(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣/ ٣٣٩٥ و ٣٣٩٦ و ٣٣٩٧ - وفي "الكبرى" ٣/ ٨٨٩٢ و ٨٨٩٣ و ٨٨٩٤. وأخرجه (خ) ففي "الهبة" ٢٥٨١ (م) في "فضائل الصحابة" ٢٤٤٢ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٤٠٥٤ و ٢٤٦٤٨. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان جواز حبّ الرجل بعض زوجاته أكثر من بعض، لكن بشرط أن لا يميل بسببه عن العدل في القسم إلى الجور. (ومنها): تنافس الضرائر، وتغايرهنّ على الرجل، وأن الرجل يسعه السكوت إذا تقاولن، ولا يميل مع بعض على بعض. (ومنها): أن فيه منقبة ظاهرة لعائشة، وأنه لا حرج على المرء في إيثار بعض نسائه بالتُّحَف، وإنما اللازم العدل في المبيت، والنفقة، ونحو ذلك من الأمور اللازمة. كذا قرّره ابن بطّال عن المهلّب. وتعقّبه ابن المنيّر بأن النبيّ ﷺ لم يفعل ذلك، وإنما فعله الذين أهدوا له، وهم باختيارهم في ذلك، وإنما لم يمنعهم النبيّ ﷺ ؛ لأنه ليس من كمال الأخلاق أن يتعرّض الرجل إلى الناس بمثل ذلك؛ لما فيه من التعرّض لطلب الهديّة، وأيضًا فالذي يهُدي لأجل عائشة كأنه مَلَّك الهديّة بشرط، والتمليك يتبع فيه تحجير المالك، مع أن الذي يظهر أنه ﷺ كان يُشَرّكهنّ في ذلك، وإنما وقعت المنافسة لكون العطيّة تصل إليهنّ من بيت عائشة - رضي اللَّه تعالى عنهنّ -. (ومنها): قصد الناس بالهدايا أوقات المسرّة، ومواضعها؛ ليزيد ذلك في سُرور المُهْدَى إليه. (ومنها): جواز التشكّي، والتوسّل في ذلك. (ومنها): ما كان عليه أزواج النبيّ ﷺ من مهابته، والحياء منه، حتى راسلنه بأعزّ الناس عنده فاطمة - رضي اللَّه تعالى عنها -. (ومنها): سرعة فهمهنّ، ورجوعهنّ إلى الحقّ، والتوقّف عنه. (ومنها): إدلال زينب بنت جحش على النبيّ ﷺ ، لكونها كانت بنت عمّته، كانت أمها أُمَيمة -بالتصغير- بنت عبد المطّلب. (ومنها): أنه يجوز للمرأة أن تتصدّق مما تكسبه في بيت زوجها، من غير أمره. (ومنها): ما قاله الداوديّ: وفيه عذر النبيّ ﷺ لزينب. قال ابن التين: ولا أدري من أين أخذه؟. قال الحافظ: كأنه أخذه من مخاطبتها النبيّ ﷺ اطلب العدل مع علمها بأنه أعدل الناس، لكن غلبت عليها المغيرة، فلم يؤاخذها النبيّ ﷺ بإطلاق ذلك. وإنما خصّ زينب بالذكر لأن فاطمة - رضي اللَّه تعالى عنها - كانت حاملة رسالة خاصّة، بخلاف زينب، فإنها شريكتهنّ في ذلك، بل رأسهنّ؛ لأنها هي التي تولّت إرسال فاطمة أوّلا، ثم سارت بنفسها (١). (ومنها): أنه استُدلّ به على أن القسم كان واجبًا عليه، كذا قيل، ولكن
стр. 14282
تقدّم أن الأصحّ أنه ليس واجبًا عليه، بل يقسم من عند نفسه كرمًا وفضلاً. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٩٦ - (أَخْبَرَنِي عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارٍ الْحِمْصِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعَيْبٌ, عَنِ الزُّهْرِيِّ,, قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ, أَنَّ عَائِشَةَ, قَالَتْ: … فَذَكَرَتْ نَحْوَهُ, وَقَالَتْ: أَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ زَيْنَبَ, فَاسْتَأْذَنَتْ, فَأَذِنَ لَهَا, فَدَخَلَتْ, فَقَالَتْ:: نَحْوَهُ.
خَالَفَهُمَا مَعْمَرٌ رَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ,, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ,)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عمران بن بكّار": هو الكَلاعيّ الْبَرّاد الحمصيّ المؤذّن، ثقة [١١] ١٧/ ١٥٤١.
و"أبو اليمان": هو الحكم بن نافع البهرانيّ الحمصيّ، ثقة ثبت [١٠] ١٤/ ٢١٣٢.
و"شُعيب": هو ابن أبي حمزة الحمصيّ ثقة ثبت عابدٌ [٧] ٦٩/ ٨٥.
وقوله: (خَالَفَهُمَا) الضمير لصالح بن كيسان، وشعيب بن أبي حمزة (مَعْمَرٌ) بن راشد البصريّ، نزيل اليمن، ثقة ثبت من كبار [٧] ١٠/ ١٠ (رَوَاة عَنِ الزُّهرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ,) يعني أن معمر بن راشد خالف صالحًا، وشعيبًا في روايته لهذا الحديث، حيث روياه عن الزهريّ، عن محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، ورواه هو عنه، عن عروة، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، ثم أورد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- رواية معمر التي خالفهما فيها، فقال:
٣٩٩٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ النَّيْسَابُورِيُّ, الثِّقَةُ الْمَأْمُونُ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, عَنْ مَعْمَرٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتِ: اجْتَمَعْنَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ , فَأَرْسَلْنَ فَاطِمَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ , فَقُلْنَ لَهَا: إِنَّ نِسَاءَكَ -وَذَكَرَ كَلِمَةً- مَعْنَاهَا: يَنْشُدْنَكَ الْعَدْلَ, فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ, قَالَتْ: فَدَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ , وَهُوَ مَعَ عَائِشَةَ, فِي مِرْطِهَا, فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّ نِسَاءَكَ أَرْسَلْنَنِي, وَهُنَّ يَنْشُدْنَكَ الْعَدْلَ فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ, فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ «أَتُحِبِّينِي؟» , قَالَتْ: نَعَمْ, قَالَ: «فَأَحِبِّيهَا» , قَالَتْ: فَرَجَعَتْ إِلَيْهِنَّ, فَأَخْبَرَتْهُنَّ مَا قَالَ, فَقُلْنَ لَهَا: إِنَّكِ لَمْ تَصْنَعِي شَيْئًا, فَارْجِعِي إِلَيْهِ, فَقَالَتْ: وَاللَّهِ لَا أَرْجِعُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبَدًا, وَكَانَتِ ابْنَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَقًّا, فَأَرْسَلْنَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ, قَالَتْ عَائِشَةُ: وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ , فَقَالَتْ: أَزْوَاجُكَ أَرْسَلْنَنِي, وَهُنَّ يَنْشُدْنَكَ الْعَدْلَ, فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ, ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَيَّ تَشْتِمُنِي, فَجَعَلْتُ أُرَاقِبُ النَّبِيَّ ﷺ , وَأَنْظُرُ طَرْفَهُ, هَلْ يَأْذَنُ لِي مِنْ أَنْ أَنْتَصِرَ مِنْهَا, قَالَتْ: فَشَتَمَتْنِي, حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ لَا يَكْرَهُ, أَنْ أَنْتَصِرَ مِنْهَا, فَاسْتَقْبَلْتُهَا, فَلَمْ أَلْبَثْ أَنْ أَفْحَمْتُهَا, فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّهَا ابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ» , قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَمْ أَرَ امْرَأَةً خَيْرًا, وَلَا أَكْثَرَ صَدَقَةً, وَلَا أَوْصَلَ لِلرَّحِمِ, وَأَبْذَلَ لِنَفْسِهَا فِي كُلِّ شَيْءٍ, يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى, مِنْ زَيْنَبَ, مَا عَدَا
стр. 14283
سَوْرَةً مِنْ حِدَّةٍ, كَانَتْ فِيهَا, تُوشِكُ مِنْهَا الْفَيْئَةَ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا خَطَأٌ, وَالصَّوَابُ الَّذِي قَبْلَهُ).
وقال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح و"عبد الرزّاق": هو ابن همّام الصنعانيّ الثقة الحجة [٩].
وقولها: "اجتمعن أزواج النبيّ ﷺ " كذا في رواية المصنّف، وأحمد بإثبات النون، وهي لغة لبعض العرب، وتسمّى لغة "أكلوني البراغيث"، ولغة جمهور العرب عدم إلحاقها مع الفاعل الظاهر، كما أشار ابن مالك في "الخلاصة" إلى هذا بقوله:
وَجَرِّدِ الْفِعْلَ إِذَا مَا أُسْنِدَا … لاثنَينِ أَوْ جَمْعِ كَـ "فَازَ الشُّهَدَا"
وَقَدْ يُقَالُ "سَعِدَا" وَ"سَعِدُوا" … وَالْفِعْلُ لِلظَّاهِرِ بَعْدُ مُسْنَدُ
قال الحافظ وليّ الدين: قد تبّين بالرواية التي سقناها من عند البخاريّ أن المراد من أمهات المؤمنين من عدا حفصة، وصفيّة، وسودة انتهى (١).
وقولها: "وكانت ابنة رسول اللَّه ﷺ حقًّا" أي إنها كانت مخلّقة بأخلاقه ﷺ الكريمة، وخصاله الحميدة، وآدابه السنيّة على أتمّ وجه، وآكده، فلذلك ما راجعته في القضيّة، بل رجعت إليهنّ، وأعلمتهنّ أنها غير موافقة لهنّ فيما طلبنه، وحلفت على أن لا تراجعه في ذلك أبداً.
وقولها: "ينشدنك العدل" بفتح أوله، وضمّ الشين المعجمة: أي يسألنك، كما في الرواية المتقدّمة، يقال: نشدت فلانا، من باب نصر: إذا قلت له: نشدتك اللَّه، أي سألتك اللَّه، كأنك ذكّرته إياه.
وقولها: "تشتمني" بكسر التاء، من باب ضرب. وقولها: "طرفه" بفتح الطاء المهملة، وسكون الراء: أي بصره.
وقولها: "أن أفحمتها" بالفاء، والحاء المهملة: أي أسكتُّها، يقال: أفحمه: إذا أسكته في خصومة، أو غيرها (٢).
وقولها: "وأبذل لنفسها في كلّ شيء، يتقرّب به إلى اللَّه " هو بالذال المعجمة، ثم إنه يحتمل أن يكون من البذل، وهو العطاء، وأن يكون من البِذْلة، وهو الامتهان بالعمل والخدمة (٣).
وقوله: "توشك منها الفيئة" بضمّ أوله، وبكسر الشين المعجمة - و"الفيأة" بالنصب
стр. 14284
على المفعوليّة: أي تُسرع الرجوع من تلك السَّوْرة.
ومعنى الكلام أنها وصفتها بأنها كاملة الأوصاف، إلا أن فيها شدّة خلق، وسُرعة غضب، ترجع عنها سريعًا، ولا تُصرّ عليها، فهي سريعة الغضب، سريعة الرضا، فتلك بتلك.
وقوله: "هذا خطأ الخ" يعني أن رواية معمر عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة، خطأٌ، والصواب رواية صالح، وشُعيب، عن الزهريّ، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -.
وإنما رجّح المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- روايتهما على روايته، لاتفاقهما، وقد وافقهما يونس بن يزيد عند مسلم، فاتفاق الثلاثة يدلّ على وهَم معمر.
وما قاله المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هنا قاله غيره من الحفّاظ أيضًا، فقال في "الفتح": قال الذهليّ، والدارقطنيّ، وغيرهما: المحفوظ من حديث الزهريّ: "عن محمد بن عبد الرحمن، عن عائشة". انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٩٨ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ -يَعْنِي ابْنَ الْمُفَضَّلِ- قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ, عَنْ مُرَّةَ, عَنْ أَبِي مُوسَى, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ, كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إسماعيل بن مسعود) الجحدريّ، أبو مسعود المصريّ، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧.
٢ - (بشر بن المفضل) بن لاحق، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت عابد [٨] ٦٦/ ٨٢.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت البصريّ [٧] ٤٧/ ٢٤.
٤ - (عمرو بن مرّة) بن عبد اللَّه بن طارق الجمدي المرادي، أبو عبد اللَّه الكوفي الأعمى، ثقة عابد رمي بالإجاء [٥] ١٧١/ ٢٦٥.
٥ - (مرّة) بن شَرَاحيل الْهَمْدانيّ، أبو إسماعيل الكوفيّ، وهو الذي يقال له: مُرّة الطيب، ثقة عابد [٢] ١/ ٤٥١.
[تنبيه]: جميع نسخ "المجتبى" التي بين يديّ وقع فيها سقط في هذا السند، ففيها: "عن عمرو بن مرّة، عن أبي موسى"، وهو خطأ فاحش، فالصواب ما في "الكبرى": "عن عمرو بن مرّة، عن مُرّة"، وهو الذي في "تحفة الأشراف": ٦/ ٤٣١، فتنبّه. واللَّه
стр. 14285
تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: مرّة هذا ليس هو والد عمرو بن مرّة الراوي عنه، فإن والد عمرو هو مرّة بن عبد اللَّه بن طارق الْجَمَليّ الكوفيّ، وليست له رواية في الكتب الستّة، وقد ترجمه البخاريّ في "التاريخ الكبير" ٨/ ٦، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ٨/ ٣٦٦، وأما مرّة هذا، فإنه من رجال الكتب الستّة.
