءَتْنَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ, فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا, فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ , فَأَخْبَرْتُهُ, فَقُلْتُ: إِنِّي تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ بِنْتَ فُلَانٍ, فَجَاءَتْنِي امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ, فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا, فَأَعْرَضَ عَنِّي, فَأَتَيْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ, فَقُلْتُ: إِنَّهَا كَاذِبَةٌ, قَالَ: «وَكَيْفَ بِهَا, وَقَدْ زَعَمَتْ أَنَّهَا قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا, دَعْهَا عَنْكَ»).

стр. 14052

رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عليّ بن حُجر) السعديّ المروزيّ، ثقة حافظ، من صغار [٩] ١٣/ ١٣. ٢ - (إسماعيل) بن إبراهيم ابنُ عليّة البصريّ، ثقة حافظ [٨] ١٨/ ١٩. ٣ - (أيوب) بن أبي تميمة السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت فقيه عابد [٥] ٤٢/ ٤٨. ٤ - (ابن أبي مُليكة) عبد اللَّه بن عُبيد اللَّه بن أبي مليكة زُهير بن عبد اللَّه بن جُدْعان المكيّ، ثقة فقيه [٣] ١٠١/ ١٣٢. ٥ - (عبيد بن أبي مريم) المكيّ، مقبول [٣]. روى عن عقبة بن الحارث. وعنه ابن أبي مليكة. ذكره ابن حبّان في "الثقات". قال ابن المدينيّ: لا نعرفه. أخرج له البخاريّ، وأبو داود، والترمذيّ، والمصنّف حديث الباب فقط. ٦ - (عقبة بن الحارث) بن عامر بن نوفل بن عبد مناف النوفليّ المكيّ صحابيّ، من مسلمة الفتح، بقي إلى ما بعد الخمسين من الهجرة، تقدم في -١٠٤/ ١٣٦٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، أو من خماسيّاته بالنسبة لسماع ابن أبي مُليكة عن عقبة نفسه. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فمروزيّ، ونصفه الثاني بالمكيين. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض: أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن عبيد بن أبي مريم. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ أَبي مُلَيْكَةَ) هو عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن أبي مُليكة، نُسب إلى جدّه، أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) المكيّ (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (قَالَ) أي ابن أبي مُليكة (وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ عُقْبَةَ) أي ابن الحارث الصحابيّ المذكور (وَلَكِنِّي لِحَدِيثِ عُبَيْدٍ أَحْفَظُ) يعني أنه وإن سمعه من عقبة نفسه، لكنه أتقن لحديث عبيد ابن أبي مريم، فلذا ساقه من طريقه، وهذا فيه أن اعتماده على عقبة، لا عبيد؛ لأنه مجهول، لكن لما صحّ لديه أصل الحديث بسماعه من عقبة، لكنه لم يستوعب ما سمعه منه، وإنما أتقن رواية عبيد ساقه بواسطته، من باب التقوية، والمتابعة، لا من باب

стр. 14053

الرواية استقلالًا. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وعبيد بن أبي مريم مكيّ، ما له في "الصحيح" سوى هذا الحديث، ولا أعرف من حاله شيئًا، إلا أن ابن حبّان ذكره في ثقات التابعين، وأن العمدة فيه على سماع ابن أبي مليكة له من عقبة بن الحارث نفسه انتهى (١). وفي رواية أبي داود من طريق حماد، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن عقبة بن الحارث، قال: وحدّثنيه صاحب لي، عنه، وأنا لحديث صاحبي أحفظ، ولم يسمّه. [تنبيه]: وقع في رواية البخاريّ في "الشهادات" من طريق ابن جريج، قال: سمعت ابن أبي مليكة، قال: حدّثني عقبة بن الحارث، أو سمعته منه … الحديث. فقال في "الفتح": وفيه إشارة إلى التفرقة في صيغ الأداء بين الإفراد والجمع، أو بين القصد إلى التحديث وعدمه، فيقول الراوي فيما سمعه وحده من لفظ الشيخ، أو قصد الشيخ تحديثه بذلك: "حدّثني" بالإفراد، وفيما عدا ذلك "حدّثنا" بالجمع، أو "سمعت فلانًا يقول". ووقع عند الدارقطنيّ من هذا الوجه: "حدّثني عقبة بن الحارث"، ثم قال: "لم يُحدّثني، ولكن سمعته يحدّث"، وهذا يعيّن أحد الاحتمالين، وقد اعتمد النسائيّ فيما يرويه عن الحارث بن مسكين، فيقول: "الحارث بن مسكين قراءةٌ عليه، وأنا أسمع"، ولا يقول: حدّثني، ولا أخبرني؛ لأنه لم يقصده بالتحديث، وإنما كان يسمعه من غير أن يشعر به انتهى ما في "الفتح" (٢). (قَالَ) عقبة (تَزَوَّجْتُ امْرَأَةَ) وفي رواية البخاريّ في "كتاب العلم" من طريق عمر بن سعيد بن أبي حسين، عن ابن أبي مليكة: "أنه تزوّج ابنة لأبي إهاب بن عزيز، فأتته امرأة … ". قال في "الفتح": اسمها غَنيّة -بفتح المعجمة، وكسر النون، بعدها ياء تحتانيّةٌ، مشدّدةٌ، وكنيتها أم يحيى. قال: وَهِمَ الكرمانيّ، فقال: لا يعرف اسمها. و"أبو إهاب" -بكسر الهمزة-: لا أعرف اسمه، وهو مذكورٌ في الصحابة. و"عزيز" -بفتح العين المهملة، وكسر الزاي، آخره زايٌ أيضًا- ومن قاله بضمّ أوله فقد حرّف. انتهى كلام الحافظ. (فَجَاءَتنا امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ (قال الحافظ: لم أقف على اسمها (فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا) زاد الدارقطنيّ: "فدخلت علينا امرأةٌ سوداء، فسألت، فأبطأنا عليها، فقالت: تصدّقوا عليّ، فواللَّه فقد أرضعتكما جميعًا". زاد البخاريّ في "العلم": "فقال لها عقبة: ما أرضعتني، ولا أخبرتني" -أي بذلك قبل التزوّج-. زاد في "الشهادة" في [باب إذا شهد

стр. 14054

بشيء، فقال آخر: ما علمت ذلك]، وفي "العلم": فركب إلى رسول اللَّه ﷺ بالمدينة، فسأله" (فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ) وقد سبق أنه ركب من مكة إلى المدينة (فَأَخْبَرتُهُ) أي بما حدث من تلك القضيّة، كما بيّنه بقوله (فَقُلْتُ: إِنِّي تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ بِنْتَ فُلَانٍ) تقدّم أن اسمها غنية بنت أبي إهاب بن عزيز (فَجَاءَتْنِي امْرَأَة سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا) أراد بذلك التعريض بكونها كاذبة في دعواها ذلك، كما سيصرّح به قريبًا (فَأَعْرَضَ) أي حوّل النبيّ ﷺ وجهه (عَنِّي) زاد في رواية البخاريّ في "البيوع": "وتبسّم النبيّ ﷺ ". وإنما أعرض عنه النبيّ ﷺ ؛ كراهيةً لسؤاله؛ إذ حقّه حينما وقعت له الشبهة أن يبتعد عنها، ويفارقها، ولا يستمرّ على نكاحها؛ إذ لا يليق بالعاقل في مثل هذا إلا الإعراض عن الشبهة، والتنزّه عنها، لا السؤال ليتوسّل به إلى إبقائها عنده (فَأَتَيْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ، فَقُلْتُ: إِنَّهَا كَاذِبَةٌ) أي في دعواها ذلك (قَالَ) ﷺ (وَكَيْفَ بِهَا) أي كيف يُظنّ بها الكذب، أو يُجزم به (وَقَدْ زَعَمَتْ أَنَّهَا قَدْ أَرْضَعَتُكُمَا) أي وهو أمر ممكن، ولا يُعلم ذلك عادةً إلا من قِبَلها، فكيف تُكذّب فيه؟ (دَعْهَا) أي المرأة التي تزوّجتها؛ لوقوع الشبهة في كونها أختًا لك من الرضاعة، وقد أخذ بظاهره الإمام أحمد، وطائفة، وحمله الجمهور على أنه أرشده إلى الأحوط والأولى، وسيأتي تحقيق القول في ذلك في "المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. وقوله (عَنْكَ) متعلّق بـ"دع" على تضمينه معنى أَبْعِدْ، أي أبعدها عنك بالطلاق. وزاد الدارقطنيّ في آخره: "لا خير لك فيها"، وفي رواية للبخاريّ: "فنهاه عنها"، وزاد في رواية له: "ففارقها، ونكحت زوجًا غيره". قال الحافظ: اسم هذا الزوج ظُريب -بضم المعجمة المشالة، وفتح الراء، وآخره موحّدة، مصغّرًا. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عقبة بن الحارث - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٧/ ٣٣٣١ - وفي "الكبرى" ٥٣/ ٥٤٨٤. وأخرجه (خ) في "العلم" ٨٨ و "البيوع" ٢٠٥٢ و"الشهادات" ٢٦٤٠ و ٢٦٥٩ و"النكاح" ٥١٠٥ (د) في "الأقضية" ٣٦٠٣ (ت) "الرضاع" ١١٥١ (أحمد) "مسند المدنيين" ١٥٧١٥ و "مسند الكوفيين" ١٨٩٣٠ (الدارمي) "النكاح" ٢٢٥٥. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 14055

(المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو مشروعيّة الشهادة على الرضاع. (ومنها): قبول شهادة المرأة في الرضاع، كما هو ظاهر ترجمة المصنّف، وسيأتي في المسألة التالية تحقيق الخلاف في ذلك، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): قبول شهادة الإماء والعبيد، وفيه خلاف أيضًا، وسيأتي في المسألة الخامسة، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): جواز إعراض المفتي لينبّه المستفتي على أن الحكم فيما سأله الكفّ عنه. (ومنها): جواز تكرار السؤال لمن لم يفهم المراد، والسؤال عن السبب المقتضي لرفع النكاح. (ومنها): مشروعية الاستبراء عن الشبهات. (ومنها): الإنكار على من يتعاطى الشبهات. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في ثبوت الرضاع بشهادة المرضعة وحدها: ذهبت طائفة إلى ثبوت الرضاع بشهادتها، وبه قال أحمد، قال عليّ بن سعيد: سمعت أحمد يُسأل عن شهادة المرأة الواحدة في الرضاع، قال: تجوز على حديث عقبة ابن الحارث، وهو قول الأوزاعيّ، ونُقل عن عثمان، وابن عباس، والزهريّ، والحسن، وإسحاق، وروى عبد الرزاق عن ابن جريج، عن ابن شهاب، قال: فرّق عثمان بيّن ناس، تناكحوا بقول امرأة سوداء: إنها أرضعتهم، قال ابن شهاب: الناس يأخذون بذلك من قول عثمان اليوم، واختاره أبو عبيد، إلا أنه قال: إن شهدت المرضعة وحدها وجب على الزوج مفارقة المرأة، ولا يجب عليه الحكم بذلك، وإن شهدت معها أخرى وجب الحكم به. واحتجّ أيضًا بأنه ﷺ لم يُلزم عقبة بفراق امرأته، بل قال له: "دعها عنك"، وفي رواية ابن جريج: "كيف، وقد زعمت"، فأشار إلى أن ذلك على التنزيه. وذهب الجمهور إلى أنه لا يكفي في ذلك شهادة المرضعة؛ لأنها شهادة على فعل نفسها. وقد أخرج أبو عبيد من طريق (١) عمر، والمغيرة بن شعبة، وعليّ بن أبي طالب، وابن عباس أنهم امتنعوا من التفرقة بيّن الزوجين بذلك، فقال عمر: فرّق بينهما إن جاءت بيّنة، وإلا فخلّ بين الرجل وامرأته، إلا أن يتنزّها، ولو فُتح هذا الباب لم تشأ امرأة أن تُفرَق بيّن الزوجين إلا فَعَلت. وقال الشعبيّ: تُقبل مع ثلاث نسوة بشرط أن لا تتعرّض نسوة لطلب أجرة. وقيل: لا تُقبل مطلقًا. وقيل: تقبل في ثبوت المحرميّة، دون ثبوت الأجرة لها على ذلك. وقال مالك: تقبل مع أخرى. وعن أبي حنيفة: لا

стр. 14056

تقبل في الرضاع شهادة النساء المتمحّضات، وعكسه الإصطخريّ من الشافعيّة. وأجاب من لم يقبل شهادة المرضعة وحدها يحمل النهي في قوله: "فنهاه عنها" على التنزيه، وبحمل الأمر في قوله: "دعها عنك" على الإرشاد (١). وقال العلاّمة الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى- بعد أن ذكر الخلاف المذكور، وحملهم الخبر على الاستحباب: ما نصّه: ولا يخفى أن النهي حقيقة في التحريم، كما تقرّر في الأصول، فلا يُخرَج عن معناه الحقيقيّ إلا لقرينة صارفة، والاستدلال على عدم قبول المرأة المرضعة بقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢] لا يُفيد شيئًا؛ لأن الواجب بناء العامّ على الخاصّ، ولا شكّ أن الحديث أخصّ مطلقًا. وأما ما أجاب به عن الحديث صاحب "ضوء النهار" من أنه مخالف للأصول، فيجاب عنه بالاستفسار عن الأصول، فإن أراد الأدلّة القاضية باعتبار شهادة عدلين، أو رجل وامرأتين، فلا مخالفة؛ لأن هذا خاصّ، وهي عامّةٌ، وإن أراد غيرها، فما هو؟. وأما ما رواه أبو عبيد عن عليّ، وابن عباس، والمغيرة أنهم امتنعوا من التفرقة بيّن الزوجين بذلك، فقد تقرّر أن أقوال بعض الصحابة ليست بحجة على فرض عدم معارضتها لما ثبت عنه ﷺ ، فكيف إذا عارضت ما هو كذلك؟. وأما ما قيل من أن أمره ﷺ من باب الاحتياط، فلا يخفى مخالفته لما هو الظاهر، ولا سيّما بعد أن قرّر (٢) السؤال أربع مرّات، كما في بعض الروايات، والنبيّ ﷺ يقول له في جميعها: "كيف؟ وقد قيل"، وفي بعضها: "دعها عنك" كما في حديث الباب، وفي بعضها: "لا خير لك فيها"، مع أنه لم يثبت في رواية أنه ﷺ أمره بالطلاق، ولو كان ذلك من باب الاحتياط لأمره به. فالحقّ وجوب العمل بقول المرأة المرضعة، حرّة كانت، أو أمةً، حصل الظنّ بقولها، أو لم يحصل؛ لما ثبت في رواية أن السائل قال: "وأظنها كاذبة"، فيكون هذا الحديث الصحيح هادمًا لتلك القواعد المبنيّة على غير أساس، أعني قولهم: إنها لا تقبل شهادة فيها. تقرير لفعل الشاهد، ومخصّصًا لعمومات الأدلّة، كما خصّصها دليل كفاية العدالة في عورات النساء عند أكثر المخالفين انتهى كلام الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى- (٣).

