← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 14211–14250 · переход к 14216.

стр. 14211

٧٦ - (تَحِلَّةُ الْخَلْوَةِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: زاد في "الكبرى": "وَتَقْدِيمُ الْعَطِيَّةِ قَبْلَ الْبِنَاءِ". ووقع في النسخة "الهندية": "نِحْلَة الخلوة". و"التحِلّة" -بفتح الفوقانية، وكسر الحاء المهملة، وتشديد اللام-: مصدر حَلَّل بالتثقيل، على تَقعِلَة، كذكّر تَذْكِرةً، وجَرَّبَ تَجْرِبَةً، وبَصَّرَ تَبْصِرَةً، وأصله: تَحْلِلَةٌ، فنُقلت كسرة اللام الأولى، إلى الحاء، ثم أُدغمت في اللام الثانية، يقال: حَلَلْتُ اليمين: إذا فعلتَ ما يُخرج عن الحِنْث، فانحلّت هي، وحَلَّلْتُها بالتثقيل، وفعلتُهُ تَحِلّة القسم: أي بقدر ما تُحلُّ به اليمين، ولم أُبالغ فيه، ثم كثُر هذا حتى قيل لكلّ شيء لم يُبالغ فيه: تحليلٌ (١). وقال في "اللسان": وحلَّلَ اليمينَ تحليلًا، وتَحِلَّةً، وتَحِلًّا، وهذه شاذّةٌ: كَفَّرَها، و"التَّحِلّةُ": ما كُفّر به. انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن مما ذُكر أن "التَّحِلّة" يُطلق على معنيين: أحدهما: أنه مصدر حلّل بالتثقيل، والثاني: أنه الشيء الذي يقع به تحليل الشيء، وكلا المعنيين يناسبان ترجمة المصنّف "تَحِلَّةُ الخلوةِ"، فعلى الأول يكون المعنى: تحليل الرجل الخلوة بزوجته بدفع شيء مما تسرّ به. وعلى الثاني يكون المعنى: الشيء الذي يجعل الخلوة بالزوجة حلالًا. وأما "النحلة"، فهي بكسر النون، وضمّها لغتان، وأصلها من العطاء، يقال: نَحَلتُ فلانًا شيئًا: أعطيتُه، فالصداق عطيّة من اللَّه تعالى للمرأة. ومنه قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ الآية [النساء: ٤]. وقيل: "نحلةً" في الآية: أي عن طيب نفس من الأزواج من غير تناع. وقال قتادة: معنى "نحلةً" فريضة واجبةً. وقال ابن جريج، وابن زيد: فريضة مُسمّاةً. قال أبو عبيد: ولا تكون النحلة إلا مسمّاةً معلومةً. وقال الزجّاج: "نحلةً" تَدَيُّنًا، والنحلة الديانة والملّة، يقال: هذا نحلته: أي دينه. وهذا يحسن مع كون الخطاب للأولياء الذين كانوا يأخذونه في الجاهليّة، حتى قال بعض النساء في زوجها [من الرجز]: لا يَأخُذُ الْحُلْوانَ مِنْ بَنَاتِنَا

стр. 14212

أفاده القرطبيّ في "تفسيره" (١). وقال النسفيّ في "تفسير": "نحلة" من نحله كذا: إذا أعطاه إياه، ووهبه له عن طيبة من نفسه نحلةً، ونحلًا، وانتصابها على المصدر؛ لأن النحلة والإيتاء بمعنى الإعطاء، فكأنه قال: وانحلوا النساء صدقاتهنّ نحلة، أي أعطوهنّ مهورهنّ عن طيبة أنفسكم، أو على الحال من المخاطبين، أي آتوهنّ صدقاتهنّ ناحلين طيبي النفوس بالإعطاء، أو من الصدقات، أي منحولةً، معطاة عن طيبة الأنفس. وقيل: نحلة من اللَّه تعالى عطية من عنده، وتفضلًا منه عليهنّ. انتهى (٢). ثم إن التَّحِلّة، أو النِّحْلَة المذكورة تشمل المهر، وغيره مما يُدفع للمرأة قبل الدخول بها استطابة لقلبها، وإدخالاً للمسرة عليها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٣٧٦ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ عِكْرِمَةَ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ عَلِيًّا قَالَ: تَزَوَّجْتُ فَاطِمَةَ ﵂ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ, ابْنِ بِي, قَالَ: «أَعْطِهَا شَيْئًا» , قُلْتُ: مَا عِنْدِي مِنْ شَيْءٍ, قَالَ: «فَأَيْنَ دِرْعُكَ الْحُطَمِيَّةُ؟» , قُلْتُ: هِيَ عِنْدِي, قَالَ: «فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عمرو بن منصور) أبو سعيد النسائيّ، ثقة ثبت [١١] ١٠٨/ ١٤٧. ٢ - (هشام بن عبد الملك) أبو الوليد الطيالسيّ البصريّ، ثقة ثبت [٩] ١٢٢/ ١٧٢. ٣ - (حمّاد) بن سلمة بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقة عابد [٨] ١٨١/ ٢٨٨. ٤ - (أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ البصريّ، ثقة ثبت فقيه [٥] ٤٢/ ٤٨. ٥ - (عكرمة) أبو عبد اللَّه البربريّ، مولى ابن عباس، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢/ ٣٢٥. ٦ - (ابن عباس) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. ٧ - (عليّ) بن أبي طالب - رضي اللَّه تعالى عنه - ٧٤/ ٩١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فمن أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فنسائيّ، وعليّ ﵁، فمدنيّ،. (ومنها): أن فيه رواية رواية تابعيّ عن تابعيّ: أيوب، عن عكرمة، ورواية صحابيّ، عن صحابيّ، ابن عبّاس، عن عليّ ﵃. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 14213

شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ عَلِيًّا) ﵁، هكذا في رواية حماد بن سلمة، عن أيوب جعله من مسند عليّ ﵁، وخالفه سعيد بن أبي عروبة، عن أيوب، فجعله من مسند ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، ولم يذكر عليًّا ﵁، كما سيُبيّنه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في الرواية التالية (قَالَ: تَزَوْجْتُ فَاطِمَةَ ﵂) وكان زواجه لها بعد أن ابتنى رسول اللَّه ﷺ بعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - بأربعة أشهر ونصف، وذلك سنة اثنتين من الهجرة، وكان سنّها يوم تزوّجها خمس عشرة سنة، وخمسة أشهر ونصفًا، ولم يتزوّج عليها حتى ماتت. قال الزهريّ، عن عروة، عن عائشة: عاشت فاطمة بعد رسول اللَّه ﷺ ستة أشهر. زاد غيره: وهي بنت سبع وعشرين سنة. وقيل: ثمان. وكانت أول آل النبيّ ﷺ لُحُوقًا به، وغسلها عليّ ﵁، ودُفنت ليلًا - رضي اللَّه تعالى عنها -. وقيل: ماتت بعد النبيّ ﷺ بثلاثة أشهر، وقيل: بمائة يوم. وقيل: بثمانية أشهر. وقيل: غير ذلك (١). (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ابْنِ بِي) أي اجعلني بانيًا بها. وفي النسخة "الهندية": "ابنها بي". قال في "النهاية": البناء، والابتناء: الدخول بالزوجة، والأصل فيه أن الرجل كان إذا تزوّج امرأة بَنَى عليها قُبّةً؛ ليدخل بها فيها، فيقال: بَنَى الرجلُ على أهله. قال الجوهريّ: بني على أهله: أي زَفَّها، والعامّة تقول: بَنَى بأهله، وهو خطأٌ. قال صاحب "النهاية": وهذا القول فيه نظر، فإنه قد جاء في غير موضع من الحديث، وغير الحديث، وعاد الجوهريّ، فاستعمله في "كتابه" انتهى (٢). وفي "القاموس": بَنَى على أهله، وبها: زَفّها، كابتنى انتهى. قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: والحاصل أنه جاء بالوجهين، لكن يجب التنبيه على أن الباء في هذا الحديث ليست هي الباء التي اختلفوا فيها، فإنها الباء الداخلة على المرأة المدخولِ بها، والمدخولُ بها ههنا متروكةٌ، فيجوز تقديره "على أهلي"، أو"بأهلي"، والباء المذكورة باء التعدية، والمعنى: اجعلني بانيًا على أهلي، أو بأهلي، فلا إشكال في هذا الحديث على القولين، كما لا يخفى انتهى كلام السنديّ (٣). (قالَ) ﷺ ("أَعْطِهَا شَيْئًا") الظاهر أن التنكير هنا للتعميم: أي شيء كان، مهرًا، أو

стр. 14214

غيره، كثيرًا كان، أو قليلًا، وذلك استمالَةً لقلبها، واستجلابًا لمودّتها. وفي رواية أبي داود: "أن عليًّا لَمّا تزوّج فاطمة أراد أن يدخل بها، فمنعه رسول اللَّه ﷺ حتى يُعطيها شيئًا … " الحديث. قال عليّ ﵁ (قُلْتُ: ما عِنْدِي مِنْ شَيْءٍ) "من" زائدة لتأكيد القلّة، أراد الشيء الزائد على الحوائج اللازمة، وإلا فلا يريد أنه لا شيء عنده، لا من الملابس، ومن الطعام، ولا من البيت، ونحو ذلك، إذ معلوم أن هذه الأشياء كانت عند عليّ ﵁، وإلا فلا يجترىء أن يزُفّها إليه النبيّ ﷺ ، وليس عنده شيء، من الفأوى، ولا الطعام، ولا اللباس. واللَّه تعالى أعلم (قَالَ) ﷺ (" فأَيْنَ دِرْعُكَ) -بكسر الدال المهملة، وسكون الراء، بعدها عين مهملة-: هي لَبُوس الحديد، تذكّرُ، وتؤنّثُ، يقال: دِرْعٌ سابغٌ، ودرعٌ سابغةٌ، قال أبو الأخْرَز [من الرجز]: مقَلَّصَا بِالدِّرْعِ ذِي التَّغَضُّنِ (١) … يَمْشِي الْعِرَضْنَى (٢) فِي الْحَدِيدِ الْمُتْقَنِ والجمع في القلّة: أَدْرُعٌ، وأَدْرَاعٌ، وفي الكثرة: دُرُوعٌ، قال الأعْشَى [من البسيط]: واختارَ أَدْراعَهُ أَنْ لا يُسَبَّ بِهَا … وَلَمْ يَكُنْ عَهْدُهُ فِيهَا بِخَتَّارِ وتصغير دِرْع: دُرَيْعٌ، بغير هاء، على غير قياس؛ لأن قياسه بالهاء، وهو شاذٌّ. أفاده في "اللسان" (٣). فقوله: "أين" اسم استفهام في محلّ رفع خبر مقدّم، لقوله: "درعُك"، وقوله (الْحُطَمِيَّةُ؟) بالرفع صفة لـ"درعك". و"الْحُطَيّمة" -بضمّ الحاء، وفتح الطاء المهملتين-: قال في "النهاية": هي التي تَحطِم السيوف، أي تكسرها. وقيل: هي العريضة الثقيلة. وقيل: منسوبة إلى بطن من عبد القيس، يقال لهم: حُطَمة بن مُحارب، كانوا يَعمَلون الدِّرْعَ، وهذا أشبه الأقوال انتهى (٤). (قُلْتُ: هِيَ عِنْدِي، قَالَ: "فأَعْطِهَا إِيَّاهُ") زاد في رواية أبي داود: "فأعطاها درعه، ثم دخل بها". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 14215

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٧٦/ ٣٣٧٦ و ٣٣٧٧ - وفي "الكبرى" ٨٨/ ٥٥٦٧ و ٥٥٦٨. وأخرجه (د) في "النكاح" ٢١٢٥. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مشروعيّة تَحِلّة الخلوة، أي دفع الزوج إلى زوجته شيئًا من المال، سواء كان مهرها، أو غيرها حتى تمكّنه من تسليم نفسها إليه. (ومنها): عناية الشارع بمراعاة ما يحفظ الودّ، ويُحدث الوئام، وحسن العشرة بين الزوجين، فإن الرجل إذا دفع إلى امرأته مبادرًا قبل أن يجتمع بها، يجعلها تستشعر بصلاحيته للبقاء معه، إذ هو مِعْطاءٌ، جواد، لا بخيلٌ ذو أحقاد. (ومنها): أن من ليس له شيء زائد على الحوائج الضروريّة، يجوز أن يقول: ما عندي شيءٌ، ولا يكون بذلك كاذبًا؛ إذ العرف جارٍ بمثل هذا. (ومنها): أنه دليلٌ على جواز الامتناع من تسليم المرأة ما لم تقبض مهرها، وفيه خلاف لأهل العلم يأتي بيانه في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الدخول بالزوجة قبل تقديم شيء لها، مهرًا كان، أو غيره: قال ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: يجوز الدخول بالمرأة قبل إعطائها شيئًا، سواء كانت مُفوّضةً، أو مسمّى لها. وبهذا قال سعيد بن المسيّب، والحسن، والنخعيّ، والثوريّ، والشافعيّ. وروي عن ابن عبّاس، وابن عمر، والزهري، وقتادة، ومالك: لا يدخل بها حتى يُعطيها شيئًا. قال الزهريّ: مَضَتِ السنّة أن لا يدخل بها حتى يُعطيها شيئًا. قال ابن عباس: يخلع إحدى نعليه، ويُلقيها إليها. انتهى (١). وقال ابن حزم في "المحلّى": ومن تزوّج، فسمّى صداقًا، أو لم يسمّ، فله الدخول بها أحبّت، أم كرهت، ويُقضَى لها بما سمّى لها، أحبّ، أم كره، ولا يُمنَع من أجل ذلك من الدخول بها، لكن يُقضَى له عاجلًا بالدخول، وُيقضى لها عليه حسب ما يوجد عنده بالصداق، فإن كان لم يُسمّ لها شيئًا قُضي عليه بمهر مثلها، إلا أن يتراضيا بأكثر،

