← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 14106–14145 · переход к 14111.

стр. 14106

نعم الإشكال في اليهود الذين كانوا بحضرة النبيّ ﷺ ، وقد ثبت أن الآية الموافقة لهذا الحديث، وهي قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ الآية، نزلت في طائفة آمنوا منهم، كعبد اللَّه بن سلام وغيره، ففي الطبرانيّ من حديث رفاعة الْقُرَظيّ، قال: نزلت هذه الآيات فيّ، وفيمن آمن معي. وروى الطبرانيّ بإسناد صحيح عن عليّ بن رفاعة القرظى، قال: خرج عشرةٌ من أهل الكتاب، منهم: أبي رفاعةُ إلى النبيّ ﷺ ، فآمنوا به، فأذوا، فنزلت: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ الآيات، فهؤلاء من بني إسرائيل، ولم يؤمنوا بعيسى، بل استمرّوا على اليهوديّة إلى أن آمنوا بمحمد ﷺ ، وقد ثبت أنهم يؤتون أجرهم مرَّتين، قال الطيبيّ: فيحتمل إجراء الحديث على عمومه، إذ يبعُدُ أن يكون طريان الإيمان بمحمّد ﷺ سببًا لقبول تلك الأديان، وإن كانت منسوخة انتهى. وسيأتي ما يؤيّده بعدُ. ويمكن أن يقال في حقّ هؤلاء الذين كانوا بالمدينة: إنه لم تبلغهم دعوة عيسى-﵇ إلى أن جاء الإسلام، فآمنوا بمحمد ﷺ ، فبهذا يرتفع الإشكال، إن شاء اللَّه تعالى. قاله في "الفتح" (١). [تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ في آخر هذا الحديث: ما نصّه: "ثم قال عامر: أعطيناكها بغير شيء، قد كان يُركب فيما دونها إلى المدينة". وفي لفظ: "قال الشعبيّ: خذها بغير شيء، قد كان الرجل يرحل فيما دونها إلى المدينة". و"عامر" هو الشعبيّ، وإنما قال ذلك تحريضًا للسامع ليكون ذلك أدعى لحفظه، وأجلب لحرصه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث؛: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي موسى الأشعريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦٥/ ٣٣٤٥ و ٣٣٤٦ - وفي "الكبرى" ٦٠/ ٥٥٠١ و ٥٥٠٢. وأخرجه (خ) في "العلم " ٩٧ "العتق" ٢٥٤٤ و ٢٥٤٧ و"الجهاد والسير" ٣٠١١ و"أحاديث الأنبياء" ٣٤٤٦ و"النكاح" ٥٠٨٣ (م) في "الإيمان" ١٥٤ (ت) في "النكاح" ١١١٦ (ق) في "النكاح" ١٩٥٦ (أحمد) في "مسند الكوفيين" ١٩٠٣٨ و ١٩٩١٠ و ١٩٣٧ و ١٩٢١٣

стр. 14107

(الدارمي) في "النكاح" ٢٢٤٤. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان جواز عتق الرجل جاريته، ثم نكاحها، وفيه ردّ على من كره ذلك، فمن ذلك ما وقع في رواية هشيم، عن صالح ابن صالح الراوي المذكور، وفيه قال: رأيت رجلًا من أهل خراسان، سأل الشعبيّ، فقال: إن مَن قِبَلَنا من أهل خراسان يقولون في الرجل إذا أعتق أمته، ثم تزوّجها: فهو كالراكب بدنته، فقال الشعبيّ … فذكر الحديث. وأخرج الطبرانيّ بإسناد رجاله ثقات عن ابن مسعود ﵁، أنه كان يقول ذلك. وأخرج سعيد بن منصور، عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - مثله. وعند ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن أنس ﵁ أنه سئل عنه؟، فقال: "إذا أعتق أمته للَّه، فلا يعود فيها". ومن طريق سعيد بن المسيّب، وإبراهيم النخعيّ أنهما كرها ذلك. وأخرج أيضًا من طريق عطاء والحسن أنهما كانا لا يريان بذلك بأسًا. ذكره في "الفتح" (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الصواب أنه لا كراهة في ذلك، وُيعتذر عن هؤلاء الذين كرهوا ذلك بأنهم لم يبلغهم الخبر. واللَّه تعالى أعلم. (ومنها): أنه يدلّ على مزيد فضل من أعتق أمته، ثم تزوّجها، سواءٌ أعتقها ابتداءً للَّه، أو لسبب. (ومنها): فضل تأديب الأمة، وتعليمها، والإحسان في ذلك. (ومنها): فضل العبد الصالح الناصح لربّه، وسيّده. (ومنها): فضل مؤمن أهل الكتاب الذين آمنوا بالنبيّ ﷺ . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قال القرطبيّ: الكتابيّ الذي يضاعف أجره مرّتين، هو الذي كان على الحقّ في شرعه عقدًا وفعلًا إلى أن آمن بنبيّنا ﷺ ، فيؤجر على اتباع الحقّ الأول والثاني انتهى. وتعقّبه الحافظ بأنه يُشكل عليه أن النبيّ ﷺ كتب إلى هرقل: "أسلم تَسْلَمْ، يُؤْتِكَ اللَّه أجرك مرّتين"، وهرقل كان ممن دخل في النصرانيّة بعد التبديل انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن المراد عموم أهل الكتاب، كما يدلّ عليه قصّة هرقل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): أنه لا مفهوم للعدد في قوله: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرّتين"، فقد ثبت في النصوص الأخرى زيادة على ذلك، فقد أخرج الطبرانيّ من حديث أبي أمامة

стр. 14108

- ﵁، رفعه: "أربعة يؤتون أجرهم مرّتين"، فذكر الثلاثة المذكورين هنا، وزاد أزواج النبيّ ﷺ . وصحّ أيضًا حديث: "والذي يقرأ القرآن، ويتتعتع فيه، وهو شاقّ عليه، فله أجران". وحديث زينب امرأة ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنهما - في التي تتصدّق على قريبها: "لها أجران، أجر الصدقة، وأجر الصلة". وحديث عمرو بن العاص ﵁ في الحاكم إذا أصاب، له أجران. وحديث جرير: "من سنّ سنّة حسنةً". وحديث أبي هريرة ﵁: "من دعا إلى هدى". وحديث أبي مسعود: "من دلّ على خير"، والثلاثة بمعنى، وهنّ في "الصحيحين". وحديث أبي سعيد في الذي تيمّم، ثم وجد الماء، فأعاد الصلاة، فقال له النبيّ ﷺ : "لك الأجر مرّتين". أخرجه أبو داود. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وقد يحصل بمزيد التتبّع أكثر من ذلك، وكلّ هذا دالّ على أن لا مفهوم للعدد المذكور في حديث أبي موسى ﵁ انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): قال في "الفتح": قال أبو عبد الملك البونيّ وغيره: إن الحديث لا يتناول اليهوديّة البتّة، وليس بمستقيم كما قرّرناه. وقال الداوديّ، ومن تبعه: إنه يحتمل أن يتناول جميع الأمم فيما فعلوه من خير، كما في حديث حكيم بن حزام: "أسلمتَ على ما أسلفتَ من خير". وهو متعقّبٌ؛ لأن الحديث مقيّدٌ بأهل الكتاب، فلا يتناول غيرهم، إلا بقياس الخير على الإيمان، وأيضًا فالنكتة في قوله: "آمن بنبيّه" الإشعار بعليّة الأجر، أي أن سبب الأجرين الإيمان بالنبيَّينِ، والكفّار ليسوا كذلك. ويمكن أن يقال: الفرق بين أهل الكتاب وغيرهم من الكفار أن أهل الكتاب يعرفون محمدًا ﷺ ، كما قال اللَّه تعالى: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ الآية [الأعراب: ١٥٧]. فمن آمن به، واتّبعه منهم كان له فضلٌ على غيره، وكذا من كذّبه منهم كان وزره أشدّ من وزر غيره. وقد ورد مثلُ ذلك في حقّ نساء النبيّ ﷺ لكون الوحي كان ينزل في بيوتهنّ. فإن قيل: فلِمَ لم يُذْكَرُوا في هذا الحديث، فيكون العدد أربعةً؟. قال الحافظ: أجاب شيخنا شيخ الإسلام -يعني البلقينيّ- عن ذلك بأن قضيّتهنّ خاصة بهنّ مقصورةٌ عليهنّ، والثلاثة المذكورة في الحديث مستمرّة إلى يوم القيامة. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا ذكر الحافظ، لكن تقدّم قريبًا أن في رواية

стр. 14109

الطبرانيّ ذكر الأربعة، فلعلّ الحافظ لم يستحضر ذلك حينما كتب هذا الموضع، أو لعله لم يصحّح الحديث. واللَّه تعالى أعلم. قال: وهذا مصيرٌ من شيخنا إلى أن قضيّة مؤمن أهل الكتاب مستمرّة. وقد ادعى الكرمانيّ اختصاص ذلك بمن آمن في عهد البعثة، وعلّل ذلك بأن نبيّهم بعد البعثة إنما هو محمد ﷺ باعتبار عموم بعثته انتهى. وقضيّته أن ذلك أيضًا لا يتمّ لمن كان في عهد النبيّ ﷺ ، فإن خصّه بمن لم تبلغه الدعوة، فلا فرق في ذلك بين عهده وبعده، فما قاله شيخنا أظهر. والمراد بنسبتهم إلى غير نبيّنا ﷺ إنما هو باعتبار ما كانوا عليه قبل ذلك. وأما ما قوّى به الكرمانيّ دعواه يكون السياق مختلفا، حيث قيل في مؤمن أهل الكتاب: "رجلٌ" بالتنكير، وفي "العبد" بالتعريف، وحيث زيدت فيه "إذا" الدّالّة على معنى الاستقبال، فأشعر ذلك بأن الأجرين لمؤمن أهل الكتاب، لا يقع في الاستقبال بخلاف العبد انتهى. فهو غير مستقيم؛ لأنه مشى فيه مع ظاهر اللفظ، وليس متّفقًا عليه بين الرواة، بل هو عند البخاريّ وغيره متخلف، فقد عبّر في ترجمة عيسى بـ"إذا" في الثلاثة، وعبّر في "النكاح" بقوله: "أيّما رجل" في المواضع الثلاثة، وهي صريحة في التعميم، وأما الاختلاف بالتعريف والتنكير، فلا أثر له هنا؛ لأن المعرّف بلام الجنس مؤدّاه مؤدّى النكرة. واللَّه تعالى أعلم (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٣٤٦ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ, عَنْ أَبِي زُبَيْدٍ, عَبْثَرِ بْنِ الْقَاسِمِ, عَنْ مُطَرِّفٍ, عَنْ عَامِرٍ, عَنْ أَبِي بُرْدَةَ, عَنْ أَبِي مُوسَى, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أَعْتَقَ جَارِيَتَهُ, ثُمَّ تَزَوَّجَهَا, فَلَهُ أَجْرَانِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"عبثر بن القاسم أبو زبيد" هو: الكوفي [٨] ١٩/ ١١٦٤. و"مطرّف": هو ابن طريف، أبو عبد الرحمن الكوفيّ الثقة الفاضل [٦]. والباقون هم المذكورون في السند الماضي. والحديث متّفق عليه، وقد سبق البحث عنه مستوفًى في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 14110

٦٦ - (الْقِسْطُ فِي الأَصْدِقَةِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "القسط" -بكسر، فسكون-: المراد به هنا العدل، قال الفيّوميّ.: قَسَطَ قَسْطًا، من باب ضرب، وقُسُوطًا: جار، وعَدَلَ أيضًا، فهو من الأضداد. قاله ابن القطّاع، وأقسط بالألف: عَدَلَ، والاسم القِسْطُ بالكسر. و"الأصدقة": جمع قلّة للصداق بالفتح، والكسر، كقَذَال وأقذِلَة، وبِنَاء، وأَبْنِيَةٍ، وهو مهر المرأة. قال في "اللسان": الصّدَقَةُ -أي بفتحتين- والصَّدُقة -بفتح، فضمّ- والصُّدُقة -بضمّتين- والصُّدْقَة -بضمّ، فسكون- والصَّدْقَة -بفتح، فسكون- والصَّداق -بالفتح- والصِّدَاق -بالكسر-: مهر المرأة، وجمعها في أدنى العدد -يعني جمع القلّة-: أَصْدِقَةٌ، والكثير: صُدُقٌ، وهذان البناءان إنما هما على الغالب، وقد أصدق المرأة حين تزوجها: أي جعل لها صداقًا. وقيل: أصدقها: سمّى لها صَدَاقًا. انتهى بتوضيح (١). وقال في: "القاموس": الصَّدُقَةُ -بضمّ الدال-، وكغُرْفة، وصَدْمَة، وبضمّتين، وبفتحتين، وككِتاب، وسَحَاب: مهر المرأة، جمع الصَّدُقَة، كَنَدُسَة: صَدُقاتٌ، وجمعُ الصُّدقَة -بالضمّ-: صُدْقَاتٌ، وصُدَقَاتٌ، وصُدُقَاتٌ -بضمّتين- وهي أقبحها انتهى (٢). وقد نظمت لغات الصداق بقولي: قَدْ ضُبِطَ الصَّدَاقُ كَالسَّحَابِ … وَغُرْفَةٍ كِتَابِ وَضَمَّتَيْنِ زِدْ وَفَتْحَتَيْنِ … لِمَهْرِ نِسْوَةٍ بِغَيْرِ مَيْنِ وَجَمْعُهُ كَكُتُبٍ وَأَرْغِفَهْ … هذا هُوَ الْغَالِبُ يَا ذَا الْمَعْرِفَهْ واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٣٤٧ - (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ, عَنِ ابْنِ وَهْبٍ, أَخْبَرَنِي يُونُسُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ, أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ, عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] , قَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي, هِيَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حِجْرِ وَلِيِّهَا, فَتُشَارِكُهُ فِي مَالِهِ, فَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا, فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا, بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقِهَا, فَيُعْطِيَهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ, فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ, إِلاَّ أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ, وَيَبْلُغُوا بِهِنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ, مِنَ

