← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 14176–14215 · переход к 14181.

стр. 14176

و ٥٥٥٧. وأخرجه (د) في "الحدود" ٤٤٦٠ (ق) في "الحدود" ٢٥٥٢ (أحمد) في "مسند البصريين" ١٩٥٥٦. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، ونعم الوكيل. ٣٣٦٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ, قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبَّقِ, أَنَّ رَجُلاً غَشِىَ جَارِيَةً لاِمْرَأَتِهِ, فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ , فَقَالَ: «إِنْ كَانَ اسْتَكْرَهَهَا, فَهِيَ حُرَّةٌ مِنْ مَالِهِ, وَعَلَيْهِ الشَّرْوَى لِسَيِّدَتِهَا, وَإِنْ كَانَتْ طَاوَعَتْهُ, فَهِيَ لِسَيِّدَتِهَا, وَمِثْلُهَا مِنْ مَالِهِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن عبد اللَّه بن بَزِيع" هو: -بفتح الموحّدة، وكسر الزاي- البصريّ الثقة. و"يزيد"؛ هو ابن زُريع البصريّ الثقة الثبت. و"سعيد": هو ابن أبي عَرُوبة البصريّ الثقة الثبت. والسند مسلسلٌ بالبصريين. وقوله: "الشَّرْوَى" بفتح الشين المعجمة، وسكون الراء، وفتح الواو، مقصورًا، بوزن الْجَدْوَى: هو المثل، يقال: هذا شَرْوَى هذا: أي مثله، قاله في "القاموس"، والنهاية " (١). والحديث ضعيفٌ سبق الكلام عليه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٧١ - (تَحرِيمُ الْمُتْعَةِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الْمُتْعَةُ" -بضمّ الميم، وسكون المثناة الفوقانيّة-: هو النكاح إلى أجل معيّن، وهو من التمتّع بالشيء، وهو الانتفاع به، يقال: تمتّعتُ به أَتَمَتَّعُ تمتعًا، والاسم الْمُتْعة، كأنه يَنتَفِع بها إلى أمد معلوم. وقد كان مباحًا في أول الإسلام، ثم حرّم، وهو الآن جائزٌ عند الشيعة. قاله ابن الأثير (٢). وقال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: نكاح المتعة: هو المؤقّت في العقد. وقال في

стр. 14177

العُباب: كان الرجل يُشارط المرأة شرطًا على شيء إلى أجل معلوم، ويُعطيها ذلك، فيستحلّ بذلك فرجها، ثم يُخلي سبيلها من غير تزويج، ولا طلاق. انتهى. وقال ابن منظور -رحمه اللَّه تعالى-: والمتعة: التمتّع بالمرأة، لا تريد إدامتها لنفسك، ومتعة التزويج بمكة منه. وأما قول اللَّه تعالى في "سورة النساء" بعقب ما حُرّم من النساء، فقال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ أي عاقدي النكاح الحلال، غير زُناة ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾، فإن الزّجّاج ذكر أن هذه الآية غلِطَ فيها قومٌ غَلَطًا عظيمًا لجهلهم باللغة، وذلك أنهم ذهبوا إلى قوله: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ من المتعة التي قد أجمع أهل العلم أنها حرامٌ، وإنما معنى ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾، فما نكحتم منهنّ على الشريطة التي جرى في الآية أنه الإحصان أن تبتغوا بأموالكم محصنين، أي عاقدين التزويج، أي فما استمتعتم به منهنّ على عقد التزويج الذي جرى ذكره، فآتوهنّ أُجورهنّ فريضة، أي مهورهنّ، فإن استمتع بالدخول بها، آتى المهر تامًا، وإن استمتع بعقد النكاح آتى نصف المهر. قال الأزهريّ: المتاع في اللغة كلّ ما انتُفِعَ به، فهو متاعٌ، وقوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ ليس بمعنى زوّدوهنّ الْمُتَعَ، إنما معناه: أعطوهنّ ما يَستمتعن، وكذلك قوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال: ومن زعم أن قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ التي هي الشرط في التمتّع الذي يفعله الرافضة، فقد أخطأ خطأً عظيمًا؛ لأن الآية واضحةٌ بيّنةٌ. قال: فإن احتجّ محتجّ من الروافض بما يروى عن ابن عباس أنه كان يراها حلالًا، وأنه كان يقرؤها "فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمَّى"، فالثابت عندنا أن ابن عباس كان يراها حلالًا، ثم لما وقف على نهي النبيّ ﷺ رجع عن إحلالها. انتهى المقصود من كلام ابن منظور (١). وترجم الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه": "باب نهي النبيّ ﷺ عن نكاح المتعة أخيرًا". قال في "الفتح": يعني تزويج المرأة إلى أجل، فإذا انقضى وقعت. وقوله في الترجمة: "أخيرًا" يُفهم منه أنه كان مباحًا، وأن النهي عنه وقع في آخر الأمر، وليس في أحاديث الباب التي أوردها التصريح بذلك، لكن قال في آخر الباب: "أن عليًّا بين أنه منسوخ، وقد وردت عدّة أحاديث صحيحة صريحة بالنهي عنها بعد الإذن فيها، وأقرب ما فيها عهدا بالوفاة النبوية ما أخرجه أبو داود من طريق الزهريّ، قال: "كنّا عند عمر بن عبد العزيز، فتذاكرنا متعة النساء، فقال رجلٌ يقال له ربيع بن

стр. 14178

سبرة: أشهد على أبي أنه حدّث أن رسول اللَّه ﷺ نَهَى عنها في حجة الوداع". انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٣٦٦ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ, عَنِ الْحَسَنِ, وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنَيْ مُحَمَّدٍ, عَنْ أَبِيهِ, مَا أَنَّ عَلِيًّا بَلَغَهُ, أَنَّ رَجُلاً لَا يَرَى بِالْمُتْعَةِ بَأْسًا, فَقَالَ: إِنَّكَ تَائِهٌ, إِنَّهُ: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْهَا, وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عمرو بن عليّ) الفلاّس الصيرفيّ البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/ ٤. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطّان البصريّ الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/ ٤. ٣ - (عبيد اللَّه بن عمر) بن حفص العمريّ المدنيّ، ثقة ثبت [٥] ١٥/ ١٥. ٤ - (الزهريّ) محمد بن مسلم المدنيّ الإمام الحجة الثبت [٤] ١/ ١. ٥ - (الحسن بن محمد) بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ، أبو محمد المدنيّ، المعروف أبوه بابن الحنفيّة، ثقة فقيه رُمي بالإرجاء [٣]. قال مصعب الزُّبيريّ، ومُغيرة بن مِقْسَم، وعثمان بن إبراهيم الحاطبيّ: هو أول من تكلّم في الإرجاء، وتوفّي في خلافة عمر بن عبد العزيز، وليس له عقب. وقال ابن سعد: كان من ظرفاء بني هاشم، وأهل العقل منهم، وكان يُقدّم على أخيه أبي هاشم في الفضل والهيئة، وهو أوّل من تكلّم في الإرجاء. وقال الزهريّ: حدثنا الحسن، وعبد اللَّه ابنا محمد، وكان الحسن أرضاهما في أنفسنا، وفي رواية: وكان الحسن أوثقهما. وقال محمد بن إسماعيل الجعفريّ: حدثنا عبد اللَّه بن سلمة بن أسلم، عن أبيه، عن حسن، ومحمد، قال: وكان حسنٌ من أوثق الناس عند الناس. وقال سفيان، عن عمرو بن دينار: ما كان الزهريّ إلا من غلمان الحسن بن محمد. وقال ابن حبّان: كان من علماء الناس بالاختلاف. وقال سلّام بن أبي مطيع، عن أيوب: أنا أتبرّأ من الإرجاء، إن أول من تكلّم فيه رجلٌ من أهل المدينة، يقال له: الحسن بن محمد. وقال عطاء بن السائب، عن زاذان، وميسرة، أنهما دخلا على الحسن بن محمد، فلاماه على الكتاب الذي وضع في الإرجاء، فقال لزاذان: يا أبا عمر، لَوَدِدتُ أني كنتُ متّ، ولم أكتبه. وقال خليفة: مات سنة (٩٩)، أو (١٠٠)، وقيل: غير ذلك في وفاته. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان: هذا الحديث، وأعاده خمس مرّات، و (٤٢٤٥)

стр. 14179

حديث "مفاتح كلام اللَّه الدنيا والآخرة للَّه … " الحديث. وكتب الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- بعد ذكر ما تقدّم: ما مختصره: المراد بالإرجاء الذي تكلّم به الحسن بن محمد فيه غير الإرجاء الذي يَعِيبه أهل السنّة المتعلّق بالإيمان، وذلك كتب كتابًا، وفيه: ونُوالي أبا بكر وعمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، ونُجاهد فيهما؛ لأنهما لم تَقْتَتِلْ عليهما الأمة، ولم تشكّ في أمرهما، ونُرجىء من بعدهما، ممن دخل في الفتنة، فنكل أمرهم إلى اللَّه. قال: فالإرجاء الذي تكلّم فيه هو عدم القطع على إحدى الطائفتين بكونها مصيبة، أو مخطئة انتهى باختصار. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: كون المراد بالإرجاء الذي طُعِن به هو هذا النوع محلُّ تأمّل ونظر. واللَّه تعالى أعلم. ٦ - (عبد اللَّه بن محمد) بن عليّ بن أبي طالب الهاشمي، أبو هاشم ابن الحنفيّة، ثقةٌ قرنه الزهريّ بأخيه الحسن [٤]. قال الزبير: كان أبو هاشم صاحَبَ الشيعة، فأوصى إلى محمد بن عليّ بن عبد اللَّه ابن عبّاس، وصَرَفَ الشيعة إليه، ودفع إليه كتبه، ومات عنده. وقال ابن سعد: كان صاحب علم ورواية, وكان ثقة، قليل الحديث، وكانت الشيعة يلقَونه، وينتحلونه، وكان بالشام مع بني هاشم، فحضرته الوفاة، فأوصى إلى محمد بن عليّ، وقال: أنت صاحب هذا الأمر، وهو في وَلَدك، ومات في خلافة سليمان بن عبد الملك. وقال ابن عيينة، عن الزهريّ: حدّثنا عبد اللَّه، والحسن ابنا محمد بن عليّ، وكان الحسن أرضاهما، وفي رواية: وكان الحسن أوثقهما، وكان عبد اللَّه يتبع -وفي رواية: يجمع- أحاديث السبئية (١). وقال العجليّ: عبد اللَّه والحسن ثقتان. وقال أبو أُسامة: أحدهما مُرْجىء، والآخر شيعيّ. وقال النسائيّ؛ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن عبد البرّ: كان أبو هاشم عالمًا بكثير من المذاهب والمقالات، وكان عالمًا بالحدثان، وفنون العلم. قال أبو حسان الزياديّ وغيره: مات سنة ثمان وتسعين. وأرخه الهيثم سنة تسع وتسعين، وكذا أرخه خليفة. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث،

стр. 14180

وأعاده خمس مرّات. ٧ - (محمد بن عليّ) بن أبي طالب الهاشميّ, أبو القاسم ابن الحنفيّة المدنيّ، ثقة عالم [٢] ١١٢/ ١٥٧. ٨ - (علي) بن أبي طالب - رضي اللَّه تعالى عنه - ٧٤/ ٩١ واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ الْحَسَنِ، وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنَي مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِمَا) من طريق مالك بن أنس، أن ابن شهاب أخبره، أن عبد اللَّه، والحسن ابني محمد أخبراه أن أباهما محمد بن عليّ أخبرهما (أَنَّ عَلِيًّا بَلَغَهُ، أَنَّ رَجُلًا لا يَرَى بِالْمُتْعَةِ بَأْسًا) الرجل هو ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، ففي رواية البخاريّ في "كتاب ترك الحيل": "أن عليًّا قيل له: إن ابن عباس لا يرى بمتعة النساء بأسًا". وعند الدارقطنيّ: "أن عليًّا سمع ابن عبّاس، وهو يُفتي في متعة النساء، فقال: أما علمت … " (فَقالَ: إِنَّكَ تائِهٌ) وفي رواية لمسلم: "إنك رجلٌ تائه"، وللدارقطني: "إنك امرؤ تائه". و"التائه": هو الحائر الذاهب عن الطريق المستقيم. قال الفيّوميّ: تاه الإنسان في المَفازة يَتيهُ تَيْهًا: ضَلَّ عَن الطريق، وتاه يتُوهُ تَوْهًا لغةٌ، وقد تَيَّهْتُهُ، وتَوَّهْتُهُ، ومنه يُستعار لمن رام أمرًا، فلم يُصادف الصواب، فيقال: إنه تائه انتهى. (إِنَّهُ) الضمير للشأن، وهو ضميرٌ يفسره ما بعده، وهو قوله (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهَا) أي عن المتعة. وفي رواية أحمد، عن سفيان: "نَهَى عن نكاح المتعة" (وَعَنْ لُحُوم الْحُمُرِ الْأَهْلِيةِ) هو في معنى قوله في الرواية التالية: "الحمر الإنسيّة"، أي الحمر التيَ تألف الناس، دون الوحشيّة، فإنها مباحة. وقوله (يَوْمَ خَيْبَرَ) هكذا لجميع الرواة عن الزهريّ: "خيبر" بالمعجمة أوّله، والراء آخره، إلا ما رواه عبد الوهّاب الثقفيّ، عن يحيى بن سعيد، عن مالك في هذا الحديث، فإنه قال: "حُنَين" -بمهملة أوّله، ونونين- أخرجه المصنّف بعد حديث، والدارقطنيّ، ونبّها على أنه وهمٌ، تفرّد به عبد الوهّاب. وأخرجه الدارقطنيّ من طريق آخر، عن يحيى بن سعيد، فقال: "خيبر" على الصواب. وأغرب من ذلك رواية إسحاق بن راشد، عن الزهريّ، عنه بلفظ: "نهى في غزوة تبوك عن نكاح المتعة"، وهو خطأ أيضًا. قاله في "الفتح" (١). ثمّ إنّ العلّة في جمع عليّ ﵁ بين النهي عن الحمر الأهليّة والمتعة في هذا الحديث