стр. 14216

أو بأقلّ، وهذا مكان اختلف السلف فيه. روينا من طريق عبد الرزّاق، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع عكرمة مولى ابن عباس يقول: قال ابن عبّاس: إذا نكح المرأة، وسمّى لها صداقًا، فأراد أن يدخل عليها، فليُلقِ إليها رداءه، أو خاتما، إن كان معه. ومن طريق ابن وهب: حدّثني يونس ابن يزيد الأيليّ، عن نافع، عن ابن عمر قال: لا يصلح للرجل أن يقع على امرأته حتى يُقَدِّم إليها شيئًا من مالها ما رضيت به من كسوة، أو عطاء، قال ابن جريج: وقال عطاء، وسعيد بن المسيّب، وعمرو -هو ابن دينار- لا يمسّها حتى يرسل إليها بصداق، أو فريضة، قال عطاء، وعمرو: إن أرسل إليها بكرامة لها ليست من الصداق، أو إلى أهلها، فحسبه، هو يحلّها له. وقال سعيد بن جبير: أعطها، ولو خمارًا. وقال الزهريّ: بلغنا في السنّة أن لا يدخل بامرأة حتى يُقَدِّم نفقة، أو يكسو كسوةً ذلك مما عمل به المسلمون. وقال مالك: لا يدخل عليها حتى يُعطيها مهرها الحالّ، فإن وهبته له أُجبر على أن يفرض لها شيئًا آخر، ولا بدّ. وذهب آخرون إلى إباحة دخوله عليها، وإن لم يعطها شيئًا، كما روينا من طريق أبي داود، نا محمد بن يحيى بن فارس الذهليّ، نا عبد العزيز بن يحيى الْحَرّانيّ، نا محمد ابن سلمة، عن أبي عبد الرحيم، عن زيد بن أبي أنيسة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد اللَّه اليزنيّ -هو أبو الخير- عن عقبة بن عامر، أن النبيّ ﷺ زوّج رجلًا امرأة برضاهما، فدخل بها الرجل، ولم يفرض لها صداقًا، ولم يعطها شيئًا، وكان ممن شهد الحديبية، وكان من شهدها له سهمٌ بخيبر، فحضرته الوفاة، فقال: إن رسول اللَّه ﷺ زوَّجني فلانة، ولم أفرض لها صداقا، ولم أعطها شيئًا، ولكنّي أُشهدكم أني أعطيتها من صداقها سهمي بخيبر، قال: فأخذته، فباعته بمائة ألف". وروينا من طريق وكيع، عن هشام الدستوائيّ، عن سعيد بن المسيّب، قال: اختلف أهل المدينة في ذلك، فمنهم من أجازه، ولم ير به بأسًا. ومنهم: من كرهه، قال سعيد: وأيّ ذلك فعل فلا بأس به -يعني دخول الرجل بالمرأة التي تزوّج، ولم يُعطها شيئًا. ومن طريق وكيع، عن سفيان الثوريّ، عن منصور بن المعتمر، ويونس بن عبيد، قال منصور: عن إبراهيم النخعيّ، وقال يونس: عن الحسن، ثم اتفقا جميعًا على أنه لا بأس بأن يدخل الرجل بامرأته قبل أن يُعطيها شيئًا. ومن طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن الزهريّ في الرجل يتزوّج المرأة، ويُسمّي لها صداقًا، هل يدخل عليها، ولم يُعطها شيئًا؛ فقال الزهريّ: قال اللَّه تعالى:

стр. 14217

﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ الآية. فإذا فرض الصداق، فلا جناح عليه في الدخول عليها، وقد مَضَت السنّة أن يُقَدَّمَ لها شيءٌ من كسوة، أو نفقة. ومن طريق سعيد بن منصور، نا هشيمٌ، ثنا حجاج، عن أبي إسحاق السبيعيّ، أن كريب بن أبي مسلم- وكان من أصحاب ابن مسعود- تزوّج امرأةً على أربعة آلاف درهم، ودخل بها قبل أن يعطيها من صداقها شيئًا. وبهذا يقول سفيان الثوريّ، والشافعيّ، وأبو سليمان -يعني داود الظاهريّ- وأصحابهم. وقال الأوزاعيّ: كانوا يستحسنون أن لا يدخل بها حتى يُقدِّم لها شيئًا. وقال الليث: إن سمّى لها مهرًا، فأحبّ إليّ أن يقدّم لها شيئًا، وإن لم يفعل لم أر به بأسا. وقال أبو حنيفة: إن كان مهرها مؤجّلًا فله أن يدخل بها، أحبّت، أم كرهت، حلّ الأجلُ، أو لم يحلّ، فإن كان الصداق نقدًا لم يجز له أن يدخل بها حتى يؤدّيه إليها، فلو دخل بها، فلها أن تمنع نفسها منه حتى يوفّيها جميع صداقها. قال أبو محمد: أما تقسيم أبي حنيفة، ومالك، فدعوى بلا برهان، لا من قرآن، ولا من سنّة، ولا قياس، ولا قول متقدّم، ولا أرى له وجهًا، فلم يبق إلا قول من أباح دخوله عليها، وإن لم يُعطها شيئًا، أو منع من ذلك. فنظرنا في حجة من منع من ذلك، فوجدناهم يحتجّون بحديث فيه أن رسول اللَّه ﷺ نهى عليًّا أن يدخل بفاطمة - رضي اللَّه تعالى عنهما - حتى يُعطيها شيئًا. قال: وهذا خبر لا يصحّ لأنه إنما جاء من طريق مرسلة، أو فيها مجهول، أو ضعيفٌ، وقد تقصّينا طرقها، وعللَّها في "كتاب الإيصال" إلا أن صفتها كلّها ما ذكرنا ههنا لا يصحّ شيء منها، إلا خبر من طريق أحمد بن شعيب (١)، أنا عمرو بن منصور، نا هشام بن عبد الملك الطيالسيّ، نا حماد بن زيد (٢)، عن أيوب السختيانيّ، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن عليًّا، قال: تزوّجت فاطمة، فقلت: يا رسول اللَّه ابن لي (٣)، فقال: أعطها شيئًا … " الحديث. قال: إنما ذلك على أنه صداقها، لا على معنى أنه لا يجوز الدخول إلا حتى يعطيها شيئًا، وقد جاء هذا مبينًا، ثم أخرج بسنده عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن

стр. 14218

الحسن البصريّ، عن أنس، قال: قال عليّ بن أبي طالب: أتيت رسول اللَّه ﷺ ، فقلت: يا رسول اللَّه، قد علمت قَدَمي في الإسلام، ومناصحتي، وأني، وأني، قال: "وما ذاك يا عليّ؟ " قال: تُزَوِّجُني فاطمةَ، قال: "وما عندك؟ "، قلت: عندي فرسي، ودرعي، قال: "أما فرسك، فلا بدّ لك منها، وأما درعك، فبعها"، قال: فبعتها بأربعمائة وثمانين، فأتيته بها، فوضعتها في حجره، ثم قبض منها قبضةٌ، وقال: "يا بلال أبغنا بها طيبًا". وذكر باقي الحديث. فهذا بيان أن الدرع إنما ذُكِرَت في الصداق، لا من أجل الدخول؛ لأنها قصّة واحدة بلا شكّ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في دعوى كون الحديثين بمعنى واحد نظرٌ لا يخفى. واللَّه تعالى أعلم. قال: وقد جاء في هذا أثرٌ، كما رويناه من طريق أبي عبيد، نا عمر بن عبد الرحمن، نا منصور بن المعتمر، عن طلحة بن مصرّف، عن خيثمة بن عبد الرحمن، عن بعض أصحاب رسول اللَّه ﷺ : "أن رجلًا تزوّج امرأة، فجهّزها إليه رسول اللَّه ﷺ قبل أن يَنقُدَها شيئًا". وخيثمة من أكابر أصحاب ابن مسعود، وصحب عمر بن الخطّاب ﵄. وقال اللَّه : ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾، ولا خلاف بين المسلمين في أنه من حين يعقد الزواج، فإنها زوجة له، فهو حلالٌ لها، وهي حلالٌ له، فمن منعها منه حتى يُعطيها الصداق، أو غيره، فقد حال بينه وبين امرأته، بلا نصّ من اللَّه تعالى، ولا من رسوله ﷺ ، لكن الحقّ ما قلنا: أن لا يُمنع حقّه منها، ولا تُمنَع هي حقها من صداقها، لكن يُطلق على الدخول عليها، أحبّت، أم كرهت، ويؤخذ مما يوجد له صداقها، أحبّ، أم كره، وصحّ عن النبيّ ﷺ -تصويبُ قول القائل: "أعط كلّ ذي حقّ حقّه"، وباللَّه تعالى التوفيق. انتهى كلام ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أرجح الأقوال في المسألة أنه يجوز أن يدخل الرجل بامرأته قبل أن يدفع لها شيئًا؛ لحديث عقبة بن عامر ﵁ المتقدِّم، ولحديث خيثمة بن عبد الرحمن، عن بعض أصحاب النبيّ ﷺ -المتقدم، ولما أخرجه أبو داود من حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، قالت: أمرني رسول اللَّه ﷺ أن أُدخل امرأةً على زوجها قبل أن يُعطيها شيئًا". والحديث، وإن كان في إسناده مقال، فالأحاديث المذكورة تشهد له، لكن الأولى أن لا يدخل بها حتى يعطيها شيئًا؛ لحديث عليّ ﵁ المذكور في الباب، وبهذا يُجْمَعُ بين حديث الباب والأحاديث المذكورة.

стр. 14219

والحاصل أنه يُستحبّ له أن يدفع لها شيئًا، مما يطيّب به خاطرها، ويستجلب به محبّتها، ويستميل إليه به قلبها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٣٧٧ - (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ, عَنْ عَبْدَةَ, عَنْ سَعِيدٍ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ عِكْرِمَةَ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: لَمَّا تَزَوَّجَ عَلِيٌّ ﵁, فَاطِمَةَ ﵂, قَالَ: لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَعْطِهَا شَيْئًا» , قَالَ: مَا عِنْدِي, قَالَ: «فَأَيْنَ دِرْعُكَ الْحُطَمِيَّةُ؟»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وهو ثقة. و"عبدة": هو ابن سليمان الكلابيّ الكوفيّ. و"سعيد": هو ابن أبي عروبة. والحديث صحيح، سبق الكلام عليه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٧٧ - (الْبِنَاءُ فِي شَوَّالٍ) ٣٣٧٨ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا وَكِيعٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: "تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي شَوَّالٍ, وَأُدْخِلْتُ عَلَيْهِ فِي شَوَّالٍ, فَأَيُّ نِسَائِهِ كَانَ أَحْظَى عِنْدَهُ مِنِّي؟ "). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"سفيان"؛ هو الثوريّ. والحديث أخرجه مسلم، وتقدّم للمصنّف سندًا ومتنًا، في -١٨/ ٣٢٣٧ - "التزويج في شوّال"، رواه هناك عن عبيد اللَّه بن سعيد، عن يحيى القطّان، عن الثوريّ، وتقدّم شرحه، وبيان مسائله، فلا حاجة إلى إعادته هنا، فمن أراد فليُراجعه هناك، ودلالته على الترجمة واضحة. وقوله: "وأُدخلت" بالبناء للمفعول. وقوله: "أحظى" أفعل تفضيل من حَظِيَ، يقال: حَظِي عند الناس يَحظَى، من باب تَعِب حِظَةً، وزان عِدَةٍ، وحُظْوَةً بضم الحاء، وكسرها: إذا أحبّوه، ورفعوا منزلته، فهو حَظِيٌّ، على فَعِيلٍ، والمرأة حَظِيَةٌ: إذا كانت

стр. 14220

عند زوجها كذلك. قاله الفيّوميّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٧٨ - (الْبِناءُ بِابْنَةِ تِسْعٍ) ٣٣٧٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ, عَنْ عَبْدَةَ, عَنْ هِشَامٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: "تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ , وَأَنَا بِنْتُ سِتٍّ, وَدَخَلَ عَلَيَّ وَأَنَا بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ, وَكُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح. غير شيخه محمد ابن آدم المصّيصيّ، فإنه من أفراده هو، وأبي داود، وهو ثقة. و"عبدةُ": هو ابن سليمان الكلابيّ. و"هشامٌ": هو ابن عروة. وقولها: "وكنت ألعب بالبنات" قال في "النهاية": أي التماثيل التي يَلْعَب بها الصَّبَايا، وهذه اللفظة يجوز أن تكون من باب الباء والنون والتاء؛ لأنها جمع سلامة لبنت على ظاهر اللفظ انتهى (١). قال القاضي عياضٌ: فيه جواز اتخاذ اللُّعَب، وإباحة لَعِبِ الجواري بها، وقد جاء في الحديث أن النبيّ ﷺ رأى ذلك، فلم ينكره، قالوا: وسببه تدريبهنّ بتربية الأولاد، وإصلاح شأنهنّ وبيوتهنّ. قال النوويّ: ويحتمل أن يكون مخصوصًا من أحاديث النهي عن اتخاذ الصور؛ لما ذكر من المصلحة. ويحتمل أن يكون هذا منهيًّا عنه، وكانت قضيّة عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذه، ولعبها في أول الهجرة، قبل تحريم الصور انتهى. وقال السيوطيّ في "شرحه": ويحتمل أن يكون ذلك؛ لكونهنّ دون البلوغ، فلا تكليف عليهنّ، كما جاز للوليّ إلباس الصبيّ الحرير انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الأخير مما ذكره النوويّ هو الأرجح عندي؛ وحاصله أن قصّة عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - متقدّمة على أحاديث النهي، فجاء النهي بعدها، فَنُسخ الجواز، وقد تقدّم تحقيق القول في مسألة الصور في أوائل هذا

