على أنه لا ينفسخ بالشراء، لكن هذا تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، وفي جوازه خلاف. قاله النوويّ (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحقّ جواز تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد، وهو الأصحّ عند الأصوليين، وهو قول الجمهور، وعليه الأئمة الأربعة، فيما حكاه ابن الحاجب، قال السيوطيّ في "الكواكب الساطع":
وَجَازَ أن يُخَصَّ فِي الصَّوَابِ … سُنَّتُهُ بِهَا وَبِالْكِتَابِ
وَهوَ بِهِ وَخَبَرِ التَّوَاتُرِ … وَخَبَرِ الْوَاحِدِ عِنْدَ الأَكْثَرِ (٢)
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٦٠ - (بَابُ الشِّغَارِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الشغار" -بمعجمتين، الأولى منهما مكسورة- قال الفيّوميّ: شَغَرَ البلدُ شُغُورًا، من باب قعد: إذا خلا عن حافظٍ يمنعه، وشَغَرَ الكلبُ شَغْرًا، من باب نَفَعَ: رفع إحدى رجليه ليبول، وشَغَرَت المرأة: رفعت رجلَها للنكاح، وشَغَرتهُا: فعلتُ بها ذلك، يتعدّى، ولا يتعدّى، وقد يتعدّى بالهمز، فيقال: أشغرتها، وشاغَرَ الرجلُ الرجلَ شِغَارًا، من باب قاتل: زوّج كلّ واحد صاحبه حَرِيمتَهُ على أن بُضْعَ كلِّ واحدة صداقُ الأخرى، ولا مهر سوى ذلك، وكان سائغًا في الجاهليّة، قيل: مأخوذٌ من شَغَرَ البلدُ، وقيل: من شَغَر برجله: إذا رفعها، والشَّغَار، وزانُ سَلَامٍ: الفارغ انتهى (٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٣٣٥ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ, قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ : "نَهَى عَنِ الشِّغَارِ").
стр. 14072
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة.
و"عُبيد اللَّه بن سعيد": هو أبو قُدامة السرخسيّ، الثقة الثبت. و"يحيى": هو ابن سعيد القطّان البصريّ، الثقة الثبت الإمام. و"عُبيد اللَّه": هو ابن عمر العمريّ المدنّي الثقة الثبت. و"نافع": هو مولى ابن عمر المدنيّ الفقيه الثقة الثبت.
وقوله: "نَهَى عَنِ الشِّغَارِ"، وفي رواية ابن وهب، عن مالك: "نهى عن نكاح الشغار"، ذكره ابن عبد البرّ، وهو مراد من حذفه. كما قاله في "الفتح" (١). ومعناه: أن يُزوّج الرجل الرجلَ موليّته على أن يزوّجه الآخر موليّته، ولا صداق بينهما.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وسيأتي تمام شرحه، وبيان المسائل المتعلّة به في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى، وإنما أخّرتها تبعًا للمصنّف، حيث خصّص الباب الآتي لتفسير الشغار، فيكون إستيفاء البحث هناك أليق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٣٣٦ - (أَخْبَرَنَا (٢) حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , قَالَ: «لَا جَلَبَ, وَلَا جَنَبَ, وَلَا شِغَارَ فِي الإِسْلَامِ, وَمَنِ انْتَهَبَ نُهْبَةً, فَلَيْسَ مِنَّا»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (حُميد بن مسعدة) بن المبارك الساميّ الباهليّ البصريّ، صدوق [١٠] ٥/ ٥.
٢ - (بشر) بن المفضّل بن لاحق، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت عابد [٨] ٦٦/ ٨٢.
٣ - (حُميد) بن أبي حميد الطويل، أبو عبيدة البصريّ، ثقة يدلّس [٥] ٨٧/ ١٠٨.
٤ - (الحسن) بن أبي الحسن يسار البصريّ، ثقة فقيه فاضل، يرسل كثيرًا [٣] ٣٢/ ٣٦.
٥ - (عمران بن حُصين) بن عبيد بن خَلَف الخزاعيّ، أبو نُجيد الصحابي ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أسلم عام خيبر، وكان فاضلًا، وقضى بالكوفة، ومات ﵁ سنة (٥٢) بالبصرة، وتقدّم في ٢٠١/ ٣٢١ واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم
стр. 14073
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "لَا جَلَبَ) -بفتحتين- والفعل من بابي ضرب، وقتل. قال الفيّوميّ: جَلَبتُ الشيءَ جَلْبًا، من بابي ضرب، وقتل، والْجَلَبُ -بفتحتين- فَعَلٌ بمعنى مفعول، وهو ما تجْلُبُه من بلد إلى بلد، وجَلَبَ على فرسه جَلْبًا، من باب قتل: بمعنى استحثّه للعدو بوَكْزٍ، أو صِيَاح، أو نحوه، وأجلب عليه بالألف لغة انتهى.
وقال ابن الأثير: الجَلَب يكون في شيئين: أحدهما في الزكاة، وهو أن يَقْدَم المُصَدِّقُ على أهل الزكاة، فينزلَ موضعًا، ثم يرسل مَن يجلُب إليه الأموال من أماكنها؛ ليأخذ صدقتها، فنهي عن ذلك، وأُمر أن تؤخذ صدقاتهم على مياههم، وأماكنها.
والثاني: في السباق، وهو أن يَتبَعَ الرجلُ فرسَهُ، فيزجره، ويَجلُب عليه، ويَصِيح، حثًّا له على الجري، فنهي عن ذلك (١).
وقال الفيّوميّ: فُسر الجَلَب بأن ربّ الماشية لا يُكلَّفُ جَلَبَها إلى البلد ليأخذ الساعي منها الزكاة، بل تُؤخذ زكاتها عند المياه انتهى.
(وَلا جَنَبَ) -بفتحتين- والفعل من باب قعد، وقتل، يقال: جَنَبتُ الرجل الشرِّ جُنُوبًا، من باب قَعَد: أبعدتُهُ عنه، وجنّبتُهُ بالتثقيل مبالغة. والجنيبة: الفرس تُقاد، ولا تُكب، فَعِيلةٌ بمعنى مفعولة، يقال: جَنَبْتُهُ أَجْنُبُهُ، من باب قتل: إذا قُدته إلى جنبك. قاله الفيّوميّ.
وقال ابن الأثير: الْجَنَب -بالتحريك- في السباق أن يَجْنُبَ فرسًا إلى فرسه الذي يسابق عليه، فإذا فَتَرَ المركوبُ تحوّل إلى المجنوب.
وهو في الزكاة أن ينزل العامل بأقصى مواضع أصحاب الصدقة، ثم يأمر بالأموال أن تُجنَب إليه، أي تُحضَرَ، فنُهُوا عن ذلك. وقيل: أن يَجْنُبَ ربّ المال بماله، أي يُبعِده عن موضعه، حتّى يحتاج العامل إلى الإبعاد في اتباعه، وطلبه انتهى (٢).
وقال الفيّوميّ: وقوله: لا جَنَبَ أي إذا كانت الماشية في الأفنية، فتُتْركُ فيها، ولا تُخرَجُ إلى المرعى ليَخرُج الساعي لأخذ الزكاة؛ لما فيه من المشقّة، فأَمَرَ بالرفق من
стр. 14074
الجانبين. وقيل: معنى "ولا جَنَبَ" أي لا يَجْنُبُ أحدٌ فَرَسًا إلى جانبه في السباق، فإذا قَرُب من الغاية انتقل إليها، فيَسْبِقُ صاحبه. وقيل: غير ذلك انتهى.
(وَلا شِغَارَ) بكسر الشين المعجمة، سيأتي تفسيره في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى. وتعبيره بـ"لا" النافية للجنس، يدلّ على أن النهي في قوله: "نهى عن الشغار" محمول على عدم المشروعيّة أصلًا. قال السنديّ: وعليه اتفاق الفقهاء انتهى (١).
وقوله (فِي الإِسْلَامِ) الظاهر أنه قيد لكلِّ من الْجَلَب، والْجَنَب، والشغار. ويحتمل أن يكون قيدًا للأخير (٢). واللَّه تعالى أعلم.
(وَمَنِ انْتَهَبَ) أي سَلَبَ، واختلس، وأخذ قهرًا (نُهْبَةٌ) بالفتح مصدر نَهَب، وبالضمّ اسم منه، يقال: نَهبَهُ نَهْبًا، كجَعَل، وَسَمِعَ، وكَتَبَ: أخذه، كانتهبه، والاسم النُّهْبةُ، والنُّهبَى، والنُّهَيْبَى، بضمّهنّ، والنُّهّيْبَى، كسُمَّيْهَى. قاله في "القاموس". وقال الفيّوميّ: والنُّهْبةُ مثالُ غُرْفَة، والنُّهبى بزيادة ألف التأنيث: اسمٌ للمنهوب انتهى.
فعلى هذا يُعرب مفعولًا به لـ "انتهب"، وعلى الأوّل يكون مفعولًا مطلقًا، والمفعول به مقدّرٌ: أي مالًا. واللَّه تعالى أعلم.
(فَلَيْسَ منَّا) أي ليس من المطيعين لأمرنا، أو ليس من جماعتنا، وعلى طريقتنا، وسنّتنا، وظاهر الحديث أنه ليس من المؤمنين أصلًا، فإن كان مُسْتَحِلاًّ، فلا إشكال، لأن استحلال ما حرّمه اللَّه تعالى مع العدم به، يكون ارتدادًا عن الإسلام، وإلا فلا بدّ من تأويله بنحو ما ذكرناه؛ لإجماع أهل السنَّة على أن مرتكب الذنوب غير الشرك تحت المشيئة، فليُتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عمران بن حُصين - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، والجمهور على أن الحسن لم يسمع من عمران بن حصين - رضي اللَّه تعالى عنهما - (٣)، وأيضًا هو مدلّسٌ؟.
[قلت]: لم ينفرد به الحسن، بل تابعه فيه محمد بن سيرين، فقد أخرجه أحمد في "مسنده"، فقال:
стр. 14075
حدثنا إبراهيم بن خالد، حدثنا رَبَاح، عن معمر، عن ابن سيرين، عن عمران بن حصين، أن رسول اللَّه ﷺ ، قال: "لا شغار في الإسلام".
ومحمد بن سيرين، وإن قال الدارقطنيّ: لم يسمع من عمران (١)، إلا أنه لم يوصف بالتدليس، وأيضًا، فإن للحديث شواهدَ من حديث أنس ﵁، كما في الحديث التالي وإن كان فيه ضعف، على ما سيأتي، ومن حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - عند أحمد، قال:
حدثنا قُراد أبو نوح، أخبرنا عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال النبيّ ﷺ : "لا جلب، ولا جنب، ولا شغار في الإسلام".
وهذا إسناد صحيح، ورجاله كلهم رجال الصحيح.
والحاصل أن حديث عمران - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٦٠/ ٣٣٣٦ و"الخيل" ١٥/ ٣٥٩١ و ١٦/ ٣٥٩٢ - وفي "الكبرى" ٥٧/ ٥٤٩٥ و"الخيل " ١٥/ ٤٤٣١ و ١٦/ ٤٤٣٢. وأخرجه (د) في "الجهاد" ٢٥٨١ (ت) في "النكاح" ١١٢٣ (ق) في "الفتن" ٣٩٣٧ (أحمد) في "مسند البصريين" ١٩٣٥٤ و ١٩٤٨٥. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان تحريم نكاح الشِّغَار، وسيأتي بيان اختلاف العلماء فيه في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): تحريم الجلب- باللام-، سواء فُسِّر بالجلب في الزكاة، أو في السباق، على ما سبق توضيحه. (ومنها): تحريم الجنب -بالنون- في الزكاة، أو في السباق، على ما سبق توضيحه أيضًا. (ومنها): عناية الشارع بسدّ أبواب الأمور التي يأتي بها إلحاق الضرر بالأمة، فإن هذه الأشياء إذا تأمّلناها عرفنا أن سبب النهي عنها هو إلحاق الضرر بالآخرين، كما لا يخفى على ذي بصيرة، فما ألطف حكمة الشارع الحكيم، وأحكمها، ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٣٣٧ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ, عَنِ الْفَزَارِيِّ, عَنْ حُمَيْدٍ, عَنْ أَنَسٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا جَلَبَ, وَلَا جَنَبَ, وَلَا شِغَارَ فِي الإِسْلَامِ»).