стр. 14181

أن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - كان يرخّص في الأمرين معًا، فردّ عليه عليّ ﵁ في الأمرين معًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٧١/ ٣٣٦٦ و ٣٣٦٧ و ٣٣٦٨ و"الصيد والذبائح" ٣١/ ٤٣٣٥ و ٤٣٣٦ - وفي "الكبرى" ٨٠/ ٥٥٣٨ و ٥٥٣٩ و ٥٥٤٠ وأخرجه (خ) في "المغازي" ٤٢١٦ و"الذبائح والصيد" ٥٥٢٣ (م) في "النكاح" ١٤٠٧ (ت) في "الأطعمة" ١٧٩٤ (ق) في "النكاح" ١٩٦١ (أحمد) في "مسند العشرة" ١٢٠٧٨١٤ (الموطأ) في "النكاح" ١١٥١ (الدارمي) في "الأضاحي" ١٩٩٠ "النكاح" ٢١٩٧. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان تحريم المتعة. (ومنها): بيان تحريم الحمر الأهلية. (ومنها): جواز النسخ في الشريعة الإسلامية، وهو مجمع عليه بين المسلمين، كما قال في "الكوكب الساطع": النَّسْخُ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ واقِعُ … وَقائِلُ التَّخْصِيصِ لا يُنَازعُ (ومنها): جواز تكرار النسخ، حسب المصالح. (ومنها): أن أفاضل الصحابة ﵃ كانوا يخفى عليهم بعض النصوص الواضحة، فقد خفي على ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - نسخ المتعة، فكان يُفتي بجوازها حتى بيّن له عليّ ﵁ ذلك، فمن هنا ينبغي أن يتنبّه المقلّدون للمذاهب أن الأئمة يخفى عليهم بعض النصوص، فيُفتون بخلافه، فيكون ذلك مذهبًا لهم، وهم في ذلك معذورون، فإذا تبيّن الحقّ لمقلّديهم فعليهم أن يتّبعوا النصوص، ويعتذروا عن أئمتهم، ولا يتجمّدوا، فيقولوا: إمامنا أعلم منا، فلعله كان عنده دليلٌ أقوى من هذا، فإن هذا قولٌ بالظنون الكاذبة. فلا حول ولا قوّة إلا باللَّه العلي العظيم. (ومنها): أن العالم إذا أخطأ النصّ، لا يُضَلَّلُ، ولا يُهجر، وإنما يُبيّن له الحقّ؛ لأنه ما يخالف النص إلا باجتهاد، والخطأ في الاجتهاد مغفور، بل صاحبه مأجور، لما أخرجه الشيخان، عن عمرو بن العاص ﵁، أنه سمع رسول اللَّه ﷺ ، يقول: "إذا حكم الحاكم، فاجتهد، ثم أصاب فله أجران، د إذا حكم فاجتهد، ثم أخطأ فله أجر".

стр. 14182

واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قوله: "يوم خيبر" الظاهر أنه ظرفٌ للأمرين: للنهي عن المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية. وحكى البيهقيّ عن الحميديّ أن سفيان بن عيينة كان يقول: قوله: "يوم خيبر" يتعلّق بالحمر الأهليّة، لا بالمتعة، قال البيهقيّ: وما قاله محتملٌ- يعني في روايته هذه، وأما غيره فصرّح أن الظرف يتعلّق بالمتعة. وفي رواية للبخاريّ من طريق مالك بلفظ: "نهى رسول اللَّه ﷺ يوم خيبر عن متعة النساء، وعن لحوم الحمر الأهلية"، وهكذا أخرجه مسلم من رواية ابن عيينة أيضًا. وفي رواية عبيد اللَّه بن عمر، عن الزهريّ عند البخاريّ في "ترك الحيل": "أن رسول اللَّه ﷺ نهى عنها يوم خيبر"، وكذا أخرجه مسلم، وزاد من طريقه: "فقال: مَهْلًا يا ابن عباس"، ولأحمد من طريق معمر بسنده أنه "بلغه أن ابن عباس رخّص في متعة النساء، فقاله: إن رسول اللَّه ﷺ نهى عنها يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الأهليّة"، وأخرجه مسلم من رواية يونس بن يزيد، عن الزهريّ، مثل رواية مالك، والدارقطنيّ من طريق ابن وهب، عن مالك، ويونس، وأسامة بن زيد ثلاثتهم، عن الزهريّ كذلك. وذكر السهيليّ أنّ ابن عيينة رواه عن الزهريّ بلفظ: "نهى عن أكل الحمر الأهليّة عام خيبر، وعن المتعة بعد ذلك، أو في غير ذلك اليوم". قال الحافظ؛ وهذا اللفظ الذي ذكره لم أره من رواية ابن عيينة، فقد أخرجه أحمد، وابن أبي عمر، والحميديّ، وإسحاق في مسانيدهم عن ابن عيينة باللفظ الذي أخرجه البخاريّ من طريقه، لكن منهم من زاد لفظ "نكاح"، كما بيّنته. وكذا أخرجه الإسماعيليّ من طريق عثمان بن أبي شيبة، وإبراهيم بن موسى، والعباس بن الوليد. وأخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد اللَّه بن نُمير، وزُهير بن حرب جميعًا عن ابن عيينة بمثل لفظ مالك، وكذا أخرجه سعيد بن منصور، عن ابن عيينة، لكن قال: "زمن" بدل "يوم"، قال السهيليّ: ويتّصل بهذا الحديث تنبيه على إشكال؛ لأن فيه النهي عن نكاح المتعة يوم خيبر، وهذا شيء لا يعرفه أحدٌ من أهل السير، ورواةِ الأثر، قال: فالذي يظهر أنه وقع تقديم وتأخير في لفظ الزهريّ. وهذا الذي قاله سبقه إليه غيره في النقل عن ابن عيينة، فذكر ابن عبد البرّ من طريق قاسم بن أصبغ أن الحميديّ ذكر عن ابن عيينة أن النهي زمن خيبر عن لحوم الحمر الأهليّة، وأما المتعة فكان في غير يوم خيبر، قال: ثم راجعت "مسند الحميديّ" من طريق قاسم بن أصبغ، عن أبي إسماعيل السلمي عنه، فقال بعد سياق الحديث: "قال ابن عُيينة: يعني أنه نهى عن لحوم الحمر الأهليّة زمن خيبر، ولا يعني نكاح المتعة".

стр. 14183

قال ابن عبد البرّ: وعلى هذا أكثر الناس. وقال البيهقيّ: يُشبه أن يكون كما قال لصحّة الحديث في أنه ﷺ رخّص فيها بعد ذلك، ثمّ نهى عنها، فلا يتمّ احتجاج عليّ إلا إذا وقع النهي أخيرًا؛ لتقوم الحجة به على ابن عبّاس ﵄. وقال أبو عوانة في "صحيحه": سمعت أهل العلم يقولون: معنى حديث عليّ ﵁ أنه نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر، وأما المتعة، فسكت عنها، وإنما نهى عنها يوم الفتح انتهى. والحامل لهؤلاء على هذا ما ثبت من الرخصة فيها بعد زمن خيبر، كما أشار إليه البيهقيّ، لكن يمكن الانفصال عن ذلك بأن عليًّا ﵁ لم تبلغه الرخصة فيها يوم الفتح؛ لوقوع النهي عنها عن قربٍ، كما سيأتي بيانه، ويؤيّد ظاهرَ حديث عليّ ﵁ ما أخرجه أبو عوانة، وصححه من طَريق سالم بن عبد اللَّه: "أن رجلًا سأل ابن عمر عن المتعة؟، فقال: حرام، فقال: إن فلانًا يقول فيها، فقال: واللَّه لقد علم أن رسول اللَّه ﷺ حرّمها يوم خيبر، وما كنّا مسافحين". قال السهيليّ: وقد اختُلِفَ في وقت تحريم نكاح المتعة، فأغربُ ما رُوي في ذلك من قال: في غزوة تبوك، ثم رواية الحسن أن ذلك كان في عمرة القضاء، والمشهور في تحريمها أن ذلك كان في غزوة الفتح، كما أخرجه مسلم من حديث الرَّبِيع بن سَبْرة، عن أبيه، وفي رواية عن الربيع، أخرجها أبو داود أنه كان في حجة الوداع، قال: ومن قال من الرُّواة: كان في غزوة أوطاس، فهو موافق لمن قال: عام الفتح انتهى. فتحصّل مما أشار إليه ستّة مواطن: خيبر، ثم عمرة القضاء، ثم الفتح، ثم أوطاس، ثم تبوك، ثم حجة الوداع. قال الحافظ: وبقي عليه حُنين؛ لأنها وقعت في رواية قد نبّهتُ عليها قبلُ، فإما أن يكون ذَهِل عنها، أو تركها عمدًا لخطأ رُواتها، أو لكون غزوة أوطاس، وحنين واحدة. فأما رواية تبوك، فأخرجها إسحاق بن راهويه، وابن حبّانَ من طريقه، من حديث أبي هريرة: "أن النبيّ ﷺ لما نزل بثَنِيَّة الوداع رأى مصابيح، وسمع نساء يبكين، فقال: ما هذا؟ فقالوا: يا رسول اللَّه، نساء كانوا تمتّعوا منهنّ، فقال: هَدَمَ المتعةَ النكاحُ، والطلاقُ، والميراثُ". وأخرجه الحازميّ من حديث جابر قال: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ إلى غزوة تبوك حتى إذا كنا عند العقبة مما يلي الشام جاءت نسوة، قد كنّا تمتّعنا بهنّ يطفن برجالنا، فجاء رسول اللَّه ﷺ ، فذكرنا ذلك له، قال: فغضب، وقام خطيبًا، فحمد اللَّه، وأثنى عليه، ونهى عن المتعة، فتواعدنا يومئذ، فسُمّيت ثنيّة الوداع".

стр. 14184

وأما رواية الحسن، وهو البصريّ، فأخرجها عبد الرزاق من طريقه، وزاد: "ما كانت قبلها، ولا بعدها"، وهذه الزيادة منكرة من راويها عمرو بن عُبيد، وهو ساقط الحديث، وقد أخرجه سعيد بن منصور من طريق صحيحة عن الحسن بدون هذه الزيادة. وأما غزوة الفتح، فثبتت في "صحيح مسلم"، كما قال. وأما أوطاس، فثبتت في مسلم أيضًا من حديث سلمة بن الأكوع. وأما حجة الوداع، فوقع عند أبي داود من حديث الربيع بن سَبْرة، عن أبيه. وأما قوله: "لا مخالفة بين أوطاس والفتح" ففيه نظر؛ لأن الفتح كان في رمضان، ثم خرجوا إلى أوطاس في شوّال، وفي سياق مسلم أنهم لم يخرجوا من مكّة حتى حُرِّمت، ولفظه: "أنه غزا مع رسول اللَّه ﷺ الفتح، فأذن لنا في متعة النساء، فخرجت أنا ورجل من قومي- فذكر قصّة المرأة إلى أن قال:- ثم استمتعت منها، فلم أخرج حتى حرّمها"، وفي لفظ له: "رأيت رسول اللَّه ﷺ قائمًا بين الركن والباب، وهو يقول … " بمثل حديث ابن نمير، وكان تقدّم في حديث ابن نمير أنه قال: "يا أيها الناس إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن اللَّه قد حرّم ذلك إلى يوم القيامة"، وفي رواية: "أَمَرَنا بالمتعة عام الفتح حين دخلنا مكة، ثم لم نخرج حتى نهانا عنها"، وفي رواية له: "أمر أصحابه بالتمتّع من النساء- فذكر القصّة، قال:- فكُنّ معنا ثلاثًا، ثم أمرنا رسول اللَّه ﷺ بفراقهنّ"، وفي لفظ: "فقال: إنها حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة". فأما أوطاس، فلفظ مسلم: "رخّص رسول اللَّه ﷺ عام أوطاس في المتعة ثلاثًا، ثم نهى عنها"، وظاهر الحديثين المغايرة، لكن يحتمل أن يكون أطلق على عام الفتح عام أوطاس لتقاربهما، ولو وقع في سياقه أنهم تمتّعوا من النساء في غزوة أوطاس لما حَسُنَ هذا الجمع. نعم ويبعد أن يقع الإذن في غزوة أوطاس بعد أن يقع التصريح قبلها في غزوة الفتح بأنها حرمت إلى يوم القيامة. وإذا تقرّر ذلك، فلا يصحّ من الروايات شيء بغير علّة إلا غزوة الفتح. وأما غزوة خيبر، وإن كانت طرق الحديث فيها صحيحة، ففيها من كلام أهل العلم ما تقدّم. وأما عمرة القضاء، فلا يصحّ الأثر فيها؛ لكونها من مرسل الحسن، ومراسيله ضعيفة؛ لأنه كان يأخذ من كلّ أحد، وعلى تقدير ثبوته، فلعلّه أراد أيام خيبر؛ لأنهما كانا في سنة واحدة، كما في الفتح وأوطاس سواء. وأما قصّة تبوك فليس في حديث أبي هريرة التصريح بأنهم استمتعوا منهنّ في تلك الحالة، فيحتمل أن يكون ذلك وقع قديمًا، ثم وقع التوديع منهنّ حينئذ، والنهي، أو

стр. 14185

كان النهي وقع قديمًا، فلم يبلغ بعضهم فاستمرّ على الرخصة، فلذلك قرن النهي بالغضب؛ لتقدّم النهي في ذلك، على أن في حديث أبي هريرة مقالًا، فإنه من رواية مؤمّل بن إسماعيل، عن عكرمة بن عمّار، وفي كلّ منهما مقالٌ. وأما حديث جابر، فلا يصحّ؛ فإنه من طريق عبّاد بن كثير، وهو متروك. وأما حجة الوداع، فهو اختلاف على الربيع بن سَبْرَة، والرواية عنه بأنها في الفتح أصحّ وأشهر، فإن كان حفظه فليس في سياق أبي داود سوى مجرّد النهي، فلعله ﷺ أراد إعادة النهي ليَشِيع، ويسمعه من لم يسمعه قبل ذلك. فلم يبقَ من المواطن كما قلنا صحيحًا صريحًا سوى غزوة خيبر، وغزوة الفتح، وفي غزوة خيبر من كلام أهل العلم ما تقدّم. وزاد ابن القيّم في "الهدي" أن الصحابة لم يكونوا يستمتعوت باليهوديات، يعني فيقوى أن النهي لم يقع يوم خيبر، أو لم يقع هناك نكاح متعة، لكن يمكن أن يجاب بأن يهود خيبر كانوا يصاهرون الأوس والخزرج قبل الإسلام، فيجوز أن يكون هناك من نسائهم من وقع التمتّع بهنّ، فلا ينهض الاستدلال بما قال. وقال الماورديّ في "الحاوي": في تعيين موضع تحريم المتعة وجهان: أحدهما: أن التحريم تكرَّر؛ ليكون أظهر وأنشر حتى يعلمه من لم يكن علمه؛ لأنه قد يحضر في بعض المواطن من لا يحضر في غيرها. والثاني: أنها أُبيحت مرارًا، ولهذا قال في المرّة الأخيرة: "إلى يوم القيامة"، إشارةً إلى أن التحريم الماضي كان مؤذنًا بأن الإباحة تعقبه، بخلاف هذا، فإنه تحريمٌ مؤبّد، لا تعقبه إباحة أصلًا، وهذا الثاني هو المعتمد، ويردّ الأول التصريح بالإذن فيها في الموطن المتأخّر عن الموطن الذي وقع التصريح فيه بتحريمها كما في غزوة خيبر، ثم الفتح. وقال النوويّ: الصواب أن تحريمها وإباحتها وقعا مرّتين، فكانت مباحة قبل خيبر، ثمّ حرّمت فيها، ثم أُبيّحت عام الفتح، وهو عام أوطاس، ثم حرّمت تحريمًا مؤبّدًا، قال: ولا مانع من تكرير الإباحة. ونقل غيره عن الشافعيّ أن المتعة نُسخت مرّتين، وقد ثبت في حديث ابن مسعود ﵁ سبب الإذن في نكاح المتعة، وأنهم كانوا إذا غزوا اشتدّت عليهم العُزبة، فأذن لهم في الاستمتاع، فلعلّ النهي كان يتكرّر في كلّ موطن بعد الإذن، فلما وقع في المرّة الأخيرة أنها حرّمت إلى يوم القيامة لم يقع بعد ذلك إذن واللَّه أعلم. والحكمة في جمع عليّ ﵁ بين النهي عن الحمر والمتعة أن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - كان يرخّص في الأمرين معًا، فردّ عليه عليّ ﵁ في الأمرين معًا، وأن

стр. 14186

ذلك يوم خيبر، فإما أن يكون على ظاهره، وأن النهي عنهما وقع في زمن واحد، وإما أن يكون الإذن الذي وقع عام الفتح لم يبلغ عليًّا لقصر مدّة الإذن، وهو ثلاثة أيام، كما تقدّم. والحديث في قصّة تبوك (١) على نسخ الجواز في السفر لأنه نهى عنها في أوائل إنشاء السفر مع أنه كان سفرًا بعيدًا، والمشقّة فيه شديدة كما صرّح به في الحديث في توبة كعب، وكأن علّة الإباحة، وهي الحاجة الشديدة انتهت من بعد فتح خيبر، وما بعدها. واللَّه أعلم. قال الحافظ: والجواب عن قول السهيليّ أنه لم يكن في خيبر نساءٌ يستمتع بهنّ ظاهر مما بيّنته من الجواب عن قول ابن القيّم: لم تكن الصحابة يتمتّعون باليهوديات، وأيضًا فيقال -كما تقدّم-: لم يقع في الحديث التصريح بأنهم استمتعوا في خيبر، وإنما فيه مجرّد النهي، فيؤخذ منه أن التمتّع من النساء، كان حلالًا، وسبب تحليله ما تقدّم في حديث ابن مسعود ﵁، حيث قال: "كنا نغزو، وليس لنا شيء -ثم قال-: فرخّص لنا أن ننكح المرأة بالثوب"، فأشار إلى سبب ذلك، وهو الحاجة مع قلّة الشيء، وكذا في حديث سهل بن سعد الذي أخرجه ابن عبد البرّ بلفظ: "إنما رخّص النبيّ ﷺ في المتعة لعزبة كانت بالناس شديدة، ثم نهى عنها"، فلما فُتِحت خيبر وسع عليهم من المال، ومن السبي، فناسب النهي عن المتعة؛ لارتفاع سبب الإباحة، وكان ذلك من تمام شكر نعمة اللَّه على التوسعة بعد الضيق، أو كانت الإباحة إنما تقع في المغازي التي يكون في المسافة إليها بُعْدٌ ومشقّةٌ، وخيبر بخلاف ذلك؛ لأنها بقرب المدينة فوقع النهي عن المتعة فيها إشارة إلى ذلك من غير تقدّم إذن فيها، ثم لمّا عادوا إلى سفرة بعيدة المدّة، وهي غزاة الفتح، وشقّت عليهم العزوبة أذن لهم في المتعة، لكن مقيّدًا بثلاثة أيام فقط دفعًا للحاجة، ثم نهاهم بعد انقضائها عنها. وهكذا يجاب عن كلّ سفرة ثبت فيها النهي بعد الإذن. وأما حجة الوداع، فالذي يظهر أنه وقع فيها النهي مجرّدًا، إن ثبت الخبر في ذلك؛ لأن الصحابة حجِّوا فيها بنسائهم بعد أن وُسّع عليهم، فلم يكونوا في شدّة، ولا طول عزبة، وإلا فمخرج حديث سَبْرة روايه، هو من طريق ابن الربيع عنه، وقد اختُلِفَ عليه في تعيينها، والحديث واحدٌ في قصّة واحدةٍ، فتعيّن الترجيح، والطريق التي أخرجها مسلم مصرّحة بأنها في زمن الفتح أرجح، فتعيّن المصير إليها، واللَّه أعلم انتهى (٢).

стр. 14187

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: خلاصة القول في مسألة المتعة أن الأصحّ أنها مما تكرَّر نسخها، وإباحتها، فكانت مباحة قبل خيبر، فحرّمت فيها، ثم أُبيحت زمن الفتح لمدّة ثلاثة أيام، ثم حرّمت فيها بعد الثلاثة تحريمًا مؤبّدًا إلى يوم القيامة، وأما الرواية بأنه حرمت عام حجة الوداع، فتؤوّل بأن المراد أنه ﷺ أعاد ذكر تحريمها، حتى يعلمه الجميع، دون أن يتقدّم له إذن فيه، فبهذا تجتمع أحاديث الباب، ويزول إشكالها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في أقوال أهل العلم في حكم نكاح المتعة: قال أبو عبد اللَّه القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: قال أبو بكر الطرطوشيّ: ولم يرخّص في نكاح المتعة إلا عمران بن حُصين، وابن عبّاس، وبعض الصحابة، وطائفة من أهل البيت، وفي قول ابن ابن عباس يقول الشاعر [من الطويل]: أَقُولُ لِلرَّكْبِ إِذْ طالَ الثَّواءُ بِنَا (١) … يَا صَاحِ هَلْ لَكَ فِي فُتْيا ابْنِ عَبّاسِ فِي بَضَّةٍ رَخْصَةِ الأَطْرَافِ ناعِمَةٍ (٢) … تَكُونُ مَثوَاكَ حَتَّى مَرْجِعِ النّاسِ وسائر العلماء، والفقهاء، من الصحابة والتابعين، والسلف الصالحين على أن هذه الآية منسوخةٌ (٣)، وأن المتعة حرام انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (٤). وقال الحافظ ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى- في كتابه "الاستذكار": وأما الصحابة ﵃، فإن الأكثر منهم على النهي عنها، وتحريمها. قال: وأصحاب ابن عبّاس من أهل مكة، واليمن كلهم يرون المتعة حلالًا على مذهب ابن عبّاس، وحرّمها سائر الناس. قال معمر: قال الزهريّ: ازداد الناس لها مقتًا حين قال الشاعر: يا صاحِ هَلْ لَكَ فِي فُتْيَا ابْنِ عَبّاسِ قال ابن عبد البرّ: هما بيتان: قالَ الْمُحَدِّثُ لَمَّا طَالَ مَجْلِسُهُ … يَا صَاحِ هَلْ لَكَ فِي فُتْيا ابْنِ عَبّاسِ فِي بَضَّةِ رَخْصَةِ الأَطْرافِ آنِسَةٍ … تَكُونُ مَثواكَ حَتَّى مَرْجِعِ النَّاسِ

стр. 14188

وروى الليث بن سعد، عن بكير بن الأشجّ، عن عمار مولى الشَّرِيد، قال: سألت ابن عبّاس عن المتعة، أسفاح هي، أم نكاح؟ قال: لا سِفاحٌ هي، ولا نكاح، قلت: فما هي؟، قال: المتعة، كما قال اللَّه تعالى، قلت: هل عليها عدّةٌ؟، قال: نعم حيضةٌ، قلت: يتورثان؟ قال: لا. قال أبو عمر: اتفق أئمّةُ علماء الأمصار، من أهل الرأي والآثار" منهم: مالك، وأصحابه من أهل المدينة، وسفيان، وأبو حنيفة من أهل الكوفة، والشافعيّ، ومن سلك سبيله من أهل الحديث والفقه والنظر، والليث بن سعد من أهل مصر، والمغرب، والأوزاعيّ في أهل الشام، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عُبيد، وداود، والطبريّ على تحريم نكاح المتعة لصحّة نهي رسول اللَّه ﷺ عندهم عنها. واختلفوا في معنًى منها، وهو الرجل يتزوّج المرأة عشرة أيام، أو شهرًا، أو أيامًا معلومات، وأجلًا معلومًا، فقال مالك، والثوريّ، وأبو حنيفة، والشافعيّ، والأوزاعيّ: هذا نكاح المتعة، وهو باطلٌ، يُفسخ قبل الدخول، وبعده. وقال زفر: إن تزوّجها عشرة أيام، أو نحوها، أو شهرًا، فالنكاح ثابت، والشرط باطلٌ، وقالوا كلهم إلا الأوزاعي: إذا نكح المرأة نكاحًا صحيحًا، ولكنه نوى في حين عقده عليها ألا يمكث معها إلا شهرًا، أو مدّة معلومة، فإنه لا بأس به، ولا تضرّه في ذلك نيّته إذا لم يكن شرط ذلك في نكاحه. قال ابن عبد البرّ: في حديث ابن مسعود ﵁ بيانُ أن المتعة نكاح إلى أجل، وهذا يقتضي الشرط الظاهر، وإذا سلم العقد منه صحّ. وباللَّه التوفيق انتهى كلام ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى- باختصار (١). وقال الحافظ في "الفتح": وقد اختلف السلف في نكاح المتعة، قال ابن المنذر: جاء عن الأوائل الرخصة فيها، ولا أعلم اليوم أحدًا يُجيزها إلا بعض الرافضة، ولا معنى لقولٍ يُخالف كتاب اللَّه، وسنّة رسوله ﷺ . وقال عياضٌ: ثم وقع الإجماع من جميع العلماء على تحريمها إلا الروافض. وأما ابن عبّاس، فروي عنه أنه أباحها. وروي عنه أنه رجع عن ذلك. قال ابن بطال: روى أهل مكّة واليمن عن ابن عبّاس إباحة المتعة. وروي عنه الرجوع بأسانيد ضعيفة، وإجازة المتعة عنه أصحّ، وهو مذهب الشيعة. قال: وأجمعوا على أنه متى وقع الآن أُبطل سواء كان قبل الدخول، أم بعده، إلا قول زُفر أنه جعلها كالشروط الفاسدة، ويردّه قوله ﷺ : "فمن كان عنده منهنّ شيء، فليُخلّ

стр. 14189

سبيلها". وهو حديث سبرة المذكور في هذا الباب بعد هذا. وقال الخطّابيّ: تحريم المتعة كالإجماع إلا عن بعض الشيعة، ولا يصحّ على قاعدتهم في الرجوع في المختلفات إلى عليّ، وآل بيته، فقد صحّ عن عليّ أنها نسخت. ونقل البيهقيّ عن جعفر بن محمد أنه سُئل عن المتعة، فقال: "هي الزنا بعينه"، قال الخطّابيّ: ويُحكى عن ابن جُريج جوازها اهـ. وقد نقل أبو عوانة في "صحيحة " عن ابن جُريج أنه رجع عنها بعد أن روى بالبصرة في إباحتها ثمانية عشر حديثًا. وقال ابن دقيق العيد: ما حكاه بعض الحنفيّة عن مالك من الجواز خطأٌ، فقد بالغ المالكيّة في منع النكاح المؤقّت حتى أبطلوا توقيت الحلّ بسببه، فقالوا: لو علّق على وقت لا بُد من مجيئه وقع الطلاق الآن لأنه توقيت للحلّ، فيكون في معنى نكاح المتعة. وقال عياض: وأجمعوا على أن شرط البطلان التصريح بالشرط، فلو نوى عند العقد أن يفارقها بعد مدّة صحّ نكاحه، إلا الأوزاعيّ، فأبطله. واختلفوا هل يُحدّ ناكح المتعة، أو يُعزّر؟ على قولين، مأخذهما أن الاتفاق بعد الخلاف، هل يرفع الخلاف المتقدِّم. وقال القرطبيّ: الروايات كلّها متّفقةٌ على أن زمن إباحة المتعة لم يطُل، وأنه حُرِّم، ثم أجمع السلف والخلف على تحريمها إلا من لا يلتفت إليه من الروافض. وجزم جماعة من الأئمة بتفرّد ابن عبّاس بإباحتها، فهي من المسألة المشهورة، وهي نُدرة المخالف، ولكن قال ابن عبد البرّ: أصحاب ابن عبّاس من أهل مكة واليمن على إباحتها، ثم اتفق فقهاء الأمصار على تحريمها. وقال ابن حزم: ثبت على إباحتها بعد رسول اللَّه ﷺ ابن مسعود، ومعاوية، وأبو سعيد، وابن عباس، وسلمة، ومعبد ابنا أُميّة بن خلف، وجابر، وعمرو بن حريث، ورواه جابر عن جميع الصحابة مدّة رسول اللَّه ﷺ ، وأبي بكر، وعمر إلى قرب آخر خلافة عمر، قال: ومن التابعين طاوس، وسعيد بن جُبير، وعطاء، وسائر فقهاء مكة. قال الحافظ: وفي جميع ما أطلقه نظر: أما ابن مسعود، فمستنده فيه الحديث الماضي في أوائل النكاح (١)، وقد بيّنت فيه ما