стр. 14221

الشرح. واللَّه تعالى وليّ التوفيق. وأما الاحتمال الذي ذكره السيوطيّ، ففيه نظرٌ لا يخفى، إذ جواز إلباس الصغير الحرير ليست مسألة مجمعًا عليها، فقد خالف الحنفيّة في ذلك، وهو الظاهر من أدلة الشرع، فقد نهى ﷺ الحسن لما أراد أن يأكل من تمر الصدقة، وغير ذلك من الأدلة. واللَّه تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وتقدّم أيضًا في ٢٩/ ٣٢٥٦ - "إنكاح الرجل ابنته الصغيرة" رواه هناك عن إسحاق بن راهويه، عن أبي معاوية، عن هشام بن عروة، وتقدّم هناك تمام شرحه، وبيان مسائله، فلا حاجة إلى إعادتهما هنا، فمن أراد الاستفادة، فَلْيَرْجِع إليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٣٨٠ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: "تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ , وَهِيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ, وَبَنَى بِهَا, وَهِيَ بِنْتُ تِسْعٍ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو، وأبو داود، وهو مصريّ ثقة. و"عمّه": هو سعيد بن الحكم بن محمد الثقة الثبت الفقيه. و"يحيى بن أيوب": هو الغافقيّ، أبو العباس المصريّ. و"عمارة بن غزيّة": هو الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ. و"محمد بن إبراهيم": هو التيميّ المدنيّ. وقوله: "وهي بنت ست سنين" فيه التفات، إذ الظاهر أن تقول: "وأنا بنت ست سنين"، كما في الرواية التي قبلها. والحديث متفق عليه، كما سبق الكلام عليه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 14222

٧٩ - (الْبِنَاءُ فِي السَّفَرِ) ٣٣٨١ - (أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ, عَنْ أَنَسٍ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , غَزَا خَيْبَرَ, فَصَلَّيْنَا عِنْدَهَا الْغَدَاةَ بِغَلَسٍ, فَرَكِبَ النَّبِيُّ ﷺ , وَرَكِبَ أَبُو طَلْحَةَ, وَأَنَا رَدِيفُ أَبِي طَلْحَةَ, فَأَخَذَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ , فِي زُقَاقِ خَيْبَرَ, وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسُّ فَخِذَ رَسُولِ اللهِ ﷺ , وَإِنِّي لأَرَى بَيَاضَ فَخِذِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ , فَلَمَّا دَخَلَ الْقَرْيَةَ, قَالَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ, خَرِبَتْ خَيْبَرُ, إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ, فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ» , قَالَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ, قَالَ: وَخَرَجَ الْقَوْمُ إِلَى أَعْمَالِهِمْ, قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: فَقَالُوا: مُحَمَّدٌ, قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ, وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: وَالْخَمِيسُ, وَأَصَبْنَاهَا عَنْوَةً, فَجَمَعَ السَّبْيَ, فَجَاءَ دِحْيَةُ, فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ, أَعْطِنِي جَارِيَةً مِنَ السَّبْي, قَالَ: «اذْهَبْ, فَخُذْ جَارِيَةً» , فَأَخَذَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ, فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ , فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ, أَعْطَيْتَ دِحْيَةَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُييٍّ, سَيِّدَةَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ, مَا تَصْلُحُ إِلاَّ لَكَ, قَالَ: «ادْعُوهُ بِهَا» , فَجَاءَ بِهَا, فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: «خُذْ جَارِيَةً مِنَ السَّبْي غَيْرَهَا» , قَالَ: وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ , أَعْتَقَهَا, وَتَزَوَّجَهَا, فَقَالَ لَهُ ثَابِتٌ: يَا أَبَا حَمْزَةَ, مَا أَصْدَقَهَا, قَالَ: نَفْسَهَا, أَعْتَقَهَا, وَتَزَوَّجَهَا, قَالَ: حَتَّى إِذَا كَانَ بِالطَّرِيقِ, جَهَّزَتْهَا لَهُ أُمُّ سُلَيْمٍ, فَأَهْدَتْهَا إِلَيْهِ مِنَ اللَّيْلِ, فَأَصْبَحَ عَرُوسًا, قَالَ: «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ, فَلْيَجِئْ بِهِ» , قَالَ: وَبَسَطَ نِطَعًا, فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالأَقِطِ, وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالتَّمْرِ, وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالسَّمْنِ, فَحَاسُوا حَيْسَةً, فَكَانَتْ وَلِيمَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (زياد بن أيوب) البغداديّ، أبو هاشم الطوسي الأصل، يلقب دلويه، وكان يغضب منها، ولقبه أحمد شعبة الصغير، ثقة حافظ [١٠] ١٠١/ ١٣٢. ٢ - (إسماعيل ابن علية) هو ابن إبراهيم بن مقسم، أبو بشر البصري، ثقة ثبت [٨] ١٨/ ١٩. ٣ - (عبد العزيز بن صُهيب) البناني البصري، ثقة [٤] ١٧/ ١٦٤٣. ٤ - (أنس) بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٧٤) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين،

стр. 14223

غير شيخه، فبغداديّ، طوسيّ الأصل. (ومنها): أن فيه أنسًا - رضي اللَّه تعالى عنه - أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة في البصرة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَنَسٍ) بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، غَزَا خَيْبَرَ) بمعجمة، وتحتانيّة، وموحّدة، بوزن جعفر: مدينة كبيرة، ذات حُصُون ومزارع، على ثمانية بُرُد من المدينة إلى جهة الشام. وذكر أبو عبيدة البكريّ أنها سُمّيت باسم رجل من العماليق نزلها. قال ابن إسحاق: خرج النبيّ ﷺ في بقيّة المحرّم سنة سبع، فأقام يُحاصرها بضع عشرة ليلة إلى أن فتحها في صفر. وروى يونس بن بُكير في "المغازي" عن ابن إسحاق في حديث المسور ومروان قالا: انصرف رسول اللَّه ﷺ -من الحديبية، فنزلت عليه سورة الفتح فيما بين مكة والمدينة، فأعطاه اللَّه فيها خيبر بقوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ يعني خيبر، فقدِمَ المدينة في ذي الحجة، فأقام بها حتى سار إلى خيبر في المحرّم. وذكر موسى بن عُقبة في "المغازي" عن ابن شهاب أنه ﷺ "أقام بالمدينة عشرين ليلةً، أو نحوها، ثم خرج إلى خيبر. وعند ابن عائذ من حديث ابن عباس "أقام بعد الرجوع من الحديبية عشر ليال"، وفي مغازي سليمان التيميّ" أقام خمسة عشر يومًا". وحكى ابن التين عن ابن حصار أنها كانت في آخر سنة ستّ، وهذا منقول عن مالك، وبه جزم ابن حزم. قال الحافظ: وهذه الأقوال متقاربة، والراجح منها ما ذكره ابن إسحاق. ويمكن الجمع بأن من أطلق سنة ستّ بناه على أن ابتداء السنة من شهر الهجرة الحقيقي، وهو ربيع الأول. وأما ما ذكره الحاكم عن الواقديّ، وكذا ذكره ابن سعد أنها كانت في جمادى الأولى، فالذي رأيته في "مغازي الواقديّ" أنها كانت في صفر. وقيل: في ربيع الأول. وأغرب من ذلك ما أخرجه ابن سعد، وابن أبي شيبة، من حديث أبي سعيد الخدريّ، قال: "خرجنا مع النبيّ ﷺ إلى خيبر لثمان عشرة من رمضان … " الحديث، وإسناده حسنٌ، إلا أنه خطأ، ولعلها كانت إلى حُنين، فتصحّفت، وتوجيهه بأن غزوة حنين كانت ناشئة عن غزوة الفتح، وغزوة الفتح خرج النبيّ ﷺ فيها في رمضان جزمًا، واللَّه أعلم. وذكر الشيخ أبو حامد في "التعليقة" أنها كانت سنة خمس، وهو وَهَمٌ، ولعله انتقال

стр. 14224

من الخندق إلى خيبر. وذكر ابن هشام أنه ﷺ استعمل على المدينة نُمَلية -بنون مصغّرًا- ابن عبد اللَّه الليثيّ. وعند أحمد، والحاكم من حديث أبي هريرة ﵁ أنه سِبَاع بن عُرْفُطة، وهو أصحّ. قاله في "الفتح" (١). (فَصَلَّيْنَا عِنْدَها الْغَدَاةَ) أي صلاة الصبح (بغَلَسٍ) بفتحتين: ظلمة آخر الليل. وفي رواية للبخاريّ من طريق حميد الطويل، عن أَنس ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ أتى خيبر ليلًا، وكان إذا أتى قومًا بليل، لم يقربهم حتى يُصبح … " الحديث. وفي رواية بلفظ: "إذا غزا لم يغزو بنا حتى يُصبح، وينظر، فإن سمع أذانًا كفّ عنهم، وإلا أغار، قال: فخرجنا إلى خيبر، فانتهينا إليهم ليلًا، فلما أصبح، ولم يسمع أذانًا ركب … ". وحكى الواقديّ أن أهل خيبر سمعوا بقصده لهم، فكانوا يخرجون في كلّ يوم متسلّحين، مستعدّين، فلا يرون أحدًا، حتى إذا كانت الليلة التي قدِمَ فيها المسلمون ناموا، فلم تتحرّك لهم دابّةً، ولم يَصِحْ لهم ديك، وخرجوا بالمساحي، طالبين مزارعهم، فوجدوا المسلمين". قاله في "الفتح" (٢). وذكر ابن إسحاق أنه نزل بوادٍ يقال له الرجيع، بينهم وبين غَطَفان؛ لئلا يُمِدُّوهم، وكانوا حُلفاءهم، قال: فبلغني أن غطفان تجهّزوا، وقصدوا خيبر، فسمعوا حسًّا خلفهم، فظنّوا أن المسلمين خلفوهم في ذراريّهم، فرجعوا، فأقاموا، وخذلوا أهل خيبر (٣). (فَرَكِبَ النَّبِيُّ ﷺ ) أي ركب مركوبه. وعن أنس ﵁، قال: "كان رسول اللَّه ﷺ يوم قريظة، والنضير، على حمار، وبوم خيبر على حمار مخطوم بِرَسَن (٤) ليف، وتحته إكاف من لِيف". رواه الترمذيّ، والبيهقيّ، وقال الترمذيّ: هو ضعيف. وقال ابن كثير: والذي ثبت في الصحيح عند البخاريّ، عن أنس ﵁: "أن رسول اللَّه ﷺ أجرى في زُقاق خيبر، حتى انحسر الإزار عن فخذه"، فالظاهر أنه كان يومئذ على فرس، لا على حمار، ولعلّ هذا الحديث إن كان صحيحًا، فهو محمول على أنه ركبه في بعض الأيام، وهو محاصرها. قاله العينيّ (٥).

стр. 14225

(وَرَكِبَ أَبُو طَلْحَةَ) زيد بن سهل الأنصاريّ، زوج أم سليم والدة أنس ﵃ (وَأَنَا رَدِيفُ أَبِي طَلْحَةَ) جملة اسمية في محلّ نصب على الحال من فاعل "ركب" (فأَخَذَ نَبِيُّ اللَّه ﷺ ) كذا هو في نسخ "المجتبى"، و"الكبرى" بلفظ: "فأخذ"، ومعناه صحيح، أي شرع ﷺ يُجري مركوبه في زُقاق خيبر. ولفظ الشيخين: "فأجرى نبيّ اللَّه ﷺ "، من الإجراء (فِي زُقَاقِ خَيْبَرَ) بضمّ الزاي، وبقافين، وهو السّكّة، يذكّر، ويؤنّث، والجمع أَزِقّة، وزُقّانٌ، بضمّ الزاي، وتشديد القاف، وبالنون. وفي "الصحاح": قال الأخفش: أهل الحجاز يؤنّثون الطريق، والصراط، والسبيل، والسوق، والزُّقَاق، وبنو تميم يذكّرون هذا كلّه، والجمع الزُّقّانُ والأزِقّةُ، مثلُ حُوَار، وحُوران، وأَحْوِرة انتهى (١). (وَإنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسُّ) بفتح الميم، وضمّها، يقال: مَسِسته، من باب تَعِبَ، وفي لغة مَسَسْتُهُ مَسًّا، من باب قَتَلَ: إذا أفضيت إليه من غير حائل. أفاده في "المصباح" (فَخِذَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) استدلّ به من قال: إن الفخذ ليست بعورة، وتقدّم تحقيق ذلك في "كتاب الصلاة". (وَإِنِّي لَأَرَى بَيَاضَ فَخِذِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا دَخَلَ القَرْيَةَ، قالَ: "اللَّهُ أكبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ) زاد في رواية للبخاري: فرفع يديه، وقال: "اللَّه أكبر خربت خيبر". قال السهيليّ: يؤخذ من هذا الحديث التفاؤل؛ لأنه ﷺ لما رأى آلات الهدم، مع أن لفظ الْمِسْحات من سَحَوتُ: إذا قشرتَ أخذ منه أن مدينتهم يتخرب انتهى. ويحتمل أن يكون قال: "خربت خيبر" بطريق الوحي، ويؤيّده قوله بعد ذلك: "إنا إذا نزلنا الخ". قاله في "الفتح" (٢). وقال العينيّ: قوله: "خربت خيبر" أي صارت خَرَابًا. وهل ذلك على سبيل الخبرية، فيكون ذلك من باب الإخبار بالغيب، أو يكون ذلك على جهة الدعاء عليهم، أو على جهة التفاؤل لَمّا رآهم خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم، وذلك من آلات الحراث. ويجوز أن يكون أخذًا من اسمها. وقيل: إن اللَّه أعلمه بذلك انتهى (٣). (إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ) قال الجوهريّ: ساحة الدار: ناحيتها، والجمع ساحات وسُوح، وساحٌ أَيضًا، مثل بَدَنة وبُدْن، وخَشَبَة وخَشَب. وأصل الساحة الفضاء بين المنازل، وُيطلق على الناحية، والجهة، والبناء انتهى. وقال الفيّوميّ: ساحة الدار: الموضع المتّسع أمامها، والجمع ساحات، وساحٌ، مثلُ ساعة وساعات، وساعٍ انتهى.

стр. 14226

(فَسَاءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ"، قَالَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَ) أنس ﵁ (وَخَرَجَ الْقَوْمُ) أي اليهود من بيوتهم، متوجّهين (إِلَى أَعْمَالِهِمْ)، أو "إلى" بمعنى اللام، أي خرجوا لأجل أعمالهم التي كانوا يعملونها؛ فإنهم كانوا أصحاب زرع (قالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ) بن صُهيب الراوي عن أنس ﵁ (فَقَالُوا) أي القوم الذين خرجوا إلى أعمالهم لَمّا رأوا النبيّ ﷺ ، وأصحابه قد حلّوا بساحتهم (مُحَمَّدٌ) أي جاء محمد، فارتفاعه على أنه فاعل لفعل محذوف. ويجوز أن يكون خبر مبتدإ محذوف: أي هذا محمد (قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ) بن صهيب (وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا) أشار بهذا إلى أنه لم يسمع هذه اللفظة من أنس، وإنما سمعه من بعض أصحابه عنه، ففيه رواية عن مجهول. والحاصل أن عبد العزيز قال: سمعت من أنس قوله: قالوا: "محمد" فقط، وسمع من بعض أصحابه قولهم: "محمد والخميس". قال الحافظ: يحتمل أن يكون بعض أصحابه محمد بن سيرين، فقد أخرجه البخاريّ من طريقه. أو ثابتًا البُنَانيّ، فقد أخرجه مسلم من طريقه انتهى (١) (والْخَمِيسُ) بفتح الخاء المعجمة-: الجيش، وسُمّي خميسًا؛ لأنه خمسة أقسام: مقدّمة، وساقةٌ، وقَلْبٌ، وجناحان. ويقال: مَيمنة، وميسرةٌ، وقلبٌ، وجناحان. وقال ابن سِيدَهْ: لأنه يخمس ما وجده. وتعقّبه الأزهريّ بأن التخميس إنما ثبت بالشرع، وقد كان أهل الجاهليّة يسمّون الجيش خميسًا، ولم يكونوا يعرفون الخمس، فبان أن التسمية الأولى هي الأولى (٢). وقال في "اللسان": و"الخميس": الجيش. وقيل: الجيش الْجَرّار. وقيل: الجيشُ الْخَشِنُ. وقال في "المحكم": الجيش يَخْمِسُ ما وجَدَه، وسمّي بذلك؛ لأنهم خمسُ فِرَق: المقدّمة، والقلب، والميمنة، والميسرة، والساقة، ألا ترى إلى قول الشاعر: قَدْ يَضْرِبُ الْجَيْشَ الْخَمِيسَ الأَزْوَرَا فجعله صفة انتهى (٣). ثم ارتفاع "الخميس" بكونه عطفًا على "محمد"، ويحتمل نصبه على أنه مفعولٌ معه، والواو فيه بمعنى "مع"، أي جاء محمد مع الجيش، كما قال في "الخلاصة": يُنْصَبُ تالِي الْواوِ مَفْعُولًا مَعَهُ … فِي نَحوِ "سِيرِي والطَّرِيقَ مُسْرِعَه" بِمَا مِنَ الْفِعلِ وَشِبْهِهِ سَبَقْ … ذَا النَّصْبُ لَا بِالْوَاوِ فِي الْقَوْلِ الأَحَقُّ (وَأَصَبْنَاهَا عَنْوَةً) -بفتح العين المهملة، وسكون النون -أي قَهْرًا وغَلَبَة، وقيل: أخذه

стр. 14227

عنوةً: أي عن طاعة، وصُلح. قال ابن الأثير: هو من عنا يعنو: إذا ذلّ وخَضَعَ، والعَنْوَةُ: المرّة الواحدة منه، كأن المأخوذ بها يَخْضَعُ ويَذِلُّ (١). وأُخِذت البلاد عَنوَةً بالقهر والإذلال. وقال ابن الأعرابي: عنا يَعنُو: إذا أخذ الشيء قهرًا، وعنا يَعنُو عَنْوةً فيهما: إذا أخذ الشيء صُلحًا بإكرام ورِفْقٍ. والْعَنْوةُ أيضًا المودّةُ. وقال الأزهري: قولهم: أخذتُ الشيءَ عَنْوةً يكون غلبةً، ويكون عن تسليم وطاعةٍ ممن يُؤخذ منه الشيءُ، وأنشد الفراء لِكُثَيِّر [من الطويل]: فَمَا أَخَذُوهَا عَنْوَةً عَنْ مَوَدَّةٍ … وَلَكِنَّ ضَرْبَ الْمَشْرَفِيِّ اسْتَقالَهَا فَهذا على معنى التسليم والطاعة بلا قتال. ذكره ابن منظور (٢). وقال في "الفتح": وقد اختُلف في فتح خيبر، هل كان عنوةً، أو صلحًا، وفي حديث عبد العزيز بن صُهيب، عن أنس ﵁ التصريح بأنه كان عَنوةً، وبه جزم ابن عبد البرّ، وردّ على من قال فُتحت صلحًا، قال: وإنما دخلت الشبهة على من قال: فُتحت صُلحًا بالحصنين اللذين أسلمهما أهلهما لحَقْن دمائهم، وهو ضربٌ من الصلح، لكن لم يقع ذلك إلا بحصار، وقتال. انتهى. قال الحافظ: والذي يظهر أن الشبهة في ذلك قول ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -: إن النبيّ ﷺ قاتل أهل خيبر، فغلب على النخل، وألجأهم إلى القصر، فصالحوه على أن يجلوا منها، وله الصفراء، والبيضاء، والحلقة، ولهم ما حملت ركابهم، على أن لا يكتموا، ولا يُغيّبوا … " الحديث، وفي آخره: "فسبَى نساءهم، وذراريّهم، وقسم أموالهم؛ للنكث الذي نكثوا، وأراد أن يُجليهم، فقالوا: دَعْنَا في هذه الأرض نُصلحها … " الحديث. أخرجه أبو داود، والبيهقيّ، وغيرهما. وكذلك أخرجه أبو الأسود في "المغازي" عن عروة. فعلى هذا كان قد وقع الصلح، ثم حدث النقض منهم، فزال أثر الصلح، ثمّ منّ عليهم بترك القتل، وإبقائهم عُمّالًا بالأرض، ليس لهم فيها ملكٌ، ولذلك أجلاهم عمر ﵁، فلو كانوا صُولحوا على أرضهم لم يُجْلَوا منها. واللَّه أعلم. قال: وقد احتجّ الطحاويّ على أن بعضها فُتح صلحًا بما أخرجه هو وأبو داود من طريق بُشَير بن يسار: "أن النبيّ ﷺ لَمّا قسم خيبر، عزل نصفها لنوائبه، وقسم نصفها

стр. 14228

بين المسلمين"، وهو حديث اختُلف في وصله وإرساله، وهو ظاهر في أن بعضها فُتح صُلحًا. واللَّه أعلم انتهى ما في "الفتح"، بتصرّف يسير (١). وقال ابن المنذر: اختلفوا في فتح خيبر، كانت عنوة، أو صلحًا، أو جلاء أهلها عنها بغير قتال، أو بعضها صلحًا، وبعضها عنوةً، وبعضها جلاء أهلها عنها. قال: وهذا هو الصحيح، وبهذا أيضًا يندفع التضادّ بين الآثار. ذكره العينيّ (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى- من أن بعضها فتح قهرًا، وبعضها فتح صلحًا، وبعضها أجلي أهلها عنها هو الحقّ؛ جمعًا بين الأحاديث، وأما ردّ ابن عبد البرّ بأن أنسًا صرّح بأن خيبر فُتحت عنوةً، فلا وجه له؛ لأن "العنوة" -كما تقدّم في كلام أهل اللغة- تُطلق على القهر والغلبة، وعلى الصلح، من الأضداد، فلا دلالة لها على ما قاله، بل الحقّ أن الآثار المختلفة في هذا الباب تدلّ دلالةً واضحة فيما صححه ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم. (فَجَمَعَ السَّبْيَ) -بفتح، فسكون-: هو في الأصل مصدر، وُصف به، أي القوم الْمَسبِيِّين. قال الفيّوميّ: سَبَيتُ العدوّ سَبْيًا، من باب رمى، والاسم السِّبَاء، وزان كتاب، والقصر لغةٌ، وأسبيتهُ مثله، فالغلام سَبِيٌّ، ومَسْبيٌّ، والجارية سَبِيّةٌ، ومَسْبيّةٌ، وجمعها سَبَايا، مثلُ عطيّة وعطايا، وقَومٌ سَبْيٌ، وَصْفٌ بالمصدر. قال الأصمعيّ: لا يقال للقوم: إلا كذلك. انتهى (٣). (فَجاءَ دِحْيَةُ) -بكسر الدال المهملة، وفتحها- ابن خليفة بن فَرْوة بن فَضالة بن امرئ القيس الكلبيّ، وكان أجمل الناس وجهًا، وكان جبريل ﵇ يأتي النبيّ ﷺ في صورته. قال ابن سعد: أسلم قديمًا، ولم يشهد بدرًا، وشَهِد المشاهد، وبقي إلى خلافة معاوية، وكان رسول النبيّ ﷺ إلى قيصر، قال الواقديّ: لقيه بحمص في المحرّم سنة سبع. وقال بعضهم سكن دمشق، وكان منزله بقرية الْمِزَّة. ومات في خلافة معاوية - رضي اللَّه تعالى عنهما -. (فَقالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَعطِنِي جَارِيةً مِنَ السَّبْي، قَالَ) ﷺ (اذْهَبْ، فَخُذْ جَارِيَةً) قال الكرمانيّ: [فإن قلت]: كيف جاز للرسول ﷺ إعطاؤها لدحية قبل القسمة؟ [قلت]: صَفِيُّ المغنم لرسول اللَّه ﷺ ، فله أن يُعطيه لمن شاء ﷺ . قال العينيّ: هذا غير مقنع؛ لأنه ﷺ قال له ذلك قبل أن يعيّن الصفيّ، وههنا أجوبة جيّدة:

стр. 14229

[الأول]: يجوز أن يكون أذن له في أخذ الجارية على سبيل التنفيل له، إما من أصل الغنيمة، أو من خمس الخمس، سواء كان قبل التمييز، أو بعده. [الثاني]: يجوز أن يكون أذن له على أنه يحسب من الخمس إذا ميز. [الثالث]: يجوز أن يكون أذن له ليقوم عليه بعد ذلك، ويُحسب من سهمه انتهى (١). (فأَخَذَ صَفِيَّةَ) -بفتح الصاد المهملة (بِنْتَ حُيَيِّ) بضمّ الحاء المهملة، وكسرها، وفتح الياء الأولى المخفّفة، وتشديد الثانية- ابن أخطب بن سَعْيَةَ -بفتح السين، وسكون العين المهملتين، وفتح الياء التحتانيّة- ابن سفلة بن ثعلبة، وهي من بنات هارون بن عمران ﵇، وأمها برّة بنت سَمَوأل (٢) وكانت تحت سَلّام بن مشكم القرظيّ، ثم فارقها، فتزوجها كنانة بن الربيع بن أبي الْحُقيق-بضمّ المهملة، وفتح القاف الأولى- النَّضِيريّ، فقتل عنها يوم خيبر (٣). قال الواقديّ: ماتت في خلافة معاوية ﵁ سنة خمسين. وقال غيره: ماتت في خلافة عليّ ﵁ سنة ستّ وثلاثين، ودُفنت بالبقيع. (فَجَاءَ رَجُلٌ) لم يعرف اسمه (إِلَى النبيّ ﷺ ، فَقالَ: يَا نَبِي اللَّهِ، أَعْطَيْتَ دِحْيَةَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ، سَيِّدَةَ قُرَيْظَةَ) -بضم القاف، وفتح الراء، مصغّرًا (والنَّضِيرِ) بفتح النون، وكسر الضاد- قبيلتان عظيمتان من يهود خيبر، وقد دخلوا في العرب على نسبهم إلى هارون ﵇ (ما تَصْلُحُ) -بفتح اللام، وضمّها، يقال: صَلَحَ الشيءُ صُلُوحًا، من باب قَعَدَ، وصلاحًا أيضًا، وصَلُحَ بالضمّ لغةٌ، وهو خلاف فسَدَ، وصَلَحَ يَصلَح، بالفتح فيهما، من باب نفع لغة ثالثة. أفاده الفيّوميّ (إِلَّا لَكَ، قَالَ) ﷺ (ادْعُوهُ بِهَا) أي ادعو دحية مع صفيّة، فالباء بمعنى "مع"، أو المعنى ادعوه يأتي بها، ويؤيّده قوله (فَجَاءَ بِهَا) معطوف على محذوف، أي فدُعي، فجاء بصفيّة (فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ قالَ: "خُذْ جارَيةً مِنَ السَّبْي غَيْرَها") أي غير صفيّة - رضي اللَّه تعالى عنها -. قال الكرمانيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: [فإن قلت]: لَمّا وهبها لدحية، فكيف رجع عنها؟ [قلت]: إما لأنه لم يتمّ عقد الهبة بعدُ، وإما لأنه أبو المؤمنين، وللوالد أن يرجع عن هبته للولد، وإما لأنه اشتراها منه انتهى. قال العينيّ -رحمه اللَّه تعالى-: أجاب الكرمانيّ بثلاثة أجوبة: الأول فيه نظر؛ لأنه لم يجر عقد هبته حتى يقال: إنه رجع عنها، وإنما أعطاها إياه بوجه من الوجوه التي