стр. 14057

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى- تحقيقٌ حسنٌ جدًّا. وحاصله ترجيح القول بقبول شهادة المرضعة؛ عملًا بظاهر حديث الباب، وهو ظاهر مذهب المصنّف، والبخاريّ -رحمهما اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في شهادة الإماء والعبيد: قال الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى-: [باب شهادة الإماء والعبيد] وقال أنسٌ: شهادة العبد جائزة، إذا كان عدلًا، وأجازه شُريح، وزُرارة بن أوفَى. وقال ابن سيرين: شهادته جائزة إلا العبد لسيّده. وأجازه الحسن، وإبراهيم التيميّ في الشيء التافه. وقال شُريح: كلكم بنو عبيد وإماء. ثم أورد حديث عقبة بن الحارث ﵁ هذا مستدلًّا لجواز قبول شهادتهم. وقال في "الفتح": وقد ذهب الجمهور إلى أنها لا تُقبل مطلقًا. وقالت طائفةٌ: تقبل مطلقًا. قال: ووجه الدلالة من حديث عقبة أنه ﷺ أمر عقبة بفراق امرأته بقول الأمة المذكورة، فلو لم تكن شهادتها مقبولةً ما عَمِل بها. واحتجّوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ قالوا: فإن كان الذي في الرّقّ رضًا، فهو داخلٌ في ذلك. وأجيب عن الآية بأنه تعالى قال في آخرها: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ والإباء إنما يتأتّى من الأحرار؛ لاشتغال الرقيق بحقّ السيّد. وفي الاستدلال بهذا القدر نظر. وأجاب الإسماعيليّ عن حديث الباب، فقال: قد جاء في بعض طرقه: "فجاءت مولاة لأهل مكة" قال: وهذا اللفظ يُطلق على الحرّة التي عليها الولاء، فلا دلالة فيه على أنها كانت رقيقة. وتُعُقّب بأن رواية حديث الباب فيه التصريح بأنها أمةٌ، فتعيّن أنها ليست بحرّة. وقد قال ابن دقيق العيد: إن أخذنا بظاهر حديث الباب، فلا بدّ من القول بشهادة الأمة. وقد سبق إلى الجزم بأنها كانت أمةً أحمد بن حنبل، رواه عنه جماعة، كأبي طالب، ومُهَنًّا، وحرب، وغيرهم انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: مذهب القائلين بقبول شهادة العبيد والإماء، كما أيّده الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- هو الحقّ؛ لظهور أدلّته، والقائلون بخلافه لم يأتوا

стр. 14058

بدليل مقنع، يعتمد عليه، فتبصّر بالإنصاف، ولا تَتَهَّور بالاعتساف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٥٨ - (نِكَاحُ مَا نَكَحَ الآبَاءُ) ٣٣٣٢ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ, عَنِ السُّدِّيِّ, عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ, عَنِ الْبَرَاءِ, قَالَ: لَقِيتُ خَالِي, وَمَعَهُ الرَّايَةُ, فَقُلْتُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ , إِلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ مِنْ بَعْدِهِ, أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ, أَوْ أَقْتُلَهُ). رجال هذا الإسناد. سبعة: ١ - (أحمد بن عثمان بن حكيم) الأوديّ الكوفيّ، ثقة [١١] ١٦٠/ ٢٥٢. ٢ - (أبو نُعيم) الفضل بن دُكين، وهو لقب، واسمه عمرو بن حمّاد الكوفيّ، ثقة ثبت [٩] ١١/ ٥١٦. ٣ - (الحسن بنْ صالح) هو الحسن بن صالح بن صالح بن حيّ، وهو حيّان بن شُفَيّ -مصغّرا- الهمداني الكوفيّ، ثقة فقيه عابد رمي بالتشيّع [٧] ١٦٠/ ٢٥٢. ٤ - (السُّدّيّ) إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة، أبو محمد الكوفيّ، صدوق يَهِم، ورمي بالتشيّع [٤] ١٠٠/ ١٣٥٩. ٥ - (عديّ بن ثابت) الأنصاريّ الكوفيّ، ثقة رمي بالتشيّع [٤] ٤٩/ ٦٠٥. ٦ - (البراء) بن عازب بن الحارث بن عديّ، أبو عُمارة الأنصاريّ الأوسيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما -، نزل الكوفة، ومات سنة (٧٢هـ) تقدّم ٨٦/ ١٠٥. ٧ - (خاله) هانئ بن نِيار بن عمرو بن عبيد بن كلاب بن دُهمان بن غَنْم بن ذئبان بن هميم بن كاهل بن ذُهل بن بَلِيّ البلويّ، حليف الأنصار، مشهور بكنيته. وقيل: مالك ابن هُبيرة، والأول أصحّ، وهو خال البراء بن عازب، وقيل: عمّه، شَهِدَ بدرًا، وما بعدها. روى عن النبيّ ﷺ . وعنه البراء بن عازب، وجابر، وابن أخيه سعيد بن عُمير

стр. 14059

ابن عُقبة بن نيار، وعبد الرحمن بن جابر بن عبد اللَّه، وبُشَير بن يسار، وغيرهم (١). وذكر في "الإصابة": وقيل: اسمه الحارث بن عمرو، كذا ذكره المِزّيّ عن ابن معين، وخطّأه ابن عبد الهادي، فقال: إنما قال ابن معين في ابن أبي موسى. قال: وكأن سبب قول من سمّاه الحارث بن عمرو قول البراء: لقيت خالي الحارث بن عمرو. ولكن يحتمل أن يكون له خالٌ آخر، وهو الأشبه. قال أبو عمر: مات في أول خلافة معاوية بعد أن شهد مع عليّ ﵁ حروبه كلها، ثم قيل: إنه مات سنة إحدى، وقيل: اثنتين، وقيل: خمس وأربعين (٢). وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث، هذا، وفي "كتاب الضحايا" ٤٣٩٧ حديث الأضحية بالجذعة، وفي "كتاب الأشربة" ٥٦٧٧ حديث: (اشربوا في الظروف، ولا تسكروا". واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وصحابيّ عن صحابيّ. (ومنها): أن صحابيه من المقلّين من الرواية، فليس له إلا خمسة أحاديث. راجع "تحفة الأشراف" ٩/ ٦٥ - ٦٨. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ الْبَرَاءِ) بن عازب - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: لَقِيتُ خَالِي) وفي رواية الترمذيّ من طريق أشعث، عن عديّ بن ثابت: "مرّ بي خالي، أبو بردة بن نيار" (وَمَعَهُ الرَّايَةُ) وفي رواية الترمذيّ المذكورة: "ومعه لواء". قال الفيّوميّ؛ والراية عَلَم الجيش، يقال: أصلها الهمز، لكن العرب آثرت تركه تخفيفًا. ومنهم من يُنكر هذا القول، ويقول: لم يُسمع الهمز. والجمع رايات. وقال في موضع آخر: ولواء الجيش علمه، وهو دون الراية، والجمع أَلْوية. انتهى. والمقصود من تلك الراية أن تكون دالّة على إِمْرَتِه، وكونه مبعوثًا من جهة النبيّ ﷺ في ذلك الأمر. (فَقُلْتُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ ، إِلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ) أي على قواعد الجاهليّة، فإنهم كانوا يتزوّجون بأزواج آبائهم، ويعدّون ذلك من باب الإرث، ولذلك ذكر اللَّه تعالى النهي من ذلك بخصوصه، حيث قال: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾

стр. 14060

الآية، مبالغة في الزجر عن ذلك، فهذا الرجل سلك مسلكهم في عدّ ذلك حلالًا، فصار مرتدًّا، فقتل لذلك. وهكذا أول الحديث من لا يقول بظاهره، والظاهر أن الأخذ بظاهر الحديث، وإن لم يستحلّ هو الحقّ، كما هو مذهب أحمد، وإسحاق ابن راهويه، وسيأتي تحقيق القول في ذلك في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. [تنبيه]: هذه الرواية صريحةٌ في كون ذلك الرجل تزوّج امرأة أبيه عقدًا، فتأويل بعضهم بحمله على الوطء بلا عقد باطل. قال الخطابيّ -رحمه اللَّه تعالى- بعد ذكره هذا القول: وهذا تأويلٌ فاسد، قال: ومن ادعى أن هذا النكاح شبهةٌ، فأسقط من أجلها الحدّ، فقد أبعد؛ لأن الشبهة إنما تكون في أمر يشبه الحلال من بعض الوجوه، وذوات المحرم لا تحلّ بوجه من الوجوه، ولا في حال من الأحوال، وإنما هو زنا محضٌ، وإن لُقب بالنكاح، كمن استأجر أمةً، فزنى بها، فهو زنا، وإن لُقّب باسم الإجارة، ولم يكن مسقطًا عنه الحدّ، وإن كانت المنافع قد تستباح بالإجارات. وزعم بعضهم أن النبيّ ﷺ إنما أمر بقتله لاستحلاله نكاح امرأة أبيه، وكان ذلك مذهب أهل الجاهليّة، كان الرجل منهم يرى أنه أولى بامرأة أبيه من الأجنبيّ، فيرثها كما يرث ماله، وفاعل هذا على الاستباحة له مرتدّ عن الدين، فكان هذا جزاؤه القتل لردّته. قال الخطّابيّ: وهذا تأويلٌ فاسد، ولو جاز أن يُتأول ذلك في قتله لجاز أن يُتأوّل مثله في رجم من رجمه النبيّ ﷺ من الزناة، فيقال: إنما قتله بالرجم لاستحلاله الزنا، وقد كان أهل الجاهليّة يستحلّون الزنا، فلا يجب على من زنى الرجم حتى يعتقد هذا الرأي، وهذا ما لا خفاء بفساده، وإنما أمر ﷺ بقتله لزنائه، ولتخطّيه الحرمة في أمه (١). وقد أوجب بعض الأئمة تغليظ الدية على من قتل ذات محرم، وكذلك أوجبوا على من قتل في الحرم، فألزموه دية وثلثًا، وهو قول عثمان بن عفّان ﵁، وروي عن عليّ ابن أبي طالب ﵁: أنه أُتِيَ بشارب في رمضان، فضربه حدّ السكر، وزاده عشرين"، لارتكابه ما حرّم اللَّه عليه في ذلك الشهر انتهى (٢). (مِنْ بَعْدِهِ) أي بعد موته (أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ، أَوْ أَقتُلَهُ) "أو" للشكّ من الراوي. وفي رواية الترمذيّ: "بعثني أن آتيه برأسه". وزاد في الرواية التالية: "وآخذ ماله". وفيه أخذ مال من فعل ذلك بعد قتله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 14061

