أشدّ علينا. وقال الواقديّ: حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه، قال: كان أبو بكر يُنفق على مارية حتى مات، ثم عمر، حتى توفّيت في خلافته. قال الواقديّ: ماتت في المحرم سنة ستّ عشرة، فكان عمر يحشُر الناس لشهودها، وصلّى عليها، ودفنها بالبقيع. وقال ابن منده: ماتت مارية - رضي اللَّه تعالى عنها - بعد النبيّ ﷺ بخمس سنين. قاله في "الإصابة" (١).
(فَلَمْ تَزَلْ بِهِ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (حَتَّى حَرَّمَهَا عَلَى نَفْسِهِ) يعني أنهما لغيرتهما. على مارية حيث أحبّها النبيّ ﷺ حاولتا على أن يحرّمها على نفسه، ففعل ذلك (فَأَنْزَلَ اللَّه : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، إِلَى آخِرِ الآيَةِ) هذا صريح في أن سبب نزول هذه الآية قصّة الجارية، وما تقدّم يدلّ على أن سببه شرب العسل، وسيأتي قريبًا وجه الجمع بينهما، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، أخرجه هنا-٤/ ٣٤١٠ - وفي "الكبرى" ٤/ ٨٩٠٧ وفي "التفسير" ١١٦٠٧. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): اختُلف في الذي حرّمه النبيّ ﷺ على نفسه، وعوتب عليه:
ففي حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - الماضي أَنَّ سببه شربه العسل عند زينب بنت جحش، وفي آخره: "ولن أعود له، وقد حلفت". وفي حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أن سببه الجارية، وفي رواية سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلى مسروق، قال: "حلف رسول اللَّه ﷺ لحفصة، لا يقرب أمته، وقال: هي حرامٌ، فنزلت الكفّارة ليمينه، وأُمر أن لا يحرّم ما أحلّ اللَّه". وأخرج الضياء في "المختارة" من مسند الهيثم بن كليب، ثم من طريق جرير بن حازم، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، قال: قال رسول اللَّه ﷺ لحفصة: "لا تخبري أحدًا أن أمّ إبراهيم عليّ حرام"، قال: فلم يقربها حتى أخبرت عائشة، فأنزل اللَّه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾. وأخرج الطبرانيّ في "عشرة النساء"، وابن مردويه من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: "دخل رسول اللَّه ﷺ بمارية بيت
стр. 14317
حفصة، فجاءت، فوجدتها معه، فقالت: يا رسول اللَّه، في بيتي تفعل هذا معي، دون نسائك … "، فذكر نحوه. قال الحافظ: وهذه الطرق يقوّي بعضها بعضًا، فيحتمل أن تكون الآية نزلت في السببين معًا انتهى (١).
وقال في موضع آخر بعد ذكر الاختلاف المذكور: ووقع في رواية يزيد رومان، عن عائشة عند ابن مردويه ما يجمع القولين، وفيه: "أن حفصة أهديت لها عُكّة فيها عسلٌ، وكان رسول اللَّه ﷺ إذا دخل عليها حبسته حتى تُلعقه، أو تسقيه منها، فقالت عائشة لجارية عندها حبشيّة، يقال لها: خضراء: إذا دخل على حفصة، فانظري ما يصنع؟، فأخبرتها الجاربة بشأن العسل، فأرسلت إلى صواحبها، فقالت: إذا دخل عليكنّ، فقلن: إنا نجد منك ريح مغافير، فقال: هو عسل، واللَّه لا أطعمه أبدًا، فلما كان يوم حفصة استأذنته أن تأتي أباها، فأذن لها، فذهبت، فأرسل إلى جاريته مارية، فأدخلها بيت حفصة، قالت حفصة: فرجعت، فوجدت الباب مغلقًا، فخرج، ووجهه يقطر، وحفصة تبكي، فعاتبته، فقال: أُشهدك أنها حرام، انظري لا تخبري بهذا امرأةً، وهي عندكِ أمانة، فلما خرج قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة، فقالت: ألا أبشّرك إن رسول اللَّه ﷺ قد حرم أمته، فنزلت". وعند ابن سعد من طريق شعبة، مولى ابن عبّاس، عنه، "خرجت حفصة من بيتها يوم عائشة، فدخل رسول اللَّه بجاريته القبطيّة بيت حفصة، فجاءت، فرقبته حتى خرجت الجارية، فقالت له: أما إني قد رأيتُ ما صنعتَ، قال: "فاكتمي عليّ، وهي حرام، فانطلقت حفصة إلى عائشة، فأخبرتها، فقالت له عائشة: أما يومي، فتعرس فيه بالقبطيّة، ويسلم لنسائك سائر أيّامهنّ، فنزلت الآية".
وجاء في ذلك ذكر قول ثالث، أخرجه ابن مردويه، من طريق الضحّاك، عن ابن عبّاس، قال:، دخلت حفصة على النبيّ ﷺ بيتها، فوجدت معه مارية، فقال: لا تُخبري عائشة، حتى أبشّرك ببشارة، إن أباك يلي هذا الأمر بعد أبي بكر إذا أنا متّ، فذهبت إلى عائشة، فأخبرتها، فقالت له عائشة ذلك، والتمست منه أن يحرّم مارية، فحرّمها، ثم جاء إلى حفصة، فقال: أمرتك ألا تُخبري عائشة، فأخبرتها، فعاتبها على ذلك، ولم يعاتبها على أمر الخلافة، فلهذا قال اللَّه تعالى: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾، وأخرج الطبرانيّ في "الأوسط"، وفي "عشرة النساء" عن أبي هريرة ﵁ نحوه بتمامه، وفي كلّ منهما ضعف انتهى (٢).
стр. 14318
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تلخّص مما ذُكر أن الآية نزلت في القضيّتين: قضيّة شرب العسل، وقضيّة الجارية، فإنه لا مانع من تعدّد سبب النزول، كما هو معروف في موضعه من كتب التفسير. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤١١ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ يَحْيَى -هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ- عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ, أَنَّ عَائِشَةَ, قَالَتِ: الْتَمَسْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ , فَأَدْخَلْتُ يَدِي فى شَعْرِهِ, فَقَالَ: «قَدْ جَاءَكِ شَيْطَانُكِ؟» , فَقُلْتُ: أَمَا لَكَ شَيْطَانٌ؟ , فَقَالَ: «بَلَى, وَلَكِنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ, فَأَسْلَمَ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (الليث) بن سعد الإمام المصريّ، ثقة ثبت [٧] ٣١/ ٣٥.
٣ - (يحيى بن سعيد الأنصاري) أبو سعيد القاضي المدني، ثقة ثبت [٥] ٢٢/ ٢٣.
٤ - (عُبَادَةُ بنُ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) الأنصاريّ، أبو الصامت المدنيّ، ويقال له: عبد اللَّه أيضًا، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن أبيه، وجده، وأبي اليسر كعب بن عمرو، وعائشة، وجابر بن عبد اللَّه، وأبي سعيد الخدريّ، والرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ، وغيرهم.
وروى عنه عبيد اللَّه بن عمر، وابن عجلان، وابن إسحاق، ويزيد بن الهاد، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأبو حَزْرَةَ يعقوب بن مجاهد، والوليد بن كثير، وسيار أبو الحكم، وعلي بن زيد بن جُدعان، وغيرهم. قال أبو زرعة، والنسائي: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: كنيته أبو الوليد. روى له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والمصنّف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث، هذا الحديث، و٣٥٢٥ حديث "لا عدّة عليك إلا أن تكوني حديث عهد به … " الحديث، وفي "كتاب البيعة" ٤١٥١ حديث عبادة بن الصامت ﵁: (بايعنا رسول اللَّه ﷺ على السمع والطاعة … " الحديث، كرّره خمس مرّات.
٥ - (عائشة) - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه فبَغْلّانيٌّ، والليث فمصريّ، (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 14319
شرح الحديث
(عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) الأنصاريّ (أَنَّ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (قَالَتِ: الْتَمَسْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ) أي طلبته، وفي رواية مسلم من طريق يزيد بن عبد اللَّه بن قسيط، أنّ عروة حدّثه، أن عائشة زوج النبي ﷺ حدثته، أن رسول اللَّه ﷺ ، خرج من عندها ليلا، قالت فغِرْتُ عليه، فجاء، فرأى ما أصنع، فقال: "مالك يا عائشة؟، أغرت؟ " فقلت: وما لي، لا يَغارُ مثلي على مثلك؟ … " (فَأَدْخَلْتُ يَدِي فِي شَعْرِهِ) أي لتتجسّس، هل جامع بعض نسائه، فاغتسل، أم لا؟ (فَقَالَ) ﷺ (قَدْ جَاءَكِ شَيْطَانُكِ؟) بتقدير أداة الاستفهام، أي أقد جاءك شيطانك، فأوقع عليك أني ذهبت إلى بعض أزواجي، فأنت لذلك متحيّرةٌ، مفتّشةٌ عنّي؟ (فَقُلْتُ: أَمَا لَكَ شَيْطَانٌ؟) وفي رواية مسلم المذكورة: "قالت يا رسول اللَّه، أو معي شيطان؟، قال: "نعم"، قلت: ومع كل إنسان؟، قال: "نعم"، قلت: ومعك يا رسول اللَّه قال: "نعم"، ولكن ربي أعانني عليه: حتى أسلم".
(فَقَالَ) ﷺ (بَلَى) أي لي شيطان (وَلَكِنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ، فَأَسْلَمَ) قال أبو البقاء في "إعرابه": يُروى بالفتح، لأنه فعل ماض، قال: فأسلمَ شيطاني، أي انقاد لأمر اللَّه تعالى، وبالرفع: أي فأنا أسلمُ منه، وهو فعلٌ مستقبلٌ يحكى به الحال. قاله السيوطيّ (١).
وقال السنديّ: "فأسلمَ" على صيغة الماضي، فصار مسلمًا، فلا يدلّني على سوء لذلك، وإسلام الشيطان غير عزيز، فلا يُنكر، على أنه من باب خرق العادة، فلا يرد. أو على صيغة المضارع، من سَلِمَ -بكسر اللام-: أي فأنا سالمٌ من شرّه. انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الرفع أولى، لما في "مسند أحمد" بإسناد صحيح، من طريق سالم بن أبي الجعد، عن أبيه، عن عبد اللَّه، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما منكم من أحد، إلا وقد وُكّل به قرينه من الجن، وقرينه من الملائكة"، قالوا: وإياك يا رسول اللَّه؟، قال: "وإياي، ولكن اللَّه أعانني عليه، فلا يأمرني إلا بحق".
فهذه الرواية تبيّن أن قوله: "أسلم" من السلامة، لا من الإسلام، فتعيّن حمله على حديث ابن مسعود هذا، والمعنى أن اللَّه أعان نبيّه ﷺ على كيد شيطانه، فلا يستطيعه، أن يأمره إلا بخير، بخلاف غيره من الناس، فإنهم لا يَسْلَمون من شره.
стр. 14320
واللَّه ئعالى أعلم.
وأخرج أحمد أيضًا من طريق قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ليس منكم من أحد، إلا وقد وكل به قرينه من الشياطين، قالوا: وأنت يا رسول اللَّه؟، قال: "نعم، ولكن اللَّه أعانني عليه، فأسلمُ".
وأخرج أيضًا من طريق مجالد بن سعيد، عن الشعبيّ، عن جابر بن عبد اللَّه، قال: قال لنا رسول اللَّه ﷺ : "لا تلجوا على الْمُغِيبات، فإن الشيطان يجري من أحدكم، مجرى الدم"، قلنا: ومنك يا رسول اللَّه؟، قال: "ومني، ولكن اللَّه أعانني عليه، فأسلمُ". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤/ ٣٤١١ - وفي "الكبرى" ٤/ ٨٩٠٨. وأخرجه (م) في "صفة القيامة، والجنّة والنار" ٢٨١٥ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٤٣٢٤. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان غيرة النساء، وأنها لا تضرّ بها، إلا إذا تعدّت الحدود بسببها. (ومنها): أن الغيرة سببها إغراء الشيطان، وتسلّطه على المرأة، وحمله لها على أن تتخيّل غير الواقع واقعًا، فتعادي بسببه زوجها، أو ضرّتها. (ومنها): كرامة النبيّ ﷺ على ربّه، وعنايته به، حيث سلّمة من أذى الشيطان، فلا يأمره إلا بخير. (ومنها): شدّة تسلّط الشياطين على عموم بني آدم، طالحيهم، وصالحيهم، فلا ينجو عنهم إلا من توكّل على اللَّه تعالى، فيحفظه من كيدهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٩٩]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤١٢ - (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ الْمِقْسَمِيُّ, عَنْ حَجَّاجٍ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, عَنْ عَطَاءٍ, أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: فَقَدْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ , ذَاتَ لَيْلَةٍ, فَظَنَنْتُ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ فَتَجَسَّسْتُهُ, فَإِذَا هُوَ رَاكِعٌ, أَوْ سَاجِدٌ, يَقُولُ:
стр. 14321
«سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ» , فَقُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي (١) , إِنَّكَ لَفِي شَأْنٍ, وَإِنِّي لَفِي شَأْنٍ آخَرَ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تقدّم هذا الحديث سندًا، ومتنًا في "كتاب الصلاة" ١٦٢/ ١١٣١ - .
و"حجاج": هو ابن محمد الأعور. و"عطاء": هو ابن أبي رباح.
وقولها: (فتجسّسته": قال ابن الأثير: التجسّس بالجيم التفتيش عن بواطن الأمور، وأكثر ما يقال في الشرّ، والجاسوس صاحب سرّ الشرّ، والناموس صاحب سرّ الخير. وقيل: التجسّس بالجيم أن يطلبه لغيره، وبالحاء أن يطلبه لنفسه. وقيل: بالجيم البحث عن العورات، وبالحاء الاستماع. وقيل: معناهما واحدٌ في تطلّب معرفة الأخبار انتهى (٢).
وقولها: "بأبي وأمي" متعلّق بمحذوف، أي أَفْدِيك بأبي وأمّي، أو أنت مَفْدِيٌّ بأبي وأمّي.
وقولها: "إنك لفي شأن الخ" تعني أنها كانت اتهمته بأنه ذهب إلى بعض أزواجه، فإذا هو يتهجّد، ويناجي ربّه .
والحديث أخرجه مسلم، ودلالته على الترجمة واضحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤١٣ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ, أَنَّ عَائِشَةَ, قَالَتِ: افْتَقَدْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ , ذَاتَ لَيْلَةٍ, فَظَنَنْتُ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ, فَتَجَسَّسْتُ, ثُمَّ رَجَعْتُ, فَإِذَا هُوَ رَاكِعٌ, أَوْ سَاجِدٌ, يَقُولُ: «سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ, لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ» , فَقُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي (٣) , إِنَّكَ لَفِي شَأْنٍ, وَإِنِّي لَفِي آخَرَ (٤) ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "إسحاق بن منصور": هو الكوسج. و"ابن أبي مليكة": هو عبد اللَّه بن عُبيد اللَّه بن عبد اللَّه ابن أبي مليكة زُهير بن عبد اللَّه بن جدعان المكيّ الثقة الثبت.