стр. 14230

ذكرناها عن قريب. الثاني فيه نظرٌ أيضًا؛ لأنه لا يمشي ما ذكره في مذهب غيره. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: مذهبه هو الصحيح في مسألة جواز رجوع الوالد فيما وهبه لولده؛ لصحة الأحاديث بذلك، كما سيأتي في محلّه إن شاء اللَّه تعالى. قال: الثالث ذكر أنه اشتراها منه، أي من دحية، ولم يجر بينهما عقد بيع أوّلًا، فكيف اشتراها منه بعد ذلك. [فإن قلت]: وقع في رواية مسلم أن النبيّ ﷺ اشترى صفيّة منه بسبعة أرؤس. [قلت]: إطلاق الشراء على ذلك على سبيل المجاز؛ لأنه لما أخذها منه على الوجه الذي نذكره الآن، وعوّضه عنها بسبعة أرؤس على سبيل التكرّم والفضل أطلق الراوي الشراء عليه لوجود معنى المبادلة فيه. وأما وجه الأخذ فهو أنه لما قيل له: إنها لا تصلح له من حيث إنها من بيت النبوّة، فإنها من ولد هارون أخي موسى - عليهما الصلاة والسلام -، ومن بيت الرياسة، فإنها من بيت سيّد قُريظة والنضير، مع ما كانت عليه من الجمال الباعث على كثرة النكاح المؤدّية إلى كثرة النسل، وإلى جمال الولد، لا للشهوة النفسانيّة، فإنه ﷺ معصومٌ منها. وعن المازريّ: يُحمل ما جرى مع دحية على وجهين: أحدهما: أن يكون ردّ الجارية برضاه، وأذن له في غيرها. الثاني: أنه إنما أذن له في جارية من حشو السبي، لا في أخذ أفضلهنّ، ولَمّا رأى أنه أخذ أَنْفَسَهنّ، وأجودهنّ نسبًا وشرفًا وجمالًا استرجعها؛ لئلّا يتميّز دحية بها على باقي الجيش، مع أن فيهم من هو أفضل منه، فقطع هذه المفاسد، وعوّضه عنها. وفي سيرة الواقديّ: أنه ﷺ أعطاه أخت كنانة بن الربيع ابن أبي الحُقَيق، وكان كنانة زوج صفيّة، فكأنه ﷺ طيب خاطره لما استرجع منه صفيّة بأن أعطاه أخت زوجها. وقال القاضي عياضٌ: الأولى عندي أن صفيّة كانت فيئًا؛ لأنها كانت زوجة كنانة بن الربيع، وهو وأهله من بني الحقيق، كانوا صالحوا رسول اللَّه ﷺ ، وشَرَط عليهم أن لا يكتموا كنزًا، فإن كتموه، فلا ذمّة لهم، وسألهم عن كنز حييّ ابن أخطب، فكتموه، فقالوا: أذهبته النفقات، ثم عثر عليه عندهم، فانتقض عهدهم، فسباهم، وصفيّة من سبيهم، فهي فيء، لا يُخمس، بل يفعل فيه الإمام ما رأى. قال العينيّ: هذا يتفرّع على مذهبه أن الفيء لا يُخمس، ومذهب غيره أنه يخمس. انتهى (١). وقال أبو العباس القرطبيّ -بعد ذكر نحو ما تقدّم-: وحَذَارِ من أن يَظُنّ جاهل

стр. 14231

برسول اللَّه ﷺ أن الذي حمله على ذلك غلبة الشهوة النفسانيّة، وإيثار اللذّة الجسمانيّة، فإن ذلك اعتقادٌ يجرّه جهل بحال النبيّ ﷺ ، وبأنه معصوم من مثل ذلك، إذ قد أعانه اللَّه تعالى على شيطانه، فأسلم، فلا يأمره إلا بخير، وقد نزع اللَّه من قلبه حظّ الشيطان، حيث شقّ قلبه، فأخرجه منه، وطهّره، وملأه حكمة وإيمانًا، وإنما الباعث له على اختيار ما اختاره من أزواجه ما ذكرتُ لك، وما في معناه. انتهى (١). (قالَ: وإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ ، أَعْتَقَهَا) أي فأعتق النبيّ ﷺ صفيّة - رضي اللَّه تعالى عنها - (وَتَزَوّجَها، فَقَالَ لَهُ ثابِتٌ) أي البنانيّ الراوي عن أنس ﵁ (يَا أَبَا حَمْزَةَ) كنية أنس ﵁ (مَا أَصْدَقَهَا) "ما" استفهاميّة، أي أيَّ شيء أعطاها مهرًا في زواجها (قالَ:) أنس ﵁ (نَفْسَها) بالنصب مفعولًا لفعل مقدّر دلّ عليه السؤال: أي أصدقها نفسها (أَعْتَقَها) جملة في محلّ نصب على الحال (وَتَزَوَّجَها، قَالَ) أنسٌ ﵁ (حَتَّى إِذَا كَانَ بِالطَّرِيقِ) وفي رواية في "الصحيح": "فخرج بها حتى إذا بلغ سدّ الرَّوْحاء" و"السدّ" بفتح السين وضمّها، وهو جبل الرَّوحاء، وهي قرية جامعة من عمل الْفُرْع لمزينة، على نحو أربعين ميلًا من المدينة، أو نحوها. و"الرَّوحاء" بفتح الراء، والحاء المهملة ممدود. وفي رواية: "أقام عليها بطريق خيبر ثلاثة أيام حين أعرس بها، وكانت فيمن ضرب عليها الحجاب". وفي رواية: "أقام بين خيبر والمدينة ثلاثة أيام، فبنى بصفيّة" (جَهَّرَتْهَا لَهُ أُمُّ سُلَيْمٍ) أي هيّئتها، وأصلحتها لأجل النبيّ ﷺ . وأم سليم بنت مِلْحان هي والدة أنس - رضي اللَّه تعالى عنهما - (فأَهْدَتْهَا إِلَيْهِ مِنَ اللَّيْلِ) أي زَفّت أم سليم صفيّة إلى النبيّ ﷺ . وفي رواية "فهدتها له"، قيل: هو الصواب. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: بل الصواب جواز الوجهين، فقد قال الفيّوميّ: وهَدَيتُ الْعَرُوس إلى بَعْلها هِداءً بالكسر والمدّ، فهي هَدِيٌّ، وهَدِيّةٌ، ويُبْنَى للمفعول، فيقال: هُدِيَتْ فهي مَهْديّةٌ، وأهديتها بالألف لغة قيس عَيْلَانَ فهي مُهْدَاةٌ انتهى (٢). (فَأَصْبَحَ عَرُوسًا) -بفتح العين المهملة، على وزن فَعُول- يستوي فيه الرجل والمرأة ما داما في إعراسهما، يقال: رجل عَرُوس، وامرأةٌ عَرُوس، وجمع الرجل عُرُسٌ، والمرأة عَرَائس، وفي المَثَل: كاد العَرُوس أن يكون مَلِكًا. وقول العامّة: العَرُوس للمرأة، والْعَرِيس للرجل ليس له أصل. قاله العينيّ (٣). (قالَ) ﷺ (مَنْ كانَ عِنْدَهُ شَيءٌ، فَليَجِئْ بِهِ) كذا في رواية البخاريّ، قال النوويّ:

стр. 14232

وهو رواية، وفي بعضها: "فليجئني به" بنون الوقاية (قَالَ: وَبَسَطَ) بفتح السين المهملة، من باب نصر (نِطَعًا) قال الفيّوميّ: "النَّطْعُ: المتخذ من الأديم معروفٌ، وفيه أربع لغات: فتح النون، وكسرها، ومع كلّ واحد فتح الطاء، وسكونها، والجمعُ أَنْطَاعٌ، ونُطُوعٌ انتهى. وقال السيوطيّ في "شرحه": فيه أربع لغات مشهورات: فتح النون، وكسرها، مع فتح الطاء، وإسكانها، أفصحهنّ كسر النون، وفتح الطاء. (فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالأَقِطِ) قال الأزهريّ: "الأقط": ما يُتَّخذُ من اللبن الْمَخِيض يُطْبَخ، ثمّ يُتْرَك حتى يَمْصُل (١)، وهو -بفتح الهمزة، وكسر القاف، وقد يُسَكَّنُ القاف للتخفيف، مع فتح الهمزة، وكسرها، مثلَ تخفيف كَبِدٍ. قاله الصغانيّ عن الفرّاء انتهى (وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالتَّمْرِ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالَسَّمْنِ، فَحاسُوا حَيْسَة) أي خلطوا بين كلّها، وجعلوه طعاما واحدًا. و"الْحَيْسُ" -بفتح الحاء المهملة، وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره سين مهملة-: هو تمرٌ يُخلَط بسمن وأقط، يقال: حاس الحيس يَحِيسه: أي يخلطه. وقال ابن سيده: الْحَيْسُ هو الأَقِطُ يُخلَط بالسمن والتمر، وحاس حَيْسًا وحَيْسَةً: خَلَطَه، قال الشاعر [من الكامل]: وَإِذَا تَكُونُ كَرِيهَةٌ أُدْعَى لَهَا … وَإِذَا يُحاسُ الْحَيْسُ يُدْعَى جُنْدَبُ قال الجوهريّ: الحَيْسُ: الخَلْطُ، ومنه سُمّي الحيس، وفي "المخصّص" قال الشاعر: التَّمْرُ والسَّمْنُ جَميعًا والأَقِط … الْحَيْسُ إِلَّا أنَّهُ لَمْ يَخْتَلِطْ وفي الغريبين: هو ثريد من أخلاط. قال الفارسيّ في "مجمع الغرائب": اللَّه أعلم بصحته (٢). (فَكَانَتْ وَلِيمَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) اسم "كانت" الضمير الذي فيه يرجع إلى الأشياء الثلاثة التي اتّخذ منها الحيس، و"وليمةَ" بالنصب خبرها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، ونعم الوكيل. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى)؛ في درجته: حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.

стр. 14233

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٧٩/ ٣٣٨١ و ٣٣٨٢ و ٣٣٨٣ وفي "الطهارة" ٥٥/ ٦٩ و"الصيد والذبائح" ٣١/ ٤٣٤١ - و"الكبرى" ٩٤/ ٥٥٧٦ و ٥٥٧٧ و ٤٥/ ٦٤. وأخرجه (خ) في "الجهاد" ٢٩٩١ و"المغازي" ٤١٩٨ و ٤١٩٩ و"الذبائح والصيد" ٢٥٥٢٨ (م) في "الذبائح والصيد" ١٩٤٠ (ق) في "الذبائح" ٣١٩٦ (أحمد) في "مسند المكثرين" ١٦٧٦ و ١١٧٣٠ و ١١٨٠٧ و ١٢٢٦٠ (الدارمي) في "الأضاحيّ" ١٩٩١. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو مشروعيّة البناء في السفر. (ومنها): جواز إطلاق صلاة الغداة على صلاة الصبح؛ خلافًا لمن كره ذلك. (ومنها): جواز الإرداف، إذا كانت الدّابّة مُطيقةً، وقد ورد فيه غير حديث. (ومنها): استحباب التكبير والذكر عند الحرب، وهو موافقٌ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ الآية [الأنفال: ٤٥]. (ومنها): استحباب التثليث في التكبير؛ لقوله: "قالها ثلاثًا". (ومنها): أن فيه دلالةً على أن الفخذ ليس بعورة، وقد تقدّمت مباحثه في "كتاب الصلاة". (ومنها): مشروعيّة إجراء الخيل، وأنه لا يُخلّ بمراتب الكبار، لا سيّما عند الحاجة، أو لرياضة الدّابة، أو لتدريب النفس على القتال. (ومنها): استحباب عتق الأمة، وتزوّجها، وقد تقدّمت مباحثه مستوفاة في -٦٥/ ٣٣٤٥ - باب "عتق الرجل جاريته، ثم يتزوّجها". (ومنها): مشروعيّة زفاف العروس ليلا. (ومنها): أن فيه مطلوبية وليمة العرس، وكونها بعد الدخول، وقدم البحث عنه قريبًا. (ومنها): أن فيه إدلال الكبير على أصحابه، وطلب الطعام منهم في نحو هذا. (ومنها): أنه يستحبّ لأصحاب الزوج، وجيرانه مساعدته في الوليمة بما يتيسّر لهم من الطعام وغيره. (ومنها): أن الوليمة تكون بما تيسّر، ولا يُشترط كونها شاة، بل ذلك لمن تيسّر له. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٣٨٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ, عَنْ يَحْيَى, عَنْ حُمَيْدٍ, أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا, يَقُولُ: "إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , أَقَامَ عَلَى صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ, بِطَرِيقِ خَيْبَرَ, ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ, حِينَ عَرَّسَ بِهَا, ثُمَّ كَانَتْ فِيمَنْ ضُرِبَ عَلَيْهَا الْحِجَابُ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن نصر" الفرّاء النيسابوريّ، ثقة [١١] ٨/ ٣٢٢٤ من أفراد المصنّف، والباقون كلهم رجال الصحيح. و"أيوب بن سليمان": هو

стр. 14234

ولد سليمان بن بلال شيخ أبي بكر في هذا السند، ثقة [٩] ٣٠/ ٥٥٨. و"أبو بكر بن أبي أويس": هو عبد الحميد بن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أُويس الأصبحيّ المدنيّ، ثقة [٩] ٣٠/ ٥٥٨. "وسليمان بن بلال": هو القرشيّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب المدنيّ، ثقة [٨] ٣٠/ ٥٥٨. و"يحيى": هو ابن سعيد الأنصاريّ المدنيّ الثقة الفقيه. و"حميد": هو ابن أبي حميد الطويل البصريّ الثقة العابد. وقوله: "أقام على صفيّة بنت حُيي الخ" وفي رواية البخاريّ: " أقام على صفيّة بنت حيي بطريق خيبر ثلاثة أيام حتى أعرس بها". قال في "الفتح": المراد أنه أقام في المنزلة التي أعرس فيها ثلاثة أيام، لا أنه سار ثلاثة أيام، ثم أعرس؛ لأن في حديث سُويد بن النعمان المذكور في أول غزوة خيبر أن الصهباء قريبة من خيبر، وبيّنَ ابن سعد في حديثٍ ذَكَرَهُ في ترجمتها أن الموضع الذي بني بها فيه بينه وبين خيبر ستة أميال. وقد ذكر في الطريق التي قبل هذه أنه ﷺ أعرس بصفية بسدّ الصهباء، وهو يبيّن المراد من قوله: "بطريق خيبر"، وكذا قوله في الطريق الثالثة: "أقام بين خَيْبَرَ والمدينة ثلاث ليال"، ولا مغايرة بينه وبين قوله في التي قبلها ثلاثة أيام لأنه يبيّن أنها ثلاثة أيام بليالها انتهى (١). وقوله: "حين عرّس بها" هكذا نسخ "المجتبى"، و"الكبرى" "عرّس" من التعريس، والمشهور في كتب اللغة: " أعرس بالمرأة" بالألف: إذا دخل بها، و"عرّس بالمكان" - بالتشديد-: إذا نزل به آخر الليل. قال الفيّوميّ: وأعرس بامرأته بالألف: دخل بها، وأعرس: عَمِلَ عُرْسًا، وأما عَرَّسَ بامرأته بالتثقيل على معنى الدخول، فقالوا: هو خطأٌ، وإنما يقال: عَرَّسَ: إذا نزل المسافر؛ ليستريح نَزْلةً، ثم يرتحل، قال أبو زيد، وقالوا: عَرَّسَ القوم في المنزل تعريسًا: إذا نزلوا أيَّ وقت كان من ليل، أو نهار، فالإعراس دخول الرجل بامرأته، والتعريس نُزول المسافر ليستريح انتهى (٢). وقوله: "صفيّة بنت حُيَيّ" قال النوويّ: والصحيح أن هذا كان اسمها قبل السبي. وكان اسمها زينب، فسمّيت بعد السبي، والاصطفاء صفيّة. وحُييّ بضمّ الحاء، وكسرها. والحديث متْفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 14235