стр. 14076
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا خَطَأٌ فَاحِشٌ, وَالصَّوَابُ حَدِيثُ بِشْرٍ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عليّ بن محمد بن عليّ" بن أبي المضاء المِصِّيصيّ القاضي، ثقة [١١] ٨٣/ ٢٤١٥.
و"محمد بن كثير" بن أبي عطاء الثقفيّ الصنعانيّ، أبو يوسف، نزيل المِصِّيصة، صدوقٌ، كثير الغلط، من صغار [٩] ٤٦/ ٢٢٥٦.
و"الفَزَاريّ": إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة الإمام أبو إسحاق المصّيصيّ، ثقة حافظ، له تصانيف [٨] ٥٨/ ٨٦٣.
و"حميد": هو الطويل المذكور في السند السابق.
وشرح الحديث تقدّم في الذي قبله، وهو حديث ضعيف، وإنما الصحيح حديث عمران ﵁ المتقدِّم.
ثم إن حديث أنس ﵁ هذا من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-٦٠/ ٣٣٣٧ - وفي "الكبرى" ٥٧/ ٥٤٩٦. وأخرجه (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١٢٢٤٧ و١٢٦٢٠. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (قَالَ: أَبو عَبْد الرَّحْمَنِ) النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى- (هَذَا خَطَأٌ فَاحِشٌ) أي هذا الحديث بهذا السند خطأ فاحشٌ (وَالصَّوَابُ حَدِيثُ بِشْرٍ) يعني ابن المفضّل الذي تقدّم قبله. أراد -رحمه اللَّه تعالى- أن رواية محمد بن كثير، من طريق الفزاريّ، عن حميد، عن أنس غلطٌ؛ لأنه خالف فيه بشر المفضّل، حيث جعله عن حميد عن الحسن البصريّ، عن عمران، وهو أوثق منه، وأحفظ بالإجماع، فقد قال عنه أحمد بن حنبل: إليه المنتهى في التثبّت بالبصرة، وعدّه ابن معين في أثبات شيوخ البصريين، وكذا أثنى عليه غيرهما (١)، بخلاف محمد بن كثير، فقد ضعّفه الكثيرون، فقد ضعّفه أحمد جدًّا، وقال: منكر الحديث. وقال البخاريّ: لينٌ جدًّا. وكذا ضعفه غيرهم، ووثقه بعضهم (٢).
وأيضًا قد تابع بشرًا حمادُ بن سلمة، والحارثُ بن عمير، وأبو قزعة، كلهم عن حميد، عن الحسن، عن عمران بن حصين - رضي اللَّه تعالى عنهما -.
فقد رواه أحمد في "مسنده" ٤/ ٤٤٣ عن عفان، عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن به. ورواه ٤/ ٤٣٩ عن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني، عن الحارث بن عمير، عن حميد، عن الحسن، به. ورواه ٤/ ٤٢٩ عن غندر، عن شعبة، عن أبي قزعة (٣)، عن الحسن به.
стр. 14077
[فإن قلت]: أيضًا لم يتفرّد محمد بن كثير بهذا، فقد رواه معمر، عن ثابت، عن أنس ﵁، أخرجه أحمد ٣/ ١٦٢ و ١٦٥ و ١٩٧ وابن ماجه (١٨٨٥) وابن حبّان في "صحيحه" (٤١٥٤)، فهلا يصحّ بذلك؟.
[قلت]: رواية معمر قد أعلّها الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى-، فقد ذكر الحافظ ابن رجب -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح علل الترمذيّ"، فقال: وقد كان بعض المدلّسين، يسمع الحديث من ضعيف، فيرويه عنه، ويدلّسه معه عن ثقة، لم يسمعه منه، فيُظنّ أنه سمعه منهما، كما روى معمر عن ثابت، وأبان، وغير واحد (١)، عن أنس ﵁، عن النبيّ ﷺ : "أنه نهى عن الشغار". قال أحمد: هذا عمل أبان. يعني أنه حديث أبان، وإنما معمر، يعني دلّسه. ذكره الخلّال، عن هلال بن العلاء الرقّيّ، عن أحمد انتهى (٢).
فتبيّن بهذا أن رواية معمر غير صحيحة، فلا تقوّي رواية محمد بن كثير.
والحاصل أن الحديث صحيح من مسند عمران بن حُصين - رضي اللَّه تعالى عنهما -، لا من مسند أنس ﵁ (٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٦١ - (تَفْسِيرُ الشِّغَارِ)
٣٣٣٨ - (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ, عَنْ نَافِعٍ, ح وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ, قَالَ: مَالِكٌ حَدَّثَنِي نَافِعٌ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , نَهَى عَنِ الشِّغَارِ, وَالشِّغَارُ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ
стр. 14078
الرَّجُلَ ابْنَتَهُ, عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ, وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (هارون بن عبد اللَّه) الحمال، أبو موسى البغداديّ الحافظ، ثقة [١٠] ٥٠/ ٦٢.
٢ - (الحارث بن مسكين) القاضي المصريّ، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩.
٣ - (معن) بن عيسى القزّاز المدنيّ، ثقة ثبت، من كبار [١٠] ٥٠/ ٦٢.
٤ - (ابن القاسم) عبد الرحمن العُتَقيّ المصريّ الفقيه، صاحب مالك، ثقة، من كبار [١٠] ١٩/ ٢٠.
٥ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] ٧/ ٧.
٦ - (نافع) مولى ابن عمر المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ١٢/ ١٢.
٧ - (ابن عمر) - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخيه، فالأول بغداديّ، والثاني مصريّ، وكذا ابن القاسم. (ومنها): أن فيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، نَهَى عَنِ الشِّغَارِ) قال النوويّ؛ قال العلماء: الشغار -بكسر الشين المعجمة، وبالغين المعجمة- أصله في اللغة الرفع، يقال: شَغَرَ الكلبُ إذا رفع رجله ليبول، كأنه قال: لا ترفع رجل بنتي حتى أرفع رجل بنتك انتهى. وقال صاحب "النهاية": قيل له: شغار؛ لارتفاع المهر بينهما، من شغر الكلب: إذا رفع إحدى رجليه ليبول انتهى.
وقال الخطّابيّ: وقال بعضهم: أصل الشغر في اللغة الرفع، يقال: شغر الكلب برجله: إذا رفعها عند البول، قال: فإنما سمي هذا النكاح شغارًا لأنهما رفعا المهر بينهما. قال: وهذا القائل لا ينفصل ممن قال، بل سُمِّي شغارًا لأنه رُفِع العقدُ من أصله، فارتفع النكاح، والمهر معًا، ويبيّن لك أن النهي قد انطوى على الأمرين معًا، أن البدل هنا ليس شيئًا غير العقد، ولا العقد شيئًا غير البدل، فهو إذا فسد مهرًا فسد عقدًا، وإذا أبطلته الشريعة، فإنما أفسدته على الجهة التي كانوا يوقعونه، وكانوا يوقعونه مهرًا
стр. 14079
وعقدًا، فوجب أن يفسدا معًا انتهى (١).
قال الحافظ وليّ الدين: فهذه ثلاثة أقوال على تفسير الشغار بالرفع، قال الرافعيّ: وفي بعض الشروح أن الكلب إذا كان يبول حيث يصل من غير مبالاة، قيل: شغر الكلب برجله، فسُمي شغارًا؛ لعدم المبالاة فيه بالمهر. وقال ابن عبد البرّ: للشغار في اللغة معنى لا مدخل لذكره هنا، وذلك أنه مأخوذ عندهم من شغر الكلب: إذا رفع رجله ليبول، وذلك زعموا ألا يكون منه إلا بعد مفارقة حال الصغر على حال يمكن فيها طلب الوثوب على الأنثى للنسل، وهو عندهم للكلب إذا فعله علامة بلوغه إلى حال الاحتلام من الرجال، ولا يرفع رجله للبول إلا وهو قد بلغ ذلك المبلغ، يقال منه: شغر الكلب إذا رفع رجله، فبال، أم لم يبُل، ويقال: شَغَرتُ المرأةَ أشغرها شَغْرًا: إذا رفعت رجلها للنكاح انتهى.
ثم قال النوويّ، وقيل: هو من شغر الكلب، إذا خلا لخلوّه عن الصداق انتهى. قال الرافعيّ، ويقال لخلوّه عن بعض الشروط، وقال صاحب "النهاية" بعد كلامه المتقدّم. وقيل: الشغر البعد. وقيل: الاتساع انتهى.
فهذه ثلاثة أقوال غير ما تقدّم، وهي الخلوّ، والبعد، والاتساع. وعبّر القاضي عياض في "المشارق" بقوله: وقيل: من رَفْع الصداق فيه، وبُعْده منه انتهى. وهذا يقتضي رجوع البعد إلى المعنى المشهور، وهو الرفع. واللَّه أعلم انتهى كلام وليّ الدين (٢).
(وَالشِّغَارُ) هذا التفسير مدرج من قول نافع، كما سيأتي تحقيقه قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى، وهو مبتدأ، خبره قوله (أَنْ يُزَوّجَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ) ليس ذكر البنت قيدًا في هذا، بل غيرها من الأخوات، والعمات، ونحوها كذلك، كما هو في حديث أبي هريرة الآتي بعد هذا. قال النوويّ في "شرح مسلم": أجمعوا على أن غير البنات من الأخوات، وبنات الأخ، والعمّات، وبنات الأعمام، والإماء كالبنات في هذا. وصورته الواضحة: زوّجتك بنتي على أن تزوّجني بنتك، ويضع كلّ واحدة صداقًا للأخرى، فيقول: قَبِلتُ. انتهى (٣).
(وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ) أي بل صداق كلّ واحدة منهما هو بضع الأخرى.
وهذا النهي محمول على عدم المشروعية بالاتفاق، ثم إن الجمهور قالوا: لا ينعقد أصلًا، وقال الحنفيّة: ينعقد، ويلزم فيه مهر المثل، وبه يخرج عن كونه شغارًا. والحقّ
стр. 14080
ما ذهب إليه الجمهور، وسيأتي مزيد تحقيق لذلك في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٦٠/ ٣٣٣٥ و ٦١/ ٣٣٣٨ - وفي "الكبرى" ٥٧/ ٥٤٩٣ و ٥٨/ ٥٤٩٧. وأخرجه (خ) في "النكاح" ٥١١٢ (م) في "النكاح" ١٤١٥ (د) "النكاح" ٢٠٧٤ (ت) "النكاح" ١١٢٤ (ق) "النكاح" ١٨٨٣ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٤٥١٢ و ٤٦٧٨ و ٤٨٩٩ و ٥٢٦٧ و ٥٦٢٢ (الموطأ) في "النكاح" ١١٣٤ (الدارمي) في "النكاح" ٢١٨٠. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: ظاهر الحديث أن تفسير الشغار من تَتِمّة المرفوع، وقد أخرجه الشيخان، وغيرهما من طريق عبيد اللَّه بن عمر، وفيه: "قلت لنافع: ما الشغار؟ قال: يَنكِح ابنة الرجل، ويُنكحه ابنته بغير صداق، وينكح أخت الرجل، ويُنكحه أخته بغير صداق".
فيكون مدرجًا في رواية مالك. وقال الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-: لا أدري تفسير الشغار في الحديث من النبيّ ﷺ ، أو من ابن عمر، أو من نافع، أو من مالك؟، حكاه عنه البيهقيّ في "المعرفة". وقال الرافعيّ: قال الأئمة: وهذا التفسير يجوز أن يكون مرفوعًا، ويجوز أن يكون من عند ابن عمر انتهى (١).