وإنما نبّهتُ عليه لأني رأيت العلامة أحمد شاكر -رحمه اللَّه تعالى- قد أخطأ في تعليقه على "ألفية السيوطي" في المصطلح، تبعًا لشارحها الترميسيّ، فقال: "عن عمرو بن مرّة، عن أبيه مرّة"، وكذا قال في كتابه الآخر "الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث"، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
٦ - (أبو مُوسَى) عبد اللَّه بن قيس بن سُليم بن حضار الأشعريّ الصحابيّ الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - ٣/ ٣. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح غير شيخه فإنه من أفراده. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالبصريين، ونصفه الثاني بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ، كَفَضْلِ الثَّرِيدِ) -بفتح الثاء المثلّثة، وكسر الراء-: فَعِيل بمعنى مفعول، ويقال أيضًا: مَثْرُود، يقال: ثَرَدتُ الخُبْزَ ثَرْدًا، من باب قَتَلَ، وهو أن تَفُتَّه، ثمّ تَبُلَّهُ بمَرَقٍ، والاسمُ الثُّرْدَةُ -بالضمّ-. أفاده الفيّوميّ. وفي "الفتح": "الثريد": معروفٌ، وهو أن يُثرد الخبز بمرق اللحم، وقد يكون معه. اللحم، ومن أمثالهم: "الثريد أحد اللحمين"، وربّما كان أنفع، وأقوى من نفس اللحم النضيج إذا ثُرّد بمرقته انتهى (١). وقال في موضع آخر: قوله: "كفضل الثريد" زاد معمر من وجه آخر: "مُرَثَّدٍ باللحم"، وهو اسم الثريد الكامل، وعليه قول الشاعر [من الوافر]:
إِذَا مَا الْخُبْزُ تَأْدِمُهُ (٢) بِلَحْمٍ … فَذَاكَ وَأَمَانَةَ اللَّهِ الثَّرِيدُ (٣)
стр. 14286
(عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ) أي كما أنه أفضل طعام العرب؛ لأنه مع اللحم جامعٌ بين اللذّة، والقوّة، وسهولة التنَاول، وققة المؤنة في الْمَضْغِ، كذلك إنها جامعة لحسن الخلق، وحلاوة المنطق، وحسن المعاشرة، ونحو ذلك.
وقال ابن الأثير: قيل: لم يُرد عين الثريد، وإنما أراد الطعام المتّخذ من اللحم والثريد مغا؛ لأن الثريد لا يكون إلا من لحم غالبًا، والعرب قلّما تجد طَبيخًا، ولا سيّما بلحم. ويقال: "الثريد أحد اللحمين"، بل اللّذة والقوّة إذا كان اللحم نضيجًا في المرق أكثر مما يكون في نفس اللحم انتهى (١).
وقال أبو العبّاس القرطبيّ: وإنما كان الثريد أفضل الأطعمة؛ ليسارة مؤنته، وسُهولة إساغته، وعظيم بركته، ولأنه كان أجلّ أطعمتهم، وألذّها بالنسبة إليهم، ولعوائدهم، وأما غيرهم فقد يكون غير الثريد عنده أطيب وأفضل، وذلك بحسب العوائد في الأطعمة. انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهوالمستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي موسى الأشعريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣/ ٣٣٩٨ - وفي (الكبرى) ٣/ ٨٨٩٥. وأخرجه (خ) في "أحاديث الأنبياء" ٣٤١١ (م) في "فضائل الصحابة" ٢٤٣١ (ت) في "الأطعمة" ١٨٣٤ (ق) في "الأطعمة" ٣٢٨٠ (أحمد) في "مسند الكوفيين" ١٩٠٢٩ و ١٩١٦٩. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): حديث أبي موسى الأشعريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا اختصره المصنّف، وقد ساقه الشيخان بتمامه، ولفظ البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى-:
حدثنا يحيى بن جعفر، حدثنا وكيع، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن مرة الهمداني، عن أبي موسى ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية، امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء، كفضل الثريد على سائر الطعام".
قال أبو العباس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: الكمال هو التناهي والتمام، ويقال في
стр. 14287
ماضيه: كَمَلَ -بفتح الميم، وضمّها- ويكمُلُ في مضارعه -بالضمّ- (١) وكمال كلّ شيء بحسبه، والكمال المطلق إنما هو للَّه تعالى خاصّةً، ولا شكّ أن أكمل نوع الإنسان الأنبياء، ثم تليهم الأولياء، ويعني بهم الصّدّيقين، والشهداء، والصالحين. وإذا تقرّر هذا فقد قيل: إن الكمال المذكور في الحديث -يعني به النبوّة، فيلزم أن تكون مريم، وآسية نبيّين، وقد قيل بذلك. والصحيح أن مريم نبيّةٌ؛ لأن اللَّه تعالى أوحى إليها بواسطة الملك، كما اْوحى إلى سائر النبيين. وأما آسية، فلم يرد ما يدلّ على نبوّتها دلالةً واضحةً، بل على صدّيقيّتها، وفضيلتها، فلو صحّت لها نبوّتها لما كان في الحديث إشكال، فإنه يكون معناه: أن الأنبياء في الرجال كثير، وليس في النساء نبيٌّ إلا هاتين المرأتين، ومن عداهما من فُضَلاء النساء صدّيقات، لا نبيّات، وحينئذ يصحّ أن تكونا أفضل نساء العالمين.
والأولى أن يقال: إن الكمال المذكور في الحديث ليس مقصورًا على كمال الأنبياء، بل يندرج معه كمال الأولياء، فيكون معنى الحديث: إن نوعي الكمال وُجد في الرجال كثيرًا، ولم يوجد في النساء المتقدّمات على زمانه ﷺ أكمل من هاتين المرأتين، ولم يتعرض النبيّ ﷺ في هذا الحديث لأحد من نساء زمانه، إلا لعائشة خاصّةً، فإنه فضّلها على سائر النساء، وُيستثنى منهنّ الأربع المذكورات في الأحاديث المتقدّمة، وهنّ: مريم بنت عمران، وخديجة، وفاطمة، وآسية، فإنهنّ أفضل من عائشة بدليل الأحاديث المتقدّمة في باب خديجة، وبهذا يصحّ الجمع، ويرتفع التعارض، إن شاء اللَّه تعالى انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (٢).
وقال في "الفتح": قوله: "ولم يكمل من النساء إلا آسية الخ" استُدلّ بهذا الحصر على أنهما نبيّتان؛ لأن أكمل نوع الإنسان الأنبياء، ثم الأولياء، والصدّيقون، والشهداء، فلو كانتا غير نبيّين للزم ألا يكون في النساء وليّةٌ، ولا صدّيقة، ولا شهيدةٌ، والواقع أن هذه الصفات في كثير منهنّ موجودة، فكأنه قال: ولن يُنبّأ من النساء إلا فلانة، وفلانة، ولو قال: لم تثبت صفة الصدّيقيّة، أو الولاية، أو الشهادة إلا لفلانة، وفلانة لم يصحّ؛ لوجود ذلك في غيرهنّ، إلا أن يكون المراد في الحديث كمال غير الأنبياء، فلا يتمّ الدليل على ذلك لأجل ذلك. واللَّه أعلم. وعلى هذا فالمراد مَن تقدّم زمانه ﷺ ، ولم يتعرض لأحد من نساء زمانه إلا لعائشة، وليس فيه تصريحٌ بأفضلية عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - على غيرها؛ لأن فضل الثريد على غيره من الطعام إنما هو لما فيه من تيسير
стр. 14288
المؤنة، وسهولة الإساغة، وكان أجلّ أطعمتهم يومئذ، وكلُّ هذه الخصال لا تستلزم ثبوت الأفضليّة له من كلّ جهة، فقد يكون مفضولاً بالنسبة لغيره من جهات أخرى.
وقد ورد في هذا الحديث من الزيادة بعد قوله: "ومريم ابنة عمران": "وخديجة بنت خُويلد، وفاطمة بنت محمد ﷺ ". أخرجه الطبرانيّ عن يوسف بن يعقوب القاضي، عن عمرو بن مرزوق، عن شعبة بالسند المذكور هنا. وأخرجه أبو نعيم في "الحلية" في ترجمة عمرو بن مُرّة أحد رواته عند الطبرانيّ بهذا الإسناد. وأخرجه الثعلبيّ في "تفسيره" من طريق عمرو بن مرزوق به. وقد ورد من طريق صحيح ما يقتضي أفضليّة خديجة، وفاطمة على غيرهما، وذلك في حديث عليّ ﷺ بلفظ: "وخير نسائها خديجة"، وجاء في طريق أخرى ما يقتضي أفضليّة خديجة وفاطمة، وذلك فيما أخرجه ابن حبّان، وأحمد، وأبو يعلى، والطبرانيّ، وأبو داود في "كتاب الزهد"، والحاكم، كلهم من طريق موسى بن عقبة، عن كُريب، عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أفضل نساء أهل الجنّة خديجة بنت خُويلد، وفاطمة بنت محمد ﷺ ، ومريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون"، وله شاهد من حديث أبي هريرة ﵁ في "الأوسط" للطبرانيّ، ولأحمد في حديث أبي سعيد، رفعه: "فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة، إلا ما كان من مريم بنت عمران"، وإسناده حسن، وإن ثبت ففيه حجة لمن قال: إن آسية امرأة فرعون ليست نبيّة.
قال: وقال القرطبيّ: الصحيح أن مريم نبيّةٌ؛ لأن اللَّه تعالى أوحى إليها بواسطة الملك، وأما آسية فلم يرد ما يدلّ على نبوّتها. وقال الكرمانيّ: لا يلزم من لفظة الكمال ثبوت نبوّتها؛ لأنه يُطلق لتمام الشيء، وتناهيه في بابه، فالمراد بلوغها النهاية في جميع الفضائل التي للنساء، قال: وقد نقل الإجماع على عدم نبوّة النساء. كذا قال، وقد نقل عن الأشعريّ أن من النساء من نُبّىء، وهنّ ستّ: حوّاء، وسارة، وأم موسى، وهاجر، وآسية، ومريم، والضابط عنده أن من جاءه الملك عن اللَّه بحكم من أمر، أو نهي، أو بإعلام مما سيأتي فهو نبيّ، وقد ثبت مجيء الملك لهؤلاء بأمور شتّى من ذلك، من عند اللَّه ، ووقع التصريح بالإيحاء لبعضهنّ في القرآن.
وذكر ابن حزم في "الملل والنحل" أن هذه المسألة لم يحدث التنازع فيها إلا في عصره بقرطبة، وحكى عنهم أقوالاً ثالثها الوقف، قال: وحجة المانعين قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ الآية. قال: وهذا لا حجة فيه، فإن أحدًا لم يدّع فيهنّ الرسالة، وإنما الكلام في النبوّة فقط، قال: وأصرح ما ورد في ذلك قصّة مريم، وفي قصّة أمّ موسى ما يدلّ على ثبوت ذلك لها، من مبادرتها بإلقاء ولدها في البحر
стр. 14289
بمجرّد الوِحي إليها بذلك، قال: وقد قال اللَّه تعالى بعد ذكر مريم، والأنبياء بعدها: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾، فدخلت في عمومه. واللَّه أعلم. انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر لي مما تقدّم من الأدلّة أن القول بنبوّة مريم، وأم موسى هو الأقرب إلى الصواب، وأما غيرهما فليس فيه دليلٌ واضح، فلا ينبغي القول به. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٩٩ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ, عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ, عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ عَائِشَةَ,, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ, كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة.
و"ابن أبي ذئب": هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث المدنيّ.
و"الحارث بن عبد الرحمن": هو القرشيّ العامريّ، خال ابن أبي ذئب.
والحديث صحيح، وقد سبق تمام البحث فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
٣٤٠٠ - (أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا شَاذَانُ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ, عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ, عَنْ أَبِيهِ,, عَنْ عَائِشَةَ,, قَالَتْ: قَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَا أُمَّ سَلَمَةَ لَا تُؤْذِينِي فِي عَائِشَةَ, فَإِنَّهُ وَاللَّهِ مَا أَتَانِي الْوَحْيُ, فِي لِحَافِ امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ إِلاَّ هِيَ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد عندهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة.
و"أبو بكر بن إسحاق": هو محمد بن إسحاق الصاغانيّ، نزيد بغداد. و"شاذان": هو الأسود بن عامر الشاميّ، نزيل بغداد، وشاذان لقبه. وشرح الحديث يأتي في الذي بعده. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤٠١ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ, عَنْ عَبْدَةَ, عَنْ هِشَامٍ, عَنْ عَوْفِ بْنِ الْحَارِثِ, عَنْ رُمَيْثَةَ, عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ, أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ ﷺ , كَلَّمْنَهَا أَنْ تُكَلِّمَ النَّبِيَّ ﷺ , أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ, وَتَقُولُ لَهُ: إِنَّا نُحِبُّ الْخَيْرَ كَمَا تُحِبُّ عَائِشَةَ, فَكَلَّمَتْهُ, فَلَمْ يُجِبْهَا, فَلَمَّا دَارَ عَلَيْهَا كَلَّمَتْهُ أَيْضًا, فَلَمْ يُجِبْهَا, وَقُلْنَ: مَا رَدَّ عَلَيْكِ؟ , قَالَتْ: لَمْ يُجِبْنِي, قُلْنَ: لَا تَدَعِيهِ حَتَّى يَرُدَّ عَلَيْكِ, أَوْ تَنْظُرِينَ مَا يَقُولُ؟ , فَلَمَّا دَارَ عَلَيْهَا كَلَّمَتْهُ, فَقَالَ: «لَا تُؤْذِينِي فِي عَائِشَةَ, فَإِنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيَّ الْوَحْيُ, وَأَنَا فِي لِحَافِ امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ, إِلاَّ
стр. 14290
فِي لِحَافِ عَائِشَةَ».
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَانِ الْحَدِيثَانِ صَحِيحَانِ, عَنْ عَبْدَةَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن آدم) بن سليمان الجهنيّ المصّيصيّ، صدوق [١٠] ٩٣/ ١١٥.
٢ - (عبدة) بن سُليمان الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، يقال: اسمه عبد الرحمن، ثقة ثبت، من صغار [٨] ٧/ ٣٣٩.
٣ - (هشام) بن عروة بن الزبير الأسديّ، ثقة فقيه ربما دلّس [٥] ٤٩/ ٦١.
٤ - (عوف بن الحارث) بن الطفيل بن سخبرة -بفتح المهملة، وسكون المعجمة بعدها موحّدة مفتوحة- الأزديّ، مقبول [٣] ٥١/ ٨٥٥.
٥ - (رُميثة) بنت الحارث بن الطُّفيل بن سَخْبَرَة الأزديّة، أُخت عوف الراوي عنها، أمّ عبد اللَّه بن محمد بن أبي عَتِيق، رضيع عائشة، مقبولة [٤].
روت عن أم سلمة حديث الباب. وعنها أخوها عوف بن الحارث. ذكرها ابن حبّان في "الثقات". تفرّد بها المصنّف، روى دها حديث الباب فقط. واللَّه تعالى أعلم.