стр. 14111

الصَّدَاقِ, فَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ, مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ, قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ:: ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ, اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعْدُ فِيهِنَّ, فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ قَالَتْ عَائِشَةُ:: وَالَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى, أَنَّهُ يُتْلَى فِي الْكِتَابِ الآيَةُ الأُولَى, الَّتِي: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ قَالَتْ عَائِشَةُ:: وَقَوْلُ اللَّهِ فِي الآيَةِ الأُخْرَى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ رَغْبَةَ أَحَدِكُمْ عَنْ يَتِيمَتِهِ, الَّتِي تَكُونُ فِي حَجْرِهِ, حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ الْمَالِ وَالْجَمَالِ, فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا رَغِبُوا فى مَالِهَا, مِنْ يَتَامَى النِّسَاءِ, إِلاَّ بِالْقِسْطِ مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يونس بن عبد الأعلى) الصدفي، أبو موسى المصريّ، ثقة، من صغار [١٠] ١/ ٤٤٩. ٢ - (سليمان بن داود) بن حماد الْمَهْريّ، أبو الربيع المصريّ، ابن أخي رِشدين بن سعد، ثقة [١١] ٦٣/ ٧٩. ٣ - (ابن وهب) عبد اللَّه المصريّ الفقيه، ثقة عابد [٩] ٩/ ٩. ٤ - (يونس) بن يزيد الأيليّ، أبو يزيد، ثقة [٧] ٩/ ٩. ٥ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري المدني الفقيه الحجة الثبت [٤] ١/ ١. ٦ - (عروة بن الزبير) بن العوّام الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] ٤٠/ ٤٤. ٧ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه سليمان، فإنه تفرّد به هو، وأبو داود. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، ونصفه الثاني بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعي. (ومنها): أن فيه عروة من الفقهاء السبعة، وعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ، أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها -، وإنما سأل هذا السؤال؛ لأنه ليس نكاح ما طاب سببًا

стр. 14112

للعدل في الظاهر حتى يُؤَمَّنَ به من يَخَاف عدمه، بل قد يكون النكاح سببًا للجور للحاجة إلى الأموال (عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾) شرطٌ، وجوابه قوله: ﴿فَاَنكِحُوا﴾. أي إن خفتم أن لا تعدِلُوا في مهورهنّ، وفي النفقة عليهنّ، فانكحوا غيرهنّ من النساء. قال أبو عبد اللَّه القرطبيّ: "خفتم" من الأضداد، فإنه يكون المخوف منه معلوم الوقوع، وقد يكون مظنونًا، فلذلك اختلف العلماء في تفسير هذا الخوف، فقال أبو عبيدة: "خفتم" بمعنى أيقنتم. وقال آخرون: "خفتم" ظننتم، قال ابن عطيّة: وهذا الذي اختاره الْحُذّاق، وأنه على بابه من الظن، لا من اليقين، التقدير: من غلب على ظنه التقصير في القسط لليتيمة، فليعدل عنها انتهى (١) (أَلاَّ تُقْسِطُوا) أي تعدلوا، يقال: أقسط الرجل: إذا عدل، وقَسَط إذا جار، وظلم صاحبه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥] يعني الجائرين (فِي الْيَتَامَى) قال النسفيّ: يقال للإناث: اليتامى، كما يقال: للذكور، وهو جمع يتيمة، ويتيم، وأما أيتام فجمع يتيم، لا غير انتهى (٢). وقال أبو العبّاس القرطبيّ في "المفهم": اليتيم في بني آدم من قِبَل فَقْد الأب، وفي غيرهم من قِبَل فقد الأمّ وأصل اليتيم أن يقال: على من لم يبلُغ، وقد أُطلق في هذه الآية على المحجور عليها، صغيرةً كانت، أو كبيرةً؛ استصحابًا لإطلاق اسم اليتيم لبقاء الحجر عليها. وإنما قلنا: إن اليتيمة الكبيرة قد دخلت في الآية؛ لأنها قد أُبيح العقد عليها في الآية، ولا تُنكح اليتيمة الصغيرة، إذ لا إذن لها، فإذا بلغت جاز نكاحها، لكن بإذنها، كما قال ﷺ فيما خرّجه الدارقطنيّ وغيره في بنت عثمان بن مظعون، "وإنها يتيمة، ولا تُنكح إلا بإذنها"، وهذا مذهب الجمهور، خلافًا لأبي حنيفة، فإنه قال: إذا بلغت لم تحتج إلى وليّ، بناء على أصله في عدم اشتراط الوليّ في صحّة النكاح انتهى (٣). ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ قال أبو عبد اللَّه القرطبيّ: إن قيل: كيف جاءت "ما" للآدميين، وإنما أصلها لما لا يعقِلُ، فعنه أجوبة خمسة: [الأول]: أن "من" و"ما" قد يتعاقبان، قال اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ أي ومن بناها، وقال: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ فـ"ما" ههنا لمن يعقل، وهنّ النساء؛ لقوله بعد ذلك، مبيّنًا لمبهم "ما"، وقرأ ابن أبي

стр. 14113

عبلة: "من طاب" على ذكر من يعقل. [الثاني]: قال البصريون: "ما" تقع للنعوت كما تقع لما لا يعقل، يقال: ما عندك؟ فيقال: ظريفٌ وكريمٌ، فالمعنى فانكحوا الطيّب من النساء، أي الحلال، وما حرّمه اللَّه فليس بطيّب، وفي التنزيل: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، فأجابه موسى على وفق ما سأل. وحكى بعض الناس أن "ما" في هذه الآية ظرفيّة، أي ما دمتم تستحسنون النكاح. قال ابن عطية: وفي هذا المنزع ضعفٌ. [الرابع]: قال الفرّاء "ما" ههنا مصدرية. وقال النحاس: وهذا بعيدٌ جدًّا، لا يصحّ، فانكحوا الطيّبة. [الخامس]: أن المراد بـ "ما" هنا العقد، أي فانكحوا نكاحًا طيبًا، وقراءة ابن أبي عَبْلَة تردّ الأقوال الثلاثة. واتفقوا على أن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ ليس له مفهوم؛ إذ قد أجمع المسلمون على أن من لم يَخَف القسط في اليتامى له أن ينكح أكثر من واحدة، اثنين، أو ثلاثًا، أو أربعًا كمن خاف، فدلّ على أن الآية نزلت جوابًا لمن خاف ذلك، وأن حكمها أعمّ من ذلك انتهى كلام القرطبيّ باختصار (١). (قَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي) أختها هي أسماء بنت أبي بكر الصدّيق ﵃، والدة عبد اللَّه ابن الزبير، وعروة (هِيَ الْيَتِيمَةُ) أي التي مات أبوها (تَكُونُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا) أي الذي يَلي مالها. قال الفيّوميّ: "حَجر الإنسان" بالفتح، وقد يُكسر: حِضْنه، وهو ما دون إبطه إلى الكشح، وهو في حَجْره: أي كَنَفه، وحِمَايته، والجمع حُجور انتهى. (فَتُشَارِكُهُ فِي مَالِهِ، فَيُعجبُهُ مَالُها وَجمالُهَا، فَيُرِيدُ وَليها أَنْ يَتَزَوّجَهَا، بغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ في صَدَاقِهَا) بضمّ الياء، من الإَقساط، أي يَعدِل في مهرها، وفي رواية البخَاريّ، من طريق عُقيل، عن ابن شهاب: "ويريد أن ينتقص من صداقها" (فَيُعْطِيَهَا) عطف على "يُقسِط"، عطف تفسير، وفيه دلالةٌ على النهي عن تزوّج امرأة يخاف في شأنها الجور، منفردةً، أو مجتمعة مع غيرها (مِثْلَ ما يُعْطِيهَا غَيْرُهُ) يعني أنه يريد أن يتزوّجها بغير أن يعطيها مثل ما يُعطيها غيره، أي ممن يَرغَب في نكاحها سواه، ويدلّ على هذا قوله (فَنُهُوا) بضم النون، والهاء، مبنيًّا للمفعول (أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ) بفتح الياء بالبناء للمفعول، أي يتزوّجوهنّ (إِلاَّ أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ، وَيَبْلُغُوا بِهنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِن مِنَ الصَّدَاقِ) أي أعلى عادة مهر مثلهنّ (فَأُمِرُوا) بضم الهمزة، مبنيًّا للمفعول (أَنْ يَنْكِحُوا ما طَابَ لَهُمْ، مِنَ النسَاءِ سِوَاهُنَّ) أي

стр. 14114

يتزوّجوا غيرهنّ من النساء بأيّ مهر توافقوا عليه. قال في "الفتح": وتأويل عائشة هذا جاء عن ابن عبّاس مثله، أخرجه الطبريّ. وعن مجاهد في مناسبة ترتّب قوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ على قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ شيء آخر، قال في معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا﴾ أي إذا كنتم تخافون أن لا تعدلوا في مال اليتامى، فتحرّجتم أن لا تَلُوها، فتحرّجوا من الزنا، وانكحوا ما طاب لكم من النساء، وعلى تأويل عائشة يكون المعنى: وإن خفتم أن لا تُقسطوا في نكاح اليتامى انتهى (١). وقال الخطّابيّ: وتأويل الآية، وبيان معناها: أن اللَّه تعالى خاطب أولياء اليتامى، فقال: وإن خفتم من أنفسكم المشاحّة في صدقاتهنّ، وأن لا تعدلوا، فتبلغوا بهنّ صدق أمثالهنّ، فلا تنكحوهنّ، وانكحوا غيرهنّ من الغرائب اللواتي أُحلّ لكم خطبتهنّ من واحدة إلى أربع، وإن خفتم أن تجوروا إذا نكحتم من الغرائب أكثر من واحدة، فانكحوا منهنّ واحدةً، أو ما ملكتم من الإماء انتهى (٢). (قَالَ: عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ:) - رضي اللَّه تعالى عنها -، وهو معطوفٌ على المذكور، وإن كان بغير أداة عطف (ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ، اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعْدُ) بضمّ الدّال، من الظروفة المبنيّة على الضمّ، لقطعها عن الإضافة، ونيّة معناها، أي بعد نزول هذه الآية بهذه القصّة. وفي رواية عُقيل: "بعد ذلك" (فِيهِنَّ) أي في شأن النساء (فَأَنْزَلَ اللَّه : ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ) أي يسألونك الإفتاء في النساء، والإفتاء تبيين المبهم (٣) (قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ قال النسفيّ: أي اللَّه يفتيكم، والمتلوّ في الكتاب، أي القرآن في معنى اليامى، يعني قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾، وهو من قولك: أعجبني زيد وكرمُهُ، ﴿وما يُتلى﴾ في محلّ الرفع بالعطف على الضمير في ﴿يفتيكم﴾، أو على لفظ ﴿اللَّه﴾، و ﴿في يتامى النساء﴾ صلة ﴿يُتلى﴾، أي يتلى عليكم في معناهنّ، ويجوز أن يكون في ﴿يتامى النساء﴾ بدلاً من ﴿فيهنّ﴾، والإضافة بمعنى "من" (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾، قَالَت عَائِشَةُ: وَالذِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى، أنَّهُ يُتلَى فِي الْكِتَابِ الآيَةُ الأوُلَى، التي فِيهَا: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، قَالَت عَائِشَةُ: وَقَوْلُ اللَّهِ فِي الْآيَةِ الأُخرَى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ رَغبَةَ أَحَدِكُمْ عَنْ يَتِيمَتِهِ)

стр. 14115

قال في "الفتح": فيه تعيين أحد الاحتمالين في قوله: ﴿وترغبون﴾؛ لأن رغب يتغيّر معناه بمتعلقه، يقال: رغب فيه إذا أراده، ورغب عنه إذا لم يرده؛ لأنه يحتمل أن تحذف "في"، وأن تُحذف "عن". وقد تأوّله سعيد بن جبير على المعنيين، فقال: نزلت في الغنية، والمعدمة، والمرويّ هنا عن عائشة أوضح في أن الآية الأولى نزلت في الغنيّة، وهذه الآية نزلت في الْمُعدمة انتهى (١) (الَّتِي تَكُونُ فِي حَجْرِهِ، حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ الْمَالِ وَالْجَمَالِ، فَنُهُوا أَنْ يَنكِحُوا مَا رَغِبُوا فِي مَالِهَا، مِنْ يَتَامَى النِّسَاءِ، إِلاَّ بِالقِسْطِ مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ) أي نُهُوا عن نكاح المرغوب فيها لجمالها، ومالها؛ لأجل زهدهم فيها، إذا كانت قليلة المال والجمال، فينبغي أن يكون نكاح اليتيمتين على السواء في العدل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦٦/ ٣٣٦٧ - وفي "الكبرى" ٦٩/ ٥٥١٤ و"التفسير" ١١٠٩١. وأخرجه (خ) في "الشركة" ٢٤٩٤ و"الوصايا" ٢٧٦٣ و"التفسير" ٤٥٧٣ و ٤٦٠٠ و"النكاح" ٥٠٦٤ و ٥٠٩٢ و ٥٠٩٨ و ٥١٣١ و"الحيل" ٦٩٦٥ (م) في "التفسير" ٣٠١٨ (د) في "النكاح" ٢٠٦٨. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو وجوب العدل في مهور النساء. (ومنها): أنه استُدلّ به على أن للوليّ أن يزوّج محجورته من نفسه. (ومنها): أن له حقًّا في التزويج؛ لأن اللَّه تعالى خاطب الأولياء بذلك. (ومنها): اعتبار مهر الْمُثُل في المحجورات، وأن غيرهنّ يجوز نكاحها بدون ذلك. (ومنها): جواز تزويج اليتامى قبل البلوغ لأنهنّ بعد البلوغ، لا يقال لهنّ: يتيمات، إلا أن يكون أطلق استصحابًا لحالهنّ. (ومنها)؛ بيان سبب نزول الآيتين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في سبب نزول هذه الآية الكريمة (٢):

