مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جابر بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٨٢/ ٣٣٨٦ - وفي "الكبرى" ٩٢/ ٥٥٧٣. وأخرجه (م) في "اللباس" ٢٠٨٤ (د) في "اللباس" ٤١٤٢ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١١٣٧٠ و ١٤٠٦٦. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مشروعيّة اتخاذ الإنسان الفُرُشَ بقدر حاجته. (ومنها): أن ما زاد على الحاجة فإنه للشيطان، فلا ينبغي اتخاذه. (ومنها): ما قال القرطبيّ: فقه الحديث: ترك الإكثار من الآلات والأمور المباحة، والترفّه بها، وأن يقتصر على حاجته، ونسبة الرابع إلى الشيطان، لكن لا يدلّ على تحريم اتخاذه، وإنما هذا من باب قوله ﷺ : "إن الشيطان يستحلّ الطعام الذي لا يُذكر اسم اللَّه عليه، والبيت الذي لا يُذكر اللَّه فيه" (١)، ولا يدلّ ذلك على التحريم لذلك الطعام. انتهى (٢). (ومنها): بيان تسلّط الشيطان عليّ بني آدم، بحيث إنه لا يترك عملًا من أعماله إلا ويشاركه فيه، حتى يوقعه في المخالفة، فينبغي التنبّه لذلك، والحذر منه، والبعد عما يؤدّي إلى إرضائه، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ الآية. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٨٣ - (الأَنْمَاطُ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ترجم الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- بقوله: "باب الأنماط، ونحوها للنساء". قال في "الفتح" أي من الكلل، والأستار، والفرش، وما في معناه. قال: ولعلّ المصنّف أشار به إلى ما أخرجه مسلم من حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، قالت: "خرج رسول اللَّه ﷺ في غزواته، فأخذتُ نمطًا، فنشرته على
стр. 14247
الباب، فلما قدم، فرأى النمط عرفتُ الكراهة في وجهه، فجذبه، حتى هتكه، فقال: إن اللَّه لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين، قال: فقطعت منه وسادتين، فلم يَعِب ذلك عليّ". فيؤخذ منه أن الأنماط لا يكره اتخاذها لذاتها، بل لما يُصنع بها انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب
٣٣٨٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ, عَنْ جَابِرٍ, قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : «هَلْ تَزَوَّجْتَ؟» , قُلْتُ: نَعَمْ, قَالَ: «هَلِ اتَّخَذْتُمْ أَنْمَاطًا؟» , قُلْتُ: وَأَنَّى لَنَا أَنْمَاطٌ؟ , قَالَ: «إِنَّهَا سَتَكُونُ»).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (سفيان) بن عيينة المكي الإمام الحجة الثبت [٨] ١/ ١.
٣ - (ابن المنكدر) هو محمد بن المنكدر بن عبد اللَّه بن الْهُدير التيمي المدنيّ، ثقة
فاضل [٣] ١٠٣/ ١٣٨.
٤ - (جابر) بن عبد اللَّه بن عمرو بن حرام الصحابي ابن الصحابي - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٣١/ ٣٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٧٦) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه بغلاني، وسفيان مكيّ، والباقيان مدنيان. (ومنها): أن فيه جابرًا من المكثرين السبعة روى (١٥٤٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَابِر) بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هَلْ تَزَوَّجْتَ؟ "، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ) ﷺ (هَلِ اتَّخَذتُمْ أَنْمَاطًا؟) بفتح الهمزة: جمع نَمَط - بفتح النون والميم: وهو ظهارة الفراش. وقيل: ظهر الفراش، وُيطلق أيضًا على بساط لطيف، له خَملٌ، يُجعل على الْهَوْدجِ، وقد يُجعل سترًا، ومنه حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - عند مسلم: "فأخذت نَمَطًا، فسترته على الباب … " الحديث، والمراد في حديث جابر ﵁ هو النوع الأول. قاله النوويّ (٢).
стр. 14248
وقال أبو العبّاس القرطبيّ: "الأنماط" جمع نَمَطٍ، قال الخليل: هو ظِهَارة الفرش. وقال ابن دُريد: هو ما يُستر به الْهَوْدج، وهو في حديث عائشة ثوبٌ سترت به سَهْوتها، وهو القِرام أيضًا، كما جاء في حديث عائشة، وقد يكون من حرير وغيره، وقد يُسمّى نُمرةً في بعض طرق حديث عائشة، وقد عبّر عنه بالستر في حديثها، وهذا كلّه على أنها أسماء لمسمّى واحد انتهى (١).
(قُلْتُ: وَأنَّى لَنَا أَنْمَاطٌ؟) " أَنّى" بفتح الهمزة، وتشديد النون: استفهام عن الجهة، تقول: أَنّى يكون هذا: أي من أيّ وجه وطريق (٢) يوجد لنا أنماط؟. وقال القرطبيّ: قوله: "أنى لنا أنماطٌ؟ " استبعادٌ لذلك، ومعناه: من أين يكون لنا أنماطٌ؟ " انتهى.
(قَالَ) ﷺ (إِنَّهَا سَتَكُونُ") وفي رواية مسلم: "أما إنها ستكون"، و"تكون" هنا تامّة، أي ستحصل، وتوجد الأنماط فيما يأتي من الزمان. زاد في رواية مسلم من طريق سفيان، عن محمد بن المنكدر: "قال جابرٌ: وعند امرأتي نَمَطٌ، فأنا أقول: نَحِّيه عنّي، وتقول: قد قال رسول اللَّه ﷺ : "إنها ستكون، فأدعها". ومعنى، "نحِّيه": أي أخرجيه من بيتي.
قال القرطبيّ: وقول جابر لامرأته: "نحّيه عنّي" فإنما كان ذلك كراهة له، مخافة التّرفّه في الدنيا، والميل إليها، لا لأنه حريرٌ؛ إذ ليس في الحديث ما يدلّ عليه، واستدلالها عليه بقوله ﷺ : "أما إنها ستكون" هو استدلالٌ بتقرير النبيّ ﷺ على اتخاذ الأنماط؛ لأنه لَمّا أخبر بأنها ستكون، ولم ينه عن اتخاذها، دلّ ذلك على جواز الاتخاذ انتهى (٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٨٣/ ٣٣٨٧ - وفي "الكبرى" ٩٣/ ٥٥٧٥. وأخرجه (خ) في "المناقب" ٣٦٣١ و"النكاح" ٥١٦١ (م) في "اللباس" ٢٠٨٣ (د) في "اللباس" ٤١٤٥ (ت) في "الأدب" ٢٧٧٤ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١٣٧١٨. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 14249
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان جواز استعمال الأنماط، ومحلّ الاستدلال قوله ﷺ : "إنها ستكون" حيث أخبر بأن الأنماط ستكون لهم؛ لأنه لو لم يحلّ اتخاذها لبيّن لهم ذلك.
وتعقّب هذا الاستدلال في "الفتح" بأن الإخبار بأن الشيء سيكون لا يقتضي إباحته، إلا إن استَدلّ المستدلّ به على التقرير، فيقول: أخبر الشارع بأنه سيكون، ولم يَنْهَ عنه، فكأنه أقرّه، وقد وقع قريبٌ؛ من هذا في حديث عديّ بن حاتم ﵁ في خروج الظعينة من الْحِيرَة إلى مكة بغير خَفِير، فاستدلّ به بعض الناس على جواز سفر المرأة بغير محرم. وفيه من البحث ما ذُكِر انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي بين القضيّتين فرقٌ، فإن قضية الظعينة قد قامت نصوص كثيرة بعدم جواز سفر المرأة بغير محرم، نصًّا، لا يرتاب فيه أحدٌ، وأما قضيّة الأنماط، فليس هناك نصّ يدلّ صراحة على تحريم اتخاذها، فتبصّر.
والحاصل أن الاستدلال بتقريره ﷺ لجابر حينما قال له: "إنها ستكون لكم" دليلٌ واضح على جواز اتخاذها. واللَّه تعالى أعلم.
(ومنها): أن فيه معجزةً ظاهرةً بإخباره ﷺ بما سيقع بعده من الفتوحات التي نالتها أمته، وقد وقعت على طبق إخباره ﷺ . (ومنها): التورّع من الترفّه بملاذّ الدنيا. (ومنها): فضل جابر - رضي اللَّه تعالى عنه -، حيث كان يأمر امرأته بإبعاد الأنماط من بيته، خوفًا أن يدخل تحت قوله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ الآية [الأحقاف: ٢٠]، فإن الآية، وإن سيقت لبيان حال الكفّار، إلا أن من صفات المؤمن الخوف من اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٨٤ - (الْهَدِيّةُ لِمَنْ عَرَّسَ)
أي هذا باب ذكر استحباب الهديّة للعَرُوس صبيحة بنائه بأهله، كما يدلّ عليه رواية مسلم، ففي رواية له من حديث أنس ﵁: "أصبح رسول اللَّه ﷺ عروسًا بزينب بنت
стр. 14250
جحش، قال: وكان تزوّجها بالمدينة، فدعا الناس للطعام بعد ارتفاع النهار … "
الحديث.
و"الهديّة" بفتح الهاء، وكسر الدال المهملة، وتشديد الياء التحتانيّة، بوزن غَنِيّة-: ما أُتحف به، جمعه هَدايَا، وَهَداوَى، وتكسر الواو، وهَداوٍ، وأهدى الهَدِيّةَ، وهَدَّها. قاله في "القاموس".
وقال الفيّوميّ: أهديت للرجل كذا بالألف: بعثت به إليه إكرامًا، فهو هَدِيّةٌ بالتثقيل، لا غير. انتهى.
وقد تقدّم أن الأولى للمصنّف التعبير بـ"أعرس" بالألف، لا بعرّس بتشديد الراء؛ لأن الدخول بالزوجة يقال له: الإعراس بالألف، وأما التعريس، فهو بمعنى نزول آخر الليل، ولا يناسب هنا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٣٨٨ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ -وَهُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ- عَنِ الْجَعْدِ أَبِي عُثْمَانَ, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, قَالَ: تَزَوَّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , فَدَخَلَ بِأَهْلِهِ, قَالَ: وَصَنَعَتْ أُمِّى أُمُّ سُلَيْمٍ, حَيْسًا, قَالَ: فَذَهَبْتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ , فَقُلْتُ: إِنَّ أُمِّي تُقْرِئُكَ السَّلَامَ, وَتَقُولُ لَكَ: إِنَّ هَذَا لَكَ مِنَّا قَلِيلٌ, قَالَ: "ضَعْهُ", ثُمَّ قَالَ: "اذْهَبْ, فَادْعُ فُلَانًا, وَفُلَانًا, وَمَنْ لَقِيتَ, وَسَمَّى رِجَالاً", فَدَعَوْتُ مَنْ سَمَّى, وَمَنْ لَقِيتُهُ, قُلْتُ لأَنَسٍ: عِدَّةُ كَمْ كَانُوا؟ , قَالَ -يَعْنِي زُهَاءَ ثَلَاثِمِائَةٍ, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لِيَتَحَلَّقْ عَشَرَةٌ عَشَرَةٌ, فَلْيَأْكُلْ كُلُّ إِنْسَانٍ مِمَّا يَلِيهِ» , فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا, فَخَرَجَتْ طَائِفَةٌ, وَدَخَلَتْ طَائِفَةٌ, قَالَ لِي: «يَا أَنَسُ ارْفَعْ» , فَرَفَعْتُ, فَمَا أَدْرِي حِينَ رَفَعْتُ كَانَ أَكْثَرَ, أَمْ حِينَ وَضَعْتُ؟).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (قتيبة) بن سعيد المذكور في الباب الماضي.
٢ - (جعفر بن سليمان) الضُّبَعيّ البصريّ، صدوق زاهد، لكنه يتشيّع [٨] ١٤/ ١٤.
٣ - (الجعد أبو عثمان) ابن دينار اليشكريّ -بتحتانيّة مفتوحة، بعدها معجمةٌ ساكنة، وكاف مضمومة- الصيرفيّ البصريّ، صاحب الحُلِيّ -بضمّ المهملة- ثقة [٤].
قال ابن معين: ثقة. وقال النسائيّ: لا بأس به. وقال ابن حبّان في "الثقات": يخطئ. ووثقه أبو داود في "سؤالات الآجرّيّ"، والترمذيّ في "جامعه". روى له الجماعة، سوى ابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
٤ - (أنس بن مالك) - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٧٧) من رباعيات
стр. 14251
الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فبغلانيّ (ومنها): أن فيه أنس بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة ﵃ بالبصرة مات سنة (٢) أو (٩٣) وقد جاوز مائة سنة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: تَزَوَّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أي زينب بنت جحش - رضي اللَّه تعالى عنها -، وفي رواية لمسلم من طريق معمر، عن عبد الرزّاق: "لما تزوّج النبيّ ﷺ زينب أهدت له أم سَليم حيسًا … " الحديث، وكان زواجها سنة ثلاث، وقيل: سنة خمس، وكانت قبله عند زيد بن حارثة، وهي التي نزل فيها: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ الآية [الأحزاب: ٣٧]، وكانت أول من مات من نساء النبيّ ﷺ (فَدَخَلَ بِأَهْلِهِ، قَالَ: وَصَنَعَتْ أُمِّي أُمُّ سُلَيْم) بنت مِلْحان - رضي اللَّه تعالى - عنها، يقال: اسمها سهلة، وقيل: غير ذلك (حَيْسًا) بفتح الحاء المهملة، وسكون التحتانيّة: تمرٌ يُنزع نواه، ويدق مع أقط، وُيعجنان بالسمن، ثم يُدلك باليد حتى يبقى كالثريد، وربّما جُعل معه سويقٌ، وهو مصدرٌ في الأصل، يقال: حاس الرجل حَيْسًا، من باب باع: إذا اتّخذ ذلك. قاله الفيّوميّ. وقد تقدّم البحث عنه بأتمّ من هذا.