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي بردة بن نيار - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. [تنبيه]: قد أعلّ بعض العلماء هذا الحديث بالاضطراب، فقال المنذريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وقد اختُلف في هذا الحديث اختلافًا كثيرًا، فروي عن البراء بن عازب - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: "بينما أطوف على إبل لي ضلّت … " الحديث. وروي عنه، عن عمه … وروي عنه، قال: "مرّ خالي أبو بردة بن نيار، ومعه لواء … " وروي عنه، عن خاله، وسماه هشيم في حديثه الحارث بن عمرو … وروي عنه، قال: "مرّ بنا ناسٌ ينطلقون … " وروي عنه: "إني لأطوف على إبل ضلّت لي في تلك الأحياء في عهد النبيّ ﷺ ، إذ جاءهم رهط معهم لواء … ". انتهى. وأجيب بأن هذا الاضطراب غير موجب للضعف؛ قال ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى- بعد ذكر كلام المنذريّ: وهذا كلّه يدلّ على أن الحديث محفوظ، ولا يوجب هذا تركه بوجه، فإن البراء بن عازب حدّث به عن أبي بردة بن نيار، واسمه الحارث بن عمرو، وأبو بردة كنيته، وهو عمه وخاله، وهذا واقع في النسب، وكان معه رهط، فاقتصر على ذكر الرهط مرّةً، وعين من بينهم أبا بردة بن نيار باسمه مرّة، وبكنيته أخرى، وبالعمومة تارة، وبالخؤولة أخرى، فأي علّة في هذا توجب ترك الحديث؟. انتهى (١). وقال الشيخ الألبانيّ بعد أن ذكر الاختلافات، وذكر رواية زيد بن أبي أنيسة الآتية في الحديث التالي: ما نصّه: فقد زاد زيد بيّن عديّ والبراء يزيدَ بن البراء، وزيد ثقة من رجال الشيخين، وزيادة الثقة مقبولة، وسائر رجال الإسناد ثقات رجال الشيخين أيضًا، غير يزيد بن البراء، وهو صدوق، ولعلّ عديّ بن ثابت تلقّاه عنه، عن البراء في مبدإ الأمر، ثم لقي البراء، فسمعه منه، فحدّث به تارة هكذا، وتارة هكذا، وكلّ حدّث عنه بما سمع منه، وكلّ ثقة من زيد بن أبي أنيسة الذي أثبت فيه يزيد بن البراء، والسّدِّيّ، واسمه إسماعيل الذي لم يذكر يزيد فيه، مع متابعة الربيع بن الرُّكين له على ضعفه. وبهذا يزول الاضطراب الذي أَعَلّ الحديث به ابنُ التركماني؛ لأنه أمكن التوفيق بيّن الوجوه المضطربة منه الثابتة عن رواتها. وأما الوجوه الأخرى التي أشار إليها الترمذيّ (٢)، فهي غير ثابتة؛ لأن مدار أكثرها

стр. 14062

على أشعث (١)، وهو ضعيف، كما عرفت، وأحدها من طريق ابن إسحاق، وهو مدلّسٌ، ولو صرّح بالتحديث فليس بحجة عند المخالفة. ويؤيّد صحّة الحديث أن له طريقًا أخرى، وشاهدًا. أما الطريق فيرويه أبو الجهم، عن البراء بن عازب، قال: "بينما أنا أطوف على إبل لي قد ضلّت، إذ أقبل ركبٌ، أو فوارس، معهم لواء، فجعل الأعراب يُطيفون بي لمنزلتي من النبيّ ﷺ ، إذ أتوا قُبّةً، فاستخرجوا منها رجلًا، فضربوا عنقه، فسألت عنه، فذكروا أنه أعرس بامرأة أبيه". أخرجه أبو داود (٤٤٥٦)، والنسائيّ في "الكبرى" (٥٤٩٠) والطحاويّ ٢/ ٨٥، والدارقطنيّ ٣٧١ والحاكم، وعنهما البيهقيّ، وعن غيرهما ٨/ ٢٠٨ وأحمد ٤/ ٢٩٥ من طريق مطرف بن طَرِيف الحارثيّ، ثنا أبو الجهم عنه. قال: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، رجال الشيخين، غير أبي الجهم، واسمه سليمان بن جهم بن أبي الجهم الأنصاريّ، مولى البراء، وهو ثقة. وأما الشاهد، فيرويه معاوية بن قُرَّة المزنيّ، عن أبيه، قال: بعثني رسول اللَّه ﷺ إلى رجل تزوّج امرأة أبيه أن أضرب عنقه، وأصفّي ماله". أخرجه ابن ماجه (٢٦٠٨): حدثنا محمد بن عبد الرحمن ابن أخي الحسين الجعفيّ، ثنا يوسف بن منازل التميميّ، ثنا عبد اللَّه بن إدريس، عن خالد بن أبي كريمة، عن معاوية بن قُرَّة به. قال البوصيريّ في "الزوائد": هذا إسناد صحيح. رواه النسائيّ في "كتاب الرجم" عن العباس بن محمد، عن يوسف بن منازل به. ورواه الدارقطنيّ في "سننه" من طريق معاوية بن قُرَّة أيضًا، ورواه الحاكم في "المستدرك" من طريق محمد بن إسحاق الصنعانيّ، عن يوسف بن منازل، فذكره، ورواه البيهقيّ في "الكبرى" عن الحاكم بالإسناد والمتن. ورواه البيهقيّ (٨/ ٢٠٨) من طريق أخرى غير الحاكم، والطحاويّ (٢/ ٨٦) عن يوسف به انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذُكر أن حديث الباب صحيح، والاضطراب الذي ذُكر غير موجب لضعفه؛ لأن الاضطراب لا يؤثّر مع إمكان الجمع، وقد تحقّق -بحمد اللَّه- كما عرفت. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 14063