٦ - (أم سلمة) هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عُمَر بن المغيرة بن مخزم المخزومية، أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ١٢٣/ ١٨٣. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح غير رُمَيِثة كما مرّ آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فمصَّيصِيّ، وعبدة، فكوفيّ. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أُميّة، أمّ المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - (أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ ﷺ ) والمراد من نسائه ﷺ هنّ حزب أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنهنّ -، فقد تقدّم أنهنّ كنّ حزبين: أحدهما: حزب عائشة، وحفصة، وصفيّة، وسَوْدة. والثاني: حزب أم سلمة، وزينب بنت جحش الأسديّة، وأم حبيبة الأمويّة، وجويرية بنت الحارث، وميمونة بنت الحارث - رضي اللَّه تعالى عنهنّ -، دون زينب بنت خُزيمة أم المساكين، فإنها ماتت قبل
أن يتزوّج النبيّ ﷺ أم سلمة، وأسكن أتم سلمة بيتها لَمّا دخل بها، فالذين كلّمن أم سلمة هنّ صواحباتها، لا كلّ أزواجه ﷺ ، كما رواه ابن سعد من طريق رُميثة المذكورة, عن
стр. 14291
أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها -، قالت: كلّمني صواحبي، وهنّ … فذكرتهنّ (كَلَّمْنَهَا أَنْ تُكَلِّمَ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّ النَّاس) يحتمل فتح "أنّ" على تقدير حرف التعليل، أي إنما كلموها بما ذُكر؛ لأن الناس كانوا الخ. ويحتمل كسرها على أن تكون الجملة تعليلة (كانُوا يَتَحَرَّوْنَ بَهدَايَاهُمْ يَومَ عَائِشَةَ) لما يرون من حبّ النبيّ ﷺ إياها أكثر من حبّه غيرها، ففي رواية البخاريّ: "وكان الناس قد علموا حبّ رسول اللَّه ﷺ عائشة، فإذا كانت عند أحدهم هديّةٌ يُريد أن يُهديها إلى رسول اللَّه ﷺ أخّرها، حتى إذا كان رسول اللَّه ﷺ في بيت عائشة بعث صاحب الهديّة إلى رسول اللَّه ﷺ في بيت عائشة، فكلّم حزب أم سلمة، فقلن لها: كلّمي رسول اللَّه ﷺ يُكلّم الناس، فيقول: من أراد أن يُهدي إلى رسول اللَّه ﷺ هديّةً، فليُهدها حيث كان من بيوته … ".
ولا يخفى أن ما طلبنه مما لا يليق بصاحب المروءة ذكره في مجالس الناس، فطلبنهنّ منه ﷺ أن يذكر للناس مثل هذا إما لعدم تفطّنهنّ لما فيهنّ من شدّة الغيرة، أو هو كناية عن التسوية بينهنّ في المحبّة بألطف وجه؛ لأن منشأ تحرّي الناس زيادة المحبّة لعائشة، فعند التسوية بينهنّ في المحبّة يرتفع التحرّي من الناس، فكأنه إذا ساوى بينهنّ في المحبّة فقد أمرهم بعدم التحريّ. واللَّه تعالى أعلم (١) (وَتَقُولُ لَهُ: إِنَّا نُحِبُّ الْخَيْرَ) والمراد ما يُهدى إليه ﷺ من أصحابه (كَمَا تُحَبُّ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (فَكَلَّمَتْهُ) أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها - (فَلَمْ يُجِبْهَا) بضمّ أوله، من الإجابة، أي لم يردّ ﷺ عليها جوابًا، وفي رواية البخاريّ: "فلم يقل لها شيئًا". ولعله ﷺ ترك الجواب، رجاءَ أن تفهم من إعراضه عن إجابتها، أنه لا يحبّ أن يُكلَّم في شأن عائشة - رضي اللَّه تعالى - عنها (فَلَمَّا دَارَ عَلَيْهَا كَلَّمَتْهُ أَيضًا، فَلَمْ يُجِبْهَا، وَقُلْنَ: مَا رَدَّ عَلَيْكِ؟) "ما" استفهاميّةٌ، أي أيَّ شيء ردّ ﷺ على سؤالك؟ (قَالَتْ: لَمْ يُجِبْنِي، قُلنَ: لَا تَدَعِيهِ) بفتح الدال: أي لا تتركيه من المراجعة في هذه القضية (حَتَّى يَرُدَّ عَلَيْكِ) أي جوابَا مناسبًا لأغراضهنّ، وذلك أن يوافق على أن يكلّم الناس في شأن الهديّة، فيقول: من كان عنده هديّة يريد أن يُهديها إلى النبيّ ﷺ ، فليُهدها حيث كان من بيوت أزواجه، ولا يخصّ بين عائشة - رضي اللَّه تعالى عنهنّ - (أَوْ تَنْظُرِينَ مَا يَقُولُ؟) أي من الأعذار التي تمنعه من أن يقول للناس ما ذُكر (فَلَمَّا دَارَ عَلَيْهَا كلَّمَتْهُ، فَقَالَ) ﷺ (لَا تُؤذِينِي فِي عَائِشَةَ، فَإِنَّهُ) الفاء للتعليل، أي لأنه (لَمْ يَنزِلْ عَلَيَّ الْوَحْيُ، وَأَنَا فِي لِحَافِ امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ) الجملة في محلّ نصب على الحال، و"اللحاف" بكسر اللام، بعدها حاء مهملة: كلُّ ثوب يُتَغَطّى به، والجمع لُحُف
стр. 14292
بضمّتين، مثلُ كتاب وكُتُب. واِلْمِلْحَفَة بالكسر: هي الْمُلاءَةُ التي تَلْتَحِف بها المرأة. أفاده الفيّومّي (إِلاَّ فِي لِحَافِ عَائِشَةَ) زاد في رواية البخاريّ: "قالت -يعني أم سلمة-: أتوب إلى اللَّه من أذاك يا رسول اللَّه".
قيل: الحكمة في اختصاص عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - بذلك لمكان أبيها ﷺ ، حيث كان لا يفارق النبيّ ﷺ في أغلب أحواله، فسَرَى سرّه لابنته، مع ما كان لها من مزيد حبّه ﷺ . وقيل: إنها كانت تبالغ في تنظيف ثيابها التي تنام فيها مع النبيّ ﷺ ، والعلم عند اللَّه تعالى. أفاده في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متّفقٌ عليه، لكنه من حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -, كما تقدّم للمصنّف مختصرًا في الذي قبله، وأما من حديث أم سلمة فمن أفراد المصنّف، وهو صحيح من حديثهما، كما سيشير إليه المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، قريبًا.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣/ ٣٤٠٠ من حديث عائشة، و ٣٤٠١ و ٢٣٤٠ - من حديث أم سلمة، وفي "الكبرى" ٣/ ٨٨٩٧ و ٨٨٩٨ و ٨٨٩٩. وأخرجه (خ) في "الهبة" ٢٥٨١ و"الفضائل" ٣٧٧٥ (م) في "فضائل الصحابة" ٢٤٤١ (ت) في "المناقب" ٣٨٧٩ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٥٩٧٣. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان جواز حبّ الرجل بعض نسائه أكثر من بعض. (ومنها): أن فيه منقبةً عظيمة لعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، حيث إنها تميزّت عن سائر أمهات المؤمنين بنزول الوحي على رسول اللَّه ﷺ ، وهو في لحافها، وكفى بهذا شرفًا وفخرًا لها - رضي اللَّه تعالى عنها -، وفيه أن محبّته ﷺ لها متابعة لعظم منزلتها عند اللَّه تعالى.
(ومنها): أنه استدلّ به من قال: إن عائشة أفضل من خديجة - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وليس ذلك بلازم؛ لأمرين:
стр. 14293
[أحدهما]: احتمال أن لا يكون أراد إدخال خديجة في هذا، وأن المراد بقوله: "منكنّ" المخاطبة، وهي أم سلمة، ومن أرسلها، أو من كان موجودًا حينئذ من النساء. [والثاني]: على تقدير إرادة الدخول، فلا يلزم من ثبوت الخصوصيّةِ بشيءٍ من الفضائل، ثبوت الفضل المطلق، كحديث: "أقرؤكم أُبيّ، وأفرضكم زيد"، ونحو ذلك. (ومنها): أن فيه بيان ورع أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها -، وتقواها، حيث قالت: "أتوب إلى اللَّه من أذاك يا رسول اللَّه"، ولم تتمادى على المخاصمة على مقتضى غيرتها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: قال في "الفتح": قال السبكيّ الكبير: الذي ندين اللَّه به أن فاطمة أفضل،
ثم خديجة، ثم عائشة، والخلاف شهير، ولكن الحقّ أحقّ أن يُتّبع. وقال ابن تيميّة: جهات الفضل بين خديجة وعائشة متقاربة. وكأنّه رأى التوقّف. وقال ابن القيّم: إن أريد بالتفضيل كثرة الثواب عند اللَّه، فذاك أمرٌ لا يُطّلَع عليه، فإن عمل القلوب أفضل من عمل الجوارح، وإن أريد كثرة العلم، فعائشة، لا مَحَالَةَ، وإن أريد شرف (١)، ففاطمة، لا محالة، وهي فضيلة، لا يُشاركها فيها غير أخواتها، وإن أريد شرف السيادة، فقد ثبت النصّ لفاطمة وحدها.
قال الحافظ: امتازت فاطمة عن أخواتها بأنهنّ متن في حياته، فكُنّ في صحيفته، ومات هو في حياتها، فكان في صحيفتها، قال: وكنت أقول ذلك استنباطًا إلى أن وجدته منصوصًا، قال أبو جعفر الطبريّ في تفسير آل عمران، من التفسير الكبير، من طريق فاطمة بنت الحسين بن عليّ، أن جدّتها فاطمة قال: دخل رسول اللَّه ﷺ يومًا، وأنا عند عائشة، فناجاني، فبكيت، ثم ناجاني، فضحكت، فسألتني عائشة عن ذلك، فقلت: فقد علمت أأخبرك بسرّ رسول اللَّه ﷺ ؟ فتركتني، فلما توفّي سألت، فقلت: ناجاني … فذكر الحديث في معارضة جبريل له بالقرآن مرّتين، وأنه قال: "أحسب أني ميّتٌ في عامي هذا، وأنه لم تُرزأ امرأةٌ من نساء العالمين مثل ما رزئت، فلا تكوني دون امرأة منهنّ صبرًا، فبكيتُ، فقال: "أنت سيدة نساء أهل الجنّة، إلا مريم"، فضحكت. قال الحافظ: وأصل الحديث في "الصحيح" دون هذه الزيادة.
قال: وأما ما امتازت به عائشة من فضل العلم، فإن لخديجة ما يقابله، وهي أول من أجاب إلى الإسلام، ودعا إليه، وأعان على ثبوته بالنفس والمال، والتوجّه التامّ، فلها مثل أجر من جاء بعدها، ولا يقدر قدر ذلك إلا اللَّه. وقيل: انعقد الإجماع على أفضليّة
стр. 14294
فاطمة، وبقي الخلاف بين عائشة وخديجة انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم.
وقوله (قَالَ: أَبو عَبْد الرَّحْمَنِ: هَذَانِ الْحَدِيثَانِ صَحِيحَانِ، عَنْ عَبْدَةَ) الظاهر أن هذا محلّه بعد الحديث التالي، كما هو صنيعه في "الكبرى" ٥/ ٢٨٤ - ، والمعنى أن رواية عبدة بن سليمان لهذا الحديث بالطريقين المذكررين صحيحة، فيكون هشام بن عروة رواه عن عوف بن الحارث، عن رُميثة، عن أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها -. وعن أبيه، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، فكلا الطريقين صحيحان. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤٠٢ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ, عَنْ أَبِيهِ,, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: "كَانَ النَّاسُ يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ, يَبْتَغُونَ بِذَلِكَ مَرْضَاةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وقع في بعض النسخ: "حدثنا هاشم بن عبد اللَّه"، وهو غلطٌ فاحش، والصواب ما في بعض النسخ: "هشام، عن أبيه"، وفي بعضها، وهو الذي في "الكبرى": "حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه"، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
ورجال الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. والحديث صحيح، وقد سبق تمام البحث فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤٠٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ, عَنْ عَبْدَةَ, عَنْ هِشَامٍ, عَنْ صَالِحِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ هُدَيْرٍ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: أَوْحَى اللَّهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ , وَأَنَا مَعَهُ, فَقُمْتُ, فَأَجَفْتُ الْبَابَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ, فَلَمَّا رُفِّهَ عَنْهُ, قَالَ لِي: «يَا عَائِشَةُ, إِنَّ جِبْرِيلَ يُقْرِئُكِ السَّلَامَ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وقع أيضًا في هذا السند خطأ فاحش، ونصّه: "عن هاشم"، والصواب ما في بعض النسخ، و"الكبرى"، ولفظه: "عن هشام"، وهو هشام بن عروة الذي روى عنه عبدة في الأسانيد السابقة. فتبّه.
و"صالح بن ربيعة بن هُدير" التيميّ المدنيّ، مقبول [٤].
روى عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، وعنه هشام بن عروة. ذكره ابن حبان في "الثقات"، تفرّد به المصنّف، وله عنده هذا الحديث فقط. واللَّه تعالى أعلم.
وقولها: "فأجفتُ الباب" من الإجافة، وهو الرّدّ، يقال: أجَفْتُ البابَ: أي رددته، قال الشاعر [من الطويل]:
стр. 14295
فَجِئْنَا مِنَ الْبَابِ الْمُجَافِ تَوَاتُرًا … وَإنْ تَقْعُدَا بِالْخَلْفِ فَالْخَلْفُ أَوْسَعُ
وفي حديث الحجّ أنه دخل البيت، وأجاف البابَ: أي ردّه عليه. وفي الحديث: "أَجِيفوا أبوابكم". أفاده في "اللسان".
والظاهر أنها أجافت الباب بينها وبينه؛ لئلا تَشغَله عن الوحي الذي نزل عليه. واللَّه تعالى أعلم.
وقولها: "فلمّا رُفَّهَ عنه" بالبناء للمفعول،: أي أُزيح، وأُزيل عنه الضِّيقُ والتعَبُ.
قاله في "النهاية". يقال: رَفَّهَ نفسَهُ بالتشديد: إذا أراحها. قاله في "المصباح". وتمام شرح الحديث يأتي قريبًا.