[تنبيه]: قد استشكل القاضي عياض ما وقع في هذا الحديث من أن الوليمة بزينب بنت جحش كانت من الحيس الذي أهدته أم سُليم، بأن المشهور أنه ﷺ أولم عليها بالخبز واللحم، ولم يقع في القصّة تكثير ذلك الطعام، وإنما فيه: "أشبع المسلمين خبرًا ولحمًا"، وذكر في حديث الباب أن أنسًا قال: "فقال لي: ادع رجالًا، سمّاهم، وادع من لقيت، وأنه أدخلهم، ووضع ﷺ يده على تلك الحيسة، وتكلّم بما شاء اللَّه، ثم جعل يدعو عشرة عشرة، حتى تصدّعوا كلهم عنها"، يعني تفرّقوا. قال عياضٌ: هذا وَهَمٌ من راويه، وتركيب قصّة على أخرى.
وتعقّبه القرطبيّ بأنه لا مانع من الجمع بين الروايتين، والأولى أن يقال: لا وهَمَ في ذلك، فلعلّ الذين دُعوا إلى الخبز واللحم، فأكلوا حتى شبعوا، وذهبوا، ولم يرجعوا، ولمّا بقي النفر الذين يتحدَّثون جاء أنس بالحيسة، فأُمر بأن يدعو ناسًا آخرين، ومن لقي، فدخلوا، فأكلوا أيضًا حتى شبعوا، واستمرّ أولئك النفر يتحدّثون.
قال الحافظ: وهو جمعٌ لا بأس به. وأولى منه أن يقال: إن حضور الحيسة صادف حضور الخبز واللحم، فأكلوا كلهم من كلّ ذلك.
وعجبتُ من إنكار عياض وقوع تكثير الطعام في قصّة الخبز واللحم، مع أن أنسًا
стр. 14252
يقول: إنه أولم عليها بشاة، ويقول: إنه أشبع المسلمين خبزًا ولحمًا، وما الذي يكون قدرُ الشاة حتى يُشبع المسلمين جميعًا، وهم يومئذ نحو الألف، لولا البركة التي حصلت من جملة أياته ﷺ في تكثير الطعام انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-، وهو حسنٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم (١).
(قَالَ: فَذَهَبَتْ بِهِ) أي بذلك الحَيْس (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ) أي بعد أن أمرته أمه بذلك، ففي رواية مسلم: "فجعلته في تَوْرِ، فقالت: يا أنس اذهب بهذا إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال: بعثت بهذا إليك أمي، وهي تُقرئك السلام، وتقول: إن هذا لك منّا قليل، يا رسول اللَّه" (فَقُلْتُ: إِنَّ أُمِّي تُقرِئُكَ السَّلَامَ) بضمّ المثنّاة الفوقانيّة، من الإقراء رباعيًّا، قال الفيّوميّ: وقرأتُ على زيد السلامَ أقرؤه عليه قِراءةً، وإذا أمرتَ منه قلتَ: اقْرَأْ ﵇. قال الأصمعيّ: وتعديته بنفسه خطأٌ، فلا يقال: اقرَأْه السلامَ؛ لأنه بمعنى اتلُ عليه. وحكى ابن القطّاع أنه يتعدّى بنفسه رباعيًّا، فيقال: فلانٌ يُقْرِئك السلامَ انتهى. وفي "القاموس": وقَرَأ ﵇: أبلغه، كأقرأه، أو لا يُقال: أَقْرَأَهُ إلا إذا كان مكتوبًا انتهى.
(وَتَقُولُ لَكَ: إِنَّ هَذَا لَكَ مِنَّا قَلِيلٌ) إنما قالت هذا اعتذارًا إليه ﷺ ، نظرًا إلى ما يستحقّه من الإكرام (قَالَ) ﷺ (ضَعْهُ) أمر بوضعه على الأرض، والأصل اوْضَعْهُ، من وَضَعَ الشيءَ يَضَعُهُ، من باب نَفَعَ: إذا تركه، حُذفت واوه حملًا على المضارع، وهمزة الوصل؛ لعدم الحاجة إليها، حيث تحرّك ما بعدها (ثُمَّ قَالَ) ﷺ (اذْهَبْ، فادْعُ فُلانًا، وَفُلَانًا) وفي رواية مسلم: "فادع لي فلانًا، وفلانًا، وفلانًا" (وَمَنْ لَقِيتَ) بفتح اللام، وكسر القاف، أي وادع من لقيت من الصحابة ﵃. وفي رواية لمسلم: "اذهب فادع لي من لقيتَ من المسلمين" (وَسَمَّى رِجالًا) أي سمّى رسول اللَّه ﷺ رجالا معيّنين بأسمائهم، فأجملهم أنس، إما اختصارًا، أو نسيانًا (فَدَعَوْتُ مَنْ سَمَّى، وَمَنْ لَقِيتُهُ، قُلْتُ: لِأَنسٍ) القائل هو الجعد أبو عثمان (عِدَّةَ كَمْ كَانُوا؟) بنصب "عدّة" على الخبريّة لـ"كان" مقدّمًا وجوبًا؛ لإضافته إلى الاستفهام. ولفظ مسلم: "عددَكم كانوا" (قَالَ -يعني زُهَاءَ ثَلَاثَمِائَةٍ) وفي رواية مسلم: "قال: زُهاء ثلاثمائة" بدون لفظة "يعني". و"الزُّهَاءُ" بضمّ الزاي، وفتح الهاء، وبالمدّ: أي قدر ثلاثمائة. قال الفيّوميّ: زُهاءٌ في العدد، وزانُ غراب، يقال: هم زُهاء ألف: أي قدر ألف، وزُهاءُ مائة: أي قدرها، قال الشاعر: كَأَنَّمَا زُهاؤُهُمْ لِمَنْ جَهَرْ
стр. 14253
ويقال: كم زُهاؤهم: أي كم قدرهم. قاله الأزهريّ، والجوهريّ، وابنُ وَلَّاد، وجماعةٌ. وقال الفارابيّ أيضًا: هم زُهاء مائة بالضمّ والكسر، فقول الناس: هو زُهاءٌ على مائة ليس بعربيّ انتهى.
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :) وفي رواية مسلم: "وقال لي رسول اللَّه ﷺ عتيلى: "يا أنس هات التَّوْرَ"، قال؛ فدخدوا حتى امتلأت الصُّفَّةُ، والحجرةُ، فقال رسول اللَّه ﷺ ("لِيَتَحَلَّقْ عَشَرَةٌ عَشَرَةٌ) أي ليصر كلّ عشرة منكم حلقة (فَلْيَأْكُلْ كُلُّ إِنْسَانٍ مِمّا يَلِيهِ") وهذا من آداب الأكل (فَأكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، فَخَرَجَتْ طائِفَةٌ، وَدَخَلَتْ طَائِفَةٌ) لتحلّ مكان الطائفة التي خرجت. زاد في رواية مسلم: "فجعلوا يدخلون عليه، فيأكلون، ويخرجون، ووضع النبيّ ﷺ يده على الطعام، فدعا فيه، وقال فيه ما شاء اللَّه أن يقول، ولم أَدَعْ أحدًا لقيته إلا دعوته، فأكلوا حتى شبعوا، وخرجوا … " (قَالَ) ﷺ (لِي: "يا أَنَسُ ارْفَعْ") أي ارفع التور الذي فيه الطعام؛ لانتهاء الحاجة إليه، بفراغ جميع من حضر من الأكل منه (فَرَفَعْتُ، فَمَا أَدْرِي حِينَ رَفَعْتُ كَانَ أكَثَرَ، أَمْ حِينَ وَضَعْتُ؟:::) هذه الرواية مختصرةٌ، وقد ساقها مسلم في "صحيحه" بالسند الذي أخرج منه المصنّف، فزاد ما نصّه: "قال: وجلس طوائف منهم يتحدثون، في بيت رسول اللَّه ﷺ ، ورسول اللَّه ﷺ جالس، وزوجته مُوَلِّيَةٌ وجهها إلى الحائط، فثقلوا على رسول اللَّه ﷺ ، فخرج رسول اللَّه ﷺ ، فسلم على نسائه، ثم رجع، فلما رأوا رسول اللَّه ﷺ ، قد رجع، ظنوا أنهم قد ثقدوا عليه، قال فابتدروا الباب، فخرجوا كلهم، وجاء رسول اللَّه ﷺ ، حتى أرخى الستر، ودخل وأنا جالس في الحجرة، فلم يَلْبَثْ إلا يسيرا، حتى خرج علي، وأُنزلت هذه الآية، فخرج رسول اللَّه ﷺ ، وقرأهن على الناس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ إلى آخر الآية [الأحزاب: ٥٣].
قال الجعد: قال أنس بن مالك: أنا أحدث الناس عهدا بهذه الآيات، وحُجِبن نساء النبيّ ﷺ ".
وفي رواية من طريق أبي مِجْلَز، عن أنس بن مالك، قال: لما تزوج النبي ﷺ زينب بنت جحش، دعا القوم، فطَعِمُوا، ثم جلسوا يتحدثون، قال: فأخذ كأنه يتهيأ للقيام، فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام، فلما قام قام من قام من القوم.
زاد عاصم، وابن عبد الأعلى في حديثهما: قال: فقعد ثلاثة، وإن النبي ﷺ جاء ليدخل، فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا، فانطلقوا، قال: فجئت، فأخبرت النبي ﷺ -
стр. 14254
أنهم قد انطلقوا، قال: فجاء حتى دخل، فذهبت أدخل، فألقى الحجاب بيني وبينه، قال: وأنزل اللَّه : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾، إلى قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣] (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم، وعلّقه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٨٤/ ٣٣٨٧ وفي ٢٦/ ٣٢٥٣ - وفي "الكبرى" ٣٧/ ٥٣٩٩ و ٥٣٤٠٠ و ٥٤٠١ و"التفسير" ١١٤١٦ و ١١٤١٧ و ١١٤١٨ و ١١٤١٢٠. وأخرجه (خ) في "التفسير" ٤٧٩٣ و"النكاح" ٥١٧١ و"الاستئذان" ٦٢٣٨ (م) في "النكاح" ١٤٢٨ (د) في "الأطعمة" ٣٧٤٣ (ت) في "التفسير" ٢٢١٨ و ٣٢١٩ (ق) في "النكاح" ١٩٠٨. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان استحباب الإهداء لمن تزوّج، إدخالًا للسرور في قلبه، وقياما عنه ببعض الكُلَف؛ لكونه مشغولًا بأمر الزواج، وهو نحو ما يُستحبّ من الإهداء لأهل الميت. (ومنها)؛ الاعتذار عن الهدية إذا كانت قليلة، وقول الإنسان نحو قول أم سُليم - رضي اللَّه تعالى عنها -: "هذا لك قليل". (ومنها): كون الوليمة بعد البناء، وهو الغالب، وقد تقدم بيانه. (ومنها): تعيين مرسل الهديّة باسمه، وليس ذلك من الرياء. (ومنها): استحباب بعث السلام، وإن كان المبعوث إليه أفضل من الباعث. (ومنها): استحباب حمل السلام، وإبلاغه إلى من كان غائبًا. (ومنها): استحباب الدعوة العامّة، من غير تعيين، كأن يقول: ادع من لقيت، قال القرطبيّ: وقد قال بعض علمائنا: إنه إذا لم يتعيّن المدعوّ لم تجب عليه الإجابة انتهى (٢). (ومنها): ما ظهر فيه من دلائل النبوّة، حيث دعى رسول اللَّه ﷺ على الطعام القليل بالبركة، فكفى هذا العدد الكثير من الصحابة ﵃. (ومنها): أن من آداب
стр. 14255
الآكلين إذ كثر عددهم أن يَجتمعوا على القصة الواحدة عشرة. (ومنها): أيضًا الأكل مما يلي الإنسان، وهذا إذا كان الطعام نوعًا واحدًا، أما إذا كان أنواعًا، فله أن يأكل ما تشتهية نفس الآكل، من غير حرج. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٣٨٩ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ الْوَزِيرِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ عُفَيْرٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ, عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ, عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ, عَنْ أَنَسٍ, أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: آخَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالأَنْصَارِ, فَآخَى بَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ, فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: إِنَّ لِي مَالاً, فَهُوَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ شَطْرَانِ, وَلِي امْرَأَتَانِ, فَانْظُرْ أَيُّهُمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ, فَأَنَا أُطَلِّقُهَا, فَإِذَا حَلَّتْ فَتَزَوَّجْهَا, قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ, دُلُّونِي, أَيْ عَلَى السُّوقِ, فَلَمْ يَرْجِعْ حَتَّى رَجَعَ بِسَمْنٍ وَأَقِطٍ, قَدْ أَفْضَلَهُ, قَالَ: وَرَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيَّ أَثَرَ صُفْرَةٍ, فَقَالَ: «مَهْيَمْ؟» , فَقُلْتُ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ, فَقَالَ: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أحمد بن يحيى بن الوزير) التُّجيبيّ المصريّ، ثقة [١١] ٤٢/ ٢٦٩٠ من أفراد المصنف، وأبي داود.
٢ - (سعيد بن كثير بن عُفير) الأنصاريّ مولاهم المصريّ، صدوق [١٠] ٣/ ٣٠٩٨.
٣ - (سليمان بلال) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب المدنيّ، ثقة [٨] ٣٠/ ٥٥٨.
٤ - (يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقة ثبت [٥] ٢٢/ ٢٣.
٥ - (حميد الطويل) ابن أبي حميد، أبو عبيدة البصريّ، ثقة يدلس [٥] ٨٧/ ١٠٨.