وقولها: "افتقدت" مبالغة في فقدت، يقال: فقدته فَقْدًا، من باب ضرب، وفِقْدانًا: عَدِمته، فهو مفقود، وفَقِيدٌ، وافتقدته مثله، وتفقّدته: طلبته عند غيبته. قاله الفيّومّي.
стр. 14322
والحديث أخرجه مسلم، كما سبق الكلام عليه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤١٤ - (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ, أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ قَيْسٍ, يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ, تَقُولُ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنِّي, قُلْنَا: بَلَى, قَالَتْ: لَمَّا كَانَتْ لَيْلَتِي, انْقَلَبَ, فَوَضَعَ نَعْلَيْهِ عِنْدَ رِجْلَيْهِ, وَوَضَعَ رِدَاءَهُ, وَبَسَطَ إِزَارَهُ عَلَى فِرَاشِهِ, وَلَمْ يَلْبَثْ إِلاَّ رَيْثَمَا ظَنَّ أَنِّي قَدْ رَقَدْتُ, ثُمَّ انْتَعَلَ رُوَيْدًا, وَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْدًا, ثُمَّ فَتَحَ الْبَابَ رُوَيْدًا, وَخَرَجَ (١) وَأَجَافَهُ رُوَيْدًا, وَجَعَلْتُ دِرْعِي فِي رَأْسِي, فَاخْتَمَرْتُ, وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي, وَانْطَلَقْتُ فِي إِثْرِهِ, حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ, فَرَفَعَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ, وَأَطَالَ الْقِيَامَ, ثُمَّ انْحَرَفَ, وَانْحَرَفْتُ, فَأَسْرَعَ فَأَسْرَعْتُ, فَهَرْوَلَ فَهَرْوَلْتُ, فَأَحْضَرَ فَأَحْضَرْتُ, وَسَبَقْتُهُ, فَدَخَلْتُ, وَلَيْسَ إِلاَّ أَنِ اضْطَجَعْتُ, فَدَخَلَ, فَقَالَ: «مَا لَكِ, يَا عَائِشُ رَابِيَةً؟» , قَالَ سُلَيْمَانُ: حَسِبْتُهُ قَالَ: "حَشْيَا", قَالَ: لَتُخْبِرِنِّي (٢) , أَوْ لَيُخْبِرَنِّي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ, قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي, فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ, قَالَ: «أَنْتِ السَّوَادُ الَّذِي رَأَيْتُ (٣) أَمَامِي؟» , قُلْتُ: نَعَمْ, قَالَتْ: - فَلَهَدَنِي لَهْدَةً فِي صَدْرِي, أَوْجَعَتْنِي, قَالَ: «أَظَنَنْتِ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ» , قَالَتْ: مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ, فَقَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ , قَالَ: «نَعَمْ, قَالَ: "فَإِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ أَتَانِي, حِينَ رَأَيْتِ, وَلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ عَلَيْكِ, وَقَدْ وَضَعْتِ ثِيَابَكِ, فَنَادَانِي, فَأَخْفَى مِنْكِ, فَأَجَبْتُهُ, وَأَخْفَيْتُهُ مِنْكِ, وَظَنَنْتُ أَنَّكِ قَدْ رَقَدْتِ, فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَكِ, وَخَشِيتُ أَنْ تَسْتَوْحِشِي, فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَ أَهْلَ الْبَقِيعِ, فَأَسْتَغْفِرَ لَهُمْ».
خَالَفَهُ حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ, فَقَالَ: عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم للمصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في "كتاب الجنائز" ١٠٣/ ٢٠٣٧ - "الاستغفار للمؤمنين" رواه عن يوسف بن سعيد السند التالي. و"سليمان بن داود" شيخه هنا هو الْمَهريّ، أبو الربيع المصريّ، ابن أخي رشدين بن سعد.
و"عبد اللَّه بن كثير" بن المطّلب بن أبي وَدَاعة الحارث بن صُبيرة بن سُعيد بن سعد
بن سَهْم بن عمرو بن هُصَيص بن كعب بن لؤيّ بن غالب السَّهْمِي، مقبول [٦].
ذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: مات بعد سنة عشرين ومائة. تفرّد به مسلم،
стр. 14323
والمصنّف، له عندهما حديث الباب فقط.
و"محمد بن قيس" بن المطّلب بن عبد مناف المطّلبيّ، يقال: له رؤية، ثقة [٢] ١٠٣/ ٢٠٣٧.
وقوله: "لما كانت ليلتي الخ" أي لما جاءت ليلة من الليالي التي يكون ﷺ فيها عندي، فـ "كان " تامّة. وقولها: "انقلب" أي رجع إلى بيته من صلاة العشاء.
وقولها: "ريثما ظنّ" بفتح الراء، وسكون الياء، بعدها مثلّثةٌ: أي قدر ما ظنّ.
وقولها: "رُويدًا" أي مترفّقًا متمهّلاً لئلا يوقظها. وقولها: "وأجافه رويدًا" أي أغلق الباب بلطف ورفق. وقولها: "تقنعتُ إزاري" كذا في الأصول من غير باء الجرّ، وكأنه بمعنى "لبستُ إزاري" فلذا عدّاه بنفسه.
وقولها: "فهرول" أي أسرع في مشيه. وقولها: "فأحضر" بالحاء المهملة، والضاد المعجمة: أي زاد في الإسراع. وقولها: "وليس إلا أن اضطجعت" أي ليس شيء بعد دخولي البيتَ إلا الاضطجاعَ، فالمؤول بالمصدر خبر "ليس"، واسمها محذوف، كما قدّرناه، أو المؤول اسمها، وخبرها محذوف، أي واقعًا منّي. وقوله: "يا عائشُ" بالضمّ، أو بالفتح على الترخيم، وفي نسخة: "يا عائشة". وقوله: "حيشا" بفتح الحاء المهملة، وسكون الياء مقصورًا: أي مرتفعة النفَس، متواترته، وهو منصوب على الحال. وقوله: "رابية" أي مرتفعة البطن. وقوله: "لتخبرنّي الخ" بفتح اللام، وتشديد النون مضارع للواحدة المخاطبة من الإخبار بالكسر، فتكسر الراء هنا، وتفتح في الثاني.
وقوله: "السواد" أي الشخص. وقولها: "فلهدني لهدة" بالهاء، والدال المهملة: أي دفعني، وضربني بجُمْع كفّه. وفي نسخة: "فلهزني لَهْزةً" بالزاي بدل الدال، وهما بمعنى واحد. وأما ما وقع في بعضها "لهذني" بالذال المعجمة فتصحيف. فتنبّه.
وقوله: "أن يحيف اللَّه الخ" من حاف يَحيف حيفًا، من باب باع: إذا جار وظلم، أي يظلمك الرسول ﷺ بدخوله في نوبتك على غيرك من زوجاته، وذكر اللَّه تعالى للتعظيم، والدلالة على أن الرسول ﷺ لا يمكن أن يفعل شيئًا من مثل هذا إلا بإذن منه تعالى، ولو كان منه جَوْرٌ لكان بإذن اللَّه تعالى له فيه، وهذا غير ممكن. واستدلّ به من قال: إن القسم كان واجبًا عليه، إذ لا يكون تركه جَوْرًا إلا إذا كان واجبًا عليه، فتركه، وقد تقدّم تمام البحث في ذلك، وأن الأرجح عدم الوجوب، فلا تغفل. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (خَالَفَهُ) الضمير لابن وهب (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ: عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ قَيْسٍ) يعني أن حجاج بن محمد الأعور خالف ابن وهب
стр. 14324
في سند هذا الحديث، في شيخ ابن جريج، والظاهر أن المصنّف يرجّح رواية حجاج على رواية ابن وهب؛ لأن حجاجًا أثبت في ابن جريج من ابن وهب، وغيره، وقد نقل هذا عن النسائيّ الحافظُ أبو الحجاج المزّيّ في "تحفة الأشراف" ١٢/ ٣٠٠ - فقال: قال النسائيّ: وحجّاج في ابن جُريج أثبت عندنا من ابن وهب انتهى. والحافظ في ترجمة عبد اللَّه بن كثير من "تهذيب التهذيب" ٢/ ٤٠٧. وقال الحافظ أيضًا في "النكت الظراف" ١٢/ ٢٩٩ - : وأخرجه أبو عوانة في "صحيحه" عن يوسف كما قال النسائيّ، وقال بعده: قال أحمد بن حنبل: ابن وهب، عن ابن جريج فيه شيء. انتهى.
والحديث أخرجه مسلم في "صحيحه"، عن هارون بن سعيد الأيليّ، عن ابن وهب، عن ابن جريج، عن عبد اللَّه بن كثير بن المطّلب، عن محمد بن مخرمة به. قال مسلم: أخبرني من سمع الحجاج الأعور -واللفظ له- قال: نا ابن جريج، قال: أخبرني عبد اللَّه -رجل من قريش- عن محمد بن قيس بن مخرمة بن المطّلب به.
والحاصل أن متن الحديث صحيح، لا تضرّه المخالفة المذكورة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
ثم أورد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- رواية حجاج بن محمد، فقال:
٣٤١٥ - حَدَّثَنَا (١) يُوسُفُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مُسْلَّمٍ الْمِصِّيصِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ (٢) , أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ, يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تُحَدِّثُ, قَالَتْ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِّي, وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ , قُلْنَا بَلَى, قَالَتْ: لَمَّا كَانَتْ لَيْلَتِي الَّتِي هُوَ عِنْدِي -تَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ , انْقَلَبَ, فَوَضَعَ نَعْلَيْهِ عِنْدَ رِجْلَيْهِ, وَوَضَعَ رِدَاءَهُ, وَبَسَطَ طَرَفَ إِزَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ, فَلَمْ يَلْبَثْ, إِلاَّ رَيْثَمَا ظَنَّ أَنِّي قَدْ رَقَدْتُ, ثُمَّ انْتَعَلَ رُوَيْدًا, وَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْدًا, ثُمَّ فَتَحَ الْبَابَ رُوَيْدًا, وَخَرَجَ وَأَجَافَهُ رُوَيْدًا, وَجَعَلْتُ دِرْعِي فِي رَأْسِي, وَاخْتَمَرْتُ, وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي, فَانْطَلَقْتُ فِي إِثْرِهِ, حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ, فَرَفَعَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ, وَأَطَالَ الْقِيَامَ, ثُمَّ انْحَرَفَ, فَانْحَرَفْتُ, فَأَسْرَعَ, فَأَسْرَعْتُ, فَهَرْوَلَ (٣) , فَهَرْوَلْتُ, فَأَحْضَرَ, فَأَحْضَرْتُ, وَسَبَقْتُهُ (٤) , فَدَخَلْتُ, فَلَيْسَ إِلاَّ أَنِ (٥) اضْطَجَعْتُ, فَدَخَلَ, فَقَالَ: "مَا لَكِ يَا عَائِشَةُ حَشْيَا رَابِيَةً؟ ", قَالَتْ: لَا, قَالَ: «لَتُخْبِرِنِّي أَوْ لَيُخْبِرَنِّي
стр. 14325
اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» (١) , قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي, فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ, قَالَ: «فَأَنْتِ السَّوَادُ الَّذِي رَأَيْتُهُ أَمَامِي؟» , قَالَتْ: نَعَمْ, قَالَتْ: فَلَهَدَنِي فِي صَدْرِي, لَهْدَةً (٢) أَوْجَعَتْنِي, ثُمَّ قَالَ: «أَظَنَنْتِ (٣) أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ؟» , قَالَتْ: مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ, فَقَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ, قَالَ: «نَعَمْ, قَالَ: فَإِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ أَتَانِي, حِينَ رَأَيْتِ, وَلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ عَلَيْكِ, وَقَدْ وَضَعْتِ ثِيَابَكِ, فَنَادَانِي فَأَخْفَى مِنْكِ, فَأَجَبْتُهُ, فَأَخْفَيْتُ مِنْكِ, فَظَنَنْتُ أَنْ قَدْ رَقَدْتِ, وَخَشِيتُ أَنْ تَسْتَوْحِشِي, فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَ أَهْلَ الْبَقِيعِ, فَأَسْتَغْفِرَ لَهُمْ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
ثم أشار إلى طريق آخر للحديث، فقال: (عَاصِمْ، عَنْ عَبدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَلَى غَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ).
يعني أن حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا رواه عاصم بن عبيد اللَّه على غير اللفظ المذكور، كما بَيَّن ذلك بقوله:
٣٤١٦ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا شَرِيكٌ, عَنْ عَاصِمٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: فَقَدْتُهُ مِنَ اللَّيْلِ … وَسَاقَ الْحَدِيثَ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "شريك": هو ابن عبد اللَّه النخعي. و"عاصم" بن عُبيد اللَّه بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العدويّ المدنيّ، ضعيف [٤].
قال عفّان: سمعت شعبة يقول: كان عاصم لو قيل له: مَنْ بني مسجد البصرة؟ لقال: فلان، عن فلان، عن النبيّ ﷺ أنه بناه. وقال أحمد: كان ابن عيينة يقول: كان الأشياخ يتّقون حديث عاصم. وقال ابن المدينيّ: سمعت عبد الرحمن ينكر حديثه أشدّ الإنكار. وقال ابن معين: ضعيفٌ. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث، ولا يُحتجّ به. وقال يعقوب بن شيبة: قد حمل الناس عنه، وفي أحاديثه ضعف، وله أحاديث مناكير. وقال ابن نمير: عبد اللَّه بن عَقِيل يُختلَف عليه في الأسانيد، وعاصم منكر الحديث في الأصل، وهو مضطرب الحديث. وقال أبو حاتم: منكر الحديث، مضطرب الحديث. ليس له حديث يُعتمد عليه، وما أقربه من ابن عَقِيل. وقال البخاريّ: منكر الحديث. وقال ابن خراش، وغير واحد: ضعيف. وقال ابن خُزيمة: لستُ أحتجّ به لسوء حفظه. وقال الدارقطنيّ: مديني يُترك، وهو مُغَفَّلٌ. وقال العجليّ: لا بأس به. وقال ابن
стр. 14326
عديّ: قد روى عنه ثقات الناس، واحتملوه، وهو مع ضعفه يُكتب حديثه. وقال البزار: في حديثه لين. وقال ابن حبّان: كان سيّء الحفظ، كثير الوهم، فاحشَ الغلط، فتُرك من أجل كثرة خطئه. وقال الساجيّ: مضطرب الحديث. مات في أول خلافة بني العبّاس، سنة (١٣٢). روى له البخاريّ في "خلق أفعال العباد"، وأبو داود، والمصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنّف حديث الباب فقط.