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٨/ ٣٣٣٢ و ٣٣٣٣ - وفي "الكبرى" ٥٥/ ٥٤٨٨ و ٥٤٨٩ و ٥٤٩٠. وأخرجه (د) ففي "الحدود"٤٤٥٦ و ٤٤٥٧ (ت) في "الأحكام" ١٣٦٢ (ق) في "الحدود" ٢٦٠٧ (أحمد) في "مسند الكوفيين" ١٨١٣٤ و ١٨١٤٦ (الدارمي) في "النكاح"٢٢٣٩. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم نكاح ما نكح الآباء، وهو قتله، وأخذ ماله، لحديث الباب؛ لكن لا بدّ من حمله على أن ذلك الرجل الذي أمر ﷺ بقتله كان عالمًا بالتحريم. (ومنها): تحريم نكاح ما نكح الآباء، كما هو نصّ كتاب اللَّه تعالى في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ الآية [النساء: ٢٢]. (ومنها): حرص الشريعة المطهّرة على المحافظة على حقوق الآباء، وتحريم هتك حرمتهم، وذلك حيث حرّمت نكاح ما نكح الآباء؛ احترامًا لهم، ولا تُنتهك حرماتهم، وهذا من معالي محاسن الشريعة. (ومنها): أن فيه دليلًا على أن للإمام أن يأمر بقتل من خالف قطعيًّا من قطعيّات الشريعة، كهذه المسألة، فإن اللَّه تعالى يقول: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية [النساء: ٢٢]، لكن ينبغي تقييده بما ذكرناه في الفائدة الأولى. (ومنها): أن فيه متمسّكًا لقول مالك -رحمه اللَّه تعالى-: إنه يجوز التعزير بالقتل. (ومنها): أن فيه دليلًا لمن يقول بالعقوبة بأخذ المال، وقد تقدّم الخلاف في التعزير به في "كتاب الزكاة"، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم من تزوج امرأة أبيه: ذهب أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه إلى أنه يقتل، ويؤخذ ماله على ظاهر الحديث. وقال الحسن البصريّ: عليه الحدّ، وهو قول مالك، والشافعيّ. وقال سفيان: يُدرأ عنه الحدّ، إذا كان التزويج بشهود. وقال أبو حنيفة: يُعزّر، ولا يُحدّ. وقال صاحباه: أما نحن فنرى عليه الحدّ، إذا فعل ذلك متعمّدًا. أفاده الخطّابيّ (١). وقال العلامة ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى- في "زاد المعاد": وقد نصّ أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد في رجل تزوّج امرأة أبيه، أو بذات محرم، فقال: يُقتل، ويُدخل ماله في بيت المال. وهذا القول هو الصحيح، وهو مقتضى حكم رسول اللَّه ﷺ . وقال

стр. 14064

الشافعيّ، ومالك، وأبو حنيفة: حدّه حدّ الزاني، ثم قال أبو حنيفة: إن وطئها بعقد عُزّر، ولا حدّ عليه. وحكم رسول اللَّه ﷺ ، وقضاؤه أحقّ وأولى. انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى- هو الحقّ الذي لا مرية فيه؛ لصحّة حديث الباب، كما أيده ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-. وحاصله أن من نكح امرأة أبيه، عالمًا بالتحريم يقتل، ويؤخذ ماله؛ قضاءَ رسول اللَّه ﷺ . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٣٣٣ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو, عَنْ زَيْدٍ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ, عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْبَرَاءِ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: أَصَبْتُ عَمِّي, وَمَعَهُ رَايَةٌ, فَقُلْتُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ فَقَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى رَجُلٍ, نَكَحَ امْرَأَةَ أَبِيهِ, فَأَمَرَنِي أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ, وَآخُذَ مَالَهُ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عمرو بن منصور": هو أبو سعيد النسائيّ الثقة الثبت [١١] ١٠٨/ ١٤٧. و"عبد اللَّه بن جعفر": هو أبو عبد الرحمن القرشيّ مولاهم الرّقّيّ، ثقة تغيّر بآخره، ودم يفحش اختلاطه [١٠] ١٧٧/ ٢٨٠. و"عبيد اللَّه بن عمرو": هو أبو وهب الأسديّ الرقّيّ، ثقة فقيه، ربما وهم [٨] ١٧٧/ ٢٨٠. و"زيد": هو ابن أبي أُنيسة زيد الجزريّ، أبو أسامة، كوفيّ الأصل، ثم سكن الرُّها، ثقة له أفراد [٦] ١٩١/ ٣٠٦. و"يزيد بن البراء" بن عازب الأنصاريّ الحارثي الكوفيّ، أمير عُمَان، صدوق [٣]. روى عن أبيه. وعنه عديّ بن ثابت، وأبو جَنَاب الكلبيّ، وسيف أبو عائذ السعديّ، وقال: كان أميرًا علينا بعمان، وكان كخير الأمراء. وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". تفرّد به المصنّف، وأبو داود، له عند المصنّف حديث الباب فقط، وعند أبي داود له حديث الباب، وآخر في الخطبة على القوس يوم العيد. وقوله: "أصبت عمّي" تقدّمِ أنه لا منافاة بين قوله: "عمّي"، وقوله: "خالي"؛ لإمكان أن يكون له عمًّا، وخالًا من جهتين. والحديث صحيحٌ، وقد سبق شرحه، والكلام على مسائله في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 14065

٥٩ - (تَأوِيلُ قَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾) ٣٣٣٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ, عَنْ أَبِي عَلْقَمَةَ الْهَاشِمِيِّ, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ, أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ , بَعَثَ جَيْشًا إِلَى أَوْطَاسٍ, فَلَقُوا عَدُوًّا, فَقَاتَلُوهُمْ, وَظَهَرُوا عَلَيْهِمْ, فَأَصَابُوا لَهُمْ سَبَايَا, لَهُنَّ أَزْوَاجٌ فِي الْمُشْرِكِينَ, فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ تَحَرَّجُوا مِنْ غِشْيَانِهِنَّ, فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ , أَيْ هَذَا لَكُمْ حَلَالٌ, إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعانيّ، ثم البصريّ، ثقة [١٠] ٥/ ٥. ٢ - (يزيد بن زُريع) أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٥/ ٥. ٣ - (سعيد) بن أبي عروبة مهران، أبو النضر البصريّ، ثقة ثبت، يدلّس، واختلط بآخره [٦] ٣٤/ ٣٨. ٤ - (قتادة) بن دِعامة السدوسيّ، أبو الخطاب البصريّ، ثقة ثبت يدلّس [٤] ٣٠/ ٣٤. ٥ - (أبو الخليل) صالح بن أبي مريم الضبعيّ البصريّ، ثقة [٦] ٥١/ ٣٣٠٨. ٦ - (أبو علقمة الهاشميّ) الفارسي المصريّ، مولى بني هاشم، ويقال: حليف الأنصار، قاضي إفريقية ثقة، من كبار [٣] ٩٦/ ١٣٥٤. ٧ - (أبو سعيد الخدريّ) سعيد بن مالك بن سنان - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٦٩/ ٢٦٢. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى أبي الخليل، وأبو علقمة مصريّ، وأبو سعيد مدني. (ومنها): أن رواية قتادة، عن أبي الخليل من رواية الأكابر عن الأصاغر. (ومنها): أن فيه أبا سعيد ﵁ من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 14066

شرح الحديث (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ ، بَعَثَ جَيْشًا إِلَى أَوْطَاسِ) وفي رواية مسلم: (أن رسول اللَّه ﷺ يوم حنين، بعث جيشًا إلى أوطاس … ". قال النوويّ: "أوطاس": موضع عند الطائف، يُصرَف، ولا يُصرف انتهى (١). وقال الفيّوميّ: "أوطاس" من النوادر التي جاءت بلفظ الجمع للواحد، وهو واد في ديار هَوَازن، جَنُوبيّ مكة، بنحو ثلاث مَراحل، وكانت وقعتها بعد فتح مكة بنحو شهر انتهى (٢). (فَلَقُوا) بضم القاف، وأصله لَقِيُوا بكسرها، من باب تَعِبَ، فلما استُثقلت الضمة على الياء نُقلت إلى القاف بعد سلب كسرتها، ثم حُذفت الياء لالتقاء الساكنين (عَدُوًّا) وهم هوازن. وفي نسخة: "فلقوا العدو" (فَقَاتَلُوهُمْ، وَظَهَرُوا عَلَيْهِمْ) أي غلبوهم، وانتصروا عليهم (فَأَصَابُوا لَهُمْ سَبَايَا،) -بفتح السين المهملة، جمع سَبيّة، مثل عَطيّة وعَطَايا، وهي فَعِيلة بمعنى مفعولة، أي مسِبيّة (لَهُنَّ أَزْوَاجٌ فْي الْمُشْرِكِينَ) أي الذين قاتلوهم، وانتصروا عليهم (فَكَانَ الْمُسلِمُونَ تَحَرَّجُوا) أي تجنّبوا الحرَج، وهو الإثم، قال الفيّوميّ: حَرِج صدرُهُ حَرَجًا، من باب تَعِبَ: ضاق، وحَرِجَ الرجلُ: أثِمَ، وصدرٌ حَرِجٌ ضَيِّقٌ، ورجلٌ حَرِجٌ آثم، وتحرّج الإنسان تحرُّجًا، هذا مما ورد لفظه مُخالفًا لمعناه، والمراد فعل فعلًا جانب به الحَرَجَ، كما يقال: تحنّث إذا فعل ما يخرُج به عن الحنث، قال ابن الأعرابيّ للعرب أفعالٌ تخالف معانيها ألفاظَها، قالوا: تحرّج، وتحنّث، وتأثّم، وتهجّد: إذا ترك الْهُجُود، ومن هذا الباب ما ورَدَ بلفظ الدعاء، ولا يُراد به الدعاء، بل الحثّ، والتحريض، كقوله: "تَرِبت يداك"، و"عَقْرَى حَلْقَى"، وما أشبه ذلك انتهى (٣). (من غَشيَانِهنَّ) متعلّق بـ"تحرّجوا" يعني أنهم خافوا الوقوع في الحرج، وهو الإثم بسبب غشيانهنّ، أي وطئهنّ، من أجل أنهنَّ ذوات أزواج، والمزوّجة لا تحلّ لغير زوجها. زاد في رواية مسلم: "من أجل أزواجهنّ من المشركين". قال القرطبيّ: أي ظنّوا أن نكاح أزواجهنّ لم تنقطع عصمته. انتهى (٤). (فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ) بالرفع عطف على المحرّمات السابقة في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ الآية أي حرّمت عليكم نكاح المحصنات، أي

стр. 14067

ذوات الأزواج، فإنهنّ حرام على غير أزواجهنّ، إلا ما ملكتم بالسبي، فإنه ينفسخ نكاح أزواجهن الكفار، وتحلّ لكم، إذا انقضى استبراؤها. قال أبو عبد اللَّه القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "تفسيره": والتحصّن التمنّع، ومنه الحِصن؛ لأنه يُمتنع فيه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾، أي لتمنعكم، ومنه الحِصان للفرس -بكسر الحاء- لأنه يمنع صاحبه من الهلاك، والْحَصَان -بفتح الحاء- المرأة العفيفة لمنعها نفسها من الهلاك، وحَصُنت المرأةُ تَحصُنُ، فهي حَصَانٌ، مثلُ جبُنت فهي جَبَان، وقال حسّان في عائشة - رضي اللَّه تعالى عنهما -[من الطويل]: حَصَانٌ رَزَازَنٌ ما تُزَنُّ بِريبةٍ … وَتُصْبِحُ غَرْثَى من لُحُومِ الْغَوَافِلِ والمصدر الْحَصَانة -بفتح الحاء- والحِصن كالعلم. انتهى (١). وقال السمين الحلبيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "تفسيره": قرأ الجمهور هذه اللفظة، سواء كانت معرّفةً بـ"أل"، أم نكرةً بفتح الصاد، والكسائيّ بكسرها في جميع القرآن، إلا قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ فإنه وافق الجمهور، فأما الفتح، ففيه وجهان: أشهرهما أنه أُسند الإحصان إلى غيرهنّ، وهو إما الأزواج، أو الألياء، فإن الزوج يُحصن امرأته، أي يُعفّها، والوليّ يُحصنها بالتزويج، واللَّه يُحصنها بذلك. والثاني: أن هذا المفتوح الصاد بمنزلة المكسور، يعني أنه اسم فاعل، وإنما شذّ فتح عين اسم الفاعل في ثلاثة ألفاظ: أحصَنَ، فهو مُحصَن، وألفج، فهو مُلْفَج (٢)، وأسهَبَ، فهو مُسْهَب. وأما الكسر، فإنه أسند الإحصان إليهنّ؛ لأنهن يُحصِنّ أنفسهن بعفافهنّ، أو يُحصِنّ فروجهنّ بالحفظ، أو يُحصنّ أزواجهنّ. وقد ورد الإحصان في القرآن لأربعة معان: الأول: التزوج، كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾. الثاني: الحرّيّة، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ الآية. الثالث: الإسلام، كما في قوله تعالى؛ ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ قيل في تفسيره: أسلمن. الرابع: العفة، كما في قوله تعالى: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾. انتهى (٣). (﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾) في محلّ نصب على الحال (﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾) قال السيمن

стр. 14068

الحلبي -رحمه اللَّه تعالى-: إن أريد بالإحصان هنا التزوّج كان المعنى: وحُرّمت عليكم المحصنات، أي المزوّجات، إلا النوع الذي ملكته أيمانكم، إما بالسبي، أو بملكٍ، من شراء، وهبة، وإرث، وهو قول بعض أهل العلم، ويدلّ على الأول قول الفرزدق [من الطويل]: وَذَاتِ حَلِيلٍ أَنْكَحَتْهَا رِمَاحُنَا … حَلَالٌ لِمَنْ يَبْنِي بِهَا لَمْ تُطَلَّقِ يعني أن مجرّد سبائها أحلّها بعد الاستبراء. وإن أريد به الإسلام، أو العفّةُ فالمعنى: أن المسلمات، أو العفيفات حرامٌ كلّهنّ، يعني فلا يُزنَى بهنّ، إلا ما مُلك منهنّ بتزويج، أو ملك يمين، فيكون المراد بـ"ما ملكت أيمانكم" التسلّط عليهنّ، وهو قدر مشترك، وعلى هذه الأوجه الثلاثة يكون الاستثناء متّصلًا. وإن أريد به الحرائر، فالمراد إلا ما مُلِكَتْ بملك يمين، وعلى هذا فالاستثناء منقطع. انتهى (١). (أيْ هَذَا) النوع من النساء، وهو المستثنى المذكور (لَكُمْ حَلَالٌ) أي أحلّ لكم وطؤهنّ (إِذَا انْقَضَتْ) وفي نسخة: "مضت" (عِدَّتُهُنَّ) يعني بعدتهنّ استبراءهنّ من ماء الزوج الكافر، وهو بوضع الحمل إذا كانت حاملًا، وبحيضة، إذا كانت حائلًا، كما جاءت به الأحاديث الصحيحة. أفاده النوويّ (٢). وقال السنديّ: أي هذا لكم حلالٌ، أي هذا النوع، وهو ما ملكه اليمين بالسبي، لا بالشراء، كما هو المورد، والأصل، وإن كان عموم اللفظ، لا خصوص السبب، لكن قد يُخصّ بالسبب، إذا كان هناك مانع من العموم، كما هنا انتهى (٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي سعيد الخدريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٩/ ٣٣٣٤ - وفي "الكبرى"٥٦/ ٥٤٩١ أو ٥٤٩٢ و"التفسير" ١١٠٩٦

стр. 14069

و ١١٠٩٧. وأخرجه (م) في "الرضاع" ١٤٥٦ (د) في "النكاح" ٢١٥٥ (ت) في "النكاح" ١١٣٢ و"التفسير" ٣٠١٦ و ٣٠١٧ (أحمد) في "مسند المكثرين" ١١٣٨٨ (الدارمي) في "الطلاق" ٢٢٩٥. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان سبب نزول هذه الآية، وبيان المعنى المراد منها. (ومنها): أن فيه دلالة على وجوب توقّف الإنسان، وبحثه، وسؤاله عما لا يتحقّق وجهه، ولا حكمه، وهو دأب من يخاف اللَّه ، ولا يُختَلَف في أن ما لا يتبيّن حكمه لا يجوز الإقدام عليه. قاله القرطبيّ (١). (ومنها): أن فيه جواز وطء المسبيّات، إذا اسْتُبْرِئْنَ. (ومنها): أن نكاح المشركين ينفسخ إذا سُبيت زوجاتهم؛ لدخولها في ملك سابيها. (ومنها): أن فيه دلالةً للمذهب المختار، وهو مذهب جماهير العلماء أن العرب يجري عليهم الرقّ كما يجري على العجم، وأنهم إذا كانوا مشركين، وسُبُوا، جاز استرقاقهم؛ لأن الصحابة سبوا هوازن، وهم عبدة الأوثان، وقد استرقّوهم، ووطئوا سباياهم،. وبهذا قال مالك، والشافعيّ في قوله الصحيح الجديد، وجمهور العلماء. وقال أبو حنيفة، والشافعيّ في قوله القديم: لا يَجري عليهم الرّقّ؛ لشرفهم (٢). (ومنها): أن فيه دلالةً أيضًا لمذهب من أجاز وطء المشركات بملك اليمين، وإن لم تكن من أهل الكتاب. (ومنها): أن المراد بعدّة المسبيّات تحقّق براءة رحمهنّ، وذلك بوضع حملها، إن كانت حاملًا، وبحيضة إن كانت غير حامل. (ومنها): أنه لا يجوز وطء حامل مسبيّة حتى تضع، فقد أخرج مسلم في "صحيحه" من طريق عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه (٣)، عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ ، أنه أَتَى بامرأة مُجِحٍّ (٤) على باب فُسطاط، فقال: "لعله يُريد أن يُلِمَّ (٥) بها؟ "، فقالوا: نعم، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لقد هممت أن ألعنه، لعنا يدخل معه قبره، كيف يُوَرِّثُهُ، وهو لا يحل له؟، كيف يستخدمه، وهو لا يحل له؟ ". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم وطء المسبيّة المشركة بملك اليمين:

стр. 14070

قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: واعلم أن مذهب الشافعيّ، ومن قال بقوله من العلماء أن المسبيّة من عَبَدة الأوثان، وغيرهم من الكفّار الذين لا كتاب لهم، لا يحلّ وطؤها بملك اليمين، حتى تُسلم، فما دامت على دينها، فهي محرّمة، وهؤلاء المسبيّات كُنّ من مشركي العرب عبدة الأوثان، فيؤوّل هذا الحديث، وشبهه على أنهنّ أسلمن، وهذا التأويل لا بدّ منه. واللَّه أعلم انتهى (١). وقال الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى-: ما حاصله: ظاهر الحديث أنه لا يشترط في جواز وطء المسبيّة الإسلام، ولو كان شرطًا لبيّنه ﷺ ، ولم يُبيّنه، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وذلك وقتها، ولا سيّما وفي المسلمين في يوم حنين وغيره من هو حديث عهد بالإِسلام، يخفى عليهم مثل هذا الحكم، وتجويز حصول الإسلام من جميع السبايا، وهي في غاية الكثرة بعيدٌ جدًّا، فإن إسلام مثل عدد المسبيّات في أوطاس دفعةً واحدةً، من غير إكراه لا يقول بأنه يصحّ تجويزه عاقلٌ. ومن أعظم المؤيّدات لبقاء المسبيّات على دينهنّ ما ثبت من ردّه ﷺ لهنّ بعد أن جاء إليه جماعة من هوازن، وسألوه أن يردّ إليهم ما أخذ عليهم من الغنيمة، فردّ إليهم السبي فقط. وقد ذهب إلى جواز وطء المسبيّات الكافرات بعوإلاستبراء المشروع جماعة: منهم طاوس، وهو الظاهر؛ لما سلف انتهى كلام الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى- (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذكره الشوكانيّ أن الأرجح قول من قال بجواز وطء المسبيات الكافرات غير الكتابيات بعد الاستبراء؛ لقوة دليله، وأن التأويل الذي ذكره النوويّ فيه بُعدٌ، وتكلّف، فتبصّر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): اختلف العلماء أيضًا في الأمة إذا بيعت، وهي مزوّجةٌ مسلمًا، هل ينفسخ النكاح، وتحلّ لمشتريها، أم لا؟، فقال ابن عبّاس: ينفسخ لعموم قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. وقال سائر العلماء: لا ينفسخ، وخصّوا الآية بالمملوكة بالسبي. قال المازريّ: هذا الخلاف مبنيّ على أن العموم إذا خرج على سبب، هل يقصر على سببه، أم لا؟، فمن قال: يُقصَرُ على سببه لم يكن فيه حجة للمملوكة بالشراء؛ لأن التقدير إلا ما ملكت أيمانكم بالسبي، ومن قال: لا يقصر، بل يُحمل على عمومه قال: ينفسخ نكاح المملوكة بالشراء، لكن ثبت في حديث شراء عائشة بريرة أن النبيّ ﷺ خيّر بريرة في زوجها، فدلّ

стр. 14071

على أنه لا ينفسخ بالشراء، لكن هذا تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، وفي جوازه خلاف. قاله النوويّ (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحقّ جواز تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد، وهو الأصحّ عند الأصوليين، وهو قول الجمهور، وعليه الأئمة الأربعة، فيما حكاه ابن الحاجب، قال السيوطيّ في "الكواكب الساطع": وَجَازَ أن يُخَصَّ فِي الصَّوَابِ … سُنَّتُهُ بِهَا وَبِالْكِتَابِ وَهوَ بِهِ وَخَبَرِ التَّوَاتُرِ … وَخَبَرِ الْوَاحِدِ عِنْدَ الأَكْثَرِ (٢) واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٦٠ - (بَابُ الشِّغَارِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الشغار" -بمعجمتين، الأولى منهما مكسورة- قال الفيّوميّ: شَغَرَ البلدُ شُغُورًا، من باب قعد: إذا خلا عن حافظٍ يمنعه، وشَغَرَ الكلبُ شَغْرًا، من باب نَفَعَ: رفع إحدى رجليه ليبول، وشَغَرَت المرأة: رفعت رجلَها للنكاح، وشَغَرتهُا: فعلتُ بها ذلك، يتعدّى، ولا يتعدّى، وقد يتعدّى بالهمز، فيقال: أشغرتها، وشاغَرَ الرجلُ الرجلَ شِغَارًا، من باب قاتل: زوّج كلّ واحد صاحبه حَرِيمتَهُ على أن بُضْعَ كلِّ واحدة صداقُ الأخرى، ولا مهر سوى ذلك، وكان سائغًا في الجاهليّة، قيل: مأخوذٌ من شَغَرَ البلدُ، وقيل: من شَغَر برجله: إذا رفعها، والشَّغَار، وزانُ سَلَامٍ: الفارغ انتهى (٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٣٣٥ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ, قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ : "نَهَى عَنِ الشِّغَارِ").

стр. 14072

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"عُبيد اللَّه بن سعيد": هو أبو قُدامة السرخسيّ، الثقة الثبت. و"يحيى": هو ابن سعيد القطّان البصريّ، الثقة الثبت الإمام. و"عُبيد اللَّه": هو ابن عمر العمريّ المدنّي الثقة الثبت. و"نافع": هو مولى ابن عمر المدنيّ الفقيه الثقة الثبت. وقوله: "نَهَى عَنِ الشِّغَارِ"، وفي رواية ابن وهب، عن مالك: "نهى عن نكاح الشغار"، ذكره ابن عبد البرّ، وهو مراد من حذفه. كما قاله في "الفتح" (١). ومعناه: أن يُزوّج الرجل الرجلَ موليّته على أن يزوّجه الآخر موليّته، ولا صداق بينهما. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وسيأتي تمام شرحه، وبيان المسائل المتعلّة به في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى، وإنما أخّرتها تبعًا للمصنّف، حيث خصّص الباب الآتي لتفسير الشغار، فيكون إستيفاء البحث هناك أليق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٣٣٦ - (أَخْبَرَنَا (٢) حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , قَالَ: «لَا جَلَبَ, وَلَا جَنَبَ, وَلَا شِغَارَ فِي الإِسْلَامِ, وَمَنِ انْتَهَبَ نُهْبَةً, فَلَيْسَ مِنَّا»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (حُميد بن مسعدة) بن المبارك الساميّ الباهليّ البصريّ، صدوق [١٠] ٥/ ٥. ٢ - (بشر) بن المفضّل بن لاحق، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت عابد [٨] ٦٦/ ٨٢. ٣ - (حُميد) بن أبي حميد الطويل، أبو عبيدة البصريّ، ثقة يدلّس [٥] ٨٧/ ١٠٨. ٤ - (الحسن) بن أبي الحسن يسار البصريّ، ثقة فقيه فاضل، يرسل كثيرًا [٣] ٣٢/ ٣٦. ٥ - (عمران بن حُصين) بن عبيد بن خَلَف الخزاعيّ، أبو نُجيد الصحابي ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أسلم عام خيبر، وكان فاضلًا، وقضى بالكوفة، ومات ﵁ سنة (٥٢) بالبصرة، وتقدّم في ٢٠١/ ٣٢١ واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم

стр. 14073

رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "لَا جَلَبَ) -بفتحتين- والفعل من بابي ضرب، وقتل. قال الفيّوميّ: جَلَبتُ الشيءَ جَلْبًا، من بابي ضرب، وقتل، والْجَلَبُ -بفتحتين- فَعَلٌ بمعنى مفعول، وهو ما تجْلُبُه من بلد إلى بلد، وجَلَبَ على فرسه جَلْبًا، من باب قتل: بمعنى استحثّه للعدو بوَكْزٍ، أو صِيَاح، أو نحوه، وأجلب عليه بالألف لغة انتهى. وقال ابن الأثير: الجَلَب يكون في شيئين: أحدهما في الزكاة، وهو أن يَقْدَم المُصَدِّقُ على أهل الزكاة، فينزلَ موضعًا، ثم يرسل مَن يجلُب إليه الأموال من أماكنها؛ ليأخذ صدقتها، فنهي عن ذلك، وأُمر أن تؤخذ صدقاتهم على مياههم، وأماكنها. والثاني: في السباق، وهو أن يَتبَعَ الرجلُ فرسَهُ، فيزجره، ويَجلُب عليه، ويَصِيح، حثًّا له على الجري، فنهي عن ذلك (١). وقال الفيّوميّ: فُسر الجَلَب بأن ربّ الماشية لا يُكلَّفُ جَلَبَها إلى البلد ليأخذ الساعي منها الزكاة، بل تُؤخذ زكاتها عند المياه انتهى. (وَلا جَنَبَ) -بفتحتين- والفعل من باب قعد، وقتل، يقال: جَنَبتُ الرجل الشرِّ جُنُوبًا، من باب قَعَد: أبعدتُهُ عنه، وجنّبتُهُ بالتثقيل مبالغة. والجنيبة: الفرس تُقاد، ولا تُكب، فَعِيلةٌ بمعنى مفعولة، يقال: جَنَبْتُهُ أَجْنُبُهُ، من باب قتل: إذا قُدته إلى جنبك. قاله الفيّوميّ. وقال ابن الأثير: الْجَنَب -بالتحريك- في السباق أن يَجْنُبَ فرسًا إلى فرسه الذي يسابق عليه، فإذا فَتَرَ المركوبُ تحوّل إلى المجنوب. وهو في الزكاة أن ينزل العامل بأقصى مواضع أصحاب الصدقة، ثم يأمر بالأموال أن تُجنَب إليه، أي تُحضَرَ، فنُهُوا عن ذلك. وقيل: أن يَجْنُبَ ربّ المال بماله، أي يُبعِده عن موضعه، حتّى يحتاج العامل إلى الإبعاد في اتباعه، وطلبه انتهى (٢). وقال الفيّوميّ: وقوله: لا جَنَبَ أي إذا كانت الماشية في الأفنية، فتُتْركُ فيها، ولا تُخرَجُ إلى المرعى ليَخرُج الساعي لأخذ الزكاة؛ لما فيه من المشقّة، فأَمَرَ بالرفق من

стр. 14074

الجانبين. وقيل: معنى "ولا جَنَبَ" أي لا يَجْنُبُ أحدٌ فَرَسًا إلى جانبه في السباق، فإذا قَرُب من الغاية انتقل إليها، فيَسْبِقُ صاحبه. وقيل: غير ذلك انتهى. (وَلا شِغَارَ) بكسر الشين المعجمة، سيأتي تفسيره في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى. وتعبيره بـ"لا" النافية للجنس، يدلّ على أن النهي في قوله: "نهى عن الشغار" محمول على عدم المشروعيّة أصلًا. قال السنديّ: وعليه اتفاق الفقهاء انتهى (١). وقوله (فِي الإِسْلَامِ) الظاهر أنه قيد لكلِّ من الْجَلَب، والْجَنَب، والشغار. ويحتمل أن يكون قيدًا للأخير (٢). واللَّه تعالى أعلم. (وَمَنِ انْتَهَبَ) أي سَلَبَ، واختلس، وأخذ قهرًا (نُهْبَةٌ) بالفتح مصدر نَهَب، وبالضمّ اسم منه، يقال: نَهبَهُ نَهْبًا، كجَعَل، وَسَمِعَ، وكَتَبَ: أخذه، كانتهبه، والاسم النُّهْبةُ، والنُّهبَى، والنُّهَيْبَى، بضمّهنّ، والنُّهّيْبَى، كسُمَّيْهَى. قاله في "القاموس". وقال الفيّوميّ: والنُّهْبةُ مثالُ غُرْفَة، والنُّهبى بزيادة ألف التأنيث: اسمٌ للمنهوب انتهى. فعلى هذا يُعرب مفعولًا به لـ "انتهب"، وعلى الأوّل يكون مفعولًا مطلقًا، والمفعول به مقدّرٌ: أي مالًا. واللَّه تعالى أعلم. (فَلَيْسَ منَّا) أي ليس من المطيعين لأمرنا، أو ليس من جماعتنا، وعلى طريقتنا، وسنّتنا، وظاهر الحديث أنه ليس من المؤمنين أصلًا، فإن كان مُسْتَحِلاًّ، فلا إشكال، لأن استحلال ما حرّمه اللَّه تعالى مع العدم به، يكون ارتدادًا عن الإسلام، وإلا فلا بدّ من تأويله بنحو ما ذكرناه؛ لإجماع أهل السنَّة على أن مرتكب الذنوب غير الشرك تحت المشيئة، فليُتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عمران بن حُصين - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح. [فإن قلت]: كيف يصحّ، والجمهور على أن الحسن لم يسمع من عمران بن حصين - رضي اللَّه تعالى عنهما - (٣)، وأيضًا هو مدلّسٌ؟. [قلت]: لم ينفرد به الحسن، بل تابعه فيه محمد بن سيرين، فقد أخرجه أحمد في "مسنده"، فقال:

стр. 14075

حدثنا إبراهيم بن خالد، حدثنا رَبَاح، عن معمر، عن ابن سيرين، عن عمران بن حصين، أن رسول اللَّه ﷺ ، قال: "لا شغار في الإسلام". ومحمد بن سيرين، وإن قال الدارقطنيّ: لم يسمع من عمران (١)، إلا أنه لم يوصف بالتدليس، وأيضًا، فإن للحديث شواهدَ من حديث أنس ﵁، كما في الحديث التالي وإن كان فيه ضعف، على ما سيأتي، ومن حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - عند أحمد، قال: حدثنا قُراد أبو نوح، أخبرنا عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال النبيّ ﷺ : "لا جلب، ولا جنب، ولا شغار في الإسلام". وهذا إسناد صحيح، ورجاله كلهم رجال الصحيح. والحاصل أن حديث عمران - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦٠/ ٣٣٣٦ و"الخيل" ١٥/ ٣٥٩١ و ١٦/ ٣٥٩٢ - وفي "الكبرى" ٥٧/ ٥٤٩٥ و"الخيل " ١٥/ ٤٤٣١ و ١٦/ ٤٤٣٢. وأخرجه (د) في "الجهاد" ٢٥٨١ (ت) في "النكاح" ١١٢٣ (ق) في "الفتن" ٣٩٣٧ (أحمد) في "مسند البصريين" ١٩٣٥٤ و ١٩٤٨٥. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان تحريم نكاح الشِّغَار، وسيأتي بيان اختلاف العلماء فيه في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): تحريم الجلب- باللام-، سواء فُسِّر بالجلب في الزكاة، أو في السباق، على ما سبق توضيحه. (ومنها): تحريم الجنب -بالنون- في الزكاة، أو في السباق، على ما سبق توضيحه أيضًا. (ومنها): عناية الشارع بسدّ أبواب الأمور التي يأتي بها إلحاق الضرر بالأمة، فإن هذه الأشياء إذا تأمّلناها عرفنا أن سبب النهي عنها هو إلحاق الضرر بالآخرين، كما لا يخفى على ذي بصيرة، فما ألطف حكمة الشارع الحكيم، وأحكمها، ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٣٣٧ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ, عَنِ الْفَزَارِيِّ, عَنْ حُمَيْدٍ, عَنْ أَنَسٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا جَلَبَ, وَلَا جَنَبَ, وَلَا شِغَارَ فِي الإِسْلَامِ»).
следующие страницы →