٦ - (أنس) بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح غير شيخه، كما سبق آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فمصريان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وهو من رواية الأقران، فإن كلا منهما من الطبقة الخامسة. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 14256
شرح الحديث
(عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَس) بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّهُ سَمِعَهُ) أي سمع حميدٌ أنس بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - (يَقُولُ: آخَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ قُرَيْش) يعني المهاجرين (والأَنصارِ، فآخَى بَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ) بن عمرو بن أبي زُهير بن مالك بن امرئ القيس ابن مالك الأغرّ بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج الأنصاريّ الخزرجيّ، أحد نُقَباء الأنصار، استُشهد ﵁ بأحد (وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) أحد العشرة المبشرين بالجنة ﵁ (فَقالَ لَهُ سَعْدٌ، إِنَّ لِي مالًا) أي كثيرًا، فالتنوين للتكثير، وفي رواية إسماعيل بن جعفر: "لقد علمت الأنصار أني من أكثرها مالًا"، وفي حديث عبد الرحمن: "إني أكثر الأنصار مالًا" (فَهُوَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ شَطْرانِ) أي نصفان (وَلِي امْرَأَتَانِ) قال الحافظ: لم أقف على اسم امرأتي سعد بن الربيع، إلا أن ابن سعد ذكر أنه كان له من الولد أمّ سعد، واسمها جميلة، وأمها عمرة بنت حزم، وتزوّج زيد بن ثابت أم سعد، فولدت له ابنه خارجة، فيؤخذ من هذا تسمية إحدى امرأتي سعد. وأخرج الطبرانيّ في "التفسير" قصّة مجيء امرأة سعد بن الربيع بابنتي سعد، لما استُشهد، فقالت: إن عمّهما أخذ ميراثهما، فنزلت آية المواريث، وسمّاها إسماعيل القاضي في "أحكام القرآن" بسند له مرسل عمرةَ بنت حزم انتهى (١) (فانْظُرْ أَيُّهُمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ) يجوز في "أيّهما" وجهان من الإعراب: أحدهما: أن تكون "أيّ" استفهاميّةً، مرفوعة بالابتداء، وهي مضافة إلى ضمير التثنية، و"أحبّ" خبرها، والجملة في محلّ نصب معلّقة عنها "انظر". والوجه الثاني: أن تكون موصولة بمعنى "التي"، مفعول "انظر"، و"أحبّ" خبر مبتدإ محذوف أي هي، والجملة صلة لـ"أيهما" (٢) (فَأَنَا أُطَلِّقُهَا، فَإِذَا حَلَّتْ) أي حلّ نكاحها بانقضاء عدّتها (فَتَزَوَّجْهَا، قَالَ) عبد الرحمن بن عوف (بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمالِكَ) وفي رواية: "لا حاجة لي في ذلك، هل من سُوق، فيه تجارةٌ؟ قال: سوق بني قَيْنُقاع" (دُلُّونِي، أَيْ) تفسيريّة، والظاهر أنها من بعض الرواة، حيث لم يحفظ قوله (عَلَى السُّوقِ) وفي رواية البخاريّ: "دُلّوني على السوق" من غير "أَيْ"، زاد في رواية: "فدلّوه" (فَلَمْ يَرْجِعْ حَتَّى رَجَعَ بِسَمْنٍ وَأَقِطٍ) وفي رواية البخاريّ: "فخرج إلى السوق، فباع، واشترى، فأصاب شيئًا من أقط وسمنٍ (قَدْ أَفْضَلَهُ) أي ربح كلًّا من السمن، والأقط. وأما قوله (قَالَ: وَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيَّ أَثَرَ صُفْرَةٍ، فَقَالَ:
стр. 14257
"مَهْيَم؟ "، فَقُلْتُ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقالَ: "أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ" فقد تقدّم شرحه مستوفًى في -٦٧/ ٣٣٥٢ - وكذا بيان مسائله، فراجعه تستفد.
والحديث متّفقٌ عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
[تنبيه]: وقع في النسخة "الهندية" تقديم "كتاب عشرة النساء" إلى هذا الموضع، خلاف النسخة المصريّة، فإنها أخّرته إلى ما بعد "كتاب المزارعة"، فرأيت أن ما في النسخة الهندية أولى بالمناسبة لـ"كتاب النكاح"، فتبعتها في تقديمه؛ لذلك، فتنبّه. وقد كتب قبله في هذه النسخة: ما نصّه: آخر "كتاب النكاح"، "بسم اللَّه الرحمن الرحيم".
…
٢٦ - (كِتَابُ عِشْرَةِ النِّساءِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "العِشْرَة" -بكسر العين المهملة، وسكون الشين المعجمة-: اسمٌ من المعاشرة، والتعاشُرِ، وهي المخالطة. قاله الفيّوميّ. وقال ابن منظور: "العِشْرةُ": المخالطةُ، عاشرته مُعاشرةً، واعتشروا، وتعاشروا: تخالطوا، قال طَرَفَة [من الرمل]:
وَلَئِنْ شَطَّتْ نَوَاهَا مَرَّةً … لَعَلَى عَهْدِ حَبِيبٍ مُعْتَشِرْ
جعل الحبيب جمعًا كالخليط والفريق، وعَشِيرة الرجل بنو أبيه الأَدْنَوْنَ. وقيل: هم القبيلة، والجمع عَشائر. قال أبو عليّ: قال أبو الحسن: ولم يُجمع جمع السلامة. قال ابن شُميل: العَشِيرةُ العامّةُ مثلُ بني تميم، وبني عمرو بن تميم، والعَشِير القبيلة، والعَشِيرُ المعاشر، والعَشيرُ القَريب، والصديق، والجمع عُشَراء، وعَشِيرةُ المرأة زوجها؛ لأنه يُعاشرها، وتُعاشره، كالصديق، والمصادق، قال ساعدةُ بن جؤية [من الطويل]:
رَأَتْهُ عَلَى يَأْسٍ وَقَدْ شَابَ رَأْسُها … وَحِينَ تَصَدَّى لِلْهَوانِ عَشِيرُها
أراد: لإهانتها، وهي عَشيرته، وقال النبيّ ﷺ : "فإني رأيتكنّ أكثر أهل النار"، فقلن: وبم يا رسول اللَّه؟ قال: "تكثرن اللعن، وتَكفُرنَ العَشِيرَ" (١). العَشِيرُ الزوج. وقوله تعالى: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾: أي لبئس المعاشر انتهى كلام ابن منظور (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
стр. 14258
١ - (بابُ حُبِّ النِّساءِ)
٣٩٩٠ - حَدَّثَنِي الشَّيْخُ الإِمَامُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ, قَالَ: (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عِيسَى الْقُومَسِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سَلاَّمٌ, أَبُو الْمُنْذِرِ, عَنْ ثَابِتٍ, عَنْ أَنَسٍ, قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا: النِّسَاءُ, وَالطِّيبُ, وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القائل: "حدّثني الشيخ الإمام أبو عبد الرحمن النسائيّ" هو تلميذه، والظاهر أنه الحافظ أبو بكر ابن السُّنّيّ -رحمه اللَّه تعالى-؛ لأنه المشهور برواية "المجتبى".
ورجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (الحسين بن عيسى القُومسيّ) أبو عليّ البسطاميّ، نزيل نيسابور، صدوقٌ، صاحب حديث [١٠] ٦٩/ ٨٦.
[تنبيه]: قوله: "القُومَسِيُّ" بضمّ القاف وسكون الواو، وفتح الميم: نسبة إلى قُومَس
بلدة من بِسطام إلى سِمْنَان. أفاده في "لب اللباب" جـ٢ ص١٩٢.
٢ - (عفّان بن مسلم) أبو عثمان الصفّار البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، قال ابن المدينيّ: كان إذا شكّ في حرف من الحديث تركه. وربّما وَهِم. وقال ابن معين: أنكرناه في صفر سنة (٢١٩) ومات بعدها بيسير، من كبار [١٠] ٢١/ ٤٢٧.
٣ - (سلّام) بن سليمان المزنيّ، أبو المنذر القارئ النحويّ البصريّ، نزيل الكوفة، صدوقٌ يَهِم [٧].
قال البخاريّ: ويقال عن حماد بن سلمة: سلام أبو المنذر أحفظ لحديث عاصم من حماد بن زيد. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: لا بأس به. وقال ابن الجنيد: سألت ابن معين، أثقةٌ هو؟ قال: لا. وقال ابن أبي حاتم: صدوقٌ صالح الحديث. وقال الآجريّ، عن أبي داود: ليس به بأسٌ، أُنكر عليه حديث داود عن عامر في القراءة. وقال في موضع آخر: لم يكن أحدٌ أشدّ على القدريّة منه، كان نصر بن عليّ يُنكر عليه شيئًا من الحروف. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: كان يُخطىء، وليس هذا بسلّام الطويل، ذاك ضعيفٌ، وهذا صدوقٌ. وقال الساجيّ: صدوقٌ يِهم، ليس بمتقن في الحديث. قال ابن معين: يُحتَمل لصدقه. وقال غيره: قرأ على عاصم، وأبي عمرو، وهو شيخ يعقوب في القراءة. ذكر بعض القرّاء أنه مات سنة (١٧١).
стр. 14259
تفرّد به المصنّف، والترمذيّ، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
٤ - (ثابت) بن أسلم البنانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة عابد [٤] ٤٥/ ٥٣.
٥ - (أنس) بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير سلّام، فتفرّد به المصنف، والترمذيّ. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وفيه أنس ﵁ من المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة، كما سبق بيانه في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَنَس) بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "حُبِّبَ) بالبناء للمفعول (إِلَيَّ مِنَ الدُّنيَا: النِّسَاءُ، والطِّيبُ) قال السنديّ: قيل: إنما حُبّب إليه النساء لينقلن عنه ما لا يطّلع عليه الرجال من أحواله، وُيستحيا من ذكره. وقيل: حُبّب إليه زيادة في الابتلاء في حقّه حتى لا يلهو بما حُبّب إليه من النساء عما كُلّف به من أداء الرسالة، فيكون ذلك أكثر لمشاقّه، وأعظم لأجره. وقيل: غير ذلك. وأما الطيب، فكأنه يحبّه لكونه يناجي الملائكة، وهم يُحبّون الطيب، وأيضًا هذه المحبّة تنشأ من اعتدال المزاج، وكمال الخلقة، وهو ﷺ أشدّ اعتدالاً من حيث المزاج، وأكمل خلقة (١).
وقال السيوطيّ: قال بعضهم: في هذا قولان:
[أحدهما]: أنه زيادة في الابتلاء والتكليف حتى لا يلهو بما حُبّب إليه من النساء عما كُلِّف من أداء الرسالة، فيكون ذلك أكثر لمشاقّه، وأعظم لأجره.
و [الثاني]: لتكون خلواته مع ما يُشاهدها من نسائه، فيزول عنه ما يرميه به المشركون من أنه ساحرٌ، أو شاعر فيكون تحبيبهنّ إليه على وجه اللطف به، وعلى القول الأول على وجه الابتلاء، وعلى القولين، فهو له فضيلة. وقال التستريّ في "شرح الأربعين" "من" في هذا الحديث بمعنى "في"؛ لأن هذه من الدين، لا من الدنيا، وإن كانت فيها، والإضافة في رواية "دنياكم" للإيذان بأن لا علاقة له بها.
وفي هذا الحديث إشارةٌ إلى وفائه ﷺ بأصلي الدين: وهما التعظيم لأمر اللَّه، والشفقة على خلق اللَّه، وهما كمالا قوّتيه النظريّة، والعلميّة، فإن كمال الأولى بمعرفة
стр. 14260
اللَّه، والتعظيم دليل عليها؛ لأنه لا يتحقّق بدونها، والصلاة لكونها مناجاة اللَّه تعالى على ما قال ﷺ المصلّي يناجي ربّه نتيجة التعظيم على ما يلوح من أركانها، ووظائفها، وكمال الثانية في الشفقة، وحسن المعاملة مع الخلق، وأولى الخلق بالشفقة بالنسبة إلى كلّ واحد من الناس نفسه وبدنه، كما قال ﷺ : "ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول"، والطيب أخصّ الذات بالنفس، ومباشرة النساء ألذّ الأشياء بالنسبة إلى البدن مع ما يتضمّن من حفظ الصحّة، وبقاء النسل المستمرّ لنظام الوجود، ثم إن معاملة النساء أصعب من معاملة الرجال لأنهنّ أرقّ دينًا، وأضعف عقلًا، وأضيق خُلُقًا، كما قال ﷺ : "ما رأيت من ناقصات عقل ودين، أذهب للبّ الرجل الحازم من إحداكنّ"، فهو ﷺ أحسن معاملتهنّ بحيث عوتب بقوله تعالى: ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾، وكان صدور ذلك منه طبعًا، لا تكلّفًا، كما يفعل الرجل ما يُحبّه من الأفعال، فإذا كانت معاملته معهنّ هذا، فما ظنّك بمعاملته مع الرجال الذين هم أكمل عقلًا، وأمثلُ دينًا، وأحسنُ خُلُقًا.
وقوله (وَجُعِلَ) بالبناء للمجهول، وفي الرواية التالية: "وجُعِلت" (قُرَّةُ عَيْنِي) -بضمّ القاف، وتشديد الراء- مصدر قَرَّت العينُ تَقِرّ، من بابي ضرب، وتَعِب قُرَّةً، وقُرُورًا: إذا بَرَدَت سُرُورًا. أفاده الفيّوميّ. وقال ابن منظور: واختلفوا في اشتقاق قَرَّتْ عينُهُ، فقال بعضهم: معناه بَرَدَت، وانقطع بكاؤها، واستحرارها بالدمع، فإن للسرور دمعةً باردة، وللحزن دمعة حارّةٌ. وقيل: هو من القَرَار: أي رأت ما كانت متشوّفة إليه، فقرّت، ونامت. وقيل: أقرّ اللَّه عينك: أي بلّغك أُمنيّتك حتى ترضى نفسُك، وتسكُن عينك، فلا تستشرف إلى غيره. وقيل: أقرّ اللَّه عينك: أي صادفتَ ما يُرضيك، فتقرَّ عينك من النظر إلى غيره. ورضي أبو العبّاس هذا القول، واختاره. وقال أبو طالب: أقرّ اللَّه عينه: أنام اللَّه عينه، والمعنى صادف سُرورًا يُذهب سَهَرَهُ، فينامَ، وأنشد:
أَقَرَّ بِهِ مُوالِيكَ الْعُيُونَا
أي نامت عيونهم لَمّا ظَفِرُوا بما أرادوا انتهى كلام ابن منظور باختصار (١).