стр. 14190

نقله الإسماعيليّ، من الزيادة فيه المصرّحة عنه بالتحريم، وقد أخرجه أبو عوانة من طريق أبي معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، وفي آخره: "ففعلناها، ثم تُرك ذلك". وأما معاوية فأخرجه عبد الرزاق من طريق صفوان بن يعلي بن أميّة: "أخبرني يعلى أن معاوية استمتع بامرأة بالطائف"، وإسناده صحيح، لكن في رواية أبي الزبير عن جابر عند عبد الرزّاق أيضًا أن ذلك كان قديمًا، ولفظه: "استمتع معاوية مَقْدَمه الطائف بمولاة لبني الحضرميّ، يقال لها: معانة، قال جابر: ثم عاشت معانة إلى خلافة معاوية، فكان يرسل إليها بجائزة كلّ عام"، وقد كان معاوية متّبعا لعمر، مقتديًا به، فلا يُشكّ أنه عمل بقوله بعد النهي، ومن ثَمّ قال الطحاويّ: خطب عمر، فنهى عن المتعة، ونقل ذلك عن النبيّ ﷺ ، فلم يُنكر عليه ذلك منكر، وفي هذا دليلٌ على متابعتهم له على ما نهَى عنه. وأما أبو سعيد، فأخرج عبد الرزاق، عن ابن جُريج أن عطاءَ قال: أخبرني من شئتُ عن أبي سعيد، قال: لقد كان أحدنا يستمتع بملء القدح سَويقا. وهذا - مع كونه ضعيفًا؛ للجهل بأحد رواته- ليس فيه التصريح بأنه كان بعد النبيّ ﷺ . وأما ابن عبّاس، فتقدّم النقل عنه، والاختلاف هل رجع، أو لا؟. وأما سلمة، ومعبد، فقصّتهما واحدةٌ، اختُلف فيها، هل وقعت لهذا، أو لهذا، فروى عبد الرزّاق بسند صحيح، عن عمرو بن دينار، عن طاوسٍ، عن ابن عبّاس، قال: "لم يَرُعْ عمر إلا أمّ أراكة، قد خرجت حُبلى، فسألها عمر، فقالت: استمتع بي سلمة بن أميّة". وأخرج من طريق أبي الزبير، عن طاوس، فسمّاه معبد بن أُميّة. وأما جابر، فمستنده قوله: "فعلناها"، وقد تقدّم بيانه، ووقع في رواية أبي نضرة، عن جابر عند مسلم: "فنهانا عمر، فلم نفعله بعدُ"، فإن كان قوله: "فعلنا" يعمّ جميع الصحابة، فقوله: "ثم لم نعُد" يعمّ جميع الصحابة، فيكون إجماعًا، وقد ظهر أن مستنده الأحاديث الصحيحة التي بيّنّاها. وأما عمرو بن حُريث (١)، وكذا قوله: "رواه جابر عن جميع الصحابة، فعجيبٌ، وإنما قال جابر: "فعلناها"، وذلك لا يقتضي تعميم جميع الصحابة، بل يصدُقُ على فعل نفسه وحده. وأما ما ذكره عن التابعين، فهو عند عبد الرزاق، عنهم بأسانيد صحيحة. وقد ثبت عن جابر عند مسلم: "فعلناها، مع رسول اللَّه ﷺ ، ثم نهانا عمر، فلم نَعُد لها"، فهذا يردّ عدّه جابرًا فيمن ثبت على تحليلها. وقد اعترف ابن حزم مع ذلك بتحريمها؛ لثبوت

стр. 14191

قوله ﷺ : "إنها حرامٌ إلى يوم القيامة"، قال: فأَمِنّا بهذا القولِ نسخَ التحريم. انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: كلام الحافظ رحمه للَّه تعالى هذا تحريرٌ نفيسٌ جدًّا. وخلاصة القول في مسألة نكاح المتعة أخذًا مما سبق من الأحاديث، وأقوال الأئمة من السلف، والخلف أنه نكاحٌ باطلٌ، ولا يوجد الآن من يقول بجوازه، ممن ينتسب إلى أهل السنّة، والجماعة، وإنما يخالف فيها بعض الرافضة، ولا عبرة بخلافهم. والحاصل أن نكاح المرأة بشرط أن تمكث معه مدّةٌ معيّنة، لا يصحّ، وأما من نكح امرأة نكاحًا صحيحًا، ونوى أن لا يمكث معها إلا مدّة نواها صحّ نكاحه، على ما عليه جلّ أهل العلم، خلافًا للأوزاعيّ، كما ذكره ابن قُدامة في "المغني" (٢)، وهو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيميّة -رحمه اللَّه تعالى-كما في "مجموع الفتاوى": قال: هذا ليس بنكاح متعة، ولا يحرم، وذلك أنه قاصدٌ، وراغب فيه، ولكن لا يريد دوام المرأة معه، وهذا ليس بشرط، فإن دوام المرأة معه ليس بواجب، بل له أن يطلّقها، فإذا قصد أن يطلّقها بعد مدّة، فقد قصد أمرًا جائزًا، بخلاف نكاح المتعة، فإنه مثل الإجارة، تنقضي فيه بانقضاء المدّة، ولا ملك له عليها بعد انقضاء الأجل، وأما هذا فملكه ثابت مطلقٌ انتهى (٣). والحاصل أن صورة المتعة المحرّمة هو نكاحٌ إلى أجل، ولا ميراث فيه، ولا طلاق، بل ينقضي بانقضاء الأجل من غير طلاق، ولا عدّةَ، فهذا نكاح متعة، حرّمه رسول اللَّه ﷺ ، وأجمعوا على تحريمه، إلا الرافضة، وأما إذا نكح امرأةً نكاحًا صحيحًا، ولكن نوى أن يفارقها لمدة معيّنة شهرًا، أو نحو ذلك، فلا يسمّى متعةً، بل هو نكاحٌ صحيح، إلا عند الأوزاعيّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ٣٣٦٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, وَاللَّفْظُ لَهُ, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ الْقَاسِمِ, عَنْ مَالِكٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, وَالْحَسَنِ, ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ, عَنْ أَبِيهِ, مَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ, يَوْمَ خَيْبَرَ, وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح غير شيخه الحارث، وهو ثقة حافظ. و"ابن القاسم": هو عبد الرحمن العُتقيّ الفقيه المصريّ،

стр. 14192

صاحب مالك. وقوله: "الإنسيّة" -بكسر الهمزة، فسكون النون-: نسبة إلى الإنس، وهم بنو آدم، أو -بضمّ، فسكون-: نسبة إلى الأُنس، صدّ الوحشة، أو -بفتحتين-: نسبة إلى الأَنَسَة بمعنى الأُنْس أيضًا، والمراد هي التي تَأْلَفُ البيوت. قال ابن الأثير: "الحمر الإنسيّة": هي التي تألف البيوت، والمشهور فيها كسر الهمزة، منسوبة إلى الإنس، وهم بنو آدم، الواحد إنسيٌّ. وفي كتاب أبي موسى ما يدلّ على أن الهمزة مضمومة، فإنه قال: هي التي تألف البيوت، والأُنسُ صدّ الوحشة، والمشهور في ضدّ الوحشة الأُنسُ بالضمّ، وقد جاء فيه الكسر قليلًا. قال: ورواه بعضهم بفتح الهمزة والنون، وليس بشيء. قال ابن الأثير: إن أراد أن الفتح غير معروف في الرواية، فيجوز، وإن أراد أنه ليس بمعروف في اللغة فلا، فإنه مصدرُ أنِستُ به آنَسُ أَنَسًا، وأَنَسَةٌ انتهى كلام ابن الأثير (١). والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٣٦٨ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالُوا: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ, قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ, يَقُولُ أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ, أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ, أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ وَالْحَسَنَ ابْنَىْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَخْبَرَاهُ, أَنَّ أَبَاهُمَا مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ أَخْبَرَهُمَا, أَنَّ عَلِىَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁, قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ, عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ". قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: "يَوْمَ حُنَيْنٍ", وَقَالَ: هَكَذَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ مِنْ كِتَابِهِ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. و"عمرو بن عليّ": هو الفلاّس. و"عبد الوهاب": هو ابن عبد المجيد الثقفيّ البصريّ، ثقة تغيّر قبل موته [٨]. و"يحيى بن سعيد": هو الأنصاريّ المدنيّ الثقة الثبت [٥]. ومن لطائف هذا الإسناد أن مشايخه الثلاثة، قد اتفق الستة بالرواية عنهم بلا واسطة، كما تقدّم غير مرّة، وفيه رواية الأكابر عن الأصاغر، فإن يحيى بن سعيد من الطبقة الخامسة، من شيوخ مالك، وهو من السابعة، ففيه رواية تابعيّ، عن تابع التابعين. وقوله: "قال ابن المثنّى الخ" أشار به إلى ما تقدم من أن رواة الزهريّ اتفقوا على

стр. 14193

"يوم خيبر"، وخالفهم في ذلك عبد الوهّاب الثقفيّ، فرواه عن يحيى بن سعيد، عن مالك، عن الزهريّ، فقال: "يوم حُنين"، وهو خطأ من عبد الوهّاب؛ لأن الدارقطنيّ أخرجه من طريق آخر عن يحيى بن سعيد، فقال: "خيبر"، كما هو رواية الجمهور، وهو الصواب. وقوله: "هكذا حدّثنا عبد الوهّاب من كتابه"، كأنه يشير إلى مخالفته لسائر الحّفاظ الذين ضبطوا الرواية على أنها "يو خيبر"، لا "يوم حُنين"، كما ذكرنا بيانه آنفًا. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق الكلام فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٣٦٩ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ الْجُهَنِيِّ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: أَذِنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْمُتْعَةِ, فَانْطَلَقْتُ أَنَا, وَرَجُلٌ, إِلَى امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ, فَعَرَضْنَا عَلَيْهَا أَنْفُسَنَا, فَقَالَتْ: مَا تُعْطِينِي؟ فَقُلْتُ رِدَائِي, وَقَالَ صَاحِبِي رِدَائِي, وَكَانَ رِدَاءُ صَاحِبِي أَجْوَدَ, مِنْ رِدَائِي, وَكُنْتُ أَشَبَّ مِنْهُ, فَإِذَا نَظَرَتْ إِلَى رِدَاءِ صَاحِبِي أَعْجَبَهَا, وَإِذَا نَظَرَتْ إِلَيَّ أَعْجَبْتُهَا, ثُمَّ قَالَتْ: أَنْتَ وَرِدَاؤُكَ يَكْفِينِي, فَمَكَثْتُ مَعَهَا ثَلَاثًا, ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , قَالَ: «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ هَذِهِ النِّسَاءِ اللاَّتِى يَتَمَتَّعُ, فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهَا»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (الليث) بن سعد الإمام الحجة الفقيه المصريّ [٧] ٣١/ ٣٥. ٣ - (الربيع بن سَبرة) بن مَعْبَد، ويقال: ابن عَوْسَجَة الْجُهَنيّ المدنيّ، ثقة [٣]. وثّقه المصنّف، وابن حبّان، وقال العجليّ حجازيّ تابعيّ ثقة. روى له الجماعة، سوى البخاريّ، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط. ٤ - (أبوه) سبرة بن معبد، أو ابن عَوْسَجة، صحابيّ، أول مشاهده الخَنْدَقُ، وكان ينزل ذا المروة، ومات بها في خلافة معاوية - رضي اللَّه تعالى عنهما -، تقدّم في -١٩/ ٣١٣٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٧١) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنهم ما بين بَغْلاني، وهو شيخه، ومصري، وهو الليث، ومدنِييَّنِ، وهما الباقيان. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 14194

شرح الحديث (عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ) بفتح السين المهملة، وسكون الباء الموحّدة (الْجُهَنِيِّ) بضم الجيم، وفتح الهاء: نسبة إلى جُهينة، أبي قبيلة من قُضاعة، واسمه زيد بن ليث بن سود ابن أسلم بن الحاف بن قُضاعة، نزلوا الكوفة والبصرة (١) (عَنْ أَبِيهِ) سَبْرَةَ ﵁ (قَالَ) وفي بعض النسخ: "أنّه قال" (أَذِنَ) بكسر الذال المعجمة، من باب عَلِمَ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمُتْعَةِ) بالاستمتاع بالنساء إلى أجل مسمّى، بدفع مقدار من المال. وفي رواية لمسلم من طريق عُمارة بن غزيّة، عن الربيع بن سَبْرة: "أن أباه غزا مع رسول اللَّه ﷺ فتحَ مكّة، قال: فأقمنا بها خمس عشرة- ثلاثين بين ليلة ويوم- … (فانْطَلَقْتُ أَنَا، وَرَجُلٌ) وفي رواية مسلم المذكورة: "فخرجت أنا ورجلٌ من قومي، ولي عليه فضلٌ في الجمال، وهو قريبٌ من الدَّمَامة، مع كلّ واحد منّا بُرْدٌ، فبُردي خَلَقٌ، وأما بُرْد ابن عمّي، فبُرْدٌ جديدٌ غَضٌّ … " (إِلَى امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ) الظاهر أنه أراد عامر بن لؤيّ بن غالب بن فهر، وقد ذكر في "لبّ اللباب" بهذا الاسم عدّة قبائل، فراجعه (٢) (فَعَرَضْنا عَلَيْهَا أَنْفُسَنَا) أي تقدّم كلٌّ منا إليها بطلب الاستمتاع بها. وفي رواية مسلم المذكورة: "حتى إذا كنّا بأسفل مكّة، أو بأعلاها، فتلقّتنا فتاةٌ، مثلُ الْبَكْرة الْعَنْطَنَطَة (٣)، فقلنا: هل لك أن يستمتع منك أحدنا؟ … " (فَقالَتْ: ما تُعْطِينِي؟) "ما" استفهاميّة: أي أيّ شيءِ تدفع إليّ أجرة لاستمتاعك بي؟. وفي رواية مسلم: "قال: وماذا تبذُلان؟، فنشر كلّ واحد منا بُرْده … (فَقُلْتُ: رِدَائِي) منصوب بفعل محذوف مع المفعول الثاني؛ لدلالة السؤال عليه، أي أُعطيك ردائي (وَقالَ صَاحِبِي: رِدَائِي، وَكانَ رِداءُ صَاحِبِي أُجْوَدَ مِنْ رِدَائِي، وَكُنْتُ أَشَبَّ مِنْهُ) وفي رواية مسلم: "ولي عليه فضلٌ في الجمال، وهو قريبٌ من الدّمامة" وهو بفتح الدال المهملة: وهي القبح في الصورة (فَإِذَا نَظَرَتْ إِلَى رِدَاءِ صَاحِبِي أَعْجَبَهَا) أي لكونه جديدًا (وَإِذَا نَظَرَتْ إِلَيَّ أعْجَبتُها) أي لكونه أجمل. وفي رواية مسلم: "فجعلت تنظر إلى الرجلين، ويراها صاحبي تنظر إلى عِطْفها، فقال: إن بُرد هذا خَلَقٌ، وبردي جديدٌ غَضٌّ … "، وفي رواية: "قال: إن بُرد هذا

стр. 14195

خَلَقٌ مَحٌّ" (١) (ثُمَّ قَالَتْ: أَنْتَ، وَرِدَاؤُك، يَكْفِينِي) هكذا معظم نسخ "المجتبى"، و"الكبرى"، وهو أيضًا في "صحيح مسلم" بلفظ "يكفيني" بالياء التحتيّة: وهو صحيح، ووجهه: أن يكون "أنت" مبتدءًا، حذف خبره، لدلالة ما بعده عليه، أي أنت تكفيني، و"رداؤك" مبتدأ خبره جملة "يكفيني"، وكتب في النسخة "الهنديّة "تكفيني" بالياء والتاء، وكتب فوقه كلمة "معًا" إشارة إلى أنه صحيح باللفظين، فأما نسخة الياء التحتانيّة، فكما سبق، وأما نسخة التاء الفوقانيّة فتكون الجملة خبرًا لـ"أنت"، و"رداؤه" مبتدأ خبره محذوف، أي "يكفيني"، والجملة معترضة، بين المبمتدإِ والخبر. وقال السنديّ في "شرحه": قوله: "أنت ورداك" أي مع رداك، أو ورداك مبتدأ، خبره محذوف، مثل "كما ترى"، أو "رديء"، والجملة حال، أي أنت تكفيني، والحال أن رداك كما ترى، أو التقدير: "ورداك يكفيني". انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا نسخته "ورداك" بالقصر، ثم مقتضى قوله: "أي مع رداك" أنه بالنصب على المفعوليّة معه، وهذا إذا صحّت الرواية به فذاك، وإلا فالرفع متعيّنٌ. واللَّه تعالى أعلم. وفي رواية لمسلم: "فتقول: بُرد هذا لا بأس به، ثلاث مرار، أو مرّتين"، وفي رواية: "فآمرت نفسها ساعةً، ثم اختارتني على صاحب … " (فَمَكَثْتُ مَعَهَا ثَلَاثًا) أي ثلاث ليال (ثُمَّ إِنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ ، قالَ: "مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ هَذِهِ النِّساءِ اللاَّتِي يَتَمَتَّعُ) وفي بعض النسخ: "يستمتع". وفي رواية مسلم: "التي يتمتّع" بالإفراد، قال النوويّ في شرحه: هكذا هو في جميع النسخ "التي يتمتّع"، أي يتمتّع بها، فحُذف "بها" لدلالة الكلام عليه، أو أوقع "يتمتّع" موقع "يُباشر"، أي يباشرها، وحُذف المفعول انتهى (٣) (فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهَا) أي يتركها، ويفارقها؛ لكونها مُحرّمة، وفي رواية لمسلم من طريق عبد العزيز بن عمر، حدثني الربيع بن سبرة الجهني، أن أباه حدثه، أنه كان مع رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "يا أيها الناس، إني قد كنت أذنت لكم، في الاستمتاع من النساء، وإن اللَّه قد حرم ذلك، إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء، فليُخَلِّ سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 14196

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى)؛ في درجته: حديث سَبْرَة بن مَعْبد الجُهنيّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٧١/ ٣٣٦٩ - وفي "الكبرى" ٨١/ ٥٥٥٠. وأخرجه (م) في "النكاح" ١٤٠٦ (د) في "النكاح" ٢٠٧٢ و ٢٠٧٣ (ق) في "النكاح" ١٩٦٢ (أحمد) في "مسند المكيين" ١٤٩١٣ و ١٤٩٢١ (الدارمي) في "النكاح" ٢١٩٥ و ٢١٩٦. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان تحريم المتعة تحريمًا مؤبّدًا بعد أن كانت مباحة. [فإن قلت]: ثبت في "صحيح مسلم" -رحمه اللَّه تعالى- قول جابر ﵁: "استمتعنا على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وأبي بكر، وعمر"، وفي رواية: "كنا نستمتع بالقُبْضة من التمر والدقيق الأيّام على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وأبي بكر، حتى نهى عنه عمر"، فكيف يُجمع بينه وبين رواية سبرة ﵁ هذه، حيث قال ﷺ يوم الفتح: "وإن اللَّه حرّم ذلك إلى يوم القيامة"؟. [قلت]: يُجمَعُ بينهما بأن حديث جابر ﵁ محمول على أن الذي استمتع في عهد أبي بكر، وعمر لم يبلغه النسخ، أفاده النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- (١). واللَّه تعالى أعلم. (ومنها): أن فيه التصريح بأن المتعة أُبيحت يوم فتح مكّة، ثم نسخت فيه. (ومنها): أن في رواية عبد العزيز المتقدّمة: "إني كنت قد أذنت لكم في الاستمتاع الخ" التصريح بالناسخ والمنسوخ في حديث واحد، من كلام رسول اللَّه ﷺ ، كحديث: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزروها"، كما تقدّم في "كتاب الجنائز". (ومنها): أن المهر الذي كان أعطاها يستقرّ لها، ولا يحلّ أخذ شيء منه، وإن فارقها قبل الأجل المسمّى، كما أنه يستقرّ في النكاح المعروف المهر المسمّى بالوطء، ولا يسقط منه شيء بالفرقة بعده. قاله النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 14197

٧٢ - (إِعْلانُ النِّكاحِ بِالصَّوْتِ، وَضَرْبِ الدُّفِّ) ٣٣٧٠ - (أَخْبَرَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى, قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ, عَنْ أَبِي بَلْجٍ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاطِبٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «فَصْلُ مَا بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ, الدُّفُّ وَالصَّوْتُ, فِي النِّكَاحِ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (مجاهد بن موسى) الْخُوارَزْميّ الْخُتَّليّ (١)، أبو عليّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠] ٨٥/ ١٠٢. ٢ - (هُشيم) بن بشير بن القاسم السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم -بمعجمتين- الواسطيّ, ثقة ثبت، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] ٨٨/ ١٠٩. ٣ - (أبو بَلْج) -بفتح أوّله، وسكون اللام بعدها جيم- الفَزَاريّ الكوفيّ الواسطيّ الكبير (٢)، اسمه يحيى بن سُليم بن بَلْج، ويقال: ابن أبي سُليم، أو ابن أبي الأسود، صدوق، ربّما أخطأ [٥]. قال ابن معين، وابن سعد، والنسائيّ، والدارقطنيّ: ثقة. وقال البخاريّ: فيه نظر. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، لا بأس به. وقال ابن سعد: قال يزيد بن هارون: قد رأيت أبا بَلْج، وكان جارًا لنا، وكان يتّخذ الْحَمامَ يستأنس بهنّ، وكان يذكر اللَّه تعالى كثيرًا. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: يُخطىء. وقال يعقوب بن سفيان: كوفيّ لا بأس به. وقال إبراهيم بن يعقوب الْجُوزَجانيّ، وأبو الفتح الأزديّ: كان ثقة. ونقل ابن عبد البرّ، وابن الجوزيّ أن ابن معين ضعّفه. وقال أحمد: روى حديثًا منكرًا. وقال الفسويّ في "تاريخه": حدّثنا بُندار، عن أبي داود، عن شعبة، عن أبي بَلْج، عن عَمرو ابن ميمون، عن عبد اللَّه بن عمرو، قال: "ليأتيّنّ على جهنّم زمانٌ تُخفق أبوابها، ليس فيها أحد". قال ثابتٌ البنانيّ: سألت الحسن عن هذا، فأنكره. روى له الأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط.

стр. 14198

٤ - (محمد بن حاطب) بن الحارث بن مَعْمر بن حَبِيب بن وَهْب بن حُذَافة بن جُمَح الْجُمَحيّ، أبو القاسم، ويقال: أبو إبراهيم، ويقال: أَبو وهب الكوفيّ، أمه أم جمِيل بنت الْمُجَلّل العامريّة. روى عن النبيّ ﷺ ، وعن أمه، وعليّ بن أبي طالب. وروى عنه: أولاده: إبراهيم، والحارث، وعمر، وابن ابنه عثمان بن إبراهيم، وسعد بن إبراهيم، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو بَلْج يحيى بن سُلَيم، وسماك بن حَرْب، وغيرهم. وُلِد بأرض الحبشة، وكانت أمه قد هاجرت إليها مع زوجها حاطب بن الحارث. وقال مصعب بن عبد اللَّه الزُّبيريّ: كانت أسماء بنت عُمَيس قد أرضعت محمد بن حاطب مع ابنها عبد اللَّه بن جعفر. وقال ابن سعد: حَفِظَ عن رسول اللَّه ﷺ أنه رَقاه حين احترقت يده. وقال الهيثم: توفي في ولاية بشر بن مروان على الكوفة. وقال غيره: مات سنة أربع وسبعين بمكة. وقيل: بالكوفة. وقال أبو نُعيم: مات سنة ست وثمانين. ويقال: إنه أوّل من سُمّي محمدًا في الإسلام من قُريش. روى له المصنّف، والترمذيّ، وابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٧٢) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أنهم ما بين كوفيَّيْنِ، وواسطي، وبغدادي. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ مُحَمَّدْ بْنِ حَاطِبٍ) بن الحارث الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَصْلُ ما بَيْنَ الْحَلالِ والْحَرَامِ) "فصل" -بفتح الفاء، وسكون الصاد المهملة، مصدر فَصَلَ، يقال: فَصَلَ الحدُّ بين الأرضين فَصْلًا، من باب ضَرَبَ: إذا فرّق بينهما، وهو هنا بمعنى الفاصل، فهو من إطلاق المصدر، وإرادة اسم الفاعل، يعني أنّ الشيء الفارق بين النكاح الحلال، والسفاح الحرام هو (الدُّفُّ) أي ضرب الدف، وهو -بضمّ الدال المهملة، وفتحها، وتشديد الفاء-: هو الذي يُلْعب به، وجمعه دُفُوف -بضمتين-، فقوله: "فصلُ" مبتدأٌ، و"الدُّفّ" خبره، على حذف مضاف، أي ضربُ الدُّفّ. (وَالصَّوْتُ) بالرفع عطفًا على "الدّفّ" أي رفع الصوت إعلانًا للنكاح.

стр. 14199

وقال القاري في "المرقاة": "الصوت": أي الذكر، والتشهير، و"الدّفّ": أي ضربه، فإنه يتمّ به الإعلان. قال ابن الملك: ليس المراد أن لا فرق بين الحلال والحرام في النكاح إلا هذا الأمر، فإن الفرق يحصلُ بحضور الشهود عند العقد، بل المراد الترغيب إلى إعلان أمر النكاح، بحيث لا يَخفَى على الأباعد، فالسنّة إعلان النكاح بضرب الدّفّ، وأصوات الحاضرين بالتهنئة، أو النغمة في إنشاد الشعر المباح. وفي "شرح السنّة": معناه: إعلان النكاح، واضطراب الصوت به، والذكر في الناس، كما يقال: فلان ذهب صوته في الناس. وبعض الناس يذهب به إلى السماع، وهذا خطأ - يعني السماع المتعارف بين الناس الآن- انتهى كلام القاري (١). وقال البيهقيّ في "سننه": ذهب بعض الناس إلى أن المراد السماع، وهو خطأٌ، وإنما معناه عندنا إعلان النكاح، واضطراب الصوت به، والذكر في الناس (٢). وقال بعض أهل التحقيق: ما ذكره البيهقيّ محتملٌ، وليس الحديث نصًّا فيه، فالأول محتملٌ أيضًا، فالجزم بكونه خطأ لا دليل عليه، عند الإنصاف. واللَّه تعالى أعلم انتهى. قال السنديّ: يمكن أن يكون مراده أن الاستدلال به على السماع خطأ، وهذا ظاهرٌ؛ لأن الاحتمال يُفسد الاستدلال، لكن قد يقال: ضمُّ الصوت إلى الدفّ شاهد صدقٍ على أن المراد هو السماع، إذ ليس المتبادر عند الضمّ غيرُهُ مثلَ تبادره، فصحّ الاستدلال؛ إذ ظهور الاحتمال يكفي في الاستدلال، ثم قد جاء في الباب ما يغني، ويَكفي في إفادة أن المراد هو السماع، فإنكاره يُشبه ترك الإنصاف. واللَّه تعالى أعلم انتهى كلام السنديّ (٣). وقال العلامة المباركفوريّ: الظاهر عندي -واللَّه تعالى أعلم- أن المراد بالصوت ها هنا الغناء المباح، فإن الغناء المباح بالدّفّ جائزٌ في العُرْس، يدلّ عليه حديث الرُّبيّع بنت مُعوِّذ - رضي اللَّه تعالى عنها -، وهو ما أخرجه البخاريّ في "صحيحه" من طريق خالد ابن ذكوان، قال: قالت الرُّبَيِّعُ بنت مُعَوِّذ بن عَفراء، جاء النبي ﷺ ، فدخل حين بُنِي عليَّ، فجلس على فراشي، كمجلسك مني، فَجَعَلَت جُويريات لنا يضربن بالدفّ، ويَندُبن من قُتل من آبائي يوم بدر، إذ قالت إحداهن: وفينا نبي يَعلَم ما في غد، فقال: "دَعِي هذه، وقولي بالذي كنت تقولين". انتهى كلام المباركفوريّ بتصرّف (٤).