و"عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة" العدويّ، حليف بني عديّ العَنَزِيُّ، أبو محمد المدنيّ، وُلد في عهد النبيّ ﷺ ، ولأبيه صحبةٌ مشهورةٌ، وقال أبو زرعة: مدنيّ أدرك النبيّ ﷺ ، وهو ثقة. وقال أبو حاتم: رأى النبيّ ﷺ لما دخل على أمه، وهو صغير. وقال العجليّ: مدنيٌّ تابعيٌّ ثقة، من كبار التابعين. وقال الواقديّ: ثقة، قليل الحديث. مات سنة بضع وثمانين، وقيل: سنة (٨٥) وقيل: سنة (٩٠). روى له الجماعة، وله عند المصنّف هذا الحديث، وحديث -٥/ ٤٠٤٦ باب "ذكر ما يحلّ به دم المسلم".
وقوله: "وساق الحديث": الضمير لعاصم، يعني أنه ساق الحديث بتمامه، وقد ساقه أحمد في "مسنده" رقم -٢٣٩٥٤ - وابن ماجه في "سننه" رقم -١٥٤٦ - واللفظ لأحمد، من طريق شريك، عن عاصم بن عبيد اللَّه، عن عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة، عن عائشة، قالت: فقدته من الليل، فإذا هو بالبقيع، فقال: "سلام عليكم، دار قوم مؤمنين، وأنتم لنا فرط، وإنا بكم لاحقون، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم"، تعني النبي ﷺ .
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رواية عاصم هذه ضعيفة؛ لضعف عاصم بن عبيد اللَّه بن عاصم بن عمر بن الخطاب، فقد اتفق الجمهور على ضعفه، ولا سيما وقد خالف الحفّاظ، وشريك أيضًا -وهو النخعيّ- متكلّم فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢٧ - (كِتَابُ الطَّلَاقِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الطّلاقُ" اسم مصدر لطَلّق" -بتشديد اللام-. قال في "الفتح": "الطّلاق" في اللغة حلّ الوثاق، مشتقٌ من الإطلاق، وهو الإرسال والترك، وفلان طَلْقُ اليد: أي كثير البذل. وفي الشرع: حلُّ عُقْدة التزويج فقط، وهو موافقٌ لبعض
стр. 14327
أفراد مدلوله اللغويّ. قال إمام الحرمين: هو لفظٌ جاهليّ، ورد الشرع بتقريره. وطلقت المرأة -بفتح الطاء، وضمّ اللام، وبفتحها أيضًا، وهو أفصح، وطُلِّقَت أيضًا بضمّ أوله، وكسر اللام الثقيلة، فإن خفّفت فهو خاصّ بالولادة، والمضارعُ فيهما بضمّ اللام، والمصدر في الولادة طَلْقًا، ساكنة اللام، فهي طالقٌ فيهما. انتهى (١).
وقال الفيّوميّ: طلّق الرجل امرأته تطليقًا، فهو مُطَلِّقٌ، فإن كثر تطليقه للنساء، قيل: مِطْلِيق، ومِطلَاقٌ -بكسر الميم، وسكون الطاء المهملة- وطَلَقَتْ هي تَطْلُقُ، من باب قَتَلَ، وفي لغة من باب قَرُبَ، فهي طالقٌ بغير هاء. قال الأزهريّ: وكلّهم يقولون: طالقٌ بغير هاء، قال: وأما قول الأعشى [من الطويل]:
أَيَا جَارَتَا بينِي فَإِنّكِ طَالِقَهْ … كَذَاكِ أُمُورُ النَّاسِ غَادٍ وَطَارِقَهْ
فقال الليث: أرَاد طالقةٌ غدًا، وإنما اجترأ عليه لأنه يقال: طَلَقَتْ، فَحَمَلَ النعتَ على الفعل. وقال ابن فارس أيضًا: امرأةٌ طالقٌ، طَلَّقَها زوجها، وطالقةٌ غدًا، فصرّح بالفرق؛ لأن الصفة غير واقعة. وقال ابن الأنباريّ: إذا كان النعت منفردًا به الأنثى دون الذّكر لم تدخله الهاء، نحو "طالق"، و"طامث"، و"حائض"؛ لأنه لا يَحتاج إلى فارق؛ لاختصاص الأنثى به. وقال الجوهريّ: يقال: طالقٌ، وطالقةٌ، وأنشد بيت الأعشى. وأُجيب عنه بجوابين: أحدهما ما تقدّم. والثاني: أن الهاء لضرورة التصريح، على أنه معارَضٌ بما رواه ابن الأنباريّ، عن الأصمعيّ، قال: أنشد أعرابيٌّ من شِقِّ اليمامة البيتَ: "فَإِنَّكِ طَالِقٌ"، من غير تصريع، فتسقط الحجّةُ به. قال البصريّون: إنما حُذفت العلامة لأنه أُريد النسب، والمعنى: امرأةٌ ذات طلاق، وذات حيضٍ، أي هي موصوفةٌ بذلك حقيقةً، ولم يُجروه على الفعل. وُيحكَى عن سيبويه أن هذه نعوتٌ مذكّرةٌ وُصِف بهنّ الإناثُ، كما يُوصف المذكّرُ بالصفة المؤنّثةِ، نحو عَلّامةٍ، ونَسّابةٍ، وهو سماعيّ. انتهى كلام الفيّوميّ ببعض تصرّف (٢).
وقال ابن منظور: طلاقُ المرأة: بينونتُها عن زوجها، وامرأةٌ طالقٌ من نسوةٍ طُلَّقٍ، وطالقةٌ من نسوة طَوَالِق، وطَلَّقَ الرجلُ امرأتَهُ، وطَلَقَتْ هي -بالفتح- تَطْلُقُ طَلَاقًا، وطَلُقَتْ -بالضم- والضمّ أكثر عند ثعلب، وأنكره الأخفش، طلاقًا، وأطلقها بَعْلُها، وطَلَّقَها، ورجلٌ مِطلاقٌ ومِطليقٌ وطِلِّيقٌ -بكسر أول الكلّ- وطُلَقَةٌ، كَهُمَزَةٍ: كثير التطليق للنساء انتهى ببعض تصرّف (٣).
وقال الإمام ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى-: الطلاق مشروع، والأصل في مشروعيّته الكتاب، والسنّة، والإجماع، أما الكتاب فقول اللَّه تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ
стр. 14328
بِإِحْسَانٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٩]. وقال تعالى: ﴿أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ الآية [الطلاق: ١]. وأما السنّة فما روى ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - أنه طلّق امرأته، وهي حائضٌ، فسأل عمرُ رسولَ اللَّه ﷺ عن ذلك؟ … الحديث الآتي في الباب التالي.
قال: في آي وأخبارٍ سوى هذين كثير. وأجمع الناس على جواز الطلاق، والعبرة دالّة على جوازه؛ فإنه ربّما فَسَدت الحال بين الزوجين، فيصير بقاء النكاح مَفسدةً مَحْضَةً، وضررًا مجرّدًا بإلزام الزوج النفقةَ والسكنى، وحبس المرأة، مع سوء العشرة، والخصومة الدائمة من غير فائدة، فاقتضى ذلك شرع ما يُزيلُ النكاح؛ لتزول المفسدةُ الحاصلة منه. انتهى كلام ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى- (١).
[تنبيه]: قال في "الفتح": ثم الطلاق قد يكون حرامًا، أو مكروهًا، أو واجبًا، أو مندوبًا، أو جائزًا، أما الأول ففيما إذا كان بدعيًّا، وله صورٌ. وأما الثاني: ففيما إذا وقع بغير سبب مع استقامة الحال. وأما الثالث: ففي صور، منها الشقاق، إذا رأى الحكمان. وأما الرابع: ففيما إذا كانت غير عفيفة. وأما الخامس، فنفاه النوويّ، وصوّره غيره بما كان لا يريدها، ولا تطيب نفسه أن يتحمّل مؤنتها من غير حصول الاستمتاع، فقد صرّح الإمام أن الطلاق في هذه الصورة لا يكره. انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
١ - (بَابُ وَقْتِ الطَّلَاقِ لِلْعِدَّةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ (٣) لَهَا (٤) النِّسَاءُ)
٣٤١٧ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ السَّرَخْسِيُّ (٥) , قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ, وَهِيَ حَائِضٌ, فَاسْتَفْتَى عُمَرُ رَسُولَ اللهِ ﷺ , فَقَالَ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ, وَهِيَ حَائِضٌ, فَقَالَ: «مُرْ عَبْدَ اللَّهِ, فَلْيُرَاجِعْهَا, ثُمَّ يَدَعْهَا, حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ حَيْضَتِهَا هَذِهِ, ثُمَّ تَحِيضَ
стр. 14329
حَيْضَةً أُخْرَى, فَإِذَا طَهُرَتْ, فَإِنْ شَاءَ, فَلْيُفَارِقْهَا قَبْلَ أَنْ يُجَامِعَهَا, وَإِنْ شَاءَ فَلْيُمْسِكْهَا, فَإِنَّهَا الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُبَيدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ السَّرْخَسِيُّ) نزيل نيسابور، أبو قدامة، ثقة ثبت [١٠] ١٥/ ١٥.
٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ) أبو سعيد البصريّ، ثقة ثبت إمام [٩] ٤/ ٤.
٣ - (عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقة ثبت [٥] ١٥/ ١٥.
٤ - (نافع) مولى ابن عمر المدني، ثقة ثبت [٣] ١٢/ ١٢.
٥ - (عبد اللَّه) بن عمر بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فسرخسي، ثم نيسابوري، ويحيى، فبصري. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من المكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) وأحد العبادلة الأربعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمر - رضي اللَّه تعالى عنها - (أنَّهُ طَلَّقَ امْرَأْتَهُ) وفي رواية: "أن ابن عمر طلّق امرأة له"، وفي رواية: "طلّقتُ امرأتي". قال في "الفتح": قال النوويّ: في "تهذيبه": اسمها آمنة بنت غفار. قاله ابن باطيش، ونقله عن النوويّ جماعة ممن بعده منهم الذهبيّ في "تجريد الصحابة"، لكن قال في "مبهماته"، فكأنه أراد "مبهمات التهذيب"، وأوردها الذهبيّ في آمنة بالمدّ، وكسر الميم، ثم نون، وأبوها غفار، ضبطه ابن يقظة (١) -بكسر المعجمة، وتخفيف الفاء- قال الحافظ: ولكنّي رأيت مستند ابن باطيش في أحاديث قتيبة جمعِ سعيد العيار بسند فيه ابن لَهِيعة أن ابن عمر طلّق امرأته آمنة بنت عمّار. كذا رأيتها في بعض الأصول بمهملة مفتوحة، ثم ميم ثقيلة، والأول أولى، وأقوى من ذلك ما رأيته في مسند أحمد قال: "حدّثنا يونس، حدثنا الليث، عن نافع أن عبد اللَّه طلّق امرأته، وهي حائض، فقال عمر: يا رسول اللَّه إن عبد اللَّه طلّق امرأته النَّوَارِ، فأمره أن يُراجعها … " الحديث، وهذا الإسناد على شرط الشيخين، ويونس
стр. 14330
شيخ أحمد هو ابن محمد المؤدّب من رجالهما، وقد أخرجه الشيخان عن قتيبة، عن الليث، ولكن لم تُسَمّ عندهما، ويمكن الجمع بأن يكون اسمها آمنة، ولقبها النوارِ انتهى (١).
(وَهِيَ حَائِضٌ) وفي رواية: "أنه طلق امرأته، وهي في دمها حائضٌ"، وعند البيهقيّ: "أنه طلّق امرأته في حيضها". زاد في الرواية التالية من طريق مالك، عن نافع: "في عهد رسول اللَّه ﷺ "، وفي رواية أبي الزبير الآتية بعد حديثين: "على عهد رسول اللَّه ﷺ ". قال في "الفتح": واْكثر الرواة لم يذكروا ذلك؛ استغناءً بما في الخبر أن عمر سأل رسول اللَّه ﷺ ، فاستلزم أن ذلك وقع في عهده.
وزاد الليث، عن نافع: "تطليقةً واحدةً"، أخرجه مسلم، وقال في آخره: " جوّد الليث في قوله: "تطليقة واحدة" اهـ، وكذا وقع عند مسلم من طريق محمد بن سيرين قال: "مكثتُ عشرين سنة يُحدّثني من لا أتّهم أن ابن عمر طلّق امرأته ثلاثًا، وهي حائضٌ، فأمره أن يراجعها، فكنتُ لا أتّهمهم، ولا أعرف وجه الحديث، حتى لقيت أبا غلّاب يونس بن جُبير، وكان ذا ثبت، فحدّثني أنه سأل ابن عمر، فحدّثه أنه طلّق امرأته تطليقة، وهي حائضٌ"، وأخرجه الدارقطنيّ، والبيهقيّ من طريق الشعبيّ، قال: طلّق ابن عمر امرأته، وهي حائضٌ واحدةً"، ومن طريق عطاء الخراسانيّ، عن الحسن، عن ابن عمر أنه "طلّق امرأته تطليقة، وهي حائضٌ". قاله في "الفتح".
(فَاسْتَفْتَى عُمَرُ) أي طلب بَيَانَ الحكم، يقال: أفتى العالمُ: إذا بيّن الحكمَ، والفَتْوَى بفتح الفاء، والواو، بينهما تاء مثنّاةٌ سَاكنةٌ، والفُتْيا بضمّ الفاء، وسكون التاء، وفتح الياء، مقصورًا: اسم مصدر لـ "أفتى"، والجمع الفَتَاوِي، بكسر الواو على الأصل، ويجوز فتحها؛ للتخفيف (٢) (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) بنصب "رسولَ" مفعول "استفتى". وفي الرواية التالية: "فسأل عمر بن الخطّاب رسول اللَّه ﷺ عن ذلك". وفي رواية سالم، عن ابن عمر" - ١/ ٣٣٩٢ - : "قال: طلّقت امرأتي في حياة رسول اللَّه ﷺ ، فذَكَرَ ذلك عمر لرسول اللَّه ﷺ ، فتغيّظ رسول اللَّه ﷺ في ذلك"، وفي رواية يونس بن جبير، عن ابن عمر ٧٦/ ٣٥٥٦ - : "فأتى النبيَّ ﷺ عمرُ، فذكر له ذلك". قال في "الفتح" بعد ذكر رواية سالم: ما نصّه: ولم أر هذه الزيادة في رواية غير سالم، وهو أجلّ مَن روى الحديث عن ابن عمر، وفيه إشعارٌ بأن الطلاق في الحيض كان تقدّم النهي عنه، وإلا لم يقع التغيّظ على أمر لم يسبق النهي عنه. ولا يعكُرُ على ذلك مبادرة عمر بالسؤال عن
стр. 14331
ذلك؛ لاحتمال أن يكون عرَفَ حكم الطلاق في الحيض، وأنه منهيّ عنه، ولم يَعرِف ماذا يَصنَع من وقع له ذلك؟. قال ابن العربيّ: سؤال عمر ﵁ محتملٌ لأن يكون أنهم لم يروا قبلها مثلها، فسأل ليعلم، ويحتمل أن يكون لَمّا رأى في القرآن قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، وقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ أراد أن يعلم أن هذا قرء، أم لا؟، ويحتمل أن يكون سمع من النبيّ ﷺ النهي، فجاء ليسأل عن الحكم بعد ذلك. وقال ابن دقيق العيد: وتغيُّظُ النبيِّ ﷺ إِمّا لأن المعنى الذي يقتضي المنع كان ظاهرًا، فكان مقتضى الحال التثبّتَ في ذلك، أو لأنه كان مقتضى مشاورة النبيّ ﷺ في ذلك إذا عزم عليه انتهى (١).