(فِي الصَّلَاةِ) فيه إشارة إلى أنّ تلك المحبّة غير مانعة عن كمال المناجاة مع الربّ ﵎، بل هو مع تلك المحبّة منقطع إليه تعالى، حتى إنه بمناجاته تقَرّ عيناه، وليس له قريرة العين فيما سواه، فمحبّته الحقيقيّة ليست إلا لخالقه ﵎، كما قال ﷺ : "ولو كنت متخذا خليلا، لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن صاحبكم خليل اللَّه" رواه أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه، وهو متّفقٌ عليه بنحوه.
والظاهر أن المراد بالصلاة هي الصلاة المعهودة، ذات الركوع والسجود. وذكر
стр. 14261
السنديّ احتمال أن يكون المراد في صلاة اللَّه تعالى عليّ، أو في أمر اللَّه تعالى الخلق بالصلاة عليّ (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في هذا الاحتمال بعدٌ لا يخفى، فالمعنى الأول هو الصواب، ويشهد لذلك ما أخرجه أحمد، وأبو داود بسند صحيح، عن عبد اللَّه بن محمد ابن الحنفية، قال: دخلت مع أبي، على صِهْر لنا من الأنصار، فحضرت الصلاة، فقال: يا جارية ائتيني بوضوء، لعلي أصلي، فأستريح، فرآنا أنكرنا ذاك عليه، فقال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "قم، يا بلال، فأرحنا بالصلاة". واللَّه تعالى أعلم.
وقال الحافظ السيوطيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وقوله: "وجعلت قرّة عيني في الصلاة" إشارة إلى أنّ كمال القوّة النظريّة أهمّ عنده، وأشرف في نفس الأمر، وأما تأخيره، فللتدريج التعليميّ من الأدنى إلى الأعلى، وقدّم الطيب على النساء؛ لتقدّم حظّ النفس على حظّ البدن في الشرف.
وقال الحكيم الترمذيّ في "نوادر الأصول": الأنبياء زيدوا في النكاح لفضل نبوّتهم، وذلك أن النور إذا امتلأ منه الصدر، ففاض في العروق التذّت النفس، والعروق، فأثار الشهوة، وقوّاها.
وروى سعيد بن المسيّب أن النبيين - عليهم الصلاة والسلام - يُفضّلون بالجماع على الناس. وروي عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "أعطيتُ قوّة أربعين رجلًا في البطش والنكاح، وأعطي المؤمن قوّة عشرة" (٢)، فهو بالنبوّة، والمؤمن بإيمانه، والكافر له شهوة الطبيعة فقط.
قال: وأما الطيب، فإنه يزكّي الفؤاد، وأصل الطيب إنما خرج من الجنّة، تزوّج (٣)
стр. 14262
آدم منها بورقة تَسَتَّر بها، فتُركت عليه. وروى أحمد، والترمذيّ من حديث أبي أيوب ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أربعٌ من سنن المرسلين: التعطّر، والحياء، والنكاح، والسواك" (١).
وقال الشيخ تقيّ الدين السبكيّ -رحمه اللَّه تعالى-: السرّ في إباحة نكاح أكثر من أربع لرسول اللَّه ﷺ أن اللَّه تعالى أراد نقل بواطن الشريعة، وظواهرها، وما يُستحيا من ذكره، وما لا يُستحيا منه، وكان رسول اللَّه ﷺ أشدّ الناس حياء، فجعل اللَّه تعالى نسوة ينقلن من الشرع ما يرينه من أفعاله، ويسمعنه من أقواله التي قد يستحيي من الإفصاح بها بحضرة الرجال؛ ليتكمّل نقل الشريعة، وكثر عدد النساء؛ ليكثر الناقلون لهذا النوع، ومنهنّ عُرف مسائل الغسل، والحيض، والعدة، ونحوها. قال: ولم يكن ذلك لشهوة منه في النكاح، ولا كان يحبّ الوطء للذّة البشريّة، معاذ اللَّه، وإنما حُبّب إليه النساء لنقلهنّ عنه ما يَستَحيِي هو من الإمعان في التلفّظ به، فأحبّهنّ لما فيه من الإعانة على نقل الشريعة في هذه الأبواب. وأيضًا فقد نقلن ما لم ينقله غيرهنّ، مما رأينه في منامه، وحالة خلوته، من الآيات البيّنات على نبوّته، ومن جِدِّه، واجتهاده في العبادة، ومن أمور يشهد كلّ ذي لبّ أنها لا تكون إلا لنبيّ، وما كان يشاهدها غيرهنّ، فحصل بذلك خيرٌ عظيمٌ.
وقال الموفّق عبد اللطيف البغداديّ: لَمّا كانت الصلاة جامعةً لفضائل الدنيا والآخرة، خصّها بزيادة صفة، وقدّم الطيب (٢) لإصلاحه النفس، وثَنّى بالنساء؛ لإماطة أذى النفس بهنّ، وثلّث بالصلاة؛ لأنها تحصل حينئذ صافيةً عن الشوائب، خالصةً عن الشواغل. انتهى كلام السيوطيّ -رحمه اللَّه تعالى- (٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، لم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا-١/ ٣٣٩٠ و ٣٣٩١ - وفي
стр. 14263
"الكبرى" ١/ ٨٨٨٧ و ٨٨٨٨. وأخرجه أحمد في "مسند المكثرين" ١١٨٨٤ و ١٢٦٤٤ و ١٣٦٢٣. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو مشروعيّة حبّ النساء، وأنه لا ينافي مقام النبوّة. (ومنها): ما كان عليه النبيّ ﷺ من قوّة محبّته للَّه حيث لم يؤثر فيه حبّه للنّساء، بل ازداد به القرب من اللَّه تعالى والزلفى. (ومنها): أنه يدلّ على أن محبّته ﷺ للنساء والطيب ليس من جنس المحبّة المجرّدة الشهويّة، كسائر عامة الناس، بل لكونه طريقًا لنشر الشريعة التي لا تُنقل من طرق الرجال، بل من طرق الأزواج اللاتي يلازمنه في نومه، ويقظته، وأكله وشربه، وسائر أحواله التي يكون عليها من حين يدخل بيته إلى أن يخرج منه. (ومنها): بيان أن محبّة النساء، وسائر ملاذّ الدنيا إذا لم يؤدّ إلى الإخلال بأداء حقوق العبوديّة لا يكون نقصًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٩١ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ الطُّوسِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا سَيَّارٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ, عَنْ أَنَسٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «حُبِّبَ إِلَيَّ النِّسَاءُ, وَالطِّيبُ, وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عليّ بن مسلم" بن سعيد الطُوسيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ [١٠].
قال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في، "الثقات". وقال الدارقطنيّ: ثقة. وُلد سنة (١٦٠) ومات في جمادى الآخرة سنة (٢٥٣). تفرّد به البخاريّ، وأبو داود، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
و"سيار" بن حاتم الْعَنَزيّ (١) أبو سلمة البصريّ، صدوقٌ له أوهام، من كبار [٩]. قال أبو داود، عن القواريريّ: لم يكن له عقل، قلت: يُتّهم بالكذب؟ قال: لا. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: كان جمّاعًا للرقائق. وقال أبو أحمد الحاكم: في حديثه بعض المناكير. وقال العقيلي: أحاديثه مناكير، ضعّفه ابن المدينيّ. وقال الأزديّ: عنده مناكير. قال عليّ بن مسلم: مات سنة (٢٠٠) أو (١٩٩). تفرّد به المصنّف، والترمذيّ، وابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
و"جعفر" بن سليمان الضُّبَعِيّ، أبو سليمان البصريّ، صدوق زاهد، لكنّه كان يتشيّع
стр. 14264
[٨] ١٤/ ١٤.
والحديث صحيح، سبق شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٩٢ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي, قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ, عَنْ قَتَادَةَ,, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, قَالَ: "لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ, أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ , بَعْدَ النِّسَاءِ مِنَ الْخَيْلِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث ضعيفٌ، لعنعنة قتادة، حيث إنه مدلّس، وسعيد مختلط، أخرجه المصنّف هنا - ١/ ٣٣٩٢ وفي "كتاب الخيل"، "باب حبّ الخيل" ٢/ ٣٥٩١ - وفي "الكبرى" ١/ ٨٨٨٩.
وقوله: "لم يكن شيء أحبّ الخ" قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: لعلّ ترك ذكرها في حديث "حُبّب إليّ من دنياكم: النساء، والطيب"؛ لعدّها من الدين؛ لكونها آلة الجهاد. واللَّه تعالى أعلم انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لكن يعكر عليه أنه ذكر هناك الصلاة، وهي من الدين قطعًا، فتأمّل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢ - (مَيْلُ الرَّجُلِ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ دُونَ بَعْضٍ)
٣٩٩٣ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ, عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «مَنْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ, يَمِيلُ لإِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى, جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ, أَحَدُ شِقَّيْهِ مَائِلٌ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عمرو بن عليّ) الفلاّس الصيرفيّ البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/ ٤.
стр. 14265
٢ - (عبد الرحمن) بن مهديّ العنبريّ البصريّ، ثقة ثبت إمام [٩] ٤٢/ ٤٩.
٣ - (همام) بن يحيى العَوْذيّ البصريّ، ثقة ربما وهم [٧] ٥/ ٤٦٥.
٤ - (قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة ثبت يدلس [٤] ٣٠/ ٣٤.
٥ - (النضر بن أنس) أنس بن مالك الأنصاريّ، أبو مالك البصريّ، أبو مالك البصريّ، ثقة [٣].
قال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال الآجريّ، عن أبي داود: كان فيمن خرج إلى الجماجم. وذكر الطبريّ أنه كان فيمن خرج مع زيد بن المهلّب أيام خروجه على يزيد بن عبد الملك. وقال ابن سعد: كان ثقة، له أحاديث، ومات قبل الحسن. يعني البصري. وقال العجليّ: بصريّ تابعيّ ثقة. مات سنة بضع ومائة. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث.
٦ - (بشير بن نَهِيك) -بفتح النون، وكسر الهاء- أبو الشعثاء البصريّ، ثقة [٣] ١٤١/ ١١٠٧.
٧ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: قتادة، عن النضر، عن بشير. (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ من المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ) الظاهر أن الحكم غير مقصور على امرأتين، بل هو اقتصار على الأدنى، فمن له ثلاث، أو أربع كان كذلك. قاله السنديّ (يَمِيلُ لِإِحداهُمَا عَلَى الْأُخْرَى) أي ميلًا فعليًّا، فإنه المنهيّ عنه، فلا يؤاخذ بالميل القلبيّ، إذا سوّى بينهما بي فعل القَسْم؛ لقوله : ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ الآية [النساء: ١٢٩]. قال أبو عبد اللَّه القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: أخبر تعالى بنفي الاستطاعة في العدل بين النساء، وذلك في ميل الطبع بالمحبّة، والجماع، والحظّ من القلب، فوصف اللَّه تعالى حالة البشر، وأنهم بحكم الخلقة لا يملكون ميل قلوبهم إلى بعض دون بعض، ولهذا كان ﷺ يقول: "اللَّهم إن هذه قسمتي
стр. 14266
فيما أملك، فلا تلُمني فيما تملك، ولا أملك" (١)، ثم نهى، فقال: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ قال مجاهد: لا تتعمّدوا الإساءة، بل الزموا التسويةَ في القَسْم والنفقة؛ لأن هذا مما يُستطاع. انتهى (٢) (جَاءَ يَوْمَ القِيامَةِ، أَحَدُ شِقَّيهِ مَائِلٌ) الشّقّ -بالكسر-: النصف، ومنه قولهم: المال بيني وبينك شِقّين: أي نصفين. قاله الطيبيّ (٣).
أي يجيء يوم القيامة غير مستوي الطرفين، بل يكون أحدهما كالراجح وزنًا، كما كان في الدنيا غير مستوي الطرفين بالنظر إلى المرأتين، بل كان يرجّح إحداهما على الأخرى (٤).
وفي رواية الترمذيّ: "وشِقّه ساقط". قال في "تحفة الأحوذيّ" أي نصفه مائل. قيل: بحيث يراه أهل العرصات ليكون هذا زيادةٌ في التعذيب، وهذا الحكم غير مقصور على امرأتين، فإنه لو كانت ثلاث، أو أربع كان السقوط ثابتًا، واحتمل أن يكون نصفه ساقطًا، وإن لزم الواحدة، وترك الثلاث، أو كانت ثلاثة أرباعة ساقطة، وعلى هذا فاعتبر. ثم إن كانت الزوجتان إحداهما حرّة، والأخرى أمةً، فللحرّة الثلثان من القسم، وللأمة الثلث، بذلك ورد الأثر، قضى به أبو بكر وعليّ - رضي اللَّه تعالى عنهما -. كذا في "المرقاة" (٥). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٢/ ٣٣٩٣ - وفي "الكبرى" ٢/ ٨٨٩٠. وأخرجه (د) في "النكاح" ٢١٣٣ (ت) في "النكاح" ١١٤١ (ق) في "النكاح" ١٩٦٩ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٨٣٦٣ و ٩٧٤٠ (الدارمي) في "النكاح" ٢٢٠٦. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم ميل الرجل إلى بعض نسائه دون بعض، وهو التحريم؛ للوعيد المذكور في هذا الحديث. (ومنها):
стр. 14267
وجوب القسم بين الزوجات. (ومنها): اعتناء الشارع بإبعاد ما من شأنه أن يُحدث الشحناء والبغضاء بين الأمة، فحرّم التفرقة بين الزوجات؛ لأن ذلك يورث الشقاق بين الرجل وأهل بيته، بل يتعدّى ذلك إلى أهاليهما، فيجب الابتعاد عنه. (ومنها) الحثّ على مكارم الأخلاق، من التسوية بين من أوجب الشارع ذلك لهم، فلا يجوز الميل إلى أحد الجانبين إلا إذا كان ذلك مشروعًا، كان تكون إحدى الزوجات أمةً، فلا يجب التسوية بينها وبين الحرّة في القسم، بل لها نصف ما للحرّة من الأيام. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قال أبو العباس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: ما حاصله: لم يُختلف في حقّ غير النبيّ ﷺ ممن له زوجات أن العدل عليه واجب؛ لقوله ﷺ : "من كانت له امرأتان … " الحديث. ولقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ الآية [النساء: ١٢٩].