وقال في "الفتح": قال ابن عبد البرّ: ذكر تفسير الشغار جميع رواة مالك عنه انتهى.
قال الحافظ: ولا يَرِدُ على إطلاقه أن أبا داود، أخرجه عن القعنبيّ، فلم يذكر التفسير. وكذا أخرجه الترمذيّ من طريق معن بن عيسى؛ لأنهما اختصرا ذلك في تصنيفهما، وإلا فقد أخرجه النسائيّ من طريق معن بالتفسير. وكذا أخرجه الخطيب في "المدرج" من طريق القعنبيّ.
نعم اختَلَفَ الرواة عن مالك فيمن يُنسب إليه تفسير الشغار، فالأكثر لم ينسبوه لأحد، ولهذا قال الشافعيّ فيما حكاه في "المعرفة": لا أدري التفسير عن النبيّ ﷺ ، أو
стр. 14081
عن ابن عمر، أو عن نافع، أو عن مالك، ونسبه محرز بن عون، وغيره لمالك. قال الخطيب: تفسير الشغار ليس من كلام النبيّ ﷺ ، وإنما هو قول مالك وُصل بالمتن المرفوع، وقد بين ذلك ابن مهديّ، والقعنبيّ، ومحرز بن عون، ثم ساقه كذلك عنهم، ورواية محرز بن عون عند الإسماعيليّ، والدارقطنيّ في "الموطّآت"، وأخرجه الدارقطنيّ أيضًا من طريق خالد بن مخلد، عن مالك، قال: سمعت أن الشغار أن يتزوّج الرجل إلخ، وهذا دالّ على أن التفسير من منقوله لا من مقوله. ووقع عند البخاريّ في "ترك الحيل" من طريق عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع في هذا الحديث تفسير الشغار من قول نافع، ولفظه "قال عبيد اللَّه بن عمر: قلت لنافع: ما الشغار؟ فذكره"، فلعل مالكًا أيضًا نقله عن نافع.
وقال أبو الوليد الباجيّ: الظاهر أنه من جملة الحديث، وعليه يحمل حتى يتبيّن أنه من قول الراوي، وهو نافع.
قال الحافظ: قد تبيّن ذلك، ولكن لا يلزم من كونه لم يرفعه أن لا يكون في نفس الأمر مرفوعًا، فقد ثبت ذلك من غير روايته، فعند مسلم من رواية أبي أسامة، وابن نُمير عن عبيد اللَّه بن عمر أيضًا عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة مثله سواء، قال: وزاد ابن نُمير: "والشغار أن يقول الرجل للرجل: زوَّجني ابنتك، وأُزوّجك ابنتي، وزوّجني أختك، وأزوّجك أختي". وهذا يحتمل أن يكون من كلام عبيد اللَّه بن عمر، فيرجع إلى نافع. ويحتمل أن يكون تلقّاه عن أبي الزناد، ويؤيّد الاحتمال الثاني وروده في حديث أنس، وجابر، وغيرهما أيضًا، فأخرج عبد الرزاق، عن معمر، عن ثابت، وأبان، عن أنس مرفوعًا: "لا شغار في الإسلام، والشغار أن يزوّج الرجل الرجل أخته بأخته". وروى البيهقيّ من طريق نافع بن يزيد، عن ابن جُريج، عن أبي الزبير، عن جابر، مرفوعًا: "نُهى عن الشغار، والشغار أن يَنكح هذه بهذه بغير صداق، بُضْعُ هذه صداق هذه، وبُضع هذه صداقِ هذه". وأخرج أبو الشيخ في "كتاب النكاح" من حديث أبي ريحانة: "أن النبيّ ﷺ نَهَى عن المشاغرة، والمشاغرة أن يقول: زوّج هذا من هذه، وهذه من هذا بلا مهر".
قال القرطبيّ: تفسير الشغار صحيح موافق لما ذكره أهل اللغة، فإن كان هذا مرفوعًا فهو المقصود، وإن كان من قول الصحابيّ، فمقبولٌ أيضًا؛ لأنه أعلم بالمقال، وأقعد بالحال انتهى (١).
стр. 14082
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- حسنٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم، هل يُشترط في الشغار ما اقتضاه ظاهر الحديث من مراعاة الوصفين المذكورين، أم لا؟:
(اعلم): أنهم اختلفوا هل يُعتبر في الشغار الممنوع ظاهر الحديث في تفسيره، فإن فيه وصفين: أحدهما: تزويج كلّ من الوليين وليّته للآخر بشرط أن يُزوّجه وليّته.
والثاني: خلوّ بُضع كلّ منهما من الصداق، فمنهم من اعتبرهما معًا، حتى لا يمنع مثلًا إذا زوّج كلّ منهما الآخر بغير شرط، وإن لم يذكر الصداق، أو زوّج كلّ منهما الآخر بالشرط، وذكر الصداق.
وذهب أكثر الشافعيّة إلى أن علّة النهي الاشتراك في البضع؛ لأن بضع كلّ منهما يصير مورد العقد، وجعل البضع صداقًا مخالفٌ لإيراد عقد النكاح، وليس المقتضي للبطلان ترك ذكر الصداق؛ لأن النكاح يصحّ بدون تسمية الصداق. واختلفوا فيما إذا لم يصرّحا بذكر البضع، فالأصحّ عندهم الصحّة، ولكن وُجد نصّ الشافعيّ على خلافه، ولفظه: إذا زوّج الرجل ابنته، أو المرأة يلي أمرها، من كانت لآخر على أن صداق كلّ واحدة بضع الأخرى، أو على أن يُنكحه الأخرى، ولم يُسمّ أحدٌ منهما لواحدة منهما صداقًا، فهذا الشغار الذي نهى عنه رسول اللَّه ﷺ ، وهو منسوخٌ. هكذا ساقه البيهقيّ بإسناده الصحيح عن الشافعيّ. قال: وهو الموافق للتفسير المنقول في الحديث. واختَلَف نصّ الشافعيّ فيما إذا سمّى مع ذلك مهرًا، فنصّ في "الإملاء" على البطلان، وظاهر نصّه في "المختصر" الصّحّة، وعلى ذلك اقتصر في النقل عن الشافعيّ من ينقل الخلاف من أهل المذاهب.
وقال القفّال: العلّة في البطلان التعليق، والتوقيف، فكأنه يقول: لا ينعقد نكاح بنتي حتى ينعقد لي نكاح بنتك. وقال الخطّابيّ: كان ابن أبي هريرة يشبّهه برجل تزوّج امرأة، واستثنى عضوًا من أعضائها، وهو مما لا خلاف في فساده. وتقرير ذلك أنه يزوّج وليّته، ويستثني بُضعها حيث يجعله صداقًا للأخرى. وقال الغزاليّ في "الوسيط": صورته الكاملة أن يقول: زوّجتك ابنتي على أن تزوّجني ابنتك، على أن يكون بُضع كلّ واحدة منهما صداقًا للأخرى، ومهما انعقد نكاح ابنتي انعقد نكاح ابنتك. قال الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذيّ" ينبغي أن يُزاد: ولا يكون مع البضع شيء آخر، ليكون متّفقًا على تحريمه في المذهب.
ونقل الخِرَقيّ أن أحمد نصّ على أن علّة البطلان ترك ذكر المهر، ورجّح ابن تيميّة
стр. 14083
في "المحرّر" أن العلّة التشريك في البضع. وقال ابن دقيق العيد: ما نصّ عليه أحمد هو ظاهر التفسير المذكورة في الحديث لقوله فيه: ولا صداق بينهما، فإنه يشعر بأن جهة الفساد ذلك، وإن كان يحتمل أن يكون ذلك ذكر لملازمته لجهة الفساد، ثم قال: وعلى الجملة ففيه شعور بأن عدم الصداق له مدخل في النهي، ويؤيّده حديث أبي ريحانة الذي ذكره انتهى (١).
وقال العلامة ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-: قال الإمام أحمد: الشغار الباطل أن يزوّجه وليّته على أن يزوّجه الآخر وليّته، ولا مهر بينهما على حديث ابن عمر، فإن سمّوا مع ذلك مهرًا صحّ العقد بالمسمّى عنده. وقال الخرقيّ: لا يصحّ، ولو سمّوا مهرًا على حديث معاوية. وقال أبو البركات ابن تيميّة، وغيره من أصحاب أحمد: إن سمّوا مهرًا، وقالوا مع ذلك: بُضع كلّ واحدة مهر الأخرى لم يصحّ، وإن لم يقولوا ذلك صحّ. واختُلف في علّة النهي، فقيل: هي جعل كلّ واحد من العقدين شرطًا في الآخر. وقيل: العلّة التشريك في البضع، وجعلُ بُضع كلّ واحدة مهرًا للأخرى، وهي لا تنتفع به، فلم يرجع إليها المهر، بل عاد المهر إلى الوليّ، وهو ملكه لبضع زوجته بتمليكه لبضع موليّته، وهذا ظلم لكل واحدة من المرأتين، وإخلاء لنكاحهما عن مهر تنتفع به، وهذا هو الموافق للغة العرب، فإنهم يقولون: بلدٌ شاغر من أمير، ودارٌ شاغرةٌ من أهلها: إذا خلت، وشغَرَ الكلب: إذا رفع رجله، وأخلى مكانها، فإذا سمّوا مهرًا مع ذلك زال المحذور، ولم يبق إلا اشتراط كلّ واحد على الآخر شرطًا لا يؤثّر في فساد العقد، فهذا منصوص أحمد.
وأما من فرّق، فقال: إن قالوا مع التسمية: إن بُضع كلّ واحدة مهرٌ للأخرى فسد؛ لأنها لم يرجع إليها مهرها، وصار بضعها لغير المستحقّ، وإن لم يقولوا ذلك صحّ، والذي يجيء على أصله أنهم متى عقدوا على ذلك، وإن لم يقولوه بألسنتهم أنه لا يصحّ؛ لأن القصود في العقود معتبرةٌ، والمشروط عرفًا كالمشروط لفظًا، فيبطل العقد بشرط ذلك، والتواطىءِ عليه ونيّته، فإن سُمّي لكلّ واحدة مهر مثلها صحّ، وبهذا تظهر حكمة النهي، واتفاق الأحاديث في هذا الباب انتهى كلام ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى- (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى- أرجح؛ لأنه أقرب إلى ظاهر الحديث؛ لأن تفسير الشغار المذكور، إن كان مرفوعًا فواضحٌ، وإلا فتفسير الصحابيّ، أو الراوي أقرب؛ لأنه من أهل اللغة، وأفهم بمقاصد الشريعة.
стр. 14084
والحاصل أن الشغار لا يكون شغارًا محرّمًا إلا إذا خلا عن ذكر المهر، فإن ذُكر المهر، جاز، اللَّهمّ إلا أن يترتّب عليه محظورٌ، وذلك بأن يشترط على أنه إذا حصل شقاقُ إحدى المرأتين مع زوجها، ففارقها انتُزعت الأخرى قهرًا بسبب ذلك، كما يُفعل في بعض البلدان، فلا يجوز؛ لإلحاق الضرر بالثانية؛ وقد صحّ عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "لا ضرر، ولا ضرار". رواه أحمد (١).
[فإن قلت]: أخرج أبو داود في "سننه" بإسناد صحيح، من طريق ابن سحاق، حدّثني عبد الرحمن بن هُرْمُز الأعرج، أن العبّاس بن عبد اللَّه بن العباس أنكح عبد الرحمن بن الحكم ابنته، وأنكحه عبد الرحمن ابنته، وكانا جعلا صداقًا، فكتب معاوية إلى مروان يأمره بالتفريق بينهما، وقال في كتابه: هذا الشغار الذي نهى عنه رسول اللَّه ﷺ .