стр. 14200

قال الجامع عفا اللَّه تعالى: هذا الذي قاله المباركفوري -رحمه اللَّه تعالى- من حمل الصوت على الغناء المباح هو الحقّ، وسيأتي تمام البحث فيه في -٨٠/ ٣٣٨٤ - باب "اللَّهو والغناء عند العرس"، إن شاء اللَّه تعالى. وقوله (في النِّكَاح) متعلّق بحال محذوف من "الدّفّ، والصوت"، أي حال كونهما واقعين في حال النكاح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث محمد بن حاطب هذا حسنٌ، من أجل الكلام في أبي بَلْج، فهو وإن وثّقه الجمهور، فقد تكلّم فيه بعضهم، كما تقدّم في ترجمته، فيكون حديثه حسنًا، كما قال الترمذيّ في "جامعه" (١). واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٧٢/ ٣٣٧٠ و ٣٣٧١ - وفي "الكبرى" ٨٦/ ٥٥٦٢. وأخرجه (ت) في "النكاح" ١٠٨٨ (ق) في "النكاح"، ١٨٩٦. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو استحباب إعلان النكاح بالصوت، وضرب الدّفّ فيه. (ومنها): عناية الشارع بالبعد عن مواضع التهم، حيث أمر بإعلان النكاح؛ لئلا يقع الشخص في تهمة؛ لأن كلّ من رآه يدخل على امرأة غير ذات محرم له من غير أن يُعلن نكاحها، يسيء الظنّ فيه، وفيه إيقاع المسلمين في حرج عظيم، فإذا أعلن بالنكاح زال هذا الظنّ. (ومنها): إباحة ضرب الدّفّ، ورفع الصوت بالغناء المباح في العرس. قال العلاّمة الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وفي ذلك دليلٌ على أنه يجوز في النكاح ضرب الأدفاف، ورفع الأصوات بشيء من الكلام، ونحوه، نحو "أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ"، ونحوه، لا بالأغاني المُهَيِّجة للشرور المشتملة على وصف الجمال، والفجور، ومعاقرة الخمور، فإن ذلك يحرم في النكاح، كما يحرم في غيره، وكذا سائر الملاهي المحرّمة انتهى (٢). وسيأتي تمام البحث في هذا في -٨٠/ ٣٣٨٤ - إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 14201

٣٣٧١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, عَنْ شُعْبَةَ, عَنْ أَبِي بَلْجٍ, قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ حَاطِبٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ فَصْلَ مَا بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ الصَّوْتُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن عبد الأعلى": هو الصنعانيّ البصريّ الثقة [١٠]. و"خالد": هو ابن الحارث الْهُجَيميّ البصريّ الثقة الثبت [٨] والحديث سبق شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٧٣ - (كَيْفَ يُدْعَى لِلرَّجُلِ إِذَا تَزَوَّجَ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد ترجم الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" بنحو هذه الترجمة، فإنه قال: "بابٌ كيف يُدعى للمتزوّج". قال في "الفتح": قال ابن بطّال: إنما أراد بهذا -واللَّه أعلم- ردّ قول العامّة عند العروس بالرفاء والبنين، فكأنه أشار إلى تضعيفه، ونحوِ ذلك، كحديث معاذ بن جبل أنه شَهِدَ إملاك رجل من الأنصار، فخطب رسول اللَّه ﷺ ، وأنكح الأنصاريّ، وقال: "على الإلفة والخير، والبركة، والطير الميمون، والسعة في الرزق … " الحديث، أخرجه الطبرانيّ في "الكبير" بسند ضعيف، وأخرجه في "الأوسط" بسند أضعف منه، وأخرجه أبو عمرو البَرْقانيّ في "كتاب معاشرة الأهلين" من حديث أنس، وزاد فيه: "والرفاء والبنين"، وفي سنده أبانُ العبديّ، وهو ضعيف. وأقوى من ذلك ما أخرجه أصحاب السنن، وصححه الترمذيّ، وابن حبّان، والحاكم، من طريق سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا رفّأ إنسانًا، قال: بارك اللَّه لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير". وقوله: "رَفَّأَ" بفتح الراء، وتشديد الفاء، مهموز: معناه دعا له في موضع قولهم: بالرفاء والبنين، وكانت كلمة تقولها أهل الجاهليّة، فورد النهي عنها، كما روى بقيّ بن مَخْلَد، من طريق غالب، عن الحسن، عن رجل من بني تميم، قال: "كنّا نقول في الجاهليّة: بالرفاء والبنين، فلما جاء الإسلام علّمنا نبيّنا ﷺ ، قال: قولوا: "بارك اللَّه

стр. 14202

لكم، وبارك فيكم، وبارك عليكم". قال: ودلّ حديث أبي هريرة ﵁ على أن اللفظ كان مشهورًا عندهم غالبًا حتى سُمّي كلّ دعاء للمتزوّج ترفئة. قال: ودلّ صنيع المصنّف على أن الدعاء للمتزوّج بالبركة هو المشروع، ولا شكّ أنها لفظةٌ جامعةٌ، يدخل فيها كلّ مقصود من ولد وغيره، ويؤيّد ذلك ما تقدّم من حديث جابر ﵁ أن النبيّ ﷺ لما قال له: "تزوّجت بكرًا، أو ثَيِّبًا؟ ": قال: "بارك اللَّه لك"، والأحاديث في ذلك معروفة انتهى ما في "الفتح" باختصار (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٣٧٢ - (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَا: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, عَنْ أَشْعَثَ (٢) , عَنِ الْحَسَنِ, قَالَ: تَزَوَّجَ عَقِيلُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ, امْرَأَةً مِنْ بَنِي جُشَمٍ, فَقِيلَ لَهُ: بِالرِّفَاءِ وَالْبَنِينِ, قَالَ: قُولُوا كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمْ, وَبَارَكَ لَكُمْ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عمرو بن عليّ) الفلاّس الصيرفيّ البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/ ٤. ٢ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعانيّ البصريّ، ثقة [١٠] ٥/ ٥. ٣ - (خالد) بن الحارث الْهُجيميّ البصريّ ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧. ٤ - (أشعث) بن عبد الملك الْحُمْرانيّ، أبو هانئ البصريّ الثقة الفقيه [٦] ١٢٩/ ١٩١. ٥ - (الحسن) بن أبي الحسن يسار البصريّ الإمام الحجة المشهور [٣]. ٦ - (عَقيل -بفتح المهملة، وكسر القاف- ابن أبي طالب) بن عبد المطّلب بن هاشم الهاشميّ، أبو يزيد، وقيل: أبو عيسى. أسلم قبل الحُديبية، وشَهِد غزوة مُؤْتة، وكان أسنّ من جعفر بعشر سنين، وكان جعفر أسنّ من عليّ بعشر سنين، وكان عَقيل من أنسب قريش، وأعلمهم بأيامها. روى عن النبيّ ﷺ . وعنه ابنه محمد، وحفيده عبد اللَّه ابن محمد، وعطاء، وغيرهم. قال ابن سعد: قالوا: مات في خلافة معاوية بعد ما عَمِي. وفي "تاريخ البخاريّ الأصغر" بسند صحيح: أنه مات في أول خلافة يزيد بن معاوية قبل وقعة الْحَرَّة. وقال ابن سعد: خرج عَقيلٌ مهاجرا في أول سنة ثمان، فشهد مؤتة، ثم رجع، فعَرَض له مرضٌ، فلم يُسمَع له بخبر، لا في فتح مكة، ولا حنين، ولا الطائف، وله عقب اهـ. قال الحافظ: وفيما قاله نظرٌ، فقد روى الزبير بن بكّار من طريق الحسين بن عليّ،

стр. 14203

قال: كان ممن ثبت مع النبيّ ﷺ يوم حُنين: العبّاس، وعليّ، وعَقيل، وسَمَّى جماعةً. انتهى. أخرج له المصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط، وعند ابن ماجه له حديث الباب، وآخر في الوضوء. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير الصحابيّ، فأخرج له المصنف، وابن ماجه فقط. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن صحابيه من المقلين من الرواية, فليس له إلا حديثان فقط، أحدهما: حديث الباب عند المصنف، وابن ماجه، والآخر: حديث: "يجزئ من الوضوء مد، ومن الغسل صاع" عند ابن ماجه. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ الْحَسَنِ) البصريّ -رحمه اللَّه تعالى-، أنه (قالَ: تَزَوَّجَ عَقِيلُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (امْرَأَةً مِنْ بَنِي جُشَمَ) هكذا في بعض نُسخ "المجتبى" بالجيم المضَمومة، وفتح الشين المعجمة، وهو الذي في "مسند أحمد"، و"سنن ابن ماجه". وأما ما وقع في "الكبرى"، ومعظم نُسخ "المجتبى" من قوله: " جثم" -بجيم، فثاء مثلّثة- فالظاهر أنه تصحيف، والصواب، الأول، فإني لم أجد من ذكر قبيلة اسمها جُثم" بالثاء المثلثة، بل الذي ذُكر في "القاموس"، و"شرحه التاج"، و"اللباب"، و"لبّ اللباب" إنما هو "جُشَم" بالشين المعجمة. واللَّه تعالى أعلم. و" جُشم" غير منصرف؛ للعلميّة، والعدل عن جاشم، أي عظيم (١). وهو اسم لعدّة قبائل، من الأنصار وغيرهم، كما بُيِّين ذلك في كتب الأنساب (٢). (فَقِيلَ لَهُ) وفي رواية أحمد: "فدخل عليه القوم، فقالوا" (بِالرَّفاءِ والْبَنِينَ) بكسر الراء، وتخفيف الفاء، والمدّ، بوزن كتاب، من رفأتُ الثوبَ: إذا أصلحته. قال الفيّوميّ: رَفَوتُ الثوبَ رَفْوًا، من باب قتل، ورفيته رَفْيًا، من باب رَمَى لغةُ بني كعب، وفي لغةٍ: رفأته أَرْفَؤُهُ، مهموزٌ -بفتحتين-: إذا أصلحتَهُ، ومنه يقال: بالرفاء والبنين، مثلُ كتاب: أي بالإصلاح. وبين القوم رِفاءٌ: أي التحام، واتفاقٌ انتهى. وقال الخطّابيّ: كان من عادتهم أن يقولوا: بالرفاء والبنين، والرِّفَاء من الرَّفْو، يجيء بمعنيين: أحدهما التسكين، يقال: رَفَوتُ الرجل: إن سكّنت ما به من الرَّوْعِ. والثاني:

стр. 14204

أن يكون بمعنى الموافقة، والالتئام، ومنه رَفَوتُ الثوب. والباء متعلّقة بمحذوف، دلّ عليه المعنى: أي أَعْرَسْتَ. ذكره الزمخشريّ. وقال في "اللسان": رَفَوْتُهُ: سَكَّنْتُهُ من الرُّعْب، قال أبو خِرَاشٍ الْهُذَلِيُّ [من الطويل]: رَفَؤنِي وَقالُوا يَا خُوَيلِدُ لا تُرَعْ … فَقُلْتُ وَأَنكَرْتُ الوُجُوهَ هُمُ هُمُ يقول: سَكَّنُوني، اعتبر بمشاهدة الوجوه، وجعلها دليلاً على ما في النفوس، يريد رَفَؤُوني، فألقى الهمزةَ. ورَفَوْتُ الثوبَ أَرْفُوهُ رَفوًا لغةٌ في رَفأته، يُهْمَزُ، ولا يُهْمَز، والْهَمْزُ أعلى. وقال أبو زيد: الرِّفَاء: الموافقةُ، وهي الْمُرافاة بلا همز، وأنشد [من الوافر]: وَلَمَّا أَنْ رَأَيْتُ أَبَا رُوَيْمِ … يُرافِينِي وَيَكْرَهُ أَنْ يُلَامَا والرِّفَاءُ: الالتحام والاتّفاق. ويقال: رَفَّيتُهُ تَرْفِيَةً: إذا قلتَ للمتزوِّج: بالرِّفاء والبنين. قال ابن السِّكّيت: وإن شئتَ: كان معناه بالسكون والطُّمأنينة، من قولهم: رَفَوتُ الرجل: إذا سكّنته انتهى. (قالَ: قُولُوا كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) وفي رواية أحمد: "فقال: لا تفعلوا ذلك، قالوا: فما نقول، يا أبا يزيد؟ قال: قولوا: بارك اللَّه لكم، وبارك عليكم، إنا كذلك كنا نؤمر". وفي رواية له: "لا تقولوا ذلك، فإن النبيّ ﷺ قد نهانا عن ذلك، قولوا: بارك اللَّه فيك، وبارك لك فيها". قال في "الفتح": واختُلف في علّة النهي عن ذلك، فقيل: لأنه لا حمد فيه، ولا ثناء، ولا ذكر للَّه. وقيل: لما فيه من الإشارة إلى بغض البنات؛ لتخصيص البنين بالذكر، وأما الرفاء، فمعناه الالتئام، من رفأت الثوب، ورفوته رَفوًا، ورِفَاءً، وهو دعاء للزوج بالالتئام، والائتلاف، فلا كراهية فيه. وقال ابن المنيّر: الذي يظهر أنه ﷺ كره اللفظ؛ لما فيه من موافقة الجاهليّة؛ لأنهم كانوا يقولونه تفاؤلًا، لا دُعاءً، فيظهر أنه لو قيل للمتزوّج بصورة الدعاء لم يكره، كأن يقول: اللَّهم ألفّ بينهما، وارزقهما بنين صالحين، مثلًا، أو ألّفَ اللَّه بينكما، ورزقكما ولدًا ذكرًا، ونحو ذلك. وأما ما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق عمر بن قيس، قال: "شهدت شُريحًا، وأتاه رجل من أهل الشام، فقال: إني تزوّجت امرأةً، فقال: بالرفاء والبنين … " الحديث، وأخرجه عبد الرزاق من طريق عديّ بن أرطأة، قال: "حدّثتُ شُريحًا أني تزوّجت امرأةً، فقال: بالرفاء والبنين"، فهو محمولٌ على أن شُريحًا لم يبلغه النهي عن ذلك