стр. 14116

قال أبو العبّاس القرطبيّ (١) -رحمه اللَّه تعالى- في "المفهم ": اختلف العلماء في سبب نزول هذه الآية وفي معناها، فذهبت عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - إلى ما ذُكر في هذه الرواية، وحاصل الروايات المذكورة عنها: أنها نزلت في وليّ اليتيمة التي لها مالٌ، فأراد وليّها أن يتزوّجها، فأُمر بأن يوفّيها صداق أمثالها، أو يكون لها مالٌ عنده بمشاركة، أو غيرها، وهو لا حاجة له لتزويجها لنفسه، ويكره أن يزوّجها غيره مخافة أخذ مالها من عنده، فأَمَر اللَّه الأولياء بالقسط، وهو العدل، بحيث إن تزوّجها بَذَلَ لها مهر مثلها، وإن لم تكن له رغبةٌ فيها زوّجها من غيره، وأوصلها إلى مالها على الوجه المشروع. وتكميل معنى الآية: أن اللَّه تعالى قال للأولياء: إن خفتم ألا تقوموا بالعدل، فتزوّجوا غيرهنّ، ممن طاب لكم من النساء، اثنين اثنين، إن شئتم، وثلاثًا ثلاثًا لمن شاء، وأربعًا أربعًا لمن شاء. هذا قول عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - في الآية. وقال ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - في معنى الآية: إنه قصر الرجال على أربع؛ لأجل أموال اليتامى، فنزلت جوابًا لتحرّجهم عن القيام بإصلاح أموال اليتامى. وفسّر عكرمة قول ابن عبّاس هذا بألاّ تُكثروا من النساء، فتحتاجوا إلى أخذ أموال اليتامى. وقال السّدّيّ، وقتادة: معنى الآية: إن خفتم الجورَ في أموال اليتامى، فخافوا مثله في النساء، فإنهنّ كاليتامى في الضعف، فلا تنكحوا أكثر مما يُمكنم إمساكهنّ بالمعروف. قال القرطبيّ: وأقرب هذه الأقوال، وأصحّها قول عائشة -إن شاء اللَّه تعالى-. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا صححه القرطبيّ هو الأرجح عندي. واللَّه تعالى أعلم. قال: وقد اتفق كلّ من يُعاني العلوم على أن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ ليس له مفهوم؛ إذ قد أجمع المسلمون على أن من لم يَخَف القسط في اليتامى له أن ينكح أكثر من واحدة: اثنين، أو ثلاثًا، أو أربعًا، كمن خاف. فدلّ ذلك على أن الآية نزلت جوابًا لمن خاف، وأن حكمها أعمّ من ذلك انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم

стр. 14117

بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): قال أبو عبد اللَّه القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: تعلّق أبو حنيفة بهذه الآية في تجويزه نكاح اليتيمة قبل البلوغ، وقال: إنما تكون يتيمة قبل البلوغ، وبعد البلوغ هي امرأة مطلقة، لا يتيمة، بدليل أنه لو أراد البالغة لما نهى عن حطّها عن صداق مثلها؛ لأنها تختار ذلك، فيجوز إجماعًا. وذهب مالكٌ، والشافعيّ، والجمهور من العلماء إلى أن ذلك لا يجوز حتى تبلغ، وتُستأمَرَ؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ الآية، والنساء اسم ينطلق على الكبار، كالرجال في الذكور، واسم الرجل لا يتناول الصغير، فكذلك اسم النساء والمرأة لا يتناول الصغيرة، وقد قال: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ والمراد به هناك اليتامى هنا؛ كما قالت عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، فقد دخلت اليتيمة الكبيرة في الآية، فلا تُزوّج إلا بإذنها، ولا تُنكح الصغيرة إذ لا إذن لها، فإذا بلغت جاز نكاحها، لكن لا تُزوّج إلا بإذنها، كما رواه الدارقطنيّ من حديث محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، قال: زوّجني خالي قُدامة بن مظعون بنت أخيه عثمان بن مظعون، فدخل المغيرة بن شعبة على أمها، فأرغبها في المال، وخطبها إليها، فرُفع شأنها إلى النبيّ ﷺ ، فقال قُدامة: يا رسول اللَّه ابنة أخي، وأنا وصيّ أبيها، ولم أقصّر بها، زوّجتها مَنْ قد عَلِمت فضلَهُ، وقَرَابته، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنها يتيمة، واليتيمة أولى بأمرها"، فنزعت منّي، وزوّجوها المغيرة بن شعبة. قال الدارقطنيّ: لم يسمعه محمد بن إسحاق من نافع، وإنما سمعه من عمر بن حسين، عنه. ورواه ابن أبي ذئب، عن عمر بن حسين، عن نافع، عن عبد اللَّه بن عمر: أنه تزوّج بنت خاله عثمان بن مظعون، قال: فذهبت أمها إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقالت: إن ابنتي تكره ذلك، فأمره النبيّ ﷺ أن يفارقها، ففارقها، وقال: "لا تُنكِحوا اليتامى حتى تسأمروهنّ، فإذا سكتن، فهو إذنها"، فتزوّجها بعد عبد اللَّه المغيرةُ بن شعبة (١). فهذا يردّ ما يقوله أبو حنيفة من أنها إذا بلغت لم تحتج إلى وليّ؛ بناءً على أصله في عدم اشتراط الوليّ في صحّة النكاح. واللَّه أعلم انتهى كلام القرطبيّ (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في البحث المتعلّق بقوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾: قال القرطبيّ في "تفسيره": اعلم أن هذا العدد مثنى، وثُلاث، ورُباع لا يدلّ على

стр. 14118

إباحة تسع، كما قاله مَن بَعُد فهمه للكتاب والسنّة، وأعرض عما كان عليه سلف هذه الأمة، وزعم أن الواو جامعةٌ، وعَضَدَ ذلك بأن النبيّ ﷺ نكح تسعًا، وجمع بينهنّ في عصمته، والذي صار إلى هذه الجهالة، وقال هذه المقالة الرافضة، وبعض أهل الظاهر (١)، فجعلوا مثنى مثل اثنين، وكذلك ثُلاث، ورباع. وذهب بعض أهل الظاهر أيضًا إلى أقبح منها، فقالوا بإباحة الجمع بين ثمان عشرة (٢)، تمسّكًا منه بأن العدل في تلك الصيغ يفيد التكرار، والواو للجمع، فجعل مثنى بمعنى اثنين اثنين، وكذلك ثُلاث، ورُباع. وهذا كله جهلٌ باللسان والسنة، ومخالفة لإجماع الأمة؛ إذ لم يُسمع عن أحد من الصحابة، ولا التابعين أنه جمع في عصمته أكثر من أربع. وأخرج مالك في "موطّئه"، والنسائيّ، والدارقطنيّ في "سننهما" أن النبيّ ﷺ قال لغيلان بن سلمة الثقفيّ، وقد أسلم، وتحته عشر نسوة: "اختر منهنّ أربعًا، وفارق سائرهنّ" (٣). وفي "كتاب أبي داود" عن الحارث بن قيس، قال: أسلمتُ، وعندي ثمان نسوة، فذكرت ذلك للنبيّ ﷺ ، فقال: "اختر منهنّ أربعًا". وقال مقاتل: إن قيس بن الحارث كان عنده ثمان نسوة حرائر، فلما نزلت هذه الآية، أمره رسول اللَّه ﷺ أن يُطلّق أربعًا، وُيمسك أربعًا. كذا قال: "قيس بن الحارث"، والصواب أن ذلك كان حارث بن قيس الأسديّ، كما ذكره أبو داود. وكذا روى محمد ابن الحسن في "كتاب السير الكبير" أن ذلك كان حارث بن قيس، وهو المعروف عند الفقهاء. وأما ما أُبيح للنبيّ ﷺ ، فذلك من خصوصيّاته. وأما قولهم: إن الواو جامعةٌ، فقد قيل: ذلك، لكن اللَّه تعالى خاطب العرب بأفصح اللغات، والعرب لا تَدَعُ أن تقول: تسعة، وتقول: اثنين، وثلاثة، وأربعة، وكذلك تستقبح ممن يقول: أعط فلانًا أربعة ستة ثمانية، ولا يقول: ثمانية عشر، وإنما الواو في هذا الموضع بدل، أي انكحوا ثُلاثَ بدلًا من مثنى، ورباع بدلًا من ثُلاث، ولذلك عطف بالواو، ولم يُعطف بـ "أو"، ولو جاء بـ"أو" لجاز أن لا يكون لصاحب مثنى ثلاث، ولصاحب ثلاث رباع. وأما قولهم: إن مثنى تقتضي اثنين، وثلاث ثلاثة، ورُباع أربعة، فتحكّم بما لا يوافقهم أهل اللسان عليه، وجهالةٌ منهم، وكذلك جَهِلَ الآخرون بأن مثنى تقتضي اثنين اثنين، وثُلاث ثلاثة ثلاثة، ورباع أربعة أربعة، ولم يعلموا أن اثنين اثنين، وثلاثًا،

стр. 14119

وأربعًا أربعًا حصرٌ للعدد، ومثنى وثلاث، ورباع بخلافها، ففي العدد المعدول عند العرب زيادة معنى، ليست في الأصل، وذلك أنها إذا قالت: جاءت الخيل مثنى، إنما تعني بذلك اثنين اثنين، أي جاءت مزدوجةً. قال الجوهريّ: وكذلك معدول العدد. وقال غيره: إذا قلت جاءني قوم مثنى، أو ثُلاث، أو أُحاد، أو عُشار، فإنما تريد أنهم جاءوك واحدًا واحدًا، أو اثنين اثنين، أو ثلاثة ثلاثة، أو عشرة عشرة، وليس هذا المعنى في الأصل؛ لأنك إذا قلت: جاءني قوم ثلاثة ثلاثة، أو قومٌ عشرة عشرة، فقد حصرت عِدّة القوم بقولك ثلاثة وعشرة، فإذا قلت: جاءوني رُباع، وثُناء، فلم تحصر عِدّتهم، وإنما تريد أنهم جاءوك أربعة أربعة، أو اثنين اثنين، وسواء أكثر عددهم، أو قلّ في هذا الباب، فقصرهم كلّ صيغة على أقلّ ما تقتضيه بزعمه تحكّم. انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحقّ أن نكاح أكثر من أربع نسوة للحرّ لا يجوز، وهذا مجمع عليه بين أهل السنَّة، قال الإمام ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى-: ولا يحلّ لأحد أن يتزوّج أكثر من أربع نسوة، إماء، أو حرائر، أو بعضهنّ حرائر، وبعضهنّ إماء. قال: برهان ذلك قول اللَّه : ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾، ثم أخرج بسنده حديث غيلان الثقفي المتقدّم، ثم قال: فإن قيل: فإن معمرًا أخطأ في هذا الحديث، فأسنده. قلنا: معمر ثقة مأمون، فمن ادّعى عليه أنه أخطأ، فعليه البرهان بذلك، ولا سبيل له إليه. وأيضا فلم يَختَلِف في أنه لا يحلّ لأحد زواج أكثر من أربع نسوة أحد من أهل الإسلام، وخالف في ذلك قوم من الروافض، لا يصحّ لهم عقد الإسلام انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تبيّن بما ذكره ابن حزم أن هذه المسألة محلّ إجماع بين أهل السنة، فلا يحلّ لأحد أن يتزوّج أكثر من أربع نسوة، بإجماع أهل السنّة والجماعة، وما خالف فيها إلا قوم من الروافض، فما تقدّم من نسبة القرطبي، وغيره ذلك إلى بعض الظاهرية، غير صحيح؛ لأن أعلم الناس بمذهب الظاهرية، بل وبمذهب غيرهم أيضًا -وهو ابن حزم الظاهريّ- قد نفى الخلاف بين أهل السنة، ونسبه إلى قوم من الرافضة، فتبيّن بطلان ما ذُكر، فتبصّر، ولا تتحيّر. وأما حديث غيلان المذكور فهو حديث تكلموا فيه، لكن الأرجح أنه صحيح، كما سيأتي.

стр. 14120

قال الترمذيّ في "الجامع" بعد أن أخرجه بلفظ: "أن غيلان بن سلمة الثقفيّ أسلم، وله عشر نسوة في الجاهليّة، فأسلمن معه، فأمره النبيّ ﷺ أن يتخيّر منهنّ أربعًا". وقال: هكذا رواه معمر، عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، قال: وسمعت محمد ابن إسماعيل يقول: هذا حديث غير محفوظ، والصحيح ما روى شعيب بن أبي حمزة، وغيره، عن الزهريّ، وقال: حُدّثت عن محمد سُويد الثقفيّ أن غيلان بن سلمة أسلم، وعنده عشر نسوة. قال: محمد: وإنما حديث الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، أن رجلًا من ثقيف طلّق نساءه، فقال له عمر: لتُراجعنّ نساءك، أو لأرجمنّ قبرك كما رُجم قبرُ أبي رِغَال. انتهى (١). وقال الحافظ في "التلخيص الحبير": وحكم مسلم في "التمييز" على معمر بالوهم فيه، وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه، وأبي زرعة: المرسل أصحّ. وحكى الحاكم عن مسلم أن هذا الحديث مما وهم فيه معمر بالبصرة، قال: فإن رواه عنه ثقة خارج البصرة حكمنا له بالصحّة. وقد أخذ ابن حبّان، والحاكم، والبيهقيّ بظاهر هذا الحكم، فأخرجوه من طرق، عن معمر من حديث أهل الكوفة، وأهل الخراسان، وأهل اليمامة عنه. وقد حقق البحث في هذا الحديث الحافظ أبو الحسن ابن القطّان الفاسيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في كتابه "الوهم والإيهام"، فقال بعد ذكر نحو ما حكاه الترمذيّ عن البخاريّ، وذكر قول أبي عمر: الأحاديث في تحريم نكاح ما زاد على الأربع كلها معلولة: ما نصّه: وليس في شيء منه تنصيص على علّة حديث غيلان، فنبيّنها كما يريد مضعّفوه، وإن كانت عندي ليست بعلة. [فاعلم]: أنه حديث مختلف فيه على الزهريّ، فقدم رووه عنه مرسلًا من قبله، كذلك، قال مالك عنه، قال: بلغنا أن رسول اللَّه ﷺ قال لرجل من ثقيف … الحديث. وكذلك رواه معمرٌ عنه، قال: "أسلم غيلان … " مثله من رواية عبد الرزّاق، عن معمر، فهذا قول. وقول ثان، وهو زيادة رجل فوق الزهريّ، وهي إحدى روايتين عن يونس، رواه ابن وهب، عن يونس، عن الزهريّ، عن عثمان بن محمد بن أبي سُويد، أن رسول اللَّه ﷺ قال لغيلان حين أسلم، وعنده عشر نسوة … فذكره. وعن يونس فيه رواية أخرى تَبيّن فيها انقطاع ما بين الزهريّ وعثمان. وهذا رواه الليث، عن