٣٣٨٣ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ, قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ, عَنْ أَنَسٍ, قَالَ: "أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ , بَيْنَ خَيْبَرَ وَالْمَدِينَةِ ثَلَاثًا, يَبْنِي (١) بِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُييٍّ, فَدَعَوْتُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى وَلِيمَتِهِ, فَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خُبْزٍ, وَلَا لَحْمٍ, أَمَرَ بِالأَنْطَاعِ, وَأَلْقَى عَلَيْهَا مِنَ التَّمْرِ, وَالأَقِطِ, وَالسَّمْنِ, فَكَانَتْ وَلِيِمَتَهُ, فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ, أَوْ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ, فَقَالُوا: إِنْ حَجَبَهَا فَهِيَ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ, وَإِنْ لَمْ يَحْجُبْهَا فَهِيَ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ, فَلَمَّا ارْتَحَلَ وَطَّأَ لَهَا خَلْفَهُ, وَمَدَّ الْحِجَابَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاسِ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "إسماعيل": هو ابن أبي كثير المدنيّ. والإسناد من رباعيات المصنّف، وهو (١٧٥) من رباعيات الكتاب. وقوله: "إن حجبها فهي من أمهات المؤمنين الخ" قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: استدلّت به المالكيّة، ومن وافقهم على أنه يصحّ النكاح بغير شهود، إذا أُعلن؛ لأنه لو أشهد لم يخف عليهم. وهذا مذهب جماعة من الصحابة، والتابعين، وهو مذهب الزهريّ، ومالك، وأهل المدينة، شرطوا الإعلان، دون الشهادة. وقال جماعة من الصحابة، ومن بعدهم: تشرط الشهادة، دون الإعلان، وهو مذهب الأوزاعيّ، والثوريّ، والشافعيّ، وأبي حنيفة، وأحمد، وغيرهم، وكلّ هؤلاء يشترطون شهادة عدلين، إلا أبا حنيفة، فقال: ينعقد بشهادة فاسقين، وأجمعت الأمة على أنه لو عقد سرًّا، بغير شهود لم ينعقد، وإما إذا عقد سرًّا بشهادة عدلين، فهو صحيح عند الجماهير. وقال مالك: لا يصحّ. واللَّه أعلم انتهى كلام النوويّ (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد سبق تحقيق القول في المسألة، وأن الصحيح قول من قال بوجوب الإعلان؛ لصحّة الأدلّة على ذلك. واللَّه تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وسبق الكلام عليه قريبًا واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 14236

٨٠ - (اللَّهْوُ وَالْغِناءُ عِنْدَ الْعُرْسِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "اللَّهو": معروف، يقول أهل نَجْد: لَهَوتُ عنه أَلهُو لُهِيًّا، والأصل على فُعُولٍ، من باب قَعَدَ، وأهل العالية: لَهِيتُ عنه أَلْهَى، من باب تَعِبَ، ومعناه السُّلوان والتَّركُ، ولَهَوْتُ به لَهْوًا، من باب قَتَلَ: أُولِعْتُ به، وتلهّيتُ به أيضًا. قال الطُّرطُوشيُّ، وأصل اللَّهو: الترويح عن النفس بما لا تقتضيه الحكمة. قاله الفيّوميّ. و"الغِنَاء": بكسر المعجمة، وزان كتاب: الصوت، وقياسه الضمّ؛ لأنه صوت. قاله الفيّوميّ أيضًا. وقال في "اللسان": "الغِناء، من الصوت: ما طُرِّب به، قال حُميد ابن ثور [من الطويل]: عَجِبْتُ لَهَا أَنَّى يَكُونُ غِنَاؤُها … فَصِيحًا وَلَمْ تَفْغَرْ بِمَنْطِقِهَا فَمَا (١) و"العُرْسُ" -بضمّ، فسكون، أو بضمّتين-: مِهْنَةُ الإملاك، والبناء. وقيل: طعامه خاصّةٌ، أُنثى، تؤنّثها العرب، وقد تُذَكَّرُ، قال الراجز: إِنَّا وَجَدْنَا عُرُسَ الْحَنَّاطِ لَئِيمَةً مَذْمُومَةَ الْحُوَّاطِ نُدْعَى مَعَ النَّسَّاج وَالْخَيَّاطِ وتصغيرها بغير هاء، وهو نادرٌ؛ لأن حقّه الهاء، إذ هَو مؤنّثٌ على ثلاثة أحرف. قاله في "اللسان" (٢). واللَّه تعال أعلم بالصواب. ٣٣٨٤ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ, عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ, قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى قَرَظَةَ بْنِ كَعْبٍ, وَأَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ, فِي عُرْسٍ, وَإِذَا جَوَارٍ يُغَنِّينَ, فَقُلْتُ: أَنْتُمَا صَاحِبَا رَسُولِ اللهِ ﷺ , وَمِنْ أَهْلِ بَدْرٍ, يُفْعَلُ هَذَا عِنْدَكُمْ, فَقَالَا: اجْلِسْ إِنْ شِئْتَ, فَاسْمَعْ مَعَنَا, وَإِنْ شِئْتَ اذْهَبْ, قَدْ رُخِّصَ لَنَا فِي اللَّهْوِ عِنْدَ الْعُرْسِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عليّ بن حُجر) السّعْديّ المروزيّ، ثقة حافظ، من صغار [٩] ١٣/ ١٣. ٢ - (شريك) بن عبد اللَّه النخعيّ القاضي بالواسطة، ثم الكوفة، أبو عبد اللَّه الكوفي، صدوق يخطئ كثيرًا، تغيّر حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلا فاضلًا عابدًا شديدًا على أهل البدع [٨] ٢٥/ ٢٩.

стр. 14237

٣ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد اللَّه بن السبيعيّ الكوفيّ، ثقة عابد، اختلط بآخره [٣] ٣٨/ ٤٢. ٤ - (عامر بن سعد) البجليّ، مقبول [٣] ٥٠/ ١٩٣٣. ٥ - (قَرَظَةَ بْنِ كَعْب) -بفتح القاف، والراء- ابن ثعلبة بن عمرو بن كعب بن الإطنابة الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو عمرو، حليف بني عبد الأشهل، وشهد أحدًا، وما بعدها، وهو أحد العشرة الذين وَجَّهَهم عمر إلى الكوفة من الأنصار، وعلى يده كان فتحُ الرّيّ، وولّاه عليّ الكوفة، وتُوفّي بها في ولايته، وقيل: في إمرة المغيرة بن شعبة. روى عن النبيّ ﷺ ، وعن عمر بن الخطّاب. وعنه الشعبيّ، وعامر بن سعد البَجَليّ. انفرد به المصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط، وعند ابن ماجه حديث عمر ﵁: "إنكم تَقدَمُون على قوم القرآن في صدورهم … " الحديث. ٦ - (أبو مسعود الأنصاريّ) عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاريّ البدريّ الصحابيّ الشهير، مات قبل الأربعين، وقيل: بعدها، تقدّم في ٦/ ٤٩٤. واللَّه تعالى أعلم لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير قرظة بن كعب، فقد تفرّد به المصنّف وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عامِرِ بْنِ سَعْدٍ) البَجَليّ، أنه (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى قَرَظَةَ) -بفتحات- (ابن كَعْب) الأنصاريّ الخزرجيّ (وَأَبِي مَسْعُودِ الأنْصَارِيِّ) عقبة بن عمرو الأنصاريّ البدريّ ﵁ (فِي عُرْس) تقدّم أنه اسم للإملاك، والبناء، أو للطعام المصنوع له (وإِذَا) هي "إذا" الفُجائية، أي ففاجأني وجود (جَوَار) جمع جارية، وهي الإماء، وفي نسخة: "جواري" بإثبات الياء، والأول هو الموافق للقاعدة؛ لأن الياء تحذف لالتقائها مع التنوين. وأصل الجارية هي السفينة، سمّيت به لجريها في البحر، ثم سميت به الأمة؛ على التشبيه بها؛ لجريها مُستسخَرَةٌ في أَشْغال مواليها، والأصل فيها الشّابّةُ؛ لخفّتها، ثم توسّعوا حتى سَمُّوا كلّ أمة جاريةً، وإن كانت عجوزًا لا تقدر على السعي؛ تسميةً بما كانت عليه. أفاده الفيّوميّ (١) (يُغَنِّينَ) جملة في محلّ رفع صفة لـ" جوار"، وتقدّم قريبًا معنى الغِناء (فَقُلْتُ: أَنْتُمَا صَاحِبَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَمِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، يُفْعَلُ هَذَا عِنْدَكُمْ)

стр. 14238

بتقدير الاستفهام، أي أيُفعل هذا الفعل بحضوركم، إنما قال ذلك، على سبيل الاستغراب، والتعجب؛ لظنّه غِناء الجواري من المنكرات، وأن مقامَهُما يَجِلّ عن إقرار مثل ذلك (فَقالَا) وفي بعض النسخ: "فقال" بالإفراد، أي قال كلّ واحد منهما (اجْلِسْ إِنْ شِئتَ، فاسْمَعْ مَعَنَا، وَإِنْ شِئْتَ اذْهَبْ، قَدْ رُخِّصَ لَنَا فِي اللَّهْوِ عِنْدَ العُرْسِ) - بضمّتين، أو بضمّ، فسكون- تقدّم معناه قريبًا. حاصل جوابهما أن هذا ليس من الغناء المحرم، بل هو رُخّص في مثل هذه المناسبة، حيث يُطلب إشهار النكاح، وإعلانه؛ تمييزًا بينه، وبين السّفاح، فلا ينبغي أن تنكر علينا، بل إن أعجبك، فاجلس معنا، واستمع، وإلا فاذهب حيث شئت. وهذا الحديث، وأمثاله يُبيّن المراد من الصوت الوارد عند النكاح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث قَرَظة بن كعب، وأبي مسعود - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا حديث حسنٌ. (المسألة الثانية): في حكم الغناء عند العُرْس: أخرج البخاريّ في "صحيحه"، فقال: ٥١٦٣ - حدثنا الفضل بن يعقوب، حدثنا محمد بن سابق، حدثنا إسرائيل، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أنها زَفَّت امرأةً إلى رجل من الأنصار، فقال نبي اللَّه ﷺ : "يا عائشة، ما كان معكم لهو، فإن الأنصار يعجبهم اللَّهو". قال في "الفتح": في رواية شريك: فقال: "فهل بعثتم معها جاريةً، تضرب بالدفّ، وتُغنّي؟ "، قلت: تقول: ماذا؟ قال: تقول: أتيناكُم أتيناكُمْ … فَحَيَّانَا وَحَيَّاكُمْ وَلَوْلا الذَّهَبُ الأَحْمَـ … ـرُ ما حَلَّتْ بِوَادِيكُمْ وَلَوْلا الحِنطَةُ السَّمرا … ءُ ما سَمِنَت عَذَارِيكُمْ قال: وللطبرانيّ من حديث السائب بن يزيد، عن النبيّ ﷺ ، وقيل له: أترخّص في هذا؟ قال: "نعم، إنه نكاح لا سفاح، أشيدوا النكاح". وفي حديث عبد اللَّه بن الزبير عند أحمد، وصححه ابن حبان، والحاكم: "أعلنوا النكاح"، زاد الترمذيّ، وابن ماجه من حديث عائشة: "واضربوا عليه بالدّفّ"، وسنده ضعيف. ولأحمد، والترمذيّ، والنسائيّ من حديث محمد بن حاطب: "فصل ما بين الحلال والحرام الضرب بالدفّ". واستدلّ

стр. 14239

بقوله: "واضربوا" على أن ذلك لا يختصّ بالنساء، لكنه ضعيف، والأحاديث القوية فيها الإذن في ذلك للنساء، فلا يلتحق بهنّ الرجال؛ لعموم النهي عن التشبّه بهنّ انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر لي أن ما دلّ عليه حديث الباب، وهو جواز الغناء في العرس، وجواز استماع الرجال إليه هو الحقّ؛ وقد ثبت تخصيص بعض الحالات بجواز الغناء فيها: منها: العرس، وأدلتها الأحاديث المذكورة آنفًا. (ومنها): قدوم الغائب؛ لما أخرجه أحمد، في "مسنده"، والترمذيّ، واللفظ له، من طريق عبد اللَّه بن بريدة، قال: سمعت بريدة، يقول: خرج رسول اللَّه ﷺ في بعض مغازيه، فلما انصرف جاءت جارية سوداء، فقالت: يا رسول اللَّه، إني كنت نذرت إن ردك اللَّه سالما، أن أضرب بين يديك بالدفّ، وأتغنّى، فقال لها رسول اللَّه ﷺ : "إن كنت نذرت فاضربي، وإلا فلا"، فجعلت تضرب، فدخل أبو بكر، وهي تضرب، ثم دخل علي، وهي تضرب، ثم دخل عثمان، وهي تضرب، ثم دخل عمر، فألقت الدفّ تحت اسْتِهَا، ثم قعدت عليه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن الشيطان، ليخاف منك يا عمر، إني كنت جالسا، وهي تضرب، فدخل أبو بكر، وهي تضرب، ثم دخل علي، وهي تضرب، ثم دخل عثمان، وهي تضرب، فلما دخلت أنت يا عمر، ألقت الدفّ". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب، من حديث بريدة، وفي الباب عن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وعائشة. قال الشوكانيّ (٢): وقد استدلّ المصنّف -يعني صاحب "المتنقى" - بحديث الباب على جواز ما دلّ عليه الحديث عند القدوم من الغيبة، والقائلون بالتحريم يخصّون مثل ذلك من عموم الأدلّة الدّالة على المنع. وأما المجوّزون، فيستدلّون به على مطلق الجواز لما سلف، وقد دلّت الأدلّة على أنه لا نذر في معصية اللَّه، فالإذن منه ﷺ لهذه المرأة بالضرب يدلّ على أن ما فعلته ليس بمعصية في مثل ذلك الموطن، وفي بعض ألفاظ الحديث أنه قال لها: "أوف بنذرك". (ومنها): ما ورد في الأعياد؛ لحديث عائشة ﵂، قالت: دخل أبو بكر، وعندي جاريتان، من جواري الأنصار، تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بُعاث، قالت: وليستا بمغنيتين، فقال أبو بكر: أمزامير الشيطان، في بيت رسول اللَّه ﷺ ؟، وذلك في يوم عيد، فقال رسول اللَّه ﷺ : "يا أبا بكر، إن لكلّ قوم عيدا، وهذا عيدنا". متّفقٌ