(فَقَالَ) هذا تفسير وبيان لسؤال عمر ﵁ (إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ) بن عمر (طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ حَائِضٌ) أي فماذا عليه؟ (فَقَالَ) ﷺ (مُرْ عَبْدَ اللَّهِ) "مُر" -بضمّ الميم، وسكون الراء-: فعل أمر من أَمَر يأمُرُ، من باب نصر ينصُرُ، وأصله اؤمر، فحذفت فاء الكلمة شذوذًا، لكثرة الاستعمال، وهمزة الوصل؛ استغناء، فصار "مُر"، بضمّ، فسكون، وإليه أشار ابن مالك في "لاميّته" حيث قال:
وَشَذَّ بِالْحَذْفِ "مُرْ" و"كُلْ" وَفَشَا … و"امُرْ" وَمُسْتَنْدَرٌ تَتْمِيمُ "خُذْ" و"كُلَا"
(فَلْيُرَاجِعْهَا) فيه أن المراجعة واجبة؛ لأمره ﷺ بالمراجعة، وهو القول الراجح، وسيأتي تحقيق الخلاف فيه قريبًا … ، إن شاء اللَّه تعالى (ثُمَّ يَدَعْهَا) -بفتح حرف المضارعة، والدال المهملة: أي يتركها، ولا يمسّها. وفي الرواية التالية: "ثم ليمسكها": أي يستمرّ بها في عصمته (حَتَّى تَطْهُرَ) بضمّ الهاء لا غيرُ (مِنْ حَيْضَتِهَا هَذِهِ) أي التي وقع فيها الطلاق (ثُمَّ تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى، فَإِذَا طَهُرَتْ) بفتح الهاء، من باب قتل، ويجوز ضمّها في لغة، من باب قَرُب (فَإنْ شَاءَ، فَلْيُفَارِقْهَا قَبْلَ أنْ يُجَامِعَهَا) وعند مسلم من طريق محمد بن عبد الرحمن، عن سالم بلفظ: "مره، فليراجعها، ثم ليطلّقها طاهرًا، أو حاملاً"، قال الشافعيّ: غير نافع إنما روى: "حتى تطهر من الحيضة التي طلّق فيها، ثم إن شاء أمسك، وإن شاء طلّق"، رواه يونس بن جبير، وأنس بن سيرين، وسالم. قال الحافظ: وهو كما قال، لكن رواية الزهريّ، عن سالم موافقةٌ لرواية نافع، وقد نبّه على ذلك أبو داود، والزيادة من الثقة مقبولةٌ، ولا سيّما إذا كان حافظًا انتهى (٢).
стр. 14332
(وَإِنْ شَاءَ فَلْيُمْسِكْهَا) أي يستمرّ على إمساكها (فَإنَّهَا الْعِدَّةُ) الضمير للحالة التي هي حالة الطهر، أي إن حالة الطهر هي عين العدّة (الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ ) أي أَذِنَ (أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ) وهذا بيان لمراد الآية، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، وصرّح معمر في روايته، عن أيوب، عن نافع بأن الكلام عن النبيّ ﷺ ، وفي رواية الزبير عند مسلم، قال ابن عمر: "وقرأ النبيّ ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الآية. واستدلّ به من ذهب إلى أن الأقراء والأطهار للأمر بطلاقها في الطهر، وقوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي وقت ابتداء عدّتهنّ، وقد جعل للمطلّقة تربّص ثلاثة قروء، فلما نهى عن الطلاق في الحيض، وقال: إن الطلاق في الطهر هو الطلاق المأذون فيه عُلم أن الأقراء الأطهار. قاله ابن عبد البرّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٣٩٠ و ٣٣٩١ و ٣٣٩٢ و ٣٣٩٣ و ٣/ ٣٣٩٧ و ٣٣٩٨ و ٣٣٩٩ و ٣٣٤٠ و ٣٣٤١ و ٧٦/ ٣٥٥٦ و ٣٥٥٧ و ٣٥٥٨ و ٣٥٥٩ و ٣٥٦٠ - وفي "الكبرى" ٤٤/ ٥٥٨٢ و ٥٥٨٣ و ٥٥٨٤ و ٥٥٨٥ و ٣/ ٥٥٨٩ و ٤/ ٥٥٩٠ و ٥٥٩١ و ٥٥٩٢ و ٥٥٩٣. وأخرجه (خ) في "التفسير" ٤٩٠٨ و"الطلاق" ٥٢٥٢ و ٥٢٥٣ و ٥٢٥٨ و ٥٣٣٢ و ٥٣٣٣ و"الأحكام" ٧١٦٠ (م) في "الطلاق" ١٤٧١ (د) في "الطلاق" ٢١٧٩
و٢١٨٢ (ت) في "الطلاق" ١١٧٥ و ١١٧٦ (ق) في "الطلاق" ٢٠١١٩ و ٢٠٢٢ و ٢٥٢٣ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٤٤٨٦ و ٤٧٧٤ و٥٠٠٥ و٥١٠٠ و ٥١٤٢ و ٥٢٠٦ و ٥٢٧٧ و ٥٢٩٩ و٥٤١٠ و٥٤٦٥ و٥٤٨٠ و٥٥٠٠ و ٥٧٥٨ و٦٠٢٥ و ٦٠٨٤ و ٦٢٩٣ (الموطأ) في "الطلاق" ١٢٢٠ (الدارمي) في "الطلاق" ٢٢٦٢ و ٢٢٦٣. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان وقت الطلاق للعدّة اللَّه أمر اللَّه تعالى أن تطلّق لها النساء، حيث قال تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ الآية، وهو أن يطلّقها في طهر لم يُجامعها فيه. (ومنها): تحريم طلاق الحائض. (ومنها): تحريم طلاق المرأة في طهر جامعها فيه، وبه قال الجمهور، وقال المالكيّة: لا يحرم، وفي رواية
стр. 14333
كالجمهور، ورجحها الفاكهانيّ؛ لكونه شرط في الإذن في الطلاق عدم الميسيس، والمعلّق بشرط معدوم عند عدمه، وهذا هو الحقّ. (ومنها): أن الزوج يستقلّ بالرجعة، دون الوليّ، ورضا المرأة؛ لأنه جعل ذلك إليه، دون غيره، وهو كقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾. (ومنها): أن الأب يقوم عن ابنه البالغ الرشيد في الأمور التي تقع له مما يَحتَشِم الابن من ذِكْره، ويتلقى عنه ما لعلّه يلحقه من العتاب على فعله شفقةً منه، وبرًّا. (ومنها): أن طلاق الطاهرة لا يُكره؛ لأنه أنكر إيقاعه في الحيض، لا في غيره؛ ولقوله في آخر الحديث: "فإن شاء أمسك، وإن شاء طلّق". (ومنها): أن الحامل لا تحيض؛ لقوله في طريق سالم المتقدّمة: "ثم لْيُطلّقها طاهرًا، أو حاملاً"، فحرّم الطلاق في زمن الحيض، وأباحه في زمن الحمل، فدلّ على أنهما لا يجتمعان. وأجاب من قال: تحيض الحامل بأن حيض الحامل لما لم يكن له تأثير في تطويل العدّة، ولا تخفيفها لأنها بوضع الحمل، أباح الشارع طلاقها حاملاً مطلقًا، وأما غير الحامل ففرق بين الحائض والطاهر؛ لأن الحيض يؤثر في العدّة، فالفرق بين الحامل وغيرها إنما هو بسبب الحمل، لا بسبب الحيض، ولا الطهر. (ومنها): أن الأقراء في العدّة هي الأطهار، وسيأتي تحقيق ذلك، في محلّه إن شاء اللَّه تعالى.
(ومنها): أنه تمسّك بالزيادة التي في رواية سالم المتقدّمة: "ثم ليطلقها طاهرًا، أو حاملاً" من استثنى من تحريم الطلاق في طهر جامعها فيه ما إذا ظهر الحمل، فإنه لا يحرم، والحكمة فيه أنه إذا ظهر الحمل فقد أقدم على ذلك على بصيرة، فلا يندم على الطلاق، وأيضًا فإن زمن الحمل زمن الرغبة في الوطء، فإقدامه على الطلاق فيه يدلّ على رغبته عنها. ومحك ذلك أن يكون الحمل من المطلِّق، فلو كان من غيره بأن نكح حاملاً من زنا، ووطئها، ثم طلّقها، أو وُطئت منكوحته بشبهة، ثم حملت منه، فطلّقها زوجها، فإن الطلاق يكون بدعيًّا؛ لأن عدّة الطلاق تقع بعد وضع الحمل، والنقاء من النفاس، فلا تُشرع عقب الطلاق في العدّة، كما في الحامل منه. قاله في "الفتح" (١). (ومنها): أن بعض أهل العلم قال في قوله: "ثم إن شاء أمسك، وإن شاء طلّق" دليلٌ على أن من قال لزوجته، وهي حائضٌ: إذا طهرتِ، فأنت طالقٌ لا يكون مطلّقًا للسنّة؛ لأن المطلّق للسنّة هو الذي يكون مخيّرًا عند وقوع طلاقه بين إيقاع الطلاق وتركه، ومن سبق منه هذا القول في وقت الحيض زائلٌ عنه الخيار في وقت الطهر. ذكره الخطابيّ في "المعالم" (٢).
стр. 14334
(ومنها): أنه استُدِلّ بقوله: "قبل أن يمسّ" على أن الطلاق في طهر جامعها فيه حرام، وبه صرّح الجمهور، فلو طلّق هل يُجبر على الرجعة كما يُجبر عليها إذا طلّقها، وهي حائضٌ؟ طرده بعض المالكيّة فيهما، والمشهور عنهم إجباره في الحائض، دون الطاهر، وقالوا فيما إذا طلّقها، وهي حائض: يُجبر على الرجعة، فإن امتنع أدّبه الحاكم، فإن أصرّ ارتجع عليه، وهل يجوز له وطؤها بذلك؟ روايتان لهم، أصحّهما الجواز، وعن داود يجبر على الرجعة إذا طلّقها حائضًا، ولا يُجبر إذا طلّقها نفساء، وهو جمود. ذكره في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في قوله: "مره فليُراجعها" قال الشيخ ابن دقيق العيد -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: يتعلّق به مسألة أصوليّة، وهي أن الأمر بالأمر بالشيء، هل هو أمرٌ بذلك الشيء، أم لا؟، فإنه ﷺ قال لعمر: "مُره"، فأمره بان يأمره.
قال في "الفتح": هذه المسألة ذكرها ابن الحاجب، قال: الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرًا بذلك الشيء، لنا لو كان لكان مُر عبدك بكذا تعدّيًا، ولكان يُناقض قولك للعبد: لا تفعل. قالوا: فُهم ذلك من أمر اللَّه تعالى، ورسوله ﷺ ، ومن قول الملك لوزيره: قل لفلان: افعل. قلنا: للعلم بأنه مبلّغٌ.
قال الحافظ: والحاصل أن النفي إنما هو حيث تجرّد الأمر، وأما إذا وُجدت قرينة تدلّ على أن الأمر الأول أمر المأمور الأول أن يبلّغ المأمور الثاني فلا، وينبغي أن ينزّل كلام الفريقين على هذا التفصيل، فيرتفع الخلاف. ومنهم من فرق بين الأمرين، فقال: إن كان الأمر الأول بحيث يسوغ له الحكم على المأمور الثاني، فهو آمرٌ له، وإلا فلا، وهذا قويّ، وهو مستفاد من الدليل الذي استدلّ به ابن الحاجب على النفي؛ لأنه لا يكون متعدّيًا إلا إذا أمر من لا حكم له عليه؛ لئلا يصير متصرّفًا في ملك غيره بغير إذنه، والشارع حاكمٌ على الآمر والمأمور، فوجد فيه سلطان التكليف على الفريقين، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ الآية، فإن كلّ أحد يفهم منه أمر اللَّه لأهل بيته بالصلاة، ومثله حديث الباب، فإن عمر ﵁ إنما استفتى النبيّ ﷺ عن ذلك ليمتثل ما يأمره به، ويُلزم ابنه به، فمن مثّل بهذا الحديث لهذه المسألة فهو غالطٌ؛ فإن القرينة واضحةٌ في أن عمر في هذه الكائنة كان مأمورًا بالتبليغ، ولهذا وقع في رواية أيوب، عن نافع: "فأمره أن يراجعها"، وفي رواية أنس ابن سيرين، ويونس بن جُبير، وطاوس، عن ابن عمر، وفي رواية الزهريّ، عن سالم: "فليُراجعها"، وفي رواية لمسلم:
стр. 14335
"فراجعها عبد اللَّه كما أمره رسول اللَّه ﷺ "، وفي رواية أبي الزبير، عن ابن عمر: "ليراجعها"، وفي رواية الليث، عن نافع، عن ابن عمر: "فإن النبيّ ﷺ أمرني بهذا".
وقد اقتضى كلام سليم الرازيّ في "التقريب" أنه يجب على الثاني الفعل جزمًا، وإنما الخلاف في تسميته آمرًا، فرجع الخلاف عنده لفظيًّا.
وقال الفخر الرازيّ في "المحصول": الحقّ أن اللَّه تعالى إذا قال لزيد: أوجبتُ على عمرو كذا، وقال لعمرو: كلّ ما أوجب عليك زيدٌ، فهو واجبٌ عليك، كان الأمر بالأمر أمرًا بالشيء انتهى.
قال الحافظ: وهذا يمكن أن يؤخذ منه التفرقة بين الأمر الصادر من رسول اللَّه ﷺ ، ومن غيره، فمهما أمر الرسول ﷺ أحدًا أن يأمر به غيره وجب لأن اللَّه تعالى أوجب طاعته، وهو أوجب طاعة أميره، كما ثبت في "الصحيح": "من أطاعني، فقد أطاع اللَّه، ومن أطاع أميري فقد أطاعني"، وأما غيره ممن بعده فلا، وفيهم تظهر صورة التعدّي التي أشار إليها ابن الحاجب.
وقال ابن دقيق العيد: لا ينبغي أن يتردّد في اقتضاء ذلك الطلب، وإنما ينبغي أن ينظر في أن لوازم صيغة الأمر هل هي لوازم صيغة الأمر بالأمر أو لا؟ بمعنى أنهما يستويان في الدلالة على الطلب من وجه واحد أو لا. قال الحافظ: وهو حسنٌ، فإن أصل المسألة التي انبنى عليها هذا الخلاف حديث: "مروا أولادكم بالصلاة لسبع"، فإن الأولاد ليسوا بمكلّفين، فلا يتّجه عليهم الوجوب، وإنما الطلب متوجّه على أوليائهم أن يُعَلِّموهم ذلك، فهو مطلوب من الأولاد بهذه الطريق، وليس مساويًا للأمر الأول، وهذا إنما عرض من أمر خارج، وهو امتناع توجه الأمر على غير المكلّف، وهو بخلاف الفصّة التي في حديث الباب.
والحاصل أن الخطاب إذا تونجه لمكلّف أن يأمر مكلّفًا آخر بفعل شيء كان المكلّف الأول مبلّغًا محضًا، والثاني مأمور من قبل الشارع، وهذا كقوله لمالك بن الحويرث، وأصحابه: "ومروهم بصلاة كذا في حين كذا"، وقوله لرسول ابنته ﷺ : "مرها، فلتصبر، ولتحتسب"، ونظائره كثيرة، فإذا أمر الأول الثاني بذلك، فلم يمتثله كان عاصيًا، وإن توجّه الخطاب من الشارع لمكلّف أن يأمر غير مكلّف، أو توجه الخطاب من غير الشارع بأمر من له عليه الأمران يأمر من لا أمر للأول عليه لم يكن الأمر بالأمر بالشيء أمرًا بالشيء، فالصورة الأولى هي التي نشأ عنها الاختلاف، وهو أمر أولياء الصبيان أن يأمروا الصبيان، والصورة الثانية هي يتصوّر فيها أن يكون الأمر متعدّيًا بأمر
стр. 14336
للأول أن يأمر الثاني، فهذا فصل الخطاب في هذه المسألة، واللَّه المستعان، قاله في "الفتح" وهو تحقيق حسن (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الأمر في قوله ﷺ : "فليُراجعها"، هل هو للوجوب، أم للاستحباب؟:
ذهب إلى القول بالاستحباب الأئمة: أبو حنيفة، والشافعيّ، وأحمد في المشهور عنه، وحكاه النوويّ عن سائر الكوفيين، وفقهاء المحدّثين.
وذهب مالك، وأصحابه إلى أنه للوجوب، يجبر على المراجعة ما بقي من العدّة شيء. وقال أشهب: ما لم تطهر من الثانية، فإن أبى أجبره الحاكم، فإن أبى ارتجع الحاكم عليه، وله وطؤها بذلك على الأصحّ. قال الحافظ وليّ الدين: وما تقدّم عن أبي حنيفة من الاستحباب هو المشهور في كتب الخلاف، وممن حكاه عنه النوويّ، لكن حكاه صاحب "الهداية" عن بعض المشايخ، ثم قال: والأصحّ أنه واجبٌ؛ عملاً بحقيقة الأمر، ورفعًا للمعصية بالقدر الممكن برفع أثره، وهو العدّة، ودفعًا لضرر تطويل العدّة انتهى. وقال داود الظاهريّ يُجبر على الرجعة إذا طلّقها حائضَا، ولا يُجبر إذا طلّقها نفساء. وذكر إمام الحرمين أن المراجعة، وإن كانت مستحبّةً، فلا ينتهي الأمر فيه إلى أن نقول: ترك المراجعة مكروه. قال النوويّ في "الروضة": وينبغي أن يقال بالكراهة؛ للحديث الصحيح الوارد فيها، ولدفع الإيذاء. وحكى ابن عبد البرّ خلافًا في سبب الأمر بالرجعة، قيل: عقوبةٌ له، وقيل: دفع للضرر عنها بتطويل العدّة عليها. فلو ادعت المرأة أنه طلّقها في الحيض، وقال الزوج: في طهر، فقال سحنون: القول قولها، ويجبر على الرجعة، والأصحّ أن القول قوله. قاله في "طرح التثريب" (٢).
وقال في "الفتح": والحجة لمن قال بالوجوب ورود الأمر بها، ولأن الطلاق لما كان محرّمًا في الحيض كانت استدامة النكاح فيه واجبة. فلو تمادى الذي طلّق في الحيض حتى طهرت قال مالكٌ، وأكثر أصحابه: يُجبر على الرجعة أيضًا. وقال أشهب منهم: إذا طهرت انتهى الأمر بالمراجعة. واتفقوا على أنها إذا انقضت عدّتها أن لا رجعة، وأنه لو طلّق في طهر قد مسّها فيه لا يؤمر بمراجعتها. كذا نقله ابن بطّال وغيره، لكن الخلاف فيه ثابتٌ، قد حكاه الحناطيّ من الشافعيّة وجهًا. واتفقوا على أنه لو طلّق قبل الدخول، وهي حائضٌ لم يؤمر بالمراجعة، إلا ما نقل عن زفر، فطرد الباب انتهى (٣).
стр. 14337
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي القولُ بوجوب الرجعة على من طلّق امرأته في حيضها هو الأرجح؛ لظهور حجته؛ لأن الأمر للوجوب إلا لصارف؛ وليس هنا صارف يُعتدّ به. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): ذكر العلماء في الحكمة في تأخير الطلاق إلى طهر بعد الطهر الذي يلي ذلك الحيض الذي وقع في الطلاق أمورًا:
[أحدها]: ما قاله الشافعيّ: يحتمل أن يكون أراد بذلك أن يستبرئها بعد الحيضة التي طلّقها فيها يطهر تامّ، ثم حيض تامّ؛ ليكون تطليقها، وهي تعلم عدّتها، إما بحمل، أو بحيض، أو ليكون تطليقها بعد علمه بالحمل، وهو غير جاهل بما صنع، إذ يرغب، فيُمسك للحمل، أو ليكون إن كانت سألت الطلاق غير حامل أن تكفّ عنه.
[الثاني]: أن الطهر الذي يلي الحيض الذي طلّقها كقرء واحد، فلو طلّقها فيه لكان كمن طلّق في الحيض، وهو ممتنعٌ من الطلاق في الحيض، فلزم أن يتأخّر إلى الطهر الثاني.
[الثالث]: أن لا تصير الرجعة لغرض الطلاق، فوجب أن يمسكها زمانًا يحلّ له فيه طلاقها، وإنما أمسكها؛ لتظهر فائدة الرجعة.
[الرابع]: أنه عقوبةٌ له، وتوبةٌ من معصيته باستدراك ما جناه، وعبّر عنه بعضهم بأنه معاملة بنقيض مقصوده، فإنه عجل ما حقّه أن يتأخر قبل وقته، فمنع منه في وقته، وصار كمستعجل الإرث يقتل مورثه.
[الخامس]: أنه نهي عن طلاقها في الطهر، ليطول مقامه معها، فقد يجامعها، فيذهب ما في نفسه من سبب طلاقها، فيمسكها. قال أبو العبّاس القرطبيّ: وهذا أشبهها، وأحسنها (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): اختلفوا في جواز تطليقها في الطهر الذي يلي الحيضة التي وقع فيها الطلاق والرجعة، وفيه للشافعيّة وجهان، أصحّهما المنع، وبه قطع المتولّي، وهو الذي يقتضيه ظاهر الزيادة التي في الحديث، وعبارة الغزاليّ في "الوسيط"، وتبعه مجلي: هل يجوز أن يطلّق في هذا الطهر؟ وجهان. وكلام المالكيّة يقتضي أن التأخير مستحبّ. وقال ابن تيميّة في "المحرّر": ولا يُطلّقها في الطهر المتعقّب له، فإنه بدعةٌ، وعنه -أي عن أحمد- جواز ذلك. وفي كتب الحنفيّة عن أبي حنيفة الجواز، وعن أبي يوسف ومحمد المنع. ووجه الجواز أن التحريم إنما كان لأجل الحيض، فإذا طهرت
стр. 14338
زال موجب التحريم، فجاز طلاقها في هذا الطهر، كما يجوز في الطهر الذي بعده، وكما يجوز طلاقها في الطهر إن لم يتقدّم طلاق في الحيض.
ومن حجج المانعين أنه لو طلّقها عقب تلك الحيضة كان قد راجعها ليطلّقها، وهذا عكس مقصود الرجعة، فإنها شُرعت لإيواء المرأة، ولهذا سماها إمساكًا، فأمره أن يمسكها في ذلك الطهر، وأن لا يطلّق فيه حتى تحيض حيضةً أخرى، ثم تطهر؛ لتكون الرجعة للإمساك، لا للطلاق، ويؤيّد ذلك أن الشارع أكّد هذا المعنى حيث أمر بأن يمسكها في الطهر الذي يلي الحيض الذي طلّقها فيه؛ لقوله في رواية عبد الحميد بن جعفر: "مره أن يراجعها، فإذا طهرت أمسكها، حتى إذا طهرت أخرى، فإن شاء طلّقها، وإن شاء أمسكها"، فإذا كان قد أمره بأن يمسكها في ذلك الطهر، فكيف يُبيح له أن يطلّقها فيه؟، وقد ثبت النهي عن الطلاق في طهر جامعها فيه. ذكره في "الفتح" (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذكر من الأدلّة أن الأرجح قول من قال بمنع الطلاق في الطهر الذي يلي الحيضة التي وقع فيها الطلاق؛ لمخالفته الأمر وإمساكها في ذلك الطهر بنصّ قوله ﷺ : "فإذا طهرت أمسكها حتى إذا طهرت أخرى الخ". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): اختلف الفقهاء في المراد بقوله ﷺ : "طاهرًا" هل المراد به انقطاع الدم، أو التطهّر بالغسل؟ على قولين، وهما روايتان عن أحمد، والراجح الثاني؛ لما يأتي للمصنّف من طريق معتمر بن سليمان، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع في هذه القصّة، قال: "مُرْ عبد اللَّه، فليراجعها، فإذا اغتسلت من حيضتها الأخرى، فلا يمسّها حتى يطلّقها، وإن شاء أن يمسكها، فليمسكها"، وهذا مفسّر لقوله: "فإذا طهرت"، فليحمل عليه.
قال في "الفتح": ويتفرع من هذا أن العدّة هل تنقضي بانقطاع الدم، وترتفع الرجعة، أو لا بُدّ من الاغتسال؟ فيه خلاف أيضًا.
والحاصل أن الأحكام المرتّبة على الحيض نوعان: الأول يزول بانقطاع الدم، كصحّة الغسل، والصوم، وترتّب الصلاة في الذّمّة. والثاني: لا يزول إلا بالغسل، كصحّة الصلاة، والطواف، وجواز اللبث في المسجد، فهل يكون الطلاق من النوع الأول، أو من الثاني؟. انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر لي أن الطلاق من النوع الثاني؛ لرواية المصنّف المذكورة في ذلك، فإنها صريحة في اشتراط الاغتسال، فلا يجوز أن يطلّقها
стр. 14339
إلا بعد اغتسالها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): في قوله: "فإنها العدّة التي أمر اللَّه أن تطلّق لها النساء"، هذا إشارة إلى قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ الآية. قال الجرجانيّ: اللام بمعنى "في"، كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ الآية، أي في أول الحشر، فقوله: ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي في الزمان الذي يصلح لعدّتهن، وحصل الإجماع على أن الطلاق في الحيض ممنوع، وفي الطهر مأذون فيه، ففيه دليل على أن القرء هو الطهر. ذكره القرطبيّ (١).
وقال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: استُدلّ به على أن الأقراء هي الأطهار؛ لأن اللَّه تعالى لم يأمر بطلاقهنّ في الحيض، بل حرّمه، وبهذا قال مالكٌ، والشافعيّ. وقال أبو حنيفة، وأحمد: هي الحيض. وأجاب بعضهم عن هذا الحديث بأن الإشارة في قوله: "فتلك العدّة" إلى الحيضة. وهو مردود؛ لأن الطلاق في الحيض غير مأمور به، بل هو محرّم، وإنما الإشارة إلى الحالة المذكورة، وهي حالة الطهر، أو إلى العدّة. وقال الذاهبون إلى أنها الحيض: من قال بالأطهار جعلها قرءين وبعض الثالث، وظاهر القرآن أنها ثلاثة، ونحن نشترط ثلاث حِيَض كوامل، فهي أقرب إلى موافقة القرآن، ولهذا صار الزهريّ مع قوله: إن الأقراء هي الأطهار إلى أنه لا تنقضي العدّة إلا بثلاثة أطهار كاملة، ولا تنقضي بطهرين وبعضِ الثالث، وهذا مذهب انفرد به، وقال غيره: لو طلّقها، وقد بقي من الطهر لحظة يسيرةٌ، حُسبت قُرءًا، ويكفيها طهران. وأجابوا عن هذا الاعتراض بأن الشيئين وبعض الثالث يُطلق عليها اسهل الجمع، قال اللَّه تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، ومدّته شهران وبعض الثالث، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ والمراد: وبعض الثاني انتهى كلام وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى- (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول بأن الأقراء هي الأطهار هو الأرجح؛ لأن الأرجح في اللام في قوله: "لعدّتهنّ" كونها بمعنى: "في"، فظهر به أن وقت العدّة هو الطهر؛ لأنه الوقت الذي أمر اللَّه تطليق النساء فيه، وسيأتي تحقيق ذلك في محله، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤١٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ الْقَاسِمِ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ, وَهِيَ حَائِضٌ, فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ , فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁, رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا, ثُمَّ لْيُمْسِكْهَا, حَتَّى تَطْهُرَ, ثُمَّ تَحِيضَ, ثُمَّ تَطْهُرَ, ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ,
стр. 14340
وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ, فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ (١) لَهَا النِّسَاءُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد عندهم رجال الصحيح. وأنهم مدنّيون، غير شيخه، وشيخ شيخه، فمصريّان. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق تمام البحث فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤١٩ - (أَخْبَرَنِي كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَرْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيُّ, قَالَ: سُئِلَ الزُّهْرِيُّ, كَيْفَ الطَّلَاقُ لِلْعِدَّةِ؟ , فَقَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ, قَالَ: طَلَّقْتُ امْرَأَتِي, فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ , وَهِيَ حَائِضٌ, فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ , فَتَغَيَّظَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي ذَلِكَ, فَقَالَ: «لِيُرَاجِعْهَا, ثُمَّ يُمْسِكْهَا, حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً, وَتَطْهُرَ, فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا طَاهِرًا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا, فَذَاكَ الطَّلَاقُ لِلْعِدَّةِ, كَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ » , قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: فَرَاجَعْتُهَا, وَحَسِبْتُ لَهَا التَّطْلِيقَةَ الَّتِي طَلَّقْتُهَا).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وهو حمصيّ، ثقة.
و"محمد بن حرب": الأبرش الخولانيّ الحمصيّ الثقة. و"الزبيديُّ": هو محمد بن الوليد، أبو الْهُذيل الحمصيّ الثقة الثبت.
وقوله: "فتغيّظ" يدلة على حرمة الطلاق. وقوله: "حتى تحيض حيضةً" أي ثانيةً غير هذه التي وقع فيها الطلاق، وتطهر منها، وبه يحصل موافقة هذه الرواية للروايتين السابقتين. وقوله: "وحسبت" بالبناء للمفعول، والتاء للتأنيث. ويحتمل بناؤه للفاعل، والتاء للمتكلّم، والأول أقرب.
والحديث متفق عليه، كما سبق البحث عنه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤٢٠ - (أَخْبَرَنِي (٢) مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ تَمِيمٍ, عَنْ حَجَّاجٍ, قَالَ: قَالَ: ابْنُ جُرَيْجٍ, أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ, أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَيْمَنَ, يَسْأَلُ ابْنَ عُمَرَ وَأَبُو الزُّبَيْرِ يَسْمَعُ, كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ, طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا؟ (٣) فَقَالَ لَهُ: طَلَّقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ امْرَأَتَهُ, وَهِيَ حَائِضٌ, عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ , فَسَأَلَ عُمَرُ رَسُولَ اللهِ ﷺ , فَقَالَ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ, طَلَّقَ امْرَأَتَهُ, وَهِيَ حَائِضٌ, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لِيُرَاجِعْهَا» , فَرَدَّهَا عَلَيَّ, قَالَ: «إِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْ, أَوْ لِيُمْسِكْ» , قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَقَالَ (٤) النَّبِيُّ ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا
стр. 14341
النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن إسماعيل بن إبراهيم": هو المعروف أبوه بابن عليّة، وهو قاضي دمشق، ثقة [١١] ٢٢/ ٤٨٩ من أفراد المصنّف. و"عبد اللَّه بن محمد بن تميم": أبو حُميد المصّيصيّ، ثقة [١١] ٣١٩/ ٢٠٠ من أفراد المصنّف أيضًا. والباقون كلهم رجال الصحيح. و"حجاج": هو ابن محمد الأعور المصّيصيّ. وقوله: "عبد الرحمن بن أيمن"، ويقال: مولى أيمن المخزوميّ، مولاهم المكيّ، لا بأس به [٣] له ذكر عند المصنّف، ومسلم، وأبي داود في هذا الإسناد بلا رواية. وقوله: "وأبو الزبير يسمع" فيه التفات، إذ الظاهر أن يقول: وأنا أسمع. وقوله: "طلّق عبد اللَّه بن عمر الخ" فيه التفات أيضًا، إذ الظاهر أن يقول: طلّقتُ.
وقوله: "فردّها عليّ" يعني أن النبيّ ﷺ ردّ تلك المرأة على ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -.
وقوله: "إذا طهرت فليُطلّق" ظاهر هذه الرواية أنه يطلّق إذا طهرت من الحيضة الأولى التي وقع فيها الطلاق، فتكون مخالفةً للروايات المتقدّمة، وغيرها، فالأولى أن تُحمل على موافقة تلك الرويات، فيُحمل الطهر على الطهر من الحيضة الثانية، لا الأولى.
وقوله: "فقال النبيّ ﷺ : يا أيها النبيّ الخ" قال أبو العباس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذا تصريح برفع هذه القراءة إلى رسول اللَّه ﷺ ، غير أنها شاذّة عن المصحف، ومنقولة آحادًا، فلا تكون قرآنًا، لكنها خبر مرفوعٌ إلى النبيّ ﷺ صحيحٌ، فهي حجةٌ واضحةٌ لمن يقول بأن الأقراء هي الأطهار، كما تقدّم، وهي قراءة ابن عمر، وابن عباس ﵃. وفي قراءة ابن مسعود ﵁: "لقبل طهرهن"، قال جماعة من العلماء: وهي محمولة على التفسير، لا التلاوة انتهى كلام القرطبيّ (١).
وقوله: "في قُبُل عدّتهنّ": قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: هو -بضم القاف، والباء- أي في وقتٍ تَستقبل فيه العدّةَ، وتَشرع فيها، وهذا يدلّ على أن الأقراء هي الأطهار، وأنها إذا طُلّقت في الطهر شرعت في الحال في الأقراء؛ لأن المأمور به إنما هو في الطهر؛ لأنها إذا طُلّقت في الحيض لا يُحسب ذلك الحيض قرءًا بالإجماع، فلا تَستقبل فيه العدّة، وإنما تَستقبلها إذا طُلّقت في الطهر. قاله النوويّ (٢).
وقال السيوطيّ: "في قبل عدّتهنّ" أي إقبالها، وأولها، وحين يمكن الدخول فيها،
стр. 14342
والشروع، وذلك حال الطهر، يقال: كان ذلك في قُبُل الشتاء: أي إقباله. انتهى (١).
وقال السنديّ: ما حاصله: هذا الذي قاله السيوطيّ على وفق مذهبه، وأما على مذهب من يقول بأن القرء هو الحيض، فمعنى "في قبل عدّتهنّ" أي إقبالها، فإنها بالطهر صارت مقبلة للحيض، وصار الحيض مقبلاً عليها انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأرجح ما قاله السيوطيّ؛ لأن أحاديث الباب ظاهرة فيه. والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق تمام البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤٢١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ,, عَنِ الْحَكَمِ, قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا, يُحَدِّثُهُ (٣) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, فِي قَوْلِهِ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ , قَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁: "قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد عندهم رجال الصحيح، و"الحكم": هو ابن عُتيبة.
و"مجاهد": هو ابن جَبْر. وشرح الحديث تقدّم في الذي قبله، وهو موقوفٌ صحيح، تفرّد به المصنّف، لم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا-١/ ٣٣٩٤ - وفي "الكبرى" ١/ ٥٥٨٦. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه
أنيب".
…
٢ - (بَابُ طَلَاقِ السُّنَّةِ)
٣٤٢٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ, عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, أَنَّهُ قَالَ: طَلَاقُ
стр. 14343
السُّنَّةِ تَطْلِيقَةٌ, وَهِيَ طَاهِرٌ فِي غَيْرِ جِمَاعٍ, فَإِذَا حَاضَتْ, وَطَهُرَتْ طَلَّقَهَا أُخْرَى, فَإِذَا حَاضَتْ وَطَهُرَتْ, طَلَّقَهَا أُخْرَى, ثُمَّ تَعْتَدُّ بَعْدَ ذَلِكَ بِحَيْضَةٍ, قَالَ الأَعْمَشُ: سَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ, فَقَالَ: مِثْلَ ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن يحيى بن أيوب) بن إبراهيم الثقفيّ، أبو يحيى المروزيّ القصريّ المعلم، ثقة حافظ [١٠] ١٦٢/ ٢٥٤.
٢ - (حفص بن غياث) بن طلق بن معاوية النخعي، أبو عمر الكوفي القاضي، ثقة فقيه، تغير حفظه قليلاً في الآخر [٨] ٨٦/ ١٠٥.
٣ - (الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي مولاهم، أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت، لكنه يدلس [٥] ١٧/ ١٨.
٤ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد اللَّه الهمدانيّ السبيعيّ الكوفيّ، ثقة عابد، يدلس واختلط بآخره [٣] ٣٨/ ٤٢.
٥ - (أبو الأحوص) عوف بن مالك بن نَضْلَة الْجُشميّ الكوفيّ ثقة [٣] ٥٠/ ٨٤٩.
٦ - (عبد اللَّه) بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - ٣٥/ ٣٩. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح، غير شيخ المصنّف، فقد تفرّد به هو والترمذيّ. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فمروزي. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، وأبو إسحاق، وأبو الأحوص. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود ﵁ أنهُ قَالَ: طَلَاقُ السُّنَّةِ) قال السنديّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: بمعنى أن السنّة قد وردت بإباحتها لمن احتاج إليها، لا بمعنى أنها من الأفعال المسنونة التي يكون الفاعل مأجورًا بإتيانها. نعم إذا كفّ المرء نفسه من غيره عند الحاجة، وآثر هذا النوع من الطلاق؛ لكونه مباحًا، فله أجره على ذلك، لا على نفس الطلاق، فلا يَرِدُ أنها كيف تكون سنّةً، وهي من أبغض المباحات، كما جاء به الحديث. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحديث الذي أشار إليه السنديّ: هو ما أخرجه أبو داود في "سننه" عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، مرفوعًا: "أبغض الحلال إلى اللَّه
стр. 14344
الطلاق". لكنه ضعيف مرفوعًا؛ والصحيح أنه مرسلٌ (١). واللَّه تعالى أعلم.
(تَطْلِيقَةٌ) أي واحدةٌ، وفي الرواية التالية: "أن يطلَقها الخ" (وَهِيَ طَاهِرٌ) أي ليس بها حيض (في) وفي نسخة: "من" (غَيْرِ جِمَاعٍ) أي من غير أن يجامعها في ذلك الطهر (فَإِذَا حَاضَتْ، وَطَهُرَت طَلَّقَهَا أُخْرَى) أي تطليقة ثانية (فَإذَا حَاضَتْ وَطَهُرَتْ، طَلَّقَهَا أُخرَى) أي تطليقة ثالثةَ (ثُمَّ تَعْتَدُّ بَعْدَ ذَلِكَ بِحَيْضَةٍ) هذا تصريحٌ في أن العدّة تكون بالحيض، لا بالطهر، وهو مذهب أبي حنيفة، وأحمد، وخالفهم المالكيّة، والشافعية، وهو الأرجح، وسيأتي تحقيق ذلك في محلّه، إن شاء اللَّه تعالى (قَالَ الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران الإمام المشهور، الراوي عن أبي إسحاق في هذا السند (سَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ) يعني ابن يزيد النخعيّ الإمام الفقيه المشهور (فَقَالَ: مِثْلَ ذَلِكَ) أي فذكر مثل ما ذكره أبو إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه ﵁. ويحتمل أنه قال مثل ما قال ابن مسعود ﵁، أي أفتى بمثل ذلك، فيكون من قوله، لا من روايته. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن مسعود ﵁ صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢/ ٣٣٩٥ و ٣٣٩٦ - وفي "الكبرى" ٢/ ٥٥٨٧ و ٥٥٨٨. وأخرجه (ق) في "الطلاق " ٢٠٢٠ و٢٠٢١. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): يُستفاد من أثر ابن مسعود ﵁ هذا أن الطلاق ينقسم إلى قسمين: سنيّ، وبدعيّ، وقد بيّن القسمين ابن قدامة -عند قول الخِرَقيّ: "وطلاق السنّة أن يطلّقها طاهرًا من غير جماع واحدةٌ، ثم يدعها حتى تنقضي عدّتها" -:
فقال: ما حاصله: معنى طلاق السنّة الطلاقُ الذي وافق أمر اللَّه تعالى، وأمر رسوله ﷺ في الآية، والخبرين المذكورين -يعني خبر ابن عمر المذكور في الباب الماضي- وهو الطلاق في طهر لم يُصبها فيه، ثم يتركها حتى تنقضي عدّتها، ولا خلاف في أنه إذا طلّقها في طهر لم يُصبها فيه، ثم تركها حتى تنقضي عدّتها أنه مصيبٌ للسنّة، مطلّق للعدة التي أمر اللَّه تعالى بها. قاله ابن عبد البرّ، وابنُ المنذر. وقال ابن مسعود: طلاق السنّة أن يطلّقها من غير جماع، وقال في قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ قال: طاهرًا
стр. 14345
من غير جماع، ونحوه عن ابن عبّاس. وفي حديث ابن عمر الذي رويناه: "لِيَتْرُكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك، وإن شاء طلّق قبل أن يمسّ، فتلك العدّة التي أمر أن تُطلّق لها النساء".
فأما قوله: "ثم يدعها حتى تنقضي عدّتها" فمعناه أنه لا يُتبعها طلاقًا آخر قبل انقضاء عدّتها، ولو طلقها ثلاثًا في ثلاثة أطهار، كان حكم ذلك حكم جمع الثلاث في طهر واحد. قال أحمد: طلاق السنّة واحدةٌ، ثم يتركها حتى تحيض ثلاث حِيَض، وكذلك قال مالك، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأبو عُبيد. وقال أبو حنيفة، والثوريّ: السنّة أن يطلّقها ثلاثًا في كلّ قرء تطليقة، وهو قول سائر الكوفيين، واحتجوا بحديث ابن عمر، حين قال له النبيّ ﷺ : "راجعها، ثم أمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر"، قالوا: وإنما أمره بإمساكها في هذا الطهر؛ لأنه لم يفصل بينه وبين الطلاق طهرٌ كاملٌ، فإذا مضى، ومضت الحيضة التي بعده أمره بطلاقها. وقوله في حديثه الآخر: "والسنّة أن يستقبل الطهر، فيُطلّق لكلّ قرء" (١). ثم ذكر حديث ابن مسعود المذكور في الباب. ثم قال: ولنا ما روي عن عليّ ﵁ أنه قال: لا يطلّقٌ أحد للسنّة، فيندم. رواه الأثرم. وهذا إنما يحصل في حقّ من لم يُطلّق ثلاثًا. وقال ابن سيرين: إن عليًّا ﵁ قال: لو أن الناس أخذوا بما أمر اللَّه من الطلاق ما يُتبع رجلٌ نفسَهُ امرأةً أبدًا، يطلّقها تطليقةً، ثم يدعها ما بينها وبين أن تحيض ثلاثةً، فمتى شاء راجعها. رواه النجاد بإسناده. وروى ابن عبد البرّ بإسناده عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: طلاق السنة أن يطلّقها، وهي طاهر، ثم يدعها حتى تنقضي عدّتها، أو يراجعها إن شاء.
فأما حديث ابن عمر الأول، فلا حجة لهم فيه، لأنه ليس فيه جمع الثلاث، وأما حديثه الآخر، فيحتمل أن يكون ذلك بعد ارتجاعها، ومتى ارتجع بعد الطلقة، ثم طلّقها، كان للسنّة على كلّ حال حتى قد قال أبو حنيفة: لو أمسكها لشهوة، ثم والى بين الثلاث كان مصيبا للسنّة؛ لأنه يكون مرتجعًا لها. والمعنى فيه أنه إذا ارتجعها سقط حكم الطلقة الأولى، فصارت كأنها لم توجد، ولا غنى به عن الطلقة الأخرى إذا احتاج إلى فراق امرأته، بخلاف ما إذا لم يرتجعها، فإنه مستغن عنها؛ لإفضائها إلى مقصوده من إبانتها، فافترقا؛ ولأن ما ذكروه إرداف طلاق من غير ارتجاع، فلم يكن للسنّة، كجمع الثلاث في طهر واحد، وتحريم المرأة لا يزول إلا بزوج، وإصابة من غير حاجة، فلم يكن للسنة، كجمع الثلاث.
стр. 14346
وأما الطلاق البدعيّ، فهو أن يطلق حائضًا، أو في طهر أصابها فيه، فإذا فعل ذلك أثم، ووقع الطلاق في قول عامة أهل العلم، قال ابن المنذر، وابن عبد البرّ: لم يخالف في ذلك إلا أهل البدع والضلال. وحكاه أبو نصر عن ابن عليّة، وهشام بن الحكم، والشيعة، قالوا: لا يقع طلاقه؛ لأن اللَّه تعالى أمر به في قُبُل العدّة، فإذا طلّق في غيره لم يقع، كالوكيل إذا أوقعه في زمن أمرَهُ موكّلُهُ بإيقاعه في غيره. ولنا حديث ابن عمر أنه طلّق امرأته، وهي حائض، فأمره النبيّ ﷺ أن يراجعها. وفي رواية الدارقطنيّ، قال: فقلت: يا رسول اللَّه، أفرأيت لو أني طلّقتها ثلاثًا، أكان يحلّ لي أن أراجعها؟ قال: لا، كانت تبيّن منك، وتكون معصية" (١) وقال نافعٌ: وكان عبد اللَّه طلّقها تطليقة، فحُسبت من طلاقه، وراجعها كما أمره رسول اللَّه ﷺ . ومن رواية يونس بن جُبير، عن ابن عمر، قال: قلت لابن عمر: أفتُعتدّ عليه، أو تُحتسب عليه؟ قال: نعم، أرأيت إن عجز، واستحمق، وكلّها أحاديث صحاح، ولأنه طلاقٌ من مكلّف في محلّ الطلاق، فوقع، كطلاق الحامل، ولأنه ليس بقربة، فيعتبر لوقوعه موافقة السنّة، بل هو إزالة عصمة، وقطع ملك، فإيقاعه في زمن البدعة أولى، تغليظًا عليه، وعقوبة له، أما غير الزوج، فلا يملك الطلاق، والزوج يملكه بملكه محلّه. انتهى كلام ابن قدامة -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- ببعض تصرّف (٢) وهو تحقيق نفيس. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤٢٣ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: "طَلَاقُ السُّنَّةِ أَنْ يُطَلِّقَهَا طَاهِرًا, فِي غَيْرِ جِمَاعٍ").
стр. 14347
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا كلهم رجال الصحيح، و"يحيى": هو القطّان. و"سفيان": هو الثوريّ. والحديث صحيح، سبق الكلام عليه قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣ - (بَابُ مَا يَفْعَلُ إِذَا طَلَّقَ تَطْلِيقَةً، وَهِيَ حَائِضٌ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "ما" يحتمل أن تكون موصولة، بمعنى "الذي"، و"يفعل" بالبناء للفاعل، والعائد محذوف، أي يفعله. ويحتمل أن تكون استفهاميّة مفعولاً مقدّمًا لـ "يفعل"، أي أيَّ شيء يفعل الرجل إذا طلّق امرأته الحائض تطليقة واحدة، أو تطليقتين، وإنما قيّده بتطليقة موافقةً لما في حديث الباب، وأما إذا طلّق ثلاثًا، فإنها تبيّن منه عند الجمهور، وإن كان الأصحّ أنها لا تبيّن، إن كان بلفظ واحد، على ما سيأتي تحقيقه، إن شاء اللَّه تعالى.
وجواب السؤال واضح من الحديث في قوله: "فليُراجعها"، يعني أنه يجب عليه مراجعتها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٤٢٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ, قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ, عَنْ نَافِعٍ,, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ, وَهِيَ حَائِضٌ تَطْلِيقَةً, فَانْطَلَقَ عُمَرُ, فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِذَلِكَ, فَقَالَ: لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «مُرْ عَبْدَ اللَّهِ, فَلْيُرَاجِعْهَا, فَإِذَا اغْتَسَلَتْ فَلْيَتْرُكْهَا, حَتَّى تَحِيضَ, فَإِذَا اغْتَسَلَتْ مِنْ حَيْضَتِهَا الأُخْرَى, فَلَا يَمَسَّهَا حَتَّى يُطَلِّقَهَا, فَإِنْ شَاءَ أَنْ يُمْسِكَهَا فَلْيُمْسِكْهَا, فَإِنَّهَا الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ , أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح.
والحديث متّفقٌ عليه، تقدّم شرحه، وبيان مسائله في -١/ ٣٣٩٠ - ، ودلالته على الترجمة واضحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤٢٥ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, مَوْلَى طَلْحَةَ, عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, أَنَّهُ طَلَّقَ
стр. 14348
امْرَأَتَهُ, وَهِيَ حَائِضٌ, فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «مُرْهُ, فَلْيُرَاجِعْهَا, ثُمَّ لْيُطَلِّقْهَا, وَهِيَ طَاهِرٌ, أَوْ حَامِلٌ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ترجم المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- على هذا الحديث في "الكبرى" -٣/ ٣٤٣ - "باب طلاق الحامل"، وكان الأولى أن يضعه في "المجتبى" أيضًا. واللَّه تعالى أعلم.
ورجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"سفيان": هو الثوريّ. و"محمد بن عبد الرحمن، مولى طلحة": هو القرشيّ الكوفيّ الثقة.
والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم تمام البحث فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه
أنيب".
…
٤ - (بَابُ الطَّلَاقِ لِغَيْرِ الْعِدَّةِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن غرض المصنّف بهذه الترجمة بيان حكم الطلاق الواقع في الحيض، وهو غير وقت العدّة؛ إذ العدّة تكون في الطهر، وحكمه بين في الحديث المذكور في الباب، وهو وجوب رجعتها. واللام في "لغير" بمعنى "في"، وهو على حذف مضاف، أي في غير وقت العدّة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٤٢٦ - (أَخْبَرَنِي زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ, قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ, قَالَ: (أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ, وَهِيَ حَائِضٌ, فَرَدَّهَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ , حَتَّى طَلَّقَهَا, وَهِيَ طَاهِرٌ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. و"زياد بن أيوب": هو المعروف بدلّويه". و"أبو بشر": هو جعفر بن أبي وَحْشِية إياس البصريّ الثبت. والحديث صحيح، تقدّم البحث فيه مستوفًى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه
أنيب".
стр. 14349
٥ - (الطَّلَاقُ لِغَيْرِ الْعِدَّةِ، وَمَا يُحْتَسَبُ مِنْهُ عَلَى الْمُطَلِّقِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذه الترجمة ترجيح قول من قال: إن الطلاق في الحيض واقعٌ، ومعتدٌّ به، وهو ما رجّحه الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- أيضًا، حيث قال في "صحيحه": "بابٌ إذا طُلِّقَت الحائضُ تَعتدُّ بتلك التطليقة"، ثم أورد حديث الباب من رواية أنس بن سيرين، عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -: "طلّق ابن عمر امرأته، وهي حائض … " الحديث. ومن رواية سعيد بن جبير، عن ابن عمر، قال: "حُسبت عليّ بتطليقة". وسيأتي بيان أقوال أهل العلم في المسألة الآتية قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى.
وقوله: "وما يُحتسب منه" ببناء الفعل للمفعول، ولفظ "الكبرى": "وما يُحسَبُ منه". وقوله: "المطَلِّقِ" بصيغة اسم الفاعل. واللَّه تعالى أعلم.
٣٤٢٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ مُحَمَّدٍ, عَنْ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ, قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ, عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ, وَهِيَ حَائِضٌ؟ , فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ؟ , فَإِنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ, وَهِيَ حَائِضٌ, فَسَأَلَ عُمَرُ النَّبِيَّ ﷺ , فَأَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا, ثُمَّ يَسْتَقْبِلَ عِدَّتَهَا, فَقُلْتُ لَهُ: فَيَعْتَدُّ بِتِلْكَ التَّطْلِيقَةِ؟ , فَقَالَ: مَهْ, أَرَأَيْتَ إِنْ عَجَزَ, وَاسْتَحْمَقَ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة.
و"حمّاد": هو ابن زيد. و"أيوب": هو السختيانيّ. و"محمد": هو ابن سيرين. وقوله: "هل تعرف عبد اللَّه بن عمر؟ " إنما قال له ذلك -مع أنه يعرفه، وهو الذي يُخاطبه- ليقرّره على اتباع السنّة، وعلى القبول من ناقلها، وأنه يلزم العامّة الاقتداء بمشاهير العلماء، فقرّره على ما يلزمه من ذلك، لا أنه ظنّ أنه لا يعرفه. قاله في "الفتح" (١).
وقوله: "فيعتدّ بتلك التطليقة" بتقدير الاستفهام، أي أفيعتدّ الخ، والفعل مبنيّ للفاعل، والفاعل ضمير الرجل، أي أيعتدّ ذلك الرجل الذي طلّق امرأته، وهي حائض بتلك التطليقة؟. وفي لفظ البخاريّ: "فهل عَدَّ ذلك طلاقًا؟ "، وعلى هذا فالضمير لابن عمر.
стр. 14350
وقوله: "فقال: مَهْ" قال النوويّ: يحتمل أن يكون للكفّ والزجر عن هذا القول، أي لا تشكّ في وقوع الطلاق، واجزم بوقوعه. وقال القاضي: المراد بـ "مه" "ما"، فيكون استفهامًا، أي فما يكون إن لم أحتسب بها. ومعناه لا يكون إلا الاحتساب بها، فأُبدل من الألف هاء، كما قالوا في "مهما": إن أصلها "ما ما"، أي: أيّ شيء؟. انتهى (١).
وقال في "الفتح": أصله: "فما"، وهو استفهام فيه اكتفاء، أي فما يكون، إن لم تحُتَسَب. ويحتمل أن تكون الهاء أصليّة، وهي كلمة تُقال للزجر: أي كُفّ عن هذا الكلام، فإنه لا بدّ من وقوع الطلاق بذلك. قال ابن عبد البرّ: قول ابن عمر: "فمه" معناه: فأيّ شيء يكون إذا لم يعتدّ بها، إنكارًا لقول السائل: "أيعتدّ بها؟ "، فكأنه قال: وهل من ذلك بُدٌّ.
وقوله: "أرأيت إن عجز، واستحمق"، قال النوويّ: معناه أفيرتفع عنه الطلاق، وإن عجز، واستحمق؟ وهو استفهام إنكار، وتقديره: نعم تُحسَب، ولا يمتنع احتسابها لعجزه وحماقته. قال القاضي: أي إن عجز عن الرجعة، وفعل فعل الأحمق، والقائل لهذا الكلام هو ابن عمر، صاحب القصّة، وأعاد الضمير بلفظ الغيبة، وقد بينه بعد هذه في رواية أنس بن سيرين، قال: قلت: يعني لابن عمر: فاعتددت بتلك التطليقة التي طلَّقتَ، وهي حائض؟، قال: ما لي لا أعتدّ بها؟، وإن كنتُ عجزتُ، واستحمقتُ. وجاء في غير مسلم أن ابن عمر قال: أرأيت إن كان ابن عمر عجز، واستحمق، فما يمنعه أن يكون طلاقًا انتهى (٢).
وقال في "الفتح": أي إن عجز عن فرضٍ، فلم يُقمه، أو استحمق، فلم يأت به، أيكون ذلك عذرًا له؟.
وقال الخطّابيّ: في الكلام حذفٌ، أي أرأيت إن عجز، واستحمق أَيُسقِطُ عنه الطلاقَ حُمقُهُ، أو يُبطلُهُ عجزه؟، وحذف الجواب لدلالة الكلام عليه. وقال الكرمانيّ: يحتمل أن تكون "إن" نافية بمعنى "ما"، أي لم يعجز ابن عمر، ولا استحمق؛ لأنه ليس بطفل، ولا مجنون، قال: وإن كانت الرواية بفتح ألف "أن" فمعناه أظهر، والتاء من "استحمق" مفتوحة. قاله ابن الخشّاب، وقال: المعنى فَعَل فعلاً يُصَيِّرُهُ أحمق عاجزًا، فيسقط عنه حكم الطلاق عجزه، أو حمقه، والسين والتاء فيه إشارةٌ إلى أنه تكلّف الحمق بما فعله من تطليق امرأته، وهي حائض. وقد وقع في بعض الأصول بضمّ التاء، مبنيًّا للمجهول، أي أن الناس استحمقوه بما فعل، وهو موجّهٌ. وقال المهلّب:
стр. 14351
معنى قوله: "إن عجز، واستحمق" يعني عجز في المراجعة التي أُمر بها عن إيقاع الطلاق، أو فقد عقله، فلم تمكن منه الرجعة، أتبقى المرأة معلّقةً، لا ذات بعلٍ، ولا مطلّقة؟، وقد نهى اللَّه عن ذلك، فلا بُد أن تحَتَسِبَ بتلك التطليقة التي أوقعها على غير وجهها، كما أنه لو عجز عن فرض آخر للَّه، فلم يُقمه، واستحمق، فلم يأت به ما كان يُعذر بذلك، ويسقط عنه. انتهى (١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام شرحه، وبيان مسائله في -١/ ٣٣٩٠ - ، فلم يبق إلا بيان ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، فلنبيّنه، ولنقُل:
[مسألة]: قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: أجمعت الأمة على تحريم طلاق الحائض الحائل بغير رضاها، فلو طلّقها أثم، ووقع طلاقه، ويؤمر بالرجعة؛ لحديث ابن عمر المذكور في الباب. وشذّ بعض أهل الظاهر، فقال: لا يقع طلاقه؛ لأنه غير مأذون له فيه، فأشبه طلاق الأجنبيّة، والصواب الأول، وبه قال العلماء كافّةً, ودليلهم أمره بمراجعتها، ولو لم يقع لم تكن رجعة.
[فإن قيل]: المراد بالرجعة الرجعة اللغوية، وهي الرّدّ إلى حالها الأول، لا أنه تحسب عليه طلقةٌ.
[قلنا]: هذا غلطٌ لوجهين: [أحدهما]: أن حمل اللفظ على الحقيقة الشرعيّة يُقدّم على حمله على الحقيقة اللغويّة، كما تقرّر في أصول الفقه. [الثاني]: أن ابن عمر صرّح في روايات مسلم وغيره بأنه حسبها عليه طلقة. انتهى (٢).
وقال في "الفتح": قال النوويّ: شذّ بعض أهل الظاهر، فقال: إذا طلّق الحائض لم يقع الطلاق لأنه غير مأذون فيه، فأشبه طلاق الأجنبيّة. وحكاه الخطّابيّ عن الخوارج والروافض. وقال ابن عبد البرّ: لا يخالف في ذلك إلا أهل البدع والضلال -يعني الآن. قال: وروي مثله عن بعض التابعين، وهو شذوذ، وحكاه ابن العربيّ وغيره عن ابن عُليّة -يعني إبراهيم بن إسماعيل ابن عليّة الذي قال الشافعيّ في حقّه: إبراهيم ضالٌّ، جلس في باب الضوالّ يُضلّ الناس. وكان بمصر، وله مسائل ينفرد بها، وكان من فقهاء المعتزلة. وقد غلط من ظنّ أن المنقول عنه المسائل الشاذّة أبوه، وحاشاه، فإنه من كبار أهل السنّة. وكان النوويّ أراد ببعض الظاهريّة ابنَ حزم، فإنه ممن جرّد القول بذلك، وانتصر له، وبالغ، وأجاب عن أمر ابن عمر بالمراجعة بأن ابن عمر كان اجتنبها، فأمره أن يُعيدها إليه على ما كانت عليه من المعاشرة، فحمل المراجعة على
стр. 14352
معناها اللغويّ. وتُعُقّب بأن الحمل على الحقيقة الشرعيّة مقدّمٌ على اللغويّة اتفاقًا. وأجاب عن قول ابن عمر: "حسبت عليّ بتطليقة" بأنه لم يُصرّح بمن حسبها عليه، ولا حجة في أحد دون رسول اللَّه ﷺ . وتُعُقّب بأن مثل قول الصحابيّ: "أمرنا في عهد رسول اللَّه بكذا"، فإنه ينصرف إلى من له الأمر حينئذ، وهو النبيّ ﷺ ، كذا قال بعض الشرّاح. قال الحافظ: وعندي أنه لا ينبغي أن يجيء فيه الخلاف الذي في قول الصحابيّ: أمرنا بكذا، فإن ذلك محلّه حيث يكون اطلاع النبيّ ﷺ على ذلك ليس صريحًا، وليس كذلك في قصّة ابن عمر هذه، فإن النبيّ ﷺ هو الآمر بالمراجعة، وهو المرشد لابن عمر فيما يَفعل إذا أراد طلاقها بعد ذلك، وإذا أخبر ابن عمر أن الذي وقع منه حُسبت عليه بتطليقة كان احتمال أن يكون الذي حسبها غير النبيّ ﷺ بعيدًا جدًّا مع احتفاف القرائن في هذه القصّة بذلك، وكيف يتخيّل أن ابن عمر يفعل في القصّة شيئًا برأيه، وهو ينقل أن النبيّ ﷺ تغيّظ من صنيعه، كيف لم يشاوره فيما يفعل في القصّة المذكورة. وقد أخرج ابن وهب في "مسنده" عن ابن أبي ذئب أن نافعًا أخبره: "أن ابن عمر طلّق امرأته، وهي حائض، فسأل عمر رسول اللَّه ﷺ عن ذلك، فقال: مره، فليُراجعها، ثم يُمسكها حتى تطهر"، قال ابن أبي ذئب في الحديث عن النبيّ ﷺ : "وهي واحدة" قال ابن أبي ذئب: وحدّثني حنظلة بن أبي سفيان أنه سمع سالمًا يُحدّث، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ بذلك. وأخرجه الدارقطنيّ من طريق يزيد بن هارون، عن ابن أبي ذئب، وابن إسحاق جميعًا، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ ﷺ ، قال: "هي واحدة"، وهذا نصٌّ في موضع الخلاف، فيجب المصير إليه.
وأورده بعض العلماء على ابن حزم، فأجابه بأن قوله: "هي واحدة" لعله ليس من كلام النبيّ ﷺ ، فألزمه بأنه نقض أصله لأن الأصل لا يدفع بالاحتمال. وعند الدارقطنيّ في رواية شعبة، عن أنس بن سيرين، عن ابن عمر في القصّة: "فقال عمر: يا رسول اللَّه، أفتحتسب بتلك التطليقة؟ قال: نعم". ورجاله إلى شعبة ثقات. وعنده من طريق سعيد بن عبد الرحمن الْجُمَحيّ، عن عُبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رجلاً قال: إني طلّقت امرأتي البتّةَ، وهي حائضٌ، فقال: عصيت ربّك، وفارقت امرأتك، قال: فإن رسول اللَّه ﷺ أمر ابن عمر أن يراجعها بطلاق بقي له، وأنت لم تُبق ما ترتجع به امرأتك". وفي هذا السياق ردٌّ على من حمل الرجعة في قصّة ابن عمر على المعنى اللغويّ. وقد وافق ابنَ حزم على ذلك من المتأخّرين ابنُ تيميّةَ، وله كلام طويلٌ في تقرير ذلك، والانتصار له، وأعظم ما احتجّوا به ما وقع في رواية أبي الزبير، عن ابن عمر عند مسلم، وأبي داود، والنسائيّ، وفيه: فقال له رسول اللَّه ﷺ : "ليُراجعها،
стр. 14353
فردّها، وقال: إذا طهرت فليُطلّق، أو يمسك"، لفظ مسلم، وللنسائيّ، وأبي داود: "فردّها عليّ"، زاد أبو داود: "ولم يرها شيئًا"، وإسناده على شرط الصحيح، فإن مسلمًا أخرجه من رواية حجاج بن محمد، عن ابن جريج، وساقه على لفظه، ثم أخرجه من رواية أبي عاصم، عنه، وقال: نحو هذه القصّة، ثم أخرجه من رواية عبد الرزّاق، عن ابن جريج، قال: مثل حديث حجاج، وفيه بعض الزيادة، فأشار إلى هذه الزيادة، ولعلّه طوى ذكرها عمدًا. وقد أخرج أحمد الحديث عن رَوح بن عُبادة، عن ابن جريج، فذكرها، فلا يتخيّل انفراد عبد الرزّاق بها. قال أبو داود: روى هذا الحديث عن ابن عمر جماعة، وأحاديثهم كلّها على خلاف ما قال أبو الزبير. وقال ابن عبد البرّ: قوله: "ولم يرها شيئًا" منكرٌ، لم يقله غير أبي الزبير، وليس بحجة فيما خالفه فيه مثله، فكيف بمن هو أثبت منه، ولو صحّ فمعناه عندي -واللَّه أعلم-: ولم يرها شيئًا مستقيمًا؛ لكونها لم تقع على السنّة. وقال الخطّابيّ: قال أهل الحديث: لم يرو أبو الزبير حديثًا منكرًا من هذا، وقد يحتمل أن يكون معناه: ولم يرها شيئًا تحرم معه المراجعة، أو لم يرها شيئًا جائزًا في السنّة، ماضيًا في الاختيار، وإن كان لازمًا له مع الكراهة.
ونقل البيهقيّ في "المعرفة" عن الشافعيّ أنه ذكر رواية أبي الزبير، فقال: نافعٌ أثبتُ من أبي الزبير، والأثبت من الحديثين أولى أن يؤخذ به إذا تخالفا، وقد وافق نافعًا غيره من أهل الثبت، قال: وبسط الشافعيّ القول في ذلك، وحمل قوله: "لم يرها شيئًا" على أنه لم يعدّها شيئًا صوابًا غير خطإ، بل يؤمر صاحبه أن لا يقيم عليه؛ لأنه أمره بالمراجعة، ولو كان طلّقها طاهرًا لم يؤمر بذلك، فهو كما يقال للرجل إذا أخطأ في فعله، أو أخطأ في جوابه: لم يصنع شيئًا، أي لم يصنع شيئًا صوابًا.
قال ابن عبد البرّ: واحتجّ بعض من ذهب إلى أن الطلاق لا يقع بما روي عن الشعبيّ، قال: إذا طلّق الرجل امرأته، وهي حائضٌ لم يعتدّ بها في قول ابن عمر. قال ابن عبد البرّ: وليس معناه ما ذهب إليه، وإنما معناه: لم تعتدّ المرأة بتلك الحيضة في العدّة، كما روي ذلك عنه منصوصَا أنه قال: يقع عليها الطلاق، ولا تعتدّ بتلك الحيضة انتهى.
وقد روى عبد الوهّاب الثقفيّ، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر نحوًا مما نقله ابن عبد البرّ، عن الشعبيّ، أخرجه ابن حزم بإسناد صحيح، والجواب عنه مثله. وروى سعيد بن منصور من طريق عبد اللَّه بن مالك، عن عمر أنه طلّق امرأته، وهي حائض، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ليس ذلك بشيء"، وهذه متابعات لأبي الزبير، إلا أنها قابلة للتأويل، وهو أولى من إلغاء الصريح في قول ابن عمر: إنها تحتسب عليه
стр. 14354
بتطليقة. وهذا الجمع الذي ذكره ابن عبد البرّ وغيره يتعيّن، وهو أولى من تغليط بعض الثقات. وأما قول ابن عمر: "إنها حُسبت عليه بتطليقة"، فإنه وإن لم يُصرّح برفع ذلك إلى النبيّ ﷺ ، فإن فيه تسليم أن ابن عمر قال: إنها حُسبت عليه، فكيف يجتمع مع هذا قوله: إنه لم يعتدّ بها، أو لم يرها شيئًا على المعنى الذي ذهب إليه المخالفون؟ لأنه إن جُعِل الضمير للنبيّ ﷺ لزم منه أن ابن عمر خالف ما حكم به النبيّ ﷺ في هذه القصّة بخصوصها؛ لأنه قال: إنها حُسبت عليه بتطليقة، فيكون من حسبها عليه خالف كونه لم يرها شيئًا، وكيف يُظنّ به ذلك، مع اهتمامه، واهتمام أبيه بسؤال النبيّ ﷺ عن ذلك ليفعل ما يأمره به؟. وإن جُعل الضمير في "لم يعتدّ بها"، أو "لم يرها" لابن عمر لزم منه التناقض في القصّة الواحدة، فيفتقر إلى الترجيح، ولا شكّ أن الأخذ بما رواه الأكثر، والأحفظ أولى من مقابله عند تعذّر الجمع عند الجمهور. واللَّه أعلم.
واحتجّ ابن القيّم لترجيح ما ذهب إليه شيخه بأقيسة، ترجع إلى مسألة أن النهي يقتضي الفساد، فقال: الطلاق ينقسم إلى حلال وحرام، فالقياس أن حرامه باطلٌ، كالنكاح، وسائر العقود، وأيضًا فكما أن النهي يقتضي التحريم، فكذلك يقتضي الفساد، وأيضًا فهو طلاقٌ مَنَعَ منه الشرع، فأفاد منه عدم جواز إيقاعه، فكذلك يفيد عدم نفوذه، وإلا لم يكن للمنع فائدة؛ لأن الزوج لو وكّل رجلاً أن يطلّق امرأته على وجه، فطلّقها على غير الوجه المأذون فيه لم ينفذ، فكذلك لم يأذن الشارع للمكلّف في الطلاق إلا إذا كان مباحًا، فإذا طلّق طلاقًا محرّمًا لم يصحّ. وأيضًا فكلّ ما حرّمه اللَّه من العقود مطلوب الإعدام، فالحكم ببطلان ما حرّمه أقرب إلى تحصيل هذا المطلوب من تصحيحه" ومعلومٌ أن الحلال المأذون فيه ليس كالحرام الممنوع منه، ثم أطال من هذا الجنس بمعارضات كثيرة، لا تنهض مع التنصيص على صريح الأمر بالرجعة، فإنها فرع وقوع الطلاق على تصريح صاحب القصّة بانها حسبت عليه تطليقةٌ، والقياس في معارضة النصّ فاسد الاعتبار. واللَّه أعلم.
وقد عورض بقياس أحسن من قياسه، فقال ابن عبد البرّ: ليس الطلاق من أعمال البرّ التي يُتقرّب بها، وإنما هو إزالة عصمة فيها حقّ آدميّ، فكيفما أوقعه وقع، سواء أُجر في ذلك، أم أثم، ولو لزم المطيع، ولم يلزم العاصي لكان العاصي أخفّ حالاً من
المطيع.
ثم قال ابن القيّم: لم يَرِد التصريح بأن ابن عمر احتسب بتلك التطليقة إلا في رواية سعيد بن جبير عنه، عند البخاريّ، وليس فيها تصريحٌ بالرفع، قال: فانفراد سعيد بن جبير بذلك كانفراد أبي الزبير بقوله: "لم يرها شيئًا"، فإما أن يتساقطا، وإما أن ترجّحوا
стр. 14355
رواية أبي الزبير؛ لتصريحها بالرفع، وتُحمل رواية سعيد بن جبير على أن أباه هو الذي حسبها عليه بعد موت النبيّ ﷺ في الوقت الذي ألزم الناس فيه بالطلاق الثلاث، بعد أن كانوا في زمن النبيّ ﷺ لا يحتسب عليهم به ثلاثًا، إذا كان بلفظ واحد.
قال الحافظ: وغفل ﵀ عما ثبت في "صحيح مسلم" من رواية أنس بن سيرين على وفاق ما روى سعيد بن جبير، وفي سياقه ما يُشعر بأنه إنما راجعها في زمن النبيّ ﷺ ، ولفظه: "سألت ابن عمر عن امرأته التي طلّق، فقال: طلّقتها، وهي حائض، فذكر ذلك عمر للنبيّ ﷺ ، فقال: "مره فليراجعها، فإذا طهرت، فليُطلّقها لطهرها، قال: فراجعتها، ثم طلّقتها لطهرها، قلت: فاعتددت بتلك التطليقة، وهي حائض؟ فقال: ما لي لا أعتدّ بها، وإن كنت عجزت، واستحمقت". وعند مسلم أيضًا من طريق ابن أخي ابن شهاب، عن عمه، عن سالم في حديث الباب: "وكان عبد اللَّه بن عمر طلّقها تطليقة، فحسبت من طلاقها، فراجعها كما أمره رسول اللَّه ﷺ "، وله من رواية الزبيديّ، عن ابن شهاب "قال ابن عمر: فراجعتها، وحسبت لها التطليقة التي طلّقتها"، وعند الشافعيّ عن مسلم بن خالد، عن ابن جريج "أنهم أرسلوا إلى نافع يسألونه، هل حسبت تطليقة ابن عمر على عهد النبيّ ﷺ ؟ فقال: نعم".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: فقد أجاد الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في هذا التحرير والتقرير الذي ساقه في هذه المسألة، من الروايات المختلفة فيها، والتوفيق بينها بما ساقه من أقوال أهل العلم، فتبيّن بذلك أن الحقّ ما ذهب إليه الجمهور من وقوع الطلاق في حالة الحيض، مع كونه مخالفًا للسنّة.
ولقد أجاد البحث الشيخ ناصر الدين الألباني حفظه اللَّه تعالى في كتابه "إرواء الغليل" حيث استوفى معظم الروايات المختلفة لحديث ابن عمر هذا، وتكلّم عليها بكلام مفصّل نفيس جدًّا، ثم قال في آخر بحثه:
فإذا نظر المتأمل في طرق هذين القسمين، وفي ألفاظهما تبيّن له بوضوح لا غُموض فيه أرجحية القسم الأول -يعني الاعتداد بتلك التطليقة- على الآخر -يعني عدم الاعتداد بها- وذلك لوجهين:
(الأول): كثرة الطرق، فإنها ستة: ثلاث منها مرفوعة، وثلاث أخرى موقوفة، واثنان من الثلاث الأولى صحيحةٌ، والأخرى ضعيفة. وأما القسم الآخر، فكلّ طرقه ثلاث: اثنان منها صحيحة أيضًا، والأخرى ضعيفة، فتقابلت المرفوعات في القسمين قوّةً وضعفًا، وبقي في القسم الأول الموقوفات الثلاث فضلة، يترجّح بها على القسم الآخر، لا سيّما وهي في حكم المرفوع؛ لأن معناها أن عبد اللَّه بن عمر عمل بما في