стр. 14121

يونس، عن ابن شهاب، قال بلغني عن عثمان بن أبي سُويد، أن رسول اللَّه ﷺ قال … فذكر الحديث. وقول ثالث عن الزهريّ، وهو ما ذكره البخاريّ، قال: روى شُعيب بن أبي حمزة، وغير واحد عن الزهريّ، قال: حُدّثت عن محمد بن سُويد الثقفيّ، أن غيلان بن سلمة أسلم … لحديث. وقولٌ رابع عنه، رواه معمرٌ عنه، عن سالم، عن أبيه: "أن غيلان بن سلمة الثقفيّ أسلم، وله عشر نسوة في الجاهليّة، وأسلمن معه … " الحديث. يرويه عن معمرٍ هكذا مروان بن معاوية، وسعيد بن أبي عروبة، ويزيد بن زُريع، وقد ذكر الترمذيّ في "عللَّه" روايات جميعهم موصولة. وقد رواه أيضًا الثوريّ عن معمر، ذكره ذلك الدارقطنيّ من رواية يحيى بن سعيد عنه في "كتاب العلل"، وذكر جماعةً رووه أيضًا عن معمر كذلك، إلا أنه لم يوصل بها الأسانيد. وذكر أن يحيى بن سلام رواه عن مالك، عن الزهريّ كذلك. وهذا هو الحديث الذي اعتمد هؤلاء في تخطئة معمر فيه، وما ذلك بالبيّن، فإن معمرًا حافظ. ولا بُعد في أن يكون عند الزهريّ في هذا كلّ ما رُوي عنه. وإنما اتجهت تخطئتهم رواية معمر هذه، من حيث الاستبعاد أن يكون الزهريّ يرويه بهذا الإسناد الصحيح، عن سالم، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ ، ثم يحدث به على تلك الوجوه الواهية، تارة يرسله من قبله، وتارة عن عثمان بن محمد بن أبي سُويد، وهو لا يعرف البتّة، وتارة يقول: بلغنا عن عثمان هذا، وتارة عن محمد بن سُويد الثقفيّ. قال ابن القطّان: وهذا عندي غير مستبعد أن يحدث به على هذه الوجوه كلها، فيعلّق كلّ واحد من الرواة عنه منها بما تيسّر له حفظه، فربّما اجتمع كلّ ذلك عند أحدهم، أو أكثره، أو أقلّه. وأما ما قال البخاريّ من أن الزهريّ، إنما روى عن سالم، عن أبيه، أن عمر قال لرجل من ثقيف طلق نساءه: "لتُراجعنّ نساءك، أو لأرجمنّك كما رُجم قبر أبي رغال". فإنه قد روي من غير رواية الزهريّ، أن عمر قال ذلك له في حديث واحد ذكر فيه تخيير النبيّ ﷺ إياه حين أسلم. قال الدارقطنيّ: حدثنا محمد بن نوح الْجُندِيسابوري، حدّثنا عبد القدّوس بن محمد. وحدّثنا محمد بن مخلد، حدثنا حفص بن عمر بن يزيد أبو بكر، قالا: حدثنا سيف بن عبيد اللَّه الجرميّ، حدثنا سَرَّار بن مُجَشِّر (١)، عن أيوب، عن نافع وسالم، عن ابن عمر: "أن غيلان بن سلمة الثقفيّ أسلم، وعنده عشر نسوة، فأمره النبيّ ﷺ أن

стр. 14122

يمسك منهنّ أربعًا، فلما كان زمان عمر طلّقهنّ، فقال له عمر: راجعهنّ، وإلا وَرَّثْتُهُنّ مالَكَ، وأمرتُ بقبرك". زاد ابن نوح: "فأسلم، وأسلمن معه". فهذا أيوب يرويه عن سالم، كما رواه الزهريّ عنه في رواية معمر، وزاد إلى سالم نافعًا. وسَرَّار بن مُجَشِّر أحد الثقات، وسيف بن عبيد اللَّه، قال فيه عمرو بن عليّ: من خيار الخلق. ولم يذكره ابن أبي حاتم، ولا أعرفه عند غيره (١). ولما ذكر الدارقطنيّ هذا الحديث في "كتاب العلل" قال: تفرّد به سيف بن عُبيد اللَّه الجرميّ، عن سَرَّار. وسرار بن مجشّر أبو عبيدة، ثقة، من أهل البصرة. قال ابن القطّان: والمتحصّل من هذا، هو أن حديث الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، من رواية معمر في قصّة غيلان صحيح، ولم يَعتلّ عليه من ضعفه بأكثر من الاختلاف على الزهريّ، فاعلم ذلك. انتهى كلام الحافظ أبي الحسن ابن القطّان الفاسيّ (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذُكر صحّة رواية معمر عن الزهريّ، وأن الحديث ثابت عن النبيّ ﷺ ، وقد صح أيضًا من رواية أيوب السختياني عن نافع وسالم كلاهما عن ابن عمر. والحاصل أن الحديث صحيح بكلا الطريقين: طريق الزهري عن سالم، وطريق أيوب عن نافع وسالم كلاهما عن ابن عمر ﵄. وبهذا يُقطع دابر الذين خالفوا إجماع السلف، فقد سمعت أن في بعض البلدان قد وقع فتوى بحلّ ما فوق الأربع من النساء، وليس لهم متمسّك فيما سمعت إلا قولهم: لم يصحّ دليلٌ في تحريم ما زاد على الأربع من النساء، وهذا جهلٌ منهم، فقد ثبت لدينا ما يُقطع دابرهم دليلان: (أحدهما): الإجماع، كما عرفت تحقيقه، وهو كاف وحده، فلا داعي إلى البحث عن دليل آخر. (الثاني):- حديث قصّة غيلان المذكور، فإنه صحيح، كما عرفت إيضاحه، فإذا عرفت هذا تبيّن لك الحقّ الأبلج، فماذا بعد الحقّ إلا الضلال. اللَّهمّ أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، إنك سميع قريب مجيب الدعوات. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم فيمن تزوّج خامسة: ذهب مالكٌ، والشافعيّ إلى أن عليه الحدّ إن كان عالمًا، وبه قال أبو ثور. وقال

стр. 14123

الزهريّ: يُرجم إذا كان عالمًا، وإن كان جاهلًا أدنى الحدّين الذي هو الجلد، ولها مهرها، ويُفرّق بينهما، ولا يجتمعان أبدًا. وقال طائفة: لا حدّ عليه في شيء من ذلك، وهذا قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف، ومحمد بن الحسن: يُحَدّ في ذات المحرم، ولا يُحد في غير ذلك من النكاح. وذلك مثل أن يتزوّج مجوسيّة، أو خمسة في عُقدة، أو تزوّج متعة، أو تزوّج بغير شهود، أو أَمَةً تزوّجها بغير إذن مولاها. وقال أبو ثور: إذا علم أن هذا لا يحلّ له يجب أن يحدّ فيه كله إلا التزويج بغير شهود. وفيه قولٌ ثالثٌ قاله النخعيّ في الرجل ينكح الخامسة متعمّدًا قبل أن تنقضي عدّة الرابعة من نسائه: جُلد مائة، ولا يُنفَى. فهذه فُتيا علماء المسلمين في الخامسة على ما ذكره ابن المنذر، فكيف بما فوقها. قاله القرطبيّ (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): ذكر الزبير بن بكّار حدّثني إبراهيم الحزاميّ، عن محمد بن معن الغفاريّ، قال: أتت امرأة إلى عمر بن الخطّاب ﵁، فقالت: يا أمير المؤمنين، إن زوجي يصوم النهار، ويقوم الليل، وأنا أكره أن أشكوه، وهو يعمل بطاعة اللَّه ، فقال لها: نعم الزوج زوجك، فجعلت تكرّر عليه القول، وهو يكرّر عليها الجواب، فقال له كعب الأسديّ: يا أمير المؤمنين هذه المرأة تشكو زوجها في مباعدته إياها عن فراشه، فقال عمر: كما فهمت كلامها، فاقض بينهما، فقال كعب: عليّ بزوجها، فأتي به، فقال له: إن امرأتك هذه تشكوك، قال: أفي طعام، أم شراب؟ قال: لا، فقالت المرأة [من الرجز]: يَا أَيَهُّا الْقَاضِي الْحَكِيمُ رَشَدُهْ … أَلْهَى خَلِيلي عَنْ فِرَاشِي مَسْجِدُهْ زَهَّدّهُ فِي مَضْجَعِي تَعَبُّدُه … فَاقْضِ الْقَضَا كَعْبُ وَلَا تُرَدِّدُهْ نَهَارَهُ وَلَيْلَهُ مَا يَرْقُدُة … فَلَسْتُ فِي أَمْرِ النِّسَاءِ أَحْمَدُهْ فقال زوجها: زَهدَنِي فِي فَرْشِهَا وَفِي الحَجَلْ … أَنِّي امْرُؤٌ أَذْهَلَنِي مَا قَدْ نَزَلْ فِي سُورَةِ النَّحلِ وَفِي السَّبعِ الطُّوَلْ … وَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَخْوِيفٌ جَلَلْ فقال كعبٌ:

стр. 14124

إِنَّ لَهَا عَلَيْكَ حَقًا يَا رَجُلْ … نَصِيبُهَا فِي أَرْبَعٍ لِمَنْ عَقَلْ فَأَعْطِهَا ذَاكَ وَدَعْ عَنْكَ الْعِلَلْ ثم قال: إن اللَّه قد أحلّ لك من النساء مثنى وثلاث ورباع، ذلك ثلاثة أيام ولياليهنّ، تعبد فيهنّ ربّك. فقال عمر: واللَّه ما أدري من أيّ أمريك أعجب؟ أمن فهمك أمرهما، أم من حكمك بينهما؟ اذهب فقد ولّيتك قضاء البصرة. وروى أبو هدبة إبراهيم بن هُدبة: حدثنا أنس بن مالك، قال: أتت النبيّ ﷺ امرأةٌ تستعدي زوجها، فقالت: ليس لي ما للنساء، زوجي يصوم الدهر، قال: "لك يومٌ، وله يومٌ، للعبادة يومٌ، وللمرأة يوم" (١). ذكره القرطبيّ (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٣٤٨ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ, عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَتْ: "فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , عَلَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشٍّ, وَذَلِكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث لا علاقة له بالترجمة، وقد عقد له في "الكبرى" ترجمة، بلفظ: "التزويج على خمسمائة درهم"، فكان الأولى أن يترجم به في "المجتبى" أيضًا. واللَّه تعالى أعلم. ورجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزيّ نزيل نيسابور المعروف بابن راهويه ثقة ثبت حجة [١٠] ٢/ ٢. ٢ - (عبد العزيز بن محمد) الدراورديّ، أبو محمد المدني، صدوق، كان يحدث من كتب غيره، فيخطىء [٨] ٨٤/ ١٠١. ٣ - (يزيد بن عبد اللَّه بن الهاد) الليثيّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة مكثر [٥] ٧٣/ ٩٠. ٤ - (محمد بن إبراهيم) بن الحارث التيمي، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة له أفراد [٤] ٦٠/ ٧٥. ٥ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] ١/ ١. ٦ - (عائشة) - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 14125

لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه إسحاق ابن راهويه، فمروزيّ، ثم نيسابوريّ. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم، عن بعض: يزيد، عن محمد ابن إبراهيم، وعن أبي سلمة. (ومنها): أن فيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. (ومنها): أن فيه أبا سلمة بن عبد الرحمن أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، على بعض الأقوال. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف، أنه (قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ) أمّ المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - (عَنْ ذَلِكَ؟) أي عن مقدار المهر، وفي رواية مسلم: "سألت عائشة زوج النبيّ ﷺ كم كان صداق رسول اللَّه ﷺ ؟ قالت: كان صداقه لأزواجه ثنتي عشرة أوقيّةً ونشًّا" (فَقَالَتْ: "فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أي تزوّج الأزواج، أو زوّج نساءه (عَلَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً) بضمّ الهمزة، وسكون الواو، وكسر القاف، وتشديد الياء التحتانية- قال النوويّ: والمراد أُقيّة الحجاز، وهي أربعون درهمًا (١) انتهى. وقال الفيّوميّ: والأُوقيّة بضمّ الهمزة، وبالتشديد: وهي عند العرب أربعون درهمًا، وهي في تقدير أُفعُولةٍ، كالأُعجوبة، والأُحدوثة، والجمع الأَوَاقيّ بالتشديد، وبالتخفيف للتخفيف. وقال ثعلبٌ في باب المضموم أوّله: وهي الأُوقيّة، والْوُقيّةُ لغة، وهي بضمّ الواو، هكذا هي مضبوطةٌ في كتاب ابن السّكّيت. وقال الأزهريّ: قال الليثُ: الْوُقيّةُ: سبعةُ مثاقيل، وهي مضبوطةٌ بالضمّ أيضًا. قال الْمُطَرِّزيّ: وهكذا هي مضبوطة في "شرح السنّة" في عِدّةِ مواضع، وجرَى على ألسنة الناس بالفتح، وهي لغة، حكاها بعضهم، وجمعها وَقَايا، مثلُ عَطِيّة وعطايا انتهى (٢). (وَنَشٍّ) بفتح النون، وتشديد الشين المعجمة: فسّرته عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، وقال كُراع: هو نصف الشيء. وقال الخطّابيّ: هو اسم موضوع لهذا القدر. وقال القرطبيّ: هو مُعَرَّبٌ، منوّنْ. انتهى (٣). وقال الفيّوميّ: النّشّ بالفتح: نصف الأوقيّة

стр. 14126

وغيرها، وكانت الأوقيّة عندهم أربعين درهمًا، وكان النشّ عشرين درهمًا، قال ابن الأعرابي: ونشُّ الدرهم، والرَّغِيف: نصفه انتهى. (وَذَلِكَ خَمْسُ مِائَةِ دِرْهَمٍ) (١) هذا التفسير من عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، ففي رواية مسلم: قالت: أتدري ما النّشّ؟ قال: قلت: لا، قالت: نصف أوقيّة، فتلك خمسمائة درهم، فهذا صداق رسول اللَّه ﷺ لأزواجه". [فإن قيل]: فصداق أمّ حبيبة زوج النبيّ ﷺ ، كان أربعة آلاف درهم، وأربعمائة (٢) دينار. [فالجواب]: أن هذا القدر تبرّع به النجاشيّ من ماله، إكرامًا للنبيّ ﷺ ، لا أنّ النبيّ ﷺ أدّاه، أو عقد به. قاله النوويّ (٣). وقال القرطبيّ: ما ملخّصه: هذا القول من عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - إنما هو إخبار عن غالب أزواج النبيّ ﷺ ؛ لأن صفيّة من جملة أزواجه، وأصدقها نفسها، على ما تقدّم من الخلاف، وزينب بنت جحش، لم يُذكر لها صداق. وأمّ حبيبة بنت أبي سفيان أصدقها النجاشيّ أربعة آلاف درهم، فقد خرج هؤلاء من عموم قول عائشة - رضي اللَّه تعالى عنهن - انتهى (٤). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٦٦/ ٣٣٤٨ - وفي "الكبرى" ٦٨/ ٥٥١٣. وأخرجه (م) في "النكاح" ١٤٢٦ (د) في "النكاح" ٢١٠٥ (ق) في "النكاح" ١٨٨٦ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٤١٠٥ (الدارمي) في "النكاح" ٢١٩٩. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): أن الصداق للمرأة عند النكاح لا بدّ منه. (ومنها): كونه الصداق خمسمائة درهم، وهذا ليس على سبيل الوجوب، وإنما هو لمن يتسّر له ذلك، وإلا فيجوز بأقلّ منه، فقد ثبت أنه ﷺ قال: "التمس، ولو خاتمًا من ذهب"، وأنه ﷺ تزوّج بأكثر من

стр. 14127

ذلك، كما في قصّة أم حبيبة - رضي اللَّه تعالى عنها - الآتية بعد حديثين، غير أنّ المغالاة فيه مكروهةٌ؛ لأنها من باب السرف، والتعسير، والمباهاة. قاله القرطبيّ. وقد تقدّم اختلاف أهل العلم في أقلّ المهر - ١/ ٣٢٠١ - في شرح حديث الواهبة نفسها، مستوفًى، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٣٤٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ, عَنْ مُوسَى بْنِ يَسَارٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: "كَانَ الصَّدَاقُ, إِذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَشْرَةَ أَوَاقٍ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن عبد اللَّه بن المبارك) أبو جعفر الْمُخَرِّميّ البغداديّ الثقة الحافظ [١١] ٤٣/ ٥٠. ٢ - (عبد الرحمن بن مهديّ) العنبريّ مولاهم البصريّ، ثقة ثبت إمام [٩] ٤٢/ ٤٩. ٣ - (داود بن قيس) الفرّاء الدّبَاغ المدنيّ، الثقة الفاضل [٥] ٩٦/ ١٢٠. ٤ - (موسى بن يسار) المطّلبيّ مولاهم المدنيّ، ثقة [٤]. روى عن أبي هريرة ﵁. وعنه ابن أخيه محمد بن إسحاق بن يسار، وعبد الرحمن بن الغسيل، وعُبيد اللَّه بن عمر العمريّ، وأبو مَعْشَر، وداود بن قيس الْفَرَّاء، وعثمان بن واقد المدنيّون. قال عباسٌ، عن ابن معين: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". علّق عنه البخاريّ، وأخرج له مسلم، والمصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث رقم ٣٣٤٩ - وحديث آخر رقم ١٤/ ٤٤٨٩ - حديث أبي هريرة في المُصَرّاة. ٥ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغدادي، وابن مهدي، فبصريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - من المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: "كَانَ الصَّدَاقُ) ولفظ أحمد من رواية إسماعيل بن عمر، عن داود بن قيس: "كان صداقنا إذ كان فينا رسول اللَّه ﷺ ،

стр. 14128

عَشْرَ أواق، وطَبَّقَ بيديه، وذلك أربع مائة". والمراد صداق غالب الناس، الذي يتعاملون به فيما بينهم، وإلا فقد تقدّم أنه ﷺ كان يتزوّج باثني عشر أوقيّة، ونَشًّا، وأمهر النجاشيّ أم حبيبة - رضي اللَّه تعالى عنها - حين زوّجها للنبيّ ﷺ أربعة آلاف درهم. وكذلك ثبت أيضًا أنه ﷺ زوّج بأقلّ من ذلك، وقال: "التمس ولو خاتمًا من حديد". وزوّج بسور من القرآن. (إِذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أي في حياته، ومرأىً، ومَسْمَع منه، ويستفاد منه أنه ﷺ قرّرهم عليه، وفيه أن الصحابيّ إذا قال: كنا نفعل كذا، في عهده ﷺ له حكم الرفع، وهو مذهب جماهير أهل العلم، من المحدّثين وغيرهم، وإلى ذلك أشار الحافظ السيوطي في "ألفيّة الحديث" حيث قال: وَلْيُعْطَ حُكْمَ الرَّفْعِ فِي الصَّوَابِ … نَحوُ "مِنَ السُّنَّةِ" مِنْ صَحَابِي "كَذَا أُمِرْنَا" وَكَذَا "كُنَّا نَرَى" … فِي عَهْدِهِ أَوْ عَنْ إِضَافَةٍ عَرَى ثَالِثُهَا إِنْ كَانَ لَا يَخْفَى وَفِي … تَصْرِيحِهِ بِعِلْمِهِ الْخُلْفُ نُفِي (عَشْرَةَ أَوَاقٍ") أي أربعمائة درهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-٦٦/ ٣٣٤٩ - وفي "الكبرى" ٦٥/ ٥٥١١. وأخرجه (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٨٥٨٩. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٣٥٠ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ بْنِ إِيَاسِ بْنِ مُقَاتِلِ بْنِ مُشَمْرِخِ بْنِ خَالِدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ أَيُّوبَ, وَابْنِ عَوْنٍ, وَسَلَمَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ, وَهِشَامِ بْنِ حَسَّانَ, دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ, قَالَ سَلَمَةُ: عَنِ ابْنِ سِيرِينَ, نُبِّئْتُ عَنْ أَبِي الْعَجْفَاءِ, وَقَالَ الآخَرُونَ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ, عَنْ أَبِي الْعَجْفَاءِ, قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: "أَلَا لَا تَغْلُوا صُدُقَ النِّسَاءِ, فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا, أَوْ تَقْوَى عِنْدَ اللَّهِ , كَانَ أَوْلَاكُمْ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ , مَا أَصْدَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ, وَلَا أُصْدِقَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ, أَكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً, وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُغْلِي بِصَدُقَةِ امْرَأَتِهِ, حَتَّى يَكُونَ لَهَا عَدَاوَةٌ فِي نَفْسِهِ, وَحَتَّى يَقُولَ: كُلِّفْتُ لَكُمْ عَلَقَ الْقِرْبَةِ, وَكُنْتُ غُلَامًا عَرَبِيًّا مُوَلَّدًا, فَلَمْ أَدْرِ مَا عَلَقُ الْقِرْبَةِ؟ قَالَ: وَأُخْرَى يَقُولُونَهَا لِمَنْ قُتِلَ فِي مَغَازِيكُمْ, أَوْ مَاتَ: قُتِلَ فُلَانٌ شَهِيدًا, أَوْ مَاتَ فُلَانٌ شَهِيدًا, وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَوْقَرَ عَجُزَ دَابَّتِهِ, أَوْ دَفَّ رَاحِلَتِهِ ذَهَبًا, أَوْ وَرِقًا يَطْلُبُ التِّجَارَةَ, فَلَا تَقُولُوا ذَاكُمْ, وَلَكِنْ قُولُوا كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ, أَوْ مَاتَ, فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ»).

стр. 14129

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: بوّب المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في "الكبرى" لهذا الحديث بقوله: [التزويج على اثنتي عشرة أوقيّة]. ورجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (عَليُّ بْنُ حُجْرِ بْنِ إِيَاسِ بْنِ مُقَاتِلِ بْنِ مُشَمْرِخِ (١) بْنِ خَالِدٍ) السعدي المروزي، نزيل بغداد، ثم مرو، ثقة حافظ، من صغار [٩] ١٣/ ١٣. ٢ - (إسماعيل بن إبراهيم) ابن عليّة الأسديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ، ثقة ثبت [٨] ١٨/ ١٩. ٣ - (أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت فقيه حجة [٥] ٤٢/ ٤٨. ٤ - (ابن عون) هو: عبد اللَّه بن عون بن أرطبان، أبو عون البصريّ، ثقة ثبت فاضل [٥] ٢٩/ ٣٣. ٥ - (سلمة بن علقمة) التميمي، أبو بشر البصريّ، ثقة [٦] ٣٤/ ١٨٨٩. ٦ - (هشام بن حسان) الأزديّ القردوسي، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقة من أثبت الناس في ابن سيرين، وفي روايته عن الحسن وعطاء مقال؛ لأنه قيل: كان يرسل عنهما [٦] ١٨٨/ ٣٠٠. ٧ - (محمد بن سيرين) الأنصاريّ، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقة ثبت كبير القدر [٣] ٤٦/ ٥٧. ٨ - (أبو العَجْفَاء) -بفتح أوّله، وسكون الجيم- السلميّ البصريّ، قيل: اسمه هَرِم ابن نَسِيب -بفتح النون، وكسر السين- وقيل: بالعكس، وقيل: بالصاد، بدل السين المهملتين- صدوق (٢) [٢]. قال ابن أبي خيثمة: سألت ابن معين، عن أبي الْعَجْفاء، فقال: اسمه هَرِم، بصريّ، ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال الدارقطنيّ: ثقة. وقال البخاريّ: في حديثه نظر. وقال أبو أحمد: ليس حديثه بالقائم. وذكره البخاريّ في "فصل من مات من التسعين إلى المائة". أخرج له الأربعة، وله في هذا الكتاب حديث الباب فقط.

стр. 14130

٩ - (عمر بن الخطاب) أمير المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦٠/ ٧٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير أبي العجفاء، فمن رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فمروزيّ، والصحابيّ ﵁ فمدنيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعيين عن تابعيّ، عن تابعيّ: أيوب، وابن عون (١)، عن ابن سيرين، عن أبي العجفاء، وفيه أن الصحابي ﵁ أحد الخلفاء الأربعة، والعشرة المبشرين بالجنة - رضي اللَّه تعالى عنهم -. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَيُّوبَ) بن أبي تميمة السختيانيّ (وَ) عبد اللَّه (ابْنِ عَوْنِ) بن أرطبان (وَسَلَمَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ) التيميّ (وَهِشَامِ بْنِ حَسَّانَ) القُرْدوسيّ البصريّ (دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضِ) يعني أن هؤلاء الأربعة حدثوا إسماعيل ابن عُلية بهذا الحديث، وتداخلت رواية بعضهم في رواية الآخرين، وكلهم رووه (عَنْ مُحَمَّدْ بْنِ سِيرِينَ) الأنصاريّ مولاهم، أبي بكر البصريّ الإمام الحجة المشهور (قَالَ سَلَمَةُ) بن علقمة (عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، نُبِّئْتُ عَنْ أَبِي الْعَجْفَاءِ) يعني رواية سلمة بن علقمة بلفظ: "عن ابن سيرين، نُبّئت عن أبي العجفاء" ببناء الفعل للمفعول، أي قال ابن سيرين أخبرني مخبر عن أبي العجفاء، والراوي له مبهم، وظاهر هذه الرواية أنها منقطعة (وَقَالَ الآخَرُونَ) أيوب، وابن عون، وهشام (عَنْ مُحَمَّدْ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي الْعَجْفَاءِ) يعني رووه بلفظ "عن محمد بن سيرين، عن أبي العجفاء"، فسموه باسمه، ورووه بـ"عن". [تنبيه]: ظاهر رواية سلمة الانقطاع كما أشرف آنفًا، ورواية هؤلاء الثلاثة تحتمل السماع، لكن صرح في رواية الإمام أحمد في "مسنده" -٣٤٠ - من طريق ابن عيينة، عن أيوب، قال: سمعه من أبي العجفاء، وكذلك حكى البخاريّ، أن هشام بن حسّان، قال: عن ابن سيرين: حدثنا أبو العجفاء، فثبت بذلك الاتصال -والحمد للَّه- وسيأتي تمام البحث قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى. (قَالَ) أبو العجفاء (قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَلَا) أدة استفتاح،

стр. 14131

وتنبيه، يلقَى بها إلى المخاطب، تنبيهًا له، وإزالةً لغفلته (لَا تُغْلُوا) بضمّ التاء، من الإغلاء رباعيًّا، يقال: غلا في الدين غُلُوًّا، من باب قَعَدَ: تَصَلَّبَ، وشَدّد حتى جاوز الحدّ، وفي التنزيل: ﴿لا تغلوا في دينكم﴾ الآية، وغالى في أمره مُغالاةً: بالغ، وغلا السّعرُ يغلُو، والاسمُ الغَلَاءُ -بالفتح، والمدّ- ارتفع، ويقال للشيء إذا زاد، وارتفع: قد غلا، ويتعدّى بالهمز، فيقال: أغلى اللَّه السّعرَ. قاله الفيّوميّ. وقوله (صُدُقَ النِّسَاءِ) وفي بعض النسخ: "صداق النساء"، و"الصُّدُقُ" -بضمَتين-: جمع صداق -بفتح الصاد، وكسرها- وقد تقدّم ضبط هذه اللفظة في شرح الترجمة. وهو بالنصب مفعول "تُغلوا". والمعنى: لا ترفعوا مُهُر النساء، ولا تتجاوزا به الحدّ الذي يتيسَّرُ لمن يريد النكاح. [تنبيه]: قولي: "من الإغلاء رباعيًا" هذا هو الصواب؛ وأما قول السنديّ: هو من الغلوّ الخ، فليس بشيء؛ لأنه هنا متعدّ نصبَ قوله: "صُدُقَ النساءِ"، والذي يتعدى هو الرباعي، وأما الثلاثيّ، فلازم، لا ينصب المفعول به، بل يتعدّى إليه إما بالباء، وإما بـ"في"، وأما دعواه أن نصبه بنزع الخافض فتكلّفٌ لا داعي إليه. وقوله: أيضًا: وليس من الغلاء، ضدّ الرخاء كما يوهمه كلام بعضهم، فجعله مضارعًا لـ"أغلى". غير صحيح أيضًا؛ لأنه صرّح بهذا التفسير في "لسان العرب"، فقال: الغلاء: نقيض الرخص، غلا السعر وغيره يغلو غَلاءً ممدود، فهو غالٍ، إلى أن قال: يقال: غاليتُ صَداقَ المرأة: أي أغليته، ومنه قول عمر ﵁: "لا تُغالوا صُدُقَات النساء"، وفي رواية: "لا تُغالوا صُدُقَ النساء"، وفي رواية: "في صَدُقاتهنّ"، أي لا تبالغوا في كثرة الصّداق، وأصلُ الغلاء: الارتفاع، ومجاوزة القدر في كلّ شيء. وقال أيضًا: وغلا في الدين، والأمر غُلُوًّا: جاوز الحدّ. وقال: غلوت في الأمر غُلُوًّا، وغَلَانيةً، وغَلَانيًا: إذا جاوزت فيه الحدّ، وأفرطت فيه. انتهى ملخّصًا (١). وقال ابن الأثير بعد تفسير كلام عمر ﵁ هذا: ما نصّه: وأصل الغَلاء: الاتفاع، ومجاوزة القدر في كلّ شيء، يقال: غاليت الشيء، وبالشيء، وغلوت فيه أغلو: إذا جاوزت فيه الحدّ انتهى (٢). فثبت بهذا صحّة كونه مضارع "أغلى"، وأن "صُدُقَ النساء" منصوب به على أنه مفعوله، لا أنه منصوب بنزع الخافض، كما ادعاه السنديّ، فإنه تكلّفٌ، لا داعي إليه، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحيّر بالاعتساف. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 14132

(فَإِنَّهُ) الفاء تعليليّةٌ، والضمير راجع إلى الإغلاء المفهوم من "تُغلُوا"، أي لأن إغلاء الصداق (لَوْ كَانَ مَكْرُمَةً) -بفتح الميم، وسكون الكاف، وضمّ الراء -أي شَرَفًا، ومَفْخَرَةً، قال في "القاموس": الْكَرَمُ محرّكةً، والْكَرَامةُ: ضدّ اللؤم. وقال في "اللسان": والْمَكْرُمةُ، والْمَكرُمُ: فعلُ الْكَرَم، وفي "الصحاح": واحدة المكارم، ولا نظير له إلا مَعُونٌ، من العَوْنِ؛ لأنّ كلّ مَفعُلَة فالهاء لها لازمةٌ، إلا هذين، قال أبو الأَخْرَز الْحِمَّاني [من الرجز]: مَرْوَانُ مَرْوَانُ أَخُو الْيَوْمِ الْيَمِي (١) … لِيَوْمِ رَوْعٍ أَوْ فِعَالِ مَكْرُمِ وُيروَى: نَعَمْ أَخُو الْهَيجَاءِ فِي الْيَوْمِ الْيَمِي وقال جَمِيل [من الطويل]: بُثَيْنَ الْزَمِي "لَا" إِنَّ "لَا" إِنْ لَزِمْتِهِ … عَلَى كَثْرَةِ الْوَاشِينَ أَيُّ مَعُونِ وقال الفرّاء: مَكْرُم جمعُ مكرُمة، ومعُونٌ جمع معونة انتهى (٢). (فِي الدُّنْيَا) متعلّقٌ بـ"مكرمة" أي مما يتشرّف به الناس فيما بينهم في الدنيا؛ لكونه عملًا محمودًا (أَوْ تَقوَى عِنْدَ اللَّهِ ) أي من الأعمال الصالحة التي يتشرّف بها العبد عند اللَّه تعالى، فترفع بها درجاته في الآخرة (كَانَ أَوْلَاكُمْ بِهِ) أي أحقّكم بمغالاة المهر (النَّبِيُّ ﷺ ) بالرفع على أنه اسم "كان" مؤخّرًا، ويجوز العكَس (مَا) نافية (أَصْدَقَ) بالبناء للفاعل: أي أعطى الصداق (رَسُولُ اللهِ ﷺ ، امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ) أي أزواجه، أمهات المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنهنّ - (وَلَا أُصْدِقَتِ) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله قوله (امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ، أَكْثَرَ) مفعول ثانٍ، تنازعاه الفعلان قبله (مِنْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ) وفي بعض النسخ: "اثنتي عشرة" (أُوقِيَّةَ) تقدّم ضبط الأقية، ومعناها، ومقدار الاثنتي عشرة أوقية أربعمائة وثمانون درهمًا. [فإن قلت]: هذا الذي قاله عمر ﵁ يعارضه ما ثبت كون مهر أم حبيبة - رضي اللَّه تعالى عنها - أربعة آلاف درهم، وأيضًا ما تقدّم في حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من زيادة النّشّ، فكيف يُجمع؟. [قلت]: يُجمع بأن مراد عمر ﵁ إذا كان النبيّ ﷺ يتولّى النكاح، أو الإنكاح بنفسه، فإنه لا يزيد على القدر المذكور، وأما زيادة مهر أم حبيبة - رضي اللَّه تعالى عنها -،

стр. 14133

فليس منه ﷺ ، وإنما هو من عند النجاشيّ ﵁، أعطاها من عنده تكريمًا للنبيّ ﷺ ، وتبجيلًا له. وأما ما تقدّم في حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من زيادة النّشّ، فيحمل على أنَّ عمر ﵁ ذكر الاثنتي عشرة، وألغى ذكر النّشّ، لكونه كسرًا، ومثلُ هذا كثير في استعمال العرب. واللَّه تعالى أعلم. (وَإنَّ الرجُلَ لَيُغْلي) بضمّ الياء، كما تقدّم، وفي بعض النسخ: "ليُغالي". قال السنديّ: قوله: "وإن الرجل ليُغالي" كذا في بعض النسخ، وهو من غاليت، وفي بعضها: ليُغلي"، والوجه ليغلو؛ لكونه من الغلوّ، كما تقدّم انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تقدّم الردّ عليه قريبًا، فلا تنسَ. (بِصَدُقَةِ امْرَأَتِهِ) وفي بعض النسخ: "بصَدُقَة امرأة". وهو بفتح الصاد، والقاف، وضمّ الدال، وآخره تاء: الصداق. ويجوز فيها فتح الدال، وإسكانها، مع فتح الصاد، ويجوز ضمّ الصاد مع ضمّ الدال، وإسكانها، وقد تقدّم تمام ضبطها عند شرح الترجمة. وفي رواية أحمد: "وإن الرجل ليُبتَلَى بصَدُقَة امرأته"، وقال مرّةً: "وإن الرجل ليُغلي بصَدُقَة امرأته … ". (حَتَّى يَكُونَ لَهَا عَدَاوَةٌ) بفتح العين: اسم من المعاداة (فِي نَفْسِهِ) أي حتى يعادي امرأته في نفسه عند أداء ذلك المهر؛ لثقله عليه حينئذ، أو عند ملاحظة قدره، وتفكّره فيه بالتفصيل. قاله السنديّ (وَحَتَّى يَقُولَ: كَلِفْتُ) -بفتح الكاف، وكسر الكاف، مبنيًّا للفاعل، يقال: كَلِفتُ الأمرَ، من باب تَعِبَ: حَمَلته على مشقّة. ويحتمل أن يكون بضمّ الكاف، وتشديد اللام، مبنيًّا للمفعول: أي كلّفوني، وحمّلُوني، يقال: كَلَّفتُهُ الأمرَ، فتكلَّفه، مثلُ حَمَّلْته، فتحمّله، وزنًا ومعنى على مشقّة أيضًا. أفاده الفيّوميّ. وقوله (لَكُمْ) أي لأجلكم، وفي رواية أحمد: "كَلِفْتُ إليكِ" بإفراد الضمير (عَلَقَ الْقِرْبَةِ) بالنصب مفعول "كلِفتُ" وهو -بفتح العين المهملة، واللام-: حبلُ القِرْبة الذي تُعلّق به. والقِرْبة -بكسر، فسكون-: الْمَزَادة، جمعها قِرَب -بكسر، ففتح-، مثل سِدْرَةِ وسِدَرٍ. يريد أنه تحمّل لأجلها كلّ شيء، حتّى عَلَقَ الْقِرْبة، وهو حبلها الذي تُعَلَّقُ به. وفي بعض الروايات؛ "عَرَقَ الْقِرْبَة" بفتح العين المهملة والراء- أيضًا. قال في "النهاية": وفي حديث عمر ﵁: " جَشِمْتُ إليك عَرَقَ القِرْبَة": "أي تكلّفت إليك، وتَعِبتُ حتى عَرِقْتُ كعَرَقِ الْقِرْبَة، وعَرَقُها: سَيَلَانُ مائها. وقيل: أراد بِعَرَق القربة عَرَقَ حاملِها من ثِقَلَها. وقيل: أراد: إني قصدتُكِ، وسافرتُ إليك،

стр. 14134

واحتجتُ إلى عَرَقِ القربة، وهو ماؤها. وقيل: أراد تكلّفتُ لك ما لم يبلغه أحدٌ، وما لا يكون؛ لأن القربة لا تَعرَقُ. وقال الأصمعيّ: عَرَقُ القربة معناه: الشّدّةُ، ولا أدري ما أصله. انتهى (١). وقال الزمخشريّ في "الفائق": جَشِمتُ إليك عَرَقَ القربةِ، أو عَلَقَ القربةِ" هذا مثلٌ تضربه العرب في الشدّة والتعَبِ، وفيه أقاويل ذكرتها في "كتاب المستقصى في أمثال العرب". وقال في "اللسان" بعد ذكر نحو ما تقدّم: وقيل: معناه جَشِمتُ إليك النَّصَبَ، والتعَبَ، والْغُرْمَ، والمؤونة حتى جَشِمتُ إليك عَرَقَ القِرْبة: أي عِرَاقَها الذي يُخْرَزُ حولها. ومن قال: عَلَقَ القربة أراد السُّيُور التي تُعلَّقُ بها. وقال ابن الأعرابيّ: كَلِفتُ إليكِ عرَقَ القربة، وعَلَقَ القربة، فأما عَرَقُها فعَرَقُك بها عن جَهْد حَمْلِها، وذلك لأن أشدّ الأعمال عندهم السَّقْيُ، وأما عَلَقُها فما شُدَّت به، ثم عُلِّقَت. وقال أيضًا: عَرَقُ القربة، وعَلَقُها واحدٌ، وهو مِعْلاقٌ تُحمَلُ به القربةُ، وأبدلوا الراء من اللام، كما قالوا: لَعَمْري، ورَعَفري انتهى (٢). (وَكُنْتُ) الظاهر أن القائل هو أبو العجفاء (غُلَامًا عَرَبِيًّا) أي منسوبًا إلى العرب، قال الفيّوميّ: ورجلُ عربيّ: ثابت النسب في العرب، وإن كان غير فصيح، وأعرب بالألف: إذا كان فصيحًا، وإن لم يكن من العرب انتهى (مُوَلَّدًا) بصيغة اسم المفعول، قال الفيّوميّ: ورجلٌ مُولَّدٌ بالفتح: عربيّ، غير مَخضٍ، وكلامٌ مولَّدٌ كذلك انتهى (فَلَمْ أَدْرِ مَا عَلَقُ القِرْبَةِ؟) يعني أنه لكونه مولَّدًا، وليس عربيًّا فصيحًا متقنًا لكلام العرب، لم يفهم معنى قول عمر ﵁: "عَلَقَ القربة"، حيث إنها غريبة في الاستعمال لا تتداولها الألسن، فلا يفهمها إلا الفصيح المتقين للغة العرب، ولذا اختلف اللغويّون في تفسيرها، على ما قدمناه (قَالَ) عمر ﵁ (وَأُخْرَى) أي وخصلة أخرى غير مغالاة المهور، مكروهة شرعًا، ثم بين تلك الخصلة بقوله (يَقُولُونَهَا لِمَنْ قُتِلَ فِي مَغَازِيكُمْ) أي محلّ غزوكم، أو المغازي جمع مَغْزًى مصدرًا ميميًا: أي غزواتكم (أَوْ مَاتَ) عطفٌ على "قُتل" أي مات على فراشه، دون يقتله أحد (قُتِلَ فُلَانٌ شَهِيدًا) ببناء الفعل للمفعول، والجملة مقول "يقولونها" (أَوْ مَاتَ فُلَانٌ شَهِيدًا، وَلَعَلَّه) أي ذلك المقتول، أو الميت (أنْ يَكُونَ قَدْ أَوْقَرَ عَجُزَ دَابَّتِهِ) أي حَمَلها وِقْرًا، والوِقْر -بالكسر: الحملُ، وأكثر ما يُستَعمل في حِملِ البغل والحمار. قاله في "النهاية" (٣) (أَوْ دَفَّ رَاحِلَتِهِ ذَهَبًا) الظاهر أن "أو"

стр. 14135

للشكّ من الراوي، و"دَّفُّ الرَّحْلِ" بفتح الدال المهملة، وتشديد الفاء: جانب كُور البعير، وهو سرجه. قاله في "النهاية" (١) (أَوْ وَرِقًا) و"أو" هنا للتنويع. و"الْوَرِق" بفتح الواو، وكسر الراء، وإسكانها للتخفيف: الفضّة المضروبة، وقيل: مضروبة كانت، أو غير مضروبة (يَطْلُبُ التِّجَارَةَ) ببناء الفعل للفاعل، والجملة حال من فاعل "أَوْقَرَ"، أي حال كونه طالبًا للتجارة، لا للغزو. أراد عمر ﵁ بهذا أن الشهيد هو الذي أخلص الخروج للجهاد، وأما من خرج مع الغزاة يريد التجارة، فقُتل، أو مات فليس بشهيد. (فَلَا تَقُولُوا ذَاكُمْ) أي لا تقولوا: فلانٌ شهيد (وَلَكِنْ قُولُوا كَمَا قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ : (مَن قُتِلَ فِيِ سَبِيلِ اللهِ) أي لأجل إعلاء كلمة اللَّه تعالى (أَوْ مَاتَ) على فراشه من غير أن يُقتل (فهُوَ فِي الْجَنَّةِ) يعني أن الذي ينبغي أن يقال في مثل هؤلاء الغُزَاة أن من قُتل منهم، أو مات لإعلاء كلمة اللَّه تعالى فهو في الجنّة على الإجمال، لا التفصيل بتعيين الاسم؛ إذ لا يَعلم المخلِصَ من غير المخلص بالتفصيل حقيقةً، إلا اللَّه تعالى، أو من أطلعه بالوحي، فلا يجوز لأحد أن يجزم بأن شخصًا معيّنًا من أهل الجنّة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عمر بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. [تنبيه]: كتب العلاّمة أحمد محمد شاكر -رحمه اللَّه تعالى- بحثًا نفيسًا يتعلّق بهذا الحديث، أحببت إيراده هنا، للفائدة، قال -رحمه اللَّه تعالى- تعليقًا على رواية الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى- في "مسنده" عن إسماعيل ابن عُليّة، عن سلمة بن علقمة بسند النسائيّ: ما نصّه: إسناد صحيح، وإن كان ظاهره الانقطاع، يقول ابن سيرين: "نُبّئت عن أبي العجفاء"، وأبو العجفاء: اسمه هَرِم -بفتح الهاء، وكسر الراء- "ابن نَسِيب" -بفتح النون، وكسر السين- وثّقه ابن معين، والدارقطنيّ، وابن حبّان. وقد سمع ابنُ سيرين هذا الحديث من أبي العجفاء، كما سيأتي -٣٤٠ - يعني في "المسند" فالظاهر أنه سمعه منه، ومن غيره عنه، فتارة يرويه هكذا، وتارة هكذا، وتارة يقول: "عن أبي العجفاء" كما سيأتي -٢٨٧ - . وقال البخاريّ في "التاريخ الصغير" ١١٢ - ١١٣ - : قال سلمة بن

стр. 14136

علقمة، عن ابن سيرين نُبّئت، عن أبي العجفاء، عن عمر، في الصداق. قال هشام، عن ابن سيرين: حدثنا أبو العجفاء. وقال بعضهم: عن ابن سيرين، عن ابن أبي العجاء، عن أبيه، في حديثه نظر. وهشام: هو ابن حسّان الأزديّ، قال سعيد بن أبي عروبة: ما رأيت أحفظ عن محمد بن سيرين من هشام. والحديث رواه الحاكم في "المستدرك" ٢/ ١٧٥ - ١٧٦ من طريق يزيد بن هارون، عن ابن عون، عن ابن سيرين عن أبي العجفاء. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وقد رواه أيوب السختيانيّ، وحبيب بن الشهيد، وهشام بن حسّان، وسلمة بن علقمة، ومنصور بن زاذان، وعوف بن أبي جميلة، ويحيى بن عتيق، كلّ هذه التراجم من روايات صحيحة عن محمد بن سيرين. وأبو العجاء السلميّ، اسمه هرم بن حيان، وهو من الثقات. وتعقّبه الحافظ الذهبيّ في اسمه، وقال: بل هرم بن نَسِيب، ولم يتعقّبه في تصحيح الحديث. ورواه أيضًا أبو داود ٢/ ١٩٩ والترمذيّ ٢/ ١٨٣ - ١٨٤ والنسائيّ ٢/ ٨٧ - ٨٨ وابن ماجه ١/ ٢٩٨ - ٢٩٩ والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ٧/ ٢٣٤ بعضهم طوله، وبعضهم اختصره. قال الترمذيّ: هذا حديث صحيح. وفي أكثر هذه الروايات: عن ابن سيرين، عن أبي العجفاء، ولكن حكاية البخاريّ أن هشام بن حسّان، قال عن ابن سيرين: حدثنا أبو العجفاء، والرواية الآتية - ٣٤٠ - رواية سفيان بن عيينة، عن أيوب، عن ابن سيرين: سمعه من أبي العجفاء، صريحتان في وصل الحديث؛ لأنهما من رواية رجلين من أثبت الناس في حديث ابن سيرين، وهما أيوب السختيانيّ، وهشام بن حسّان. وسلمة بن علقمة التميميّ البصريّ، ثقة حافظ متقن، وإسماعيل شيخ أحمد: هو ابن عُليّة انتهى ما كتبه العلامة أحمد شاكر -رحمه اللَّه تعالى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: خلاصة القول في هذا الحديث أنه متّصلٌ صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه آخر]: قد اشتهر على الألسنة أن امرأة اعترضت على عمر ﵁ في نهيه عن المغالاة في المهور، فقالت: "نهيتَ الناسَ آنفًا أن يُغالوا في صداق النساء، واللَّه تعالى يقول في "كتابه": ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾، فقال عمر ﵁: كلّ أحد أفقه من عمر، مرّتين، أو ثلاثًا، ثم رجع إلى المنبر، فقال للناس: إني

стр. 14137

كنت نهيتكم أن تُغالوا في صداق النساء، ألا فليفعل رجلٌ في ماله ما بدا له". وهذا لا يثبت، بل هو حديث منكر، يرويه مجالد، عن الشعبيّ، عن عمر. أخرجه البيهقيّ ٧/ ٢٣٣ - وقال: هذا منقطع. والحاصل أن له علّتين: الانقطاع، وضعف مجالد. وكذا ما رواه عبد الرزاق في "مصنّفه" ٦/ ١٨٠/ ١٠٤٢٠ عن قيس بن الربيع، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن السُّلَميّ، قال … فذكر نحوه، مختصرًا، وزاد في الآية، فقال: "قنطارًا من ذهب" وقال: ولذلك هي قراءة عبد اللَّه. ضعيف أيضًا، له علتان: [الأولى]: الانقطاع، فإن أبا عبد الرحمن السلمي، لم يسمع من عمر ﵁، كما قاله ابن معين. [والثانية]: سوء حفظ قيس بن الربيع. ذكره الشيخ الألباني -رحمه اللَّه تعالى- في "إروائه" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦٦/ ٣٣٥٠ - وفي "الكبرى" ٦٦/ ٥٥١١. وأخرجه (د) في "النكاح" ٢١٠٦ (ت) في "النكاح" ١١١٤ (ق) في "النكاح" ١٨٨٧ (أحمد) في "مسند العشرة" ٢٨٧ (الدارمي) في "النكاح" ٢٢٠٠. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): عدم المغالاة في مهور النساء؛ لأنه يؤدّي إلى تعطيل الزواج، وفساد المزاج. (ومنها): فقه عمر بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنه -، حيث استنبط مما كان النبيّ ﷺ يدفعه مهرًا لنسائه أنه هو المختار الأعدل، فيكون تجاوزه غلوًّا، واعتداءً، وهذا التفقه منه ﵁ لا يتعارض مع قوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ (٢) الآية. لأن الآية -كما قال بعض المحققين- لا تعني المغالاة بالمهور، وإنما المبالغة في التمثيل بالقنطار، كأنه قال: وآتيتم هذا القدر العظيم الذي لا يؤتيه أحد. وهذا كقوله ﷺ : "من بني للَّه مسجدًا، ولو كمَفْحَصِ قطاة، بني اللَّه له بيتًا في الجنّة" (٣) ومعلومٌ أنه لا يكون مسجد كمَفْحَص قطاة. وقد تقدّم أن قصّة المرأة التي عارضت عمر ﵁ بالآية المذكورة غير صحيحة.

стр. 14138

ويؤيّد تفقّه عمر ﵁ ما روي أنه ﷺ قال لابن أبي حدرد، وقد جاء يستعينه في مهره، فسأله عنه، فقال: مائتين، فغضب رسول اللَّه ﷺ ، وقال: "كأنكم تقطعون الذهب والفضّة من عُرْض الحرّة، أو جبل" (١). (٢). (ومنها): ما كان عليه النبيّ ﷺ من التوسّط في مهور النساء. (ومنها): ضرب المثل لإيضاح المسألة. (ومنها): النهي عما يقوله الناس: فلانٌ الشهيد؛ لأنه لا يُعلم إخلاصه في جهاده، ولأنه لا يمكن القطع لأحد بذلك، بل هو مما استأثر اللَّه تعالى به عن خلقه، إلا من أطلعه بالوحي، بل ينبغي أن يقال: من قتل في سبيل اللَّه فهو شهيد، واللَّه أعلم بمن يقاتل في سبيله. [تنبيه]: مما ينبغي الْحَذَرُ عنه ما شاع اليومَ في ألسنة الناس من قولهم: فلان المرحوم؛ لأن فيه الوصف القطعيّ بأن اللَّه تعالى رحمه، وذلك من القول بلا علم؛ لأنه لا يُعلم هل ﵀، أم عذّبه؟، فلا ينبغي ذلك، بل يقال فلان ﵀ كان كذا، على سبيل الدعاء له، لا الإخبار. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٣٥١ - (أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ, عَنْ مَعْمَرٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ, عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَزَوَّجَهَا, وَهِيَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ, زَوَّجَهَا النَّجَاشِيُّ, وَأَمْهَرَهَا أَرْبَعَةَ آلَافٍ, وَجَهَّزَهَا مِنْ عِنْدِهِ, وَبَعَثَ بِهَا مَعَ شُرَحْبِيلَ ابْنِ حَسَنَةَ, وَلَمْ يَبْعَثْ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِشَيْءٍ, وَكَانَ مَهْرُ نِسَائِهِ أَرْبَعَمِائَةِ دِرْهَمٍ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ترجم المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- على هذا الحديث في "الكبرى" بقوله: [التزويج على أربعمائة درهم]. ورجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (العباس بن محمد الدُّوريّ) أبو الفضل البغداديّ، خُوَارزميّ الأصل، ثقة حافظ [١١] ١٠٢/ ١٣٥.

стр. 14139

٢ - (عليّ بن الحسن بن شَقيق) أبو عبد الرحمن المروزيّ، ثقة حافظ، من كبار [١٠] ٢٢/ ٩٠٦. ٣ - (عبد اللَّه بن المبارك) الحنظليّ، أبو عبد الرحمن المروزيّ، ثقة ثبت فقيه عالم جواد مجاهد، جُمعت فيه خصال الخير [٨] ٣٢/ ٣٦. ٤ - (معمر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضل، من كبار [٧] ١٠/ ١٠. ٥ - (الزهريّ) محمد بن مسلم المدنيّ الإمام الحجة الثبت [٤] ١/ ١. ٦ - (عروة بن الزبير) بن العوّام الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٤٠/ ٤٤. ٧ - (أُمُّ حَبِيبَةَ) رملة بنت أبي سُفيان صخر بن حرب بن أميّة بن عبد شمس الأمويّة، زوج النبيّ ﷺ ، تكنّى أم حبيبة، وهي بها أشهر من اسمها. وقيل: بل اسمها هند، ورملة أصحّ. وأمها صفيّة بنت أبي العاص بن أميّة، وُلدت قبل البعثة بسبعة عشر عامًا، تزوّجها حليفهم عُبيد اللَّه -بالتصغير- ابن جحش بن رئاب بن يَعمر الأسديّ، من بني أسد خزيمة، فأسلما، ثم هاجر إلى الحبشة، فولدت له حبيبة، فيها كانت تُكنى. وقيل: إنما ولدتها بمكة، وهاجرت، وهي حامل بها (١) إلى الحبشة. وقيل: ولدتها بالحبشة. وتزوّج حبيبة داود بن عروة بن مسعود. ماتت - رضي اللَّه تعالى عنها - سنة (٢) أو (٤٩)، وقيل: (٥٠) تقدّمت في ١٣/ ٧٠٤ واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ، وشيخه بغداديّ، والباقيان مروزيان، ومعمر بصري، ثم يمنيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ) رملة بنت أبي سُفيان - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَهَا) وذلكَ سنة سبع من الهجرة، وقيل: سنة ستّ، والأول أشهر (وَهِيَ بِأَرضِ الْحَبَشَةِ) وذلك بعد زوجها عُبيد اللَّه بن جحش بن رئاب الأسديّ المذكور آنفًا.

стр. 14140

وقصّة زواجه ﷺ لها، هو ما أخرجه ابن سعد من طريق إسماعيل بن عمرو بن سعيد الأمويّ، قال: قالت أم حبيبة: رأيت في المنام كأن زوجي عبيد اللَّه بن جحش بأسوء صورة، ففزعت، فأصبحت، فإذا به قد تنصّر، فأخبرته بالمنام، فلم يحفل به، وأكبّ على الخمر، حتى مات، فأتاني آتٍ في نومي، فقال: يا أمّ المؤمنين، ففزعتُ، فما هو إلا أن انقضت عدّتي، فما شعرتُ إلا برسول النجاشيّ، يستأذن، فإذا هي جارية، يقال لها: أبرهة، فقالت: إن الملك يقول لك: وكّلي من يزوّجك، فأرسلتُ إلى خالد بن الوليد سعيد بن العاص بن أمية، فوكّلته، فأعطيت أبرهة سوارين من فضّة، فلما كان العشيّ أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب، ومن هناك من المسلمين، فحضروا، فخطب النجاشيّ، فحمد اللَّه، وأثنى عليه، وتشهّد، ثم قال: أما بعد: فإن رسول اللَّه ﷺ كتب إليّ أن أزوّجه أم حبيبة (١)، فأجبتُ، وقد أصدقتها عنه أربعمائة دينار، ثم سكب الدنانير، فخطب خالد، فقال: قد أجبت إلى ما دعا إليه رسول اللَّه ﷺ ، وزوّجته أم حبيبة (٢)، وقبض الدنانير، وعمل لهم النجاشيّ طعامًا، فأكلوا، قالت أم حبيبة: فلما وصل إليّ المال أعطيتُ أبرهة منه خمسين دينارًا، قالت: فردّتها عليّ، وقالت: إن الملك عزم عليّ بذلك، وردّت عليّ ما كنتُ أعطيتها أوّلًا، ثم جاءتنى من الغد بعُود، ووَرْسٍ، وعَنبَر، وزَبَاد كثير، فقدِمتُ به معي على رسول اللَّه ﷺ (٣). (زَوَّجَهَا النَّجَاشِيُّ) -بفتح النون على المشهور. وقيل: تُكسر، وتخفيف الجيم، وأخطأ من شدّدها، وبتشديد آخره. وحكى المطرّزيّ التخفيف، ورجحه الصغانيّ. وهو ملك الحبشة وقت ذاك، واسمه أصحمة بن أبجر، واسمه بالعربيّة عطيّة، والنجاشيّ لقبٌ له، أسلم على عهد النبيّ ﷺ ، ولم يُهاجر إليه، وكان رِدْئًا للمسلمين نافعًا، وقصّته مشهورة في المغازي في إحسانه إلى المسلمين الذين هاجروا إليه في صدر الإسلام، وأخرج أصحاب "الصحيح" قصّة صلاته ﷺ عليه صلاة الغائب من طرق، وتقدّم للنسائيّ في "كتاب الجنائز" -٥٧/ ١٩٤٦. مات -رحمه اللَّه تعالى- في رجب سنة تسع على ما قاله الطبريّ، وجماعة، وقيل: قبل الفتح. ولما مات قال النبيّ ﷺ : "مات اليوم عبد صالحٌ، فقدموا، فصلّوا عليه". وفي لفظ: "قد مات عبد صالحٌ، يقال له: أصحمة، فقدموا، فصلّوا على أصحمة". وفي لفظ: "إن أخاكم أصحمة النجاشيّ قد تُوفّي، فصلّوا عليه، قال: فوثب رسول اللَّه ﷺ ، ووثبنا معه حتى جاء

стр. 14141

المصلّى، فقام، فصففنا وراءه، فكبّر أربع تكبيرات" (١). و"أصحمة" بوزن أربعة، وحاؤه مهملة. وقيل: معجمة. وقيل: إنه بموحّدة بدل الميم. وقيل: صحمة بغير ألف. وقيل: كذلك لكن بتقديم الميم على الصاد. وقيل: بزيادة ميم في أوله بدل الألف. قال الحافظ في "الإصابة" بعد ذكر ما تقدّم: ويتحصّل من هذا الخلاف في اسمه ستة ألفاظ، لم أرها مجموعة انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: فعلى هذا ما اشتهر على ألسنة أهل بلدنا من أن اسمه أحمد مما لا أصل له، اللَّهمّ إلا أن يُدّعَى أنه صُحّف من بعض هذه الألفاظ. واللَّه تعالى أعلم. (وَأَمْهَرَهَا أَرْبَعَةَ آلَافٍ) أي من الدراهم، يعني أنه دفع إليها مهرًا مقداره أربعة آلاف درهم. [فإن قلت]: هذه الرواية صريحة في أن النجاشيّ دفع أربعة آلاف درهم، وقد تقدّمت رواية أنه دفع إليها أربعمائة دينار، فكيف الجمع بينهما؟ [قلت]: يُجمَع يحمل إحدى الروايتين على أنها رواية بالمعنى؛ لتساوي العددين من حيث القيمةُ. واللَّه تعالى أعلم. (وَجَهَّزَهَا مِنْ عِنْدِهِ) أي هيّأ لها جهاز السفر، يقال: جهّزت المسافر بالتثقيل: هيّأتُ له جهازه، والجهاز أُهْبةُ السفر، وما يُحتاج إليه في قطع المسافة، وهو بفتح الجيم، وبه قرأ السبعة في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾، والكسر لغة قليلةٌ. قاله الفيّوميّ (وَبَعَثَ بِهَا مَعَ شرَحْبيلَ ابْنِ حَسَنَةَ) هو شُرَحبيل بن عبد اللَّه بن المطاع بن عبد اللَّه بن الْغِطريف بن عبد العزّى بن جثامة بن مالك الكنديّ، ويقال: التميميّ، ويقال: إنه من ولد الْغَوْث بن مُزاحم بن تميم بن عامر، فقيل له التميميّ لذلك. وحسنة أمه، وقيل: تَبَنّته. وكانت مولاةً لمعمر بن حبيب الْجُمحيّ، فكان جُنادة، وجابرٌ ابنا سفيان بن معمر بن حبيب أخويه لأمه. ويقال: إن معمرًا زوّج حسنَةَ لرجل من الأنصار من بني زُريق، يقال له: سُفيان، وكان معمر قد تبنّاه، فنُسب إليه، فولدت جابرًا، وجُنادة، فأسلم جابر وأخوه، وأخوهما لأمهما شُرَحبيل قديمًا، وهاجروا إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، ونزلوا في بني زُريق، ثم هلك سفيان وابناه في خلافة عمر، فحالف شُرحبيلُ بني زُهرةَ، وكان شُرحبيل ممن سيّره أبو بكر في فتوح الشام، وُيكنى شرحبيل أبا عبد اللَّه، ويقال: أبا عبد الرحمن، ويقال: أبا واثلة، وله رواية عن النبيّ ﷺ عند ابن ماجه، وعن عبادة بن الصامت، روى عنه ابناه: ربيعة، وعبد الرحمن بن

стр. 14142

غَنم، وأبو عبد اللَّه الأشعريّ. قال ابن البَرْقيّ، ولّاه عمر على ربع من أرباع الشام، ويقال: إنه طُعِن هو وأبو عُبيدة في يوم واحد، ومات في طاعون عَمَواس، وهو ابن (٦٧)، وحديثه في الطاعون، ومنازعته لعمرو بن العاص في ذلك مشهورة. أخرجه أحمد وغيره. وقال ابن زَبْر: إنه الذي افتتح طَبَريّة. وقال ابن يونس: أرسله النبيّ ﷺ إلى مصر، فمات شُرحبيل بها. (وَلَمْ يَبْعَثْ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِشَيْءِ) يعني أنه ﷺ لم يمهرها بشيء (وَكَانَ مَهْرُ نِسَائِهِ أَرْبَعَ مِائَةِ دِرْهَمٍ) يعني أنه ﷺ كان مقدار مهره الذي يدفعه لنسائه غالبًا أربعمائة درهم، وإنما أمهر أم حبيبة النجاشيُّ كرمًا من عنده تعظيمًا للنبيّ ﷺ . وهذا يوافق ما تقدّم في حديث أبي هريرة ﵁ رقم (٣٣٤٩) "كان الصداق إذ كان فينا رسول اللَّه ﷺ عشرة أواق"، ويخالف حديث عائشة ﵂: حيث قالت: "كان صداقه اثنتى عشرة أوقيّة وَنَشًّا". ويمكن الجمع بأن حديث أم حبيبة وأبي هريرة ﵁ للمهر الذي يتعامل به الصحابة، وحديث عائشة ﵂ للمهر الذي يدفعه ﷺ ، ومعنى "كان مهر نسائه" أي نساءِ أصحابِهِ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أم حبيبة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦٦/ ٣٣٥١ - وفي "الكبرى" ٦٧/ ٥٥١٢. وأخرجه (د) في "النكاح" ٢٠٨٦ (أحمد) في "مسند القبائل" ٢٦٨٦٢. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): جواز دفع أربعة آلاف درهم مهرًا، لمن لا يشق ذلك عليه، وكان عن طيب نفس الدافع. (ومنها): أنه لا يجب على الزوج دفع المهر من ماله، بل لو دفع عنه شخصٌ آخر جاز. (ومنها): ما كان النبيّ ﷺ من كريم الأخلاق، وجميل الفعال، حيث كان يسعى في رفع معاناة الضعفاء والمساكين، فإنه لما حلّ بأ حبيبة - رضي اللَّه تعالى - عنها في دار الغربة عناءٌ شديدٌ، وذلك أنه لَمَّا مات زوجها على أسوء حال، حيث ارتدّ عن الإسلام، وتنصّر، فدخلها من ذلك حزن شديد، قام النبيّ ﷺ بإزالة ذلك عنها، كما فعل بصفية - رضي اللَّه تعالى عنها -، حينما أصيب أبوها، وزوجها في غزوة خيبر، وكانت عروسًا، فوقعت أسيرة تحت قيد الرقّ، فقام ﷺ بإزالة ذلك عنها، فأعتقها، وأدخلها في عداد أمهات المؤمنين، فظهر بذلك مصداق قوله : ﴿لَقَدْ

стр. 14143

جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، وقوله : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، فصلى اللَّه وسلم، وبارك عليه وعلى آله، وصحبه أجمعين. (ومنها): بيان منقبة النجاشيّ، وفضيلته، حيث طلب منه النبيّ ﷺ أن يزوّجه أم حبيبة - رضي اللَّه تعالى عنها -، فقام في ذلك أحسن قيام، وبالغ في إكرامها تعظيمًا له ﷺ أيَّ إكرام، ف- رضي اللَّه تعالى - عنه، وأرضاه، وجعل جنّة الفردوس مثواه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٦٧ - (التَّزْوِيجُ عَلَى نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "النّوَى" -بفتح النون، والواو، مقصورًا-: اختُلف في المراد به على أقوال: فقيل: المراد واحدة نوى التمر، كما يوزن بنوى الخَرُّوب، وأن القيمة عنها يومئذ كانت خمسة دراهم. وقيل: كان قدرها يومئذ ربع دينار. ورُدّ بأن نوى التمر يَختلف في الوزن، فكيف يُجعل معيارًا لما يوزن به؟. وقيل: لفظ النواة من ذهب عبارة عما قيمته خمسة دراهم من الورق، وجزم به الخطّابيّ، واختاره الأزهريّ، ونقله عياضٌ عن أكثر العلماء. ويؤيّده أن في رواية للبيهقيّ من طريق سعيد بن بشر، عن قتادة: "وزن نواة من ذهب، قُوّمت خمسةَ دراهمَ". وقيل: وزنها من الذهب خمسة دراهم. حكاه ابن قتيبة، وجزم به ابن فارس، وجعله البيضاويّ الظاهر. واستُبعِدَ لأنه يستلزم أن يكون ثلاثة مثاقيل ونصفًا. ووقع في رواية حجّاج بن أرطأة، عن قتادة، عند البيهقيّ: "قُوّمت ثلاثة دراهم وثلثًا". وإسناده ضعيف، ولكن جزم به أحمد. وقيل: ثلاثة ونصفٌ. وقيل: ثلاثة وربع. وعن بعض المالكيّة النواة عند أهل المدينة ربع دينار. ويؤيّد هذا ما وقع عند الطبرانيّ في "الأوسط" في آخر الحديث قال أنس: " جاء وزنها ربع دينار". وقد قال الشافعيّ: النواة ربع النّشّ نصف أوقيّة، والأوقيّة أربعون درهمًا، فيكون خمسة دراهم، وكذا قال أبو عبيد: إن عبد الرحمن بن عوف دفع خمسة دراهم، وهي تسمى نواة كما تسمّى الأربعون أوقيّة، وبه جزم أبو عوانة، وآخرون. قاله في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٣٥٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ,

стр. 14144

وَاللَّفْظُ لِمُحَمَّدٍ, عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ, جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ , وَبِهِ أَثَرُ الصُّفْرَةِ, فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ , فَأَخْبَرَهُ, أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كَمْ سُقْتَ إِلَيْهَا؟» , قَالَ: زِنَةَ نَوَاةٍ, مِنْ ذَهَبٍ, قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَوْلِمْ, وَلَوْ بِشَاةٍ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن سلمة) المرادي الجملي، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت [١١] ١٩/ ٢٠. ٢ - (الحارث بن مسكين) بن محمد بن يوسف الأموي مولاهم، أبو عمرو المصريّ القاضي، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩. ٣ - (ابن القاسم) عبد الرحمن الْعُتقي، أبو عبد اللَّه المصري الفقيه، صاحب مالك، ثقة، من كبار [١٠] ١٩/ ٢٠. ٤ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبتين [٧] ٧/ ٧. ٥ - (حميد الطويل) ابن أبي حميد، أبو عبيدة البصري، ثقة، يدلس [٥] ٨٧/ ١٠٨. ٦ - (أنس بن مالك) خادم رسول اللَّه ﷺ رضي اللَّه تعالى عنه - ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فقد تفرد به هو وأبو داود. (ومنها): أن فيه أنسًا - رضي اللَّه تعالى عنه - من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة ﵃ بالبصرة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ) بن عبد عوف ابن عبد الحارث بن زهرة القرشيّ الزهريّ، أحد العشرة المبشّرين بالجنّة، أسلم قديمًا، ومناقبه شهيرة، ومات - رضي اللَّه تعالى عنه - سنة (٣٢) وقيل: غير ذلك، تقدّمت ترجمته في -٤٠/ ٢٢٠٨ - (جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَبِهِ أَثَرُ الصُّفْرَةِ) أي أثر طيب. وفي رواية: "فلقيه النبيّ ﷺ في سكة من سِكك المدينة، وعليه وَضَر من صفرة". وفي رواية: "وعليه وضرٌ من خَلُوق". وفي رواية: "وعليه رَدْعُ زعفران". و"الوضر" بفتح الواو، والضاد المعجمة، وآخره راءٌ: هو في الأصل الأثر. و"الرَّدْعُ " بمهملات مفتوح الأول،

стр. 14145

ساكن الثاني-: هو أثر الزعفران. والمراد بالصفرة صفرةُ الْخَلُوق، والْخَلُوق: طيب من زعفران وغيره. قاله في "الفتح" (١). وفي الحديث قصّة، ساقه البخاريّ، ولفظه: حدثنا عليّ، حدثنا سفيان، قال: حدثني حميد، أنه سمع أنسا ﵁، قال: سأل النبي ﷺ ، عبد الرحمن بن عوف -وتزوج امرأة من الأنصار-: "كم أصدقتها؟، قال: وَزْنَ نواة من ذهب، وعن حميد، سمعت أنسا، قال: لما قدموا المدينة، نزل المهاجرون على الأنصار، فنزل عبد الرحمن بن عوف، على سعد بن الربيع، فقال: أقاسمك مالي، وأَنزِل لك عن إحدى امرأتيّ، قال: بارك اللَّه لك في أهلك ومالك، فخرج إلى السوق، فباع، واشترى، فأصاب شيئا من أقط، وسمن، فتزوج، فقال النبي ﷺ : "أولم، ولو بشاة". (فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟) وفي الرواية الآتية في -٧٥/ ٣٣٧٤ - : "فقال رسول اللَّه ﷺ : مَهْيم". أي ما شأنك، أو ما هذا (فَأَخْبَرَهُ، أنّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ) هي بنت أبي الحيسر أنس بن رافِع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل (فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كَمْ سُقْتَ إِلَيْهَا) أيْ أَيَّ مَبلغ من المال دفعت إلى هذه المرأة. وفي رواية: "كم أصدقتها؟ " (قَالَ) عبد الرحمن (زِنَةَ نَوَاةٍ) بالنصب على تقدير فعل، أي سُقتُ إليها زنةَ نواة، ويجوز الرفع على تقدير مبتدإ، أي الذي سقته إليها هو زنةُ نواة. قال في "النهاية": النواةُ اسم لخمسة دراهم، كما قيل للأربعين أوقيّة وللعشرين نَشّ. وقيل: أراد قدر نواة من ذهب كان قيمتها خمسة دراهم، ولم يكن ثَمَّ ذهب، وأنكره أبو عبيد. قال الأزهريّ: لفظ الحديث، يدلّ على أنه تزوّج المرأة على ذهب قيمته خمسة دراهم، ألا تراه قال: نواة من ذهب، ولست أدري لِمَ أنكره أبو عُبيد، والنواة في الأصل عَجَمَةُ التمرة انتهى (٢). وتقدّم الخلاف في معنى النواة مستوفًى أول الباب. (مِنْ ذَهَبٍ) قال في "الفتح": كذا وقع الجزم في رواية ابن عيينة، والثوريّ، وكذا في رواية حماد بن سلمة، عن ثابت، وحميد. وفي رواية زهير، وابن عليّة: "نواة من ذهب، أو وزن نواة من ذهب". وكذا في رواية عبد الرحمن نفسه بالشكّ. وفي رواية شعبة عن عبد العزيز بن صُهيب: "على وزن نواة"، وعن قتادة: "على وزن نواة من ذهب"، ومثل الأخير في رواية حماد بن زيد، عن ثابت، وكذا أخرجه مسلم من طريق
следующие страницы →