والحديث ضعيفٌ لأن في سنده صالح بن ربيعة بن هُدير، فإنه لم يرو عنه غير هشام بن عروة، فهو مجهول العين، وهو بهذا السند من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-٣/ ٣٤٠٣ - وفي "الكبرى" ٣/ ٨٩٠٠. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤٠٤ - (أَخْبَرَنَا نُوحُ بْنُ حَبِيبٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ لَهَا: «إِنَّ جِبْرِيلَ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلَامَ» , قَالَتْ: وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ, تَرَى مَا لَا نَرَى).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (نوح بن حبيب) القُومَسِي أبي محمد الْبَذَشِيِّ، ثقة سُنّيّ [١٠] ٧٩/ ١٠١٠.
والباقون تقدّموا قريبًا، وكذا لطائف الإسناد. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عُرْوَةَ) سيأتي قريبًا أن المحفوظ رواية الزهريّ، عن أبي سلمة، عن عائشة، فإن معمرًا قد خالف جماعة من أصحاب الزهريّ، فتُرجّح روايتهم على روايته (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: لَهَا: "إِنَّ جِبْرِيلَ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلَامَ") وفي نسخة: "يُقرئك السلامَ"، فعلى الأول فهو بفتح حرف المضارعة، وعلى الثاني، فهو بضمّها، يقال: قرأتُ على زيد السلام أقرَؤه قراءةً، وإذا أمرتَ منه قلتَ: اقرَأْ ﵇، وتعديته بنفسه على هذا خطأ، فلا يقال: اقرأْهُ السلامَ، ويقال: أقرأته السلام، أُقرِئُهُ إقراءً، فتعدّيه بنفسه، ولا تقول: أقرأت ﵇ (١).
стр. 14296
والحاصل أنه إذا عدّيته بـ "على"، فتحت حرف المضارعة منه، وإذا عدّيته بنفسه ضممته، فلا يُجمع بين الضمّ وحرف الجرّ، فتنبّه.
(قَالَتْ) عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - (وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّه وَبَرَكَاتُهُ) كذا في هذه الرواية بزيادة: "ورحمة اللَّه وبركاته"، وكذا هو عند البخاريّ، من طريق يونس، عن الزهريّ، وفي أكثر الروايات زيادة: "ورحمة اللَّه" فقط، قال وليّ الدين: والأخذ بالزيادة واجب، وهذا غاية السلام، وقد جاء في حديث: "انتهاء السلام إلى البركة". انتهى (١).
قال القرطبيّ: هذا حجة لمن اختار أن يكون ردّ السلام هكذا، وإليه ذهب ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنها - (تَرَى مَا لَا نَرَى) أي إنك يا رسول اللَّه ترى جبريل ﵇، وتسمع كلامه، ونحن لا نراه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متّفقٌ عليه بالسند التالي، من رواية أبي سلمة، عنها، وأما من رواية عروة عنها، فغير محفوظ، كما سيأتي توضيحه قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣/ ٣٤٠٤ و٣٤٠٥ - وفي "الكبرى" ٣/ ٨٩٠١ و ٨٩٥٢ و"المناقب" ٧٨/ ٨٣٨٣. وأخرجه (خ) في "بدء الخلق" ٣٢١٧ و"المناقب" ٣٧٦٨ و"الأدب" ٦٢٠١ و"الاستئذان" ٦٢٤٩ و ٦٢٥٣ (م) في "فضائل الصحابة" ٢٤٤٧ (د) في "الأدب" ٥٢٣٢ (ت) في "المناقب" ٣٨٨١ (ق) في "الأدب" ٣٦٩٦ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٣٧٦٠ و٢٣٩٤١ و ٢٤٥٥٣ و ٢٤٦٤٧ و ٢٥٣٥٢ (الدارمي) في "الاستئذان" ٢٦٣٨. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو حب الرجل بعض نسائه أكثر من بعض، ووجه الاستدلال منه أنه ﷺ إنما كان حبه لعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -؛ لأجل فضيلتها، ومناقبها الكثيرة، ومنها سلام جبريل ﵇ عليها، فإن هذا منقبة
стр. 14297
عظيمة لها، تسحقّ أن يحتسبها أكثر من غيرها. قال الحافظ وليّ الدين: لكن منقبة خديجة - رضي اللَّه تعالى عنها - في ذلك أعظم، وهي سلام اللَّه تعالى عليها، والمشهور تفضيل خديجة على عائشة - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وهو الصحيح انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أشار بسلام اللَّه تعالى إلى ما أخرجه الشيخان، واللفظ للبخاريّ من طريق أبي زرعة، عن أبي هريرة ﵁، قال: "أتى جبريل النبي ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه، هذه خديجة، قد أتت معها إناء، فيه إدام، أو طعام، أو شراب، فإذا هي أتتك، فاقرأ ﵍ من ربها، ومني، وبشرها ببيت في الجنة، من قصب، لا صخب فيه، ولا نصب". قال السهيليّ: استدلّ بهذه القصّة أبو بكر بن أبي داود على أن خديجة أفضل من عائشة؛ لأن عائشة سلّم عليها جبريل من قبل نفسه، وخديجة أبلغها السلام من ربّها. قال الحافظ: ومن صريح ما جاء في تفضيل خديجة ما أخرجه أبو داود، والنسائيّ، وصححه الحاكم من حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى - عنهما، رفعه: "أفضل نساء أهل الجنّة خديجة بنت خُويلد، وفاطمة بنت محمد ﷺ ". قال السبكي الكبير كما تقدّم: لعائشة من الفضائل ما لا يحصى، ولكن الذي نختاره، وندين اللَّه به أن فاطمة أفضل، ثم خديجة، ثم عائشة. انتهى (٢).
وقد استنبط بعضهم من هذا الحديث فضل خديجة
(ومنها): استحباب بعث السلام، قال وليّ الدين: قال أصحابنا -يعني الشافعيّة-: ويجب على الرسول تبليغه، فإنه أمانة، ويجب أداء الأمانة. وينبغي أن يقال: إنما يجب عليه ذلك إذا التزم، وقال للمرسل: إني تحمّلت ذلك، وسأبلغه له، فإن لم يلتزم ذلك لم يجب عليه تبليغه، كمن أودع وديعةً، فلم يقبلها. انتهى.
(ومنها): بعث الأجنبيّ السلام إلى الأجنبيّة الصالحة، إذا لم يخف ترتّب مفسدة، وبوب عليه البخاريّ في "صحيحه": "باب تسليم الرجال على النساء". وأخرج الترمذيّ، وحسّنه من حديث أسماء بنت يزيد، قال: "مرّ علينا النبيّ ﷺ في نسوة، فسلّم علينا"، وله شاهد من حديث جابر عند أحمد. وثبت في "صحيح مسلم" حديث أمّ هانئ: "أتيت النبيّ ﷺ ، وهو يغتسل، فسلّمت عليه". وأما ما أخرجه أبو نعيم في "عمل اليوم والليلة" من حديث واثلة، مرفوعًا: "يسلّم الرجال على النساء، ولا يسلّم النساء على الرجال"، فسنده واهٍ (٣).
стр. 14298
(ومنها): أن الذي يبلغه سلام غيره عليه يرده، قال وليّ الدين: قال أصحابنا: وهذا الردّ واجب على الفور، وكذا لو بلغه سلام في ورقة من غائب لزمه أن يردّ ﵇ باللفظ على الفور إذا قرأه انتهى.
(ومنها): أنه ذكر النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- أنه يستحبّ أن يردّ على المبلّغ أيضًا، فيقول: وعليه، وعليك السلام، ورحمة اللَّه. وبركاته، قال وليّ الدين: ويشهد لما ذكره ما رواه النسائيّ، وصاحبه ابن السنّيّ، كلاهما في "عمل اليوم والليلة" أن رجلاً من بني تميم أبلغ النبيّ ﷺ عن أبيه السلام، فقال: "وعليك، وعلى أبيك السلام". لكن ما ذكره النوويّ فيه تقديم الردّ على الغائب، والذي في هذا الحديث تقديم الرّدّ على الحاضر. ولم يقع في حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - الردّ على النبيّ ﷺ الذي هو مبلّغ السلام عن جبريل ﵇، وذلك يدلّ على أنه غير واجب. وقد يقال: الواقع في حديث عائشة إبلاغ السلام عن حاضر، إلا أنه غائبٌ عن العين، ولهذا قالت عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "ترى ما نرى"، بخلاف قضيّة التميميّ، فإنه إبلاغ سلام عن غائب. وقد يقال: لا أثر لذلك في ردّ السلام على المبلغ، وتركه انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "من بني تميم" الذي في "عمل اليوم والليلة" للمصنّف برقم ٣٧٣ - بتحقيق الدكتور فاروق حمادة "رجل من بني نمير، عن أبيه، عن جدّه". والحديث ضعيف لجهالة الرجل المذكور. واللَّه تعالى أعلم.
(ومنها): استحباب أن يأتي في الرّدّ بالواو، فيقول في جواب الحاضر: "وعليكم السلام"، وفي جواب الغائب: "و- ﵇"، كما وقع في هذا الحديث.
(ومنها): استحباب الزيادة في ردّ السلام. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤٠٥ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعَيْبٌ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَا عَائِشَةُ, هَذَا جِبْرِيلُ, وَهُوَ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلَامَ …». مِثْلَهُ, سَوَاءٌ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا الصَّوَابُ, وَالَّذِي قَبْلَهُ خَطَأٌ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو ثقة حافظ.
و"الحكم بن نافع": هو أبو اليمان الحمصيّ. و"شُعيب": هو ابن أبي حمزة الحمصيّ. وقوله: "يا عائشة"، وفي نسخة: "يا عائش" بحذف الهاء، على الترخيم، كما قال
стр. 14299
في "الخلاصة":
تَرْخِيمًا احْذِفْ آخِرَ الْمُنَادَى … كَيَـ "يَا سُعَا" فِيمَنْ دَعَا "سُعَادَا"
وقوله: "مثله" يحتمل الرفع خبر لمحذوف، أي متن الحديث مثل المتن الماضي.
ويحتمل نصبه، على الحال، أي حال كونه الحديث الماضي. وقوله: "سواء" مؤكّد لـ "مثله"، لإعرابه كإعرابه.
وقوله: "هذا الصواب، والذي قبله خطأ" يعني أن كون الحديث من رواية أبي سلمة، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هو الصواب، وأما كونه من رواية عروة، عنها فخطأٌ، وقد بيّن وجه الخطإ المصنّف في "عمل اليوم والليلة"، فقال بعد أن ساق بسند معمر، عن الزهريّ، عن عروة المتقدِّم: ما نصّه: خالفه ابن المبارك، ثم ساقه من طريق ابن المبارك، عن الزهريّ، عن أبي سلمة … ، ثم قال: وهذا الصواب؛ لمتابعة شعيب، وابن مسافر إياه على ذلك انتهى.
وقال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: ما نصّه: رواه النسائيّ عن نوح بن حبيب، عن عبد الرزّاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة، وقال: هذا خطأ، وأشار بذلك إلى أنه خطأ من جهة الإسناد لذكر عروة فيه، وإنما المعروف من حديث الزهريّ روايته له عن أبي سلمة، عن عائشة، اتفق الشيخان، والنسائيّ على إخراجه كذلك، من طريق شعيب بن أبي حمزة، وأخرجه البخاريّ، والترمذيّ، والنسائيّ من طريق معمر، وأخرجه البخاريّ من طريق يونس بن يزيد، وأخرجه النسائيّ من طريق عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، كلهم عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن عائشة، وهو معروف من حديث أبي سلمة من غير طريق الزهريّ، رواه الأئمة الستّة، خلا النسائيّ، من طريق الشعبيّ، عن أبي سلمة، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - انتهى كلام وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى- (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أن المحفوظ في هذا الحديث كونه عن أبي سلمة، عن عائشة، لاتفاق هؤلاء الحفّاظ: شعيب بن أبي حمزة، ويونس بن يزيد الأيليّ، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر على ذلك، مع أنه روي عن الشعبيّ، عن أبي سلمة، فعُلم أن رواية معمر غير محفوظة، على أنه اختُلف عليه فيه، فقد رواه عبد اللَّه بن المبارك عنه، كرواية الجماعة (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 14300
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٤ - (بَابُ (١) الْغَيْرَةِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الغَيْرَةُ" بفتح الغين المعجمة، وسكون الياء التحتيّة، بعدها راءٌ: مصدر غار الرجل على امرأته، والمرأة على زوجها يَغار، من باب تَعِبَ غَيْرًا، وغَيْرَةً بالفتح، وغَارًا. قال ابن السكّيت: ولا يقال: غِيرًا وغيرةً بالكسر. فالرجل غيورٌ، والمرأة غيورٌ أيضًا، وغيرَى، وجمع غَيُور غُيُرٌ، مثلُ رسول ورُسُلٍ، وجمع غَيْرَان، وغَيْرَى غيارى، بالضمّ والفتح. قاله الفيّومّي.
وقال القاضي عياض، وغيره: هى مشتقة من تغيّر القلب، وهيجان الغضب بسبب المشاركة فيما به الاختصاص، وأشدّ ما يكون ذلك بين الزوجين انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٤٠٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ (٣) , قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ, فَأَرْسَلَتْ أُخْرَى, بِقَصْعَةٍ فِيهَا طَعَامٌ, فَضَرَبَتْ يَدَ الرَّسُولِ, فَسَقَطَتِ الْقَصْعَةُ, فَانْكَسَرَتْ, فَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ الْكِسْرَتَيْنِ, فَضَمَّ إِحْدَاهُمَا إِلَى الأُخْرَى, فَجَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ, وَيَقُولُ: «غَارَتْ أُمُّكُمْ, كُلُوا» , فَأَكَلُوا, فَأَمْسَكَ, حَتَّى جَاءَتْ بِقَصْعَتِهَا الَّتِي فِي بَيْتِهَا, فَدَفَعَ الْقَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الرَّسُولِ, وَتَرَكَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْهَا).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (محمد بن المثنى) أبو موسى الْعَنَزي البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٦٤/ ٨٠.
٢ - (خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧.
٣ - (حميد) بن حميد الطويل، أبو عبيدة البصريّ، ثقة يدلس [٥] ٨٧/ ١٠٨.