قال: فأما كيفيّة القَسْم، فلا خلاف في أن عليه أن يفرد كلّ واحدة بليلتها، وكذلك قول عامّة العلماء في النهار. وذهب بعضهم إلى وجوب ذلك في الليل، دون النهار، ولا يدخل لإحداهما في يوم الأخرى وليلتها، لغير حاجة، واختُلف في دخوله لحاجة وضرورةٍ، فالأكثرون على جوازه، مالك وغيره. وفي كتاب ابن حبيب منعه. ويعدل بينهنّ في النفقة، والكسوة، إذا كنّ معتدلات الحال، ولا يلزم ذلك في المختلفات المناصب، وأجاز مالك أن يفضّل إحداهما في الكسوة على غير جهة الميل.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله القرطبيّ من عدم لزوم العدل في المختلفات المناصب، ونقله عن مالك -رحمه اللَّه تعالى- من التفضيل في الكسوة يحتاج إلى دليل يخصّصه من عموم أدلّة وجوب العدل في القسم، فتأمّل. واللَّه تعالى أعلم.
قال: فأما الحبّ والبغض، فخارجان عن الكسب، فلا يتأتى العدل فيهما، وهو المعني بقوله ﷺ : "فلا تلُمني فيما تملك، ولا أملك" (١). وعند أبي داود: "يعني القلب"، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ الآية. انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (٢).
وقال أبو عبد اللَّه القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: ولا يُسقط حقّ الزوجة مرضها، ولا حيضها، ويلزمه المقام عندها في يومها وليلتها، وعليه أن يعدل في مرضه، كما يفعل في صحّته، إلا أن يعجز عن الحركة، فيقيم حيث غلب عليه المرض، فإذا صحّ استأنف
стр. 14268
القَسْمَ، والإماء والحرائر، والكتابيّات، والمسلمات في ذلك سواء. قال عبد الملك: للحرّة ليلتان، وللأمة ليلة. وأما السراري فلا قسم بينهنّ وبين الحرائر، ولا حظّ لهن فيه انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٩٤ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ, قَالَ: أَنْبَأَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ أَبِي قِلَابَةَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ, ثُمَّ يَعْدِلُ, ثُمَّ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ هَذَا فِعْلِي فِيمَا أَمْلِكُ, فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ, وَلَا أَمْلِكُ».
أَرْسَلَهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِسْماعِيلَ بْنِ إِبراهِيمَ) المعروف أبوه بابن عُليّة البصريّ، نزيل دمشق، وقاضيها، ثقة [١١] ٢٢/ ٤٨٩.
٢ - (يزيد) بن هارون بن زاذان السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقة ثبت متقن عابد [٩] ١٥٣/ ٢٤٤.
٣ - (حماد بن سلمة) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقة عابد، من كبار [٨] ١٨١/ ٢٨٨.
٤ - (أيوب) بن أبي تيمة كيسان، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت فقيه [٥] ٤٢/ ٤٨.
٥ - (أبو قلابة) عبد اللَّه بن زيد بن عمرو الجرميّ البصريّ، ثقة فاضل، كثير الإرسال، فيه نصب يسير [٣] ١٠٣/ ٣٢٢.
٦ - (عبد اللَّه بن يزيد) العجليّ البصريّ رضيع عائشة البصريّ، ثقة [٣] ٧٨/ ١٩٩٢.
٧ - (عائشة) - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، وشيخه، وإن نزل الشام، إلا أنه بصريّ الأصل. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض: أيوب، وأبو قلابة، وعبد اللَّه بن يزيد. (ومنها): أن فيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عائِشَةَ) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ،
стр. 14269
يَقْسِمُ بَيْنَ نِسائِهِ) بفتح حرف المضارعة، يقال: قسمته قَسْمًا، من باب ضرب: إذا فَرَزْته أجزاءً، فانقسم، والموضعُ مَقْسِمٌ، مثلُ مَسْجِدٍ، والفاعل قاسمٌ، وقسّامٌ مبالغةٌ، والاسم القِسمُ بالكسرِ، ويُطلق على الحِصّة، والنصيبِ، فيقال: هذا قِسْمي، والجمع أَقسَامٌ، مثلُ حِمْل وأحمالٍ، واقتسموا المال بينهم، والاسم القِسْمَةُ، وأُطلقت على النصيب أيضًا، وجمعها قِسَمٌ، مثلُ سِدرةٍ وسِدَرٍ، وتجب القِسْمَةُ بين النساء، وقِسْمةٌ عادلةٌ، أي اقتسامٌ، أو قَسْمٌ. قاله الفيّوميّ. ويُستفاد منه أن القَسْم بالفتح، بلا هاء مصدرٌ، والقسمة بالهاء بكسر القاف اسم مصدر، والقسم بالكسر النصيب والحظ. فتنبّه.
(ثُمَّ يَعْدِلُ) بكسر الدال المهملة، من باب ضرب: أي يُسوّي بينهنّ في القسم (ثُمَّ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ هَذَا فِعْلي فِيمَا أَمْلِكُ) أي فيما يستطيع القيام به، من التسوية في المبيت، والكلام، والطعام، واللباس، ونحوها (فَلَا تَلُمْنِي) بضم اللام، أي لا تعاتبني، ولا تؤاخذني. قال الفيّوميّ: لامهُ لَوْمًا، من باب قال: إذا عَذَلَه، فهو ملوم، والفاعل لائمٌ، والجمع لُوَّمٌ، مثلُ راكع ورُكّع، وألامه بالألف لغةٌ، فهو مُلامٌ، والفاعل مُليمٌ، والاسم الْمَلامةُ، والجمع مَلاوِمُ، واللائمةُ مثلُ الْمَلامة، وألام الرجلُ إِلامةً: فعل ما يَستحقّ عليه اللوم. قاله الفيّوميّ (فِيمَا تَمْلِكُ، وَلَا أَمْلِكُ) أي من زيادة المحبّة والميل القلبيّ. قال ابن الهمام: ظاهره أن ما عداه مما هو داخلٌ تحت ملكه، وقدرته يجب التسوية فيه، ومنه عدد الوطآت، والقُبْلات، والتسوية فيهما غير لازمة إجماعا انتهى (١).
وقال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: فإن قلت: بمثله لا يؤاخذ، ولا يلام غيره ﷺ ، فضلًا عن أن يلام هو، إذ لا تكليف بمثله، فما معنى هذا الدعاء؟.
قلت: لعله مبنيّ على جواز التكليف بمثله، وإن رُفع التكليف تفضّلاً منه تعالى، فينبغي للإنسان أن يتضرّع في حضرته تعالى؛ ليُديم هذا الإحسان، أو المقصود إظهار افتقار العبوديّة، وفي مثله لا التفات إلى مثل هذه الأبحاث. واللَّه تعالى أعلم انتهى (٢). وقوله: "أرسله حماد بن زيد" أشار به إلى إعلال رواية حماد بن سلمة هذه بأن حماد بن زيد خالفه في وصلها، فرواها مرسلة، وغرضه بهذا تضعيف هذه الرواية، لكن سيأتي تصحيحه إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
стр. 14270
حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وقد أشار المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- إلى ضعفه بقوله: "أرسله حماد بن زيد"، وأراد بذلك إعلاله بالإرسال، يعني أن حماد بن زيد خالف حماد بن سلمة فأرسله، وهو مقدّم عليه في أيّوب، فتكون روايته غير محفوظة، وكذا أعلّه الإمام الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "جامعه"، فقال -بعد أن أخرج رواية حماد بن سلمة موصولةً-: ما نصّه: ورواه حماد بن زيد، وغير واحد عن أيوب، عن أبي قلابة، مرسلًا: أن النبيّ ﷺ كان يَقْسم، وهذا أصحّ من حديث حماد بن سلمة انتهى (١). وكذا أعلّه الدارقطنيّ.
وأورده ابن أبي حاتم في "العلل" ١/ ٤٢٥ - من طريق حماد بن سلمة، ثم قال: فسمعت أبا زرعة يقول: لا أعلم أحدًا تابع حمادًا على هذا. -يعني على وصله-. وأيّده ابن أبي حاتم بقوله: قلت: روى ابن عُليّة، عن أيوب، عن أبي قلابة: كان رسول اللَّه ﷺ يقسم بين نسائه … الحديث مرسلٌ انتهى. والحاصل أنهم أعلّوه بالإرسال، فيكون المرسل هو المحفوظ.
[قلت]: إنما صَحَّ وإن كان الأرجح إرساله لأن له شواهدَ يعتضدُ بها، والمرسل إذا اعتضد يُقبَلُ، فمن شواهده حديث عائشة ﵂ أخرجه أبو داود، فقال في "سننه":
٢١٣٥ - حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا عبد الرحمن -يعني ابن أبي الزناد- عن شام ابن عروة، عن أبيه، قال: قالت عائشة: يا ابن أختي، كان رسول اللَّه ﷺ ، لا يُفَضِّلُ بعضنا على بعض في القسم، من مكثه عندنا، وكان قَلَّ يوم، إلا وهو يطوف علينا جميعًا، فيدنو من كل امرأة، من غير مَسِيسٍ، حتى يبلغ إلى التي هو يومها، فيبيت عندها، ولقد قالت سودة بنت زمعة- حين أَسَنَّت، وفَرَقَتْ أن يفارقها رسول اللَّه ﷺ : يا رسول اللَّه، يومي لعائشة، فقَبِلَ ذلك رسول اللَّه ﷺ -منها، قالت: نقول: في ذلك، أنزل اللَّه تعالى، وفي أشباهها -أراه قال-: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ الآية. وهذا إسناد حسنٌ، وأخرجه الحاكم ٢/ ١٨٦ - وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبيّ.
ومنها: حديث ابن عباس ﵄ أن النبيّ ﷺ كان معه تسع نسوة، فكان يقسم لثمان، وواحدة لم يكن يقسم لها. متفق عليه، وقد سبق للمصنف في أول "كتاب النكاح". فهذان الحديثان يشهدان للجُزْءِ الأول منه (٢).
والحاصل أن الحديث وإن رُجِّح إرساله، لكنه صحيح بشواهده. فتبصّر. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 14271
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٢/ ٣٣٩٤ - وفي "الكبرى" ٢/ ٨٨٩١. وأخرجه (د) في "النكاح" ٢١٣٤ (ت) في "النكاح" ١١٤٠ (ق) في "النكاح" ١٩٧١ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٤٥٨٧ (الدارمي) ٢٢٠٧. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم ميل الرجل إلى بعض زوجاته أكثر من بعض، وذلك أنه لا يجوز، ووجه الدلالة من الحديث، من حيث إنه ﷺ ، كان يَعدل، ويقول: "اللَّهم إن هذا فعلي فيما أملك الخ"، فإنه يدلّ على أن الميل فيما يقدر عليه الإنسان لا يجوز، وإنما يجوز له فيما لا يقدر عليه بأن كان ميلا قلبيًّا. (ومنها): ما كان عليه النبيّ ﷺ من حسن المعاملة لأزواجه، فلا يفضل بعضهنّ على بعض، فيما يستطيع من ذلك. (ومنها): تواضعه ﷺ لربّه، وتضرعه إليه بالدعاء بعدم المؤاخذه بالميل القلبيّ، وإن كان ذلك مما عفا اللَّه عنه، كما أشار إليه بقوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ الآية. (ومنها): أنه استدلّ بهذا الحديث من قال بوجوب القسم على النبيّ ﷺ ، وسنحقّقه في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في وجوب القسم بين الزوجات على النبيّ ﷺ :
قال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: ما حاصله: وهل كان القسم منه ﷺ على جهة الوجوب، كما هو على غيره بالاتفاق، أو هو مندوبٌ إلى ذلك، لكنّه أخذ نفسه بذلك، رغبةً في تحصيل الثواب، وتطييبًا لقلوبهنّ، وتحسينًا للعِشْرة على مقتضى خُلُقه الكريم، ولِيُقْتَدَى به في ذلك؟ قولان لأهل العلم، مستند القول بالوجوب التمسّك بعموم القاعدة الكليّة في وجوب العدل بينهنّ، وبقوله: "اللَّهمّ هذه قسمتي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك، ولا أملك" -يعني الحبّ والبغض. ومُستند نفيه قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥١]. ولم يُختَلف في حقّ غير النبيّ ﷺ ممن له زوجات أن العدل واجبٌ عليه؛ لقوله ﷺ : "من كانت له امرأتان، فلم يعدل … " الحديث. ولقوله تعالى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ الآية [النساء: ١٢٩] انتهى (١).
стр. 14272
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر لي أن الأرجح قول من قال بعدم وجوب القسم عليه ﷺ ، لوضوح دلالة الآية المذكورة في ذلك، وإنما كان يَقسم من عنده إيثارًا لمكارم الأخلاق، وحسن العشرة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه
أُنيب".
…
٣ - (حُبُّ الرّجُلِ بَعْضَ نِسَائِهِ أَكْثَرَ مِنْ بَعْضٍ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الفرق بين هذه الترجمة والتي قبلها أن تلك لبيان ما لا يجوز من الميل والجور في القسم بأن يعامل إحدى نسائه بما لا يعامل به غيرها من اللباس، والمآكل، والمشارب، وغيرها، وهذه لبيان ما يجوز من الميل القلبيّ الذي لا يستطيع الإنسان أن يفعله بين زوجاته بالسويّة، فإنه مغتفَرٌ، بنصّ قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ الآية. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٩٩٥ - (أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, عَنْ صَالِحٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ, أَنَّ عَائِشَةَ, قَالَتْ: أَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ , فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ ﷺ , إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ , فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيْهِ, وَهُوَ مُضْطَجِعٌ مَعِي فِي مِرْطِي, فَأَذِنَ لَهَا, فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ, إِنَّ أَزْوَاجَكَ أَرْسَلْنَنِي إِلَيْكَ, يَسْأَلْنَكَ الْعَدْلَ فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ, وَأَنَا سَاكِتَةٌ, فَقَالَ: لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ «أَيْ بُنَيَّةُ, أَلَسْتِ تُحِبِّينَ مَنْ أُحِبُّ؟» , قَالَتْ: بَلَى, قَالَ: «فَأَحِبِّي هَذِهِ» , فَقَامَتْ فَاطِمَةُ, حِينَ سَمِعَتْ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ , فَرَجَعَتْ إِلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ , فَأَخْبَرَتْهُنَّ بِالَّذِي قَالَتْ: وَالَّذِي قَالَ لَهَا, فَقُلْنَ لَهَا: مَا نَرَاكِ أَغْنَيْتِ عَنَّا مِنْ شَيْءٍ, فَارْجِعِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ , فَقُولِي لَهُ: إِنَّ أَزْوَاجَكَ يَنْشُدْنَكَ الْعَدْلَ, فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ, قَالَتْ فَاطِمَةُ: لَا وَاللَّهِ لَا أُكَلِّمُهُ فِيهَا أَبَدًا, قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ , زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ, إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ , وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي, مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَنْزِلَةِ, عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ , وَلَمْ أَرَ امْرَأَةً قَطُّ, خَيْرًا فِي الدِّينِ مِنْ زَيْنَبَ, وَأَتْقَى لِلَّهِ , وَأَصْدَقَ حَدِيثًا, وَأَوْصَلَ لِلرَّحِمِ, وَأَعْظَمَ صَدَقَةً, وَأَشَدَّ ابْتِذَالاً
стр. 14273
لِنَفْسِهَا فِي الْعَمَلِ, الَّذِي تَصَدَّقُ بِهِ, وَتَقَرَّبُ بِهِ, مَا عَدَا سَوْرَةً مِنْ حِدَّةٍ, كَانَتْ فِيهَا, تُسْرِعُ مِنْهَا الْفَيْئَةَ, فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ , وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَ عَائِشَةَ فِي مِرْطِهَا, عَلَى الْحَالِ الَّتِي كَانَتْ دَخَلَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا, فَأَذِنَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ , فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ, إِنَّ أَزْوَاجَكَ أَرْسَلْنَنِي, يَسْأَلْنَكَ الْعَدْلَ فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ, وَوَقَعَتْ بِي, فَاسْتَطَالَتْ, وَأَنَا أَرْقُبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ , وَأَرْقُبُ طَرْفَهُ, هَلْ أَذِنَ لِي فِيهَا, فَلَمْ تَبْرَحْ زَيْنَبُ, حَتَّى عَرَفْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , لَا يَكْرَهُ أَنْ أَنْتَصِرَ, فَلَمَّا وَقَعْتُ بِهَا, لَمْ أَنْشَبْهَا بِشَيْءٍ, حَتَّى أَنْحَيْتُ عَلَيْهَا, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّهَا ابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عبيد اللَّه بن سعد بن إبراهيم بن سعد) أبو الفضل البغداديّ، قاضي أصبهان، ثقة [١١] ١٧/ ٤٨٠.
٢ - (عمّه) هو يعقوب بن إبراهيم الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة فاضل، من صغار [٩] ١٩٦/ ٣١٤.
٣ - (أبوه) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة حجة [٨] ١٩٦/ ٣١٤.
٤ - (صالح) بن كيسان الغفاريّ أبو محمد المدنيّ، ثقة ثبتٌ فقيه [٤] ١٩٦/ ٣١٤.
٥ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت الشهير المدنيّ، رأس [٤] ١/ ١.
٦ - (محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام) بن المغيرة بن عبد اللَّه بن مخزوم المخزوميّ المدنيّ، أخو أبي بكر، ثقة [٣].
روى عن عائشة. وعنه الزهريّ. قال ابن سعد: كان ثقة، قليل الحديث. وقال النسائيّ: ثقة. وذكره مسلم في الطبقة الأولى من المدنيين. وقال الأزديّ في "الضعفاء": محمد بن عبد الرحمن بن الحارث، قال ابن معين: ليس حديثه بشيء (١). علّق عنه البخاريّ، وأخرج له مسلم، والمصنّف وله عندهما حديث الباب فقط.
٧ - (عائشة) - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
стр. 14274
الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم، عن بعض: صالح، وابن شهاب، ومحمد بن عبد الرحمن. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ) المخزوميّ (أَنَّ عاَئِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (قَالَتْ: أَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ ، فَاطِمَةَ بنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) وسبب الإرسال هو ما أخرجه الشيخان، وغيرهما (١)، واللفظ للبخاريّ، من طريق حماد بن زيد، عن هشام، عن أبيه، قال: كان الناس يَتَحَرَّون بهداياهم يوم عائشة، قالت عائشة: فاجتمع صواحبي إلى أم سلمة، فقلن: يا أم سلمة، واللَّه إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، وإنا نريد الخير، كما تريده عائشة، فمري رسول اللَّه ﷺ ، أن يأمر الناس أن يُهدُوا إليه، حيث ما كان، أو حيث ما دار، قالت: فذكرت ذلك أم سلمة للنبي ﷺ ، قالت: فأعرض عني، فلما عاد إليّ ذكرت له ذاك، فأعرض عني، فلما كان في الثالثة ذكرت له، فقال: "يا أم سلمة، لا تؤذيني في عائشة، فإنه واللَّه ما نزل عليَّ الوحيُ، وأنا في لِحَاف امرأة منكن غيرها".
وأخرج أيضًا من طريق سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، أن نساء رسول اللَّه ﷺ ، كُنّ حزبين، فحزب فيه عائشة، وحفصة، وصفية، وسودة، والحزب الآخر أم سلمة، وسائر نساء رسول اللَّه ﷺ ، وكان المسلمون قد علموا حب رسول اللَّه ﷺ عائشة، فإذا كانت عند أحدهم هدية، يريد أن يهديها إلى رسول اللَّه ﷺ ، أخرها حتى إذا كان رسول اللَّه ﷺ ، في بيت عائشة، بعث صاحب الهدية بها إلى رسول اللَّه ﷺ في بيت عائشة، فكلم حزب أم سلمة، فقلن لها: كلمي رسول اللَّه ﷺ ، يكلم الناس، فيقول: من أراد أن يهدي إلى رسول اللَّه ﷺ هدية، فليهده إليه، حيث كان، من بيوت نسائه، فكلمته أم سلمة بما قلن، فلم يقل لها شيئًا، فسألنها، فقالت: ما قال لي شيئا، فقلن لها: فكلميه، قالت فكَلَّمَتْهُ حين دار إليها أيضا، فلم يقل لها شيئا، فسألنها، فقالت: ما قال لي شيئا، فقلن لها: كلميه حتى يكلمك، فدار إليها فكلمته، فقال لها: "لا تؤذيني في عائشة، فإن الوحي لم يأتني، وأنا في ثوب امرأة، إلا عائشة"، قالت: فقالت: أتوب إلى اللَّه من أذاك يا رسول اللَّه، ثم إنهن دعون فاطمة، بنت رسول اللَّه ﷺ ، فأرسلت إلى رسول اللَّه ﷺ ، تقول: إن نساءك
стр. 14275
ينشدنك اللَّه العدل في بنت أبي بكر … " الحديث.
(فاسْتَأْذَنَتْ عَلَيْهِ) أي طلبت الإذن بالدخول عليه ﷺ (وَهُوَ مُضْطَجِعٌ) اسم فاعل من الاضطجاع، افتعال من الضَّجْعِ، يقال: ضَجَعتُ ضَجْعًا، من باب نفع، وضُجُوعًا: وَضَعْتُ جنبي بالأرض، وأضْجعتُ بالألف لغةٌ. قاله الفيّوميّ. والجملة في محلّ نصب على الحال، أي والحال أنه ﷺ واضع جنبه على الأرض "مَعِي فِي مِرْطِي) بكسر الميم، وسكون الراء: كساء من صوفٍ، أو خَزٍّ، يُؤتزرُ به، وتَتَلَفَّع المرأة به، والجمع مُرُوط، مثلُ حِمْلٍ وحُمُول. قاله الفيّوميّ.
قال أبو العباس القرطبيّ: وفي دخول فاطمة، وزينب على رسول اللَّه ﷺ ، وهو مع عائشة في مِرْطها، دليلٌ على جواز مثل ذلك، إذ ليس فيه كشف عورة، ولا ما يُستقبح على من فَعَل ذلك مع خاصّته، وأهله انتهى (١).
قال الحافظ وليّ الدين: قد تبيّن برواية مسلم، والنسائيّ من طريق محمد بن عبد الرحمن، عن عائشة أن كلًّا منهما لم يدخل إلا بعد استئذان، فلو كره ﷺ دخولهما على تلك الحالة لحجبهما، أو تغير عن حالته التي كان عليها.
[فإن قلت]: فقد روى النسائيّ (٢)، وابن ماجه من رواية البَهِيّ، عن عروة، عن عائشة، قالت: ما علمت حتى دخلت عليّ زينب بغير إذن، وهي غضبى، ثم قالت: يا رسول اللَّه أحسبك، إذا قَلَبَتْ بُنَيّةُ أبي بكر ذُرَيْعَتَيها، ثم أقبلت عليّ، فأعرضت عنها، حتى قال النبي ﷺ : "دونك فانتصري، فأقبلت عليها، حتى رأيتها، وقد يبس ريقها في فيها، ما ترد عليّ شيئا، فرأيت النبي ﷺ يتهلل وجهه.
[قلت]: الظاهر أن هذه واقعة أخرى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحديث المذكور حديث صحيح، وهذا الذي قاله وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-، من حمل هذه القصّة على أنها واقعة أخرى حسنٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم.
(فَأَذِنَ لَهَا، فَقالَت: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَزْوَاجَكَ أَرْسَلْنَنِي إِلَيْكَ، يَسْأَلْنَكَ الْعَدْلَ فِي ابْنَةِ أَبِي قُحافَةَ) قال النوويّ: معناه يسألنك التسوية في محبّة القلب، وكان ﷺ يُسوّي بينهنّ في الأفعال، والمبيت، ونحوه، وأما محبّة القلب فكان يحب عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - أكثر منهنّ، وأجمع المسلمون على أن محبّتهنّ لا تكليف فيها. ولا يلزمه التسوية فيها؛ لأنه لا قدرة لأحد عليها إلا اللَّه ، وإنما أمر بالعدل في الأفعال.
стр. 14276
وقد اختلف أصحابنا، وغيرهم من العلماء في أنه ﷺ ، هل كان يلزمه القسم بينهنّ في الدوام، والمساواة في ذلك، كما يلزم غيره، أم لا يلزمه، بل يفعل ما يشاء، من إيثار وحرمان؟ (١). فالمراد بالحديث طلب المساواة في محبّة القلب، لا العدل في الأفعال، فإنه كان حاصلًا قطعًا، ولهذا كان يُطاف به ﷺ في مرضه عليهنّ حتى ضَعُف، فاستأذنهنّ في أن يُمَرَّض في بيت عائشة، فأَذِنَّ له انتهى (٢).
وقال أبو العبَّاس القرطبيّ: طلب أزواج النبيّ ﷺ منه العدل بينهنّ، وبين عائشة - رضي اللَّه تعالى عنهن - ليس على معنى أنه جار عليهنّ، فمنعهن حقًّا هو لهنّ؛ لأنه ﷺ منزَّهٌ عن ذلك، ولأنه لم يكن العدل بينهنّ واجبًا عليه، لكن صدر ذلك منهنّ بمقتضى الْغَيْرة والحرص على أن يكون لهن مثلُ ما كان لعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من إهداء الناس له، إذا كان في بيوتهنّ، فكأنهنّ أردن أن يأمر من أراد أن يُهدي له شيئًا ألا يتحرّى يوم عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، ولذلك قال: "وكان الناس يتحرّون بهداياهم يوم عائشة".
ويحتمل أن يقال: إنهنّ طلبن منه أن يُسوّي بينهنّ في الحبّ، ولذلك قال ﷺ لفاطمة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "ألست تحُبّين من أُحبّ؟ " قالت: بلى، قال: "فأَحِبِّي هذه"، وكلا الأمرين لا يجب العدل فيه بين النساء، أما الهديّة فلا تُطلب من المهدي، فلا يتعيّن لها وقتٌ، وأما الحبّ، فغير داخل تحت قدرة الإنسان، ولا كسبه. انتهى (٣).
وقال الحافظ وليّ الدين: مقتضى القصة التي سُقناها من عند البخاريّ أن الذي طلبنه منه مساواتهنّ لعائشة في الإهداء للنبيّ ﷺ في بيوتهنّ، وقد صرّحت له أم سلمة بذلك مرارًا قبل حضور فاطمة، وزينب، ولم يصدُر ذلك منهنّ عن اعتدال، وهذا الكلام فيه تعريضٌ بطلب الهديّة، واستدعائها، وذلك ينافي كماله ﷺ أن يقوله على سبيل العموم، أما قوله ذلك لواحد بعينه على سبيل الانبساط إليه، وتكريمه فلا مانع منه، بل آحاد ذوي المودّات يمتنع من مثل ذلك، ولعلّ قوله ﷺ في جواب أم سلمة: "لا تؤذيني في عائشة، فإن الوحي لم يأتني، وأنا في ثوب امرأة إلا عائشة"، إشارة إلى أن تقليب قلوب الناس للإهداء في نوبة عائشة أمرٌ سماويٌّ، لا حِيلة لي فيه، ولا صنع بدليل اختصاصها بنزول الوحي عليّ، وأنا في ثوبها، دون غيرها من أمهات المؤمنين، فلا يمكنني قَطْعُ ذلك، ولا آمْرُ الناس بخلافه انتهى كلام وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى- (٤).