стр. 14240

عليه، وتقدّم للمصنّف في "كتاب العيدين" برقم -١٥٩٣. والحاصل أن ما ورد في هذه النصوص مخصوص من تحريم الغناء. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنبب ". … ٨١ - (جَهَازُ الرَّجُلِ ابْنَتَهُ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الجهاز" -بفتح الجيم، كما قرأ به السبعة في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ الآية [يوسف: ٧٠]، والكسر لغة قليلة: وهو أُهْبة المرأة، وما تحتاج إليه عند زفافها إلى زوجها. وقال في "اللسان": جَهاز العروس والميت -بالفتح-، وجِهازهما -بالكسر-: ما يحتاجان إليه، وكذلك جهاز المسافر يُفتح، ويكسر. قال: وتجهيز المغازي تحميله، وإعداد ما يَحتاج إليه في غزوه، ومنه تجهيز العروس، وتجهيز الميت. وجهّزتُ القوم تجهيزًا: إذا تكلّفت لهم بجهازهم للسفر. وقال الليث: وسمعت أهل البصرة يُخطّئون الجهاز بالكسر. قال الأزهريّ: والقرّاء كلهم على فتح الجيم في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ [يوسف: ٥٩]. قال: والجِهاز بالكسر لغة رديئةٌ، قال عمر بن عبد العزيز [من البسيط]: تَجَهَّزِي بِجِهازٍ تَبْلُغِينَ بِهِ … يَا نَفْسُ قَبْلَ الرَّدَى لَمْ تُخْلَقِي عَبَثًا (١) وكان الأولى للمصنّف أن يعبّر بلفظ "تجهيز الرجل ابنته"، فيكون من إضافة المصدر إلى فاعله، ونصب مفعوله؛ لأن "الجهاز" -كما عرفت- الشيءُ الذي تُجهّز به المرأة، وليس مصدرًا، حتى يرفع الفاعل، وينصب المفعول، فتأمّل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٣٨٥ - (أَخْبَرَنَا نُصَيْرُ بْنُ الْفَرَجِ (٢) , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ, عَنْ زَائِدَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَلِيٍّ ﵁, قَالَ: "جَهَّزَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَاطِمَةَ, فِي خَمِيلٍ, وَقِرْبَةٍ, وَوِسَادَةٍ, حَشْوُهَا إِذْخِرٌ").

стр. 14241

رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (نُصير بن الفرج) الأسلميّ، أبو حمزة الثَّغْريّ (١) خادم أبي معاوية [١١] ١٢٠/ ١٦٩ من أفراد المصنّف، وأبي داود. ٢ - (أبو أسامة) حماد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت، ربّما دلّس، من كبار [٩] ٤٤/ ٥٢. ٣ - (زائدة) بن قُدامة، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقة ثبت سنّيّ [٧] ٧٤/ ٩١. ٤ - (عطاء بن السائب) أبو محمد، أو أبو السائب الثقفيّ الكوفيّ، صدوق اختلط [٥] ١٥٢/ ٢٤٣. ٥ - (أبوه) السائب بن مالك، أو ابن يزيد الكوفيّ، ثقة [٢] ٦٢/ ١٣٠٥. ٦ - (عليّ) بن أبي طالب - رضي اللَّه تعالى عنه - ٧٤/ ٩١ واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات، وعطاء، وإن كان ممن اختلط لكن زائدة ممن روى عنه قبل اختلاطه. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَليٍّ ﵁) أنه (قَالَ: "جَهَّزَ) بتشديد الهاء: أي هيّأ لها ما تحتاج إليه عند دخولها على زوجها (رَسُولُ اللهِ ﷺ فَاطِمَةَ) الزَّهْراء، بنته ﷺ ، أم الحسنين، سيّدة نساء الجنة إلا مريم ﵍، تزوّجها عليّ ﵁ في السنة الثانية من الهجرة، وماتت - رضي اللَّه تعالى عنها - بعد النبيّ ﷺ بستة أشهر، وقد جاوزت العشرين بقليل (فِي خَمِيل) -بفتح الخاء المعجمة، بوزن كريم-: هي القطيفة، وهي كلّ ثوب، له خَمْلٌ (٢)، من أيّ شيء كان (وَقِرْبَةٍ) -بكسر القاف، وسكون الراء- قال الفيّوميّ: الْقِرْبة بالكسر معروفة، والجمع قِرَب، مثلُ سِدْره وسِدَر انتهى. وقال في "اللسان": والقِرْبة من الأساقي، قال ابن سيده: القِرْبة: الْوَطْبُ من اللَّبَن، وقد تكون للماء. وقيل: هي

стр. 14242

الْمَخْروزة من جانب واحد، والجمع في أدنى العدد قِرْبات -بسكون الراء-، وقِرِبات- بكسرها- وقِرَبات -بفتحها-، وفي الكثرة قِرَبٌ انتهى (وَوِسادَةٍ) -بكسر الواو-: الْمِخَدَّةُ، جمعها وِسَادات، ووَسائد. والْوِسَاد بغير هاء كلُّ ما يُتوسّد به من قُمَاش، وتُراب، وغير ذلك، والجمع وُسُدٌ، مثلُ كتاب وكُتُبٍ. ويقال: الوساد لغةٌ في الوسادة. قاله الفيّوميّ (حَشْوُها) بفتح الحاء المهملة، وسكون الشين المعجمة: اسم للشيء الذي تُملأ به الوسادة، قال في "اللسان": حَشا الوسادة، والفراش، وغيرهما يَحْشُوها حَشْوًا: ملأها، واسم ذلك الشيء الْحَشوُ على لفظ المصدر انتهى. (إِذْخِرٌ) - بكسر الهمزة، وسكون الذال المعجمة، وكسر الخاء المعجمة، آخره راء-: نباتٌ معروفٌ، ذكيّ الريح، وإذا جفّ ابيضَّ. قاله الفيّوميّ. وفي "اللسان": حَشيشةٌ طيّبة الرائحة، يُسقّف بها البيوت فوق الخشب، وهمزتها زائدة انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحَيحٌ، قال الحاكم في "مستدركه" (١): صحيح الإسناد، وقال الذهبيّ في "تلخيصه": صحيح، وهو كما قالا. [فإن قلت]: في سنده عطاء بن السائب، وهو مختلطٌ، فكيف يصحّ؟. [قلت]: عطاء ليس ممن ضُعّف على الإطلاق، بل في رواية من روى عنه بعد الاختلاط، وأما من طريق من روى عنه قبله، فهو صحيح الحديث، وزائدة بن قُدامة ممن روى عنه قبل الاختلاط، فقد قال الطبراني -كما في "تهذيب التهذيب" ٣/ ١٠٥ - ثقة اختلط في آخر عمره، فما روى عنه المتقدّمون فهو صحيح، مثل سفيان، وشعبة، وزُهير، وزائدة انتهى. والحاصل أن حديث عليّ ﵁ هذا صحيح. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٨١/ ٣٣٨٥ - وفي "الكبرى" ٩١/ ٥٥٧٣. وأخرجه (ق) في "الزهد" ٤١٥٢ (أحمد) في "مسند العشرة" ٦٤٤ و ٧١٧ و ٨٥٥. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو مشروعيّة تجهيز الرجل. بنته بما

стр. 14243

تحتاج إليه، مما تيسر له. (ومنها): ما كان عليه ﷺ أيضًا، من العناية ببناته، والقيام بتربيتهنّ، وتزويجهنّ، وتجهيزهنّ لأزواجهنّ بما جرت به العادة، حتى تكون الألفة والمحبة بين الزوجين دائمة؛ لأن الرجل إذا لم يكن للزوجة جهاز ربما يتبرّم، ويتثاقل منها، ولا يحسن عشرتها، ولا يريد أن تطول صحبتها له. (ومنها): ما كان عليه النبيّ ﷺ من الزهد في الدنيا، والاكتفاء بالقليل منها، ولو شاء لكانت الجبال له فضة وذهبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٨٢ - (الْفُرُشُ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الفُرُش" -بضمّتين- جمع فِراش -بكسر الفاء، وتخفيف الراء-: البساط، قال الفيّوميّ: فَرَشتثُ البِسَاطَ وغيره فَرْشًا، من باب قتل، وفي لغة من باب ضرب: بستطه، وافترشه هو، وهو الفِراش بالكسر، فِعالٌ بمعني مفعول، مثل كتاب، بمعنى مكتوب، وجمعه فُرُشٌ، مثلُ كتاب وكُتُبٍ، وهو فَرْشٌ أيضًا، تسميةً بالمصدر. انتهى واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٣٨٦ - (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو هَانِئٍ الْخَوْلَانِيُّ, أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ, يَقُولُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «فِرَاشٌ لِلرَّجُلِ, وَفِرَاشٌ لأَهْلِهِ, وَالثَّالِثُ لِلضَّيْفِ, وَالرَّابِعُ لِلشَّيْطَانِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ٩ - (يونس بن عبد الأعلى) الصدفيّ، أبو موسى المصريّ، ثقة، من صغار [١٠] ١/ ٤٤٢. ٢ - (ابن وهب) عبد اللَّه المصري، ثقة ثبت عابد [٩] ٩/ ٩. ٣ - (أبو هانئ الْخَولانيّ (١) هو حُميد بن هانئ المصريّ، لا بأس به [٥] ٤٨/ ١٢٨٤. ٤ - (أبو عبد الرحمن الحبُليّ) (٢) -بضمّ المهملة، والموحّدة-: هو عبد اللَّه بن يزيد

стр. 14244

الْمَعافري المصريّ، ثقة [٣] ٦٠/ ١٣٠٣. ٥ - (جابر بن عبد اللَّه) - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٣١/ ٣٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين، غير الصحابي، فمدني. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه جابر بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) من الأحاديث. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ جَابِرٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) الأنصاريّ السَّلَميّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "فِراشٌ لِلرَّجُلِ) مبتدأ وخبر، وسوّغ الابتداء بالنكرة التقسيم، أو"فراش فاعل لفعل محذوف، أي يجوز فراش. يعني أنه يجوز أن يتخذ الرجل لنفسه فراشًا ينام عليه وحده، إذا احتاج إليه (وَفِراشٌ لِأَهْلِهِ) إعرابه كسابقه أنه يجوز أن يتخذ الإنسان فراشًا لأهله تنام عليه وحدها، إن احتاجت إليه (والثَّالِثُ لِلضَّيْفِ) مبتدأ وخبر، و"الضيف" بفتح، فسكون: معروف، يطلق بلفظ واحد على الواحد وغيره؛ لأنه مصدرٌ في الأصل، من ضافه ضَيْفًا، من باب باع: إذا نزل عنده، وتجوز المطابقة، فيقال: ضَيْفَةٌ، وأضيافٌ، وضِيفَانٌ، وأضفته، وضَيَّفته: إذا أنزلته، وقَرَيْتُهُ، والاسم الضِّيَافة. قال ثعلب: ضِفْتُهُ: إذا نزلتَ به، وأنت ضَيْفٌ عنده، وأضفته بالألف: إذا أنزلته عندك ضيفًا، وأضفته إضافةً: إذا لجأ إليك من خوف، فأجرتَهُ، واستضافني، فأضفته: استجارني، فأجرته، وتضيّفني، فضيّفتُهُ: إذا طلب الْقِرَى، فقرَيْتَهُ، أو استجارَك، فمنعته ممن يطلبه، وأضافه إلى الشيء إضافةً: ضمّهُ إليه، وأماله. قاله الفيّوميّ. (وَالرَّابعُ لِلشَّيْطَانِ") مبتدأ وخبرٌ أيضًا، يعني أن الفراش الرابع للشيطان، يبيت عليه حيث لا ينتفع به أحدٌ، ولأنه لا يُتّخذ للحاجة، وإنما هو للافتخار الذي هو مما يحمل عليه الشيطان، ويرضى به. والظاهر أنّ المراد منه اتخاذ ما لا حاجة إليه، لا بخصوص كونه رابعًا، وإنما خصّه بالذكر نظرًا للغالب، حيث إنه أقلّ ما يكون زائدًا على الحاجة. واللَّه تعالى أعلم. قال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: فيه دليلٌ على جواز اتخاذ الإنسان من الفرش، والآلة ما يَحتاج إليه، ويترفّه به. وهذا الحديث إنما جاء مبيّنًا ما يجوز للإنسان أن يتوسّع فيه، ويترفّه من الفراش؛

стр. 14245

لأنّ الأفضل أن يكون له فراش يختصّ به، ولامرأته فراشٌ، فقد كان ﷺ لم يكن له إلا فراشٌ واحد في بيت عائشة، وكان فراشها ينامان عليه في الليل، ويجلسان عليه بالنهار. وأما فراش الضيف، فيتعيّن للمضيف إعداده له؛ لأنه من باب إكرامه، والقيام بحقّه؛ ولأنه لا يتأتّى له شرعًا الاضطجاع، ولا النوم مع المضيف، وأهله على فراش واحدٍ. ومقصود هذا الحديث أن الرجل إذا أراد أن يتوسّع في الفرش، فغايته ثلاثٌ، والرابع لا يحتاج إليه، فهو من باب السَّرَف. انتهى كلام القرطبيّ -رحمه الله تعالى- ببعض تَصَرُّف (١). وقال النوويّ: قال العلماء: معناه أن ما زاد على الحاجة، فاتخاذه إنما للمباهاة، والاختيال، والالتهاء بزينة الدنيا، وما كان بهذه الصفة فهو مذمومٌ، وكلّ مذموم يُضاف إلى الشيطان؛ لأنه يرتضيه، ويوسوس به، وُيحسّنه، ويُساعد عليه. وقيل: إنه على ظاهره، وأنه إذا كان لغير حاجة كان للشيطان عليه مَبِيتٌ، ومَقِيلٌ، كما أنه يحصل له المبيت بالبيت الذي لا يَذكُر الله تعالى صاحبه عند دخوله عِشَاءً. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا القول الثاني هو الأرجح عندي؛ لأنه إذا أمكن حمل النصّ على ظاهره، فهو الأولى، ولا حاجة إلى العدول عنه، على أنه لا تنافي بين المعنيين؛ لأن الشيطان كما أنه يبيت عليه، فهو الذي حمله على اتخاذه. والله تعالى أعلم. قال: وأما تعديد الفراش للزوج والزوجة، فلا بأس به؛ لأنه قد يحتاج كلّ واحد منهما إلى فراش عند المرض، ونحوه، وغير ذلك. واستدلّ بعضهم بهذا على أنه لا يلزمه النوم مع امرأته، وأن له الانفراد عنها بفراش. والاستدلال به في هذا ضعيف؛ لأن المراد بهذا وقت الحاجة كالمرض، وغيره كما ذكرنا، وإن كان النوم مع الزوجة ليس واجبًا، لكنه بدليل آخر، والصواب في النوم مع الزوجة أنه لم يكن لواحد منهما عذرٌ في الانفراد، فاجتماعهما في فراش واحد أفضل، وهو ظاهر فعل رسول الله ﷺ الذي واظب عليه مع مواظبته ﷺ على قيام الليل، فينام معها، فإذا أراد القيام لوظيفته قام، وتركها، فيجمع بين وظيفته، وقضاء حقّها المندوب، وعِشْرتها بالمعروف، لا سيّما إن عُرف من حالها حرصها على هذا، ثم إنه لا يلزم من النوم معها الجماع. والله أعلم انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 14246

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث جابر بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٨٢/ ٣٣٨٦ - وفي "الكبرى" ٩٢/ ٥٥٧٣. وأخرجه (م) في "اللباس" ٢٠٨٤ (د) في "اللباس" ٤١٤٢ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١١٣٧٠ و ١٤٠٦٦. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مشروعيّة اتخاذ الإنسان الفُرُشَ بقدر حاجته. (ومنها): أن ما زاد على الحاجة فإنه للشيطان، فلا ينبغي اتخاذه. (ومنها): ما قال القرطبيّ: فقه الحديث: ترك الإكثار من الآلات والأمور المباحة، والترفّه بها، وأن يقتصر على حاجته، ونسبة الرابع إلى الشيطان، لكن لا يدلّ على تحريم اتخاذه، وإنما هذا من باب قوله ﷺ : "إن الشيطان يستحلّ الطعام الذي لا يُذكر اسم اللَّه عليه، والبيت الذي لا يُذكر اللَّه فيه" (١)، ولا يدلّ ذلك على التحريم لذلك الطعام. انتهى (٢). (ومنها): بيان تسلّط الشيطان عليّ بني آدم، بحيث إنه لا يترك عملًا من أعماله إلا ويشاركه فيه، حتى يوقعه في المخالفة، فينبغي التنبّه لذلك، والحذر منه، والبعد عما يؤدّي إلى إرضائه، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ الآية. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٨٣ - (الأَنْمَاطُ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ترجم الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- بقوله: "باب الأنماط، ونحوها للنساء". قال في "الفتح" أي من الكلل، والأستار، والفرش، وما في معناه. قال: ولعلّ المصنّف أشار به إلى ما أخرجه مسلم من حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، قالت: "خرج رسول اللَّه ﷺ في غزواته، فأخذتُ نمطًا، فنشرته على

стр. 14247

الباب، فلما قدم، فرأى النمط عرفتُ الكراهة في وجهه، فجذبه، حتى هتكه، فقال: إن اللَّه لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين، قال: فقطعت منه وسادتين، فلم يَعِب ذلك عليّ". فيؤخذ منه أن الأنماط لا يكره اتخاذها لذاتها، بل لما يُصنع بها انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب ٣٣٨٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ, عَنْ جَابِرٍ, قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : «هَلْ تَزَوَّجْتَ؟» , قُلْتُ: نَعَمْ, قَالَ: «هَلِ اتَّخَذْتُمْ أَنْمَاطًا؟» , قُلْتُ: وَأَنَّى لَنَا أَنْمَاطٌ؟ , قَالَ: «إِنَّهَا سَتَكُونُ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (سفيان) بن عيينة المكي الإمام الحجة الثبت [٨] ١/ ١. ٣ - (ابن المنكدر) هو محمد بن المنكدر بن عبد اللَّه بن الْهُدير التيمي المدنيّ، ثقة فاضل [٣] ١٠٣/ ١٣٨. ٤ - (جابر) بن عبد اللَّه بن عمرو بن حرام الصحابي ابن الصحابي - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٣١/ ٣٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٧٦) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه بغلاني، وسفيان مكيّ، والباقيان مدنيان. (ومنها): أن فيه جابرًا من المكثرين السبعة روى (١٥٤٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ جَابِر) بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هَلْ تَزَوَّجْتَ؟ "، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ) ﷺ (هَلِ اتَّخَذتُمْ أَنْمَاطًا؟) بفتح الهمزة: جمع نَمَط - بفتح النون والميم: وهو ظهارة الفراش. وقيل: ظهر الفراش، وُيطلق أيضًا على بساط لطيف، له خَملٌ، يُجعل على الْهَوْدجِ، وقد يُجعل سترًا، ومنه حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - عند مسلم: "فأخذت نَمَطًا، فسترته على الباب … " الحديث، والمراد في حديث جابر ﵁ هو النوع الأول. قاله النوويّ (٢).

стр. 14248

وقال أبو العبّاس القرطبيّ: "الأنماط" جمع نَمَطٍ، قال الخليل: هو ظِهَارة الفرش. وقال ابن دُريد: هو ما يُستر به الْهَوْدج، وهو في حديث عائشة ثوبٌ سترت به سَهْوتها، وهو القِرام أيضًا، كما جاء في حديث عائشة، وقد يكون من حرير وغيره، وقد يُسمّى نُمرةً في بعض طرق حديث عائشة، وقد عبّر عنه بالستر في حديثها، وهذا كلّه على أنها أسماء لمسمّى واحد انتهى (١). (قُلْتُ: وَأنَّى لَنَا أَنْمَاطٌ؟) " أَنّى" بفتح الهمزة، وتشديد النون: استفهام عن الجهة، تقول: أَنّى يكون هذا: أي من أيّ وجه وطريق (٢) يوجد لنا أنماط؟. وقال القرطبيّ: قوله: "أنى لنا أنماطٌ؟ " استبعادٌ لذلك، ومعناه: من أين يكون لنا أنماطٌ؟ " انتهى. (قَالَ) ﷺ (إِنَّهَا سَتَكُونُ") وفي رواية مسلم: "أما إنها ستكون"، و"تكون" هنا تامّة، أي ستحصل، وتوجد الأنماط فيما يأتي من الزمان. زاد في رواية مسلم من طريق سفيان، عن محمد بن المنكدر: "قال جابرٌ: وعند امرأتي نَمَطٌ، فأنا أقول: نَحِّيه عنّي، وتقول: قد قال رسول اللَّه ﷺ : "إنها ستكون، فأدعها". ومعنى، "نحِّيه": أي أخرجيه من بيتي. قال القرطبيّ: وقول جابر لامرأته: "نحّيه عنّي" فإنما كان ذلك كراهة له، مخافة التّرفّه في الدنيا، والميل إليها، لا لأنه حريرٌ؛ إذ ليس في الحديث ما يدلّ عليه، واستدلالها عليه بقوله ﷺ : "أما إنها ستكون" هو استدلالٌ بتقرير النبيّ ﷺ على اتخاذ الأنماط؛ لأنه لَمّا أخبر بأنها ستكون، ولم ينه عن اتخاذها، دلّ ذلك على جواز الاتخاذ انتهى (٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٨٣/ ٣٣٨٧ - وفي "الكبرى" ٩٣/ ٥٥٧٥. وأخرجه (خ) في "المناقب" ٣٦٣١ و"النكاح" ٥١٦١ (م) في "اللباس" ٢٠٨٣ (د) في "اللباس" ٤١٤٥ (ت) في "الأدب" ٢٧٧٤ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١٣٧١٨. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 14249

(المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان جواز استعمال الأنماط، ومحلّ الاستدلال قوله ﷺ : "إنها ستكون" حيث أخبر بأن الأنماط ستكون لهم؛ لأنه لو لم يحلّ اتخاذها لبيّن لهم ذلك. وتعقّب هذا الاستدلال في "الفتح" بأن الإخبار بأن الشيء سيكون لا يقتضي إباحته، إلا إن استَدلّ المستدلّ به على التقرير، فيقول: أخبر الشارع بأنه سيكون، ولم يَنْهَ عنه، فكأنه أقرّه، وقد وقع قريبٌ؛ من هذا في حديث عديّ بن حاتم ﵁ في خروج الظعينة من الْحِيرَة إلى مكة بغير خَفِير، فاستدلّ به بعض الناس على جواز سفر المرأة بغير محرم. وفيه من البحث ما ذُكِر انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي بين القضيّتين فرقٌ، فإن قضية الظعينة قد قامت نصوص كثيرة بعدم جواز سفر المرأة بغير محرم، نصًّا، لا يرتاب فيه أحدٌ، وأما قضيّة الأنماط، فليس هناك نصّ يدلّ صراحة على تحريم اتخاذها، فتبصّر. والحاصل أن الاستدلال بتقريره ﷺ لجابر حينما قال له: "إنها ستكون لكم" دليلٌ واضح على جواز اتخاذها. واللَّه تعالى أعلم. (ومنها): أن فيه معجزةً ظاهرةً بإخباره ﷺ بما سيقع بعده من الفتوحات التي نالتها أمته، وقد وقعت على طبق إخباره ﷺ . (ومنها): التورّع من الترفّه بملاذّ الدنيا. (ومنها): فضل جابر - رضي اللَّه تعالى عنه -، حيث كان يأمر امرأته بإبعاد الأنماط من بيته، خوفًا أن يدخل تحت قوله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ الآية [الأحقاف: ٢٠]، فإن الآية، وإن سيقت لبيان حال الكفّار، إلا أن من صفات المؤمن الخوف من اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٨٤ - (الْهَدِيّةُ لِمَنْ عَرَّسَ) أي هذا باب ذكر استحباب الهديّة للعَرُوس صبيحة بنائه بأهله، كما يدلّ عليه رواية مسلم، ففي رواية له من حديث أنس ﵁: "أصبح رسول اللَّه ﷺ عروسًا بزينب بنت

стр. 14250

جحش، قال: وكان تزوّجها بالمدينة، فدعا الناس للطعام بعد ارتفاع النهار … " الحديث. و"الهديّة" بفتح الهاء، وكسر الدال المهملة، وتشديد الياء التحتانيّة، بوزن غَنِيّة-: ما أُتحف به، جمعه هَدايَا، وَهَداوَى، وتكسر الواو، وهَداوٍ، وأهدى الهَدِيّةَ، وهَدَّها. قاله في "القاموس". وقال الفيّوميّ: أهديت للرجل كذا بالألف: بعثت به إليه إكرامًا، فهو هَدِيّةٌ بالتثقيل، لا غير. انتهى. وقد تقدّم أن الأولى للمصنّف التعبير بـ"أعرس" بالألف، لا بعرّس بتشديد الراء؛ لأن الدخول بالزوجة يقال له: الإعراس بالألف، وأما التعريس، فهو بمعنى نزول آخر الليل، ولا يناسب هنا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٣٨٨ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ -وَهُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ- عَنِ الْجَعْدِ أَبِي عُثْمَانَ, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, قَالَ: تَزَوَّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , فَدَخَلَ بِأَهْلِهِ, قَالَ: وَصَنَعَتْ أُمِّى أُمُّ سُلَيْمٍ, حَيْسًا, قَالَ: فَذَهَبْتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ , فَقُلْتُ: إِنَّ أُمِّي تُقْرِئُكَ السَّلَامَ, وَتَقُولُ لَكَ: إِنَّ هَذَا لَكَ مِنَّا قَلِيلٌ, قَالَ: "ضَعْهُ", ثُمَّ قَالَ: "اذْهَبْ, فَادْعُ فُلَانًا, وَفُلَانًا, وَمَنْ لَقِيتَ, وَسَمَّى رِجَالاً", فَدَعَوْتُ مَنْ سَمَّى, وَمَنْ لَقِيتُهُ, قُلْتُ لأَنَسٍ: عِدَّةُ كَمْ كَانُوا؟ , قَالَ -يَعْنِي زُهَاءَ ثَلَاثِمِائَةٍ, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لِيَتَحَلَّقْ عَشَرَةٌ عَشَرَةٌ, فَلْيَأْكُلْ كُلُّ إِنْسَانٍ مِمَّا يَلِيهِ» , فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا, فَخَرَجَتْ طَائِفَةٌ, وَدَخَلَتْ طَائِفَةٌ, قَالَ لِي: «يَا أَنَسُ ارْفَعْ» , فَرَفَعْتُ, فَمَا أَدْرِي حِينَ رَفَعْتُ كَانَ أَكْثَرَ, أَمْ حِينَ وَضَعْتُ؟). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (قتيبة) بن سعيد المذكور في الباب الماضي. ٢ - (جعفر بن سليمان) الضُّبَعيّ البصريّ، صدوق زاهد، لكنه يتشيّع [٨] ١٤/ ١٤. ٣ - (الجعد أبو عثمان) ابن دينار اليشكريّ -بتحتانيّة مفتوحة، بعدها معجمةٌ ساكنة، وكاف مضمومة- الصيرفيّ البصريّ، صاحب الحُلِيّ -بضمّ المهملة- ثقة [٤]. قال ابن معين: ثقة. وقال النسائيّ: لا بأس به. وقال ابن حبّان في "الثقات": يخطئ. ووثقه أبو داود في "سؤالات الآجرّيّ"، والترمذيّ في "جامعه". روى له الجماعة، سوى ابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط. ٤ - (أنس بن مالك) - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٧٧) من رباعيات
следующие страницы →