٤ - (أنس) بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 14301
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى- وهو (١٧٨) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): مسلسل بالبصريين. (ومنها): شيخه هو أحد مشايخ الأئمة الستّة من دون واسطة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - أنه (قال: كَانَ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤمِنِينَ) وفي رواية الترمذيّ، من طريق سفيان الثوريّ، عن حميد، عن أنس: "أهدت بعض أزواج النبيّ ﷺ طعامًا في قصعة، فضربت عائشة القصعة بيدها … " الحديث، وأخرجه أحمد عن ابن أبي عديّ، ويزيد بن هارون، عن حميد به، وقال: أظنّها عائشة. قال الطيبيّ: إنما أُبهمت عائشة تفخيمًا لشأنها، وأنه مما لا يخفى، ولا يلتبس أنها هي؛ لأن الهدايا إنما كانت تُهدى إلى النبيّ ﷺ في بيتها انتهى (١) (فَأَرْسَلَتْ أُخْرَى) أي أرسلت امرأة أخرى، من أمهات المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنهنّ، زاد في رواية البخاريّ: "مع خادم"، قال في "الفتح": لم أقف على اسم الخادم، وأما المرسلة فهي زينب بنت جحش، ذكره ابن حزم في "المحلّى" من طريق الليث بن سعد، عن جرير بن حازم، عن حميد: سمعت أنس بن مالك أن زينب بنت جحش، أهدت إلى النبيّ ﷺ ، وهو في بيت عائشة، ويومها جَفْنَةً من حَيْسٍ". واستفدنا منه معرفة الطعام المذكور. ووقع قريبٌ من ذلك لعائشة مع أمّ سلمة - رضي اللَّه تعالى عنهما -، كما سيأتي للمصنّف في الرواية التالية من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي المتوكّل … وأخرجه الدارقطنيّ من طريق عمران بن خالد، عن ثابت، عن أنس ﵁، قال: "كان النبيّ ﷺ في بيت عائشة معه بعض أصحابه، ينتظرون طعامًا، فسبقتها- قال عمران: أكثر ظنّي أنها حفصة - بصفحة، فيها ثريدٌ، فوضعتها، فخرجت عائشة- وذلك قبل أن يحتجبن- فضربتها بها، فانكسرت … " الحديث.
قال الحافظ: ولم يصب عمران في ظنّه أنها حفصة، بل هي أم سلمة، كما تقدّم. نعم وقعت القصّة لحفصة أيضًا، وذلك فيما رواه ابن أبي شيبة، وابن ماجه من طريق رجل من بني سواءة، غير مسمّى، عن عائشة، قالت: "كان رسول اللَّه ﷺ مع أصحابه، فصنعتُ له طعامًا، وصنعت له حفصة طعامًا، فسبقتني، فقلت للجارية: انطلقي، فأكفئي قصعتها، فأكفأتها، فانكسرت، وانتشر الطعام، فجمعه على النطع، فأكلوا، ثم بعث بقصعتي إلى حفصة، فقال: "خذوا ظرفًا مكان ظرفكم". وبقيّة رجاله ثقات، وهي قصّة أخرى، بلا
стр. 14302
ريب؛ لأن في هذه القصّة أن الجارية هي التي كسرت الصحفة، وفي الذي تقدّم أن عائشة نفسها هي التي كسرتها. وروى أبو داود، والنسائيّ، من طريق جَسْرَة -بفتح الجيم، وسكون المهملة- عن عائشة، قالت: "ما رأيت صانعةً طعامًا مثل صفيّة، أهدت إلى النبيّ ﷺ إناءً، فيه طعام، فما ملكتُ نفسي أن كسرته، فقلت: يا رسول اللَّه، ما كفّارته؟ قال: "إناء كإناء، وطعامٌ كطعام". وإسناده حسن. ولأحمد، وأبي داود، عنها: "فلما رأيت الجارية أخذتني رعدة"، فهذه قصّةٌ أخرى أيضًا.
وتحرّر من ذلك أن المراد بمن أُبهم في حديث الباب هي زينب يخطيء الحديث من مخرجه، وهو حميد، عن أنس، وما عدا ذلك، فقصص أخرى، لا يليق بمن يُحقّق أن يقول في مثل هذا: قيل: المرسلة فلانة، وقيل: فلانة الخ، من غير تحرير انتهى كلام الحافظ، وهو كلام نفيسٌ. واللَّه تعالى أعلم.
(بِقَصْعَةٍ) بفتح القاف: إناء من خشب. وعند البخاريّ في "النكاح" في رواية ابن علية "بصحفة"، وهي قصعة مبسوطة، وتكون من غير الخشب (فِيهَا طَعَامٌ) تقدّم قريبًا، أنه كان حيسًا (فَضَرَبَتْ يَدَ الرَّسُولِ، فَسَقَطَتِ الْقَصْعَةُ، فَانْكَسَرَتْ) زاد أحمد: "نصفين"، وفي رواية أم سلمة الآتية بعد هذا: "فجاءت عائشة، ومعها فهرٌ، ففلقت به الصحفة"، وفي رواية ابن عليّة: "فضربت التي في بيتها يد الخادم، فسقطت الصحفة، فانفلقت". والفَلْق بالسكون الشّقّ. ودلّت الرواية الأخرى على أنها انشقّت، ثم انفصلت (فَأَخَذَ النَّبِيُّ الْكِسْرَتَيْنِ) وفي نسخة: "الكَسْرَين" (فَضَمَّ إِحْدَاهُمَا إِلَى الأُخْرَى، فَجَعَلَ يَجمَعُ فِيهَا الطْعَامَ، وَيَقُولُ) ﷺ (غَارَتْ أُمُّكُمْ) أي إنما حملها على هذا الاعتداء غيرتها على ضرّتها. قال الطيبيّ: وإنما وُصفت المرسلة بأنها أم المؤمنين إيذانًا بسبب المغيرة التي صدرت من عائشة، وإشارة إلى غيرة الأخرى، حيث أهدت إلى بيت ضرّتها. وقوله: غارت أمكم" اعتذارٌ منه ﷺ ؛ لئلا يُحمل صنيعُها على ما يُذمّ، بل يُجْرَى على عادة الضرائر من المغيرة، فإنها مركّبةٌ في النفس بحيث لا يقدر على دفعها. قاله في "الفتح". وقال في موضع آخر: الخطاب في قوله: "أمكم" لمن حضر، والمراد بالأمّ هي التي كسرت الصحفةَ، وهي من أمهات المؤمنين، كما تقدّم بيانه. وأغرب الداوديّ، فقال: المراد بقوله: "أمّكم" سارة، وكأنّ معنى الكلام عنده، لا تتعجّبوا مما وقع من هذه من الغيرة، فقد غارت قبل ذلك أمّكم حتى أخرج إبراهيمُ ولده إسماعيل، وهو طفل مع أمه إلى واد غير ذي زرع، وهذا، وإن كان له بعض توجيه، لكن المراد خلافه، وأن المراد كاسرة الصحفة، وعلى هذا حمله جميع مَنْ شرح هذا الحديث، وقالوا: فيه إشارة إلى عدم مؤاخذة الغيراء بما يصدر منها لأنها في تلك الحالة يكون
стр. 14303
عقلها محجوبًا بشدّة الغضب الذي أثارته الغيرة.
وقد أخرج أبو يعلى بسند لا بأس به، عن عائشة، مرفوعًا: "أن الغيراء لا تُبصر أسفل الوادي من أعلاه". قاله في قصّة. وعن ابن مسعود رفعه: "إن اللَّه كتب الغيرة على نساء، فمن صبر منهنّ، كان لها أجر شهيد". أخرجه البزّار، وأشار إلى صحّته، ورجاله ثقات، لكن اختلف في عبيد بن الصبّاح منهم. وفي إطلاق الداوديّ على سارة أنها أم المخاطبين نظر أيضًا، فإنهم إن كانوا من بني إسماعيل، فأمّهم هاجر، لا سارة، ويبعد أن يكونوا من بني إسرائيل حتى يصحّ أن أمهم سارة انتهى (١).
(كُلُوا، فَأَكَلُوا، فَأَمْسَكَ) أي أمسك ﷺ القَصْعَةَ المكسورة (حَتَّى جَاءَتْ) الكاسرة (بِقَصْعَتِهَا الَّتِي فِي بَيْتِهَا، فَدَفَعَ الْقَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الرَّسُولِ) أي إلى رسول المرأة التي أرسلت بالطعام (وَتَرَكَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْها) زاد في رواية الثوريّ: "إناءٌ كإناء، وطعامٌ كطعام". وقال ابن العربيّ: وكأنه إنما لم يؤدّب الكاسرة، ولو بالكلام لما وقع منها من التعدّي؛ لما فهم من أن التي أهدت أرادت بذلك أذى التي هو في بيتها، والمظاهرة عليها، فاقتصر على تغريمها للقصعة. قال: وإنما لم يُغرّمها الطعام؛ لأنه كان مُهْدًى، فإتلافهم له قبولٌ، أو في حكم القبول. قال الحافظ: وغفل -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- عما ورد في الطريق الأخرى. انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: يعني قوله ﷺ : "إناء كإناء، وطعامٌ كطعام" المذكور، فإنه صريحٌ في كونه ﷺ غرّمها الإناء، والطعام. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤/ ٣٤٠٦ - وفي "الكبرى" ٤/ ٨٩٠٣. وأخرجه (خ) في "المظالم والغصب" ٢٤٨١ و"النكاح" ٥٢٢٥ (د) في "البيوع" ٣٥٦٧ (ق) في "الأحكام" ٢٣٣٤ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١١٦١٦ و١٣٣٦١ (الدارمي) في "البيوع" ٢٥٩٨. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 14304
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم الغيرة، وأنها لا ينقص من دين المرأة شيئًا، حيث عذر النبيّ ﷺ عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - بسببها، وإنما ألزمها ضمان ما جنته. (ومنها): سعة أخلاق النبيّ ﷺ ، وإنصافه، وتحمّله ما يحدث من أزواجه بسبب الغيرة. (ومنها): مشروعية الضمان بالمثل في كسر القصعة، ونحوها، وسيأتي ما قاله أهل العلم في ذلك، في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قال ابن بطال: احتجّ الشافعيّ، والكوفيّون فيمن استهلك عروضًا، أو حيوانًا، فعليه مثل ما استهلك، قالوا: ولا يُقضى بالقيمة إلا عند عدم المثل. وذهب مالكْ إلى القيمة مطلقًا، وعنه في رواية كالأوّل، وعنه ما صنعه الآدميّ فالمثل، وأما الحيوان فالقيمة، وعنه ما كان مكيلاً، أو موزونًا فالقيمة، وإلا فالمثل، وهو المشهور عندهم. قال الحافظ: وأما ما أطلقه عن الشافعيّ ففيه نظرٌ، وإنما يُحكم في الشيء بمثله إذا كان متشابه الأجزاء، وأما القصعة فهي من المقوّمات لاختلاف أجزائها. والجواب ما حكاه البيهقيّ بأن القصعتين كانتا للنبيّ ﷺ في بيتي زوجتيه، فعاقب الكاسرة بجعل القصعة المكسورة في بيتها، وجعل الصحفة الصحيحة في بيت صاحبتها، ولم يكن هناك تضمين. ويحتمل على تقدير أن تكون القصعتان لهما أنه رأى ذلك سدادًا بينهما، فرضيتا بذلك. ويحتمل أن يكون ذلك في الزمان الذي كانت العقوبة فيه بالمال، فعاقب الكاسرة بإعطاء قصعتها للأخرى.
قال الحافظ: وُيبعد هذا التصريح بقوله: "إناءٌ كإناء". وأما التوجيه الأول فيعكُرُ عليه قوله في الرواية التي ذكرها ابن أبي حاتم: "من كسر شيئًا، فهو له، وعليه مثله"، زاد في رواية الدارقطنيّ: "فصارت قضيّة"، وذلك يقتضي أن يكون حكمًا عامًّا لكلّ من وقع له مثلُ ذلك، ويبقى دعوى من اعتذر عن القول به بأنها واقعة عينٍ، لا عموم فيها.
لكن محلّ ذلك ما إذا أفسد المكسور، فاما إذا كان الكسر خفيفًا، يمكن إصلاحه، فعلى الجاني أرشه. قال: وأما مسألة الطعام، فهي محتملةٌ لأن يكون ذلك من باب المعونة، والإصلاح، دون بتّ الحكم بوجوب المثل فيه؛ لأنه ليس له مثلٌ معلوم، وفي طرق الحديث ما يدلّ على ذلك، وأن الطعامين كانا مختلفين. واللَّه أعلم انتهى (١).
стр. 14305
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر لي أن قول من قال بتضمين الحيوان، والعروض بالمثل هو الأولى؛ لظاهر حديث الباب، وأما دعوى أنها واقعة عين، فمما لا دليل عليه، وليس هذا مما يُستغرب، فقد ثبت الضمان بالمثل في الشرع في كثير من الإتلافات، كجزاء الصيد، وغيره. فتفطّن. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: احتجّ الحنفيّة بهذا الحديث لقولهم: إذا تغيّرت العين المغصوبة بفعل الغاصب، حتى زال اسمها، وعظم منافعها، زال ملك المغصوب عنها، وملكها الغاصب، وضَمِنَها. وفي الاستدلال بهذا الحديث نظرٌ لا يخفى. قاله في "الفتح" (١).
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
٣٤٠٧ - (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ, عَنْ ثَابِتٍ, عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ, عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ, أَنَّهَا, يَعْنِي أَتَتْ بِطَعَامٍ, فِي صَحْفَةٍ لَهَا, إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ, فَجَاءَتْ عَائِشَةُ, مُتَّزِرَةً بِكِسَاءٍ, وَمَعَهَا فِهْرٌ, فَفَلَقَتْ بِهِ الصَّحْفَةَ, فَجَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ فِلْقَتَي الصَّحْفَةِ, وَيَقُولُ: «كُلُوا, غَارَتْ أُمُّكُمْ» , مَرَّتَيْنِ, ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ صَحْفَةَ عَائِشَةَ, فَبَعَثَ بِهَا إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ, وَأَعْطَى صَحْفَةَ أُمِّ سَلَمَةَ عَائِشَةَ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الربيع بن سليمان": هو الجيزيّ الأعرج. ويحتمل أن يكون الربيع بن سليمان المراديّ المؤذّن، فكلاهما يروي عنه المصنّف، ويرويان عن أسد بن موسى، وكلاهما مصريّان ثقتان. و"أسد بن موسى": هو الأمويّ المعروف بـ "أسد السنّة"، وثّقه المصنّف، وغيره. و"ثابت": هو البنانيّ البصريّ. و"أبو المتوكّل": هو عليّ بن داود، ويقال: دُؤاد الناجيّ البصريّ. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "أنها يعني أتت بطعام" أتي بـ "يعني" إشارةً إلى أنه شكّ في هذه اللفظة، هل هي أتت، أو جاءت، أو نحو ذلك، ولم يظهر لي من أتي بالعناية. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "بصحفة" -بفتح الصاد، وسكون الحاء المهملتين-: إناءٌ كالقَصْعة، والجمع صِحَافٌ، مثلُ كَلْبة وكِلابٍ، وقال الزمخشريّ: الصَّحْفة قَصْعَةٌ مستطيلة. أفاده الفيّوميّ.