стр. 14277
(وَأَنا سَاكِتَةٌ) جملة في محلّ نصب على الحال (فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَيْ بُنَيَّةُ) "أَيْ" حرف نداء للقريب (أَلَسْتِ تُحِبِّينَ مَنْ أُحِبُّ؟ "، قَالَتْ: بَلَى، قَالَ: "فَأَحِبِّي هَذِهِ") يريد عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - (فَقَامَتْ فَاطِمَةُ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (حِينَ سَمِعَتْ ذَلِكَ من رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَرَجَعَتْ إِلَى أَزوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ ،فَأَخبَرَتُهُنَّ بِالَّذِي قَالَتْ) أي بما قالته فاطمة للنبيّ ﷺ من قولها: إن أزواجك أرسلنني إليك الخ" (وَالَّذِي قَالَ لَهَا) أي الجواب الذي ردّه عليها، وهو قوله ﷺ : "ألست تحُبّين الخ" (فَقُلْنَ لَهَا: مَا نَرَاكِ أَغْنَيْتِ عَنَّا مِنْ شَيْءٍ) أي لم تنفعينا بقضاء حاجتنا (فَارْجِعِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ) أي مرّةً أخرى (فَقُولِي لَهُ: إِنَّ أَزْوَاجَكَ يَنْشُدْنَكَ الْعَدْلَ) -بفتح أوله، وضمّ الشين المعجمة-: أي يسألنك، كما تقدّم قريبًا، يقال: نَشَدتُ فلاتًا: إذا قلت له: نشدتك اللَّه، أي سألتك اللَّهَ، كأنك ذكّرته إياه. وفي رواية: "يناشدنك اللَّه العدل" أي يسألنك باللَّه العدل (في ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ) أبو قُحافة: هو والد أبي بكر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وفي نسبتها إلى جدها، وإن كان صحيحًا سائغًا، إلا أن فيه نوع غَضَّ منها؛ لنقص رتبته بالنسبة إلى أبيها الصدّيق، لا سيّما إن كان ذلك قبل إسلام أبي قُحافة - رضي اللَّه تعالى عنهم -. قاله وليّ الدين (١) (قَالَتْ فَاطِمَةُ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (لَا وَاللَّهِ لَا أُكَلِّمُهُ فِيهَا أَبَدًا) "لا" الثانية مؤكّدة للأولى، كُرّرت للفصل بينها وبين الفعل بالقسم (قَالَتْ عَائِشَةُ) - رضي اللَّه تعالى - عنها (فَأَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ ، زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي) أي تطاولني، وترافعني، وهو مأخوذٌ من السّمُوّ، وهو العلوّ والرفعة. تعني أنها كانت تتعاطى أن يكون لها من الْحُظوة والمنزلة عند رسول اللَّه ﷺ مثلُ ما كان لعائشة عنده. وقيل: إنه مأخوذٌ من قولهم: سامه حظّه خسفٌ، أي كلّفه ما يَشُقّ عليه، ويُذلّه. وفيه بُعْدٌ من جهة اللسان والمعنى. قاله أبو العباس القرطبيّ (٢) (من أَزْوَاج النَّبِيِّ ﷺ فِي المنزِلَةِ، عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَمْ أَرَ امْرَأَة قَطُّ، خَيْرًا فِي الدِّين مِنْ زَيْنَبَ، وَأَتْقَى للَّهِ ، وَأَصْدَقَ حَدِيثًا، وَأَوْصَلَ لِلرَّحِمْ، وَأَعْظَمَ صَدَقَة، وَأَشَدَّ ابْتِذَالاً لِنَفْسِهَا فِي الْعَمَلِ) الابتذال مصدر ابتذل، من البِذْلة، وهي الامتهان بالعمل والخِدْمة،
(الَّذِي تَصَدَّقُ بِهِ، وَتَقَرَّبُ بِهِ) بحذف إحدى التاءين من الفعلين، أي تتصدّق به على الفقراء والمساكين، وتتقرّب به إلى اللَّه تعالى، فكانت زينب - رضي اللَّه تعالى عنها - تعمل بيديها عمل النساء، من الغزل، والنسج، وغير ذلك، مما جرت به عادة النساء بعمله،
стр. 14278
والكسب به، فتتصدّق بذلك، وتَصِل به ذوي رحمها، وهي التي كانت أطولهنّ يدًا بالعمل والصدقة، وهي التي قال النبيّ ﷺ عنها: "أسرعكنّ لحاقًا بي أطولكنّ يدًا"، فقد أخرج الشيخان، والمصنّف (١) واللفظ للبخاريّ، عن عائشة ﵂، أن بعض أزواج النبي ﷺ ، قلن للنبي ﷺ : أينا أسرع بك لحوقا؟، قال: "أطولكن يدا"، فأخذوا قصبة يذرعونها، فكانت سودة أطولهن يدا، فعلمنا بعدُ أنما كانت طول يدها الصدقة، وكانت أسرعنا لحوقا به، وكانت تحب الصدقة.
وفيه فضيلة ظاهرةٌ لعائشة وزينب - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أما زينب، فلما اتّصفت به من هذه الخصال الحميدة، وأما عائشة، فلأنه لم يمنعها ما كان بينهما من وصفها بما تعرفه منها (مَا عَدَا) هي من صيغ الاستثناء، وهي مع "ما" فعل ينصب ما بعده، وبدونها حرف يَخفِضُ بعده على المشهور في الحالتين، ومثلها "خلا"، و"حاشا" لكنها لا تصحب "ما"، كما أشار إلى ذلك ابن مالك في "الخلاصة" حيث قال:
وَاسْتَثنِ نَاصِبّا بـ "لَيْسَ" و "خَلَا" … وَبِـ "عَدَا" وَبِـ "يَكُونُ" بَعْدَ "لَا"
وَاجْرُرْ بِسَابِقَيْ "يَكُونُ" إِنْ تُرِدْ … وَبَعْدَ "مَا" انْصِبْ وَانْجرَارٌ قَدْ يَرِدْ
فَحَيْثُ جَرَّا فَهُمَا حَرْفَانِ … كَمَا هُمَا إِنْ نَصَبَا فِعْلَانِ
وَكـ "خَلَا" "حَاشَا" وَلَا تَصْحَبُ "مَا" … وَقِيلَ "حَاشَ" و"حَشَا" فَاحْفَظْهُمَا
(سَوْرَة) -بفتح السين المهملة، وإسكان الواو، وبعدها راء، ثم هاء-: هو الثَّوَرَان،
وعَجَلَة الغضب، ومنه سَوْرة الشراب، وهي قوْته، وحدّته، أي يعتريها ما يعتري الشاربَ من الشراب. وهو منصوب على الاستثناء، كما قدمناه، ويجوز جرّه على قلّة. وقوله (مِنْ حِدَّةِ) بيان للسورة، وهو بكسر الحاء، وتشديد الدال المهملتين-: الغضب (كَانَتْ فِيهَا) جملة في محلّ جرّ صفة لـ "حِدّة". قال القرطبيّ: ويُروى هذا الحرف: "ما عدا سَوْرة حَدِّ" -بفتح الحاء، من غير تاء تأنيث: أي سرعة غضب. انتهى.
قال النووي: ومعنى الكلام أنها كانت كاملة الأوصاف، إلا أن فيها شدّة خُلُق، وسُرْعة غضب، تسرع منها.
قال القرطبيّ: ولأجل هذه الحدّة وقعت بعائشة، واستطالت عليها، أي أكثرت عليها من القول والعتب، وعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - ساكتةٌ تنتظر الإذن من رسول اللَّه ﷺ في الانتصار، فلما علمت أنه لا يكره ذلك من قرائن أحواله انتصرت لنفسها، فجاوبتها، وردّت عليها قولها حتى أفحمتها، وكانت زينب لما بدأتها بالعتب واللوم،
стр. 14279
كأنها ظالمةٌ، فجاز لعائشة أن تنتصر؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] انتهى.
(تُسْرعُ مِنْهَا الْفَيْئَةَ) -بفتح الفاء، وسكون الياء، بعدها همزة-: المرة من الفيء، وهو الرجوع. تعني أن زينب، وإن كان فيها سُرعة غضب، إلا أنها تسرع الرجوع من ذلك، ولا تصرّ عليه.
قال النوويّ: وقد سخف صاحب "التحرير" في هذا الحديث تصحيفًا قبيحًا جدًّا، فقال: "ما عدا سودة" وجعلها سودة بنت زمعة. وهذا من الغلط الفاحش، نبّهت عليه؛ لئلاّ يُغترّ به انتهى (١).
(فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَ عَائِشَةَ فِي مِرْطِهَا) تقدّم ضبطه قريبًا (عَلَى الْحَالِ الَّتِي كَانَتْ دَخَلَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا، فَأَذِنَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ:: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَزْوَاجَكَ أَرْسَلْنَنِي، يسْأَلْنَكَ الْعَدْلَ فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ، وَوَقَعَتْ بِي) أي سَبَّتني على عادة الضرّات، قال القرطبيّ: هو مأخوذ من الوقيعة التي هي معركة الحرب. وقيل: هو مأخودٌ من الوقع، وهو ألم الرِّجْل من المشي، ومنه قولهم: كلّ الحذا يَحتذي الحافي الْوَقِعُ -بكسر القاف انتهى (فَاسْتَطَالَتْ) أي أكثرت عليّ من القول، والْعَتْب (وَأَنَا أَرْقُبُ) -بضمّ القاف- من باب نصر: أي أنتظر، وأراعي (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَأَرْقُبُ طَرْفَهُ) -بسكون الراء-: أي عينه (هَلْ أَذِنَ لِي فِيهَا) أي في الانتصار منها (فَلَمْ تَبْرَحْ زَيْنَبُ) -بفتح الراء- من باب تَعِب: أي لم تزل من مكانها، ولم ترجع إلى بيتها (حَتَّى عَرَفْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، لَا يَكْرَهُ أَنْ أَنْتَصِرَ) أي من قرائن أحواله ﷺ . قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: اعلم أنه ليس فيه دليلٌ على أنّ النبيّ ﷺ أذن لعائشة، ولا أشار بعينه، وغيرها، بل لا يحلّ اعتقاد ذلك، فإنه ﷺ يحرُمُ عليه خائنة الأعين، وإنما فيه أنها انتصرت لنفسها، فلم يَنهها انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله النوويّ من أنه لا يحلّ اعتقاد ذلك يعكر عليه ما تقدّم من رواية المصنّف في "الكبرى"، وابن ماجه في "سننه" بإسناد صحيح، من أنه ﷺ قال لعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "دونك، فانتصري"، فالذي يظهر أن هذا ليس من خائنة الأعين، بل هو من نصر المظلوم، فلا يحرم عليه ﷺ ، فتبصّر. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 14280
(فَلَمَّا وَقَعْتُ بِهَا) أي سببتها؛ جزاء لسبّها (لَمْ أَنْشَبْهَا بِشَيْءٍ) وفي رواية مسلم: "لم أنشبها": أي لم أُمهلها، ولم أتلبّث حتى أوقعت بها، وأصله من نَشِبَ بالشيء، أو في الشيء: إذا تعلّق به، واحتبس فيه، أو بسببه (حَتَّى أَنْحَيْتُ عَلَيْهَا) بالنون، والحاء المهملة، بعدها مثنّاةٌ تحتيّةٌ: أي قصدتها، واعتمدتها بالمعارضة، والمشهور بالثاء المثلّثة، والخاء المعجمة، والنون: أي قمعتها، وقهرتها، أو بالغت في جوابها، وأفحمتها.
وقال القرطبيّ: كذا الرواية بالنون، والحاء المهملة، والياء المثنّاة من تحتها، ومعناه: إني أصبت منها بالذمّ ما يؤلمها، فكأنها أصابت منها مَقْتلاً. وفي "الصحاح": أنحيت على حَلْقه بالسكّين: أي عَرَضت، وحينئذ يرجع معنى هذه الرواية لمعنى الرواية الأخرى التي هي "أثخنتها" أي أثقلتها بجراح الكَلِم، وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ الآية [سورة محمد ﷺ : ٤]، أي أثقلتموهم بالجراح، أو أكثرتم فيهم القتل انتهى (١).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّهَا ابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ") أي إنها شريفة عاقلةٌ، عارفةٌ كأبيها، ففيه إشارة إلى كمال فهمها، ومتانة عقلها، حيث صبرت إلى أن أثبتت أن التعدّي من جانب الخصم، ثم أجابت بجواب إلزام.
وكأنه ﷺ أشار إلى أن أبا بكر كان عالمًا بمناقب مُضَر، ومثالبها، فلا يُستغرب من بنته أن تتلقى ذلك منه، كما قال الشاعر:
بِأَبِهِ اقْتَدَى عَدِيٌّ فِي الْكَرَمْ … وَمَنْ يُشَابِهْ أَبَهُ فَمَا ظَلَمْ
وقال القرطبيّ: قوله: "إنها ابنة أبي بكر" تنبيهٌ على أصلها الكريم الذي نشأت عنه، واكتسبت الجزالة والبلاغة، والفضيلة منه، وطيبُ الفروع بطيب عروقها، وغذاؤها من عروقها، كما قال [من الكامل]:
طِيبُ الْفُرُوعِ مِنَ الأُصُولِ وَلَمْ يُرَى … فَرْعٌ يَطِيبُ وَأَصْلُهُ الزَّقُّومُ
ففيه مدح عائشة، وأبيها - رضي اللَّه تعالى عنهما - انتهى (٢).
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متّفقٌ عليه.
стр. 14281
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣/ ٣٣٩٥ و ٣٣٩٦ و ٣٣٩٧ - وفي "الكبرى" ٣/ ٨٨٩٢ و ٨٨٩٣ و ٨٨٩٤. وأخرجه (خ) ففي "الهبة" ٢٥٨١ (م) في "فضائل الصحابة" ٢٤٤٢ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٤٠٥٤ و ٢٤٦٤٨. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان جواز حبّ الرجل بعض زوجاته أكثر من بعض، لكن بشرط أن لا يميل بسببه عن العدل في القسم إلى الجور. (ومنها): تنافس الضرائر، وتغايرهنّ على الرجل، وأن الرجل يسعه السكوت إذا تقاولن، ولا يميل مع بعض على بعض. (ومنها): أن فيه منقبة ظاهرة لعائشة، وأنه لا حرج على المرء في إيثار بعض نسائه بالتُّحَف، وإنما اللازم العدل في المبيت، والنفقة، ونحو ذلك من الأمور اللازمة. كذا قرّره ابن بطّال عن المهلّب. وتعقّبه ابن المنيّر بأن النبيّ ﷺ لم يفعل ذلك، وإنما فعله الذين أهدوا له، وهم باختيارهم في ذلك، وإنما لم يمنعهم النبيّ ﷺ ؛ لأنه ليس من كمال الأخلاق أن يتعرّض الرجل إلى الناس بمثل ذلك؛ لما فيه من التعرّض لطلب الهديّة، وأيضًا فالذي يهُدي لأجل عائشة كأنه مَلَّك الهديّة بشرط، والتمليك يتبع فيه تحجير المالك، مع أن الذي يظهر أنه ﷺ كان يُشَرّكهنّ في ذلك، وإنما وقعت المنافسة لكون العطيّة تصل إليهنّ من بيت عائشة - رضي اللَّه تعالى عنهنّ -. (ومنها): قصد الناس بالهدايا أوقات المسرّة، ومواضعها؛ ليزيد ذلك في سُرور المُهْدَى إليه. (ومنها): جواز التشكّي، والتوسّل في ذلك. (ومنها): ما كان عليه أزواج النبيّ ﷺ من مهابته، والحياء منه، حتى راسلنه بأعزّ الناس عنده فاطمة - رضي اللَّه تعالى عنها -. (ومنها): سرعة فهمهنّ، ورجوعهنّ إلى الحقّ، والتوقّف عنه. (ومنها): إدلال زينب بنت جحش على النبيّ ﷺ ، لكونها كانت بنت عمّته، كانت أمها أُمَيمة -بالتصغير- بنت عبد المطّلب. (ومنها): أنه يجوز للمرأة أن تتصدّق مما تكسبه في بيت زوجها، من غير أمره. (ومنها): ما قاله الداوديّ: وفيه عذر النبيّ ﷺ لزينب. قال ابن التين: ولا أدري من أين أخذه؟. قال الحافظ: كأنه أخذه من مخاطبتها النبيّ ﷺ اطلب العدل مع علمها بأنه أعدل الناس، لكن غلبت عليها المغيرة، فلم يؤاخذها النبيّ ﷺ بإطلاق ذلك. وإنما خصّ زينب بالذكر لأن فاطمة - رضي اللَّه تعالى عنها - كانت حاملة رسالة خاصّة، بخلاف زينب، فإنها شريكتهنّ في ذلك، بل رأسهنّ؛ لأنها هي التي تولّت إرسال فاطمة أوّلا، ثم سارت بنفسها (١). (ومنها): أنه استُدلّ به على أن القسم كان واجبًا عليه، كذا قيل، ولكن
стр. 14282
تقدّم أن الأصحّ أنه ليس واجبًا عليه، بل يقسم من عند نفسه كرمًا وفضلاً. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٩٦ - (أَخْبَرَنِي عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارٍ الْحِمْصِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعَيْبٌ, عَنِ الزُّهْرِيِّ,, قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ, أَنَّ عَائِشَةَ, قَالَتْ: … فَذَكَرَتْ نَحْوَهُ, وَقَالَتْ: أَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ زَيْنَبَ, فَاسْتَأْذَنَتْ, فَأَذِنَ لَهَا, فَدَخَلَتْ, فَقَالَتْ:: نَحْوَهُ.
خَالَفَهُمَا مَعْمَرٌ رَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ,, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ,)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عمران بن بكّار": هو الكَلاعيّ الْبَرّاد الحمصيّ المؤذّن، ثقة [١١] ١٧/ ١٥٤١.
و"أبو اليمان": هو الحكم بن نافع البهرانيّ الحمصيّ، ثقة ثبت [١٠] ١٤/ ٢١٣٢.
و"شُعيب": هو ابن أبي حمزة الحمصيّ ثقة ثبت عابدٌ [٧] ٦٩/ ٨٥.
وقوله: (خَالَفَهُمَا) الضمير لصالح بن كيسان، وشعيب بن أبي حمزة (مَعْمَرٌ) بن راشد البصريّ، نزيل اليمن، ثقة ثبت من كبار [٧] ١٠/ ١٠ (رَوَاة عَنِ الزُّهرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ,) يعني أن معمر بن راشد خالف صالحًا، وشعيبًا في روايته لهذا الحديث، حيث روياه عن الزهريّ، عن محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، ورواه هو عنه، عن عروة، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، ثم أورد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- رواية معمر التي خالفهما فيها، فقال:
٣٩٩٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ النَّيْسَابُورِيُّ, الثِّقَةُ الْمَأْمُونُ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, عَنْ مَعْمَرٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتِ: اجْتَمَعْنَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ , فَأَرْسَلْنَ فَاطِمَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ , فَقُلْنَ لَهَا: إِنَّ نِسَاءَكَ -وَذَكَرَ كَلِمَةً- مَعْنَاهَا: يَنْشُدْنَكَ الْعَدْلَ, فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ, قَالَتْ: فَدَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ , وَهُوَ مَعَ عَائِشَةَ, فِي مِرْطِهَا, فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّ نِسَاءَكَ أَرْسَلْنَنِي, وَهُنَّ يَنْشُدْنَكَ الْعَدْلَ فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ, فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ «أَتُحِبِّينِي؟» , قَالَتْ: نَعَمْ, قَالَ: «فَأَحِبِّيهَا» , قَالَتْ: فَرَجَعَتْ إِلَيْهِنَّ, فَأَخْبَرَتْهُنَّ مَا قَالَ, فَقُلْنَ لَهَا: إِنَّكِ لَمْ تَصْنَعِي شَيْئًا, فَارْجِعِي إِلَيْهِ, فَقَالَتْ: وَاللَّهِ لَا أَرْجِعُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبَدًا, وَكَانَتِ ابْنَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَقًّا, فَأَرْسَلْنَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ, قَالَتْ عَائِشَةُ: وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ , فَقَالَتْ: أَزْوَاجُكَ أَرْسَلْنَنِي, وَهُنَّ يَنْشُدْنَكَ الْعَدْلَ, فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ, ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَيَّ تَشْتِمُنِي, فَجَعَلْتُ أُرَاقِبُ النَّبِيَّ ﷺ , وَأَنْظُرُ طَرْفَهُ, هَلْ يَأْذَنُ لِي مِنْ أَنْ أَنْتَصِرَ مِنْهَا, قَالَتْ: فَشَتَمَتْنِي, حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ لَا يَكْرَهُ, أَنْ أَنْتَصِرَ مِنْهَا, فَاسْتَقْبَلْتُهَا, فَلَمْ أَلْبَثْ أَنْ أَفْحَمْتُهَا, فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّهَا ابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ» , قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَمْ أَرَ امْرَأَةً خَيْرًا, وَلَا أَكْثَرَ صَدَقَةً, وَلَا أَوْصَلَ لِلرَّحِمِ, وَأَبْذَلَ لِنَفْسِهَا فِي كُلِّ شَيْءٍ, يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى, مِنْ زَيْنَبَ, مَا عَدَا
стр. 14283
سَوْرَةً مِنْ حِدَّةٍ, كَانَتْ فِيهَا, تُوشِكُ مِنْهَا الْفَيْئَةَ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا خَطَأٌ, وَالصَّوَابُ الَّذِي قَبْلَهُ).
وقال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح و"عبد الرزّاق": هو ابن همّام الصنعانيّ الثقة الحجة [٩].
وقولها: "اجتمعن أزواج النبيّ ﷺ " كذا في رواية المصنّف، وأحمد بإثبات النون، وهي لغة لبعض العرب، وتسمّى لغة "أكلوني البراغيث"، ولغة جمهور العرب عدم إلحاقها مع الفاعل الظاهر، كما أشار ابن مالك في "الخلاصة" إلى هذا بقوله:
وَجَرِّدِ الْفِعْلَ إِذَا مَا أُسْنِدَا … لاثنَينِ أَوْ جَمْعِ كَـ "فَازَ الشُّهَدَا"
وَقَدْ يُقَالُ "سَعِدَا" وَ"سَعِدُوا" … وَالْفِعْلُ لِلظَّاهِرِ بَعْدُ مُسْنَدُ
قال الحافظ وليّ الدين: قد تبّين بالرواية التي سقناها من عند البخاريّ أن المراد من أمهات المؤمنين من عدا حفصة، وصفيّة، وسودة انتهى (١).
وقولها: "وكانت ابنة رسول اللَّه ﷺ حقًّا" أي إنها كانت مخلّقة بأخلاقه ﷺ الكريمة، وخصاله الحميدة، وآدابه السنيّة على أتمّ وجه، وآكده، فلذلك ما راجعته في القضيّة، بل رجعت إليهنّ، وأعلمتهنّ أنها غير موافقة لهنّ فيما طلبنه، وحلفت على أن لا تراجعه في ذلك أبداً.
وقولها: "ينشدنك العدل" بفتح أوله، وضمّ الشين المعجمة: أي يسألنك، كما في الرواية المتقدّمة، يقال: نشدت فلانا، من باب نصر: إذا قلت له: نشدتك اللَّه، أي سألتك اللَّه، كأنك ذكّرته إياه.
وقولها: "تشتمني" بكسر التاء، من باب ضرب. وقولها: "طرفه" بفتح الطاء المهملة، وسكون الراء: أي بصره.
وقولها: "أن أفحمتها" بالفاء، والحاء المهملة: أي أسكتُّها، يقال: أفحمه: إذا أسكته في خصومة، أو غيرها (٢).
وقولها: "وأبذل لنفسها في كلّ شيء، يتقرّب به إلى اللَّه " هو بالذال المعجمة، ثم إنه يحتمل أن يكون من البذل، وهو العطاء، وأن يكون من البِذْلة، وهو الامتهان بالعمل والخدمة (٣).
وقوله: "توشك منها الفيئة" بضمّ أوله، وبكسر الشين المعجمة - و"الفيأة" بالنصب
стр. 14284
على المفعوليّة: أي تُسرع الرجوع من تلك السَّوْرة.
ومعنى الكلام أنها وصفتها بأنها كاملة الأوصاف، إلا أن فيها شدّة خلق، وسُرعة غضب، ترجع عنها سريعًا، ولا تُصرّ عليها، فهي سريعة الغضب، سريعة الرضا، فتلك بتلك.
وقوله: "هذا خطأ الخ" يعني أن رواية معمر عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة، خطأٌ، والصواب رواية صالح، وشُعيب، عن الزهريّ، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -.
وإنما رجّح المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- روايتهما على روايته، لاتفاقهما، وقد وافقهما يونس بن يزيد عند مسلم، فاتفاق الثلاثة يدلّ على وهَم معمر.
وما قاله المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هنا قاله غيره من الحفّاظ أيضًا، فقال في "الفتح": قال الذهليّ، والدارقطنيّ، وغيرهما: المحفوظ من حديث الزهريّ: "عن محمد بن عبد الرحمن، عن عائشة". انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٩٨ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ -يَعْنِي ابْنَ الْمُفَضَّلِ- قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ, عَنْ مُرَّةَ, عَنْ أَبِي مُوسَى, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ, كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إسماعيل بن مسعود) الجحدريّ، أبو مسعود المصريّ، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧.
٢ - (بشر بن المفضل) بن لاحق، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت عابد [٨] ٦٦/ ٨٢.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت البصريّ [٧] ٤٧/ ٢٤.
٤ - (عمرو بن مرّة) بن عبد اللَّه بن طارق الجمدي المرادي، أبو عبد اللَّه الكوفي الأعمى، ثقة عابد رمي بالإجاء [٥] ١٧١/ ٢٦٥.
٥ - (مرّة) بن شَرَاحيل الْهَمْدانيّ، أبو إسماعيل الكوفيّ، وهو الذي يقال له: مُرّة الطيب، ثقة عابد [٢] ١/ ٤٥١.
[تنبيه]: جميع نسخ "المجتبى" التي بين يديّ وقع فيها سقط في هذا السند، ففيها: "عن عمرو بن مرّة، عن أبي موسى"، وهو خطأ فاحش، فالصواب ما في "الكبرى": "عن عمرو بن مرّة، عن مُرّة"، وهو الذي في "تحفة الأشراف": ٦/ ٤٣١، فتنبّه. واللَّه
стр. 14285
تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: مرّة هذا ليس هو والد عمرو بن مرّة الراوي عنه، فإن والد عمرو هو مرّة بن عبد اللَّه بن طارق الْجَمَليّ الكوفيّ، وليست له رواية في الكتب الستّة، وقد ترجمه البخاريّ في "التاريخ الكبير" ٨/ ٦، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ٨/ ٣٦٦، وأما مرّة هذا، فإنه من رجال الكتب الستّة.
وإنما نبّهتُ عليه لأني رأيت العلامة أحمد شاكر -رحمه اللَّه تعالى- قد أخطأ في تعليقه على "ألفية السيوطي" في المصطلح، تبعًا لشارحها الترميسيّ، فقال: "عن عمرو بن مرّة، عن أبيه مرّة"، وكذا قال في كتابه الآخر "الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث"، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
٦ - (أبو مُوسَى) عبد اللَّه بن قيس بن سُليم بن حضار الأشعريّ الصحابيّ الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - ٣/ ٣. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح غير شيخه فإنه من أفراده. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالبصريين، ونصفه الثاني بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ، كَفَضْلِ الثَّرِيدِ) -بفتح الثاء المثلّثة، وكسر الراء-: فَعِيل بمعنى مفعول، ويقال أيضًا: مَثْرُود، يقال: ثَرَدتُ الخُبْزَ ثَرْدًا، من باب قَتَلَ، وهو أن تَفُتَّه، ثمّ تَبُلَّهُ بمَرَقٍ، والاسمُ الثُّرْدَةُ -بالضمّ-. أفاده الفيّوميّ. وفي "الفتح": "الثريد": معروفٌ، وهو أن يُثرد الخبز بمرق اللحم، وقد يكون معه. اللحم، ومن أمثالهم: "الثريد أحد اللحمين"، وربّما كان أنفع، وأقوى من نفس اللحم النضيج إذا ثُرّد بمرقته انتهى (١). وقال في موضع آخر: قوله: "كفضل الثريد" زاد معمر من وجه آخر: "مُرَثَّدٍ باللحم"، وهو اسم الثريد الكامل، وعليه قول الشاعر [من الوافر]:
إِذَا مَا الْخُبْزُ تَأْدِمُهُ (٢) بِلَحْمٍ … فَذَاكَ وَأَمَانَةَ اللَّهِ الثَّرِيدُ (٣)