← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 14141–14180 · переход к 14146.

стр. 14141

المصلّى، فقام، فصففنا وراءه، فكبّر أربع تكبيرات" (١). و"أصحمة" بوزن أربعة، وحاؤه مهملة. وقيل: معجمة. وقيل: إنه بموحّدة بدل الميم. وقيل: صحمة بغير ألف. وقيل: كذلك لكن بتقديم الميم على الصاد. وقيل: بزيادة ميم في أوله بدل الألف. قال الحافظ في "الإصابة" بعد ذكر ما تقدّم: ويتحصّل من هذا الخلاف في اسمه ستة ألفاظ، لم أرها مجموعة انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: فعلى هذا ما اشتهر على ألسنة أهل بلدنا من أن اسمه أحمد مما لا أصل له، اللَّهمّ إلا أن يُدّعَى أنه صُحّف من بعض هذه الألفاظ. واللَّه تعالى أعلم. (وَأَمْهَرَهَا أَرْبَعَةَ آلَافٍ) أي من الدراهم، يعني أنه دفع إليها مهرًا مقداره أربعة آلاف درهم. [فإن قلت]: هذه الرواية صريحة في أن النجاشيّ دفع أربعة آلاف درهم، وقد تقدّمت رواية أنه دفع إليها أربعمائة دينار، فكيف الجمع بينهما؟ [قلت]: يُجمَع يحمل إحدى الروايتين على أنها رواية بالمعنى؛ لتساوي العددين من حيث القيمةُ. واللَّه تعالى أعلم. (وَجَهَّزَهَا مِنْ عِنْدِهِ) أي هيّأ لها جهاز السفر، يقال: جهّزت المسافر بالتثقيل: هيّأتُ له جهازه، والجهاز أُهْبةُ السفر، وما يُحتاج إليه في قطع المسافة، وهو بفتح الجيم، وبه قرأ السبعة في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾، والكسر لغة قليلةٌ. قاله الفيّوميّ (وَبَعَثَ بِهَا مَعَ شرَحْبيلَ ابْنِ حَسَنَةَ) هو شُرَحبيل بن عبد اللَّه بن المطاع بن عبد اللَّه بن الْغِطريف بن عبد العزّى بن جثامة بن مالك الكنديّ، ويقال: التميميّ، ويقال: إنه من ولد الْغَوْث بن مُزاحم بن تميم بن عامر، فقيل له التميميّ لذلك. وحسنة أمه، وقيل: تَبَنّته. وكانت مولاةً لمعمر بن حبيب الْجُمحيّ، فكان جُنادة، وجابرٌ ابنا سفيان بن معمر بن حبيب أخويه لأمه. ويقال: إن معمرًا زوّج حسنَةَ لرجل من الأنصار من بني زُريق، يقال له: سُفيان، وكان معمر قد تبنّاه، فنُسب إليه، فولدت جابرًا، وجُنادة، فأسلم جابر وأخوه، وأخوهما لأمهما شُرَحبيل قديمًا، وهاجروا إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، ونزلوا في بني زُريق، ثم هلك سفيان وابناه في خلافة عمر، فحالف شُرحبيلُ بني زُهرةَ، وكان شُرحبيل ممن سيّره أبو بكر في فتوح الشام، وُيكنى شرحبيل أبا عبد اللَّه، ويقال: أبا عبد الرحمن، ويقال: أبا واثلة، وله رواية عن النبيّ ﷺ عند ابن ماجه، وعن عبادة بن الصامت، روى عنه ابناه: ربيعة، وعبد الرحمن بن

стр. 14142

غَنم، وأبو عبد اللَّه الأشعريّ. قال ابن البَرْقيّ، ولّاه عمر على ربع من أرباع الشام، ويقال: إنه طُعِن هو وأبو عُبيدة في يوم واحد، ومات في طاعون عَمَواس، وهو ابن (٦٧)، وحديثه في الطاعون، ومنازعته لعمرو بن العاص في ذلك مشهورة. أخرجه أحمد وغيره. وقال ابن زَبْر: إنه الذي افتتح طَبَريّة. وقال ابن يونس: أرسله النبيّ ﷺ إلى مصر، فمات شُرحبيل بها. (وَلَمْ يَبْعَثْ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِشَيْءِ) يعني أنه ﷺ لم يمهرها بشيء (وَكَانَ مَهْرُ نِسَائِهِ أَرْبَعَ مِائَةِ دِرْهَمٍ) يعني أنه ﷺ كان مقدار مهره الذي يدفعه لنسائه غالبًا أربعمائة درهم، وإنما أمهر أم حبيبة النجاشيُّ كرمًا من عنده تعظيمًا للنبيّ ﷺ . وهذا يوافق ما تقدّم في حديث أبي هريرة ﵁ رقم (٣٣٤٩) "كان الصداق إذ كان فينا رسول اللَّه ﷺ عشرة أواق"، ويخالف حديث عائشة ﵂: حيث قالت: "كان صداقه اثنتى عشرة أوقيّة وَنَشًّا". ويمكن الجمع بأن حديث أم حبيبة وأبي هريرة ﵁ للمهر الذي يتعامل به الصحابة، وحديث عائشة ﵂ للمهر الذي يدفعه ﷺ ، ومعنى "كان مهر نسائه" أي نساءِ أصحابِهِ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أم حبيبة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦٦/ ٣٣٥١ - وفي "الكبرى" ٦٧/ ٥٥١٢. وأخرجه (د) في "النكاح" ٢٠٨٦ (أحمد) في "مسند القبائل" ٢٦٨٦٢. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): جواز دفع أربعة آلاف درهم مهرًا، لمن لا يشق ذلك عليه، وكان عن طيب نفس الدافع. (ومنها): أنه لا يجب على الزوج دفع المهر من ماله، بل لو دفع عنه شخصٌ آخر جاز. (ومنها): ما كان النبيّ ﷺ من كريم الأخلاق، وجميل الفعال، حيث كان يسعى في رفع معاناة الضعفاء والمساكين، فإنه لما حلّ بأ حبيبة - رضي اللَّه تعالى - عنها في دار الغربة عناءٌ شديدٌ، وذلك أنه لَمَّا مات زوجها على أسوء حال، حيث ارتدّ عن الإسلام، وتنصّر، فدخلها من ذلك حزن شديد، قام النبيّ ﷺ بإزالة ذلك عنها، كما فعل بصفية - رضي اللَّه تعالى عنها -، حينما أصيب أبوها، وزوجها في غزوة خيبر، وكانت عروسًا، فوقعت أسيرة تحت قيد الرقّ، فقام ﷺ بإزالة ذلك عنها، فأعتقها، وأدخلها في عداد أمهات المؤمنين، فظهر بذلك مصداق قوله : ﴿لَقَدْ

стр. 14143

جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، وقوله : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، فصلى اللَّه وسلم، وبارك عليه وعلى آله، وصحبه أجمعين. (ومنها): بيان منقبة النجاشيّ، وفضيلته، حيث طلب منه النبيّ ﷺ أن يزوّجه أم حبيبة - رضي اللَّه تعالى عنها -، فقام في ذلك أحسن قيام، وبالغ في إكرامها تعظيمًا له ﷺ أيَّ إكرام، ف- رضي اللَّه تعالى - عنه، وأرضاه، وجعل جنّة الفردوس مثواه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٦٧ - (التَّزْوِيجُ عَلَى نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "النّوَى" -بفتح النون، والواو، مقصورًا-: اختُلف في المراد به على أقوال: فقيل: المراد واحدة نوى التمر، كما يوزن بنوى الخَرُّوب، وأن القيمة عنها يومئذ كانت خمسة دراهم. وقيل: كان قدرها يومئذ ربع دينار. ورُدّ بأن نوى التمر يَختلف في الوزن، فكيف يُجعل معيارًا لما يوزن به؟. وقيل: لفظ النواة من ذهب عبارة عما قيمته خمسة دراهم من الورق، وجزم به الخطّابيّ، واختاره الأزهريّ، ونقله عياضٌ عن أكثر العلماء. ويؤيّده أن في رواية للبيهقيّ من طريق سعيد بن بشر، عن قتادة: "وزن نواة من ذهب، قُوّمت خمسةَ دراهمَ". وقيل: وزنها من الذهب خمسة دراهم. حكاه ابن قتيبة، وجزم به ابن فارس، وجعله البيضاويّ الظاهر. واستُبعِدَ لأنه يستلزم أن يكون ثلاثة مثاقيل ونصفًا. ووقع في رواية حجّاج بن أرطأة، عن قتادة، عند البيهقيّ: "قُوّمت ثلاثة دراهم وثلثًا". وإسناده ضعيف، ولكن جزم به أحمد. وقيل: ثلاثة ونصفٌ. وقيل: ثلاثة وربع. وعن بعض المالكيّة النواة عند أهل المدينة ربع دينار. ويؤيّد هذا ما وقع عند الطبرانيّ في "الأوسط" في آخر الحديث قال أنس: " جاء وزنها ربع دينار". وقد قال الشافعيّ: النواة ربع النّشّ نصف أوقيّة، والأوقيّة أربعون درهمًا، فيكون خمسة دراهم، وكذا قال أبو عبيد: إن عبد الرحمن بن عوف دفع خمسة دراهم، وهي تسمى نواة كما تسمّى الأربعون أوقيّة، وبه جزم أبو عوانة، وآخرون. قاله في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٣٥٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ,

стр. 14144

وَاللَّفْظُ لِمُحَمَّدٍ, عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ, جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ , وَبِهِ أَثَرُ الصُّفْرَةِ, فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ , فَأَخْبَرَهُ, أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كَمْ سُقْتَ إِلَيْهَا؟» , قَالَ: زِنَةَ نَوَاةٍ, مِنْ ذَهَبٍ, قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَوْلِمْ, وَلَوْ بِشَاةٍ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن سلمة) المرادي الجملي، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت [١١] ١٩/ ٢٠. ٢ - (الحارث بن مسكين) بن محمد بن يوسف الأموي مولاهم، أبو عمرو المصريّ القاضي، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩. ٣ - (ابن القاسم) عبد الرحمن الْعُتقي، أبو عبد اللَّه المصري الفقيه، صاحب مالك، ثقة، من كبار [١٠] ١٩/ ٢٠. ٤ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبتين [٧] ٧/ ٧. ٥ - (حميد الطويل) ابن أبي حميد، أبو عبيدة البصري، ثقة، يدلس [٥] ٨٧/ ١٠٨. ٦ - (أنس بن مالك) خادم رسول اللَّه ﷺ رضي اللَّه تعالى عنه - ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فقد تفرد به هو وأبو داود. (ومنها): أن فيه أنسًا - رضي اللَّه تعالى عنه - من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة ﵃ بالبصرة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ) بن عبد عوف ابن عبد الحارث بن زهرة القرشيّ الزهريّ، أحد العشرة المبشّرين بالجنّة، أسلم قديمًا، ومناقبه شهيرة، ومات - رضي اللَّه تعالى عنه - سنة (٣٢) وقيل: غير ذلك، تقدّمت ترجمته في -٤٠/ ٢٢٠٨ - (جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَبِهِ أَثَرُ الصُّفْرَةِ) أي أثر طيب. وفي رواية: "فلقيه النبيّ ﷺ في سكة من سِكك المدينة، وعليه وَضَر من صفرة". وفي رواية: "وعليه وضرٌ من خَلُوق". وفي رواية: "وعليه رَدْعُ زعفران". و"الوضر" بفتح الواو، والضاد المعجمة، وآخره راءٌ: هو في الأصل الأثر. و"الرَّدْعُ " بمهملات مفتوح الأول،

стр. 14145

ساكن الثاني-: هو أثر الزعفران. والمراد بالصفرة صفرةُ الْخَلُوق، والْخَلُوق: طيب من زعفران وغيره. قاله في "الفتح" (١). وفي الحديث قصّة، ساقه البخاريّ، ولفظه: حدثنا عليّ، حدثنا سفيان، قال: حدثني حميد، أنه سمع أنسا ﵁، قال: سأل النبي ﷺ ، عبد الرحمن بن عوف -وتزوج امرأة من الأنصار-: "كم أصدقتها؟، قال: وَزْنَ نواة من ذهب، وعن حميد، سمعت أنسا، قال: لما قدموا المدينة، نزل المهاجرون على الأنصار، فنزل عبد الرحمن بن عوف، على سعد بن الربيع، فقال: أقاسمك مالي، وأَنزِل لك عن إحدى امرأتيّ، قال: بارك اللَّه لك في أهلك ومالك، فخرج إلى السوق، فباع، واشترى، فأصاب شيئا من أقط، وسمن، فتزوج، فقال النبي ﷺ : "أولم، ولو بشاة". (فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟) وفي الرواية الآتية في -٧٥/ ٣٣٧٤ - : "فقال رسول اللَّه ﷺ : مَهْيم". أي ما شأنك، أو ما هذا (فَأَخْبَرَهُ، أنّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ) هي بنت أبي الحيسر أنس بن رافِع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل (فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كَمْ سُقْتَ إِلَيْهَا) أيْ أَيَّ مَبلغ من المال دفعت إلى هذه المرأة. وفي رواية: "كم أصدقتها؟ " (قَالَ) عبد الرحمن (زِنَةَ نَوَاةٍ) بالنصب على تقدير فعل، أي سُقتُ إليها زنةَ نواة، ويجوز الرفع على تقدير مبتدإ، أي الذي سقته إليها هو زنةُ نواة. قال في "النهاية": النواةُ اسم لخمسة دراهم، كما قيل للأربعين أوقيّة وللعشرين نَشّ. وقيل: أراد قدر نواة من ذهب كان قيمتها خمسة دراهم، ولم يكن ثَمَّ ذهب، وأنكره أبو عبيد. قال الأزهريّ: لفظ الحديث، يدلّ على أنه تزوّج المرأة على ذهب قيمته خمسة دراهم، ألا تراه قال: نواة من ذهب، ولست أدري لِمَ أنكره أبو عُبيد، والنواة في الأصل عَجَمَةُ التمرة انتهى (٢). وتقدّم الخلاف في معنى النواة مستوفًى أول الباب. (مِنْ ذَهَبٍ) قال في "الفتح": كذا وقع الجزم في رواية ابن عيينة، والثوريّ، وكذا في رواية حماد بن سلمة، عن ثابت، وحميد. وفي رواية زهير، وابن عليّة: "نواة من ذهب، أو وزن نواة من ذهب". وكذا في رواية عبد الرحمن نفسه بالشكّ. وفي رواية شعبة عن عبد العزيز بن صُهيب: "على وزن نواة"، وعن قتادة: "على وزن نواة من ذهب"، ومثل الأخير في رواية حماد بن زيد، عن ثابت، وكذا أخرجه مسلم من طريق