وقولها: "ومعها فِهْرٌ" في "القاموس": الْفِهْرُ -بالكسر-: الحجرُ قدر ما يُدقّ به الجوز، أو ما يملأ الكفّ، ويؤنّث، والجمع أفهار، وفُهُور انتهى.
وقولها: "ففلقت" بفتح الفاء، والسلام، من باب ضرب: أي شَقَّت. وقولها: "بين
стр. 14306
فِلقتي الصحفة" بكسر الفاء، وسكون اللام تثنية فِلْقةٍ: وهي القِطعة، وزنًا ومعنًى. وقد تقدّم تمام الشرح، وبيان فوائده في الذي قبله.
والحديث صحيح، تفرد به المصنّف، فأخرجه هنا-٤/ ٣٤٠٧ - وفي "الكبرى" ٤/ ٨٩٠٤. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤٠٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ فُلَيْتٍ, عَنْ جَسْرَةَ بِنْتِ دِجَاجَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ صَانِعَةَ طَعَامٍ, مِثْلَ صَفِيَّةَ, أَهْدَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ , إِنَاءً فِيهِ طَعَامٌ, فَمَا مَلَكْتُ نَفْسِي, أَنْ كَسَرْتُهُ, فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ , عَنْ كَفَّارَتِهِ؟ فَقَالَ: «إِنَاءٌ كَإِنَاءٍ, وَطَعَامٌ كَطَعَامٍ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن المثنى) العنزي البصري، ثقة حافظ [١٠] ٦٤/ ٨٠.
٢ - (عبد الرحمن) بن مهديّ البصريّ الإمام الحجة الثبت [٩] ٤٢/ ٤٩.
٣ - (سفيان) بن الثوريّ الإمام الحجة الثبت [٧] ٣٣/ ٣٧.
٤ - (فُلَيتٌ) - بضمّ الفاء، آخره تاء مثناة فوقيّةٌ، مصغّرًا: هو أفلت بن خَليفة العامريّ، ويقال: الذّهليّ، ويقال: الْهُذليّ، أبو حَسَّان الكوفيّ، صدوق [٥].
روى عن جَسْرة بنت دجاجة، ودُهيمة بنت حسّان. وعنه الثوريّ، وأبو بكر بن عيّاش، وعبد الواحد بن زياد. قال أحمد: ما أرى به بأسًا. وقال أبو حاتم: شيخٌ. وقال الدارقطنيّ: صالح. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وصحح ابن خُزيمة حديثه عن جَسْرة: "لا أحلّ المسجد لجنب، ولا حائض". وحسّنه ابن القطّان. وقال الخطّابيّ في "شرح السنن": ضعّفوا هذا الحديث، وقالوا: راويه مجهول. وقال ابن حزم: أفلت غير مشهور، ولا معروف بالثقة، وحديثه باطلٌ. وقال البغويّ في "شرح السنّة": ضَعّف أحمد هذا الحديث؛ لأن راويه أفلت، وهو مجهول. تفرّد به أبو داود، والمصنّف، وله عنده هذا الحديث، وحديث عائشة -٥٦/ ٥٥٢٠ - في "كتاب الاستعاذة": "اللهم رب جبريل، وميكائيل، وإسرافيل … ".
٥ - (جَسْرَة) بنت دجاجة العامريّة الكوفيّة، وثقها العجليّ، وابن حبّان، ويقال: إن لها إدراكًا [٣] ٧٩/ ١٠١٠.
٦ - (عائشة) - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أنه مسلسل
стр. 14307
بالكوفيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فبصريان، وعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، فمدنية. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّّة، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ صَانِعَةَ طَعَامٍ، مِثْلَ صَفيَّةَ) بنت حييّ أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - (أَهْدَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، إِنَاءً فِيهِ طَعَامٌ، فَمَا مَلَكْتُ نَفْسِي أَنْ كَسَرْتُهُ "أن" مصدريّة، والفعل في تأويل المصدر مجرور بـ "من" محذوفةً قياسًا، أي لم أملك نفسي، ولم أَضْبِطها من كسر ذلك الإناء، من شدّة المغيرة (فَسَأَلْتُ النَّبِيِّ ﷺ ، عَنْ كَفَّارَتهِ؟) أي فندمت على ما فعلت، فسألته ﷺ عما يزيل ذلك الذنب (فَقَالَ) ﷺ (إِنَاءٌ كإِنَاءٍ، وَطَعَامٌ كَطَعَامٍ) يعني أن الذي يُكفّر مثل هذا الذنب هو ضمان مثله، فيُضمن الإناء لإناء مثله، وُيضَمنُ الطعام بطعام مثله، ففيه إثبات ضمان الأشياء القيمية بمثلها، إذا كان لها مثل، وهو الأصحّ، كما بينته قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا حديثٌ حسنٌ، وفُليتٌ، قد روى عنه الثوريّ، وأبو بكر بن عيّاش، وعبد الواحد بن زياد، وقد قوّاه من قدّمنا ذكرهم قريبًا، وجَسْرة، روى عنها فُليتٌ، وقُدامة بن عبد اللَّه العامريّ، ومَخدوج الذُّهليّ، وعمر بن عُمير بن مَخدوج، ووثقها العجليّ، وابن حبّان، وذكرها أبو نُعيم في "الصحابة". وقال البخاريّ: عند جسرة عجائب، فقال أبو الحسن ابن القطّان: هذا القول لا يكفي لمن يُسقط ما روت، كأنه يعرّض بابن حزم؛ لأنه زعم أن حديثها باطلٌ.
والحاصل أن هذا الحديث لا ينقص عن درجة الحسن، كما تقدّم في كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-، فتبصّر. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤/ ٣٤٠٨ - وفي "الكبرى" ٤/ ٨٩٠٥. وأخرجه (د) في "البيوع"
٣٥٦٨ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٤٦٢٨ و ٢٥٨٣٤. واللَّه تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤٠٩ - (أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ,
стр. 14308
عَنْ عَطَاءٍ, أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ, يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ, تَزْعُمُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ, فَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلاً, فَتَوَاصَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ, أَنَّ أَيَّتَنَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ , فَلْتَقُلْ: إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ, أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ , فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا, فَقَالَتْ: ذَلِكَ لَهُ, فَقَالَ: «لَا بَلْ شَرِبْتُ عَسَلاً, عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ, وَلَنْ أَعُودَ لَهُ» , فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ , ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ , لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ, ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ لِقَوْلِهِ: «بَلْ شَرِبْتُ عَسَلاً»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (الْحَسَنُ بنُ مُحَمد الزَّعْفَرانِيُّ) أبو عليّ البغداديّ، صاحب الشافعيّ، وقد شاركه في الطبقة الثانية من شيوخه، ثقة [١٠] ٢١/ ٤٢٧.
٢ - (حجّاج) بن محمد الأعور المصّيصيّ، ترمذي الأصل، نزيل بغداد، ثم المصّيصة، ثقة ثبت، لكنه اختلط في آخره لما قدم بغداد [٩] ٢٨/ ٣٢.
٣ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل، لكنه يدلس ويرسل [٦] ٢٨/ ٣٢.
٤ - (عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشي مولاهم، أبو محمد المكي، ثقة فقيه فاضل، كثير الإرسال [٣] ١١٢/ ١٥٤.
٥ - (عُبيد بن عُمير) بن قتادة الليثيّ، أبو عاصم المكّيّ، كان قاصّ أهل مكّة، أجمعوا على توثيقه [٢] ١٢/ ٤١٦.
٦ - (عائشة) - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، غير شيخه، فبغداديّ، وحجاج، فمصّيصيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَطَاءٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ) الليثيّ التابعيّ الكبير (يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - (تَزْعُمُ) أي تقول، وأهل الحجاز يُطلقون الزعم على مطلق القول. قاله في "الفتح" (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ) الأسديّة، أم المؤمنين، وبنت عمة رسول اللَّه ﷺ أُميمة بنت عبد المطّلب (فَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلاً، فَتَوَاصَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ) كذا هنا بالصاد المهملة، من التواصي، وفي رواية
стр. 14309
هشام: "فتواطيت" بالطاء، من التواطىء، وأصله "تواطأت" بالهمزة، فسَهّلت، فصارت ياء (أَنَّ أَيَّتَنَا) -بفتح الهمزة، وتشديد الياء- هي أيٌّ دخلت عليها تاء التأنيث، وأضيفت إلى ضمير المتكلّم. وفي رواية: "أيَّتناما"، و"ما" زائدة (دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَلْتَقُلْ: إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟) وفي رواية هشام بتقديم "أكلت مغافير"، وتأخير "إني لأجد"، و"أكلت" استفهام بتقدير أداة الاستفهام.
و"المغافير" -بالغين المعجمة، والفاء، وبإثبات التحتانيّة، بعد الفاء، وكذا هو في جميع نسخ البخاريّ، ووقع في بعض النسخ عند مسلم في بعض المواضع من الحديث بحذفها، قال عياضٌ: والصواب إثباتها؛ لأنها عِوَضٌ من الواو التي في المفرد، وإنما حُذفت في ضرورة الشعر انتهى.
ومراده بالمفرد أن المغافير جمع مُغفُور -بضمّ أوله- ويقال: بثاء مثلّثة بدل الفاء، حكاه أبو حنيفة الدِّينوريّ في النبات. قال ابن قُتيبة: ليس في الكلام "مُفْعُولٌ" -بضمّ أوله- إلا "مُغفُورٌ"، و"مُغزولٌ" -بالغين المعجمة- من أسماء الكَمْأة، و"مُنْخُورٌ" - بالخاء المعجمة- من أسماء الأنف، و"مُغْلُوقٌ" -بالغين المعجمة- واحد المَغَاليق، قال: وإ المُغْفُور" صمغٌ حُلْوٌ، له رائحة كريهة. وذكر البخاريّ أن المُغفور شبيهٌ بالصمغ يكون في الرِّمْث -بكسر الراء، وسكون الميم، بعدها مثلّثةٌ- وهو من الشجر التي ترعاها الإبل، وهو من الحَمْض (١)، وفي الصمغ المذكور حلاوةٌ، يقال: أغفر الرِّمثُ: إذا ظهر ذلك فيه. وذكر أبو زيد الأنصاريّ أن الْمُغفورَ يكون أيضًا في الْعُشَر -بضمّ المهملة، وفتح المعجمة- وفي الثُّمَام، والسَّلَم، والطَّلْح، واختُلف في ميم مغفور، فقيل: زائدة، وهو قول الفرّاء، وعند الجمهور أنها من أصل الكلمة، ويقال له أيضًا: مِغْفارٌ -بكسر أوّله- ومغفرٌ -بضمّ أوله، وبفتحه، وبكسره- عن الكسائيّ، والفاء مفتوحةٌ في الجميع. وقال عياضٌ: زعم المهلّب أن رائحة المغافير، والْعُرْفُط حسنةٌ، وهو خلاف ما يقتضيه الحديث، وخلاف ما قاله أهل اللغة انتهى. قال الحافظ: ولعلّ المهلّب قال: "خبيثة" -بمعجمة، ثم موحّدة، ثم تحتانيّة، ثم مثلّثة-، فتصحّفت، أو استند إلى ما نُقل عن الخليل، وقد نسبه ابن بطّال إلى "العين" أن الْعُرْفُط شجر العضاه، والعِضَاه كلّ شجر له شوكٌ، وإذا استيك به كانت له رائحة حسنة، تشبه رائحة طيب النبيذ انتهى. وعلى هذا فيكون ريح عيدان العرفُط طيّبًا، وريح الصمغ الذي يسيل منه غير طيبة، ولا منافاة في ذلك، ولا تصحيف. وقد حكى القرطبيّ في "المفهم" أن
стр. 14310
رائحة ورق العرفط طيّبة، فإذا رعته الإبل، خَبُثَت رائحته. وهذا طريق آخر في الجمع حسنٌ جدًّا. انتهى (١).
(فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا) قال الحافظ: لم أقف على تعيينها، وأظنّها حفصة (فَقَالَتْ:: ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "لَا" نافية، ردّ لقولها، أي لم آكل مغافير (بَلْ شَرِبْتُ عَسَلاً) وفي رواية هشام: إلا ولكنّي كنت أشرب عسلاً" (عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشِ، وَلَنْ أَعُودَ لَهُ") وفي رواية هشام: "وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدًا"، وبهذه الزيادة تظهر مناسبة قوله (فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾) قال عياضٌ: حُذفت هذه الزيادة من رواية حجاج بن محمد، فصار النظم مشكلاً، فزال الإشكال برواية هشام بن يوسف. واستدلّ القرطبيّ وغيره بقوله: "حلفت" على أن الكفّارة التي أُشير إليها في قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ هي عن اليمين التي أشار إليها بقوله: "حلفتُ"، فتكون الكفّارة لأجل اليمين، لا لمجرّد التحريم. قال الحافظ: وهو استدلالٌ قويّ لمن يقول: إن التحريم لغوٌ، لا كفّارة فيه بمجرّده. وحمل بعضهم قوله: "حلفت" على التحريم، ولا يخفى بُعده. واللَّه تعالى أعلم ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾) أي تلا إلى هذا الموضع (لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ) أي الخطاب لهما، قال في "الفتح": ووقع في رواية غير أبي ذرّ: "فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ - إلى قوله: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾، وهذا أوضح من رواية أبي ذرّ انتهى ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾، لِقَولِهِ: "بَلْ شَرِبْتُ عَسَلاً) هذا من تمام الحديث، والمراد به أن هذه الآية نزلت لأجل قوله ﷺ : "بل شرِبتُ عسلاً"، والنكتة فيه أن هذه الآية داخلة في الآيات الماضية؛ لأنها قبل قوله: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾.