стр. 14205

انتهى ما في "الفتح" (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في قول ابن المنيّر: فيظهر أنه لو قيل للمتزوّج الخ نظر لا يخفى؛ إذ فيه عدول عن الدعاء المأثور إلى غيره، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الآية، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآية، فما ثبت الأمر به عن النبيّ ﷺ ، وهو: "بارك اللَّه لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير"، ونحو ذلك من الألفاظ الواردة في السنة أولى بالاتباع، فإنه أجمع لكلّ ما يطلبه الإنسان، من الخيرات، فإن البركة تعمّ كلّ خير في الدنيا والآخرة، فلا داعي للعدول عن السنّة، فلا تكن أسير التقليد، فإنه ملجأ البليد، ومَسْرَح العنيد. واللَّه تعالى أعلم. ("بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمْ، وَبَارَكَ لَكُمْ") ولفظ أحمد، وأبي داود: "بارك اللَّه لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير". ولفظ ابن ماجه: "اللَّهم بارك لهم، وبارك عليهم". وفي لفظ له: "بارك اللَّه لكم، وبارك عليكم، وجمع بينكما في خير". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عقيل بن أبي طالب - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيحٌ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٧٣/ ٣٣٧٢ - وفي "عمل اليوم والليلة" ٢٦٢، وفي "الكبرى" ٨٥/ ٥٥٦١. وأخرجه (ق) في "النكاح" ١٩٠٦ (أحمد) في "مسند أهل البيت" ١٧٤٠ و"مسند المكيين" ١٥٣١٣ (الدارمي) في "النكاح" ٢١٧٣. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان كيفيّة الدعاء للمتزوّج، وهو الدعاء بالبركة. (ومنها): البعد عن عادات الجاهليّة، وتقاليدهم، والتقيد بالسنّة قولًا وفعلاً؛ لأن الهدى، والرشاد، والفلاح مرتبطة بها، قال اللَّه تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، وقال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. (ومنها): مشروعيّة تهنئة المتزوّج، والدعاء له بالبركة والخبر. (ومنها): إظهار المسلم الفرح والسرور إذا حصل خيرٌ لأخيه المسلم، فإن ذلك من الإيمان, للحديث

стр. 14206

المتّفق عليه، من حديث أنس ﵁، مرفوعًا: "لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يُحبّ لنفسه". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٧٤ - (دُعاءُ مَنْ لَمْ يَشْهَدِ التَّزْوِيجَ) ٣٣٧٣ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ, عَنْ ثَابِتٍ, عَنْ أَنَسٍ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , رَأَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ, أَثَرَ صُفْرَةٍ, فَقَالَ: «مَا هَذَا؟». قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً, عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ, مِنْ ذَهَبٍ, فَقَالَ: «بَارَكَ اللَّهُ لَكَ, أَوْلِمْ, وَلَوْ بِشَاةٍ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلّهم رجال الصحيح، وكلّهم تقدّموا غير مرّة. والسند من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٧٣) من رباعيات الكتاب. وقوله: " أثر صُفرة" أي أثر طيب النساء، قيل: إنه تعلّق به من طيب العروس، ولم يقصده. وقيل: بل يجوز للعروس أن يستعمله، وهو الذي يميل إليه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، كما تدلّ عليه الترجمة التالية، وسيأتي تمام البحث في ذلك في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى. وقوله: "وزن نواة": قال في "النهاية": النواة اسم لخمسة دراهم كما قيل للأربعين أوقيّةٌ، وللعشرين نشٌّ. وقيل: أراد قدر نواة من ذهب، كان قيمتُها خمسةَ دراهم، ولم يكن ثَمّ ذهب، وأنكره أبو عبيد. قال الأزهريّ: لفظ الحديث يدلّ على أنه تزوّج المرأة على ذهب قيمته خمسة دراهم، ألا تراه قال: "نواة من ذهب" ولست أدري لم أنكره أبو عبيد؟، والنواة في الأصل عَجَمَةُ (١) التمرة انتهى (٢). وقد تقدّم تمام البحث في ذلك في "باب التزويج على نواة من ذهب". والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله في ٦٧/ ٣٣٥٢ و ٣٣٥٣ - واستدلّ به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هنا على مشروعيّة دعاء من لم يحضر وقت النكاح، وهو استدلال واضح، فقد دعا النبي ﷺ لعبد الرحمن بن عوف ﵁

стр. 14207

بالبركة دون أن يشهد الزواج. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٧٥ - (الرُّخْصَةُ فِي الصُّفْرَةِ عِنْدَ التَّزْوِيجِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الصُّفْرة" -بضمّ الصاد المهملة، وسكون الفاء-: لونٌ دون العمرة، ويطلق على الأسود أيضًا. والمراد به هنا صفرة الْخَلُوق، و"الْخَلُوق" -بفتح الخاء المعجمة، وضم اللام، آخره قاف، وِزان رَسُولٍ-: ما يُتخلّقُ به من الطيب، قال بعض الفقهاء: وهو مائعٌ فيه صُفْرةٌ، والْخِلاقُ، مثلُ كتاب بمعناه. قاله الفيّوميّ. وقال في "الفتح"؛ طيبٌ يُصنَع من زعفران وغيره (١). ثم إن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- استَدَلّ بحديث الباب على جواز استعمال الصُّفرة عند الزواج، وهذا أحد الأجوبة في الجمع بين حديث الباب، وحديث النهي عن التزعفر للرجال الآتي في "كتاب الزينة" في باب "التزعفر" برقم ٧٣/ ٥٢٥٧ و ٥٢٥٨ - إن شاء اللَّه تعالى، ولكن الأقرب من هذا أن يقال: إن الصفرة التي بعبد الرحمن إنما هي من جهة زوجته، لا بقصد منه، فلا تنافي بينه وبين حديث النهي عن التزعفر للرجال، فهذا هو الأرجح عندي، على ما سيأتي قريبًا. قال في "الفتح": واستدلّ بحديث الباب على جواز التزعفر للعروس، وخُصّ به عموم النهي عن التزعفر للرجال، كما سيأتي بيانه في "كتاب اللباس". وتُعقّب باحتمال أن تكون تلك الصفرة، كانت في ثيابه، دون جسده. وهذا الجواب للمالكيّة على طريقتهم في جوازه في الثوب، دون البدن، وقد نَقَلَ ذلك مالكٌ عن علماء المدينة، وفيه حديث أبي موسى: "لا يقبل اللَّه صلاة رجل في جسده شيء من خَلُوق"، أخرجه أبو داود. فإن مفهومه أن ما عدا الجسد لا يتناوله الوعيد. ومنع من ذلك أبو حنيفة، والشافعيّ، ومن تبعهما في الثوب أيضًا، وتمسّكوا بالأحاديث في ذلك، وهي صحيحة، وفيها ما هو صريحٌ في المدّعَى، كما سيأتي بيانه،

стр. 14208

وعلى هذا فأجيب عن قصّة عبد الرحمن بأجوبة: [أحدها]: أن ذلك كان قبل النهي، وهذا يحتاج إلى تاريخ، ويؤيّده أن سياق قصّة عبد الرحمن يُشعر بأنها كانت في أوائل الهجرة، وأكثر من روى النهي ممن تأخّرت هجرته. [ثانيها]: أن أثر الصفرة التي كانت على عبد الرحمن تعلّقت به من جهة زوجته، فكان ذلك غير مقصود له. ورجّحه النوويّ، وعزاه للمحقّقين، وجعله البيضاويّ أصلًا، ردّ إليه أحد الاحتمالين أبداهما في قوله: "مهيم"، فقال: معناه: ما السبب في الذي أراه عليك؟ فلذلك أجاب بأنه تزوّج، قال: ويحتمل أن يكون استفهام إنكار؛ لما تقدّم من النهي عن التضمّخ بالخلوق، فأجاب بقوله: "تزوّجت"، أي فتعلّق بي منها، ولم أقصد إليه. [ثالثها]: أنه كان قد احتاج إلى التطيّب للدخول على أهله، فلم يجد من طيب الرجال حينئذ شيئًا، فتطيّب من طيب المرأة، وصادف أنه كان فيه صُفْرة، فاستباح القليل منه عند عدم غيره؛ جمعًا بين الدليلين، وقد ورد الأمر في التطيّب للجمعة، ولو من طيب المرأة، فبقي أثر ذلك عليه. [رابعها]: أنه كان يسيرًا، ولم يبق إلا أثره، فلذلك لم يُنكره. [خامسها]: -وبه جزم الباجيّ- أن الذي يكره من ذلك ما كان من زعفران وغيره من أنواع الطيب، وأما ما كان ليس بطيب، فهو جائز. [سادسها]: أن النهي عن التزعفر للرجال ليس على التحريم بدلالة تقريره لعبد الرحمن بن عوف في هذا الحديث. [سابعها]: أن العَرُوس يُستثنى من ذلك، ولا سيّما إذا كان شابًّا، ذكر ذلك أبو عُبيد قال: وكانوا يُرخّصون للشابّ في ذلك أيام عُرْسه، قال: وقيل: كان في أوّل الإسلام من تزوّج لبس ثوبًا مصبوغًا علامةً لزواجه ليُعان على وليمة عرسه، قال: وهذا غير معروف. قال الحافظ: وفي استفهام النبيّ ﷺ له عن ذلك دلالة على أنه لا يختصّ بالتزويج، لكن وقع في بعض طرقه عند أبي عوانة من طريق شعبة، عن حميد بلفظ: "فأتيت النبيّ ﷺ ، فرأى عليّ بَشاشة العُرْس، فقال: أتزوّجتَ؟ قلت: تزوّجت امرأة من الأنصار"، فقد يتمسّك بهذا السياق للمدّعي، ولكن القصّة واحدة، وفي أكثر الروايات أنه قال له: "مهيم؟، أو ما هذا؟ "، فهو المعتمد. وبَشاشة العُرْس أثره، وحسُنه، أو فرحه وسروره، يقال: بَشَّ فلان بفلان، أي أقبل

стр. 14209

عليه فرحًا به ملطفًا به. انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر لي أن الجواب الثاني هو الصحيح، وحاصله أن أثر الصفرة تعلّقت بعبد الرحمن بن عوف ﵁ من جهة زوجته، دون قصد، فلذلك لم يُنكر النبيّ ﷺ عليه ذلك، فلا تعارض بينه، وبين حديث النهي عن التزعفر للرجال، وهذا هو الأرجح، كما تقدّم ترجيح النوويّ له، وعزوه للمحققين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٣٧٤ - (أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ, عَنْ أَنَسٍ, أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ جَاءَ, وَعَلَيْهِ رَدْعٌ, مِنْ زَعْفَرَانٍ, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَهْيَمْ؟» , قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً, قَالَ: «وَمَا (٢) أَصْدَقْتَ؟» , قَالَ: وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ, قَالَ: «أَوْلِمْ, وَلَوْ بِشَاةٍ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلّهم تقدّموا غير مرّة. و"أبو بكر بن نافع": هو محمد بن أحمد بن نافع العبديّ، أبو بكر البصريّ، صدوق، من صغار [١٠] ٢٧/ ٨١٣. و"حماد": هو ابن سلمة (٣) البصريّ الثقة، أثبت الناس في ثابت [٨]. و"ثابت": هو ابن أسلم البناني البصريّ الثقة الثبت [٤]. وقوله: "رَدْع من زعفران" -براء، ودالٍ، وعين مهملات، مفتوح الأول، ساكن الثاني-: هو أثر الزعفران. وقوله: "مَهْيَمْ" -بفتح الميم، وسكون الهاء، وفتح التحتانية، وسكون الميم-: أي ما شأنك؟، أو ما هذا؟، وهي كلمة استفهام، مبنيّةٌ على السكون، وهل هي بسيطةٌ، أم مركبّةٌ؟ قولان لأهل اللغة. وقال ابن مالك: هي اسم فعل بمعنى أخبر. ووقع في رواية للطبرانيّ في "الأوسط": "فقال: له: مهيم؟، وكانت كلمته إذا أراد أن يسأل عن الشيء". ووقع في رواية ابن السكن: "مهين" بنون آخره، بدل الميم، والأول هو المعروف. قاله في "الفتح" (٤). ثم يحتمل أن يكون الاستفهام استفهام إنكار، ويحتمل أن يكون سؤالًا، أي ما

стр. 14210

السبب في الذي أراه عليك؟. وقال في "اللسان": "مَهْيَم" كلمة يمانية، معناها: ما أمرك؟، وما هذا الذي أرى بك؟، ونحو هذا من الكلام. قال الأزهريّ: ولا أعلم على وزن مَهْيَم كلمة غير مَرْيَم. وقال الجوهريّ: كلمة يُستفهم بها، معناها: ما حالك؟، وما شأنك؟ انتهى (١). والحديث متّفقٌ عليه، وتقدّم الكلام عليه في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٣٧٥ - (أَخْبَرَنِي (٢) أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ الْوَزِيرِ بْنِ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ عُفَيْرٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (٣) سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ, عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ, عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ, عَنْ أَنَسٍ, قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيَّ -كَأَنَّهُ يَعْنِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ- أَثَرَ صُفْرَةٍ, فَقَالَ: «مَهْيَمْ؟» , قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ, فَقَالَ: «أَوْلِمْ, وَلَوْ بِشَاةٍ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن يحيى بن الوزير": هو التُّجيبيّ أبو عبد اللَّه المصريّ، ثقة [١١] ٤٢/ ٢٦٩٠. من أفراد المصنّف، وأبي داود. والباقون كلهم رجال الصحيح، والسند فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: يحيى، عن حميد، وفيه مصريّان: أحمد بن يحيى، وسعيد بن كثير، ومدنيّان: سليمان بن بلال، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وبصريّان: حميد الطويل، وأنس بن مالك، وفيه أنس ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى من الأحاديث (٢٢٨٦)، وهو آخر من مات من الصحابة في البصرة، سنة (٩٢) أو (٩٣)، وقد جاوز المائة. وقوله: "عَلَيَّ" هي "عَلَى" الجارّةُ، وياء المتكلّم، متعلّقٌ بـ"رأى". وقوله: "كأنه يعني عبد الرحمن بن عوف" يعني أن أنسًا ﵁ أراد بقوله: "عليّ" الحكاية عن عبد الرحمن بن عوف، لا عن نفسه. والحديث متّفقٌ عليه، وسبق الكلام عليه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 14211

٧٦ - (تَحِلَّةُ الْخَلْوَةِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: زاد في "الكبرى": "وَتَقْدِيمُ الْعَطِيَّةِ قَبْلَ الْبِنَاءِ". ووقع في النسخة "الهندية": "نِحْلَة الخلوة". و"التحِلّة" -بفتح الفوقانية، وكسر الحاء المهملة، وتشديد اللام-: مصدر حَلَّل بالتثقيل، على تَقعِلَة، كذكّر تَذْكِرةً، وجَرَّبَ تَجْرِبَةً، وبَصَّرَ تَبْصِرَةً، وأصله: تَحْلِلَةٌ، فنُقلت كسرة اللام الأولى، إلى الحاء، ثم أُدغمت في اللام الثانية، يقال: حَلَلْتُ اليمين: إذا فعلتَ ما يُخرج عن الحِنْث، فانحلّت هي، وحَلَّلْتُها بالتثقيل، وفعلتُهُ تَحِلّة القسم: أي بقدر ما تُحلُّ به اليمين، ولم أُبالغ فيه، ثم كثُر هذا حتى قيل لكلّ شيء لم يُبالغ فيه: تحليلٌ (١). وقال في "اللسان": وحلَّلَ اليمينَ تحليلًا، وتَحِلَّةً، وتَحِلًّا، وهذه شاذّةٌ: كَفَّرَها، و"التَّحِلّةُ": ما كُفّر به. انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن مما ذُكر أن "التَّحِلّة" يُطلق على معنيين: أحدهما: أنه مصدر حلّل بالتثقيل، والثاني: أنه الشيء الذي يقع به تحليل الشيء، وكلا المعنيين يناسبان ترجمة المصنّف "تَحِلَّةُ الخلوةِ"، فعلى الأول يكون المعنى: تحليل الرجل الخلوة بزوجته بدفع شيء مما تسرّ به. وعلى الثاني يكون المعنى: الشيء الذي يجعل الخلوة بالزوجة حلالًا. وأما "النحلة"، فهي بكسر النون، وضمّها لغتان، وأصلها من العطاء، يقال: نَحَلتُ فلانًا شيئًا: أعطيتُه، فالصداق عطيّة من اللَّه تعالى للمرأة. ومنه قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ الآية [النساء: ٤]. وقيل: "نحلةً" في الآية: أي عن طيب نفس من الأزواج من غير تناع. وقال قتادة: معنى "نحلةً" فريضة واجبةً. وقال ابن جريج، وابن زيد: فريضة مُسمّاةً. قال أبو عبيد: ولا تكون النحلة إلا مسمّاةً معلومةً. وقال الزجّاج: "نحلةً" تَدَيُّنًا، والنحلة الديانة والملّة، يقال: هذا نحلته: أي دينه. وهذا يحسن مع كون الخطاب للأولياء الذين كانوا يأخذونه في الجاهليّة، حتى قال بعض النساء في زوجها [من الرجز]: لا يَأخُذُ الْحُلْوانَ مِنْ بَنَاتِنَا

стр. 14212

أفاده القرطبيّ في "تفسيره" (١). وقال النسفيّ في "تفسير": "نحلة" من نحله كذا: إذا أعطاه إياه، ووهبه له عن طيبة من نفسه نحلةً، ونحلًا، وانتصابها على المصدر؛ لأن النحلة والإيتاء بمعنى الإعطاء، فكأنه قال: وانحلوا النساء صدقاتهنّ نحلة، أي أعطوهنّ مهورهنّ عن طيبة أنفسكم، أو على الحال من المخاطبين، أي آتوهنّ صدقاتهنّ ناحلين طيبي النفوس بالإعطاء، أو من الصدقات، أي منحولةً، معطاة عن طيبة الأنفس. وقيل: نحلة من اللَّه تعالى عطية من عنده، وتفضلًا منه عليهنّ. انتهى (٢). ثم إن التَّحِلّة، أو النِّحْلَة المذكورة تشمل المهر، وغيره مما يُدفع للمرأة قبل الدخول بها استطابة لقلبها، وإدخالاً للمسرة عليها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٣٧٦ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ عِكْرِمَةَ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ عَلِيًّا قَالَ: تَزَوَّجْتُ فَاطِمَةَ ﵂ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ, ابْنِ بِي, قَالَ: «أَعْطِهَا شَيْئًا» , قُلْتُ: مَا عِنْدِي مِنْ شَيْءٍ, قَالَ: «فَأَيْنَ دِرْعُكَ الْحُطَمِيَّةُ؟» , قُلْتُ: هِيَ عِنْدِي, قَالَ: «فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عمرو بن منصور) أبو سعيد النسائيّ، ثقة ثبت [١١] ١٠٨/ ١٤٧. ٢ - (هشام بن عبد الملك) أبو الوليد الطيالسيّ البصريّ، ثقة ثبت [٩] ١٢٢/ ١٧٢. ٣ - (حمّاد) بن سلمة بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقة عابد [٨] ١٨١/ ٢٨٨. ٤ - (أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ البصريّ، ثقة ثبت فقيه [٥] ٤٢/ ٤٨. ٥ - (عكرمة) أبو عبد اللَّه البربريّ، مولى ابن عباس، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢/ ٣٢٥. ٦ - (ابن عباس) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. ٧ - (عليّ) بن أبي طالب - رضي اللَّه تعالى عنه - ٧٤/ ٩١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فمن أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فنسائيّ، وعليّ ﵁، فمدنيّ،. (ومنها): أن فيه رواية رواية تابعيّ عن تابعيّ: أيوب، عن عكرمة، ورواية صحابيّ، عن صحابيّ، ابن عبّاس، عن عليّ ﵃. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 14213

شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ عَلِيًّا) ﵁، هكذا في رواية حماد بن سلمة، عن أيوب جعله من مسند عليّ ﵁، وخالفه سعيد بن أبي عروبة، عن أيوب، فجعله من مسند ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، ولم يذكر عليًّا ﵁، كما سيُبيّنه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في الرواية التالية (قَالَ: تَزَوْجْتُ فَاطِمَةَ ﵂) وكان زواجه لها بعد أن ابتنى رسول اللَّه ﷺ بعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - بأربعة أشهر ونصف، وذلك سنة اثنتين من الهجرة، وكان سنّها يوم تزوّجها خمس عشرة سنة، وخمسة أشهر ونصفًا، ولم يتزوّج عليها حتى ماتت. قال الزهريّ، عن عروة، عن عائشة: عاشت فاطمة بعد رسول اللَّه ﷺ ستة أشهر. زاد غيره: وهي بنت سبع وعشرين سنة. وقيل: ثمان. وكانت أول آل النبيّ ﷺ لُحُوقًا به، وغسلها عليّ ﵁، ودُفنت ليلًا - رضي اللَّه تعالى عنها -. وقيل: ماتت بعد النبيّ ﷺ بثلاثة أشهر، وقيل: بمائة يوم. وقيل: بثمانية أشهر. وقيل: غير ذلك (١). (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ابْنِ بِي) أي اجعلني بانيًا بها. وفي النسخة "الهندية": "ابنها بي". قال في "النهاية": البناء، والابتناء: الدخول بالزوجة، والأصل فيه أن الرجل كان إذا تزوّج امرأة بَنَى عليها قُبّةً؛ ليدخل بها فيها، فيقال: بَنَى الرجلُ على أهله. قال الجوهريّ: بني على أهله: أي زَفَّها، والعامّة تقول: بَنَى بأهله، وهو خطأٌ. قال صاحب "النهاية": وهذا القول فيه نظر، فإنه قد جاء في غير موضع من الحديث، وغير الحديث، وعاد الجوهريّ، فاستعمله في "كتابه" انتهى (٢). وفي "القاموس": بَنَى على أهله، وبها: زَفّها، كابتنى انتهى. قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: والحاصل أنه جاء بالوجهين، لكن يجب التنبيه على أن الباء في هذا الحديث ليست هي الباء التي اختلفوا فيها، فإنها الباء الداخلة على المرأة المدخولِ بها، والمدخولُ بها ههنا متروكةٌ، فيجوز تقديره "على أهلي"، أو"بأهلي"، والباء المذكورة باء التعدية، والمعنى: اجعلني بانيًا على أهلي، أو بأهلي، فلا إشكال في هذا الحديث على القولين، كما لا يخفى انتهى كلام السنديّ (٣). (قالَ) ﷺ ("أَعْطِهَا شَيْئًا") الظاهر أن التنكير هنا للتعميم: أي شيء كان، مهرًا، أو

стр. 14214

غيره، كثيرًا كان، أو قليلًا، وذلك استمالَةً لقلبها، واستجلابًا لمودّتها. وفي رواية أبي داود: "أن عليًّا لَمّا تزوّج فاطمة أراد أن يدخل بها، فمنعه رسول اللَّه ﷺ حتى يُعطيها شيئًا … " الحديث. قال عليّ ﵁ (قُلْتُ: ما عِنْدِي مِنْ شَيْءٍ) "من" زائدة لتأكيد القلّة، أراد الشيء الزائد على الحوائج اللازمة، وإلا فلا يريد أنه لا شيء عنده، لا من الملابس، ومن الطعام، ولا من البيت، ونحو ذلك، إذ معلوم أن هذه الأشياء كانت عند عليّ ﵁، وإلا فلا يجترىء أن يزُفّها إليه النبيّ ﷺ ، وليس عنده شيء، من الفأوى، ولا الطعام، ولا اللباس. واللَّه تعالى أعلم (قَالَ) ﷺ (" فأَيْنَ دِرْعُكَ) -بكسر الدال المهملة، وسكون الراء، بعدها عين مهملة-: هي لَبُوس الحديد، تذكّرُ، وتؤنّثُ، يقال: دِرْعٌ سابغٌ، ودرعٌ سابغةٌ، قال أبو الأخْرَز [من الرجز]: مقَلَّصَا بِالدِّرْعِ ذِي التَّغَضُّنِ (١) … يَمْشِي الْعِرَضْنَى (٢) فِي الْحَدِيدِ الْمُتْقَنِ والجمع في القلّة: أَدْرُعٌ، وأَدْرَاعٌ، وفي الكثرة: دُرُوعٌ، قال الأعْشَى [من البسيط]: واختارَ أَدْراعَهُ أَنْ لا يُسَبَّ بِهَا … وَلَمْ يَكُنْ عَهْدُهُ فِيهَا بِخَتَّارِ وتصغير دِرْع: دُرَيْعٌ، بغير هاء، على غير قياس؛ لأن قياسه بالهاء، وهو شاذٌّ. أفاده في "اللسان" (٣). فقوله: "أين" اسم استفهام في محلّ رفع خبر مقدّم، لقوله: "درعُك"، وقوله (الْحُطَمِيَّةُ؟) بالرفع صفة لـ"درعك". و"الْحُطَيّمة" -بضمّ الحاء، وفتح الطاء المهملتين-: قال في "النهاية": هي التي تَحطِم السيوف، أي تكسرها. وقيل: هي العريضة الثقيلة. وقيل: منسوبة إلى بطن من عبد القيس، يقال لهم: حُطَمة بن مُحارب، كانوا يَعمَلون الدِّرْعَ، وهذا أشبه الأقوال انتهى (٤). (قُلْتُ: هِيَ عِنْدِي، قَالَ: "فأَعْطِهَا إِيَّاهُ") زاد في رواية أبي داود: "فأعطاها درعه، ثم دخل بها". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 14215

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٧٦/ ٣٣٧٦ و ٣٣٧٧ - وفي "الكبرى" ٨٨/ ٥٥٦٧ و ٥٥٦٨. وأخرجه (د) في "النكاح" ٢١٢٥. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مشروعيّة تَحِلّة الخلوة، أي دفع الزوج إلى زوجته شيئًا من المال، سواء كان مهرها، أو غيرها حتى تمكّنه من تسليم نفسها إليه. (ومنها): عناية الشارع بمراعاة ما يحفظ الودّ، ويُحدث الوئام، وحسن العشرة بين الزوجين، فإن الرجل إذا دفع إلى امرأته مبادرًا قبل أن يجتمع بها، يجعلها تستشعر بصلاحيته للبقاء معه، إذ هو مِعْطاءٌ، جواد، لا بخيلٌ ذو أحقاد. (ومنها): أن من ليس له شيء زائد على الحوائج الضروريّة، يجوز أن يقول: ما عندي شيءٌ، ولا يكون بذلك كاذبًا؛ إذ العرف جارٍ بمثل هذا. (ومنها): أنه دليلٌ على جواز الامتناع من تسليم المرأة ما لم تقبض مهرها، وفيه خلاف لأهل العلم يأتي بيانه في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الدخول بالزوجة قبل تقديم شيء لها، مهرًا كان، أو غيره: قال ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: يجوز الدخول بالمرأة قبل إعطائها شيئًا، سواء كانت مُفوّضةً، أو مسمّى لها. وبهذا قال سعيد بن المسيّب، والحسن، والنخعيّ، والثوريّ، والشافعيّ. وروي عن ابن عبّاس، وابن عمر، والزهري، وقتادة، ومالك: لا يدخل بها حتى يُعطيها شيئًا. قال الزهريّ: مَضَتِ السنّة أن لا يدخل بها حتى يُعطيها شيئًا. قال ابن عباس: يخلع إحدى نعليه، ويُلقيها إليها. انتهى (١). وقال ابن حزم في "المحلّى": ومن تزوّج، فسمّى صداقًا، أو لم يسمّ، فله الدخول بها أحبّت، أم كرهت، ويُقضَى لها بما سمّى لها، أحبّ، أم كره، ولا يُمنَع من أجل ذلك من الدخول بها، لكن يُقضَى له عاجلًا بالدخول، وُيقضى لها عليه حسب ما يوجد عنده بالصداق، فإن كان لم يُسمّ لها شيئًا قُضي عليه بمهر مثلها، إلا أن يتراضيا بأكثر،
следующие страницы →