стр. 14146

أبي عوانة، عن قتادة، ولمسلم من رواية شعبة، عن أبي حمزة، عن أبي: "على وزن نواة، فقال رجلٌ من ولد عبد الرحمن: من ذهب". ورجّح الداوديّ رواية من قال: "على نواة من ذهب"، واستنكر رواية من روى: "وزن نواة. قال الحافظ: واستنكاره هو المنكر؛ لأن الذين جزموا بذلك أئمّةٌ حُفّاظ. قال عياضٌ: لا وهم في الرواية؛ لأنها إن كانت نواة تمر، أو غيره، أو كان للنواة قدرٌ معلوم، صلح أن يقال في كلّ ذلك: وزن نواة. انتهى. (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَوْلِمْ) فعل أمر من أولَمَ: إذا صَنَعَ وَلِيمَة، أي اصنع وليمة. و"الوليمة": اسم لكلّ طعام يُتّخذ لجمع. وقال ابن فارس هي طعام الْعُرْس، وزاد الجوهريّ شاهدًا، والجمع وَلائم. قاله الفيّوميّ. وقال ابن منظور: الوليمة طعام العُرس، والإملاك. وقيل: هي كلّ طعام صُنِع لِعُرس وغيره، وقد أولم. قال أبو عبيد: سمعت أبا زيد يقول: يُسمَّى الطعام الذي يُصنع عند الْعُرْس الوليمةَ، والذي عند الإملَاكِ النَّقِيعَةَ انتهى (١). وسيأتي تمام البحث في ذلك في المسألة الرابعة إن شاء اللَّه تعالى. (وَلَوْ بِشَاةٍ) "لو" هنا للتقليل، كما في حديث: "رُدُّوا السائل ولو بظلف مُحْرَق" (٢)، قال السيوطيّ في "الكوكب الساطع" عند تعداد معاني "لو": وَقِلَّةٍ كَخَبَرِ الْمُصَدَّقِ … تَصَدَّقُوا وَلَو بِظِلْفِ مُحْرَقِ وقال في "الفتح": ليست "لو" هذه الامتناعيّة (٣)، وإنما هي للتقليل. وزاد في رواية حماد بن زيد: "فقال: بارك اللَّه لك" قبل قوله: "أولم". وكذا في رواية حماد بن سلمة، عن ثابت، وحميد، وزاد في آخر الحديث: "قال عبد الرحمن: فلقد رأيتني، ولو رفعت حجرًا لرجوت أن أصيب ذهبًا أو فضّة". فكأنه قال ذلك إشارةً إلى إجابة الدعوة النبويّة بأن يبارك اللَّه له. ووقع في رواية أبي هريرة ﵁ بعد قوله: "أَعْرَستَ؟ "، قال: نعم، قال: "أولمت؟ " قال: لا، فرمى إليه رسول اللَّه ﷺ بنواة من ذهب، فقال: "أولم، ولو بشاة". وهذا لو صحّ كان فيه أن الشاة من إعانة النبيّ ﷺ ، وكان يعكُرُ على من استدلّ به على أن الشاة أقلّ ما يشرع للموسر، ولكن الإسناد ضعيف. وفي رواية معمر، عن ثابت: "قال أنس: فلقد رأيته قسم لكلّ امرأة من نسائه بعد موته مائة ألف". قال الحافظ: قلت: مات عن أربع نسوة، فيكون جميع تركته ثلاثة

стр. 14147

آلاف ألف ومائتي ألف. وهذا بالنسبة لتركة الزبير بن العوّام ﵁ قليلٌ جدًّا، فيحتمل أن تكون هذه دنانير، وتلك دراهم؛ لأن كثرة مال عبد الرحمن مشهورٌ جدًّا. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦٧/ ٣٣٥٢ و ٧٤/ ٣٣٧٣ و ٧٥/ ٣٣٧٤ و ٣٣٧٥ و ٨٤/ ٣٣٨٩. وفي "الكبرى" ٦٤/ ٥٥٠٧ و ٥٥٠٨ و ٨٣/ ٥٥٥٨ و ٨٤/ ٥٥٥٩ و ٥٥٦٠. وأخرجه (خ) في "البيوع" ٢٠٤٩ و"الحوالة" ٢٢٩٣ و"المناقب" ٣٧٨١ و"النكاح" ٥٠٧٢ و ٥١٤٨ و ٥١٥٣ و ٥١٥٥ و ٥١٦٧ و"الأدب" ٦٠٨٢ و"الدعوات" ٦٣٨٦ (م) في "النكاح" ١٤٢٧ (د) في "النكاح" ٢١٠٩ (ت) في "البرّ والصلة" ١٩٣٣ (ق) في "النكاح" ١٩٠٧ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١٢٢٧٤ و ١٢٥٦٤ و١٢٧١٠ (الموطأ) في "النكاح" ١١٥٧ (الدارمي) في "الأطعمة" ٢٠٦٤ و ٢٢٠٤. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده (١): (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مشروعيّة النكاح على نواة من ذهب، وهي خمسة دراهم، على ما تقدّم من الخلاف في تفسير النواة. (ومنها): جواز خروج العروس، وعليه أثر العرس، من خلوق ونحوه. (ومنها): جواز التزعفر للرجال عند العرس، فيُخصّص به النهي الوارد في ذلك، على ما هو رأي المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، لكن الأرجح أنه أصابه من امرأته، ولم يستعمله قصدًا، جمعًا بينه، وبين حديث النهي عن التزعفر للرجال، وسيأتي تمام البحث فيه بعد سبعة أبواب في - ٧٥/ ٣٣٧٤ - " باب الرخصة في الصفرة عند التزوّج"، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): استحباب الدعاء للمتزوّج، وسيأتي في باب مستقلّ -٧٣/ ٣٣٧٢ و ٧٤/ ٣٣٧٣ - إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): سؤال الإمام، وكبير القوم أصحابه، وأتباعه عن أحوالهم، ولا سيّما إذا رأى منهم ما لم يَعهَدْ. (ومنها): تأكّد أمر الوليمة، وسيأتي اختلاف العلماء في حكمها في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): أن الوليمة

стр. 14148

تكون بعد الدخول. قال في "الفتح": ولا دلة فيه، وإنما فيه أنها تُستدرك إذا فأتت بعد الدخول، هكذا قال في "الفتح"، وفيه نظر لا يخفى، وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): أن أقلّ ما يجزئ الموسر في اليمة شاة. قال في "الفتح": ولولا ثبوت أنه ﷺ أولم على بعض نسائه بأقلّ من الشاة لكان يمكن أن يستدل به على أن الشاة أقلّ ما تُجزىء في الوليمة، ومع ذلك فلا بدّ من تقييده بالقادر عليها، وأيضًا فيعكُر على الاستدلال أنه خطاب واحد، وفيه اختلافٌ، هل يستلزم العموم أولًا، وقد أشار إلى ذلك الشافعيّ فيما نقله البيهقيّ عنه، قال: لا أعلمه أمر بذلك غير عبد الرحمن، ولا أعلمه أنه ﷺ ترك الوليمة، فجعل ذلك مستندًا في كون الوليمة ليست بحتم. انتهى (١). (ومنها): أنه يُستفاد من السياق طلب تكثير الوليمة لمن يَقدر. قال عياضٌ: وأجمعوا على أن لا حدّ لأكثرها، وأما أقلّها فكذلك، ومهما تيسّر أجزأ، والمستحبّ أنها على قدر حال الزوج، وقد تيسّر على الموسر الشاة، فما فوقها. (ومنها): أنه يدلّ على أن النكاح لا بدّ فيه من صداق؛ لاستفهامه على الكمّية، ولم يقل: هل أصدقتها، أم لا؟ ويشعر ظاهره بأنه يحتاج إلى تقديرٍ؛ لإطلاق لفظة "كم" الموضوعة للتقدير، كذا قال بعض المالكيّة. قال الحافظ: وفيه نظر؛ لاحتمال أن يكون المراد الاستخبار عن الكثرة، أو القلّة، فيخبره بعد ذلك بما يليق بحال مثله، فلما قال له القدر، لم يُنكر عليه، بل أقرّه (٢). (ومنها): أنه استُدلّ به على استحباب تقليل الصداق؛ لأن عبد الرحمن بن عوف كان من مياسير الصحابة ﵃، وقد أقرّه النبيّ ﷺ على إصداقه وزن نواة من ذهب. وتُعُقّب بأن ذلك كان في أول الأمر حين قدم المدينة، وإنما حصل له اليسار بعد ذلك من ملازمة التجارة حتى ظهر منه من الإعانة في بعض الغزوات ما اشتهر، وذلك ببركة دعاء النبيّ ﷺ -له. (ومنها): أنه استُدلّ بقصّة عبد الرحمن مع سعد بن الربيع على جواز المواعدة لمن يريد أن يتزوّج بها، إذا طلّقها زوجها، وأوفت العدّةَ؛ لقول سعد بن الربيع: "انظر أيّ زوجتيّ أعجب إليك حتى أطلّقها، فإذا انقضت عدّتها تزوّجتها"، ووقع تقرير ذلك، ويعكر على هذا أنه لم يُنقل أن المرأة علمت بذلك، ولا سيّما ولم يقع تعيينها، لكن الاطلاع على أحوالهم إذ ذاك يقتضي أنهما علمتا معًا؛ لأن ذلك كان قبل نزول آية الحجاب، فكانوا يجتمعون، ولولا وثوق سعد بن الربيع من كلّ منهما بالرضا ما جزم بذلك.

стр. 14149

وقال ابن المنيّر: لا يستلزم المواعدة بين الرجلين وقوع المواعدة بين الأجنبيّ والمرأة؛ لأنها إذا مُنع، وهي في العدّة من خطبتها تصريحًا، ففي هذا يكون بطريق الأولى؛ لأنها إذا طلّقت دخلت العدّة قطعًا. قال: ولكنها وإن اطّلعت على ذلك، فهي بعد انقضاء عدّتها بالخيار، والنهي إنما وقع عن المواعدة بين الأجنبيّ والمرأة، أو وليّها، لا مع أجنبيّ آخر انتهى. (ومنها): جواز نظر الرجل إلى المرأة قبل أن يتزوّج بها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في معنى "الوليمة": قال ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: الوليمة اسم للطعام في العُرس خاصّةً، لا يقع هذا الاسم على غيره، كذلك حكاه ابن عبد البرّ عن ثعلب وغيره من أهل اللغة. وقال بعض الفقهاء من أصحابنا وغيرهم: إن الوليمة تقع على كلّ طعام لسرور حادث، إلا أن استعمالها في طعام العرس أكثر، وقول أهل اللغة أقوى؛ لأنهم أهل اللسان، وهم أعرف بموضوعات اللغة، وأعلم بلسان العرب. و"الْعَذِيرة": اسم لدعوة الختان، وتُسمّى الإعذار. و"الْخُرْسُ، والْخُرْسَة" عند الولادة. و"الوَكِيرَة": دعوة البناء، يقال: وَكّر، وخرّس، مشدّدٌ. و"النَّقِعة": عند قُدوم الغائب، يقال: نَقَعَ، مخفّفٌ. و"العقيقة": الذبح لأجل الولد، قال الشاعر: كُلَّ الطَّعَامِ تَشْتَهِي رَبِيعَهْ … الْخُرسَ وَالإعْذَارَ وَالنَّقِيعَهْ والحِذَاقُ: الطعام عند حِذَاق الصبيّ. و"المَأْدُبَةُ: اسمٌ لكلّ دعوة لسبب كانت، أو لغير سبب. والآدِبُ: صاحب المأدُبة، قال الشاعر [من الرمل]: نَحنُ فِي الْمَشْتَاةِ نَدْعُو الْجَفَلَى … لَا تَرَى الآدِبَ مِنَّا يَنْتَقِرْ و"الْجَفَلَى" في الدعوة: أن يعمّ الناسَ بدعوته. و"النَّقَرَى": هو أن يَخُصّ قومًا دون قوم انتهى كلام ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى- (١). وقال في "الفتح": وقال صاحب "المحكم": الوليمة: طعام العرس، والإملاك. وقيل: كلّ طعام صُنع لعرس وغيره. وقال عياض في "المشارق": الوليمة طعام النكاح. وقيل: الإملاك. وقيل: طعام العرس خاصّة. وقال الشافعيّ، وأصحابه: تقع الوليمة على كل دعوة تُتّخذ لسرور حادثة، من نكاح، أو ختان، وغيرهما، لكن الأشهر استعمالها عند الإطلاق في النكاح، وتقييده في غيره، فيقال: وليمة الختان، ونحو

стр. 14150

ذلك. وقال الأزهريّ: الوليمة مأخوذةٌ من الْوَلْم، وهو الجمع وزنًا ومعنًى؛ لأن الزوجين يجتمعان. وقال ابن الأعرابيّ: أصلها من تتميم الشيء، واجتماعه. وجزم الماورديّ، ثم القرطبيّ بأنها لا تُطلق في غير طعام العرس إلا بقرينة. وأما الدعوة، فهي أعمّ من الوليمة، وهي بفتح الدال على المشهور، وضمها قطرب في مثلّثه، وغلّطوه في ذلك، على ما قاله النوويّ. قال: ودِعوة النسب بكسر الدال، وعكس ذلك بنو تيم الرباب، ففتحوا دَعوة النسب، وكسروا دال دِعوة الطعام انتهى. قال الحافظ: وما نسبه لبني تيم الرباب نسبه صاحبا "الصحاح " و"المحكم" لبني عديّ الرباب، فاللَّه أعلم. وذكر النوويّ تبعًا لعياض أن الولائم ثمانية: "الإعذار" -بعين مهملة، وذال معجمة-: للختان. و"العقيقة": للولادة. و"الْخُزس" -بضم المعجمة، وسكون الراء، ثم سين مهملة- لسلامة المرأة من الطلق. وقيل: طعام الولادة. و"العقيقة": تختصّ باليوم السابع. و"النّقيعة ": لقدوم المسافر، مشتقّةٌ من النقع، وهو الغبار. و"الوكيرة": للسكن المتجدّد، مأخوذ من الوَكَر، وهو المأوى، والمستقرّ. و"الوَضِيمة" -بضاد معجمة-: لما يُتّخذ عند المصيبة. و"المادبة": لما يُتخذ بلا سبب، ودالها مضمومة، ويجوز فتحها انتهى. و"الإعذار" يقال فيه أيضًا: "الْعُذرَة" -بضمّ، فسكون-. و"الْخُرس"، يقال فيه أيضًا: بالصاد المهملة بدل السين، وقد تزاد في آخره هاء، فيقال: خُرْسة، وخرصة. وقيل: إنها لسلامة المرأة من الطلق، وأما التي للولادة بمعنى الفرح، في العقيقة. واختُلف في النقيعة، هل التي يصنعها القادم من السفر، أو تُصنع له؟، قولان. وقيل: النقيعة التي يصنعها القادم، والتي تُصنع له تُسمى التُّحْفة. وقيل: إن الوليمة خاصّ بطعام الدخول، وأما طعام الإملاك، فيُسمّى الشُّنْدَخ -بضمّ المعجمة، وسكون النون، وفتح الدال المهملة، وقد تضمّ، وآخره خاء معجمةٌ، مأخوذ من قولهم: فرسٌ شُنْدَخٌ، أي يتقدّم غيره، سمّي طعام الإملاك بذلك؛ لأنه يتقدّم الدخول. قال الحافظ: وأغرب شيخنا في "التدريب"، فقال: الولائم سبعٌ، وهي: وليمة الإملاك، وهو التزوّج، ويقال لها: النقيعة -بنون، وقاف-. ووليمة الدخول، وهو العرس، وقَلَّ من يغاير بينهما انتهى. وموضع الإغراب إغرابه تسمية وليمة الإملاك نقيعة. ثم رأيته تبع في ذلك المنذريّ في "حواشيه"، وقد شذّ بذلك. وقد فاتهم ذكر الحِذاق -بكسر المهملة، وتخفيف الذال المعجمة، وآخره قاف-: الطعام الذي يتخذ عند حِذْق الصبيّ، ذكره ابن الصبّاع في "الشامل". وقال ابن الرفعة: هو الذي يُصنع

стр. 14151

عند الختم، أي ختم القرآن، كذا قيّده، ويحتمل ختم قدر مقصود منه. ويحتمل أن يطرد ذلك في حِذقه لكلّ صناعة. وذكر المحامليّ في "الرونق" في الولائم "العَتِيرة" - بفتح المهملة، ثم مثنّاة مكسورة- وهي شاة تذبح في أول رجب. وتُعُقّب بأنها في معنى الأضحية، فلا معنى لذكرها مع الولائم. وأما المأدبة، ففيها تفصيلٌ؛ لأنها إن كانت لقوم مخصوصين، فهي النَّقَرَى -بفتح النون والقاف، مقصورًا، وإن كانت عامّةً، فهي الْجَفَلَى -بجيم، وفاء، بوزن الأول-، قال الشاعر [من الرمل]: نَحنُ فِي الْمَشتَاةِ نَدْعُو الْجَفَلَى … لَا تَرَى الآدِبَ منَّا يَنْتَقِرْ وَصَفَ قومه بالجود، وأنهم إذا صنعوا مأدبة دعوا إليها عمومًا، لا خصوصًا. وخصّ الشتاء؛ لأنها مظنّة قلّة الشيء، وكثرة احتياج من يُدعَي. و"الآدب": اسم الفاعل من المأدبة، وينتقر مشتقّ من النقَرَى. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الوليمة: قال ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى-: ما ملخّصه: لا خلاف بين أهل العلم في أن الوليمة سنّةٌ في الْعُرس مشروعة. قال: وليست واجبةً في قول أكثر أهل العلم. وقال بعض أصحاب الشافعيّ: هي واجبة. انتهى (٢). وقال البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه": [باب الوليمةُ حقّ]. قال ابن بطّال: قوله: "الوليمة حقّ" أي ليست بباطل، بل يُندب إليها، وهي سنّة فضيلة، وليس المراد بالحقّ الوجوب، ثم قال: ولا أعلم أحدًا أوجبها. قال الحافظ: كذا قال، وغفل عن رواية في مذهبه بوجوبها، نقلها القرطبيّ، وقال: إن مشهور المذهب أنها مندوبة. وابن التين عن مذهب أحمد، لكن الذي في "المغني" أنها سنّة. بل وافق ابن بطال في نفي الخلاف بين أهل العلم في ذلك، قال: وقال بعض الشافعيّة: هي واجبة؛ لأن النبيّ ﷺ أمر بها عبد الرحمن بن عوف، ولأن الإجابة إليها واجبة، فكانت واجبة. وأجاب بأنه طعام لسرور حادثٍ، فأشبه سائر الأطعمة، والأمر محمول على الاستحباب، بدليل ما ذكرناه، ولكونه أمره بشاة، وهي غير واجبة اتفاقًا. وأما البناء فلا أصل له.

стр. 14152

قال الحافظ: والبعض الذي أشار إليه من الشافعيّة هو وجهٌ معروفٌ عندهم، وكذلك حكى الوجوب في "البحر" عن أحد قولي الشافعيّ، وقد جزم به سُليم الرازيّ، وقال: إنه ظاهر نصّ "الأمّ"، ونقله عن النصّ أيضًا أبو إسحاق الشيرازيّ في "المهذّب"، وهو قول أهل الظاهر، كما صرّح به ابن حزم. انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن من النظر في الأدلّة أن الأرجح هو مذهب من قال بوجوب الوليمة على القادر عليها؛ لأنها ثبتت عنه ﷺ قولًا وفعلًا، والقول أمرٌ، وهو للوجوب إلا عند وجود صارف عنه، والقائلون بالاستحباب لم يأتوا بصارف، غير دعوى الإجماع، وقد عرفت أنها دعوى باطلة، فقد قال بالوجوب بعض أهل العلم، وهو نصّ الشافعيّ في "الأمّ"، وقول أهل الظاهر، فلا إجماع، فبقي دليل الوجوب بلا معارض، فوجب القول به. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم إجابة الدعوة: ذهب جمهور العلماء إلى وجوب الإجابة إليها، وهو المشهور عند الشافعيّة، والحنابلة، وقالوا: إنها فرض عين، ونصّ عليه مالك، وقال به أهل الظاهر، ونقل القاضي عياض الاتفاق عليه، وابن عبد البرّ الإجماع عليه. وذهب بعضهم إلى استحبابها، قاله بعض الشافعيّة، والحنابلة، وقال أبو الحسن من المالكيّة: إنه المذهب، وصرّح صاحب "الهداية" من الحنفيّة بأن الإجابة سنّةٌ، لكنه استدلّ بقوله ﷺ : "من لم يُجب الدعوة، فقد عطى أبا القاسم"، وشبّهها فيما إذا كان هناك غناء ونحوه بصلاة الجنازة واجبة الإقامة، وإن حضرتها نياحة، وذلك يُفْهِمُ الوجوب. وقال بعض الشافعيّة، والحنابلة: إجابتها فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط الحرج عن الباقين. وحكى الشيخ تقيّ الدين في "شرح الإلمام" عن بعضهم أنه خصّ الوجهين في إجابتها فرض عين، أو كفاية بما إذا دُعي الجميع، وقال: لو خصّ كلّ واحد بالدعوة، تعيّنت الإجابة على الكلّ (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن الحقّ هو الذي عليه الجمهور، وهو كون الإجابة فرض عين؛ لوضوح أدلّته؛ كحديث أبي هريرة ﵁: "ومن ترك الدعوة، فقد عصى اللَّه ورسوله". متّفقٌ عليه. وحديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -: "من دُعي إلى وليمة، فلم يأتها، فقد عصى اللَّه ورسوله". رواه أبو عوانة في "صحيحه". فهذا نصّ صريح في عصيان من لم يجب الدعوة، ولا يُطلق العصيان إلا على ترك الواجب،

стр. 14153

كما أفاده في "الفتح" (١). والحاصل أن إجابة الدعوة فرض عين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في حكم إجابة الدعوة غير العُرْس: ذهبت طائفة إلى وجوب الإجابة مطلقًا، وذهب الأكثرون إلى أن الوجوب يخصّ العرس فقط، وأما غيرها فتستحبّ إجابتها، وإلى المذهب الأول مال الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى-، حيث قال في "صحيحه": [باب إجابة الداعي في العُرس وغيره]: ثم أخرج بسنده عن نافع، قال: سمعت عبد اللَّه بن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "أجيبوا هذه الدَّعْوة إذا دُعيتم إليها"، قال: كان عبد اللَّه يأتي الدعوة في العُرس وغير العرس، وهو صائم انتهى. قال في "الفتح": قوله: "كان عبد اللَّه" القائل هو نافع. وقد أخرج مسلمٌ من طريق عبد اللَّه بن نمير، عن عبيد اللَّه بن عمر العمريّ، عن نافع بلفظ: "إذا دُعي أحدكم إلى وليمة عرس، فليجب". وأخرجه مسلم، وأبو داود من طريق أيوب، عن نافع بلفظ: "إذا دعا أحدكم أخاه، فليجب عُرسًا كان، أو نحوه"، ولمسلم من طريق الزُّبيديّ، عن نافع، بلفظ: "من دُعي إلى عرس، أو نحوه فليُجب". وهذا يؤيّده ما فهمه ابن عمر أن الأمر بالإجابة لا يختصّ بطعام العرس. وقد أخذ بظاهر الحديث بعض الشافعيّة، فقال بوجوب الإجابة إلى الدعوة مطلقًا عُرسًا كان، أو غيره بشرطه، ونقله ابن عبد البرّ عن عبيد اللَّه بن الحسن العنبريّ قاضي البصرة، وزعم ابن حزم أنه قولُ جمهور الصحابة والتابعين، ويكعُرُ عليه (٢) ما نقلناه عن عثمان بن أبي العاص، وهو من مشاهير الصحابة أنه قال في وليمة الختان: لم يكن يُدعى لها، لكن يمكن الانفصال عنه بأنّ ذلك لا يمنع القول بالوجوب لو دعوا. وعند عبد الرزاق بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه دعا بالطعام، فقال رجلٌ من القوم: أعفني، فقال ابن عمر: إنه لا عافية لك من هذا، فقم. وأخرج الشافعيّ، وعبد الرزاق بسند صحيح، عن ابن عبّاس أن ابن صفوان دعاه، فقال: إني مشغول، وإن لم تُعفني جئته.

стр. 14154

وجزم بعدم الوجوب في غير وليمة النكاح المالكيّة، والحنفيّة، والحنابلة، وجمهور الشافعيّة، وبالغ السرخسيّ منهم، فنقل فيه الإجماع، ولفظ الشافعيّ: إتيان دعوة الوليمة حقّ، والوليمة التي تعرف وليمة العرس، وكلّ دعوة دُعي إليها رجلٌ وليمةٌ، فلا أُرخّص لأحد في تركها، ولو تركها لم يتبيّن لي أنه عاص في تركها كما تبيّن لي في وليمة العرس. انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن مما تقدّم من الأدلّة أن أرجح الأقوال هو القول بوجوب إجابة الدعوة مطلقًا، لقوّة أدلّته، ولم يأت القائلون بالفرق بين العرس وغيرها بدليل صحيح، صريح، فتبصّر بالإنصاف، ولا تَتَهَوَّرْ بالاعتساف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في وقت الوليمة، هل هو عند العقد، أو عقبه، أو عند الدخول، أو عقبه، أو موسّعٌ من ابتداء العقد إلى انتهاء الدخول؟ على أقوال: قال النووي: اختلفوا، فحكى عياضٌ أن الأصحّ عند المالكيّة استحبابه بعد الدخول، وعن جماعة منهم أنه عند العقد، وعند ابن حبيب عند العقد، وبعد الدخول. وقال في موضع آخر: يجوز قبل الدخول وبعده. وذكر ابن السبكيّ أن أباه قال: لم أر في كلام الأصحاب تعيين وقتها، وأنه استنبط من قول البغويّ: ضرب الدفّ في النكاح جائزٌ في العقد، والزفاف، قبلُ وبعدُ قريبًا منه، أن وقتها موسّعٌ من حين العقد، قال: والمنقول من فعل النبيّ ﷺ أنها بعد الدخول، كأنه يشير إلى قصّة زينب بنت جحش - رضي اللَّه تعالى عنها -، وقد ترجم البيهقيّ في وقت الوليمة انتهى. قال الحافظ: وما نفاه من تصريح الأصحاب متعقّبٌ بأن الماورديّ صرّح بأنها عند الدخول، وحديث أنس ﵁ في هذا الباب صريح في أنها بعد الدخول لقوله فيه: "أصبح عروسًا بزينب، فدعا القوم". واستحبّ بعض المالكيّة أن تكون عند البناء، ويقع الدخول عقبها، وعليه عمل الناس اليوم، ويؤيّد كونها للدخول، لا للإملاك أن الصحابة بعد الوليمة تردّدوا، هل هي زوجةٌ، أو سُرّيّةٌ، فلو كانت الوليمة عند الإملاك لعرفوا أنها زوجة؛ لأن السّرّيّة لا وليمة لها، فدلّ على أنها عند الدخول، أو بعده انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن كونها بعد الدخول هو الأرجح؛ لحديث أنس ﵁ المتقدّم في قصّة زينب - رضي اللَّه تعالى عنها -، فإنه صريحٌ في ذلك. واللَّه

стр. 14155

تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في تحديد أيام الوليمة: قال الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه": [باب حقّ إجابة الوليمة والدعوة، ومن أولم سبعة أيام، ونحوه، ولم يوقّت النبيّ ﷺ يومًا، ولا يومين". قال في "الفتح": أي لم يجعل للوليمة وقتا معينا يختص به الإيجاب، أو الاستحباب، وأخذ ذلك من الإطلاق، وقد أفصح بمراده في "تاريخه"، فإنه أورد في ترجمة زُهير بن عثمان الحديث الذي أخرجه أبو داود، والنسائيّ (١) من طريق قتادة، عن عبد اللَّه بن عثمان الثقفيّ، عن رجل من ثقيف، كان يُثني عليه، إن لم يكن اسمه زهير ابن عثمان، فلا أدري ما اسمه؟ يقوله قتادة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الوليمة أول يوم حقّ، والثاني معروفٌ، والثالث رياء وسمعة". قال البخاريّ: لا يصحّ إسناده، ولا يصحّ له صحبةٌ -يعني لزهير- قال: وقال ابن عمر وغيره، عن النبيّ ﷺ : "إذا دُعي أحدكم إلى الوليمة فليُجب"، ولم يخصّ ثلاثة أيام، ولا غيرها، وهذا أصحّ، قال: وقال ابن سيرين، عن أبيه: "أنه لما بني بأهله أولم سبعة أيام، فدعا في ذلك أُبيّ بن كعب، فأجابه" انتهى. وقد خالف يونس بن عُبيد قتادة في إسناده، فرواه عن الحسن، عن النبيّ ﷺ ، مرسلًا، أو معضلًا، لم يذكر عبد اللَّه بن عثمان، ولا زهيرًا، أخرجه النسائيّ (٢)، ورجحه على الموصول، وأشار أبو حاتم إلى ترجيحه، ثم أخرج النسائيّ عقبه حديث أنس: "أن رسول اللَّه ﷺ أقام على صفيّة ثلاثة أيام حتى أعرس بها" (٣)، فأشار إلى تضعيفه، أو إلى تخصيصه، وأصرح من ذلك ما أخرجه أبو يعلى بسند حسن عن أنس ﵁، قال: "تزوّج النبيّ ﷺ صفيّة، وجعل عتقها صداقها، وجعل الوليمة ثلاثة أيام … " الحديث. قال الحافظ: وقد وجدنا لحديث زهير بن عثمان شواهد، منها: عن أبي هريرة ﵁ مثله، أخرجه ابن ماجه، وفيه عبد الملك بن حسين، وهو ضعيف جدًّا، وله طريق أخرى عن أبي هريرة، وعن أنس مثله، أخرجه ابن عديّ، والبيهقيّ، وفيه بكر بن خنيس، وهو ضعيفٌ، وله طريق أخرى ذكر ابن أبي حاتم أنه سأل أباه عن حديث رواه مروان بن معاوية، عن عوف، عن الحسن، عن أنس نحوه؟ فقال: إنما هو عن الحسن، عن النبيّ ﷺ مرسل. وعن ابن مسعود ﵁ أخرجه الترمذيّ بلفظ: "طعام

стр. 14156

أول يوم حقّ، وطعام يوم الثاني سنةٌ، وطعام يوم الثالث سمعة، ومن سمّع سمّع اللَّه به"، وقال: لا نعرفه إلا من حديث زياد بن عبد اللَّه البكائيّ، وهو كثير الغرائب، والمناكير. قال الحافظ: وشيخه فيه عطاء بن السائب، وسماع زياد منه بعد اختلاطه، فهذه علّته. وعن ابن عباس رفعه: "طعام في العرس يوم سنّة، وطعام يومين فضلٌ، وطعام ثلاثة أيام رياء وسمعة". أخرجه الطبرانيّ بسند ضعيف. وهذه الأحاديث، وإن كان كلّ منها لا يخلو عن مقال، فمجموعها يدلّ على أن للحديث أصلًا. وقد وقع في رواية أبي داود، والدارميّ في آخر حديث زهير بن عثمان: "قال قتادة: بلغني عن سعيد بن المسيّب أنه دُعي أول يوم وأجاب، ودعي ثاني يوم فأجاب، ودُعي ثالث يوم فلم يُجب، وقال: أهل رياء وسمعة"، فكأنه بلغه الحديث، فعمل بظاهره، إن ثبت ذلك عنه. وقد عمل به الشافعيّة، والحنابلة، قال النوويّ: إذا أولم ثلاثًا، فالإجابة في اليوم الثالث مكروهة، وفي الثاني لا تجب قطعًا، ولا يكون استحبابها فيه كاستحبابها في اليوم الأول. وقد حكى صاحب "التعجيز" في وجوبها في اليوم الثاني وجهين، وقال في "شرحه": أصحّهما الوجوب، وبه قطع الجرجانيّ؛ لوصفه بأنه معروفٌ، أو سنةٌ، واعتبر الحنابلة الوجوب في اليوم الأول، وأما الثاني فقالوا: سنةٌ؛ تمسّكًا بظاهر لفظ حديث ابن مسعود. وفيه بحث. وأما الكراهة في اليوم الثالث، فأطلقه بعضهم؛ لظاهر الخبر. وقال العمرانيّ: إنما تكره إذا كان المدعوّ في الثالث هو المدعوّ في الأول، وكذا صوّره الرويانيّ، واستبعده بعض المتأخّرين، وليس ببعيد؛ لأن إطلاق كونه رياء وسمعة يُشعر بأن ذلك صنع للمباهاة، وإذا أكثر الناس، فدعا في كلّ يوم فرقةً لم يكن في ذلك مباهاةٌ غالبًا. وإلى ما جنح إليه البخاريّ ذهب المالكيّة، قال عياضٌ: استحبّ أصحابنا لأهل السعة كونها أسبوعًا، قال: وقال بعضهم: محلّه إذا دعا في كلّ يوم من لم يدع قبله، ولم يُكرّر عليهم. وهذا شبيهٌ بما تقدّم عن الرويانيّ، وإذا حملنا الأمر في كراهة الثالث على ما إذا كان هناك رياء وسمعةٌ، ومباهاةٌ كان الرابع، وما بعده كذلك، فيمكن حمل ما وقع من السلف من الزيادة على اليومين عند الأمن من ذلك، وإنما أطلق ذلك على الثالث لكونه الغالب. واللَّه أعلم (١).

стр. 14157

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن مذهب المالكيّة، وهو الذي مال إليه البخاريّ، من جواز كون الوليمة أسبوعًا لمن تيسّر له هو الأرجح؛ إن خلا عن الرياء والسمعة؛ لإطلاق النصوص؛ وأما الأحاديث التي احتج القائلون بالكراهة فيما بعد اليوم الثاني، فقد علمت كونها كلها ضعافًا، لا ينبغي أن تُذكر لمعارضة إطلاق الأحاديث الصحاح بها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: لوجوب إجابة الدعوة شروطٌ: منها: أن يكون الداعي مكلّفا حرًّا رشيدًا، وأن لا يخصّ الأغنياء، دون الفقراء، وأن لا يُظهر قصد التودّد لشخص بعينه لرغبة فيه، أو رهبة منه، وأن يكون الداعي مسلمًا على الأصحّ، وأن يختصّ باليوم الأول على المشهور، وأن لا يُسبق، فمن سبق تعيّنت الإجابة له دون الثاني، وإن جاءا معًا قدّم الأقرب رحمًا على الأقرب جوارًا على الأصحّ، فإن استوى أقرع، وأن لا يكون هناك منكر، أو ما يتأذّى بحضوره، وأن لا يكون له عذرٌ، وضبطه الماورديّ بما يُرخّص به في ترك الجماعة. هكذا أفاده في "الفتح" وغيره (١). وبعض ما ذكر محلّ تأمّل، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٣٥٣ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ, قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: رَآنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ , وَعَلَيَّ بَشَاشَةُ الْعُرْسِ, فَقُلْتُ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ, قَالَ: «كَمْ أَصْدَقْتَهَا؟» قَالَ: زِنَةَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. وقوله: "بشاشة الْعُرْس". قال في "القاموس": البَشُّ، والبَشَاشةُ: طلاقة الوجه، بَشِشْتُ بالكسر أَبَشُّ، واللطف في المسألة، والإقبال على أخيك، والضحك إليه، وفَرَحُ الصّديق بالصديق انتهى. و"الْعُرْسُ" بالضمّ: الزِّفَافُ، ويذكّرُ ويؤنّث، فيقال: هو العُرْس، والجمع أعراس، مثلُ قُفْل وأقفال، وهي العرس، والجمعُ عُرْسات، والعرس أيضًا: طعام الزفاف، وهو مذكر؛ لأنه اسم للطعام. قاله الفيّوميّ. والمعنى هنا: أنه ﷺ رأى عبد الرحمن، وهو مسرور، طليق الوجه، تظهر عليه البَشَاشَة الحاصلة للمتزوّج أيام عُرْسه.

стр. 14158

وقوله: "فقلت: تزوّجتُ الخ" أي بعد أن سأله النبيّ ﷺ ، كما سبق أنه قال له: "مَهْيَم؟ ". وقوله: "كم أصدقتها؟ " أيْ أيَّ مقدار دفعت لها مهرًا. وقوله: "زنة نواة" بكسر الزاي، وتخفيف النون. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في شرح الحديث الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٣٥٤ - (أَخْبَرَنَا هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ, قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ح وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ تَمِيمٍ, قَالَ: سَمِعْتُ حَجَّاجًا, يَقُولُ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ, عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ عَلَى صَدَاقٍ, أَوْ حِبَاءٍ, أَوْ عِدَةٍ, قَبْلَ عِصْمَةِ النِّكَاحِ, فَهُوَ لَهَا, وَمَا كَانَ بَعْدَ عِصْمَةِ النِّكَاحِ, فَهُوَ لِمَنْ أُعْطِاهُ, وَأَحَقُّ مَا أُكْرِمَ عَلَيْهِ الرَّجُلُ ابْنَتُهُ, أَوْ أُخْتُهُ». اللَّفْظُ لِعَبْدِ اللَّهِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (هلال بن العلاء) الباهليّ مولاهم، أبو عمرو الرَّقّيّ، صدوق [١١] ١٠/ ١١٩٩ من أفراد المصنّف. ٢ - (عبد اللَّه بن محمد بن تميم) أبو حُميد الْمِصِّيصيّ، ثقة [١١] ٢٠٠/ ٣١٩ من أفراد المصنّف أيضًا. ٣ - (حجاجٌ) بن محمد الأعور المصِّيصيّ، ثقة ثبت اختلط في آخره [٩] ٢٨/ ٣٢. ٤ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل [٦] ٢٨/ ٣٢. ٥ - (عمرو بن شعيب) بن محمد بن عبد اللَّه بن عمرو المدنيّ، أو الطائفيّ، صدوق [٥] ١٠٥/ ١٤٠. ٦ - (أبوه) شعيب بن محمد بن عبد اللَّه الطائفي، صدوق [٣] ١٠٥/ ١٤٠. ٧ - (عبد اللَّه بن عمرو) بن العاص - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٨٩/ ١١١ واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن جدّه، وتابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 14159

شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بن العاص - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ) بالبناء للمفعول (عَلَى صَدَاقٍ) بفتح الصاد المهملة، وكسرها: أي مهر معيّن (أَوْ حِبَاءٍ) بكسر المهملة، والمدّ: أي عطيّة، وهو ما يعطيه الزوج، سوى الصداق بطريق الهبة (أَوْ عِدَةٍ) بكسر العين المهملة: ما يعده الزوج أن يعطيه في المستقبل (قَبْلَ عِصمَةِ النِّكَاح) أي قبل عقد النكاح، والعصمة ما يُعتصم به، من عقد، وسبب (فَهُوَ لَهَا) أي للزوجة (وَمَا كَانَ بَعْدَ عِصْمَةِ النِّكَاحِ) أي بعد عقد النكاح (فَهُوَ لِمَنْ أَعْطَاهُ) أي لمن أعطاه الزوج، من أولياء الزوجة. وفي نسخة: "لمن أعطيه". والمعنى: أن ما يقبضه الوليّ من الزوج قبل العقد، فهو للمرأة، وما يقبضه بعده، فهو للوليّ. قال الخطّابيّ: هذا يُتَأَوّلُ على ما يشترطه الوليّ لنفسه، سوى المهر. وقد اختلف الناس في وجوبه، فقال سفيان الثوريّ، ومالك بن أنس في الرجل يَنكح المرأة على أن لأبيها كذا وكذا شيئًا، اتفقا عليه سوى المهر: إن ذلك كله للمرأة، دون الأب، وكذلك روي عن عطاء، وطاوس. وقال أحمد: هو للأب، ولا يكون ذلك لغيره من الأولياء؛ لأن يد الأب مبسوطةٌ في مال الولد. وروي عن عليّ بن الحسين أنه زوّج ابنته رجلًا، واشترط لنفسه مالًا. وعن مسروق أنه زوّج ابنته رجلًا، واشترط لنفسه عشرة آلاف درهم، يجعلها في الحجّ والمساكين. وقال الشافعيّ: إذا فعل ذلك فلها مهر المثل، ولا شيء للوليّ. انتهى (١). (وَأَحَقُّ مَا أُكْرِمَ عَلَيْهِ الرَّجُلُ ابْنَتُهُ، أَوْ أُخْتُهُ) فيه دليلٌ على مشروعية صلة أقارب الزوجة، وإكرامهم، والإحسان إليهم، وأن ذلك حلالٌ لهم، وليس من قبيل الرسوم المحرمة، إلا أن يمتنعوا من التزويج إلا به، فيكون من العَضْل المحرّم. والحاصل أن إكرام الشخص بسبب بنته، أو أخته بدفع مال إليه جائزٌ، وكذلك اشتراطه هو لنفسه، بشرط أن لا يؤدّي ذلك إلى أن يمتنع من تزويجها إلا به، فلا يجوز؛ للنهي عن العضل. واللَّه تعالى أعلم. وقوله (اللَفْظُ لِعَبْدِ اللَّهِ) يعني أن لفظ المتن الذي ساقه، فإنه لشيخه عبد اللَّه بن محمد ابن تميم، وأما شيخه هلال بن العلاء، فرواه بمعناه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 14160

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد اللَّه بن عمرو - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. وأما تضعيف بعضهم له بسبب عنعنة ابن جريج؛ حيث إنه مدلّسٌ، فيجاب عنه بأنه صرّح بالتحديث في رواية المصنّف هنا، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦٧/ ٣٣٥٤ - وفي "الكبرى" ٦٤/ ٥٥٠٩. وأخرجه (د) في "النكاح" ٢١٢٩ (ق) في "النكاح" ١٩٥٥ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٦٦٧٠. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٦٨ - (إِبَاحَةِ التَّزْوِيجِ (١) بِغَيْرِ صَدَاقٍ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: إذا تزوّجت المرأة بغير مهرٍ تُسمّى مفوّضةً -بكسر الواو وفتحها- كما سيأتي بيان ذلك في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. ٣٣٥٥ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, عَنْ زَائِدَةَ بْنِ قُدَامَةَ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ عَلْقَمَةَ, وَالأَسْوَدِ, قَالَا: أُتِيَ عَبْدُ اللَّهِ, فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً, وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا, فَتُوُفِّيَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا, فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: سَلُوا هَلْ تَجِدُونَ فِيهَا أَثَرًا, قَالُوا: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ, مَا نَجِدُ فِيهَا -يَعْنِي أَثَرًا- قَالَ: أَقُولُ بِرَأْيِي, فَإِنْ كَانَ صَوَابًا, فَمِنَ اللَّهِ, لَهَا كَمَهْرِ نِسَائِهَا, لَا وَكْسَ, وَلَا شَطَطَ, وَلَهَا الْمِيرَاثُ, وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ, فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَشْجَعَ, فَقَالَ: فِي مِثْلِ هَذَا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِينَا, فِي امْرَأَةٍ, يُقَالُ لَهَا: بِرْوَعُ بِنْتُ وَاشِقٍ, تَزَوَّجَتْ رَجُلاً, فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا, فَقَضَى لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ , بِمِثْلِ صَدَاقِ نِسَائِهَا, وَلَهَا

стр. 14161

الْمِيرَاثُ, وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ, فَرَفَعَ عَبْدُ اللَّهِ يَدَيْهِ, وَكَبَّرَ, قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا, قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: "الأَسْوَدُ" غَيْرُ زَائِدَةَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن) بن المسور بن مخرمة الزهريّ البصريّ، صدوق، من صغار [١٠]. [تنبيه]: وقع في بعض النسخ: "عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن"، وهو غلط فاحش، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. ٢ - (عبد الرحمن بن عبد اللَّه أبو سعيد) مولى بني هاشم البصريّ، نزيل مكة، لقبه جَرْدَقَةُ، صدوقٌ ربما أخطأ [٩] ٤٣/ ١٨٢٤. ٣ - (زائدة بن قُدامة) الثقفي، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقة ثبت [٧] ٧٤/ ٩١. ٤ - (منصور) بن المعتمر أبو عتّاب الكوفيّ، ثقة ثبت [٦] ٢/ ٢. ٥ - (إبراهيم) بن يزيد النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ الفقيه، ثقة [٥] ٢٩/ ٣٣. ٦ - (علقمة) بن قيس النخعيّ الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه عابد [٢] ٦١/ ٧٧. ٧ - (الأسود) بن يزيد النخعيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة مكثر فقيه [٢] ٢٩/ ٣٣. ٨ - (عبد اللَّه) بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - ٣٥/ ٣٩. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنّه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه وشيخ شيخه فبصريان. (ومنها): أن فيه رواية تابعيين عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيس (وَالأَسْوَدِ) بن يزيد، أنهما (قَالَا: أُتِيَ) بالبناء للمجهول (عَبدُ اللَّهِ) أي ابن مسعود؛ لأنه المقصود إذا أُطلق في الكوفة، كما أنه إذا أطلق في المدينة فإنه ابن عمر، وفي مكة، فابن الزبير، وفي البصرة عبد اللَّه بن عباس، وفي مصر والشام فعبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵃، وإلى ذلك أشار الحافظ السيوطيّ في "ألفية المصطلح" بقوله: وَحَيْثُمَا أُطْلِقَ "عَبدُ اللَّهِ" فِي … طَيْبَةَ فَابْنُ عُمَرِ وَإِنْ يَفِي بِمَكَّةِ فَابْنُ الزُّبَيرِ أو جَرَى … بِكُوفَةِ فَهْوَ ابْنُ مَسعُودٍ يُرَى وَالْبَصرَةِ البَحرُ وَعِندَ مِصرِ … وَالشَّامِ مَهْمَا أُطْلِقَ ابْنُ عَمْرِو

стр. 14162

(فِي رَجُلِ) أي في قضية رجل (تَزَوَّجَ امْرَأَةً، وَلَمْ يَفْرِض لَهَا) -بفتح الياء، وكسر الراء- من فرض الشيء، من باب ضرب: إذا أوجبه، أي لم يُلزِم نفسه مهرًا معيّن المقدار (فَتُوُفِّيَ) بالبناء للمفعول: أي مات (قَبْلَ أَنْ يَدخُلَ بِهَا) أي يجامعها (فَقَالَ: عَبْدُ اللَّهِ) بن مسعود ﵁ (سَلُوا هَلْ تَجْدُونَ فِيهَا أَثَرًا) أي نقلًا من النبيّ ﷺ ، أو من الخلفاء الراشدين، أو غيرهم. وفي الرواية الآتية آخر الباب من طريق سفيان، عن منصور: "فقال عبد اللَّه: ما سُئلتُ منذ فارقت رسول اللَّه ﷺ أشدّ عليّ من هذه، فأتوا غيري … " (قَالُوا: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) كنية ابن مسعود ﵁ (مَا نَجدُ فِيهَا -يَعْنِي أَثَرًا-) وفي الرواية المذكورة: "فاختلفوا إليه فيها شهرًا، ثم قالوا له في آخر ذلك: من نسأل إن لم نسألك؟، وأنت من جِلَّة أصحاب محمد ﷺ بهذا البلد، ولا نجد غيرك" (قَالَ) عبد اللَّه (أَقُولُ بِرَأْيِ) قال الفيّوميّ: الرأي: العقلُ والتدبير، ورجلٌ ذو رأي، أي بصيرةٍ، وحِذْقٍ بالأمور، وجمعه آراء انتهى. أي أحكم في هذه المسألة باجتهادي. وفي رواية سفيان: "سأقول فيها بِجَهْدِ رأيي" (فَإِنْ كَانَ صَوَابًا فَمِنَ اللَّهِ) أي فإن كان ذلك الرأي صوابًا، فهو من توفيق اللَّه تعالى إياي لإصابته، فله الحمد والمنّة. وفي رواية سفيان: "فإن كان صوابًا، فمن اللَّه وحده لا شريك له، وإن كان خطأ، فمنّي، ومن الشيطان، واللَّه ورسوله بُرآءُ" (لَهَا كَمَهْرِ نِسَائِهَا) أي يجب لها مهر مثلُ مهر قراباتها من نساء قومها (لَا وَكْسَ) -بفتح، فسكون -أي لا نقص منه. قال في "اللسان": الوَكْسُ: النقص، وقد وَكَسَ الشيءُ: نَقَصَ، ووكَستُ فلانًا: نقصته. والوكسُ اتّضاع الثمن في البيع، قال الشاعر [من الرجز]: بِثَمَنِ مِنْ ذَاكَ غيْر وَكْسٍ … دُونَ الْغَلَاءِ وَفُوَيْقَ الرُّخْصِ أي بثمن غير ذي وَكْسٍ. انتهى (وَلَا شَطَطَ) -بفتحتين -أي ولا زيادة عليه. قال في "اللسان": الشطَطُ: مجاوزة القدر في بيع، أو طلب، أو احتكام، أو غير ذلك، وفي التنزيل العزيز: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾ [الجن: ٤]، وقال عَنْتَرَةُ [من الكامل]: شَطَّتْ مَزَارَ الْعَاشِقِينَ فَأَصْبَحَتْ … عَسِرًا عَلَيَّ طِلَابهُا ابْنَةُ مَخْرَمِ أي جاوزت مَزَار العاشقين. انتهى بتصرّف. (وَلَهَا الْمِيرَاثُ) أي ترث من ذلك الزوج؛ لكونها زوجة له، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ﴾ الآية [النساء: ١٢]، (وَعَلَيْهَا العِدَّةُ) لوفاة زوجها، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ الآية [البقرة: ٢٣٤] (فَقَامَ

стр. 14163

رَجُلٌ) وفي الرواية الآتية -٥٧/ ٣٥٢٥ - من طريق زيد بن الحباب، عن سفيان، عن منصور: "فقام معقل بن سنان الأشجعيّ، فقال: قضى فينا رسول اللَّه ﷺ في بروع بنت واشق … " الحديث. وعند أحمد: "فقام رجلٌ من أشجع، أُراه سَلَمَة بن يزيد … "، ولا تعارض بين الروايتين، لاحتمال أن يكون كلٌّ منهما قام، فتكلّم، ويؤيّد هذا الجمع، ما يأتي في رواية سفيان: "وذلك بسمع أناس من أشجع، فقاموا، فقالوا: نشهد أنك قضيت بما قضى به رسول اللَّه ﷺ … الحديث (مَنْ أَشْجَعَ) أي من قبيلة أشجع بن ريث بن غَطَفان بن سعد بن قيس عيلان، وهي قبيلة مشهورة، قاله في "اللباب" (١). وفي رواية سفيان: "وذلك بسمع أُناس من أشجع، فقاموا، فقالوا … " (فَقَالَ) ذلك الرجل (فِي مِثْلِ هَذَا) متعلّقٌ بـ"قضى"، و"في" بمعنى الباء: أي بمثل قضائك هذا (قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِينَا، فِي امْرَأَةٍ) بدل من "فينا" بدل بعض من كلّ (يُقَالُ لَهَا: بَرْوَعُ بنْتُ وَاشِقٍ) قال الفيّوميّ: بَرْوَعُ على وزن فَوْعَل -بفتح الفاء، وسكون العين- بنت واشق الأشجعيّة، من الصحابيات، قالوا: وكسر الباء خطأ؛ لأنه لا يُوجَد فِعْوَلٌ بالكسر إلا خِرْوَعٌ، نَبتٌ معروف، وعِتْوَدٌ، اسم واد، وعِتْوَرٌ، اسم واد أيضًا، وذِرْوَدٌ، اسم جَبَل، وقال بعضهم: رواه المحدثون بالكسر، ولا سبيلَ إلى دَفْع الرواية, والأسماءُ الأعلامُ لا مَجَالَ للقياس فيها، فالصواب جواز الفتح والكسر، واتفقوا على فتح الواو انتهى كلام الفيّوميّ ببعض زيادة (٢). وقال في "الإصابة": بَرْوع بنت واشق الرُّؤاسيّة الكلابيّة، أو الأشجعيّة، زوج هلال ابن مرّة، لها ذكرٌ في حديث مَعْقِل الأشجعيّ وغيره، وأخرج حديثها ابن عاصم من روايتها، فساق من طريق المثنّى بن الصّبّاح، عن عمرو بن شُعيب، عن سعيد بن المسيّب، عن بروع بنت واشق أنها نكحت رجلًا، وفوّضَت إليه، فتُوفّي قبل أن يُجامعها، فقضى لها رسول اللَّه ﷺ بصداق نسائها. وحديث معقِل مُخرَّجٌ في "السنن"، وأكثر النسائيّ من تخريج طرقه، وبيان الاختلاف من رُواته في قصّة عبد اللَّه بن مسعود ﵁. وعند أحمد من طريق زائدة، عن منصور، عن إبراهيم، والأسود … الحديث، وفيه: فقام رجلٌ من أشجع، أُراه سلمة بن يزيد، فقال: تزوّج رجلٌ منّا امرأةً من بني رُؤاس، يقال لها: بَرْوع … الحديث. انتهى (٣). (تَزَوَّجَت رَجُلًا، فَمَاتَ قَبلَ أَنْ يَدخُلَ بِهَا) أي يجامعها (فَقَضَى لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، بِمِثلِ صَدَاقِ نِسَائِهَا، وَلَهَا الْمِيرَاثُ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، فَرَفَعَ عَبْدُ اللَّهِ يَدَيْهِ، وَكَبَّرَ) أي فرحًا بموافقة اجتهاده حكم رسول اللَّه ﷺ .

стр. 14164

(قَالَ: أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ) النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى- (لَا أَعْلَمُ أَحَدًا، قَالَ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ: "الأَسْوَدُ" غَيْرَ زَائِدَةَ) يعني أن زائدة بن قُدَامة تفرّد بزيادة الأسود مع علقمة في روايته عن ابن مسعود ﵁، ولم يذكره غيره ممن روى الحديث عن منصور، كسفيان. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦٨/ ٣٣٥٥ و ٣٣٥٦ و ٣٣٥٧ و ٣٣٥٨ و ٥٧/ ٣٥٤٥ - وفي "الكبرى" ٧٠/ ٥٥١٥ و ٧١/ ٥٥١٦ و ٧٢/ ٥٥١٧ و ٥٥١٨ و ٥٥١٩ و ٥٥٢٠ و ٥٥٢١ و ٥٥٢٢ و ٥٥٢٣. وأخرجه (د) في "النكاح" ٢١١٤ (ت) في "النكاح" ١١٤٥ (ق) في "النكاح" ١٨٩١ (الدارمي) في "النكاح" ٢٢٤٦. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان جواز النكاح بغير تسمية المهر. (ومنها): ما كان عليه ابن مسعود ﵁ من الورع، حيث امتنع عن الفتوى بلا نصّ، حتى تردّدوا إليه نحو شهر، وهكذا ينبغي للعالم أن يتريّث، ولا يبادر إلى الفتوى، حتى يضطرّ إليه، ويبحث طويلًا في النصوص الشرعيّة، وأقوال أهل العلم ممن سبقه، ويبذل جهده في ذلك. (ومنها): أنه ينبغي للعالم إذا لم يفهم الحكم في القضية أن يُحيلها إلى غيره من أهل العلم، قبل أن يجتهد فيها، فإذا لم يجد أحدًا يحلّ القضية قام بحلّها، وبذل جهده في ذلك. (ومنها): أن إصابة الحقّ توفيقٌ من اللَّه تعالى، فينبغي الشكر عليه، وأن خطأه من تلبيس الشيطان، ولا يُنسب إلى الشارع. (ومنها): أن المجتهد إذا أخطأ لا لوم عليه، بل يُعذر في ذلك، حيث إن له أجرًا باجتهاده، لحديث عمرو بن العاص، أنه سمع رسول اللَّه ﷺ ، يقول: "إذا حكم الحاكم، فاجتهد، ثم أصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد، ثم أخطأ فله أجر". متّفقٌ عليه. (ومنها): أن المرأة التي لم يُسمّ لها صداقٌ إذا مات عنها زوجها لها مهر مثل نساء قومها، من غير زيادة، ولا نقص. (ومنها): أنها تجب عليها العدّة. (ومنها): أنها ترث من زوجها ذلك، بهذا كلّه قضى ابن مسعود ﵁، موافقًا لقضاء رسول اللَّه ﷺ . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 14165

(المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في حكم النكاح بلا تسمية صداق: قال العلامة ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: ما حاصله: إن النكاح يصحّ من غير تسمية صداق، في قول عامّة أهل العلم، وقد دلّ على هذا قول اللَّه تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٦] ثم أورد حديث ابن مسعود ﵁ المذكور في الباب، قال: ولأنّ القصد من النكاح الوُصلة، والاستمتاع، دون الصداق، فصحّ من غير ذكره كالنفقة، وسواء تركا ذكر المهر، أو شرطا نفيه، مثل أن يقول: زوّجتك بغير مهر، فيقبله كذلك. ولو قال: زوجتك بغير مهر في الحال، ولا في الثاني صحّ أيضًا. وقال بعض الشافعيّة: لا يصحّ في هذه الصورة؛ لأنها تكون كالموهوبة، وليس بصحيح؛ لأنه قد صحّ فيما إذا قال: زوّجتك بغير مهر، فيصحّ ههنا؛ لأن معناهما واحدٌ، وما صحّ في إحدى الصورتين المتساويتين صحّ في الأخرى، وليست كالموهوبة؛ لأن الشرط يَفْسُدُ، ويجب المهر. إذا ثبت هذا، فإن المزوّجة بغير مهر تُسمّى مفوّضة -بكسر الواو وفتحها- فمن كسر أضاف الفعل إليها على أنها فاعلة، مثلُ مُقوِّمة، ومن فتح أضافه إلى وليّها، ومعنى التفويض الإهمال، كأنها أهملت أمر المهر، حيث لم تسمّه، ومنه قول الشاعر [من البسيط]: لَا يَصلُحُ النَّاسُ فَوْضَى لَا سَرَاةَ لَهُمْ … وَلَا سَرَاةَ إِذَا جُهَّالَهُمْ سَادُوا يعني مهملين. والتفويض على ضربين: تفويض بُضْعٍ، وتفويض مَهْرٍ، فأما تفويض البضع، فهو الذي ذكره الخِرَقيّ، وفسّرناه، وهو الذي ينصرف إليه إطلاق التفويض. وأما تفويض المهر فهو أن يجعلا الصداق إلى رأي أحدهما، أو رأي أجنبيّ، فيقول زوّجتك على ما شئتَ، أو على حكمك، أو على حكمي، أو حكمها، أو حكم أجنبيّ، ونحوه. فهذه لها مهر المثل في ظاهر كلام الخِرَقيّ؛ لأنها لم تُزوّج نفسها إلا بصداق، لكنه مجهولٌ، فسقط لجهالته، ووجب مهر المثل. والتفويض الصحيح أن تأذن المرأة الجائزة الأمر لوليّها في تزويجها بغير مهر، أو بتفويض قدره، أو يزوّجها أبوها كذلك، فأما إن زوّجها غير أبيها، ولم يذكر مهرًا بغير إذنها في ذلك، فإنه يجب مهر المثل. وقال الشافعيّ: لا يكون التفويض إلا في الصورة الأولى. قال: فإذا طلّقت المفوّضة البُضْعِ قبل الدخول، فليس لها إلا المتعة، نصّ عليه

стр. 14166

أحمد في رواية جماعة، وهو قول ابن عمر، وابن عبّاس، والحسن، وعطاء، وِجابر بن زيد، والشعبيّ، والزهريّ، والنخعيّ، والثوريّ، والشافعيّ، وإسحاق، وأبي عُبيد، وأصحاب الرأي. وعن أحمد روايةٌ أخرى، أن الواجب لها نصف مهر مثلها؛ لأنه نكاح صحيحٌ يوجب مهر المثل بعد، فيوجب نصفه بالطلاق قبل الدخول، كما لو سمّى مُحرَّمًا. وقال مالكٌ، والليث، وابن أبي ليلى: المتعة مستحبّةٌ غير واجبة؛ لأن اللَّه تعالى قال: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾، فخصّهم بها، فيدلّ على أنها على سبيل الإحسان والتفضّل، والإحسان ليس بواجب؛ ولأنها لو كانت واجبةً لم يختصّ المحسنين دون غيرهم. ولنا قوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾، أمرٌ، والأمر يقتضي الوجوب، وقال تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ الآية [الأحزاب: ٤٩]؛ ولأنه طلاقٌ في نكاح يقتضي عوضًا، فلم يَعرُ عن العوض، كما لو سمّى مهرًا، وأداء الواجب من "الإحسان, فلا تعارض بينهما انتهى كلام ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى- (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٣٥٦ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ عَلْقَمَةَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, أَنَّهُ أُتِيَ فِي امْرَأَةٍ, تَزَوَّجَهَا رَجُلٌ, فَمَاتَ عَنْهَا, وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا, وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا, فَاخْتَلَفُوا إِلَيْهِ قَرِيبًا مِنْ شَهْرٍ, لَا يُفْتِيهِمْ, ثُمَّ قَالَ: أَرَى لَهَا صَدَاقَ نِسَائِهَا, لَا وَكْسَ, وَلَا شَطَطَ, وَلَهَا الْمِيرَاثُ, وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ, فَشَهِدَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الأَشْجَعِيُّ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , قَضَى فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ, بِمِثْلِ مَا قَضَيْتَ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو ثقة حافظ، و"يزيد": هو ابن هارون. و"سفيان ": هو الثوريّ. وقوله: "فاختلفوا إليه" أي تردّدوا إلى ابن مسعود ﵁، يقال: هو يَختَلِف إلى فلان: إذا كان يتردّد. أفاده في "تاج العروس" ٦/ ١٠٣ مادّة خلف. والحديث صحيح، وقد سبق تمام البحث فيه في الذي قبله، أورده المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- لبيان مخالفة سفيان لزائدة في زيادة الأسود، ولبيان اسم الرجل الأشجعيّ بأنه معقل بن سنان. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 14167

٣٣٥٧ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ فِرَاسٍ, عَنِ الشَّعْبِيِّ, عَنْ مَسْرُوقٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً, فَمَاتَ, وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا, وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا, قَالَ: لَهَا الصَّدَاقُ, وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ, وَلَهَا الْمِيرَاثُ, فَقَالَ: مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ: فَقَدْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ : "قَضَى بِهِ فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"إسحاق بن منصور": هو الكوسج. و"عبد الرحمن ": هو ابن مهديّ. و"سفيان": هو الثوريّ. و"فِرَاس" -بكسر الفاء، وتخفيف الراء: هو ابن يحيي الهمدنيّ الخارفيّ الكوفيّ، صدوق [٦] ٥٩/ ٢٥٤١. و"الشعبيّ": هو عامر بن شَرَاحيل. و"مسروق": هو ابن الأجدع. و"عبد اللَّه": هو ابن مسعود ﵁. وقوله: "ولم يَفْرِض لها" بفتح الياء، وكسر الراء، من باب ضرب: أي لم يقدّر لها المهر، أو لم يلتزم منه مِقْدارًا معيّنًا، بل تزوّجها من دون ذكره. والحديث صحيح، وقد سبق تمام البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٣٥٨ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ عَلْقَمَةَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ مِثْلَهُ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الإسناد هو الإسناد الماضي، وإنما أتى به لبيان أن سفيان في هذا الحديث له طريقان: طريق فراس، عن الشعبيّ، عن مسروق، عن عبد اللَّه. وطريق منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللَّه. وكلاهما محفوظان- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٣٥٩ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ, عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ, عَنِ الشَّعْبِيِّ, عَنْ عَلْقَمَةَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, أَنَّهُ أَتَاهُ قَوْمٌ, فَقَالُوا: إِنَّ رَجُلاً مِنَّا تَزَوَّجَ امْرَأَةً, وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا, وَلَمْ يَجْمَعْهَا إِلَيْهِ, حَتَّى مَاتَ؟ , فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: مَا سُئِلْتُ مُنْذُ فَارَقْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ , أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ هَذِهِ, فَأْتُوا غَيْرِي, فَاخْتَلَفُوا إِلَيْهِ فِيهَا شَهْرًا, ثُمَّ قَالُوا لَهُ فِي آخِرِ ذَلِكَ: مَنْ نَسْأَلُ إِنْ لَمْ نَسْأَلْكَ؟ , وَأَنْتَ مِنْ جِلَّةِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ , بِهَذَا الْبَلَدِ, وَلَا نَجِدُ غَيْرَكَ, قَالَ: سَأَقُولُ فِيهَا بِجَهْدِ رَأْيِي, فَإِنْ كَانَ صَوَابًا فَمِنَ اللَّهِ, وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ, وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَمِنِّي, وَمِنَ الشَّيْطَانِ, وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْهُ بُرَآءُ, أُرَى أَنْ أَجْعَلَ لَهَا صَدَاقَ نِسَائِهَا, لَا وَكْسَ, وَلَا شَطَطَ, وَلَهَا الْمِيرَاثُ, وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ, أَرْبَعَةَ

стр. 14168

أَشْهُرٍ وَعَشْرًا, قَالَ: وَذَلِكَ بِسَمْعِ أُنَاسٍ, مِنْ أَشْجَعَ, فَقَامُوا, فَقَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَضَيْتَ, بِمَا قَضَى بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ , فِي امْرَأَةٍ مِنَّا, يُقَالُ لَهَا: بِرْوَعُ بِنْتُ وَاشِقٍ, قَالَ: فَمَا رُئِيَ عَبْدُ اللَّهِ, فَرِحَ فَرْحَةً يَوْمَئِذٍ, إِلاَّ بِإِسْلَامِهِ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. والسند مسلسلٌ بثقات الكوفيين، غير شيخه، فمروزيّ ثقة حافظ، وفيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم، عن بعض: داود، والشعبيّ، وعلقمة. وقوله: "ولم يجمعها إليه" بفتح حرف المضارعة، أي لم يضمّ تلك المرأة إلى نفسه، بمعنى أنه لم يجامعها. وقوله: "ما سُئلت" بالبناء للمفعول. وقوله: "من جلّة" بكسر الجيم، وتشديد اللام، جمع جليل، قال في "القاموس": وقومٌ جِلَةٌ بالكسر: عُظَماءُ، سادَةٌ، ذَوُو أخطارٍ انتهى. وقوله: "بجهد رأيي". قال الفيّوميّ: الجُهْد بالضمّ في الحجاز، وبالفتح في غيرهم: الوسع، والطاقة. وقيل: المضموم: الطاقة، والمفتوح المشقّة. والْجَهْدُ بالفتح لا غيرُ: النهاية، والغاية، وهو مصدرٌ، من جَهَد، من باب نَفَعَ: إذا طلب حتى بلغ غايته في الطلب، وجهده الأمر، والمرضُ أيضًا: إذا بلغ منه المشقّةَ. انتهى. ومقصود ابن مسعود ﵁ أنه سيبذل جهده في التفكير، والتنقيب في المسألة حتى يتوصّل إلى معرفتها حسب طاقته. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "فمن اللَّه" أي من توفيقه . وقوله: "فمنّي، ومن الشيطان" أي من قصوري، وتقصيري، ومن تسويل الشيطان، وتلبيسه عليّ وجهَ الحقّ. وقوله: "بُرَآء" بضمّ الباء الموحدة، وتخفيف الراء، بوزن كُرماء، جمع بريء، وإنما جمعه للتعظيم، أو لأن أقلّ الجمع اثنان. ووقع في النسخة "الهندية": "بَرَاءٌ -بفتح الموحّدة، على وزن قَفَاء، يقال: بَرِئَ زيدٌ من دَينِه يَبْرَأُ مهموزًا، من باب تعِبَ بَرَاءةً: سقط عنه طلبه، فهو بريء، وبارىء، وبَرَاءٌ بالفتح والمدّ. قاله الفيّوميّ. فعلى هذا فهو مفرد، فيكون خبرًا لـ "اللَّهُ"، وخبر "ورسوله" محذوفٌ. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "أَرَى" بفتح الهمزة مبنيًا للفاعل. وقوله: "بسمع أناس" من إضافة المصدر إلى فاعله. يعني أن قضاء ابن مسعود ﵁ بذلك كان بمكان يسمعه أناس من أشجع. وقوله: "فقالوا: نشهد الخ" تقدّم لنا أنه لا تنافي بينه وبين ما تقدّم من أن رجلًا، أو معقل بن سنان قال ذلك؛ لأنه يُحمل على أنه تكلم، وأنهم وافقوه على ذلك، فنسب إليهم كما نُسب إليه.

стр. 14169

والحديث صحيح، وقد سبق الكلام عليه قريبًا، وإنما أورده هنا لبيان الاختلاف على الشعبيّ، فإنه في السابق رواه عن مسروق، عن عبد اللَّه، وهنا عن علقمة، عن عبد اللَّه، وكلاهما محفوظٌ، وأيضًا المتكلم في السابق هو معقل بن سنان، وهنا أناس من أشجع، ولا يضرّ هذا الاختلاف، كما بينته آنفًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٦٩ - (بَابُ هِبَةِ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا لِرَجُلٍ بِغَيْرِ صَدَاقٍ) ٣٣٦٠ - (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ, عَنْ أَبِي حَازِمٍ, عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ, فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ, إِنِّي قَدْ وَهَبْتُ نَفْسِي لَكَ., فَقَامَتْ قِيَامًا طَوِيلاً, فَقَامَ رَجُلٌ, فَقَالَ: زَوِّجْنِيهَا, إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ, قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «هَلْ عِنْدَكَ شَيْءٌ؟» , قَالَ: مَا أَجِدُ شَيْئًا, قَالَ: «الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» , فَالْتَمَسَ, فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا, فَقَالَ: لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «هَلْ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ؟» , قَالَ: نَعَمْ سُورَةُ كَذَا, وَسُورَةُ كَذَا, لِسُوَرٍ سَمَّاهَا, قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «قَدْ زَوَّجْتُكَهَا عَلَى مَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"معن": هو ابن عيسى القزّاز المدنيّ. و"مالك": هو إمام دار الهجرة. و"أبو حازم": هو سلمة بن دينار التمّار الأعرج المدنيّ. وهو مسلسل بثقات المدنيين، غير شيخه هارون بن عبد اللَّه الحمّال، فإنه بغداديّ. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم شرحه مستوفًى، وكذا بيان مسائله في - ١/ ٣٢٠١ - فراجعه تستفد. ثم إن الظاهر أن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أراد بهذه الترجمة جواز النكاح بلفظ الهبة، بلا مهر، وهو في هذا موافق لمذهب الحنفيّة، والأوزاعيّ، لكنه مخالف لهم في عدم وجوب المهر، فإنهم أوجبوا مهر المثل، لكن سبق أن ترجم بقوله: ": باب الكلام الذي ينعقد به النكاح" ثم أورد حديث الباب، فقلت هناك: الظاهر أنه يرجّح مذهب القائلين

стр. 14170

بعدم الجواز إلا بلفظ النكاح، أو التزويج، فلعلّه أراد هنا جواز النكاح بلا صداق، فيكون مؤكدًا للباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم. وقد ترجم الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" بقوله: [باب هل للمرأة أن تهب نفسها لأحد؟]. قال في "الفتح": أي فيحلّ له نكاحها بذلك، وهذا يتناول صورتين: إحداهما مجرّد الهبة، من غير ذكر مهر. والثاني: العقد بلفظ الهبة. فالصورة الأولى ذهب الجمهور إلى بطلان النكاح، وأجازه الحنفيّة، والأوزاعيّ، ولكن قالوا: يجب مهر المثل، وقال الأوزاعيّ: إن تزوّج بلفظ الهبة، وشرط أن لا مهر لم يصحّ النكاح. وحجة الجمهور قوله تعالى: ﴿خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فعدَّوا ذلك من خصائصه ﷺ ، وأنه يتزوّج بلفظ الهبة بغير مهر في الحال، ولا في المآل. وأجاب المجيزون عن ذلك بأن المراد أن الواهبة تختصّ به، لا مطلق الهبة. والصورة الثانية: ذهب الشافعيّة، وطائفة إلى أن النكاح لا يصحّ إلا بلفظ النكاح، أو التزويج؛ لأنهما الصريحان اللذان ورد بهما القرآن والحديث. وذهب الأكثر إلى أنه يصحّ بالكنايات. واحتجّ الطحاويّ لهم بالقياس على الطلاق، فإنه يجوز بصرائحه، وكناياته مع القصد انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تقدّم ترجيح مذهب الأكثرين القائلين بالجواز بأدلّته في - ٤١/ ٣٢٨١ - فارجع إليه تزدد علمًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٧٠ - (بابُ إِحْلالِ الْفَرْجِ) ٣٣٦١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ أَبِي بِشْرٍ, عَنْ خَالِدِ بْنِ عُرْفُطَةَ, عَنْ حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ, عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الرَّجُلِ يَأْتِي جَارِيَةَ امْرَأَتِهِ, قَالَ: إِنْ كَانَتْ أَحَلَّتْهَا لَهُ جَلَدْتُهُ مِائَةً, وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَحَلَّتْهَا لَهُ رَجَمْتُهُ).

стр. 14171

رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدْ بْنُ بَشارٍ) بندار، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٢٤/ ٢٧. ٢ - (محمد) بن جعفر غندر أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقة صحيح الكتاب [٩] ٢١/ ٢٢. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور [٧] ٢٤/ ٢٧. ٤ - (أبو بشر) جعفر بن أبي وَحْشيّة إياس، ثقة من أثبت الناس في سعيد بن جبير، وضعّفه شعبة في حبيب بن سالم، ومجاهد [٥] ١٣/ ٥٢٠. ٥ - (خالد بن عُرْفُطة) مقبول [٦]. روى عن الحسن البصريّ، وأبي سفيان طلحة بن نافع، وحبيب بن سالم. وعنه أبو بشر، وقتادة، وواصل مولى أبي عُيينة. ذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال أبو حاتم، وأبو بكر البزار في "مسنده": إنه مجهول، زاد أبو حاتم: لا أعرف أحدًا اسمه خالد بن عُرفطة إلا الصحابيّ. روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، وأبو داود، وله عندهما حديث الباب فقط. ٦ - (حبيب بن سالم) الأنصاريّ، مولى النعمان بن بشير، لا بأس به [٣] ١٩/ ٥٢٨. ٧ - (النُّعْمانُ بْنُ بَشِيرٍ) بن سعد بن ثعلبة الأنصاريّ الخرجيّ، له ولأبيه صحبة، ثم سكن الشام، ثم ولي إمرة الكوفة، ثم قُتِل - رضي اللَّه تعالى عنه - بحمص سنة (٦٥) وله (٦٤) سنة، تقدمت ترجمته في ١٩/ ٥٢٨. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير خالد بن عرفطة، فقد تفرّد به المصنف، وأبو داود. (ومنها): أن رواية أبي بشر عن خالد من رواية الأكابر عن الأصاغر، حيث إن أبا بشر من الطبقة الخامسة، وخالدًا من السادسة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِير) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فِي الرّجُلِ يَأْتِي جارَيةَ امْرَأَتِهِ، قالَ: إِنْ كَانَتْ أحَلَّتْها لَهُ) أي إن كانت امرأته جعلت جاريتها حلالًا، وأذنت له فيها (جَلَدْتُهُ مِائَةَ) قال ابن العربيّ: يعني أدّبته تعزيرًا، وأبلُغُ به عدد الحدّ، لا أنه رأى

стр. 14172

حدّه بالجلد حدًّا له. قال السنديّ بعد نقل كلام ابن العربيّ هذا: لأن المحصن حدّه الرجم، لا الجلد، ولعلّ سبب ذلك أن المرأة إذا أحلّت جاريتها لزوجها، فهو إعارة الفروج، فلا يصحّ، لكن العارية تصير شبهةً، تسقط الحدّ، إلا أنها شبهة ضعيفةٌ جدًّا، فيُعزَّر صاحبها. انتهى (وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَحَلَّتْهَا لَهُ رَجَمْتُهُ) أي لكونه محصنًا زنى، وحدّ المحصن إذا زنى الرجم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث النعمان بن بشير - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا ضعيف. قال المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في "كتاب الرجم" من "الكبرى" بعد أن أورد حديث النعمان بن بشير، وسلمة بن المحبّق، في بابين، وبيّن اختلاف طرق حديثهما: ما نصّه: قال أبو عبد الرحمن: ليس في هذا الباب شيء صحيح يُحتجّ به انتهى (١). وقال الحافظ المنذريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "مختصر سنن أبي داود": وقال الترمذيّ: حديث النعمان في إسناده اضطراب، سمعت محمدًا -يعني البخاريّ- يقول: لم يسمع قتادة من حبيب بن سالم هذا الحديث أيضًا، إنما رواه عن خالد بن عُرْفُطة، وأبو بشر لم يسمع من حبيب بن سالم هذا الحديث أيضًا، إنما رواه عن خالد ابن عُرفطة. هذا آخر كلامه. انتهى (٢). وخالد بن عُرفطة، قال أبو حاتم الرازيّ: هو مجهول. وقال الترمذيّ أيضًا: سألت محمدَ بن إسماعيل عنه؛ فقال: إني أتقي هذا الحديث. وقال النسائيّ: أحاديث النعمان هذه مضطربةٌ. وقال الخطّابيّ: هذا الحديث غير متّصل، وليس العمل عليه. هذا آخر كلامه. انتهى كلام المنذريّ (٣). واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٧٠/ ٣٣٦١ و ٣٣٦٢ و ٣٣٦٣ - وفي "الكبرى" ٨٢/ ٥٥٥١ و ٥٥٥٢ و ٥٥٥٣ و ٥٥٥٤ و ٥٥٥٥. وأخرجه (د) في "الحدود" ٤٤٥٨ و ٤٤٥٩ (ت) في

стр. 14173

"الحدود" ١٤٥١ (ق) في "الحدود" ٢٥٥١ (أحمد) في "مسند الكوفيين" ١٧٩٣٠ (الدارمي) في "الحدود" ٢٣٢٩. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في أقوال أهل العلم في حكم من وقع على جارية امرأته: قال الإمام الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "الجامع": وقد اختلف أهل العلم في الرجل يقع على جارية امرأته، فروي من غير واحد من أصحاب النبيّ ﷺ ، منهم: عليّ، وابن عمر ﵃ أن عليه الرجم. وقال ابن مسعود ﵁: ليس عليه حدّ، ولكن يُعزّر. وذهب أحمد، وإسحاق إلى ما روى النعمان بن بشير، عن النبيّ ﷺ -انتهى كلام الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى- (١). وقال الشوكانيّ بعد ذكر ما تقدّم: وهذا -يعني مذهب أحمد، وإسحاق- هو الأرجح؛ لأن الحديث، وإن كان فيه المقال المتقدِّم، فأقلّ أحواله أن يكون شبهة يُدرأ بها الحدّ انتهى. وهو محلّ توقُّف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٣٦٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَبَّانُ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبَانُ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ خَالِدِ بْنِ عُرْفُطَةَ, عَنْ حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ, عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ, أَنَّ رَجُلاً, يُقَالُ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حُنَيْنٍ, وَيُنْبَزُ قُرْقُورًا, أَنَّهُ وَقَعَ بِجَارِيَةِ امْرَأَتِهِ, فَرُفِعَ إِلَى النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ, فَقَالَ: لأَقْضِيَنَّ فِيهَا بِقَضِيَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : "إِنْ كَانَتْ أَحَلَّتْهَا لَكَ جَلَدْتُكَ, وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَحَلَّتْهَا لَكَ رَجَمْتُكَ بِالْحِجَارَةِ, فَكَانَتْ أَحَلَّتْهَا لَهُ, فَجُلِدَ مِائَةً", قَالَ قَتَادَةُ: فَكَتَبْتُ إِلَى حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ, فَكَتَبَ إِلَيَّ بِهَذَا). قال الجامع عفا اللَّه تعالىَ عنه: "محمد بن معمر": هو الحضرميّ البصريّ، صدوق [١١] ٢/ ١٣٧٠. و"حَبّان" بفتح الحاء المهملة-: هو ابن هلال، أبو حبيب البصريّ، ثقة ثبت [٩] ٤٤/ ٥٩٠. و"أبان": هو ابن يزيد العطار البصريّ الثقة [٧] ٩/ ٧٨٧. و"قتادة": هو ابن دعامة السدوسيّ الإمام المشهور [٤]. وقوله: يقال له: "عبد الرحمن بن حُنين" لم أجد من ترجمه. وقوله: وُينبَزُ" بالبناء للمفعول، أي يُلقّبُ، ويُدعى. قال الفيّوميّ: نَبَزَه نَبْزًا، من باب ضرب: لَقَّبه، والنَّبْزُ اللقبُ، تسميةً بالمصدر، وتنابزوا: نَبَزَ بعضهم بعضًا انتهى. وقوله: فكتب إليّ بهذا" يعني أن قتادة أخذ هذا الحديث من النعمان بن سالم بالمكاتبة، والمكتابة طريقٌ من الطرق المعتبرة في أخذ الحديث عند المحدّثين، إلا أن قتادة معروف بالتدليس، ويأخذ عمن دبّ ودرج، فلعلّه أخذه بواسطة شخص لا يوثق به.

стр. 14174

والحديث ضعيفٌ سبق الكلام فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٣٦٣ - (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَارِمٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ, عَنْ قَتَادَةَ,, عَنْ حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ, عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , قَالَ: فِي رَجُلٍ, وَقَعَ بِجَارِيَةِ امْرَأَتِهِ: «إِنْ كَانَتْ أَحَلَّتْهَا لَهُ, فَأَجْلِدْهُ مِائَةً, وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَحَلَّتْهَا لَهُ, فَأَرْجُمْهُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أبو داود": هو سليمان بن سيف الحَرّانيّ الثقة الحافظ [١١] ١٠٣/ ١٣٦ من أفراد المصنّف. و"عارم": هو محمد بن الفضل السدوسي البصريّ الحافظ الثقة الثبت من صغار [٩] ٤٦/ ١٧٢٨. وقوله: "فأجلده " مضارع مبدوء بهمزة المتكلّم، وكذا فأرجمه. والحديث ضعيف، سبق الكلام فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٣٦٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ حُرَيْثٍ, عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبَّقِ, قَالَ: قَضَى النَّبِيُّ ﷺ , فِي رَجُلٍ وَطِئَ جَارِيَةَ امْرَأَتِهِ, إِنْ كَانَ اسْتَكْرَهَهَا, فَهِيَ حُرَّةٌ, وَعَلَيْهِ لِسَيِّدَتِهَا مِثْلُهَا, وَإِنْ كَانَتْ طَاوَعَتْهُ, فَهِيَ لَهُ, وَعَلَيْهِ لِسَيِّدَتِهَا مِثْلُهَا). "الحسن": هو البصريّ الإمام المشهور. و"قبيصة بن حُريث"، ويقال: حُريث بن قبيصة، والأول أشهر الأنصاريّ البصريّ، صدوق [٣] ٩/ ٤٦٥. و"سلمة بن المُحَبِّق" -بفتح الموحّدة المشدّدة عند المحدثين، وقيل: بكسرها- وقيل: سلمة بن ربيعة بن المُحَبَّق، واسمه صخر بن عُبيد، ويقال: عُبيد بن صخر الْهُذَليّ، أبو سنان، له صحبة. روى عن النبيّ ﷺ ، وسكن البصرة. وروى عنه ابنه سنان، وقَبيصة بن حُريث، والحسن البصريّ، وغيرهم. قال العسكريّ في "التصحيف"، عن أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ، قال: ما سمعتُ من ابن شَبَّة وغيره إلا بكسر الباء، قال العسكريّ: فقلت له: إن أصحاب الحديث كلهم يفتحون الباء، فقال: أَيْشٍ الْمُحَبَّقُ في اللغة؟ فقلتُ: الْمُضَرَّطُ، فقال: هل يستحسن أحدٌ أن يسمي ابنه الْمُضَرَّط؟ وإنما سماه الْمُضَرِّط تفاؤلًا بأنه يُضَرِّطُ أعداءه، كما سمّوا عمرو بن هند مُضَرِّط الحجارة. وجزم ابن حبّان بأنه سلمة بن ربيعة بن المحبّق، وأنه نُسب إلى جدّه. وذكر أبو سليمان بن زَبْر في كتاب "الصحابة" أن سلمة لَمّا بُشّر بابنه سنان، وهو بخيبر، قال:

стр. 14175

لَسَهمٌ أرمي به عن رسول اللَّه ﷺ أحبّ إليّ مما بشرتموني به. أخرج له المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث: حديثا البابين، و ٤/ ٤٢٤٤ - حديث: "فإن دباغها ذكاتها". وقوله: "إن استكرهها فهي حرّة الخ": قال الخطّابيّ: لا أعلم أحدًا من الفقهاء يقول به، وفيه أمورٌ تخالف الأصول، منها: إيجاب المثل في الحيوان. ومنها: استجلاب الملك بالزنا. ومنها: إسقاط الحدّ عن البدن، وإيجاب العقوبة في المال، وهذه كلها أمور منكرة، لا تخرّج على مذهب أحد من الفقهاء، وخليقٌ أن يكون الحديث منسوخًا، إن كان له أصل في الرواية (١). وقال البيهقيّ في "سننه" حصول الإجماع من فقهاء الأمصار بعد التابعين على ترك القول به دليل على أنه إن ثبت صار منسوخًا بما ورد من الأخبار في الحدود، ثم أخرج عن أشعث، قال: بلغني أن هذا كان قبل الحدود، وذكر هذا الحازميّ في "ناسخه". وقال الخطّابيّ: الحديث منكر ضعيف الإسناد، منسوخ انتهى. وقال السنديّ: قلت: وبين رواياته تعارض لا يخفى (٢). والحديث ضعيف، قال المنذريّ: وأخرجه النسائيّ، وقال: لا تصحّ هذه الأحاديث. وقال البيهقيّ: وقبيصة بن حُريث غير معروف. وروينا عن أبي داود: أنه قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: الذي رواه عن سلمة بن المحبّق: شيخ لا يُعرف" لا يُحدث عنه غير الحسن -يعني قبيصة بن حُريث. وقال البخاريّ في "التاريخ": قبيصة بن حريث سمع سلمة بن المحبّق في حديثه نظر. وقال ابن المنذر: لا يثبت خبر سلمة بن المحبّق. وقال الخطّابيّ: هذا حديث منكر، وقبيصة بن حريث غير معروف، والحجة لا تقوم بمثله، وكان الحسن لا يبالى أن يروي الحديث ممن سمع. وقال بعضهم: هذا كان قبل الحدود. وقد اختلف في هذا الحديث عن الحسن، فقيل: عنه، عن قبيصة بن حريث، عن سلمة بن المحبّق. وقيل: عنه، عن سلمة، من غير ذكر قبيصة. وقيل: عنه، عن جَوْن (٣) بن قتادة، عن سلمة. وجَوْن بن قتادة، قال الإمام أحمد: لا يُعرف. هذا آخر كلامه (٤). والحديث أخرجه المصنّف هنا-٧٠/ ٣٣٦٤ و ٣٣٦٥ - وفي "الكبرى" ٨٢/ ٥٥٥٥

стр. 14176

و ٥٥٥٧. وأخرجه (د) في "الحدود" ٤٤٦٠ (ق) في "الحدود" ٢٥٥٢ (أحمد) في "مسند البصريين" ١٩٥٥٦. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، ونعم الوكيل. ٣٣٦٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ, قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبَّقِ, أَنَّ رَجُلاً غَشِىَ جَارِيَةً لاِمْرَأَتِهِ, فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ , فَقَالَ: «إِنْ كَانَ اسْتَكْرَهَهَا, فَهِيَ حُرَّةٌ مِنْ مَالِهِ, وَعَلَيْهِ الشَّرْوَى لِسَيِّدَتِهَا, وَإِنْ كَانَتْ طَاوَعَتْهُ, فَهِيَ لِسَيِّدَتِهَا, وَمِثْلُهَا مِنْ مَالِهِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن عبد اللَّه بن بَزِيع" هو: -بفتح الموحّدة، وكسر الزاي- البصريّ الثقة. و"يزيد"؛ هو ابن زُريع البصريّ الثقة الثبت. و"سعيد": هو ابن أبي عَرُوبة البصريّ الثقة الثبت. والسند مسلسلٌ بالبصريين. وقوله: "الشَّرْوَى" بفتح الشين المعجمة، وسكون الراء، وفتح الواو، مقصورًا، بوزن الْجَدْوَى: هو المثل، يقال: هذا شَرْوَى هذا: أي مثله، قاله في "القاموس"، والنهاية " (١). والحديث ضعيفٌ سبق الكلام عليه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٧١ - (تَحرِيمُ الْمُتْعَةِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الْمُتْعَةُ" -بضمّ الميم، وسكون المثناة الفوقانيّة-: هو النكاح إلى أجل معيّن، وهو من التمتّع بالشيء، وهو الانتفاع به، يقال: تمتّعتُ به أَتَمَتَّعُ تمتعًا، والاسم الْمُتْعة، كأنه يَنتَفِع بها إلى أمد معلوم. وقد كان مباحًا في أول الإسلام، ثم حرّم، وهو الآن جائزٌ عند الشيعة. قاله ابن الأثير (٢). وقال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: نكاح المتعة: هو المؤقّت في العقد. وقال في

стр. 14177

العُباب: كان الرجل يُشارط المرأة شرطًا على شيء إلى أجل معلوم، ويُعطيها ذلك، فيستحلّ بذلك فرجها، ثم يُخلي سبيلها من غير تزويج، ولا طلاق. انتهى. وقال ابن منظور -رحمه اللَّه تعالى-: والمتعة: التمتّع بالمرأة، لا تريد إدامتها لنفسك، ومتعة التزويج بمكة منه. وأما قول اللَّه تعالى في "سورة النساء" بعقب ما حُرّم من النساء، فقال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ أي عاقدي النكاح الحلال، غير زُناة ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾، فإن الزّجّاج ذكر أن هذه الآية غلِطَ فيها قومٌ غَلَطًا عظيمًا لجهلهم باللغة، وذلك أنهم ذهبوا إلى قوله: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ من المتعة التي قد أجمع أهل العلم أنها حرامٌ، وإنما معنى ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾، فما نكحتم منهنّ على الشريطة التي جرى في الآية أنه الإحصان أن تبتغوا بأموالكم محصنين، أي عاقدين التزويج، أي فما استمتعتم به منهنّ على عقد التزويج الذي جرى ذكره، فآتوهنّ أُجورهنّ فريضة، أي مهورهنّ، فإن استمتع بالدخول بها، آتى المهر تامًا، وإن استمتع بعقد النكاح آتى نصف المهر. قال الأزهريّ: المتاع في اللغة كلّ ما انتُفِعَ به، فهو متاعٌ، وقوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ ليس بمعنى زوّدوهنّ الْمُتَعَ، إنما معناه: أعطوهنّ ما يَستمتعن، وكذلك قوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال: ومن زعم أن قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ التي هي الشرط في التمتّع الذي يفعله الرافضة، فقد أخطأ خطأً عظيمًا؛ لأن الآية واضحةٌ بيّنةٌ. قال: فإن احتجّ محتجّ من الروافض بما يروى عن ابن عباس أنه كان يراها حلالًا، وأنه كان يقرؤها "فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمَّى"، فالثابت عندنا أن ابن عباس كان يراها حلالًا، ثم لما وقف على نهي النبيّ ﷺ رجع عن إحلالها. انتهى المقصود من كلام ابن منظور (١). وترجم الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه": "باب نهي النبيّ ﷺ عن نكاح المتعة أخيرًا". قال في "الفتح": يعني تزويج المرأة إلى أجل، فإذا انقضى وقعت. وقوله في الترجمة: "أخيرًا" يُفهم منه أنه كان مباحًا، وأن النهي عنه وقع في آخر الأمر، وليس في أحاديث الباب التي أوردها التصريح بذلك، لكن قال في آخر الباب: "أن عليًّا بين أنه منسوخ، وقد وردت عدّة أحاديث صحيحة صريحة بالنهي عنها بعد الإذن فيها، وأقرب ما فيها عهدا بالوفاة النبوية ما أخرجه أبو داود من طريق الزهريّ، قال: "كنّا عند عمر بن عبد العزيز، فتذاكرنا متعة النساء، فقال رجلٌ يقال له ربيع بن

стр. 14178

سبرة: أشهد على أبي أنه حدّث أن رسول اللَّه ﷺ نَهَى عنها في حجة الوداع". انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٣٦٦ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ, عَنِ الْحَسَنِ, وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنَيْ مُحَمَّدٍ, عَنْ أَبِيهِ, مَا أَنَّ عَلِيًّا بَلَغَهُ, أَنَّ رَجُلاً لَا يَرَى بِالْمُتْعَةِ بَأْسًا, فَقَالَ: إِنَّكَ تَائِهٌ, إِنَّهُ: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْهَا, وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عمرو بن عليّ) الفلاّس الصيرفيّ البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/ ٤. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطّان البصريّ الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/ ٤. ٣ - (عبيد اللَّه بن عمر) بن حفص العمريّ المدنيّ، ثقة ثبت [٥] ١٥/ ١٥. ٤ - (الزهريّ) محمد بن مسلم المدنيّ الإمام الحجة الثبت [٤] ١/ ١. ٥ - (الحسن بن محمد) بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ، أبو محمد المدنيّ، المعروف أبوه بابن الحنفيّة، ثقة فقيه رُمي بالإرجاء [٣]. قال مصعب الزُّبيريّ، ومُغيرة بن مِقْسَم، وعثمان بن إبراهيم الحاطبيّ: هو أول من تكلّم في الإرجاء، وتوفّي في خلافة عمر بن عبد العزيز، وليس له عقب. وقال ابن سعد: كان من ظرفاء بني هاشم، وأهل العقل منهم، وكان يُقدّم على أخيه أبي هاشم في الفضل والهيئة، وهو أوّل من تكلّم في الإرجاء. وقال الزهريّ: حدثنا الحسن، وعبد اللَّه ابنا محمد، وكان الحسن أرضاهما في أنفسنا، وفي رواية: وكان الحسن أوثقهما. وقال محمد بن إسماعيل الجعفريّ: حدثنا عبد اللَّه بن سلمة بن أسلم، عن أبيه، عن حسن، ومحمد، قال: وكان حسنٌ من أوثق الناس عند الناس. وقال سفيان، عن عمرو بن دينار: ما كان الزهريّ إلا من غلمان الحسن بن محمد. وقال ابن حبّان: كان من علماء الناس بالاختلاف. وقال سلّام بن أبي مطيع، عن أيوب: أنا أتبرّأ من الإرجاء، إن أول من تكلّم فيه رجلٌ من أهل المدينة، يقال له: الحسن بن محمد. وقال عطاء بن السائب، عن زاذان، وميسرة، أنهما دخلا على الحسن بن محمد، فلاماه على الكتاب الذي وضع في الإرجاء، فقال لزاذان: يا أبا عمر، لَوَدِدتُ أني كنتُ متّ، ولم أكتبه. وقال خليفة: مات سنة (٩٩)، أو (١٠٠)، وقيل: غير ذلك في وفاته. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان: هذا الحديث، وأعاده خمس مرّات، و (٤٢٤٥)

стр. 14179

حديث "مفاتح كلام اللَّه الدنيا والآخرة للَّه … " الحديث. وكتب الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- بعد ذكر ما تقدّم: ما مختصره: المراد بالإرجاء الذي تكلّم به الحسن بن محمد فيه غير الإرجاء الذي يَعِيبه أهل السنّة المتعلّق بالإيمان، وذلك كتب كتابًا، وفيه: ونُوالي أبا بكر وعمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، ونُجاهد فيهما؛ لأنهما لم تَقْتَتِلْ عليهما الأمة، ولم تشكّ في أمرهما، ونُرجىء من بعدهما، ممن دخل في الفتنة، فنكل أمرهم إلى اللَّه. قال: فالإرجاء الذي تكلّم فيه هو عدم القطع على إحدى الطائفتين بكونها مصيبة، أو مخطئة انتهى باختصار. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: كون المراد بالإرجاء الذي طُعِن به هو هذا النوع محلُّ تأمّل ونظر. واللَّه تعالى أعلم. ٦ - (عبد اللَّه بن محمد) بن عليّ بن أبي طالب الهاشمي، أبو هاشم ابن الحنفيّة، ثقةٌ قرنه الزهريّ بأخيه الحسن [٤]. قال الزبير: كان أبو هاشم صاحَبَ الشيعة، فأوصى إلى محمد بن عليّ بن عبد اللَّه ابن عبّاس، وصَرَفَ الشيعة إليه، ودفع إليه كتبه، ومات عنده. وقال ابن سعد: كان صاحب علم ورواية, وكان ثقة، قليل الحديث، وكانت الشيعة يلقَونه، وينتحلونه، وكان بالشام مع بني هاشم، فحضرته الوفاة، فأوصى إلى محمد بن عليّ، وقال: أنت صاحب هذا الأمر، وهو في وَلَدك، ومات في خلافة سليمان بن عبد الملك. وقال ابن عيينة، عن الزهريّ: حدّثنا عبد اللَّه، والحسن ابنا محمد بن عليّ، وكان الحسن أرضاهما، وفي رواية: وكان الحسن أوثقهما، وكان عبد اللَّه يتبع -وفي رواية: يجمع- أحاديث السبئية (١). وقال العجليّ: عبد اللَّه والحسن ثقتان. وقال أبو أُسامة: أحدهما مُرْجىء، والآخر شيعيّ. وقال النسائيّ؛ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن عبد البرّ: كان أبو هاشم عالمًا بكثير من المذاهب والمقالات، وكان عالمًا بالحدثان، وفنون العلم. قال أبو حسان الزياديّ وغيره: مات سنة ثمان وتسعين. وأرخه الهيثم سنة تسع وتسعين، وكذا أرخه خليفة. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث،

стр. 14180

وأعاده خمس مرّات. ٧ - (محمد بن عليّ) بن أبي طالب الهاشميّ, أبو القاسم ابن الحنفيّة المدنيّ، ثقة عالم [٢] ١١٢/ ١٥٧. ٨ - (علي) بن أبي طالب - رضي اللَّه تعالى عنه - ٧٤/ ٩١ واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ الْحَسَنِ، وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنَي مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِمَا) من طريق مالك بن أنس، أن ابن شهاب أخبره، أن عبد اللَّه، والحسن ابني محمد أخبراه أن أباهما محمد بن عليّ أخبرهما (أَنَّ عَلِيًّا بَلَغَهُ، أَنَّ رَجُلًا لا يَرَى بِالْمُتْعَةِ بَأْسًا) الرجل هو ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، ففي رواية البخاريّ في "كتاب ترك الحيل": "أن عليًّا قيل له: إن ابن عباس لا يرى بمتعة النساء بأسًا". وعند الدارقطنيّ: "أن عليًّا سمع ابن عبّاس، وهو يُفتي في متعة النساء، فقال: أما علمت … " (فَقالَ: إِنَّكَ تائِهٌ) وفي رواية لمسلم: "إنك رجلٌ تائه"، وللدارقطني: "إنك امرؤ تائه". و"التائه": هو الحائر الذاهب عن الطريق المستقيم. قال الفيّوميّ: تاه الإنسان في المَفازة يَتيهُ تَيْهًا: ضَلَّ عَن الطريق، وتاه يتُوهُ تَوْهًا لغةٌ، وقد تَيَّهْتُهُ، وتَوَّهْتُهُ، ومنه يُستعار لمن رام أمرًا، فلم يُصادف الصواب، فيقال: إنه تائه انتهى. (إِنَّهُ) الضمير للشأن، وهو ضميرٌ يفسره ما بعده، وهو قوله (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهَا) أي عن المتعة. وفي رواية أحمد، عن سفيان: "نَهَى عن نكاح المتعة" (وَعَنْ لُحُوم الْحُمُرِ الْأَهْلِيةِ) هو في معنى قوله في الرواية التالية: "الحمر الإنسيّة"، أي الحمر التيَ تألف الناس، دون الوحشيّة، فإنها مباحة. وقوله (يَوْمَ خَيْبَرَ) هكذا لجميع الرواة عن الزهريّ: "خيبر" بالمعجمة أوّله، والراء آخره، إلا ما رواه عبد الوهّاب الثقفيّ، عن يحيى بن سعيد، عن مالك في هذا الحديث، فإنه قال: "حُنَين" -بمهملة أوّله، ونونين- أخرجه المصنّف بعد حديث، والدارقطنيّ، ونبّها على أنه وهمٌ، تفرّد به عبد الوهّاب. وأخرجه الدارقطنيّ من طريق آخر، عن يحيى بن سعيد، فقال: "خيبر" على الصواب. وأغرب من ذلك رواية إسحاق بن راشد، عن الزهريّ، عنه بلفظ: "نهى في غزوة تبوك عن نكاح المتعة"، وهو خطأ أيضًا. قاله في "الفتح" (١). ثمّ إنّ العلّة في جمع عليّ ﵁ بين النهي عن الحمر الأهليّة والمتعة في هذا الحديث
следующие страницы →