[تنبيه]: أخرج الشيخان قصّة شرب النبيّ ﷺ العسل بوجه آخر، وهذا لفظ البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى-:
حدثنا فروة بن أبي الْمَغْرَاء، حدثنا علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، قالت: كان رسول اللَّه ﷺ ، يحب العسل والْحَلْوَاء, وكان إذا انصرف من العصر، دخل على نسائه، فيدنو من إحداهن، فدخل على حفصة بنت عمر، فاحتبس أكثر ما كان يحتبس، فغِرْت، فسألت عن ذلك، فقيل لي: أهدت لها امرأة من قومها، عُكَّةً من عسل، فسقت النبي ﷺ منه شربة، فقلت: أَمَا واللَّه، لنحتالنّ له، فقلت لسودة بنت زمعة: إنه سيدنو منكِ، فإذا دنا منك، فقولي: أكلتَ مغافير، فإنه
стр. 14311
سيقول لكِ: لا، فقولي له: ما هذه الريح التي أجد منكَ؟، فإنه سيقول لكِ: سقتني حفصة شربة عسل، فقولي له: جَرَسَتْ نحلُهُ العُرْفُطَ (١)، وسأقول ذلك، وقولي: أنت يا صفيّة ذاك، قالت: تقول سودة: فواللَّه ما هو، إلا أن قام على الباب، فأردت أن أباديه بما أمرتني به، فَرَقًا منكِ، فلما دنا منها، قالت له سودة: يا رسول اللَّه أكلت مغافير، قال: "لا"، قالت: فما هذه الريح التي أجد منك؟، قال: "سقتني حفصة شربة عسل"، فقالت: جَرَيسَتْ نحله العُرْفُط، فلما دار إليّ، قلت له: نحو ذلك، فلما دار إلى صفية، قالت له: مثل ذلك، فلما دار إلى حفصة، قالت: يا رسول اللَّه، ألا أسقيك منه، قال: "لا حاجة دي فيه"، قالت: تقول سودة: واللَّه فقد حرمناه، قلت لها: اسكتي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤/ ٣٤٠٩ و"الطلاق" ١٧/ ٣٤٤٩ و "الأيمان والنذور" ٢٠/ ٣٨٢٣ - وفي "الكبرى" ٤/ ٨٩٠٦ و"الطلاق" ١٨/ ٥٦١٤ و"الأيمان والنذور" ٢٠/ ٤٧٣٧ و"التفسير" ١١٦٠٨. وأخرجه (خ) في "التفسير" ٤٩١٢ و"الطلاق" ٥٢٦٨ (م) في "الطلاق" ١٤٧٤ (د) في "الأشربة" ٣٧١٤ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٥٣٢٤. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده (٢):
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ما جُبلت عليه النساء من الغيرة، وأن الغيراء تُعذر فيما يقع منها من الاحتيال فيما يدفع عنها ترفع ضرّتها عليها بأيّ وجه كان، وقد ترجم عليه البخاريّ في "صحيحه" في "كتاب الحيل" "باب ما يكره من احتيال المرأة من الزوج والضرائر". (ومنها): أن فيه الأخذ بالحزم في الأمور، وترك ما يشتبه الأمر فيه من المباح، خشية من الوقوع في المحذور. (ومنها): أن فيه ما يشهد بعلوّ مرتبة عائشة عند النبيّ ﷺ حتى كانت ضرّتها تهابها، وتطيعها في كلّ شيء
стр. 14312
تأمرها به، حتى في مثل هذا الأمر مع الزوج الذي هو أرفع الناس قدرًا. (ومنها): أن فيه إشارة إلى ورع سودة - رضي اللَّه تعالى عنها - لما ظهر منها من التندّم على ما فعلت؛ لأنها وافقت أوّلاً على دفع ترفّع حفصة عليهنّ بمزيد الجلوس عندها بسبب العسل، ورأت أن التوصّل إلى بلوغ المراد من ذلك لحسم مادّة شرب العسل الذي هو سبب الإقامة، لكن أنكرت بعد ذلك أنه يترتب عليه منع النبيّ ﷺ من أمر كان يشتهيه، وهو شرب العسل، مع ما تقدّم من اعتراف عائشة الآمرة لها بذلك في صدر الحديث، فأخذت سودة تتعجّب مما وقع منهنّ في ذلك، ولم تجسر على التصريح بالإنكار، ولا راجعت عائشة بعد ذلك لما قالت لها: "اسكتي"، بل أطاعتها، وسكتت؛ لما تقدّم من اعتذارها في أنها كانت تهابها، وإنما كانت تهابها؛ لما تعلم من مزيد حبّ النبيّ ﷺ لها أكثر منهنّ، فخشيت إذا خالفتها أن تُغضبها، وإذا أغضبتها لا تأمن أن تغيّر عليها خاطر النبيّ ﷺ ، ولا تحتمل ذلك، فهذا معنى خوفها منها. (ومنها): أن عماد القسم الليلُ، وأن النهار يجوز الاجتماع فيه بالجميع، لكن بشرط أن لا تقع منه المجامعة إلا مع التي هو في نوبتها. (ومنها): أن فيه استعمال الكنايات فيما يُستحيا من ذكره، لقولها في الحديث: "فيدنو منهنّ"، والمراد فيقبّل، ونحو ذلك، ويحقّق ذلك قول عائشة لسودة: "وإذا دخل عليك، فإنه سيدنو منك، فقدلي له: إني أجد كذا"، وهذا إنما يتحقّق بقرب الفم من الأنف، ولا سيّما إذا لم تكن الرائحة طافحة (١)، بل المقام يقتضي أن الرائحة لم تكن طافحة؛ لأنها لو كانت طافحة لكانت بحيث يدركها النبيّ ﷺ ، ولأنكر عليها عدم وجودها منه، فلما أقرّ على ذلك دلّ على ما قرّرناه أنها لو قدّر وجودها لكانت خفيّة، وإذا كانت خفيّة لم تدرك بمجرّد المجالسة، والمحادثة من غير قرب الفم من الأنف. قاله في "الفتح" (٢).
(ومنها): جواز فعل ما حَلَفَ عليه الإنسان أن لا يفعله، وتجب عليه الكفّارة فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): اختلفت الروايات في المرأة التي شرب النبيّ ﷺ عندها العسل، والذي في "الصحيحين" حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، أورداه من طريقين: "أحدهما": طريق عُبيد بن عُمير، عنها، وهو الذي أخرجه النسائيّ هنا، وفيه أن شرب العسل عند زينب بنت جحش. و"الثاني": طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، وفيه أن شرب العسل كان عند حفصة بنت عمر. وأخرج ابن مردويه من طريق
стр. 14313
ابن أبي مُليكة، عن ابن عبّاس أن شرب العسل كان عند سودة، وأن عائشة وحفصة هما اللتان تواطأتا على وفق ما في رواية عُبيد بن عمير، وإن اختلفا في صاحبة العسل.
قال الحافظ: وطريق الجمع بين هذا الاختلاف الحمل على التعدّد، فلا يمتنع تعدّد السبب للأمر الواحد، فإن جُنح إلى الترجيح، فرواية عبيد بن عمير أثبت؛ لموافقة ابن عباس لها على أن المتظاهرتين حفصة وعائشة، وجزم بذلك عمر بن الخطّاب ﵁، فلو كانت حفصة صاحبة العسل لم تُقرن في التظاهر بعائشة، لكن يمكن تعدّد القصّة في شرب العسل، وتحريمه، واختصاص النزول بالقصّة التي فيها أن عائشة وحفصة هما المتظاهرتان، ويمكن أن تكون القصّة التي وقع فيها شرب العسل عند حفصة كانت سابقةً، ويؤيّد هذا الحمل أنه لم يقع في طريق هشام بن عروة التي فيها أن شرب العسل كان عند حفصة تعرّضٌ للآية، ولا لذكر سبب النزول، والراجح أيضًا أن صاحبة العسل زينب، لا سودة؛ لأن طريق عبيد بن عمير أثبت من طريق ابن أبي مليكة بكثير، ولا جائز أن تتّحد بطريق هشام بن عروة؛ لأن فيها أن سودة كانت ممن وافق عائشة على قولها: "أجد منك ريح مغافير"، ويرجّحه أيضًا ما تقدّم عن عائشة "أن نساء النبيّ ﷺ كنّ حزبين: أنا وسودة، وحفصة، وصفيّة، في حزب، وزينب بنت جحش، وأم سلمة، والباقيات في حزب"، فهذا يرّجح أن زينب هي صاحبة العسل، ولهذا غارت عائشة منها؛ لكونها من غير حزبها. واللَّه أعلم.
وهذا أولى من جزم الداوديّ بأن تسمية التي شرب عندها العسل حفصة غلطٌ، وإنما هي صفيّة بنت حييّ، أو زينب بنت جحش. وممن جنح إلى الترجيح عياضٌ، ومنه تلقّف القرطبيّ، وكذا نقله النوويّ عن عياض، وأقرّه، فقال عياضٌ: رواية عبيد بن عمير أولى؛ لموافقتها ظاهر كتاب اللَّه؛ لأن فيه: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾، فهما ثنتان، لا أكثر، ولحديث ابن عباس عن عمر، قال: فكان الأسماء انقلبت على راوي الرواية الأخرى. وتعقّب الكرمانيّ مقالة عياض، فأجاد، فقال: متى جوّزنا هذا ارتفع الوثوق بأكثر الروايات. وقال القرطبيّ: الرواية التي فيها أن المتظاهرتين عائشة، وسودة، وصفيّة، ليست بصحيحة؛ لأنها مخالفة للتلاوة؛ لمجيئها بلفظ خطاب الاثنين، ولو كانت كذلك لجاءت بخطاب جماعة المؤنّث، ثم نقل عن الأصيليّ وغيره أن رواية عبيد بن عمير أصحّ وأولى، وما المانع أن تكون قصّة حفصة سابقة، فلما قيل له: ما قيل: ترك الشرب من غير تصريح بتحريم، ولم ينزل في ذلك شيء، ثم لما شرب في بيت زينب، تظاهرت عائشة، وحفصة على ذلك القول، فحرم حينئذ العسل، فنزلت الآية، قال: وأما ذكر سودة مع الجزم بالتثنية فيمن تظاهر منهنّ، فباعتبار أنها كانت كالتابعة
стр. 14314
لعائشة، ولهذا وهبت يومها لها، فإن كان ذلك قبل الهبة، فلا اعتراض بدخوله عليها، وإن كان بعدها فلا يمتنع هبتها يومها لعائشة أن يتردّد إلى سودة.
قال الحافظ: لا حاجة إلى الاعتذار عن ذلك، فإن ذكر سودة إنما جاء في قصّة شرب العسل عند حفصة، ولا تثنية فيه، ولا نزول الآية، على ما تقدّم من الجمع الذي ذكره، وأما قصّة العسل عند زينب بنت جحش، فقد صرّح فيه بأن عائشة قالت: "توطأت أنا وحفصة"، فهو مطابقٌ لما جزم به عمر ﵁ من أن المتظاهرتين عائشة وحفصةُ، وموافق لظاهر الآية. واللَّه أعلم.
قال: ووجدت لقصّة شرب العسل عند حفصة شاهدًا في "تفسير ابن مردويه" من طريق يزيد بن رُومان، عن ابن عباس، ورواته لا بأس بهم، ووقع في "تفسير السدّيّ" أن شرب العسل كان عند أم سلمة، أخرجه الطبريّ، وغيره، وهو مرجوحٌ، لإرساله، وشذوذه. انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا تحريرٌ حسنٌ جدًّا، وحاصله أن طريق الجمع يحمل الروايات على تعدد الواقعة، أولى، فإن سُلك مسلك الترجيح، فرواية عبيد بن عمير التي ساقها المصنّف، وفيها أن شرب العسل كان عند زينب بنت جحش، وأن المتظاهرتين هما عائشة وحفصة، أرجح؛ لموافقة حديث ابن عباس، عن عمر ﵁. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
٣٤١٠ - (أَخْبَرَنِي (٢) إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ, حَرَمِيٌّ, هُوَ لَقَبُهُ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ, عَنْ ثَابِتٍ, عَنْ أَنَسٍ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ يَطَؤُهَا, فَلَمْ تَزَلْ بِهِ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ, حَتَّى حَرَّمَهَا عَلَى نَفْسِهِ, فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ , إِلَى آخِرِ الآيَةِ [التحريم: ١]).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ) البغدادي، نزيل طرسوس، صدوق [١١] ٥٤/ ١٧٥٣، من أفراد المصنف.
[تنبيه]: قوله: "حَرَميّ هو لقبه" سقط من بعض النسخ، ومعناه أن لقب إبراهيم بن
يونس حَرَميّ -بمهملتين مفتوحتين- بلفظ النسبة إلى الحَرَم. واللَّه تعالى أعلم.
٢ - (أبوه) يونس بن محمد بن مسلم البغداديّ، أبو محمد المؤدب، ثقة ثبت، من
стр. 14315
صغار [٩] ١٥/ ١٦٣٢.
٣ - (حماد بن سلمة) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بآخره، من كبار [٨] ١٨١/ ٢٨٨١.
٤ - (ثابت) بن أسلم البناني، أبو محمد البصري، ثقة عابد [٤] ٤٥/ ٥٣.