فقد أوضح معاوية ﵁ فيه أن الشغار يشمل أيضًا ما سُمّي فيه المهر، قال ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى-: فهذا معاوية بحضرة الصحابة، لا يُعرف له منهم مخالف، يَفسَخ هذا النكاح، وإن ذكرا فيه الصداق. انتهى. (٢).
[قلت]: هذا فهم معاوية ﵁ في حمل الشغار على ما يشمل الصورة المذكور في هذا الحديث، وقد تقدّم أن غيره خالفه في ذلك، ففسّروا الشغار بما اشتمل على وصفين: اشتراط كلّ منهما على الآخر أن يزوّجه موليّته، والخلوّ من ذكر الصداق، فهذا الحمل إن كان مرفوعًا، فواضح، وإن كان موقوفًا، فالقائلون به أكثر. وأما قول ابن حزم: فهذا معاوية بحضرة الصحابة، لا يعرف له منهم مخالف الخ، ففيه نظر لا يخفى، فمن أين له أنه قال ذلك بحضرة الصحابة؟، ومن أين عرف عدم مخالفتهم له؟، وقد تقدّم أن تفسير الشغار بما تقدّم وقع في حديث ابن عمر، وأبي هريرة، وأنس، وجابر، وأبي ريحانة - رضي اللَّه تعالى عنهم -. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم نكاح الشِّغَار:
أجمعوا على أن نكاح الشغار لا يجوز، ولكن اختلفوا في صحّته، فالجمهور على البطلان. وفي رواية عن مالك يفسخ قبل الدخول، لا بعده. وحكاه ابن المنذر عن الأوزاعيّ. وذهب الحنفيّة إلى صحّته، ووجوب مهرب المثل، وهو قول الزهريّ، ومكحول، والثوريّ، والليث، ورواية عن أحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وهو قول على
стр. 14085
مذهب الشافعيّ؛ لاختلاف الجهة.
لكن قال الشافعيّ: إن النساء محرّمات إلا ما أحلّ اللَّه، أو ملك يمين، فإذا ورد النهي عن نكاح تأكد التحريم. قاله في "الفتح" (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه الجمهور من بطلان نكاح الشغار هو الحقّ؛ لما ذكره الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى- آنفًا، من أن الأصل في النساء التحريم، فلا يحلّ منهن إلا ما أحلّه الشارع، فإذا ورد نهي في نوع من النكاح، كالشغار المذكور ازداد التحريم تأكُّدًا، فتبصّر، ولا تتحيّر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
٣٣٣٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلاَّمٍ, قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الأَزْرَقُ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ (٢) , عَنْ أَبِي الزِّنَادِ, عَنِ الأَعْرَجِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ , عَنِ الشِّغَارِ.
قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: وَالشِّغَارُ كَانَ الرَّجُلُ يُزَوِّجُ ابْنَتَهُ (٣) , عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ أُخْتَهُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن إسماعيل بن إبراهيم": هو الحافظ الثقة المعروف أبوه بـ"ابن عُليّة".
[تنبيه]: وقع في نسخ "المجتبى" محمد بن إبراهيم"، والظاهر أنه سقط منه لفظ "ابن إسماعيل"، ولا يقال: إنه نُسب إلى جدّه؛ لأنه لم يشتهر بذلك، بل يكون سقط من النسخ غلطًا، وقد ذكره الحافظ المزّيّ على الصواب في "تحفة الأشراف" ١٠/ ١٨٦. واللَّه تعالى أعلم.
و"عبد الرحمن بن محمد بن سلام" -بتشديد اللام-: هو أبو القاسم البغداديّ، ثم الطوسيّ، لا بأس به [١١] ١٧٢/ ١١٤١.
و"إسحاق الأزرق": هو ابن يوسف الواسطيّ، ثقة [٩] ٢٢/ ٤٨٩. و"عبيد اللَّه": هو ابن عمر العمريّ المتقدّم في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.
(المسأله الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
стр. 14086
أخرجه هنا-٦١/ ٣٣٣٩ - ولم يذكره في "الكبرى". وأخرجه (م) في "النكاح" ١٤١٦ (ق) في "النكاح" ١٨٨٤ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٧٧٨٤. واللَّه تعالى أعلم.
وتقدّم شرح الحديث، وذكر بقيّة المسائل في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٦٢ - (بَابُ التَّزْوِيجِ عَلَى سُوَرٍ مِنَ الْقُرْآنِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدَّالّ على مشروعيّة التزويج على تعليم القرآن، وأراد به ترجيح مذهب القائلين بجواز ذلك.
قال النوويّ في شرح مسلم: في هذا الحديث دليلٌ على جواز كون الصداق تعليم القرآن، وجواز الاستئجار لتعليم القرآن، وكلاهما جائزان عند الشافعيّ، وبه قال عطاء، والحسن بن صالح، ومالك، وإسحاق، وغيرهم.
ومنعه جماعة، منهم: الزهريّ، وأبو حنيفة، وهذا الحديث مع الحديث الصحيح: "إن أحقّ ما أخذتم عليه أجرًا كتاب اللَّه" يردّان قول من منع ذلك. ونقل القاضي عياض جواز الاستئجار لتعليم القرآن عن العلماء كافّةً، سوى أبي حنيفة انتهى كلام النوويّ (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحقّ هو ما ذهب إليه الأولون القائلون بجواز كون الصداق تعليم القرآن، عملًا بظاهر حديث الباب، وقد تقدّم المسألة مستوفاة في - ١/ ٣٢٠١ - فراجعها تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
٣٣٤٠ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ, عَنْ أَبِي حَازِمٍ, عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ, أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ , فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ, جِئْتُ لأَهَبَ نَفْسِي لَكَ, فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ , فَصَعَّدَ النَّظَرَ إِلَيْهَا, وَصَوَّبَهُ, ثُمَّ طَأْطَأَ رَأْسَهُ, فَلَمَّا رَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ, فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ, فَقَالَ: أَيْ رَسُولَ اللهِ, إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ
стр. 14087
بِهَا حَاجَةٌ, فَزَوِّجْنِيهَا, قَالَ: «هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ؟» , فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ, مَا وَجَدْتُ شَيْئًا, فَقَالَ: «انْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» , فَذَهَبَ, ثُمَّ رَجَعَ, فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللهِ, وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ, وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي, قَالَ سَهْلٌ: مَا لَهُ رِدَاءٌ, فَلَهَا نِصْفُهُ, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ, إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ, وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ» , فَجَلَسَ الرَّجُلُ, حَتَّى طَالَ مَجْلِسُهُ, ثُمَّ قَامَ, فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُوَلِّيًا, فَأَمَرَ بِهِ, فَدُعِيَ, فَلَمَّا جَاءَ, قَالَ: «مَاذَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ؟» , قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا, وَسُورَةُ كَذَا, عَدَّدَهَا (١) , فَقَالَ: «هَلْ تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ؟» (٢) , قَالَ: نَعَمْ, قَالَ: «مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
و"يعقوب": هو ابن عبد الرحمن القاريّ المدنيّ، نزيل الإسكندريّة [٨]. و"أبو حازم": هو سلمة بن دينار التمّار الأعرج المدنيّ [٥].
والسند من رباعيّات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٦٧) من رباعيات الكتاب، وهو أعلى الأسانيد له، كما تقدّم غير مرّة.
وقوله: "فصعّد" بتشديد العين المهملة: أي رفع. وقوله: "وصوّب" بتشديد الواو: أي خفض، يعني أنه بعد أن وهبت له نفسها نظر إلى أعلاها، وأسفلها، يتأمّها، هل تصلح له، أم لا؟.
وقوله: "لم يقض فيها شيئًا" من قبول، واختيار، أو ردّ صريح لترجع. وقوله: "إن لم تكن الخ" هذا من حسن أدب ذلك الصحابيّ، حيث يخاطبه ﷺ بمثل هذا الأسلوب. وقوله: "قال سهل: ما له رداء" هذه جملة معترضة في البين لبيان أنه ما كان عنده إلا إزار واحدٌ، وما كان عنده رداء، ولذلك ردّ عليه النبيّ ﷺ بما ردّ به. وقوله: "فلها نصفه" متعلّقٌ بقوله: "هذا إزاري". وقوله: "مولّيَا" من ولي ظهره بالتشديد: أي أدبر.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام شرحه مستوفًى، وكذا بيان مسائله في - ١/ ٣٢٠١ - فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 14088
قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير، محمد ابن الشيخ عليّ بن آدم بن موسى الإتْيُوبيّ الولّويّ، نزيل مكة المكرّمة، - عفا اللَّه تعالى عنه - وعن والديه ومشايخه آمين: قد انتهيت من كتابة الجزء السابع والعشرين من شرح سنن الإمام الحافظ الحجة أبي عبد الرحمن النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى-، المسمّى "ذخيرةَ العُقبَى في شرح المجتبى"، أو "غاية المنى في شرح المجتنى".
وذلك بحيّ الزهراء، مخطّط الأمير طلال، في مكة المكرمة زادها اللَّه تعالى تشريفًا وتعظيمًا، وجعلني من خيار أهلها حيًّا وميتًا، وأَعْظِمْ به تكريمَا.
وأخر دعوانا ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
"اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
"السلام عليك أيها النبيّ، ورحمة اللَّه، وبركاته".
ويليه -إن شاء اللَّه تعالى- الجزء الثامن والعشرون مفتتحًا بالباب ٦٣ "التزويج على الإسلام" الحديث رقم ٣٣٤١.
"سبحانك اللهمّ، وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك".
стр. 14089
شرح سنن النسائي
المسمَّى
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى
لجامعه الفقير إلى مولاه الغتي القدير
محمد ابن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى الأيتوبي الوَلَّوي
المدرس بدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة
عفا اللَّه عنه وعن والديه آمين
الجزء السابع والعشرون
دار آل بروم للنشر والتوزيع
стр. 14090
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٢٤هـ - ٢٠٠٣م
دار آل بروم للنشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية - مكة المكرمة - المكتب الرئيسي التنعيم
ص ب: ٤١٤٥ - (تلفاكس ٥٢١١٥٧٦ - جوّال ٠٥٥٥٤١٠٢٦)
стр. 14091
شرح سنن النسائي
стр. 14092
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 14093
٦٣ - (التَّزْوِيجِ عَلَى الإِسْلَامِ)
٣٣٤١ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ, عَنْ أَنَسٍ, قَالَ: تَزَوَّجَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ, فَكَانَ صَدَاقُ مَا بَيْنَهُمَا الإِسْلَامَ, أَسْلَمَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ, قَبْلَ أَبِي طَلْحَةَ, فَخَطَبَهَا, فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ, فَإِنْ أَسْلَمْتَ نَكَحْتُكَ, فَأَسْلَمَ, فَكَانَ صَدَاقَ مَا بَيْنَهُمَا).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (قتيبة) بن سعيد البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (محمد بن موسى) الْفِطْريّ المدنيّ، صدوقٌ رُمي بالتشيّع [٧] ١/ ١٦٠٠.
٣ - (عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبي طلحة) الأنصاريّ، أبو يحيى المدنيّ، أخو إسحاق، ثقة [٤].
قال إبراهيم بن الجنيد، عن ابن معين: إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة، وأخواه: إسماعيل، وعبد اللَّه ثقات. وقال أبو زرعة، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. ووثقه العجليّ. وذكره ابن حبّان في "الثقات". قال الواقديّ: مات سنة (١٣٤هـ) وكان أصغر من أخيه إسحاق. روى له مسلم، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديثان، هذا، وفي "كتاب الزينة" حديث رقم ١١٧/ ٥٣٧٢.
٤ - (أنس) بن مالك الأنصاريّ الخادم - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، كالإسناد الماضي في الباب الذي قبله، وهو (١٦٨) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، نسبة إلى بَغْلان، قرية من قُرى بَلْخ، وفيه أنس ﵁ من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسٍ) بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: تَزَوَّجَ أَبُو طَلْحَةَ) زيد بن سهل ابن الأسود بن حَرَام الأنصاريّ النّجّاريّ، مشهور بكنيته، من كبار الصحابة ﵃، شهد بدرًا، وما بعدها، ومات ﵁ سنة (٣٤) وقال أبو زرعة الدمشقيّ: عاش بعد النبيّ ﷺ -
стр. 14094
أربعين سنة، روى له الجماعة، تقدم ١٢٢/ ١٧٧ (أُمَّ سُلَيْمٍ) بضمّ السين المهملة، وفتح اللام مصغّرًا - بنت مِلْحان بن خالد الأنصارية، والدة أنس الراوي عنها، يقال: اسمها سَهْلة، أو رُميلة، أو رُميثة، أو مُليكة، أو أُنيثة، وهي الغُميصاء، أو الرُّمَيصاء، اشتهرت بكنيتها، وكانت من الصحابيات الفاضلات، ماتت - رضي اللَّه تعالى عنها - في خلافة عثمان ﵁. روى لها الجماعة، وتقدّمت ٤٣/ ٧٣٧ (فَكَانَ صِدَاقُ) قال الفيّوميّ: صداق المرأةِ فيه لغاتٌ، أكثرُها فتح الصّاد، والثانيةُ كسرها، والجمعُ صُدُقٌ- بضمّتين-، والثالثةُ لغةُ الحجاز: صَدُقةٌ -أي بفتح، فضم- وتُجمَعُ على لفظها صَدُقَات، وفي التنزيل: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾ الآية. والرابعةُ لغةُ تميم: صُدْقَةٌ -أي بضمّ، فسكون- والجمعُ صُدُقات، مثلُ غرفة وغُرُفَات في وجوهها، وصَدْقَةٌ -أي بفتح، فسكون- لغةٌ خامسةٌ، وجمعُها صُدَقٌ، مثلُ قَرْيَةٍ وقُرَى انتهى (١)
[تنبيه]: الصداق هو ما تستحقّه المرأة بدلًا في النكاح، قال ابن قدامة ﵀ تَعَالَي-: وله تسعة أسماء: الصّداقُ، والصّدُقَةُ، والمهر، والنِّحْلة، والفريضة، والأجر، والعَلائق، والعُقْرُ، والْحِبَاءُ. رُوي عن النبيّ ﷺ أنه قال: "أَدُّوا العلائق". قيل: يا رسول اللَّه، وما العلائق؟، قال: "ما تراضى به الأهلون" (٢). وقال عمر: لها عُقْرُ نسائها. يقال: أصدقت المرأة، ومَهَرتُها، ولا يقال: أمهرتها. انتهى (٣).
وقد نظمت الأسماء التسعة بقولي:
وَلِلصَّدَاقِ تِسْعَةٌ أَسْمَاءُ … الْمَهرُ وَالنِّحْلَةُ وَالْحِبَاءُ
وَالأَجْرُ وَالصَّدَاقُ وَالصَّدُقَةُ … والْعُقْرُ وَالعَلَاِئقُ الْفَرِيضَةُ
فقوله: "صداقُ" مبتدأ، وهو مضافٌ إلى قوله (مَا بَيْنَهُمَا) "ما" اسم موصول، بمعنى "الذي"، وقوله (الإِسْلَامَ) خبر المبتدإ، وهو صداق، أي مهر النكاح الذي جرى بينهما هو الإسلام، أي إسلام أبي طلحة (أَسْلَمَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ، قَبْلَ أَبِي طَلْحَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (فَخَطَبَهَا) أي خطب أبو طلحة أم سُليم ليتزوّها (فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ) أي دخلت في الإسلام (فَإِنْ أَسْلَمْتَ: نَكَحْتُكَ) أي تزوّجتك، يقال: نَكَح الرجل، والمرأة أيضًا يَنْكِحُ، من
стр. 14095
باب ضَرَبَ نِكَاحًا: إذا تزوّجا (فَأَسْلَمَ) أبو طلحة (فَكَانَ صِدَاقَ مَا بَيْنَهُمَا) اسم "كان" ضمير يعود إلى الإسلام، أي كان الإسلام صداقَ النكاح الذي جرى بينهما، ولم يذكرا مالًا. وهذا محلّ الترجمة، فإنه ظاهر في أن الإسلام يجوز أن يكون مهرًا للنكاح، وهذا هو المذهب الراجح. قال السنديّ: وتأويله عند من لا يقول بظاهره أن الإسلام صار سببًا لاستحقاقه لها كالمهر، لا أنه المهر حقيقةٌ، ومن جوّز أن المنفعة الدينية تكون مهرًا لا يحتاج إلى تأويل، ولا يخفى أن الرواية الآتية تردّ التأويل المذكور. وقد يؤوّل بأنها اكتفت عن المعجّل بالإسلام، وجعلت الكلّ مؤجّلًا بسببه، فليتأمّل انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تأويله الأخير بعيدٌ أيضًا، يبعده "فإن تُسلم، فذاك مهري، وما أسألك غيره"، فقد أكّدت نفي المهر الماليّ مطلقًا، معجلًا، أو مؤجّلًا، حيث قالت: "وما أسألك غيره"، فتبصّر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، أخرجه هنا-٦٣/ ٣٣٤١ و ٣٣٤٢ - وفي "الكبرى" ٦١/ ٥٥٠٣ و ٥٥٠٤. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان جواز النكاح على أن يكون المهر إسلام الزوج. (ومنها): أن فيه بيان فضيلة أم سليم - رضي اللَّه تعالى عنها -، حيث كانت سببًا لإِسلام زوجها. (ومنها): جواز إسلام الرجل ليتزوّج امرأة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): استُشكل هذا الحديث مع حديث الهجرة، حيث قال ﷺ : "ومن كانت هجرته إلى دنيا يُصيبها، أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هجر إليه".
[وأجيب] عنه بأجوبة، تقدّم بيانها في أوائل هذا الشرح، عند شرح حديث النيّة.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا استشكلوه، وعندي أنه لا إشكال في ذلك أصلًا، إذ دخول الشخص في الإسلام لأيّ سبب من الأسباب لا يضرّه، إذا حسن بعد ذلك إسلامه؛ إذ بعض المؤمنين الأولين هكذا كان دخولهم في الإسلام، ثم رزقهم اللَّه
стр. 14096
تعالى الثبات فيه، كما قال اللَّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا﴾، إلى أن قال: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ الآية [النساء: ٩٤]، ولذلك جعل اللَّه تعالى في الصدقات قسم المؤلّفة قلوبهم، فكثيرٌ من الناس يدخل في الإسلام، طمعًا في مال، أو جاه، ثم يدخل الإيمان في قلبه، فيكون من خيار المسلمين، فيكون أبو طلحة ﵁ من هذا القبيل، وإنما يضرّه أن يكون بعد دخوله في الإسلام لا حاجة له إلا غرضه ذلك، بحيث لو قُدّر أن فقده ما ثبت على الإسلام، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ الآية [الحجّ: ١١]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٣٤٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ بْنِ مُسَاوِرٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ, عَنْ ثَابِتٍ, عَنْ أَنَسٍ, قَالَ: خَطَبَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ, فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا مِثْلُكَ, يَا أَبَا طَلْحَةَ يُرَدُّ, وَلَكِنَّكَ رَجُلٌ كَافِرٌ, وَأَنَا امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ, وَلَا يَحِلُّ لِي أَنْ أَتَزَوَّجَكَ, فَإِنْ تُسْلِمْ فَذَاكَ مَهْرِي, وَمَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ, فَأَسْلَمَ, فَكَانَ ذَلِكَ مَهْرَهَا, قَالَ ثَابِتٌ: فَمَا سَمِعْتُ بِامْرَأَةٍ قَطُّ, كَانَتْ أَكْرَمَ مَهْرًا مِنْ أُمِّ سُلَيْمٍ, الإِسْلَامَ, فَدَخَلَ بِهَا, فَوَلَدَتْ لَهُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن النضر بن مساور": هو المروزيّ، صدوق [١٠] ٧٠/ ٢٣٧.
و" جعفر بن سُليمان": هو أبو سليمان الضُّبَعيّ البصريّ، صدوق زاهد، لكنه كان يتشيّع [٨] ١٤/ ١٤
و"ثابتٌ": هو البنانيّ. وهذا الإسناد أيضًا من رباعيّاته، كالماضي، وهو (١٦٩) من رباعيات الكتاب.
وقوله: "ولا يحلّ لي أن أتزوّجك" استُشكل هذا بأن أبا طلحة ممن أسلم في أوائل الهجرة، وتحريم المسلمات على الكفّار إنما جاء بين الحديبية، والفتح، فكيف تقول: ولا يحلّ لي أن أتزوّجك"؟.
قال الحافظ العراقيّ في "طرح التثريب": والحديث، وإن كان صحيح الإسناد، فإنه معلّل يكون المعروف أنه لم يكن حينئذ تحريم المسلمات على الكفّار إنما نزل بين الحديبية، وبين الفتح، حين نزل قوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ الآية [الممتحنة: ١٠]، كما ثبت في "صحيح البخاريّ"، فقول أم سُليم في الحديث: "ولا يحلّ لي أن أتزوّجك" شاذّ مخالفٌ للحديث الصحيح، وما اجتمع عليه أهل السنن انتهى (١).
стр. 14097
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: النكارة في هذا الحديث قولها: "ولا يحلّ لي أن أتزوّجك" فقط، وإلا فالحديث تقدّم بالإسناد الماضي، وليست فيه هذه الجملة، والظاهر أن هذه من منكرات جعفر بن سليمان، فإنه وإن كان ثقة، إلا أن له مناكير، فقد نقل في ترجمته في "تهذيب التهذيب" عن ابن المدينيّ، أنه قال: أكثرَ عن ثابت، وكتب مراسيل، وفيها أحاديث مناكير عن ثابت، عن النبيّ ﷺ . وقال أيضًا: أكثرَ عن ثابت، وبقية أحاديثه مناكير. وقال الأزديّ: وأما الحديث، فعامّة حديثه عن ثابت وغيره، فيها نظر ومنكر. انتهى (١).
والحاصل أن الحديث صحيح، غير "ولا يحلّ لي أن أتزوّجك"، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "مهرًا" منصوب على التمييز. وقوله: "الإسلام" يحتمل الرفع على أنه خبر لمحذوف، أي هو الإسلام. ويحتمل النصب، على أنه مفعول لفعل محذوف أيضًا، أي أعني الإسلامَ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٦٤ - (التَّزْوِيجُ عَلَى الْعِتْقِ)
٣٣٤٣ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ, عَنْ قَتَادَةَ, وَعَبْدَ الْعَزِيزِ -يَعْنِي ابْنَ صُهَيْبٍ- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ح وَأَنْبَأَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ ثَابِتٍ, وَشُعَيْبٍ, عَنْ أَنَسٍ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , أَعْتَقَ صَفِيَّةَ, وَجَعَلَهُ صَدَاقَهَا).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (قتيبة) بنَ سعيد المذكور في الباب الماضي.
٢ - (أبو عوانة) الوضاح بن عبد اللَّه اليشكري الواسطيّ، ثقة ثبت [٧] ٤١/ ٤٦.
٣ - (حماد) بن زيد بن درهمن أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت فقيه [٨] ٣/ ٣.
٤ - (قتادة) بن دعامة السدوسي، أبو الخطاب البصري، ثقة ثبت [٤] ٣٠/ ٣٤.
٥ - (عبد العزيز بن صُهيب) البناني البصري، ثقة [٤] ١٧/ ١٦٤٣.
стр. 14098
٦ - (شُعيب) بن الحبحاب البصريّ، ثقة [٤] ٧٨/ ١٩٩٢. والباقيان تقدما في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنّ للمصنف -رحمه اللَّه تعالى- فيه إسنادين، وكلاهما من رباعياته وهو (١٧٠) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه أنسًا - رضي اللَّه تعالى عنه - من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسٍ) بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، أَعْتَقَ صَفِيَّةَ) بنت حيي ابن أخطبَ بن سَعْنة بن ثعلبة بن عُبيد بن كعب الإسرائليّة، من أولاد هارن بن عمران ﵈، أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها -، سباها رسول اللَّه ﷺ عام خيبر، ثم أعتقها، ثم تزوّجها، وماتت سنة (٣٦) وقيل: في خلافة معاوية ﵁ سنة (٥٠) وهو الصحيح (وَجَعَلَهُ صَدَاقَهَا) هذا فيه أن من أعتق أمته على أن يجعل عتقها صداقها، صحّ العقد، والعتق، والمهر، وهذا هو ظاهر الحديث، وبه قال بعض أهل العلم، وهو الحقّ، وخالف في ذلك بعضهم، وسيأتي تفصيل ذلك في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى.
قال ابن الجوزيّ -رحمه اللَّه تعالى-: فإن قيل: ثواب العتق عظيم، فكيف فوّته، حيث جعله مهرًا، وكان يُمكن جعل المهر غيره؟.
فالجواب أن صفيّة بنتُ ملك، ومثلها لا يقنع إلا بالمهر الكثير، ولم يكن عنده ﷺ ما يُرضيها به، ولم يَرَ أن يقتصر، فجعل صداقها نفسها، وذلك عندها أشرف من المال الكثير انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٦٤/ ٣٣٤٣ و ٣٣٤٤ و ٧٩/ ٣٣٨١ و ٣٣٨٢ و ٣٣٨٣ و"والصيد والذبائح" ٣١/ ٤٣٤١ و"الطهارة" ٥٥/ ٦٩ و"المواقيت" ٢٦/ ٥٤٧. وأخرجه (خ)
стр. 14099
في "الجهاد" ٢٩٩١ و"المغازي" ٤١٩٨ و ٤١٩٩ و"الذبائح والصيد" ٥٥٢٨ (م) في "الصيد والذبائح" ١٩٤٠ (ق) "الذبائح" ٣١٩٦ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١١٦٧٦ و ١١٧٣٠ و ١١٨٠٧ و ١٢٢٦٠ (الدارمي) ١٩٩١.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان جواز جعل العتق صداقًا للنكاح، وفيه خلاف سيأتي تحقيقه في المسألة التالية إن شاء اللَّه تعالى، والصحيح جوازه. (ومنها): أنه يجوز للسيد تزويج أمته إذا أعتقها من نفسه، ولا يحتاج إلى وليّ، ولا حاكم، وقد اختَلَف السلف، هل يزوّج الوليّ موليّته من نفسه، أم يحتاج إلى وليّ آخر؟، فقال الأوزاعيّ، وربيعة، والثوريّ، ومالك، وأبو حنيفة، وأكثر أصحابه، والليث: يُزوّج الوليّ نفسه، ووافقهم أبو ثور. وعن مالك: لو قالت الثيّب لوليّها: زوَّجني بمن رأيتَ، فزوّجها من نفسه، أو ممن اختار لزمها ذلك، ولو لم تعلم عين الزوج. وقال الشافعيّ: يزوّجهما السلطان، أو وليّ آخر مثله، أو أقعد منه، ووافقه زفرُ، وداود. وحجّتهم أن الولاية شرطٌ في العقد، فلا يكون الناكح مُنكحًا، كما لا يبيع من نفسه (١). (ومنها): استحباب عتق الأمة، وتزوّجها، وقد عقد له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- الباب التالي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في جعل عتق الأمة صداقها:
ذهبت طائفة إلى أن الرجل إذا أعتق أمته على أن يجعل عتقها صداقها، صحّ العقد، والعتق، والمهر على ظاهر الحديث، وبه أخذ من المتقدمين عليّ، وأنسٌ، وابن مسعود، وسعيد بن المسيّب، وإبراهيم النخعيّ، ومن لقيه إبراهيم، من شيوخه، والشعبيّ، وعطاء بن أبي رباح، وطاوس، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وقتادة، والزهريّ، وغيرهم"، ومن فقهاء الأمصارسفيان الثوريّ، والأوزاعيّ، والحسن بن حيّ، وأبو يوسف القاضي، قال ابن حزم: خالف في ذلك أصحابه، وَوُفِّقَ، والشافعيّ (٢) وأحمد، وإسحاق (٣).
وقال ابن حزم في "المحلّى": ومن أعتق أمته على أن يتزوّجها، وجعل عتقها صداقها، لا صداق لها غيره، فهو صداق صحيح، ونكاحٌ صحيح، وسنّةٌ فاضلة، فإن طلّقها قبل الدخول، فهي حرّةٌ، ولا يرجع عليها بشيء، فلو أبت أن تتزوّجه بطل
стр. 14100
عتقها، وهي مملوكة كما كانت.
قال: وفي ذلك خلاف متأخّر، قال أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، وزفر بن الهذيل، ومالك، وابن شبرمة، والليث: لا يجوز أن يكون عتق الأمة صداقها، قال أبو حنيفة، وزفر، ومحمد، ومالك: إن فعل فلها عليه مهر مثلها، وهي حرّة، ثم اختلفوا إن أبت أن تتزوّجه، فقال أبو حنيفة، ومحمد: تسعى له في قيمتها، وقال مالك، وزفر: لا شيء عليها. ثم ذكر ابن حزم أدلّة الفريقين، وأطال في ذلك، فأجاد، وأفاد (١).
قال في "الفتح" بعد أذكر ما تمسّك به الأولون: ما حاصله: وأجاب الباقون عن ظاهر الحديث بأجوبة:
أقربها إلى لفظ الحديث أنه أعتقها بشرط أن يتزوّجها، فوجبت له عليها قيمتها، وكانت معلومة، فتزوّجها بها.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قال الحافظ: إنه أقرب إلى لفظ الحديث، فيه نظر، بل هو بعيد، ولا يخفى بعده على من تأمله.
قال: ويؤيّده قوله في رواية عبد العزيز بن صُهيب:، "سمعت أنسًا قال: سبى النبيّ ﷺ صفيّةَ، فأعتقها، وتزوّجها، فقال ثابت لأنس: ما أصدقها؟ قال: نفسها، فأعتقها". هكذا أخرجه البخاريّ في "المغازي". وفي رواية حمّاد، عن ثابت، وعبد العزيز، عن أنس في حديث: "قال: وصارت صفيّة لرسول اللَّه ﷺ ، ثم تزوّجها، وجعل عتقها صداقها، فقال عبد العزيز لثابت: يا أبا محمد، أنت سألت أنسًا ما أمهرها؟ قال: أمهرها نفسها، فتبسّم"، فهو ظاهر جدًّا في أن المجعول مهرًا هو نفس العتق، فالتأويل الأول لا بأس به، فإنه لا منافاة بينه وبين القواعد حتى لو كانت القيمة مجهولة، فإن في صحّة العقد بالشرط المذكور وجهًا عند الشافعيّة.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا ظاهر في تأييد ما قاله المجيزون، لا ما قاله المانعون، فتأمّل.
قال: وقال آخرون: قوله: "أعتقها، وتزوّجها" معناه أعتقها، ثم تزوّجها، فلما لم يعلم أنه ساق لها صداقًا، قال: أصدقها نفسها، أي لم يُصدقها شيئًا فيما أَعلَمُ، ولم يَنف أصل الصداق، ومن ثمّ قال أبو الطيّب الطبريّ من الشافعيّة، وابن المرابط من المالكيّة، ومن تبعهما: إنه قول أنس، قاله ظنًّا من قبل نفسه، ولم يرفعه.
وربّما تأيّد ذلك عندهم بما أخرجه البيهقيّ من حديث أُميمة -ويقال: أمة اللَّه- بنت
стр. 14101
رزينة، عن أمها: "أن النبيّ ﷺ أعتق صفيّة، وخطبها، وتزوّجها، وأمهرها رزينة، وكان أُتي بها مَسبيّة من قريظة، والنضير".
وهذا لا يقوم به حجةٌ؛ لضعف إسناده، ويعارضه ما أخرجه الطبرانيّ، وأبو الشيخ من حديث صفيّة نفسها، قالت: "أعتقني النبيّ ﷺ ، وجعل عتقي صداقي"، وهذا موافق لحديث أنس. ويعارضه. وفيه ردٌّ على من قال: إن أنسًا قال ذلك بناءً على ما ظنه. وقد خالف هذا الحديث أيضًا ما عليه كافّة أهل السير أن صفيّة من سبي خيبر. ويحتمل أن يكون أعتقها بشرط أن ينكحها بغير مهر، فلزمها الوفاء بذلك، وهذا خاصّ بالنبيّ ﷺ ، دون غيره.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: فيه أن هذا التأويل يردّه قولها: "وجعل عتقي صداقي"، فإنه صريحٌ في تسمية المهر لها، وهو عتقها، فكيف يقال: نكحها بغير مهر؟.
وقيل: يحتمل أنه أعتقها بغير عوض، وتزوّجها بغير مهر في الحال، ولا في المآل.
قال ابن الصلاح: معناه أن العتق يحِلّ محلّ الصداق، وإن لم يكن صداقًا، قال: وهذا كقولهم: الجوع زاد من لا زاد له، قال: وهذا الوجه أصحّ الأوجه، وأقربها إلى لفظ الحديث، وتبعه النوويّ في "الروضة".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وبُعد هذا التأويل عن لفظ الحديث أظهر من أن يُظهَر، فتبصّر، ولا تتحيّر.
وقال في "الفتح" أيضًا: ومن المستغربات قول الترمذيّ بعد أن أخرج الحديث: وهو قول الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق. قال: وكرِهَ بعض أهل العلم أن يجعل صداقها حتى يجعل لها مهرًا، سوى العتق، والقول الأول أصحّ. وكذا نقل ابن حزم عن الشافعيّ. والمعروف عند الشافعيّة أن ذلك لا يصحّ.
قال: وممن قال بقول أحمد ابن حبّان صرّح بذلك في "صحيحه" -٩/ ٤٠١ رقم ٤٠٩١ - .
قال ابن دقيق العيد: الظاهر مع أحمد، ومن وافقه، والقياس مع الآخرين.
فيتردد الحال بين ظن نشأ عن قياس، وبين ظنّ نشأ عن ظاهر الخبر، مع ما تحتمله الواقعة من الخصوصية، وهي وإن كانت على خلاف الأصل، لكن يتقوّى ذلك بكثرة خصائص النبيّ ﷺ في النكاح انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القياس في مقابلة ظاهر النصّ، مما لا يُلتفت إليه، وما أحسن ما قال بعضهم:
إِذًا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْمًا … تُجَارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ
стр. 14102
غَدَتْ شُبَهُ القِيَاسِيِّينَ صَرْعَى … تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ
ودعوى الخصوصية لا تصحّ إلا بدّليل صحيح صريح.
والحاصل أن مذهب القائلين بجواز كون العتق صداقًا هو الأرجح؛ لقوّة دليله، وإن أردت التحقيق في ذلك، فارجع إلى ما كتبه أبو محمد ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى- في كتابه "المحلّى" (١)، فقد أجاد هناك، وأفاد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
٣٣٤٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ح وَأَنْبَأَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ يُونُسَ, عَنِ ابْنِ الْحَبْحَابِ, عَنْ أَنَسٍ, أَعْتَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ صَفِيَّةَ, وَجَعَلَ عِتْقَهَا مَهْرَهَا. وَاللَّفْظُ لِمُحَمَّدٍ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح. غير شيخه عمرو ابن منصور النسائيّ، فإنه من أفراده، وهو ثقة ثبت. و"سفيان": هو الثوريّ. و"أبو نعيم": هو الفضل بن دُكين. و"يونس": هو ابن عُبيد العبدي البصريّ الثقة الثبت الفاضل. و"ابن الْحَبْحَاب": هو شعيب المذكور في السند الماضي.
وقوله: "واللفظ لمحمد" يعني أن لفظ الحديث المذكور لشيخه محمد بن رافع، وأما عمرو بن منصور، فرواه بالمعنى.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٦٥ - (عِتْقُ الرَّجُلِ جَارِيَتَهُ، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا)
٣٣٤٥ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ, قَالَ: حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ صَالِحٍ, عَنْ عَامِرٍ, عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى, عَنْ أَبِي مُوسَى, قَالَ: قَالَ:
стр. 14103
رَسُولُ اللهِ ﷺ : «ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ: رَجُلٌ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ, فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ أَدَبَهَا, وَعَلَّمَهَا, فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا, ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا, وَعَبْدٌ يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ, وَحَقَّ مَوَالِيهِ, وَمُؤْمِنُ أَهْلِ الْكِتَابِ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يعقوب بن إبراهيم) الدورقي، أبو يوسف البغداديّ، ثقة حافظ [١٠] ٢١/ ٢٢.
٢ - (ابن أبي زائدة) هو: يحيى بن زكريّا بن أبي زائدة الهمدني، أبو سعيد الكوفيّ، ثقة مُتْقِنٌ، من كبار [٩] ٩٣/ ١١٥.
٣ - (صالح بن صالح) بن حيّ، ويقال: صالح بن صالح بن مسلم بن حيّ، ويقال: حيان، وحيّ لقب حيّان، وقد يُنسب إلى جدّ أبيه، فيقال: صالح ابن حيّ، وصالح ابن حيان، الثوريّ الْهَمْدَانيّ الكوفيّ، ثقة [٦].
قال ابن عُيينة: كان خيرًا من ابنيه. وقال حرب، عن أحمد: ثقة ثقة. وقال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال العجليّ: كان ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". مات سنة (١٥٣). روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث، هذا -٦٥/ ٣٣٤٥ و ٣٤٨٩ و ٣٥٦١.
٤ - (عامر) بن شَرَاحيل الشعبيّ الهمداني، أبو عمرو الكوفي، ثقة فقيه فاضل [٣] ٦٦/ ٨٢.
٥ - (أبو بردة بن أبي موسى) الأشعريّ، اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقة [٣] ٣/ ٣.
٦ - (أبو موسى) عبد اللَّه بن قيس الأشعريّ الصحابي ﵁ ٣/ ٣. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فبغداديّ. (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ثَلَاثَةٌ) مبتدأٌ، أي ثلاثة رجال، أو رجالٌ ثلاثة، وخبر المبتدإ قوله (يُؤْتَوْنَ) بالبناء للمفعول (أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ) أي في كلّ عمل، أو في الأعمال التي عملوا في هذه الأحوال، قاله السنديّ (رَجُلٌ) بدل تفصيل، أو بدل كلّ بالنظر إلى المجموع (كانَتْ لَهُ أَمَةٌ، فَأَدَّبَهَا) من التأديب، والأدبُ حسنُ الأحوال، والأخلاق، وقيل: التخلّق بالأخلاق الحميدة (فَأَحْسَنَ أَدَبَهَا) أي أدّبها
стр. 14104
من غير عنف، ولا ضرب، بل بالرفق واللطف (وَعَلَّمَهَا، فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا) قال العينيّ: فإن قلت: أليس التأديب داخلًا تحت التعليم؟ قلت: لا، إذ التأديب يتعلّق بالمروآت، والتعليم بالشرعيّات، أعني أن الأول عرفيّ، والثاني شرعيّ، أو الأول دنيويّ، والثاني دينيّ انتهى (١) (ثُمَّ أَعْتَقَها وَتَزَوَّجَهَا) أي فتزوّجه زيادة في "الإحسان إليها، فيستحقّ به مضاعفة الأجر، وليس هو من باب العود إلى صدقته حتى ينتقص به الأجر (وَعَبْدٌ يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ، وَحَقَّ مَوَالِيهِ) قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-:
[إن قلت]: يُفهم من هذا أنه يؤجر على العمل الواحد مرّتين، مع أنه لا يؤجر على كلّ عمل إلا مرّة واحدة؛ لأنه يأتي بعملين مختلفين: عبادة اللَّه، والنصح لسيّده، فيؤجر على كلّ من العملين مرّةً، وكذا كلّ آتٍ بطاعتين يؤجر على كلّ واحدة أجرها، ولا خصوصيّة للعبد بذلك.
[قلت]: يحتمل وجهين: أحدهما: أنه لما كان جنس العمل مختلفًا؛ لأن أحدهما طاعة اللَّه، والآخر طاعة مخلوق، خصّه بحصول أجره مرّتين؛ لأنه يحصل له الثواب على عمل لا يأتي في حقّ غيره، بخلاف من لا يأتي في حقّه إلا طاعةٌ خاصّة، فإنه يحصل أجره مرّةً واحدةً، أي على كلّ عمل أجر، وأعماله من جنس واحد، لكن تظهر مشاركة المطيع لأميره، والمرأة لزوجها، والولد لوالده له في ذلك.
ثانيهما: يمكن أن يكون في العمل الواحد طاعة اللَّه، وطاعة سيّده، فيحصل له على العمل الواحد الأجر مرَّتين؛ لامتثاله بذلك أمر اللَّه، وأمر سيّده المأمور بطاعته. واللَّه أعلم انتهى (٢).
وقال الحافظ ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى-: معنى هذا الحديث عندي أن العبد لما اجتمع عليه أمران واجبان: طاعة ربه في العبادات، وطاعة سيّده في المعروف، فقام بهما جميعًا كان له ضعف أجر الحرّ المطيع لربّه مثل طاعته؛ لأنه قد ساواه في طاعة اللَّه، وفضل عليه بطاعة من أمره اللَّه بطاعته. قال: ومن هنا أقول: إن من اجتمع عليه فرضان، فأدّاهما أفضل ممن ليس عليه إلا فرض واحد، فأدّاه، كمن وجب عليه صلاةٌ، وزكاةٌ، فقام بهما، فهو أفضل ممن وجبت عليه صلاةٌ فقط. ومقتضاه أن من اجتمعت عليه فروضٌ، فلم يؤدّ منها شيئًا، كان عصيانه أكثر من عصيان من لم يجب عليه إلا بعضها انتهى ملخّصًا.
قال الحافظ: والذي يظهر أن مزيد الفضل للعبد الموصوف بالصفة لما يدخل عليه من مشقّة الرقّ، وإلا فلو كان التضعيف بسبب اختلاف جهة العمل، لم يختصّ العبد بذلك. وقال ابن التين: المراد أن كلّ عمل يعمله يُضاعف له. قال: وقيل: سبب التضعيف
стр. 14105
أنه زاد لسيّده نُصحًا، وفي عبادة ربه إحسانًا، فكان له أجر الواجبين، وأجر الزيادة عليهما. قال: والظاهر خلاف هذا، وأنه بَيَّنَ ذلك لئلا يُظن أنه غير مأجور على العبادة انتهى.
قال الحافظ: وما ادّعى أنه الظاهر لا ينافي ما نقله قبل ذلك.
[فإن قيل]: يلزم أن يكون أجر المماليك ضعف أجر السادات.
[أجاب الكرمانيّ]: بأن لا محذور في ذلك، أو يكون أجره مضاعفًا من هذه الجهة، وقد يكون للسيّد جهات أخرى يستحقّ بها أضعاف أجر العبد، أو المراد ترجيح العبد المؤدّي للحقّين على العبد المؤدّي لأحدهما انتهى.
ويحتمل أن يكون تضعيف الأجر مختصًا بالعمل الذي يتّحد فيه طاعة اللَّه، وطاعة السيّد، فيعمل عملًا واحدًا، ويؤجر عليه أجرين بالاعتبارين، وأما العمل المختلف الجهة، فلا اختصاص له بتضعيف الأجر فيه على غيره من الأحرار. قاله في "الفتح" (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أنما سبق في كلام ابن عبد البرّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- هو المعنى الأشبه بظاهر النصّ، وحاصله أن العبد لما توجه إليه واجبان: طاعة ربه، وطاعة سيده، فقام بهما جميعًا كان له أجره بهما، وهذا لا يوجد في الحرّ، ولا في العبد الذي يخلّ بأحد الواجبين. اللَّه تعالى أعلم.
(وَمُؤْمِنُ أَهْلِ الْكِتَابِ) لفظ الكتاب عامّ، ومعناه خاصّ، أي المنزل من عند اللَّه، والمراد به التوراة والإنجيل، كما تظاهرت به نصوص الكتاب والسنّة، حيث يطلق أهل الكتاب. وقيل: المراد به هنا الإنجيل خاصّةً، إن قلنا: إنّ النصرانيّة ناسخة لليهوديّة. كذا قرّره جماعة، ولا يحتاج إلى اشتراط النسخ؛ لأن عيسى ﵊ كان قد أرسل إلى بني إسرائيل بلا خلاف، فمن أجابه منهم نُسب إليه، ومن كذّبه منهم، واستمرّ على يهوديّته لم يكن مؤمنًا، فلا يتناوله الخبر؛ لأن شرطه أن يكون مؤمنًا بنبيّه. نعم من دخل في اليهوديّة من غير بني إسرائيل، أو لم يكن بحضرة عيسى ﵇، فلم تبلغه دعوته يصدق عليه أنه يهوديّ مؤمنٌ، إذ هو مؤمنٌ بنبيّه موسى ﵇، ولم يكذب نبيًّا آخر، فمن أدرك بعثة محمد ﷺ ممن كان بهذه المثابة، وآمن به لا يُشكل أنه يدخل في الخبر المذكور، ومن هذا القبيل العرب الذين كانوا باليمن وغيرها، ممن دخل منهم في اليهوديّة، ولم تبلغهم دعوة عيسى ﵇؛ لكونه أُرسل إلى بني إسرائيل خاصّةً.
стр. 14106
نعم الإشكال في اليهود الذين كانوا بحضرة النبيّ ﷺ ، وقد ثبت أن الآية الموافقة لهذا الحديث، وهي قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ الآية، نزلت في طائفة آمنوا منهم، كعبد اللَّه بن سلام وغيره، ففي الطبرانيّ من حديث رفاعة الْقُرَظيّ، قال: نزلت هذه الآيات فيّ، وفيمن آمن معي. وروى الطبرانيّ بإسناد صحيح عن عليّ بن رفاعة القرظى، قال: خرج عشرةٌ من أهل الكتاب، منهم: أبي رفاعةُ إلى النبيّ ﷺ ، فآمنوا به، فأذوا، فنزلت: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ الآيات، فهؤلاء من بني إسرائيل، ولم يؤمنوا بعيسى، بل استمرّوا على اليهوديّة إلى أن آمنوا بمحمد ﷺ ، وقد ثبت أنهم يؤتون أجرهم مرَّتين، قال الطيبيّ: فيحتمل إجراء الحديث على عمومه، إذ يبعُدُ أن يكون طريان الإيمان بمحمّد ﷺ سببًا لقبول تلك الأديان، وإن كانت منسوخة انتهى. وسيأتي ما يؤيّده بعدُ.
ويمكن أن يقال في حقّ هؤلاء الذين كانوا بالمدينة: إنه لم تبلغهم دعوة عيسى-﵇ إلى أن جاء الإسلام، فآمنوا بمحمد ﷺ ، فبهذا يرتفع الإشكال، إن شاء اللَّه تعالى. قاله في "الفتح" (١).
[تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ في آخر هذا الحديث: ما نصّه: "ثم قال عامر: أعطيناكها بغير شيء، قد كان يُركب فيما دونها إلى المدينة". وفي لفظ: "قال الشعبيّ: خذها بغير شيء، قد كان الرجل يرحل فيما دونها إلى المدينة".
و"عامر" هو الشعبيّ، وإنما قال ذلك تحريضًا للسامع ليكون ذلك أدعى لحفظه، وأجلب لحرصه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث؛:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي موسى الأشعريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٦٥/ ٣٣٤٥ و ٣٣٤٦ - وفي "الكبرى" ٦٠/ ٥٥٠١ و ٥٥٠٢. وأخرجه (خ) في "العلم " ٩٧ "العتق" ٢٥٤٤ و ٢٥٤٧ و"الجهاد والسير" ٣٠١١ و"أحاديث الأنبياء" ٣٤٤٦ و"النكاح" ٥٠٨٣ (م) في "الإيمان" ١٥٤ (ت) في "النكاح" ١١١٦ (ق) في "النكاح" ١٩٥٦ (أحمد) في "مسند الكوفيين" ١٩٠٣٨ و ١٩٩١٠ و ١٩٣٧ و ١٩٢١٣
стр. 14107
(الدارمي) في "النكاح" ٢٢٤٤. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان جواز عتق الرجل جاريته، ثم نكاحها، وفيه ردّ على من كره ذلك، فمن ذلك ما وقع في رواية هشيم، عن صالح ابن صالح الراوي المذكور، وفيه قال: رأيت رجلًا من أهل خراسان، سأل الشعبيّ، فقال: إن مَن قِبَلَنا من أهل خراسان يقولون في الرجل إذا أعتق أمته، ثم تزوّجها: فهو كالراكب بدنته، فقال الشعبيّ … فذكر الحديث. وأخرج الطبرانيّ بإسناد رجاله ثقات عن ابن مسعود ﵁، أنه كان يقول ذلك. وأخرج سعيد بن منصور، عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - مثله. وعند ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن أنس ﵁ أنه سئل عنه؟، فقال: "إذا أعتق أمته للَّه، فلا يعود فيها". ومن طريق سعيد بن المسيّب، وإبراهيم النخعيّ أنهما كرها ذلك. وأخرج أيضًا من طريق عطاء والحسن أنهما كانا لا يريان بذلك بأسًا. ذكره في "الفتح" (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الصواب أنه لا كراهة في ذلك، وُيعتذر عن هؤلاء الذين كرهوا ذلك بأنهم لم يبلغهم الخبر. واللَّه تعالى أعلم.
(ومنها): أنه يدلّ على مزيد فضل من أعتق أمته، ثم تزوّجها، سواءٌ أعتقها ابتداءً للَّه، أو لسبب. (ومنها): فضل تأديب الأمة، وتعليمها، والإحسان في ذلك. (ومنها): فضل العبد الصالح الناصح لربّه، وسيّده. (ومنها): فضل مؤمن أهل الكتاب الذين آمنوا بالنبيّ ﷺ . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قال القرطبيّ: الكتابيّ الذي يضاعف أجره مرّتين، هو الذي كان على الحقّ في شرعه عقدًا وفعلًا إلى أن آمن بنبيّنا ﷺ ، فيؤجر على اتباع الحقّ الأول والثاني انتهى.
وتعقّبه الحافظ بأنه يُشكل عليه أن النبيّ ﷺ كتب إلى هرقل: "أسلم تَسْلَمْ، يُؤْتِكَ اللَّه أجرك مرّتين"، وهرقل كان ممن دخل في النصرانيّة بعد التبديل انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن المراد عموم أهل الكتاب، كما يدلّ عليه قصّة هرقل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): أنه لا مفهوم للعدد في قوله: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرّتين"، فقد ثبت في النصوص الأخرى زيادة على ذلك، فقد أخرج الطبرانيّ من حديث أبي أمامة
стр. 14108
- ﵁، رفعه: "أربعة يؤتون أجرهم مرّتين"، فذكر الثلاثة المذكورين هنا، وزاد أزواج النبيّ ﷺ . وصحّ أيضًا حديث: "والذي يقرأ القرآن، ويتتعتع فيه، وهو شاقّ عليه، فله أجران". وحديث زينب امرأة ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنهما - في التي تتصدّق على قريبها: "لها أجران، أجر الصدقة، وأجر الصلة". وحديث عمرو بن العاص ﵁ في الحاكم إذا أصاب، له أجران. وحديث جرير: "من سنّ سنّة حسنةً". وحديث أبي هريرة ﵁: "من دعا إلى هدى". وحديث أبي مسعود: "من دلّ على خير"، والثلاثة بمعنى، وهنّ في "الصحيحين". وحديث أبي سعيد في الذي تيمّم، ثم وجد الماء، فأعاد الصلاة، فقال له النبيّ ﷺ : "لك الأجر مرّتين". أخرجه أبو داود. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وقد يحصل بمزيد التتبّع أكثر من ذلك، وكلّ هذا دالّ على أن لا مفهوم للعدد المذكور في حديث أبي موسى ﵁ انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): قال في "الفتح": قال أبو عبد الملك البونيّ وغيره: إن الحديث لا يتناول اليهوديّة البتّة، وليس بمستقيم كما قرّرناه. وقال الداوديّ، ومن تبعه: إنه يحتمل أن يتناول جميع الأمم فيما فعلوه من خير، كما في حديث حكيم بن حزام: "أسلمتَ على ما أسلفتَ من خير".
وهو متعقّبٌ؛ لأن الحديث مقيّدٌ بأهل الكتاب، فلا يتناول غيرهم، إلا بقياس الخير على الإيمان، وأيضًا فالنكتة في قوله: "آمن بنبيّه" الإشعار بعليّة الأجر، أي أن سبب الأجرين الإيمان بالنبيَّينِ، والكفّار ليسوا كذلك.
ويمكن أن يقال: الفرق بين أهل الكتاب وغيرهم من الكفار أن أهل الكتاب يعرفون محمدًا ﷺ ، كما قال اللَّه تعالى: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ الآية [الأعراب: ١٥٧]. فمن آمن به، واتّبعه منهم كان له فضلٌ على غيره، وكذا من كذّبه منهم كان وزره أشدّ من وزر غيره.
وقد ورد مثلُ ذلك في حقّ نساء النبيّ ﷺ لكون الوحي كان ينزل في بيوتهنّ. فإن قيل: فلِمَ لم يُذْكَرُوا في هذا الحديث، فيكون العدد أربعةً؟.
قال الحافظ: أجاب شيخنا شيخ الإسلام -يعني البلقينيّ- عن ذلك بأن قضيّتهنّ خاصة بهنّ مقصورةٌ عليهنّ، والثلاثة المذكورة في الحديث مستمرّة إلى يوم القيامة.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا ذكر الحافظ، لكن تقدّم قريبًا أن في رواية
стр. 14109
الطبرانيّ ذكر الأربعة، فلعلّ الحافظ لم يستحضر ذلك حينما كتب هذا الموضع، أو لعله لم يصحّح الحديث. واللَّه تعالى أعلم.
قال: وهذا مصيرٌ من شيخنا إلى أن قضيّة مؤمن أهل الكتاب مستمرّة. وقد ادعى الكرمانيّ اختصاص ذلك بمن آمن في عهد البعثة، وعلّل ذلك بأن نبيّهم بعد البعثة إنما هو محمد ﷺ باعتبار عموم بعثته انتهى.
وقضيّته أن ذلك أيضًا لا يتمّ لمن كان في عهد النبيّ ﷺ ، فإن خصّه بمن لم تبلغه الدعوة، فلا فرق في ذلك بين عهده وبعده، فما قاله شيخنا أظهر. والمراد بنسبتهم إلى غير نبيّنا ﷺ إنما هو باعتبار ما كانوا عليه قبل ذلك.
وأما ما قوّى به الكرمانيّ دعواه يكون السياق مختلفا، حيث قيل في مؤمن أهل الكتاب: "رجلٌ" بالتنكير، وفي "العبد" بالتعريف، وحيث زيدت فيه "إذا" الدّالّة على معنى الاستقبال، فأشعر ذلك بأن الأجرين لمؤمن أهل الكتاب، لا يقع في الاستقبال بخلاف العبد انتهى. فهو غير مستقيم؛ لأنه مشى فيه مع ظاهر اللفظ، وليس متّفقًا عليه بين الرواة، بل هو عند البخاريّ وغيره متخلف، فقد عبّر في ترجمة عيسى بـ"إذا" في الثلاثة، وعبّر في "النكاح" بقوله: "أيّما رجل" في المواضع الثلاثة، وهي صريحة في التعميم، وأما الاختلاف بالتعريف والتنكير، فلا أثر له هنا؛ لأن المعرّف بلام الجنس مؤدّاه مؤدّى النكرة. واللَّه تعالى أعلم (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٣٤٦ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ, عَنْ أَبِي زُبَيْدٍ, عَبْثَرِ بْنِ الْقَاسِمِ, عَنْ مُطَرِّفٍ, عَنْ عَامِرٍ, عَنْ أَبِي بُرْدَةَ, عَنْ أَبِي مُوسَى, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أَعْتَقَ جَارِيَتَهُ, ثُمَّ تَزَوَّجَهَا, فَلَهُ أَجْرَانِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"عبثر بن القاسم أبو زبيد" هو: الكوفي [٨] ١٩/ ١١٦٤.
و"مطرّف": هو ابن طريف، أبو عبد الرحمن الكوفيّ الثقة الفاضل [٦]. والباقون هم المذكورون في السند الماضي.
والحديث متّفق عليه، وقد سبق البحث عنه مستوفًى في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 14110
٦٦ - (الْقِسْطُ فِي الأَصْدِقَةِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "القسط" -بكسر، فسكون-: المراد به هنا العدل، قال الفيّوميّ.: قَسَطَ قَسْطًا، من باب ضرب، وقُسُوطًا: جار، وعَدَلَ أيضًا، فهو من الأضداد. قاله ابن القطّاع، وأقسط بالألف: عَدَلَ، والاسم القِسْطُ بالكسر.
و"الأصدقة": جمع قلّة للصداق بالفتح، والكسر، كقَذَال وأقذِلَة، وبِنَاء، وأَبْنِيَةٍ، وهو مهر المرأة. قال في "اللسان": الصّدَقَةُ -أي بفتحتين- والصَّدُقة -بفتح، فضمّ- والصُّدُقة -بضمّتين- والصُّدْقَة -بضمّ، فسكون- والصَّدْقَة -بفتح، فسكون- والصَّداق -بالفتح- والصِّدَاق -بالكسر-: مهر المرأة، وجمعها في أدنى العدد -يعني جمع القلّة-: أَصْدِقَةٌ، والكثير: صُدُقٌ، وهذان البناءان إنما هما على الغالب، وقد أصدق المرأة حين تزوجها: أي جعل لها صداقًا. وقيل: أصدقها: سمّى لها صَدَاقًا. انتهى بتوضيح (١).
وقال في: "القاموس": الصَّدُقَةُ -بضمّ الدال-، وكغُرْفة، وصَدْمَة، وبضمّتين، وبفتحتين، وككِتاب، وسَحَاب: مهر المرأة، جمع الصَّدُقَة، كَنَدُسَة: صَدُقاتٌ، وجمعُ الصُّدقَة -بالضمّ-: صُدْقَاتٌ، وصُدَقَاتٌ، وصُدُقَاتٌ -بضمّتين- وهي أقبحها انتهى (٢).
وقد نظمت لغات الصداق بقولي:
قَدْ ضُبِطَ الصَّدَاقُ كَالسَّحَابِ … وَغُرْفَةٍ كِتَابِ
وَضَمَّتَيْنِ زِدْ وَفَتْحَتَيْنِ … لِمَهْرِ نِسْوَةٍ بِغَيْرِ مَيْنِ
وَجَمْعُهُ كَكُتُبٍ وَأَرْغِفَهْ … هذا هُوَ الْغَالِبُ يَا ذَا الْمَعْرِفَهْ
واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٣٤٧ - (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ, عَنِ ابْنِ وَهْبٍ, أَخْبَرَنِي يُونُسُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ, أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ, عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] , قَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي, هِيَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حِجْرِ وَلِيِّهَا, فَتُشَارِكُهُ فِي مَالِهِ, فَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا, فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا, بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقِهَا, فَيُعْطِيَهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ, فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ, إِلاَّ أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ, وَيَبْلُغُوا بِهِنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ, مِنَ