٥ - (أنس) بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، وأبيه، فبغداديان. (ومنها): أن فيه من هو أثبت الناس في شيخه، وهو حماد في ثابت، وأطول الناس ملازمة لشيخه، وهو ثابت، فإنه لزم أنسًا أربعين سنة، وفيه أنس ﵁ من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة - رضي اللَّه تعالى - عنهم بالبصرة، مات سنة (٢) أو (٩٣)، وقد جاوز مائة سنة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسٍ) بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ يَطَؤُهَا) هي مارية القبطيّة - رضي اللَّه تعالى عنها -، أم ولد رسول اللَّه ﷺ إبراهيم ﵁، ذكر ابن سعد من طريق عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، قال: بعث المُقَوقِس صاحب الإسكندرية إلى رسول اللَّه ﷺ في سنة سبع من الهجرة بمارية، وأختها سيرين، وألف مثقال ذهبًا، وعشرين ثوبًا ليّنًا، وبغلته الدُّلْدُل، وحماره عُفير، ويقال: يعفور، ومع ذلك خصيّ يقال له: مأبور، شيخ كبير، كان أخا مارية، وبعث بذلك كلّه مع حاطب بن أبي بلتعة، فعرض حاطب بن أبي بلتعة على مارية الإسلام، ورغّبها فيه، فأسلمت، وأسلمت أختها، وأقام الخصيّ على دينه، حتى أسلم بالمدينة بعدُ في عهد رسول اللَّه ﷺ ، وكانت مارية بيضاء جميلةٌ، فأنزلها رسول اللَّه ﷺ في العالية في المال الذي صار يقال له: مَشْربة أم إبراهيم، وكان يختلف إليها هناك، وكان يطؤها بملك اليمين، وضرب عليها مع ذلك الحجاب، فحملت منه، ووضعت هنالك في ذي الحجة سنة ثمان. ومن طريق عمرة، عن عائشة، قالت: ما عزّت عليّ امرأةٌ إلا دون ما عزّت عليّ مارية، وذلك أنها كانت جميلةٌ جَعْدَةً، فأُعجب بها رسول اللَّه ﷺ ، وكان أنزلها أول ما قُدم بها في بيت لحارثة بن النعمان، فكانت جارتنا، فكان عامّة الليل والنهار عندها، حتى فزعنا لها، فجزعت، فحوّلها إلى العالية، وكان يختلف إليها هناك، فكان ذلك
стр. 14316
أشدّ علينا. وقال الواقديّ: حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه، قال: كان أبو بكر يُنفق على مارية حتى مات، ثم عمر، حتى توفّيت في خلافته. قال الواقديّ: ماتت في المحرم سنة ستّ عشرة، فكان عمر يحشُر الناس لشهودها، وصلّى عليها، ودفنها بالبقيع. وقال ابن منده: ماتت مارية - رضي اللَّه تعالى عنها - بعد النبيّ ﷺ بخمس سنين. قاله في "الإصابة" (١).
(فَلَمْ تَزَلْ بِهِ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (حَتَّى حَرَّمَهَا عَلَى نَفْسِهِ) يعني أنهما لغيرتهما. على مارية حيث أحبّها النبيّ ﷺ حاولتا على أن يحرّمها على نفسه، ففعل ذلك (فَأَنْزَلَ اللَّه : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، إِلَى آخِرِ الآيَةِ) هذا صريح في أن سبب نزول هذه الآية قصّة الجارية، وما تقدّم يدلّ على أن سببه شرب العسل، وسيأتي قريبًا وجه الجمع بينهما، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، أخرجه هنا-٤/ ٣٤١٠ - وفي "الكبرى" ٤/ ٨٩٠٧ وفي "التفسير" ١١٦٠٧. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): اختُلف في الذي حرّمه النبيّ ﷺ على نفسه، وعوتب عليه:
ففي حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - الماضي أَنَّ سببه شربه العسل عند زينب بنت جحش، وفي آخره: "ولن أعود له، وقد حلفت". وفي حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أن سببه الجارية، وفي رواية سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلى مسروق، قال: "حلف رسول اللَّه ﷺ لحفصة، لا يقرب أمته، وقال: هي حرامٌ، فنزلت الكفّارة ليمينه، وأُمر أن لا يحرّم ما أحلّ اللَّه". وأخرج الضياء في "المختارة" من مسند الهيثم بن كليب، ثم من طريق جرير بن حازم، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، قال: قال رسول اللَّه ﷺ لحفصة: "لا تخبري أحدًا أن أمّ إبراهيم عليّ حرام"، قال: فلم يقربها حتى أخبرت عائشة، فأنزل اللَّه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾. وأخرج الطبرانيّ في "عشرة النساء"، وابن مردويه من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: "دخل رسول اللَّه ﷺ بمارية بيت
стр. 14317
حفصة، فجاءت، فوجدتها معه، فقالت: يا رسول اللَّه، في بيتي تفعل هذا معي، دون نسائك … "، فذكر نحوه. قال الحافظ: وهذه الطرق يقوّي بعضها بعضًا، فيحتمل أن تكون الآية نزلت في السببين معًا انتهى (١).
وقال في موضع آخر بعد ذكر الاختلاف المذكور: ووقع في رواية يزيد رومان، عن عائشة عند ابن مردويه ما يجمع القولين، وفيه: "أن حفصة أهديت لها عُكّة فيها عسلٌ، وكان رسول اللَّه ﷺ إذا دخل عليها حبسته حتى تُلعقه، أو تسقيه منها، فقالت عائشة لجارية عندها حبشيّة، يقال لها: خضراء: إذا دخل على حفصة، فانظري ما يصنع؟، فأخبرتها الجاربة بشأن العسل، فأرسلت إلى صواحبها، فقالت: إذا دخل عليكنّ، فقلن: إنا نجد منك ريح مغافير، فقال: هو عسل، واللَّه لا أطعمه أبدًا، فلما كان يوم حفصة استأذنته أن تأتي أباها، فأذن لها، فذهبت، فأرسل إلى جاريته مارية، فأدخلها بيت حفصة، قالت حفصة: فرجعت، فوجدت الباب مغلقًا، فخرج، ووجهه يقطر، وحفصة تبكي، فعاتبته، فقال: أُشهدك أنها حرام، انظري لا تخبري بهذا امرأةً، وهي عندكِ أمانة، فلما خرج قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة، فقالت: ألا أبشّرك إن رسول اللَّه ﷺ قد حرم أمته، فنزلت". وعند ابن سعد من طريق شعبة، مولى ابن عبّاس، عنه، "خرجت حفصة من بيتها يوم عائشة، فدخل رسول اللَّه بجاريته القبطيّة بيت حفصة، فجاءت، فرقبته حتى خرجت الجارية، فقالت له: أما إني قد رأيتُ ما صنعتَ، قال: "فاكتمي عليّ، وهي حرام، فانطلقت حفصة إلى عائشة، فأخبرتها، فقالت له عائشة: أما يومي، فتعرس فيه بالقبطيّة، ويسلم لنسائك سائر أيّامهنّ، فنزلت الآية".
وجاء في ذلك ذكر قول ثالث، أخرجه ابن مردويه، من طريق الضحّاك، عن ابن عبّاس، قال:، دخلت حفصة على النبيّ ﷺ بيتها، فوجدت معه مارية، فقال: لا تُخبري عائشة، حتى أبشّرك ببشارة، إن أباك يلي هذا الأمر بعد أبي بكر إذا أنا متّ، فذهبت إلى عائشة، فأخبرتها، فقالت له عائشة ذلك، والتمست منه أن يحرّم مارية، فحرّمها، ثم جاء إلى حفصة، فقال: أمرتك ألا تُخبري عائشة، فأخبرتها، فعاتبها على ذلك، ولم يعاتبها على أمر الخلافة، فلهذا قال اللَّه تعالى: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾، وأخرج الطبرانيّ في "الأوسط"، وفي "عشرة النساء" عن أبي هريرة ﵁ نحوه بتمامه، وفي كلّ منهما ضعف انتهى (٢).
стр. 14318
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تلخّص مما ذُكر أن الآية نزلت في القضيّتين: قضيّة شرب العسل، وقضيّة الجارية، فإنه لا مانع من تعدّد سبب النزول، كما هو معروف في موضعه من كتب التفسير. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤١١ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ يَحْيَى -هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ- عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ, أَنَّ عَائِشَةَ, قَالَتِ: الْتَمَسْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ , فَأَدْخَلْتُ يَدِي فى شَعْرِهِ, فَقَالَ: «قَدْ جَاءَكِ شَيْطَانُكِ؟» , فَقُلْتُ: أَمَا لَكَ شَيْطَانٌ؟ , فَقَالَ: «بَلَى, وَلَكِنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ, فَأَسْلَمَ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (الليث) بن سعد الإمام المصريّ، ثقة ثبت [٧] ٣١/ ٣٥.
٣ - (يحيى بن سعيد الأنصاري) أبو سعيد القاضي المدني، ثقة ثبت [٥] ٢٢/ ٢٣.
٤ - (عُبَادَةُ بنُ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) الأنصاريّ، أبو الصامت المدنيّ، ويقال له: عبد اللَّه أيضًا، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن أبيه، وجده، وأبي اليسر كعب بن عمرو، وعائشة، وجابر بن عبد اللَّه، وأبي سعيد الخدريّ، والرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ، وغيرهم.
وروى عنه عبيد اللَّه بن عمر، وابن عجلان، وابن إسحاق، ويزيد بن الهاد، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأبو حَزْرَةَ يعقوب بن مجاهد، والوليد بن كثير، وسيار أبو الحكم، وعلي بن زيد بن جُدعان، وغيرهم. قال أبو زرعة، والنسائي: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: كنيته أبو الوليد. روى له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والمصنّف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث، هذا الحديث، و٣٥٢٥ حديث "لا عدّة عليك إلا أن تكوني حديث عهد به … " الحديث، وفي "كتاب البيعة" ٤١٥١ حديث عبادة بن الصامت ﵁: (بايعنا رسول اللَّه ﷺ على السمع والطاعة … " الحديث، كرّره خمس مرّات.
٥ - (عائشة) - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه فبَغْلّانيٌّ، والليث فمصريّ، (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 14319
شرح الحديث
(عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) الأنصاريّ (أَنَّ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (قَالَتِ: الْتَمَسْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ) أي طلبته، وفي رواية مسلم من طريق يزيد بن عبد اللَّه بن قسيط، أنّ عروة حدّثه، أن عائشة زوج النبي ﷺ حدثته، أن رسول اللَّه ﷺ ، خرج من عندها ليلا، قالت فغِرْتُ عليه، فجاء، فرأى ما أصنع، فقال: "مالك يا عائشة؟، أغرت؟ " فقلت: وما لي، لا يَغارُ مثلي على مثلك؟ … " (فَأَدْخَلْتُ يَدِي فِي شَعْرِهِ) أي لتتجسّس، هل جامع بعض نسائه، فاغتسل، أم لا؟ (فَقَالَ) ﷺ (قَدْ جَاءَكِ شَيْطَانُكِ؟) بتقدير أداة الاستفهام، أي أقد جاءك شيطانك، فأوقع عليك أني ذهبت إلى بعض أزواجي، فأنت لذلك متحيّرةٌ، مفتّشةٌ عنّي؟ (فَقُلْتُ: أَمَا لَكَ شَيْطَانٌ؟) وفي رواية مسلم المذكورة: "قالت يا رسول اللَّه، أو معي شيطان؟، قال: "نعم"، قلت: ومع كل إنسان؟، قال: "نعم"، قلت: ومعك يا رسول اللَّه قال: "نعم"، ولكن ربي أعانني عليه: حتى أسلم".
(فَقَالَ) ﷺ (بَلَى) أي لي شيطان (وَلَكِنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ، فَأَسْلَمَ) قال أبو البقاء في "إعرابه": يُروى بالفتح، لأنه فعل ماض، قال: فأسلمَ شيطاني، أي انقاد لأمر اللَّه تعالى، وبالرفع: أي فأنا أسلمُ منه، وهو فعلٌ مستقبلٌ يحكى به الحال. قاله السيوطيّ (١).
وقال السنديّ: "فأسلمَ" على صيغة الماضي، فصار مسلمًا، فلا يدلّني على سوء لذلك، وإسلام الشيطان غير عزيز، فلا يُنكر، على أنه من باب خرق العادة، فلا يرد. أو على صيغة المضارع، من سَلِمَ -بكسر اللام-: أي فأنا سالمٌ من شرّه. انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الرفع أولى، لما في "مسند أحمد" بإسناد صحيح، من طريق سالم بن أبي الجعد، عن أبيه، عن عبد اللَّه، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما منكم من أحد، إلا وقد وُكّل به قرينه من الجن، وقرينه من الملائكة"، قالوا: وإياك يا رسول اللَّه؟، قال: "وإياي، ولكن اللَّه أعانني عليه، فلا يأمرني إلا بحق".
فهذه الرواية تبيّن أن قوله: "أسلم" من السلامة، لا من الإسلام، فتعيّن حمله على حديث ابن مسعود هذا، والمعنى أن اللَّه أعان نبيّه ﷺ على كيد شيطانه، فلا يستطيعه، أن يأمره إلا بخير، بخلاف غيره من الناس، فإنهم لا يَسْلَمون من شره.
стр. 14320
واللَّه ئعالى أعلم.
وأخرج أحمد أيضًا من طريق قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ليس منكم من أحد، إلا وقد وكل به قرينه من الشياطين، قالوا: وأنت يا رسول اللَّه؟، قال: "نعم، ولكن اللَّه أعانني عليه، فأسلمُ".
وأخرج أيضًا من طريق مجالد بن سعيد، عن الشعبيّ، عن جابر بن عبد اللَّه، قال: قال لنا رسول اللَّه ﷺ : "لا تلجوا على الْمُغِيبات، فإن الشيطان يجري من أحدكم، مجرى الدم"، قلنا: ومنك يا رسول اللَّه؟، قال: "ومني، ولكن اللَّه أعانني عليه، فأسلمُ". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤/ ٣٤١١ - وفي "الكبرى" ٤/ ٨٩٠٨. وأخرجه (م) في "صفة القيامة، والجنّة والنار" ٢٨١٥ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٤٣٢٤. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان غيرة النساء، وأنها لا تضرّ بها، إلا إذا تعدّت الحدود بسببها. (ومنها): أن الغيرة سببها إغراء الشيطان، وتسلّطه على المرأة، وحمله لها على أن تتخيّل غير الواقع واقعًا، فتعادي بسببه زوجها، أو ضرّتها. (ومنها): كرامة النبيّ ﷺ على ربّه، وعنايته به، حيث سلّمة من أذى الشيطان، فلا يأمره إلا بخير. (ومنها): شدّة تسلّط الشياطين على عموم بني آدم، طالحيهم، وصالحيهم، فلا ينجو عنهم إلا من توكّل على اللَّه تعالى، فيحفظه من كيدهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٩٩]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤١٢ - (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ الْمِقْسَمِيُّ, عَنْ حَجَّاجٍ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, عَنْ عَطَاءٍ, أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: فَقَدْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ , ذَاتَ لَيْلَةٍ, فَظَنَنْتُ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ فَتَجَسَّسْتُهُ, فَإِذَا هُوَ رَاكِعٌ, أَوْ سَاجِدٌ, يَقُولُ: