← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 14351–14390 · переход к 14356.

стр. 14351

معنى قوله: "إن عجز، واستحمق" يعني عجز في المراجعة التي أُمر بها عن إيقاع الطلاق، أو فقد عقله، فلم تمكن منه الرجعة، أتبقى المرأة معلّقةً، لا ذات بعلٍ، ولا مطلّقة؟، وقد نهى اللَّه عن ذلك، فلا بُد أن تحَتَسِبَ بتلك التطليقة التي أوقعها على غير وجهها، كما أنه لو عجز عن فرض آخر للَّه، فلم يُقمه، واستحمق، فلم يأت به ما كان يُعذر بذلك، ويسقط عنه. انتهى (١). والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام شرحه، وبيان مسائله في -١/ ٣٣٩٠ - ، فلم يبق إلا بيان ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، فلنبيّنه، ولنقُل: [مسألة]: قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: أجمعت الأمة على تحريم طلاق الحائض الحائل بغير رضاها، فلو طلّقها أثم، ووقع طلاقه، ويؤمر بالرجعة؛ لحديث ابن عمر المذكور في الباب. وشذّ بعض أهل الظاهر، فقال: لا يقع طلاقه؛ لأنه غير مأذون له فيه، فأشبه طلاق الأجنبيّة، والصواب الأول، وبه قال العلماء كافّةً, ودليلهم أمره بمراجعتها، ولو لم يقع لم تكن رجعة. [فإن قيل]: المراد بالرجعة الرجعة اللغوية، وهي الرّدّ إلى حالها الأول، لا أنه تحسب عليه طلقةٌ. [قلنا]: هذا غلطٌ لوجهين: [أحدهما]: أن حمل اللفظ على الحقيقة الشرعيّة يُقدّم على حمله على الحقيقة اللغويّة، كما تقرّر في أصول الفقه. [الثاني]: أن ابن عمر صرّح في روايات مسلم وغيره بأنه حسبها عليه طلقة. انتهى (٢). وقال في "الفتح": قال النوويّ: شذّ بعض أهل الظاهر، فقال: إذا طلّق الحائض لم يقع الطلاق لأنه غير مأذون فيه، فأشبه طلاق الأجنبيّة. وحكاه الخطّابيّ عن الخوارج والروافض. وقال ابن عبد البرّ: لا يخالف في ذلك إلا أهل البدع والضلال -يعني الآن. قال: وروي مثله عن بعض التابعين، وهو شذوذ، وحكاه ابن العربيّ وغيره عن ابن عُليّة -يعني إبراهيم بن إسماعيل ابن عليّة الذي قال الشافعيّ في حقّه: إبراهيم ضالٌّ، جلس في باب الضوالّ يُضلّ الناس. وكان بمصر، وله مسائل ينفرد بها، وكان من فقهاء المعتزلة. وقد غلط من ظنّ أن المنقول عنه المسائل الشاذّة أبوه، وحاشاه، فإنه من كبار أهل السنّة. وكان النوويّ أراد ببعض الظاهريّة ابنَ حزم، فإنه ممن جرّد القول بذلك، وانتصر له، وبالغ، وأجاب عن أمر ابن عمر بالمراجعة بأن ابن عمر كان اجتنبها، فأمره أن يُعيدها إليه على ما كانت عليه من المعاشرة، فحمل المراجعة على

стр. 14352

معناها اللغويّ. وتُعُقّب بأن الحمل على الحقيقة الشرعيّة مقدّمٌ على اللغويّة اتفاقًا. وأجاب عن قول ابن عمر: "حسبت عليّ بتطليقة" بأنه لم يُصرّح بمن حسبها عليه، ولا حجة في أحد دون رسول اللَّه ﷺ . وتُعُقّب بأن مثل قول الصحابيّ: "أمرنا في عهد رسول اللَّه بكذا"، فإنه ينصرف إلى من له الأمر حينئذ، وهو النبيّ ﷺ ، كذا قال بعض الشرّاح. قال الحافظ: وعندي أنه لا ينبغي أن يجيء فيه الخلاف الذي في قول الصحابيّ: أمرنا بكذا، فإن ذلك محلّه حيث يكون اطلاع النبيّ ﷺ على ذلك ليس صريحًا، وليس كذلك في قصّة ابن عمر هذه، فإن النبيّ ﷺ هو الآمر بالمراجعة، وهو المرشد لابن عمر فيما يَفعل إذا أراد طلاقها بعد ذلك، وإذا أخبر ابن عمر أن الذي وقع منه حُسبت عليه بتطليقة كان احتمال أن يكون الذي حسبها غير النبيّ ﷺ بعيدًا جدًّا مع احتفاف القرائن في هذه القصّة بذلك، وكيف يتخيّل أن ابن عمر يفعل في القصّة شيئًا برأيه، وهو ينقل أن النبيّ ﷺ تغيّظ من صنيعه، كيف لم يشاوره فيما يفعل في القصّة المذكورة. وقد أخرج ابن وهب في "مسنده" عن ابن أبي ذئب أن نافعًا أخبره: "أن ابن عمر طلّق امرأته، وهي حائض، فسأل عمر رسول اللَّه ﷺ عن ذلك، فقال: مره، فليُراجعها، ثم يُمسكها حتى تطهر"، قال ابن أبي ذئب في الحديث عن النبيّ ﷺ : "وهي واحدة" قال ابن أبي ذئب: وحدّثني حنظلة بن أبي سفيان أنه سمع سالمًا يُحدّث، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ بذلك. وأخرجه الدارقطنيّ من طريق يزيد بن هارون، عن ابن أبي ذئب، وابن إسحاق جميعًا، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ ﷺ ، قال: "هي واحدة"، وهذا نصٌّ في موضع الخلاف، فيجب المصير إليه. وأورده بعض العلماء على ابن حزم، فأجابه بأن قوله: "هي واحدة" لعله ليس من كلام النبيّ ﷺ ، فألزمه بأنه نقض أصله لأن الأصل لا يدفع بالاحتمال. وعند الدارقطنيّ في رواية شعبة، عن أنس بن سيرين، عن ابن عمر في القصّة: "فقال عمر: يا رسول اللَّه، أفتحتسب بتلك التطليقة؟ قال: نعم". ورجاله إلى شعبة ثقات. وعنده من طريق سعيد بن عبد الرحمن الْجُمَحيّ، عن عُبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رجلاً قال: إني طلّقت امرأتي البتّةَ، وهي حائضٌ، فقال: عصيت ربّك، وفارقت امرأتك، قال: فإن رسول اللَّه ﷺ أمر ابن عمر أن يراجعها بطلاق بقي له، وأنت لم تُبق ما ترتجع به امرأتك". وفي هذا السياق ردٌّ على من حمل الرجعة في قصّة ابن عمر على المعنى اللغويّ. وقد وافق ابنَ حزم على ذلك من المتأخّرين ابنُ تيميّةَ، وله كلام طويلٌ في تقرير ذلك، والانتصار له، وأعظم ما احتجّوا به ما وقع في رواية أبي الزبير، عن ابن عمر عند مسلم، وأبي داود، والنسائيّ، وفيه: فقال له رسول اللَّه ﷺ : "ليُراجعها،

стр. 14353

فردّها، وقال: إذا طهرت فليُطلّق، أو يمسك"، لفظ مسلم، وللنسائيّ، وأبي داود: "فردّها عليّ"، زاد أبو داود: "ولم يرها شيئًا"، وإسناده على شرط الصحيح، فإن مسلمًا أخرجه من رواية حجاج بن محمد، عن ابن جريج، وساقه على لفظه، ثم أخرجه من رواية أبي عاصم، عنه، وقال: نحو هذه القصّة، ثم أخرجه من رواية عبد الرزّاق، عن ابن جريج، قال: مثل حديث حجاج، وفيه بعض الزيادة، فأشار إلى هذه الزيادة، ولعلّه طوى ذكرها عمدًا. وقد أخرج أحمد الحديث عن رَوح بن عُبادة، عن ابن جريج، فذكرها، فلا يتخيّل انفراد عبد الرزّاق بها. قال أبو داود: روى هذا الحديث عن ابن عمر جماعة، وأحاديثهم كلّها على خلاف ما قال أبو الزبير. وقال ابن عبد البرّ: قوله: "ولم يرها شيئًا" منكرٌ، لم يقله غير أبي الزبير، وليس بحجة فيما خالفه فيه مثله، فكيف بمن هو أثبت منه، ولو صحّ فمعناه عندي -واللَّه أعلم-: ولم يرها شيئًا مستقيمًا؛ لكونها لم تقع على السنّة. وقال الخطّابيّ: قال أهل الحديث: لم يرو أبو الزبير حديثًا منكرًا من هذا، وقد يحتمل أن يكون معناه: ولم يرها شيئًا تحرم معه المراجعة، أو لم يرها شيئًا جائزًا في السنّة، ماضيًا في الاختيار، وإن كان لازمًا له مع الكراهة. ونقل البيهقيّ في "المعرفة" عن الشافعيّ أنه ذكر رواية أبي الزبير، فقال: نافعٌ أثبتُ من أبي الزبير، والأثبت من الحديثين أولى أن يؤخذ به إذا تخالفا، وقد وافق نافعًا غيره من أهل الثبت، قال: وبسط الشافعيّ القول في ذلك، وحمل قوله: "لم يرها شيئًا" على أنه لم يعدّها شيئًا صوابًا غير خطإ، بل يؤمر صاحبه أن لا يقيم عليه؛ لأنه أمره بالمراجعة، ولو كان طلّقها طاهرًا لم يؤمر بذلك، فهو كما يقال للرجل إذا أخطأ في فعله، أو أخطأ في جوابه: لم يصنع شيئًا، أي لم يصنع شيئًا صوابًا. قال ابن عبد البرّ: واحتجّ بعض من ذهب إلى أن الطلاق لا يقع بما روي عن الشعبيّ، قال: إذا طلّق الرجل امرأته، وهي حائضٌ لم يعتدّ بها في قول ابن عمر. قال ابن عبد البرّ: وليس معناه ما ذهب إليه، وإنما معناه: لم تعتدّ المرأة بتلك الحيضة في العدّة، كما روي ذلك عنه منصوصَا أنه قال: يقع عليها الطلاق، ولا تعتدّ بتلك الحيضة انتهى. وقد روى عبد الوهّاب الثقفيّ، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر نحوًا مما نقله ابن عبد البرّ، عن الشعبيّ، أخرجه ابن حزم بإسناد صحيح، والجواب عنه مثله. وروى سعيد بن منصور من طريق عبد اللَّه بن مالك، عن عمر أنه طلّق امرأته، وهي حائض، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ليس ذلك بشيء"، وهذه متابعات لأبي الزبير، إلا أنها قابلة للتأويل، وهو أولى من إلغاء الصريح في قول ابن عمر: إنها تحتسب عليه

стр. 14354

بتطليقة. وهذا الجمع الذي ذكره ابن عبد البرّ وغيره يتعيّن، وهو أولى من تغليط بعض الثقات. وأما قول ابن عمر: "إنها حُسبت عليه بتطليقة"، فإنه وإن لم يُصرّح برفع ذلك إلى النبيّ ﷺ ، فإن فيه تسليم أن ابن عمر قال: إنها حُسبت عليه، فكيف يجتمع مع هذا قوله: إنه لم يعتدّ بها، أو لم يرها شيئًا على المعنى الذي ذهب إليه المخالفون؟ لأنه إن جُعِل الضمير للنبيّ ﷺ لزم منه أن ابن عمر خالف ما حكم به النبيّ ﷺ في هذه القصّة بخصوصها؛ لأنه قال: إنها حُسبت عليه بتطليقة، فيكون من حسبها عليه خالف كونه لم يرها شيئًا، وكيف يُظنّ به ذلك، مع اهتمامه، واهتمام أبيه بسؤال النبيّ ﷺ عن ذلك ليفعل ما يأمره به؟. وإن جُعل الضمير في "لم يعتدّ بها"، أو "لم يرها" لابن عمر لزم منه التناقض في القصّة الواحدة، فيفتقر إلى الترجيح، ولا شكّ أن الأخذ بما رواه الأكثر، والأحفظ أولى من مقابله عند تعذّر الجمع عند الجمهور. واللَّه أعلم. واحتجّ ابن القيّم لترجيح ما ذهب إليه شيخه بأقيسة، ترجع إلى مسألة أن النهي يقتضي الفساد، فقال: الطلاق ينقسم إلى حلال وحرام، فالقياس أن حرامه باطلٌ، كالنكاح، وسائر العقود، وأيضًا فكما أن النهي يقتضي التحريم، فكذلك يقتضي الفساد، وأيضًا فهو طلاقٌ مَنَعَ منه الشرع، فأفاد منه عدم جواز إيقاعه، فكذلك يفيد عدم نفوذه، وإلا لم يكن للمنع فائدة؛ لأن الزوج لو وكّل رجلاً أن يطلّق امرأته على وجه، فطلّقها على غير الوجه المأذون فيه لم ينفذ، فكذلك لم يأذن الشارع للمكلّف في الطلاق إلا إذا كان مباحًا، فإذا طلّق طلاقًا محرّمًا لم يصحّ. وأيضًا فكلّ ما حرّمه اللَّه من العقود مطلوب الإعدام، فالحكم ببطلان ما حرّمه أقرب إلى تحصيل هذا المطلوب من تصحيحه" ومعلومٌ أن الحلال المأذون فيه ليس كالحرام الممنوع منه، ثم أطال من هذا الجنس بمعارضات كثيرة، لا تنهض مع التنصيص على صريح الأمر بالرجعة، فإنها فرع وقوع الطلاق على تصريح صاحب القصّة بانها حسبت عليه تطليقةٌ، والقياس في معارضة النصّ فاسد الاعتبار. واللَّه أعلم. وقد عورض بقياس أحسن من قياسه، فقال ابن عبد البرّ: ليس الطلاق من أعمال البرّ التي يُتقرّب بها، وإنما هو إزالة عصمة فيها حقّ آدميّ، فكيفما أوقعه وقع، سواء أُجر في ذلك، أم أثم، ولو لزم المطيع، ولم يلزم العاصي لكان العاصي أخفّ حالاً من المطيع. ثم قال ابن القيّم: لم يَرِد التصريح بأن ابن عمر احتسب بتلك التطليقة إلا في رواية سعيد بن جبير عنه، عند البخاريّ، وليس فيها تصريحٌ بالرفع، قال: فانفراد سعيد بن جبير بذلك كانفراد أبي الزبير بقوله: "لم يرها شيئًا"، فإما أن يتساقطا، وإما أن ترجّحوا

стр. 14355

رواية أبي الزبير؛ لتصريحها بالرفع، وتُحمل رواية سعيد بن جبير على أن أباه هو الذي حسبها عليه بعد موت النبيّ ﷺ في الوقت الذي ألزم الناس فيه بالطلاق الثلاث، بعد أن كانوا في زمن النبيّ ﷺ لا يحتسب عليهم به ثلاثًا، إذا كان بلفظ واحد. قال الحافظ: وغفل ﵀ عما ثبت في "صحيح مسلم" من رواية أنس بن سيرين على وفاق ما روى سعيد بن جبير، وفي سياقه ما يُشعر بأنه إنما راجعها في زمن النبيّ ﷺ ، ولفظه: "سألت ابن عمر عن امرأته التي طلّق، فقال: طلّقتها، وهي حائض، فذكر ذلك عمر للنبيّ ﷺ ، فقال: "مره فليراجعها، فإذا طهرت، فليُطلّقها لطهرها، قال: فراجعتها، ثم طلّقتها لطهرها، قلت: فاعتددت بتلك التطليقة، وهي حائض؟ فقال: ما لي لا أعتدّ بها، وإن كنت عجزت، واستحمقت". وعند مسلم أيضًا من طريق ابن أخي ابن شهاب، عن عمه، عن سالم في حديث الباب: "وكان عبد اللَّه بن عمر طلّقها تطليقة، فحسبت من طلاقها، فراجعها كما أمره رسول اللَّه ﷺ "، وله من رواية الزبيديّ، عن ابن شهاب "قال ابن عمر: فراجعتها، وحسبت لها التطليقة التي طلّقتها"، وعند الشافعيّ عن مسلم بن خالد، عن ابن جريج "أنهم أرسلوا إلى نافع يسألونه، هل حسبت تطليقة ابن عمر على عهد النبيّ ﷺ ؟ فقال: نعم". قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: فقد أجاد الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في هذا التحرير والتقرير الذي ساقه في هذه المسألة، من الروايات المختلفة فيها، والتوفيق بينها بما ساقه من أقوال أهل العلم، فتبيّن بذلك أن الحقّ ما ذهب إليه الجمهور من وقوع الطلاق في حالة الحيض، مع كونه مخالفًا للسنّة. ولقد أجاد البحث الشيخ ناصر الدين الألباني حفظه اللَّه تعالى في كتابه "إرواء الغليل" حيث استوفى معظم الروايات المختلفة لحديث ابن عمر هذا، وتكلّم عليها بكلام مفصّل نفيس جدًّا، ثم قال في آخر بحثه: فإذا نظر المتأمل في طرق هذين القسمين، وفي ألفاظهما تبيّن له بوضوح لا غُموض فيه أرجحية القسم الأول -يعني الاعتداد بتلك التطليقة- على الآخر -يعني عدم الاعتداد بها- وذلك لوجهين: (الأول): كثرة الطرق، فإنها ستة: ثلاث منها مرفوعة، وثلاث أخرى موقوفة، واثنان من الثلاث الأولى صحيحةٌ، والأخرى ضعيفة. وأما القسم الآخر، فكلّ طرقه ثلاث: اثنان منها صحيحة أيضًا، والأخرى ضعيفة، فتقابلت المرفوعات في القسمين قوّةً وضعفًا، وبقي في القسم الأول الموقوفات الثلاث فضلة، يترجّح بها على القسم الآخر، لا سيّما وهي في حكم المرفوع؛ لأن معناها أن عبد اللَّه بن عمر عمل بما في

стр. 14356

المرفوع، فلا شكّ أن ذلك مما يعطي المرفوع قوّةَ على قوّة كما هو ظاهر. (والوجه الآخر): قوّة دلالة القسم الأول على المراد دلالة صريحةً لا تقبل التأويل، بخلاف القسم الآخر، فهو ممكن التأويل بمثل قول الإمام الشافعيّ: "ولم يرها شيئًا" أي صوابًا، وليس نصًّا في أنه لم يرها طلاقًا، بخلاف القسم الأول، فهو نصّ في أنه رآها طلاقًا، فوجب تقديمه على القسم الآخر، وقد اعترف ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى- بهذا، ولكنه شكّ في صحّة المرفوع من هذا القسم، فقال: وأما قوله في حديث ابن وهب، عن ابن أبي ذئب في آخره: "وهي واحدة" فلعمر اللَّه، لو كانت هذه اللفظة من كلام رسول اللَّه ﷺ ما قدّمنا عليها شيئًا، ولصرنا إليها بأول وهلة، ولكن لا ندري أقالها ابن وهب من عنده، أم ابن أبي ذئب، أو نافع، فلا يجوز أن يضاف إلى رسول اللَّه ﷺ ما لا يُتيقّن أنه من كلامه، ويشهد به عليه، ونرتّب عليه الأحكام، ويقال: هذا من عند اللَّه بالوهم والاحتمال. قال الشيخ الألباني: وفي هذا الكلام صواب وخطأ. أما الصواب هو اعترافه يكون هذه اللفظة نصًّا في المسألة يجب التسليم بها، والمصير إليها لو صحّت. وأما الخطأ فهو تشككه في صحتها، وردّه لها بدعوى أنه لا يدري أقالها ابن وهب من عنده … وهذا شيء عجيب من مثله؛ لأن من المتّفق عليه بين العلماء أن الأصل قبول رواية الثقة كما رواها، وأنه لا يجوز ردّها بالاحتمالات والتشكيك، وأن طريق المعرفة هو التصديق بخبر الثقة، ألا ترى أنه يمكن للمخالف لابن القيّم أن يردّ حديثه "فردّها عليّ، ولم يرها شيئًا" بمثل الشكّ الذي أورده هو على حديث ابن وهب بالطعن في أبي الزبير، ونحو ذلك من الشكوك، وقد فعل ذلك بعض المتقدمين كما تقدّمت الإشارة إلى ذلك، وكلّ ذلك مخالفٌ للنهج العلميّ المجرد عن الانتصار لشيىء سوى الحقّ. على أن ابن وهب لم يتفرّد بإخراج الحديث، بل تابعه الطيالسيّ، كما تقدّم، فقال: حدثنا ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه طلّق امرأته، وهي حائضٌ، فأتى عمر النبيّ ﷺ ، فذكر ذلك له، فجعله واحدة". وتابعه أيضًا يزيد بن هارون، نا ابن أبي ذئب به. أخرجه الدارقطنيّ من طريق محمد بن إشكاب، وهو ثقة من شيوخ البخاريّ،- وكذا بقية الرجال ثقات- نا يزيد بن هارون. وتابع ابنَ أبي ذئب ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول اللَّه ﷺ قال: واحدة". أخرجه الدارقطنيّ أيضًا، عن عياش ابن محمد، وهو ثقة، نا أبو عاصم، عن ابن جريج، وهو إسناد صحيح، إن كان ابن

стр. 14357

جريج سمعه من نافع. وتابع نافعًا الشعبيّ بلفط أنه ﷺ قال: ثم يحتسب بالتطليقة التي طلّق أول مرّة، وهو صحيح السند، كما تقدّم. وكلّ هذه الرويات مما لم يقف عليها ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-، وظني أنه لو وقف عليها لتبدّد الشكّ الذي أبداه في رواية ابن وهب، ولصار إلى القول بما دلّ عليه الحديث من الاعتداد بطلاق الحائض. انتهى كلام الشيخ الألباني باختصار (١). وهو تحقيقٌ مهتم، ونفيس جدًّا. وخلاصة القول في المسألة أن الصحيح قول الجمهور الذين قالوا: إن طلاق الحائض يقع، دوان كان حرامًا؛ لوضوح أدلّته. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ٣٤٢٨ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ, عَنْ يُونُسَ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ, عَنْ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ, قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عُمَرَ: رَجُلٌ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ, وَهِيَ حَائِضٌ, فَقَالَ: أَتَعْرِفُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ؟ فَإِنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ, وَهِيَ حَائِضٌ, فَأَتَى عُمَرُ النَّبِيَّ ﷺ , يَسْأَلُهُ, فَأَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا, ثُمَّ يَسْتَقْبِلَ عِدَّتَهَا, قُلْتُ: لَهُ: إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ, وَهِيَ حَائِضٌ, أَيَعْتَدُّ بِتِلْكَ التَّطْلِيقَةِ, فَقَالَ: مَهْ, وَإِنْ عَجَزَ, وَاسْتَحْمَقَ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"يعقوب بن إبراهيم": هو الدورقيّ، أبو يوسف البغداديّ الحافظ. و"يونس" هو ابن عُبيد بن دينار العبديّ البصريّ. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٦ - (الثَّلَاثُ الْمَجْمُوعَةُ، وَمَا فِيهِ مِنَ التَّغْلِيظِ) ٣٤٢٩ - (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ, عَنِ ابْنِ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: سَمِعْتُ مَحْمُودَ بْنَ لَبِيدٍ, قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ, ثَلَاثَ

стр. 14358

تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعًا, فَقَامَ غَضْبَانًا, ثُمَّ قَالَ: «أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللَّهِ, وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ» , حَتَّى قَامَ رَجُلٌ, وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ, أَلَا أَقْتُلُهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سليمان بن داود) أبو الربيع المهريّ، ابن أخي رِشْدِين سعد المصريّ، ثقة [١١] ٦٣/ ٧٩. ٢ - (ابن وهب) عبد اللَّه، أبو محمد المصريّ، ثقة حافظ عابد [٩] /٩/ ٩. ٣ - (مخرمة) بن بكير بن عبد اللَّه بن الأشجّ، أبو المِسْور المدنيّ، صدوق، [٧] ٢٨/ ٤٣٨. ٤ - (أبوه) بكير بن عبد اللَّه بن الأشجّ المدنيّ، نزيل مصر، ثقة [٥] ١٣٥/ ٢١١. ٥ - (محمود بن لَبيد) الأوسيّ الأشهليّ، أبو نعيم المدنيّ، صحابيّ صغير، جلّ روايته عن الصحابة، مات سنة (٩٦) وقيل: (٧)، وله (٩٩) سنة، وتقدّمت ترجمته في ٢٨/ ٥٤٨. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، وشيخ شيخه، فمصريّان. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث عن محمود بن لَبيد - رضي اللَّه تعالى عنه - أنه (قال: أُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) ببناء الفعل للمفعول (عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتِ جَمِيعًا) أي مجموعةً مرّة واحدةً (فَقَامَ غَضْبَانًا) هكذا النسخ منصرفًا، وحقه أن يمنع من الصرف؛ للوصفيّة وزيادة الألف والنون، مع أن مؤنّثه لا يختم بالتاء، فلا يقال: غضبانة، بل يقال: غَضْبَى، كما قال ابن مالك في "الخلاصة": وَزَائِدَا فَعْلَانَ فِي وَصْفٍ سَلِمْ … مِنْ أَنَّ يُرَى بِتَاءِ تَأْنِيثٍ خُتِمْ (ثُمَّ قَالَ) ﷺ (أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللَّهِ) يحتمل أن يكون الفعل مبنيًّا للفاعل، والفاعل ضمير الرجل المطلّق، ويحتملَ أن يكون مبنيًّا للمفعول (وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُركُمْ) جملة في محلّ نصب على الحال. والمراد من كتاب اللَّه قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾، فإن معناه: التطليق الشرعيّ تطليقةٌ بعد تطليقة، على التفريق، دون الجمع، والإرسال مرّة واحدةً، ولم يرد بالمرّتين التثنية، ومثله قوله

стр. 14359

تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾، أي كرّة بعد كرّة، لا كرّتين اثنين. ومعنى قوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ تخيير لهم بعد أن عَلَّمَهُم كيف يُطَلِّقون بين أن يمسكوا النساء بحسن العشرة، والقيام بواجبهنّ، وبين أن يُسَرِّحوهنّ السَّرَاح الجميل الذي علّمهم. والحكمة في التفريق، دون الجمع ما بُيّنت في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ أي قد يقلب اللَّه تعالى قلب الزوج بعد الطلاق من بغضها إلى محبّتها، ومن الرغبة عنها إلى الرغبة فيها، ومن عزيمة إمضاء الطلاق إلى الندم عليه، فيراجعها. أفاده الطيبيّ (١). وقوله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ أي بالجمع بين الثلاث، والزيادة عليها، فكلاهما لعبٌ، واستهزاءٌ، والجدّ والعزيمة أن يُطلّق واحدةً، وإن أراد الثلاث ينبغي أن يفرّق. قاله السنديّ (٢). (حَتَّى قَامَ رَجُلٌ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا أَقْتُلُهُ) أي لأن اللعب بكتاب اللَّه كفر، ولم يرد أن المقصود الزجر والتوبيخ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث محمود بن لبيد - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا ضعيف؟ لعلّتين: (أحدهما): كون مخرمة لم يسمع من أبيه، وإنما يحدّث من كتابه، فقد صرّح بذلك أحمد، وابن معين، وابن المدينيّ، وابن حبّان. انظر ترجمته في "تهذيب التهذيب" (٣)، وغيره. وقد تفرّد بهذا الحديث، قال المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في "الكبرى": لا أعلم أحدًا روى هذا الحديث غير مخرمة انتهى (٤). (الثاني): أن محمود بن لَبيد لم يسمع من النبيّ ﷺ ، وإنما وُلد في عهده ﷺ . انظر ترجمته في "تهذيب التهذيب" (٥) أيضًا. وقال الحافظ في "الفتح": الحديث أخرجه النسائيّ، ورجاله ثقات، لكن محمود ابن لبيد وُلد في عهد النبيّ ﷺ ، ولم يثبت له منه سماع، وإن ذكره بعضهم في

стр. 14360

الصحابة؛ فلأجل الرؤية، وقد ترجم له أحمد في "مسنده"، وأخرج له عدّة أحاديث، ليس فيها شيء صرّح فيه بالسماع. قال: ورواية مخرمة عن أبيه عند مسلم في عدّة أحاديث، وقد قيل: لم يسمع من أبيه انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". **** ٧ - (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ) أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّة على جواز إيقاع الطلاق الثلاث مجموعة بلفظ واحد. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: محلّ استدلال المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- من حديث سهل بن سعد - رضي اللَّه تعالى عنهما - في قصّة المتلاعنين، قوله: "فطلّقها ثلاثًا، قبل أن يأمره رسول اللَّه ﷺ "، ووجه الاستدلال منه أن النبيّ ﷺ سمع طلاق الرجل ثلاثًا بلفظ واحد، فلم ينكر ذلك عليه، فدلّ على جواز إيقاع الثلاث. وتُعُقّب هذا بأن المفارقة في الملاعنة إنما هي بنفس اللعان، فلم يُصادف تطليقه إياها ثلاثًا موقعًا. وأجيب بأن الاحتجاج به من كون النبيّ ﷺ لم يُنكر عليه إيقاع الثلاث مجموعة، فلو كان ممنوعًا لأنكره عليه، وإن وقعت الفرقة بنفس اللعان. أفاده في "الفتح" (٢). وأما استدلاله بحديث فاطمة بنت قيس - رضي اللَّه تعالى عنها - ففيه نظرٌ لا يخفى؛ لأن الصحيح أن المراد بثلاث تطليقات آخر الطلقات الثلاث، لا أنه طلّقها ثلاثًا مجموعة، بدليل الروايات الأخرى التي تبيّن أنه إنما طلّقها طلقة واحدة، بقيت لها من ثلاث تطليقات، كما سبق تحقيق ذلك في -٨/ ٣٢٢٣ - "تزويج المولى العربيّة"، فقد ساقه المصنّف هناك، وفيه: "وأرسل إليها بتطديقة، هي بقيّة طلاقها … " الحديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه مهم]: اعلم أن غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا الباب إجازة الطلقات الثلاث المجموعة، وأنها واقعة، وقد ترجم الإمام البخاريّ لذلك في "صحيحه"،

стр. 14361

بقوله: "باب من أجاز طلاق الثلاث؛ لقول اللَّه تعالى: "الطلاق مرّتان، فإمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان". فقال في "الفتح": وفي الترجمة إشارة إلى أن من السلف من لم يُجز وقوع الطلاق الثلاث، فيحتمل أن يكون مراده بالمنع من كره البينونة الكبرى، وهي بإيقاع الثلاث أعمّ من أن تكون مجموعة، أو مفرّقة، ويمكن أن يُتَمَسَّكَ له بحديث: "أبغض الحلال إلى اللَّه الطلاق" (١)، وقد تقدّم في أوائل الطلاق. وأخرج سعيد بن منصور، عن أنس: "أن عمر كان إذا أُتي برجل طلّق امرأته ثلاثًا أوجع ظهره"، وسنده صحيح. ويحتمل أن يكون مراده بعدم الجواز من قال: لا يقع الطلاق إذا أوقعها مجموعة للنهي عنه، وهو قول الشيعة، وبعض أهل الظاهر، وطرد بعضهم ذلك في كلّ طلاق منهيّ، كطلاق الحائض، وهو شذوذٌ. وذهب كثير منهم إلى وقوعه مع منع جوازه، واحتجّ له بعضهم بحديث محمود بن لبيد … يعني الحديث المذكور في الباب الماضي، ثم قال بعد أن ذكر أن فيه انقطاعًا: وعلى تقدير صحة حديث محمود، فليس فيه بيان أنه هل أمضى عليه الثلاث مع إنكاره عليه إيقاعها مجموعة، أو لا؟، فأقلّ أحواله أن يدلّ على تحريم ذلك، وإن لزم، وقد تقدّم في الكلام على حديث ابن عمر في طلاق الحائض: أنه قال لمن طلّق ثلاثًا مجموعة: "عصيت ربّك، وبانت منك امرأتك"، وله ألفاظ أخرى، نحو هذه عند عبد الرزاق وغيره. وأخرج أبو داود بسند صحيح من طريق مجاهد، قال: كنت عند ابن عباس، فجاءه رجلٌ، فقال: إنه طلّق امرأته ثلاثًا، فسكت حتى ظننت أنه سيردّها إليه، فقال: ينطلق أحدكم، فيركب الأحموقة، ثم يقول: يا ابن عباس، يا ابن عبّاس، إن اللَّه قال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾، وإنك لم تتّق اللَّه، فلا أجد لك مخرجًا، عصيت ربّك، وبانت منك امرأتك". وأخرج أبو داود له متابعات، عن ابن عبّاس بنحوه. ومن القائلين بالتحريم واللزوم من قال: إذا طلّق ثلاثًا مجموعة وقعت واحدةً، وهو قول محمد بن إسحاق، صاحب "المغازي"، واحتجّ بما رواه عن داود الحُصَين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: طلّق ركانة بن عبد يزيد امرأته ثلاثًا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنًا شديدًا، فسأله النبيّ ﷺ "كيف طلّقتها؟ " قال: ثلاثًا في مجلس واحد، فقال النبيّ ﷺ : "إنما تلك واحدة، فارتَجِعْهَا إن شئت"، فارتَجًعَها. وأخرجه أحمد، وأبو يعلى، وصححه من طريق محمد بن إسحاق. وهذا الحديث نصّ في المسألة، لا يقبل التأويل الذي في غيره من الروايات الآتي ذكرها.

стр. 14362

وقد أجابوا عنه بأربعة أشياء: (أحدها): أن محمد بن إسحاق، وشيخه مختلفٌ فيهما. وأجيب بأنهم احتجّوا في عدّة من الأحكام بمثل هذا الإسناد، كحديث: "أن النبيّ ﷺ ردّ على أبي العاص بن الربيع زينب ابنته بالنكاح الأول"، وليس كلّ مختلف فيه مردودًا. (الثاني): معارضته بفتوى ابن عبّاس بوقوع الثلاث، كما تقدّم من رواية مجاهد وغيره، فلا يُظنّ بابن عبّاس أنه كان عنده هذا الحكم عن النبيّ ﷺ ، ثم يفتي بخلافه، إلا بمرجّح ظهر له، وراوي الخبر أخبر من غيره بما روى. وأجيب بأن الاعتبار برواية الراوي، لا برأيه؛ لما يطرأ رأيه من احتمال النسيان وغير ذلك. وأما كونه تمسّك بمرجّح، فلم ينحصر في المرفوع؛ لاحتمال التمسّك بتخصيص، أو تقييد، أو تأويل، وليس قول مجتهد حجةٌ على مجتهد آخر. (الثالث): أن أبا داود رجّح أن ركانة إنما طلّق امرأته البتّة، كما أخرجه هو من طريق آل بيت ركانة، وهو تعليلٌ قويّ؛ لجواز أن يكون بعض رواته حمل البتّة على الثلاث، فقال: طلّقها ثلاثًا، فبهذه النكتة يقف الاستدلال بحديث ابن عبّاس. (الرابع): أنه مذهب شاذّ، فلا يُعمل به. وأجيب بأنه نُقل عن عليّ، وابن مسعود، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير مثله، نقل ذلك ابن مغيث في "كتاب الوثائق" له، وعزاه لمحمد بن وضّاح. ونقل الغنويّ ذلك عن جماعة من مشايخ قرطبة، كمحمد بن بقيّ بن مَخْلَد، ومحمد بن عبد السلام الْخُشَنيّ، وغيرهما، ونقله ابن المنذر عن أصحاب ابن عباس، كعطاء، وطاوس، وعمرو بن دينار. ويُتعجّب من ابن التين حيث جزم بأن لزوم الثلاث لا اختلاف فيه، وإنما الاختلاف في التحريم، مع ثبوت الاختلاف كما ترى. ويقوّي حديث ابن إسحاق المذكور ما أخرجه مسلم من طريق عبد الرزّاق، عن معمر، عن عبد اللَّه بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: "كان الطلاق على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وأبي بكر، وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدةً، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناةٌ، فلو أمضيناه عليهم"، ومن طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه "أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم إنما كانت الثلاث تجُعل واحدة على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وأبي بكر، وثلاثًا من إمارة عمر؟ قال ابن عباس: نعم"، ومن طريق حمّاد بن زيد، عن أيوب، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس: "أن أبا الصهباء قال لابن عباس: ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول اللَّه ﷺ واحدةً؟ قال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر

стр. 14363

تتابع الناس في الطلاق، فأجازه عليهم". وهذه الطريقة الأخيرة أخرجها أبو داود، ولكن لم يسمّ إبراهيم بن ميسرة، وقال بدله: "عن غير واحد"، ولفظ المتن: "أما علمت أن الرجل كان إذا طلّق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة … " الحديث. فتمسّك بهذا السياق من أعلّ الحديث، وقال: إنما قال ابن عباس ذلك في غير المدخول بها. وهذا أحد الأجوبة عن هذا الحديث، وهي متعدّدة، وهو الذي رجّحه النسائيّ، حيث بوّب الباب التالي، فقال: "باب طلاق الثلاث المتفرّقة قبل الدخول بالزوجة"، وهو جواب إسحاق بن راهويه، وجماعة، وبه جزم زكريا الساجيّ من الشافعيّة، ووجّهوه بأن غير المدخول بها تَبِينُ إذا قال لها زوجها: أنت طالق، فإذا قال: ثلاثًا لغا العدد؛ لوقوعه بعد البينونة. وتعقّبه القرطبيّ بأن قوله: أنت طالق ثلاثًا كلام متّصلٌ غير منفصل، فكيفَ يصحّ جعله كلمتين، وتُعطى كلّ كلمة حكمًا؟. وقال النوويّ: أنت طالقٌ معناه أنت ذات الطلاق، وهذا اللفظ يصحّ تفسيره بالواحدة، وبالثلاث، وغير ذلك. (الجواب الثاني): دعوى شذوذ رواية طاوس، وهي طريقة البيهقيّ، فإنه ساق الروايات عن ابن عباس بلزوم الثلاث، ثم نقل عن ابن المنذر أنه لا يظنّ بابن عباس أنه يحفظ عن النبيّ ﷺ شيئًا، ويفتي بخلافه، فيتعيّن المصير إلى الترجيح، والأخذ بقول الأكثر أولى من الأخذ بقول الواحد إذا خالفهم. وقال ابن العربيّ: هذا حديث مختلف في صحته، فكيف يقدّم على الإجماع؟ قال: ويعارضه حديث محمود بن لبيد -يعني الذي أخرجه النسائيّ في الباب الماضي- فإن فيه التصريح بأن الرجل طلّق ثلاثًا مجموعة، ولم يرده النبيّ ﷺ ، بل أمضاه، كذا قال، وليس في سياق الخبر تعرّض لإمضاء ذلك، ولا لردّه. (الجواب الثالث): دعوى النسخ، فنقل البيهقيّ عن الشافعيّ أنه قال: يشبه أن يكون ابن عباس علم شيئًا نسخ ذلك، قال البيهقيّ: وُيقوّيه ما أخرجه أبو داود من طريق يزيد النحويّ، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان الرجل إذا طلّق امرأته فهو أحقّ برجعتها، وإن طلّقها ثلاثًا، فنُسِخَ ذلك. وقد أنكر المازريّ ادّعاء النسخ، فقال: زعم بعضهم أن هذا الحكم منسوخٌ، وهو غلط، فإن عمر لا يَنسخ، ولو نَسَخ -وحاشاه- لبادر الصحابة إلى إنكاره، وإن أراد القائل أنه نُسخ في زمن النبيّ ﷺ ، فلا يمتنع، لكن يخرج عن ظاهر الحديث؛ لأنه لو كان كذلك لم يجز للراوي أن يخبر ببقاء الحكم في خلافة أبي بكر، وبعض خلافة عمر.

стр. 14364

[فإن قيل]: فقد (١) يُجمِعُ الصحابة، ويقبل منهم ذلك. [قلنا]: إنما يقبل ذلك؛ لأنه يُستَدلّ بإجماعهم على ناسخ، وأما أنهم يَنسخون من تلقاء أنفسهم، فمعاذ اللَّه؛ لأنه إجماعْ على الخطإ، وهم معصومون عن ذلك. [فإن قيل]: فلعلّ النسخ إنما ظهر في زمن عمر ﵁. [قلنا]: هذا أيضًا غلطٌ؛ لأنه يكون قد حصل الإجماع على الخطإ في زمن أبي بكر، وليس انقراض العصر شرطًا في صّحة الإجماع على الراجح. قال الحافظ: نقل النوويّ هذا الفصل في "شرح مسلم"، وأقرّه، وهو متَعَقَّبٌ في مواضع: [أحدها]: أن الذي ادّعى نسخ الحكم لم يقُل: إن عمر هو الذي نَسَخَ حتى يلزم منه ما ذُكِرَ، وإنما قال: ما تقدّم يشبه أن يكون علم شيئًا من ذلك نسخ، أي اطّلع على ناسخ للحكم الذي رواه مرفوعًا، ولذلك أفتى بخلافه. وقد سَلَّم المازريّ في أثناء كلامه أن إجماعهم يدلّ على ناسخ، وهذا هو مراد من ادّعى النسخ. [الثاني]: إنكاره الخروج عن الظاهر عجيبٌ، فإن الذي يُحاول الجمع بالتأويل يرتكب خلاف الظاهر حتمًا. [الثالث]: أن تغليطه من قال: المراد ظهور النسخ عجيبٌ أيضًا؛ لأن المراد بظهوره انتشاره، وكلام ابن عباس أنه كان يُفعل في زمن أبي بكر محمول على أن الذي كان يفعله من لم يبلغه النسخ، فلا يلزم ما ذُكر من إجماعهم على الخطإ. وما أشار إليه من مسألة انقراض العصر لا يجيء هنا؛ لأن عصر الصحابة لم ينقرض في زمن أبي بكر، بل ولا عمر؛ فإن المراد بالعصر الطبقة من المجتهدين، وهم في زمن أبي بكر وعمر، بل وبعدهما طبقة واحدة. [الجواب الرابع]: دعوى الاضطراب، قال القرطبيّ في "المفهم": وقع فيه مع الاختلاف على ابن عباس الاضطراب في لفظه، وظاهر سياقه يقتضي النقل عن جميعهم وأن معظمهم كانوا يرون ذلك، والعادة في مثل هذا أن يفشو الحكم، وينتشر، فكيف ينفرد به واحد عن واحد؟ قال: فهذا الوجه يقتضي التوقّف عن العمل بظاهره، إن لم يقتض القطع ببطلانه. [الجواب الخامس]: دعوى أنه ورد في صورة خاصّة، فقال ابن سُريج وغيره: يُشبه أن يكون ورد في تكرير اللفظ، كأن يقول: أنت طالقٌ، أنت طالقٌ، أنت طالقٌ، وكانوا أوّلاً على سلامة صدورهم يُقبل منهم أنهم أرادوا التأكيد، فلما كثُر الناس في زمن عمر، وكثُر فيهم الخداع، ونحوه، مما يمنع قبول من ادّعى التأكيد حمل عمرُ اللفظ على

стр. 14365

ظاهر التكرار، فأمضاه عليهم. وهذا الجواب ارتضاه القرطبيّ، وقوّاه بقول عمر: إن الناس استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، وكذا قال النوويّ: إن هذا أصحّ الأجوبة. [الجواب السادس]: تأويل قوله: "واحدة"، وهو أن معنى قوله: "كان الثلاث واحدةً" أن الناس في زمن النبيّ ﷺ كانوا يُطلقون واحدةً، فلما كان زمن عمر كانوا يُطلّقون ثلاثًا، ومُحَصَّله أن المعنى أن الطلاق الموقع في عهد عمر ثلاثًا، كان يوقع قبل ذلك واحدةً؛ لأنهم كانوا لا يستعملون الثلاث أصلاً، أو كانوا يستعملونها نادرًا، وأما في عصر عمر، فكثُر استعمالهم لها، ومعنى قوله: فأمضاه عليهم، وأجازه، وغير ذلك أنه صنع فيه من الحكم بإيقاع الطلاق ما كان يصنع قبله. ورجّح هذا التأويل ابن العربيّ، ونسبه إلى أبي زرعة الرازيّ، وكذا أورده البيهقيّ بإسناده الصحيح إلى أبي زرعة أنه قال: معنى هذا الحديث عندي أن ما تطلّقون أنتم ثلاثًا، كانوا يطلّقون واحدةً. قال النوويّ: وعلى هذا فيكون الخبر وقع عن اختلاف عادة الناس خاصّة، لا عن تغيّر الحكم في الواحدة. فاللَّه أعلم. [الجواب السابع]: دعوى وقفه، فقال بعضهم: ليس في هذا السياق أن ذلك كان يبلغ النبيّ ﷺ ، فيُقرّه، والحجّة إنما هو في تقريره. وتُعُقّب بأن قول الصحابيّ: "كنا نفعل كذا في عهد رسول اللَّه ﷺ في حكم الرفع على الراجح؛ حملاً على أنه اطّلع على ذلك، فأقرّه؛ لتوفّر دواعيهم على السؤال عن جليل الأحكام وحقيرها. [الجواب الثامن]: حمل قوله: "ثلاثًا" على أن المراد بها لفظ البتّة، كما تقدّم في حديث ركانة سواءً، وهو من رواية ابن عباس أيضًا، قال الحافظ: وهو قويّ، ويؤيّده إدخال البخاريّ في هذا الباب الآثار التي فيها البتّة، والأحاديث التي فيها التصريح بالثلاث كأنه يشير إلى عدم الفرق بينهما، وأن البتّة إذا أطلقت حمل على الثلاث إلا إن أراد المطلق واحدة، فيقبل، فكأن بعض رواته حمل لفظ البتّة على الثلاث لاشتهار التسوية بينهما، فرواها بلفظ الثلاث، وإنما المراد لفظ البتّة، وكانوا في العصر الأول يقبلون ممن قال: أردت بالبتة الواحدة، فلما كان عهد عمر أمضى الثلاث في ظاهر الحكم. قال القرطبيّ: وحجة الجمهور في اللزوم من حيث النظر ظاهرة جدًّا، وهو أن المطلقة ثلاثًا، لا تحلّ للمطلّق حتى تنكح زوجًا غيره، ولا فرق بين مجموعها، ومفرّقها لغة وشرعًا، وما يتخيّل من الفرق صوريّ ألغاه الشرع اتفاقًا في النكاح، والعتق، والأقارير، فلو قال الوليّ: أنكحتك هؤلاء الثلاث في كلمة واحدة انعقد كما لو قال:

стр. 14366

أنكحتك هذه، وهذه، وهذه، وكذا في العتق، والإقرار، وغير ذلك من الأحكام، واحتجّ من قال: إن الثلاث إذا وقعت مجموعة حملت على الواحدة بأن من قال: أحلف باللَّه ثلاثًا، لا يعد حلفه إلا يمينًا واحدة، فليكن المطلّق مثله. وتُعُقّب باختلاف الصيغتين، فإن المطلق ينشىء طلاق امرأته، وقد جعل أمد طلاقها ثلاثًا، فإذا قال: أنت طالق ثلاثًا، فكأنه قال: أنت طالق جميع الطلاق، وأما الحلف فلا أمد لعدد أيمانه، فافترقا. قال الحافظ: وفي الجملة، فالذي وقع في هذه المسألة نظير ما وقع في مسألة المتعة سواء، أعني قول جابر: إنها كانت تفعل في عهد النبيّ ﷺ ، وأبي بكر، وصدر من خلافة عمر، قال: ثم نهانا عمر عنها، فانتهينا، فالراجح في الموضعين تحريم المتعة، وإيقاع الثلاث للإجماع الذي انعقد في عهد عمر على ذلك، ولا يحفظ أن أحدًا في عهد عمر خالفه في واحدة منهما، وقد دلّ إجماعهم على وجود ناسخ، وإن كان خفي عن بعضهم قبل ذلك حتى ظهر لجميعهم في عهد عمر، فالمخالف بعد هذا الإجماع منابذ له، والجمهور على عدم اعتبار من أحدث الاختلاف بعد الاتفاق. واللَّه أعلم. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وبعد هذا كلّه، فالذي يظهر لي أن من ذهب إلى أن الطلاق الثلاث بكلمة واحدة يُحتسب طلقة واحدةً هو الصواب؛ لثلاثة أمور: [أحدهما]: صحّة حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - المذكور، في الباب التالي، فإنه صريح في المسألة. [الثاني]: حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: حدثنا سعد بن إبراهيم، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة، مولى ابن عباس، عن ابن عباس، قال: طلّق رُكانة بن عبد يزيد، أخو المطّلب امرأته ثلاثا، في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدا، قال: فسأله رسول اللَّه ﷺ : "كيف طلقتها؟ "، قال: طلقتها ثلاثا، قال: فقال: "في مجلس واحد؟ "، قال: نعم، قال: "فإنما تلك واحدة، فارجعها إن شئت"، قال: فرجعها، فكان ابن عباس يرى أنما الطلاق عند كل طهر. فهذا الحديث رجاله ثقات، إلا أن في رواية داود بن الحصين، عن عكرمة كلامًا، لكن يؤيّده حديث ابن عبّاس السابق، فهذا الحديث نصّ في المسألة، لا يقبل التأويل، كما اعترف به الحافظ في كلامه السابق، وقد أجاب الحافظ عن الاعتراض التي أوردت عليه فيما تقدّم من كلامه، إلا اعتراضًا واحدًا، وهو ترجيح أبي داود لرواية "طلّق امرأته البتّة"، فإنه قواه.

стр. 14367

فنقول في الجواب عنه: إن هذه الرواية التي فيها "البتّة" ضعيفة، فقد أخرجه أبو داود، والترمذيّ، من طريق جرير بن حازم، عن الزبير بن سعيد، عن عبد اللَّه بن عليّ بن يزيد بن ركانة، عن أبيه، عن جده، أنه طلق امرأته البتة، فأتى رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "ما أردت؟ "، قال: واحدة، قال: "آللَّه؟ "، قال: آللَّه، قال: "هو على ما أردت". قال الترمذيّ بعد أن أخرجه: لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وسألت محمدًا -يعني البخاريّ- عن هذا الحديث، فقال فيه اضطراب انتهى. وفي إسناده الزبير بن سعيد الهاشميّ، فقد ضعّفه غير واحد. وقال عبد الحقّ الإشبيليّ في سنده: كلهم ضعيف، والزبير أضعفهم. [الثالث]: أن أقوى ما استند إليه الجمهور هو دعوى الإجماع، كما ادعاه الحافظ، فيما سبق من كلامه، وهي دعوى غير صحيحة، فقد تقدّم في كلامه السابق ما يردّ عليه، حيث كان الخلاف بين الصحابة ﵃ والتابعين قائمًا مشهورًا، كما ذكر أنه منقول عن عليّ، وابن مسعود، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، وأصحاب ابن عباس، كعطاء، وطاوس، وعمرو بن دينار، وجماعة من مشايخ قرطبة، فأين الإجماع المزعوم؟ حتى يكون حجة ملزمة. قال العلامة ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى- في "إعلام الموقّعين": وهذا خليفة رسول اللَّه ﷺ ، والصحابة كلهم معه في عصره، وثلاث سنين من عصر عمر ﵁ على هذا المذهب، فلو عدّهم العادّ بأسمائهم واحدًا بعد واحد لوجد أنهم كانوا يرون الثلاث واحدة، إما بفتوى، وإما بإقرار عليها، ولو فرض فيهم من لم يكن يرى ذلك، فإنه لم يكن منكرًا للفتوى به، بل كانوا ما بين مُفتٍ، ومُقرّ بفتيا، وساكت غير منكر، وهذا حال كلّ صحابيّ من عهد الصدّيق ﷺ إلى ثلاث سنين من خلافة عمر، وهم يزيدون على الألف قطعًا، كما ذكر يونس بن بُكير، عن ابن إسحاق، وكلّ صحابيّ من لدن خلافة الصدّيق إلى ثلاث سنين من خلافة عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، كان على أن الثلاث واحدة، فتوى، أو إقرار، أو سكوت، ولهذا ادّعى بعض أهل العلم أن هذا الإجماع قديم، ولم تجتمع الأمة -وللَّه الحمد- على خلافه، بل لم يزل فيهم من يُفتي به قرنًا بعد قرن، وإلى يومنا هذا، فأفتى به حبر الأمة عبد اللَّه بن عباس، وأفتى أيضًا بالثلاث، أفتى بهذا وبهذا، وأفتى بأنها واحدة الزبير بن العوّام، وعبد الرحمن بن عوف، حكاه عنهما ابن وضّاح، وعن عليّ، وابن مسعود روايتان، كما عن ابن عباس. وأما التابعون، فأفتى به عكرمة، وأفتى به طاوس. وأما تابعوا التابعين، فأفتى به محمد بن

стр. 14368

إسحاق، حكاه الإمام أحمد، وغيره عنه، وأفتى به خلاس بن عمرو، والحارث العكليّ. وأما أتباع تابعي التابعين، فأفتى به داود بن عليّ، وأكثر أصحابه، حكاه عنهم ابن المغلس، وابن حزم، وغيرهما، وأفتى به بعض أصحاب مالك، حكاه التلمسانيّ في "شرح التفريع" لابن حلاب قولاً لبعض المالكيّة، وأفتى به بعض الحنفيّة، حكاه أبو بكر الرازيّ عن محمد بن مقاتل، وأفتى به بعض أصحاب أحمد، حكاه شيخ الإسلام ابن تيميّة عنه، قال: وكان الجد يفتي به أحيانًا انتهى كلام ابن القيّم في "إعلام الموقعين" ٣/ ٤٥ - ٤٧. وقال في "زاد المعاد" في معرض الردّ على أدلّة الجمهور: وأما تلك المسالك التي سلكتموها في حديث أبي الصهباء، فلا يصحّ شيء منها. أما المسلك الأول، وهو انفراد مسلم بروايته، وإعراض البخاريّ عنه، فتلك شَكَاةٌ ظاهر عنه عارها، وما ضرّ ذلك الحديث انفراد مسلم به شيئًا، ثم هل تقبلون أنتم، أو أحد كمثل هذا في كلّ حديث ينفرد به مسلم عن البخاريّ، وهل قال البخاريّ قطّ: إن كلّ حديث لم أدخله في كتابي فهو باطلٌ، أو ليس بحجة، أو ضعيفٌ، وكم قد احتجّ البخاريّ بأحاديث خارج "الصحيح"، ليس لها ذكرٌ في "صحيحه"، وكم صحّح من حديث خارج عن "صحيحه"، فأما مخالفة سائر الروايات له عن ابن عباس، فلا ريب أن عن ابن عباس روايتين صحيحتين بلا شكّ: إحداهما توافق هذا الحديث، والأخرى تخالفه، فان أسقطنا رواية برواية سلم الحديث على أنه بحمد اللَّه سالم، ولو اتفقت الروايات عنه على مخالفته، فله أسوة أمثاله، وليس بأول حديث خالفه راويه، فنسألكم هل الأخذ بما رواه الصحابيّ عندكم، أو بما رآه؟، فإن قلتم: الأخذ بروايته، وهو قول جمهوركم، بل جمهور الأمة على هذا، كفيتمونا مؤونة الجواب. وإن قلتم: الأخذ برأيه، أريناكم من تناقضكم ما لا حيلة لكم في دفعه، ولا سيّما عن ابن عبّاس؛ فإنه روى حديث بَرِيرة، وتخميرها، ولم يكن بيعها طلاقًا، ورأى خلافه، وأن بيع الأمة طلاقها، فأخذتم، وأصبتم بروايته، وتركتم رأيه، فهلّا فعلتم ذلك فيما نحن فيه، وقلتم: الرواية معصومة، وقول الصحابيّ غير معصوم، ومخالفته لما رواه يحتمل احتمالات عديدة، من نسيان، أو تأويل، أو اعتقاد مُعارض راجح في ظنّه، أو اعتقاد أنه منسوخ، أو مخصوص، أو غير ذلك من الاحتمالات، فكيف يسوغ ترك روايته مع قيام هذه الاحتمالات؟ وهل هذا إلا ترك معلوم لمظنون، بل مجهول؟. قالوا: وقد روى أبو هريرة ﵁ حديثَ التسبيع من ولوغ الكلب، وأفتى بخلافه، فأخذتم بروايته، وتركتم فتواه. ولو تتبّعنا ما أخذتم فيه برواية الصحابيّ، دون فتواه لطال.

стр. 14369

قالوا: وأما دعواكم نسخ الحديث، فموقوفةٌ على ثبوت معارض، مقاوم، متراخٍ، فأين هذا؟. وأما حديث عكرمة، عن ابن عباس في نسخ المراجعة بعد الطلاق الثلاث، فلو صحّ، لم يكن فيه حجة، فإنه إنما فيه أن الرجل كان يطلّق امرأته، ويراجعها بغير عدد، فنُسخ ذلك، وقُصر على ثلاث، فيها تنقطع الرجعة، فأين في ذلك الإلزام بالثلاث بفم واحد، ثم كيف يستمرّ المنسوخ على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وأبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر، ولا تعلم به الأمة، وهو من أهمّ الأمور المتعلقة بحلّ الفروج، ثم كيف يقول عمر: إن الناس قد استعجلوا في شيء كانت لهم فيه أناةٌ، وهل للأمة أناة في المنسوخ بوجه ما؟، ثم كيف يُعارض الحديث الصحيح بهذا الذي فيه عليّ بن الحسين بن واقد، وضعفه معلوم. وأما حملكم الحديث على قول المطلّق: أنت طالقٌ، أنت طالقٌ، أنت طالقٌ، ومقصوده التأكيد بما بعد الأول، فسياق الحديث من أوله إلى آخره يردّه، فإن هذا الذي أولتم الحديثَ عليه، لا يتغيّر بوفاة رسول اللَّه ﷺ ، ولا يختلف على عهده، وعهد خلفائه، وهلمّ جرًّا إلى آخر الدهر، ومن ينويه في قصد التأكيد، لا يفرّق بين بَرّ وفاجر، وصادق وكاذب، بل يردّه إلى نيته، وكذلك من لا يقبله في الحكم لا يقبله مطلقًا، برًّا كان، أو فاجرًا. وأيضًا فإن قوله: "إن الناس قد استعجلوا، وتتايعوا في شيء كانت لهم فيه أناةٌ، فلو أمضيناه عليهم"، إخبار من عمر بأن الناس قد استعجلوا ما جعل اللَّه في فسحة منه، وشَرَعَه متراخيًا بعضه عن بعض رحمةً بهم، ورفقًا، وأناةً لهم؛ لئلا يندم مطلّقٌ، فيذهب حبيبه من يديه من أول وهلة، فيعزّ عليه تداركه، فجعل له أناةً، ومهلةً، يستعتبه فيها، ويرضيه، ويزول ما أحدثه العتب الداعي إلى الفراق، وُيراجع كلٌّ منهما الذي عليه بالمعروف، فاستعجلوا فيما جعل لهم فيه أناةٌ ومهلةٌ، وأوقعوه بفم واحد، فرأى عمر ﵁ أنه يلزمهم ما التزموه عقوبةً لهم، فإذا عَلِم المطلّق أن زوجته، وسكنه تحرم عليه من أول مرّة بجمعه الثلاث كفّ عنها، ورجع إلى الطلاق المشروع المأذون فيه، وكان هذا من تأديب عمر لرعيّته لما أكثروا من الطلاق الثلاث، كما سيأتي مزيد تقريره عند الاعتذار عن عمر ﵁ في إلزامه بالثلاث، هذا وجه الحديث الذي لا وجه له غيره، فأين هذا من تأويلكم المستكره المستبعد الذي لا توافقه ألفاظ الحديث، بل تنبو عنه، وتنافره. وأما قول من قال: إن معناه كان وقوع الطلاق الثلاث الآن على عهد رسول اللَّه ﷺ -

стр. 14370

واحدةً، فإن حقيقة هذا التأويل: كان الناس على عهد رسول اللَّه ﷺ يُطلّقون واحدةً، وعلى عهد عمر صاروا يطلّقون ثلاثًا، والتأويل إذا وصل إلى هذا الحدّ، كان من باب الإلغاز والتحريف، لا من باب بيان المراد، ولا يصحّ ذلك بوجه ما، فإن الناس ما زالوا يُطلّقون واحدة، وثلاثًا، وقد طلّق رجالٌ نساءهم على عهد رسول ﷺ ثلاثًا، فمنهم من ردّها إلى واحدة، كما في حديث عكرمة، عن ابن عباس، ومنهم من أنكر عليه، وغضب، وجعله متلاعبًا بكتاب اللَّه، ولم يُعرف ما حكم به عليهم، وفيهم من أقرّه لتأكيد التحريم الذي أوجبه اللعان، ومنهم من ألزمه بالثلاث؛ لكون ما أتى به من الطلاق آخر الثلاث، فلا يصحّ أن يقال: إن الناس ما زالوا يُطلّقون واحدةً إلى أثناء خلافة عمر، فطلَّقوا ثلاثًا، ولا يصحّ أن يقال: إنهم قد استعجلوا في شيء كانت لهم فيه أناةٌ، فنمضيه عديهم، ولا يلائم هذا الكلام الفرق بين عهد رسول اللَّه ﷺ ، وبين عهده بوجه ما، فإنه ماض منكم على عهده، وبعد عهده. ثم إن في بعض ألفاظ الحديث الصحيحة: "ألم تعلم أنه من طلّق ثلاثًا جُعلت واحدةً على عهد رسول اللَّه ﷺ ". وفي لفظ: "أما علمت أن الرجل كان إذا طلّق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدةً على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وأبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر، فقال ابن عبّاس: بلى كان الرجل إذا طلّق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها، جعلوها واحدةً على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وأبي بكر، وصدرًا من إمارة عمر، قد ما رأى الناسَ -يعني عمر- قد تتابعوا فيها، قال: أجيزوهنّ عليهم". هذا لفظ الحديث، وهو بأصحّ إسناد (١)، وهو لايحتمل ما ذكرتم من التأويل بوجه ما، ولكن هذا كله عمل من جعل الأدلّة تبعا للمذهب، فاعتقد، ثم استدلّ، وأما من جعل المذهب تبعًا للدليل، واستدلّ، ثم اعتقد، لم يمكنه هذا العمل. وأما قول من قال: ليس في الحديث بيان أن رسول اللَّه ﷺ كان هو الذي يجعل ذلك، ولا أنه علم به، وأقرّه عليه، فجوابه أن يقال سبحانك هذا بهتان عظيمٌ أن يستمرّ هذا الجعل الحرام المتضمّن لتغيير شرع اللَّه ودينه، وإباحة الفرج لمن هو عليه حرامٌ، وتحريمه على من هو عليه حلالٌ على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وأصحابه خير الخلق، وهم يفعلونه، ولا يعلمونه، ولا يعلمه هو، والوحي ينزل عليه، وهو يقرّهم عليه، فهبْ أن رسول اللَّه ﷺ لم يكن يعلمه، وكان الصحابة يعلمونه، ويبدّلون دينه وشرعه، واللَّه يعلم ذلك، ولا يوحيه إلى رسوله ﷺ ، ولا يُعلمه به، ثم يتوفّى اللَّه رسوله ﷺ ، والأمر

стр. 14371

على ذلك، فيستمرّ هذا الضلال العظيم، والخطأ المبين عندكم مدّة خلافة الصدّيق كلّها، يُعمل به، ولا يُغيَّر إلى أن فارق الصّدّيق الدنيا، واستمرّ الخطأ، والضلال المركب صدرًا من خلافة عمر، حتى رأى بعد ذلك برأيه أن يُلزم الناس بالصواب، فهل في الجهل بالصحابة، وما كانوا عليه في عهد نبيّهم ﷺ ، وخلفائه أقبح من هذا، وتاللَّه لو كان جعل الثلاث واحدةً خطأً محضًا، لكان أسهل من هذا الخطأ الذي ارتكبتموه، والتأويل الذي تأوّلتموه، ولو تركتم المسألة بهيئتها، لكان أقوى لشأنها من هذه الأدلة والأجوبة. قالوا: وليس التحاكم في هذه المسألة إلى مقلّد متعصّب، ولا هيّاب للجمهور، ولا مستوحش من التفرّد إذا كان الصواب في جانبه، وإنما التحاكم فيها إلى راسخ في العلم، قد طال فيه باعه، ورحُب بنيله ذراعه، وفرّق بين الشبهة والدليل، وتلقَّى الأحكام من نفس مشكاة الرسول، وعرف المراتب، وقام فيها بالواجب، وباشر قلبه أسرار الشريعة، وحِكَمَها الباهرة، وما تضمّنته من المصالح الباطنة والظاهرة، وخاض في مثل هذه المضايق لُججها، واستوفى من الجانبين حُججها، واللَّه المستعان، وعليه التكلان. قالوا: وأما قولكم: إذا اختلفت علينا الأحاديث، نظرنا فيما عليه الصحابة ﵃، فنعم واللَّه، وحَيَّهلَا ببرك الإسلام، وعصابة الإيمان. فَلَا تَطَلّبْ لِيَ الأَعْوَاضَ بَعْدَهُمُ … فَإِنَّ قَلْبِيَ لَا يَرْضَى بِغَيْرِهِمُ ولكن لا يليق بكم أن تدعونا إلى شيء، وتكونوا أول نافر عنه، ومخالف له، فقد توفّي النبيّ ﷺ عن أكثر من مائة ألف عين كلّهم قد رآه، وسمع منه، فهل صحّ لكم عن هؤلاء كلهم، أو عشرهم، أو عشر عشرهم، أو عشر عشر عشرهم القول بلزوم الثلاث بفم واحدة؟ هذا ولو جهدتم كلّ الجهد لم تُطيقوا نقله عن عشرين نفسًا منهم أبدًا، مع اختلاف عنهم في ذلك، فقد صحّ عن ابن عباس القولان، وصحّ عن ابن مسعود القول باللزوم، وصحّ عنه التوقّف، ولو كاثرناكم بالصحابة الذين كان الثلاث على عهدهم واحدة، لكانوا أضعاف من نُقل عنه خلاف ذلك، ونحن نكاثركم بكلّ صحابيّ مات إلى صدر من خلافة عمر، ويكفينا مقدّمهم، وخيرهم، وأفضلهم، ومن كان معه من الصحابة على عهده، بل لو شئنا لقلنا، ولصدقنا: إن هذا كان إجماعًا قديمًا، لم يَختلف فيه على عهد الصّدّيق اثنان، ولكن لم ينقرض عصر المجمعين حتى حدث الاختلاف، فلم يستقرّ الإجماع الأول، حتى صار الصحابة على قولين، واستمرّ الخلاف بين الأمة في ذلك إلى اليوم.

стр. 14372

ثم نقول: لم يخالف عمر إجماع من تقدمه، بل رأى إلزامهم بالثلاث عقوبة لهم لما علموا أنه حرام، وتتابعوا فيه، ولا ريب أن هذا سائغٌ للأئمة أن يُلزموا الناس بما ضيّقوا به على أنفسهم، ولم يَقبلوا فيه رخصة اللَّه ، وتسهيله، بل اختاروا الشدّة والعسر، فكيف بأمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ﵁، وكمال نظره للأمة، وتأديبه لهم، ولكن العقوبة تختلف باختلاف الأزمنة والأشخاص، والتمكن من العلم بتحريم الفعل المعاقب عليه، وخفائه، وأمير المؤمنين عمر ﵁ لم يقل لهم: إن هذا عن رسول اللَّه ﷺ ، وإنما هو رأيٌ رآه مصلحة للأمة، يكفّهم بها عن التسارع إلى إيقاع الثلاث، ولهذا قال: "فلو أمضيناه عليهم"، وفي لفظ آخر: "فأجيزوهنّ عليهم". أفلا يُرى أن هذا رأيٌ رآه للمصلحة، لا إخبارٌ عن رسول اللَّه ﷺ ، ولما علم ﵁ أن تلك الأناة، والرخصة نعمة من اللَّه على المطلّق، ورحمةٌ به، وإحسان إليه، وأنه قابلها بضدّها، ولم يقبل رخصة اللَّه، وما جعله له من الأناة عاقبه بأن حال بينه وبينها، وألزمه ما ألزمه من الشدّة والاستعجال، وهذا موافقٌ لقواعد الشريعة، بل هو موافقٌ لحكمة اللَّه في خلقه قدرًا وشرعًا، فإن الناس إذا تعدّوا حدوده، ولم يقفوا عندها، ضيّق عليهم ما جعله لمن اتقاه من المخرج، وقد أشار إلى هذا المعنى بعينه من قال من الصحابة للمطلّق ثلاثًا: إنك لو اتقيت اللَّه، لجعل لك مخرجًا، كما قاله ابن مسعود، وابن عباس، فهذا نظير أمير المؤمنين، ومن معه من الصحابة، لا أنه ﷺ غيّر أحكام اللَّه، وجعل حلالها حرامًا، فهذا غاية التوفيق بين النصوص، وفعل أمير المؤمنين، ومن معه، وأنتم لم يمكنكم ذلك إلا بإلغاء أحد الجانبين، فهذا نهاية أقدام الفريقين في هذا المقام الضنك، والمعترك الصعب، وباللَّه تعالى التوفيق (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وبالجملة فينبغي لمن أراد تحقيق هذه المسألة مراجعة ما كتبه العلاّمة ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى- في "زاد المعاد" ٥/ ٢٤٧ - ٢٧١، و"إعلام الموقّعين" ٣/ ٣٠ - ٤٠ - و"إغاثة اللَّهفان" ص ١٥٣ - ١٨٣. وكذا كلام شيخه شيخ الإسلام ابن تيميّة -رحمه اللَّه تعالى- في "مجموع الفتاوى" ٣٣/ ٧ - ٩ و ٩٨/ ٣٣. والحاصل أن الحقّ أنَّ من قال لزوجته أنت طالق ثلاثًا بكلمة واحدة تُحتسب عليه طلقة واحدة، لا ثلاث تطليقات. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ٣٤٣٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْقَاسِمِ, عَنْ مَالِكٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ, أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ, أَخْبَرَهُ أَنَّ عُوَيْمِرًا الْعَجْلَانِيَّ, جَاءَ إِلَى عَاصِمِ

стр. 14373

بْنِ عَدِيٍّ, فَقَالَ: أَرَأَيْتَ يَا عَاصِمُ, لَوْ أَنَّ رَجُلاً وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً, أَيَقْتُلُهُ فَيَقْتُلُونَهُ؟ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ سَلْ لِي يَا عَاصِمُ, رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؟ فَسَأَلَ عَاصِمٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ , فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَسَائِلَ, وَعَابَهَا, حَتَّى كَبُرَ عَلَى عَاصِمٍ, مَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ , فَلَمَّا رَجَعَ عَاصِمٌ إِلَى أَهْلِهِ, جَاءَهُ عُوَيْمِرٌ, فَقَالَ: يَا عَاصِمُ, مَاذَا قَالَ: لَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: عَاصِمٌ لِعُوَيْمِرٍ: لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ, قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي سَأَلْتَ (١) عَنْهَا, فَقَالَ: عُوَيْمِرٌ: وَاللَّهِ لَا أَنْتَهِي, حَتَّى أَسْأَلَ عَنْهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ , فَأَقْبَلَ عُوَيْمِرٌ, حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ وَسَطَ النَّاسِ, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ رَجُلاً, وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً, أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ؟ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : «قَدْ نَزَلَ فِيكَ, وَفِي صَاحِبَتِكَ, فَاذْهَبْ فَائْتِ بِهَا» , قَالَ: سَهْلٌ: فَتَلَاعَنَا, وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ , فَلَمَّا فَرَغَ عُوَيْمِرٌ, قَالَ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللهِ, إِنْ أَمْسَكْتُهَا, فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا, قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وسيأتي شرحه مستوفًى في أبواب اللعان، إن شاء اللَّه تعالى، وقد بينت أوّل الباب محلّ استدلال المصنّف منه، ووجه استدلاله به. و"ابن القاسم": هو عبد الرحمن الْعُتَقيّ الفقيه المصريّ، صاحب مالك. و"مالك": هو ابن أنس إمام دار الهجرة. وقوله: "فيقتلونه" أي المسلمون قصاصًا إن لم يأت بالشهود، وإن كان له ذلك عذرًا فيما بينه وبين اللَّه تعالى عند بعضهم، لكن لا يصدّق بمجرّد الدعوى في القضاء. وقوله: "فكره رسول اللَّه ﷺ "، كأنه ﷺ ما اطّلع على وقوع الواقعة، فرأى البحث عن مثله قبل الوقوع من فضول العلم، مع أنه يُخلّ في البحث عن الضروريّ. وقوله: "فتقتلونه" الخطاب للمسلمين، أو للنبيّ ﷺ ، والجمع للتعظيم. وقوله: "كذبتُ عليها إن أمسكتها" أي مقتضى ما جرى من اللعان أن لا أمسكها، إن كنت صادقًا فيما قلت، فإن أمسكتها، فكأني كنت كاذبًا فيما قلت، فلا يليق الإمساك. والخلاف في أن اللعان هل يقع به التفريق، أم لا بدّ من حكم الحاكم، سيأتي في موضعه إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٤٣١ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ

стр. 14374

الأَحْمَسِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّعْبِيُّ, قَالَ: حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ, قَالَتْ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ (١) ﷺ , فَقُلْتُ: أَنَا بِنْتُ آلِ خَالِدٍ, وَإِنَّ زَوْجِي فُلَانًا, أَرْسَلَ إِلَيَّ بِطَلَاقِي, وَإِنِّي سَأَلْتُ أَهْلَهُ النَّفَقَةَ وَالسُّكْنَى, فَأَبَوْا عَلَيَّ, قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ, إِنَّهُ قَدْ (٢) أَرْسَلَ إِلَيْهَا بِثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ, قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّمَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى لِلْمَرْأَةِ, إِذَا كَانَ لِزَوْجِهَا عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ»). قال الجامع عفا اللَّه تعالى. عنه: "أحمد بن يحيى": هو أبو جعفر الأوديّ الكوفيّ العابد الثقة [١١] ٣٨/ ١٢٧٤ من أفراد المصنّف. و"أبو نعيم": هو الفضل بن دكين. و"سعيد بن يزيد البجلي، ثم الأحمسيّ" الكوفيّ، صدوق [٧]. روى عن الشعبيّ. وعنه بكر بن بكّار، ووكيعٌ، وأبو نعيم. قال أبو حاتم: شيخٌ يُروى عنه. وقال الدوريّ: سمعت يحيى بن يزيد يروي عنه وكيع كوفيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". تفرّد به المصنّف بحديث الباب. والحديث أخرجه مسلم، وتقدّم شرحه، وبيان مسائله في -٨/ ٣٢٢٢ - فراجعه هناك تستفد. وقولها: "أنا بنت آل خالد"، أرادت به جدها، فإنها فاطمة بنت قيس بن خالد القرشية الفهريّة. وقوله: "وإن زوجي فلانًا": هو أبو عمرو بن حفص المخزوميّ، كما سيأتي في الرواية الثالثة. ومحلّ الشاهد هنا قوله: "أرسل إليها بثلاث تطليقات"، لكن تقدّم أن الصواب أنه أرسل إليها بآخر طلقات ثلاث، لا بالثلاث المجموعة، كما بُيّن في الروايات الأخرى، فلا يتمّ به الاستدلال لغرض المصنّف، وهو جواز جمع الطلقات الثلاث دفعة واحدة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٤٣٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ سَلَمَةَ, عَنِ الشَّعْبِيِّ, عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا لَيْسَ لَهَا سُكْنَى, وَلَا نَفَقَةٌ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عبد الرحمن": هو ابن مهديّ. و"سفيان": هو الثوريّ. و"سلمة": هو ابن كُهيل. والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه في الذي قبله.

стр. 14375

ومحل الاستدلال منه قوله: "المطلّقة ثلاثًا الخ"؛ ووجهه أنه يعمّ تطليقها ثلاثًا مجموعة، ومفرّقة، فيفيد جواز جمع الطلاق الثلاث، لكن الحقّ أن هذه الرواية مختصرة، من رواياتها الأخرى المطوّلة؛ لأنها قصّة واحدة، وقد تقدّم أنه ليس فيها جمع الثلاث، وإنما فيها إيقاعها متفرّقة، فلا يتمّ الاستدلال به لغرض المصنّف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٤٣٣ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ, عَنْ أَبِي عَمْرٍو -وَهُوَ الأَوْزَاعِيُّ- قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ, قَالَ: حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ, أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ الْمَخْزُومِيَّ, طَلَّقَهَا ثَلَاثًا, فَانْطَلَقَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ, فِي نَفَرٍ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ, إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ , فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ, إِنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ, طَلَّقَ فَاطِمَةَ ثَلَاثًا, فَهَلْ لَهَا نَفَقَةٌ؟ فَقَالَ: «لَيْسَ لَهَا نَفَقَةٌ, وَلَا سُكْنَى»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "بقية": هو ابن الوليد. و"يحيى": هو ابن أبي كثير. و"أبو سلمة": هو ابن عبد الرحمن بن عوف. وقوله: "فانطلق خالد بن الوليد الخ"، إنما ذهب خالد ﵁ في قضيّتها؛ لكونه من عشيرتها. واللَّه تعالى أعلم. والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق الكلام عليه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٨ - (بَابُ طَلَاقِ الثَّلَاثِ الْمُتَفَرِّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِالزَّوْجَةِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذه الترجمة تقييد حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - الذي أورده هنا، فإنه بإطلاقه يشمل المدخول بها وغير المدخول بها، فأراد أن يُبَيّن أن المراد به غير المدخول بها، وذلك لأنه وقع تقييده بها في بعض الطرق، فقد رواه أبو داود، في "سننه"، من طريق أبي النعمان -محمد بن الفضل عارم- عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن غير واحد، عن طاوس، أن

стр. 14376

رجلاً يقال له: أبو الصَّهْباء، كان كثير السؤال لابن عباس، قال: أما علمت أن الرجل، كان إذا طلّق امرأته ثلاثا، قبل أن يدخل بها، جعلوها واحدة، على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وأبي بكر، وصدرا من إمارة عمر؟، قال ابن عباس: بلى، كان الرجل إذا طلّق امرأته ثلاثا، قبل أن يدخل بها، جعلوها واحدة، على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وأبي بكر، وصدرا من إمارة عمر، فلما رأى الناس، قد تتابعوا فيها، قال: أجيزوهن عليهم. لكن هذه الرواية ضعيفة؛ لجهالة شيوخ أيوب، فلا تصلح لهذا التأويل الذي أراده المصنّف، فليُتأمّل. وقال السنديّ في "شرحه": لما كان الجمهور من السلف والخلف على وقوع الثلاث دفعة، وقد جاء في حديث رُكانة -بضمّ الراء- أنه طلّق امرأته البتّة، فقال له النبيّ ﷺ : "ما أردت إلا واحدة"، فقال: ما أردت إلا واحدة، فهذا يدلّ على أنه لو أراد الثلاث لوقعت، وإلا لم يكن لتحليفه معنى، وهذا الحديث بظاهره يدلّ على عدم وقوع الثلاث دفعةً، بل تقع واحدةً، أشار المصنّف في الترجمة إلى تأويله بأن يُحمل الثلاث في الحديث على الثلاث المتفرّقة لغير المدخول بها، وإذا طلّق غير المدخول بها ثلاثًا متفرّقة تقع الأولى، وتلغو الثانية والثالثة؛ لعدم مصادفتهما المحلّ، فهذا معنى كون الثلاث تُردّ إلى الواحدة، وعلى هذا المعنى اندفع الإشكال عن الجمهور، وحصل التوفيق بين هذا الحديث، وبين ما يقتضي وقوع الثلاث من الأدلّة، وهذا محمل دقيقٌ لهذا الحديث، إلا أنه لا يوافق ما جاء في هذا الحديث أنّ عمر ﵁ بعد ذلك أمضى الثلاث، إذ هو ما أمضى الثلاث المتفرّقة لغير المدخول بها، بل أمضى الثلاث دفعة للمدخول بها، وغير المدخول بها، فليُتأمّل، فالوجه في الجواب أنه منسوخ، وقد قرّرناه في "حاشية مسلم"، و"حاشية أبي داود". واللَّه تعالى أعلم انتهى كلام السنديّ (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد عرفت فيما سبق أن دعوى النسخ غير صحيحة، إذ لا دليل عليه. والحاصل أن تأويل المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- لحديث الباب بما ذكره في هذه الترجمة فيه نظرٌ لا يخفى، فالحقّ أن الحديث على ظاهره، فإذا طلّق الرجل امرأته المدخول بها ثلاثًا مجموعة تُحتسب واحدةً. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٤٣٤ - (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ, سُلَيْمَانُ بْنُ سَيْفٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ, عَنِ ابْنِ

стр. 14377

جُرَيْجٍ, عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ, عَنْ أَبِيهِ, أَنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ, جَاءَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ, فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ, أَلَمْ تَعْلَمْ, أَنَّ الثَّلَاثَ كَانَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ , وَأَبِي بَكْرٍ, وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ ﵄, تُرَدُّ إِلَى الْوَاحِدَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ). رجال هذا السند: ستة: ١ - (أبو داود سليمان بن سيف) بن يحيى بن درهم الطائي مولاهم الحرّاني، ثقة حافظ [١٠] ١٠٣/ ١٣٦ من أفراد المصنف. ٢ - (أبو عاصم) الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم الشيباني النبيل البصريّ، ثقة ثبت [٩] ١٩/ ٤٢٤. ٣ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ المكي، ثقة فقيه فاضل، يدلس ويرسل [٦] ٢٨/ ٣٢. ٤ - (ابن طاوس) عبد اللَّه، أبو محمد اليمانيّ ثقة فاضل عابد [٦] ١١٩/ ٥١٤. ٥ - (أبوه) طاوس بن كيسان اليمانيّ، أبو عبد الرحمن الحميري مولاهم الفارسيّ، يقال: اسمه ذكوان، وطاوس لقبه، ثقة فقيه فاضل [٣] ٢٧/ ٣١. ٦ - (ابن عباس) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. (ومنها): أن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - أحد المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَن) عبد اللَّه (بْنِ طَاوُسِ، عَنْ أَبِيهِ) طاوس بن كيسان (أَنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ) هو صُهيب البكريّ البصريّ، أو المدنيّ، مولىَ ابن عبّاس وثقة أبو زرعة، والعجلي، وذكره ابن حبّان في "الثقات". وضعفه النسائي، وله ذكر في هذا الباب، وليست له رواية (جَاءَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسِ، أَلَمْ تَعْلَمْ، أَنَّ الثَّلَاثَ كَانَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَصَدْرًا من خِلَافَةِ عُمَرَ ﵄، تُرَدُّ إِلَى الوَاحِدَةِ؟) أي تُجعل في حكم طلقة واحدة، يحلّ للمطلّق أن يراجع امرأته بعدها (قَالَ) ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - (نَعَمْ) وفي رواية لمسلم عن ابن عباس، قال: "كان الطلاق على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وأبي بكر، وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث

стр. 14378

واحدة، فقال عمر بن الخطّاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناةٌ، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم". وقوله: "أناة" -بفتح الهمزة، أي مهلة، وبقيّة استمتاع لانتظار المراجعة. قاله النوويّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٤٣٤ - وفي "الكبرى" ٩/ ٥٥٩٩. وأخرجه (م) في "الطلاق" ١٤٧٢ (د) في "الطلاق" ٢١٩٩ و٢٢٠٠، وتقدّم ما يتعلّق به من المسائل قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٩ - (الطَّلَاقُ لِلَّتِي تَنْكِحُ زَوْجًا، ثُمَّ لَا يَدْخُلُ بِهَا) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنّف بهذا بيان حكم المرأة المطلّقة ثلاثًا، إذا تزوّجت، ثم طلّقها الزوج الثاني قبل الدخول بها، هل يحلّها هذا الطلاق لزوجها الأول، أم لا؟، والجواب لا يُحلّها؛ لأن الشرط في ذلك أن يقع هذا الطلاق بعد أن يجامعها الزوج الثاني. ودلالة حديث الباب على الترجمة ظاهرة، وقد تقدّم أن استدلّ المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- به في "كتاب النكاح" -٤٣/ ٣٢٨٤ - على "النكاح الذي تحلّ به المطلّقة ثلاثًا لمطلّقها"، ووجه اختلاف الترجمتين أن النظر هناك إلى النكاح، وهنا إلى الطلاق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٤٣٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنِ الأَسْوَدِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ,

стр. 14379

فَتَزَوَّجَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ, فَدَخَلَ بِهَا, ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يُوَاقِعَهَا, أَتَحِلُّ لِلأَوَّلِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا حَتَّى يَذُوقَ الآخَرُ عُسَيْلَتَهَا, وَتَذُوقَ عُسَيْلَتَهُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. وهو مسلسلٌ بالكوفيين، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم، عن بعض: الأعمش، عن إبراهيم بن يزيد النخعي، عن الأسود بن يزيد النخعيّ. والحديث متّفقٌ عليه، وتقدّم في -٤٣/ ٣٢٨٤ - "النكاح الذي تحلّ به المطلّقة ثلاثًا لمطلّقها"، وتقدّم هناك شرحه مستوفًى، وكذا بيان مسائله. وقوله: "عن رجل طلّق امرأته" أي ثلاثًا. وقوله: "فدخل بها" أي خلا بها، سمّى الخلوة دخولاً، وليس المراد بالدخول الجماع، كما يبيّنه قوله: "ثم طلّقها قبل أن يواقعها". وقوله: "حتى يذوق الآخر" المراد به غير الأول، لا خصوص هذا الذي طلّقها، فلو تزوّجت بعد هذا غيره، فجامعها، ثم طلّقها حلّت للأول. وقوله: "عُسيلتها" تصغير عسل، وإنما أنّثه؛ لأن العسل يؤنّث، ويذكّر، وقيل: على إرادة اللذّة، والمراد لذّة الجماع، لا لذة إنزال الماء، فإن التصغير يقتضي الاكتفاء بالقليل، فلا يشترط الإنزال، كما تقدّم بحثه في الباب المذكور. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٤٣٦ - (أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ , فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ, إِنِّي نَكَحْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ, وَاللَّهِ مَا مَعَهُ إِلاَّ مِثْلَ هَذِهِ الْهُدْبَةِ, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ , لَا, حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ, وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو ثقة. والثلاثة الأولون مصريّون، والباقون مدنّيون، غير أيوب، فمكيٌّ. و"الليث": هو ابن سعد إمام أهل مصر. و"أيّوب بن موسى": هو أبو موسى الأمويّ المكيّ الثقة. وقوله: "ابن الزبير" بفتح الزاي، وكسر الباء الموحّدة. وقولها: "الهُدْبة" -بضمّ الهاء، وسكون الدال المهملة، جمعه هُدب -بضم، فسكون، وبضمّتين-: خَمْلُ الثوب. أفاده في "القاموس". وفي "زهر الربى": بضم

стр. 14380

الهاء، وإسكان الدال: طرفه الذي يُنسج انتهى. وقوله: "لا" أي لا يجوز أن ترجعي إلى رفاعة. وقوله: "حتى يذوق" أي الآخر، لا بخصوص كونه عبد الرحمن بن الزَّبِير، فإنه لا يشترط ذلك، بل لو تزوّجت بعده غيره، فجامعها، ثم طلّقها حلّت لرفاعة. والحديث متّفقٌ عليه، ومضى القول فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٠ - (طَلَاقُ الْبَتَّةِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ظاهر صنيع المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أنه المراد من قولها: "فطلّقني البتّة" أنه طلّقها بلفظ "البتّة"، فيدل على أن من طلّق بلفظ البتّة للمدخول بها يُحمَل على الثلاث، كما هو المنقول عن الإمام مالك، -رحمه اللَّه تعالى-، لكن تقدّم أن هذه الرواية محمولة على الروايات الأخرى المصرّحة، فقد جاء في "الصحيحين"، وغيرهما بلفظ: "إنها كانت عند رفاعة، فطلّقها آخر ثلاث تطليقات … "، فيكون معنى "البتّة" هنا أنه بَتَّ طلاقها، وقطعها عن حكم الرجعة، بتطليقها الطلقة الأخيرة، وهي الثالثة، فلا يدلّ على غرضه، فليُتأمّل. والحاصل أن الأصحّ في معنى قولها: "فطلّقني البتّة" أنه أبانها البينونة الكبرى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٤٣٧ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ, إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ عِنْدَهُ, فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ, إِنِّي كُنْتُ تَحْتَ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ, فَطَلَّقَنِي الْبَتَّةَ, فَتَزَوَّجْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ, وَأَنَّهُ وَاللَّهِ, يَا رَسُولَ اللهِ مَا مَعَهُ, إِلاَّ مِثْلَ هَذِهِ الْهُدْبَةِ, وَأَخَذَتْ هُدْبَةً, مِنْ جِلْبَابِهَا, وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ بِالْبَابِ, فَلَمْ يُأْذَنْ لَهُ, فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ, أَلَا تَسْمَعُ هَذِهِ, تَجْهَرُ بِمَا تَجْهَرُ بِهِ, عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ , فَقَالَ: «تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ, لَا, حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ, وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا

стр. 14381

غير مرّة. والنصف الأول منهم بصريون، والثاني مدنيون، وشيخه، أحد المشايخ التسعة الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستة بلا واسطة. وقوله: "من جلبابها" -بكسر الجيم، وسكون اللام، وموحّدتين، بينهما ألف، كسِرْداب، وبكسرتين، وتشديد الموحّدة، كسِنِمَّار-: القميصُ، وثوبٌ واسعٌ للمرأة، دون الْمِلْحَفة، أو ما تُغطّي به ثيابها، من فوقُ، كالْمِلْحَفَة، أو هو الخمار. قاله في "القاموس". وقوله: "وخالد بن سعيد بالباب، فدم يؤذن له": أي بالدخول على رسول اللَّه ﷺ ، يعني أنه ﵁ كان استأذن، فبينما هو ينتظر الإذن قبل أن يؤذن له سمع كلامها بما يُستحيى من ذكره عند رسول اللَّه ﷺ ، فلم يملك نفسه، فنادى أبا ﵁، وطلب منه أن ينكر عليها ذلك. وفي رواية للبخاريّ في "كتاب اللباس": قال: فسمع خالد بن سعيد قولها، وهو بالباب، فقال: يا أبا بكر ألا تنهى هذه عما تجهر به عند رسول اللَّه ﷺ ، فواللَّه ما يزيد رسول اللَّه ﷺ على التبسّم". قال في "الفتح": وفيه ما كان الصحابة ﵃ عليه من سلوك الأدب بحضرة النبيّ ﷺ ، وإنكارهم على من خالف ذلك بفعله، أو قوله؛ لقول خالد بن سعيد لأبي بكر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وهو جالسٌ: "ألا تنهى هذه؟ "، وإنما قال خالد ذلك؛ لأنه كان خارج الْحُجْرة، فاحتمل عنده أن يكون هناك ما يمنعه من مباشرة نهيها بنفسه، فأمر به أبا بكر ﵁؛ لكونه جالسًا عند النبيّ ﷺ ، مشاهدًا لصورة الحال، ولذلك لما رأى أبو بكر النبيّ ﷺ يتبسّم عند مقالتها لم يزجرها، وتبسّمه ﷺ كان تعجّبًا منها، إما لتصريحها بما يَستحي النساء من التصريح به غالبًا، وإما لضعف عقل النساء؟ لكون الحامل لها على ذلك شدّة بغضها للزَّوْج الثاني، ومحبّتها الرجوع إلى الزوج الأول، وُيستفاد منه وقوع ذلك انتهى (١). وخالد بن سعيد هذا هو خالد بن سعيد بن العاصي بن أميّة بن عبدشمس الأمويّ، أبو سعيد، أمه أم خالد بنت حُبَاب الثقفيّة، من السابقين الأولين. قيل: كان رابعًا، أو خامسًا، وكان سبب إسلامه رؤيا رآها أنه على شِعب نار، فأراد أبوه أن يرميه فيها، فإذا النبيّ ﷺ قد أخذ بحُجْزته، فأصبح، فأتى أبا بكر، فقال: أتّبع محمدًا ﷺ ، فإنه رسول اللَّه، فجاء، فأسلم، فبلغ أباه، فعاقبه، ومنعه القوت، ومنع إخوته من كلامه، فتعب حتى خرج بعد ذلك إلى الحبشة، فكان ممن هاجر إلى أرض الحبشة، ووُلد له هناك

стр. 14382

بنته أم خالد. واستعمله النبيّ ﷺ على صدقات بني مَذْحِج، وأمّره أبو بكر - رضي اللَّه تعالى عنهما - على مشارف الشام في الرّدّة، استُشهد يوم مَرْج الصُّفَّر (١)، وقيل: يوم أجنادين (٢). وقوله: "تجهر بما تجهر به الخ" كره سعيد ﵁ الجهر بمثل ذلك في حضرته ﷺ ؛ تعظيمًا لشأنه ﷺ ، وتحقيرًا لتلك المقالة البعيدة عن أهل الحياء. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١١ - (أَمْرُكِ بِيَدِكِ) ٣٤٣٨ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ, قَالَ: قُلْتُ لأَيُّوبَ: هَلْ عَلِمْتَ أَحَدًا قَالَ: فِي أَمْرِكِ بِيَدِكِ: أَنَّهَا ثَلَاثٌ, غَيْرَ الْحَسَنِ؟ , فَقَالَ: لَا, ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ غَفْرًا, إِلاَّ مَا حَدَّثَنِي قَتَادَةُ, عَنْ كَثِيرٍ, مَوْلَى ابْنِ سَمُرَةَ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «ثَلَاثٌ» , فَلَقِيتُ كَثِيرًا, فَسَأَلْتُهُ, فَلَمْ يَعْرِفْهُ, فَرَجَعْتُ إِلَى قَتَادَةَ, فَأَخْبَرْتُهُ, فَقَالَ: نَسِيَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَليٌّ بْنُ نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ) بن نصر بن عليّ الْجَهْضميّ، أبو الحسن البصري الصغير (٣) الحافظ، ثقة حافظ [١١] رَوَى عن وهب بن جرير بن حازم، وأبي داود الطيالسي، وعبد الصمد بن عبد الوارث، وسهل بن حماد أبي عتاب الدلال، ومحمد بن عباد الهنائي، وأبي بكر الحنفي، وعبد اللَّه بن يزيد المقري، وسليمان بن حرب، وأبي عاصم، وطائفة. ورَوَى

стр. 14383

عنه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وأبو عَمْرو المستملي، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والبخاري في غير "الجامع"، وعمر بن محمد البجيري، وأحمد بن يحيى بن زهير، وغيرهم. قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي وسألته عنه، فوثقه، وأطنب في ذكره، والثناء عليه. وقال أبو زرعة: أرجو أن يكون خلفا. وقال صالح بن محمد: ثقة صدوق. وقال الترمذي: كان حافظا صاحب حديث. وقال النسائي: نصر بن علي الجهضمي، وابنه علي ثقتان، وذكرهما ابن حبان في "الثقات"، وقال هو والنسائي وغيرهما: مات سنة خمسين ومائتين، زاد البخاريّ في "تاريخه": في شعبان. أخرج له الجماعة إلا البخاريّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٢ - (سليمان بن حرب) الأزديّ الواشحيّ، أبو أيوب البصريّ، القاضي بمكة، ثقة إمام حافظ [٩] ١٨١/ ٢٨٨. ٣ - (حماد بن زيد) بن درهم الجهضميّ أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت فقيه [٨] ٣/ ٣. ٤ - (أيوب) بن أبي تميمة السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت فقيه عابد [٥] ٤٢/ ٤٨. ٥ - (قتادة) بن دعامة السدوسيّ، أبو الخطاب البصريّ، ثقة ثبت يدلّس [٤] ٣٠/ ٣٤. ٦ - (كثير) بن أبي كثير البصريّ، مولى عبد الرحمن بن سمرة، ثقة (١) [٣]. روى عن مولاه، وابن عباس، وأبي هريرة، وابن المسيّب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي عياض، وأرسل عن عمر. وروى عنه محمد بن سيرين، ومنصور ابن المعتمر، وأيوب السختيانيّ، وعبد اللَّه بن القاسم، وقتادة. قال العجليّ: تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وذكره ابن الجوزيّ في الصحابة. وزعم عبد الحقّ تبعًا لابن حزم أنه مجهول، فتعقّبَ ذلك عليه ابن القطّان بتوثيق العجليّ. وذكره العقيليّ في "الضعفاء"، وما قال فيه شيئًا. روى له المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه في "التفسير"، وله عند المصنّف هذا الحديث فقط. ٧ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة فقيه [٣] ١/ ١.

стр. 14384

٨ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من ثمانيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير كثير، كما سبق آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى أبي سلمة. (ومنها): أن فيه أربعة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: أيوب، عن قتادة، عن كثير، عن أبي سلمة، وفيه أبو هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث عن حماد بن زيد، أنه قال (قُلْتُ: لِأَيُّوبَ) السختيانيّ (هَلْ عَلِمْتَ أَحَدًا) أي من أهل العلم (قَالَ فِي أَمْرِكِ بيَدِكِ) أي في قول الرجل لامرأته، مريدًا تفويض الطلاق إليها: أمرك بيدك، أي جعَلت أمر طلاقك بتصرّفك، فإن شئت، نفذّيه، وإن شئت اتركيه (إِنَّهَا ثَلَاثٌ) أي إن التطليقات التي تطلّق المرأة نفسها بناء على ذلك التفويض، تقع ثلاث تطليقات، بحيث لا يملك الزوج مراجعتها (غَيْرَ الْحَسَنِ؟) منصوب على الاستثناء، أي إلا الحسن بن أبي الحسن الأنصاريّ مولاهم البصريّ، الإمام الفقيه الثبت الحجة مات سنة (١١٠هـ) وقد قارب التسعين -رحمه اللَّه تعالى- (فَقَالَ) أيّوب (لَا) أي لا أعلم أحدًا قال ذلك (ثُمَّ قَالَ) أيوب (اللَّهُمَّ غَفْرًا) -بفتح الغين المعجمة، وسكون الفاء- مصدر غَفَرَ، نُصب على أنه مفعول لفعل مقدّر، أي اغفِرْ لي، أو أسألك، ونحو ذلك، وإنما طلب المغفرة، وإن كان ثبت حديث: "رُفع عن أمتي الخطأ … "، نظرًا إلى منشئه، وهو العَجَلَة المذمومة، فقد كان الأولى له أن يتأنّى في الجواب حتى يتذكر الحديث الذي ذكره له. وفي النسخة "الهنديّة": "عَفْوًا" بدل "غَفْرًا"، وإعرابه كإعرابه. (إِلَّا مَا حَدَّثَنِي قَتَادَةُ) بن دعامة (عَنْ كَثِيرٍ) بن أبي كثير (مَوْلَى) عبد الرحمن (بْنِ سَمُرَةَ) بن حبيب بن عبد شمس العبشميّ، أَبي سعيد الصحابيّ، من مسلمة الفتح، يقال: كان اسمه عبد كلال، افتتح سجستان، ثم سكن البصرة، ومات ﵁ بها سنة (٥٠هـ) أو بعدها، وتقدّم في ٢/ ١٤٦٠ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "ثَلَاثٌ") خبر لمقدّر، أي الواقع ثلاث طلقات، أو فاعل لمقدّر، أي يقع ثلاثٌ. وقد استدلّ بهذا من قال: إن من قال لامرأته: أمرك بيدك كان ذلك ثلاثًا,

стр. 14385

وسيأتي تحقيق القول في ذلك في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى. قال أيوب -رحمه اللَّه تعالى- (فَلَقِيتُ كَثِيرًا) أي شيخ قتادة (فَسَأَلْتُهُ) أي عن هذا الحديث (فَلَمْ يَعْرِفْهُ) أي لم يعرف هذا الحديث، ولا تحديثه به لقتادة، ففي رواية أبي داود: "قال أيوب: فقدم علينا كثيرٌ، فسألته، فقال: ما حدّثت بهذا قطّ" (فَرَجَعْتُ إِلَى قَتَادَةَ، فَأَخْبَرْتُهُ) بإنكار شيخه كثير الحديثَ (فَقَالَ) قتادة (نَسِيَ) وفي رواية أبي داود: "فذكرته لقتادة، فقال: بلى، ولكنّه نسي". يعني أن الشيخ نسي تحديثه به لقتادة، بعد أن حدّثه به، ومسألة نسيان الشيخ لحديثه يأتي الكلام عليها في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صححوه موقوفًا على أبي هريرة، وتكلّموا في رفعه، فقال المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-: "هَذَا حَدِيثْ مُنْكَرٌ". وقال الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى- بعد أن رواه عن شيخ المصنّف بسنده: ما نصّه: هذا حديث غريبٌ، لا نعرفه إلا من حديث سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، وسألت محمدًا -يعني البخاريّ- عن هذا الحديث؟ فقال: أخبرنا سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد بهذا، وإنما هو عن اأبي هريرة موقوفًا، ولم يَعرِف حديث أبي هريرة مرفوعًا. وكان عليّ بن نصر حافظًا، صاحب حديث انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر لي أنه صحيح مرفوعًا؛ لأن سليمان بن حرب، ثقة حافظ، فتفرّده برفعه لا يضره، فيكون زيادة ثقة، وقد أشار إلى صحّته الحافظ أبو الحسن ابن القطّان الفاسيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "كتابه الوهم والإيهام"، انظر كلامه ج٥/ ص٣٩٠ رقم الحديث ٢٥٥٨. وأما تضعيف ابن حزم، وعبد الحقّ الإشبيليّ له بجهالة كثير مولى سمرة، فمردود عليهما بأنه معروف، روى عنه جماعة، وفيهم من قيل فيه: إنه لا يروي إلا عن الثقات، وهو منصور بن المعتمر، ووثقه العجليّ، وابن حبّان، ولم يضعّفه أحد بحجة، كما أشار إليه الحافظ في "تهذيب التهذيب"، وكذا أشار ابن القطان إلى الردّ عليهما، في

стр. 14386

كتابه المذكور، وكذا تضعيف من ضعّفه بنسيان كثير أيضًا، لا يُلتفت إليه، كما أشار إلى ردّه الحافظ ابن القطّان أيضًا في كتابه المذكور. والحاصل أن الظاهر صحّة الحديث مرفوعًا، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١١/ ٣٤٣٨ - وفي "الكبرى" -١٢/ ٥٦٠٣. وأخرجه (د) في "الطلاق" ٢٢٠٤ (ت) في "الطلاق" ١١٧٨. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم فيمن قال لامرأته: أمرك بيدك: قال الإمام الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "جامعه": وقد اختلف أهل العلم في "أمرك بيدك"، فقال بعض أهل العلم، من أصحاب النبيّ ﷺ ، منهم: عمر بن الخطّاب، وعبد اللَّه بن مسعود: هي واحدة، وهو قول غير واحد من أهل العلم، من التابعين، ومن بعدهم. وقال عثمان بن عفّان، وزيد بن ثابت: القضاء ما قضت. وقال ابن عمر: إذا جعل أمرها بيدها، وطلّقت نفسها ثلاثًا، وأنكر الزوج، وقال: لم أجعل أمرها بيدها إلا واحدة، استُحلف الزوج، وكان القول قوله، مع يمنه. وذهب سفيان، وأهل الكوفة إلى قول عمر، وعبد اللَّه. وأما مالك بن أنس، فقال: القضاء ما قضت، وهو قول أحمد. وأما إسحاق، فذهب إلى قول عمر ﵁. انتهى كلام الترمذيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قول عبد اللَّه بن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - أعدل الأقوال عندي، وحاصله أن القول قول الزوج مع يمينه، فإذا طلّقت ثلاثًا، ونواه الزوج، كان ثلاثًا، وإن أنكر ذلك، وقال: لم أجعل أمرها بيدها إلا بواحدة، فالقول قوله مع يمينه، وذلك لأن الزوج هو الذي جعل الشارع له الطلاق، ولا حقّ للمرأة فيه، وإنما غاية ما في قوله: "أمرك بيدك" توكيلها في أن تطلّق نفسها، فيكون القول في ذلك قول الموكّل في الكمّ والكيف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في نسيان الشيخ الحديث بعد ما حدّث به: إذا روى ثقة عن ثقة حديثًا، ثم نفاه الشيخ، فالمختار عند المتأخّرين أنه إن كان جازمًا بنفيه، بأن قال: ما رويته، أو كَذّب عليّ، ونحوه وجب ردّه لتعارض قولهما،

стр. 14387

مع أن الجاحد هو الأصل، ولكن لا يقدح ذلك في باقي روايات الراوي عنه، ولا يثبت به جرحه؛ لأنه أيضًا مكذّب لشيخه في نفيه لذلك، وليس قبول جرح كلّ منهما أولى من الآخر، فتساقطا، فإن عاد الأصل، وحدّث به، أو حدّث فرعٌ آخر عنه، ولم يُكذّبه، فهو مقبول، صرّح به القاضي أبو بكر، والخطيب، وغيرهما. ومقابل المختار في الأول عدم ردّ الماورديّ، واختاره السمعانيّ، وعزاه الشاشيّ للشافعيّ، وحكى الهنديّ الإجماع عليه، وجزم الماورديّ، والرويانيّ بأن ذلك لا يقدح في صحّة الحديث، إلا أنه لا يجوز للفرع أن يرويه عن الأصل، فحصل ثلاثة أقوال. وثمّ قول رابع: أنهما يتعارضان، ويرجّح أحدهما بطريقه، وصار إليه إمام الحرمين. فإن قال الأصل: لا أعرفه، أو لا أذكره، أو نحوه، مما يقتض جواز نسيانه، لم يَقدح فيه. ذكره في "تقريب النواوي"، مع شرحه "تدريب الراوي" (١). وإلى هذا أشار السيوطيّ في "ألفية الحديث"، حيث قال: وَمَنْ نَفَى مَا عَنْهُ يُرْوَى فَالأَصَحُّ … إِسْقَاطُهُ لَكِنْ بِفَرْعٍ مَا قَدَحْ أَوْ قَالَ: لَا أَذْكُرُهُ وَنَحْوَ ذَا … كَأَنْ نَسِي فَصَحَّحُوا أَنْ يُؤْخَذَا قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الراجح عندي في المسأدة الأولى عدم ردّ مرويه، كما اختاره السمعانيّ، وغيره، وهو الذي اختاره السيوطيّ في "الكوكب الساطع" في الأصول، حيث قال: الْمُرتَضَى كَمَا رَأَى السَّمْعَانِي … وَصَاحِبُ الْحَاوِي مَعَ الرُّيَانِي وَخَالَفَ الأَكْثَرُ أَنَّ الأَصْلَا … إِنْ كَذّبَ الْفَرْعَ وَرَدَّ النَّقْلَا لَا يَسْقُطُ الَّذِي رَوَى وَمِنْ هُنَا … لَوْ شَهِدَا شَهَادَةً لَمْ يُهنَا أَوْ شَكَّ أَوْ ظَنَّ وَفَرْعُهُ يَقُولُ … جَزْمًا وَلَا جَرْحَ فَأَوْلَى بِالْقَبُولْ وَوَافَقَ الأَكَثَرُ ثُمَّ الأُولَى … إِنْ عَادَ لِلإِقْرَارِ خُذْ قَبُولَا راجع "الكوكب الساطع" بشرحي عليه ص٢٨٢ - ٢٨٣. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 14388

١٢ - (بَابُ إِحْلَالِ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاَثًا، وَالنِّكَاحِ الَّذِي يُحِلُّهَا بِهِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذه الترجمة بمعنى الترجمة السابقة في -٤٣/ ٣٢٨٤ - حيث قال هناك:، (النكاح الذي تَحِلُّ به المطلّقة ثلاثًا لمطلّقها"، والحديث الأول هنا هو الحديث الذي أورده هناك سندًا ومتنًا، فكان الأولى له عدم تكراره، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٤٣٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) سُفْيَانُ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ, إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ , فَقَالَتْ:: إِنَّ زَوْجِي طَلَّقَنِي, فَأَبَتَّ طَلَاقِي, وَإِنِّي تَزَوَّجْتُ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ, وَمَا مَعَهُ إِلاَّ مِثْلَ هُدْبَةِ الثَّوْبِ, فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , وَقَالَ «لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ, لَا, حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ, وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم آنفًا أن الحديث سبق في -٤٣/ ٣٢٨٤ - وَسَبَقَ هناك شرحه مستوفًى، وكذا بيان مسائله، فراجعه تستفد. و"سفيان": هو ابن عُيينة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٤٤٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنِي (٢) عُبَيْدُ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ رَجُلاً طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا, فَتَزَوَّجَتْ زَوْجًا, فَطَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا, فَسُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , أَتَحِلُّ لِلأَوَّلِ, فَقَالَ: «لَا, حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَهَا, كَمَا ذَاقَ الأَوَّلُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "يحيى": هو ابن سعيد القطّان. و"عبيد اللَّه": هو ابن عمر العمريّ. و"القاسم": هو ابن محمد بن أبي بكر الصدّيق. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق الكلام عليه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 14389

٣٤٤١ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) هُشَيْمٌ, قَالَ: أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ الْغُمَيْصَاءَ, أَوِ الرُّمَيْصَاءَ, أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ , تَشْتَكِي زَوْجَهَا, أَنَّهُ لَا يَصِلُ إِلَيْهَا, فَلَمْ يَلْبَثْ (٢) أَنْ جَاءَ زَوْجُهَا, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ, هِيَ كَاذِبَةٌ, وَهُوَ يَصِلُ إِلَيْهَا, وَلَكِنَّهَا تُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى زَوْجِهَا الأَوَّلِ, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَيْسَ ذَلِكَ, حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عليّ بن حُجر) السعديّ المروزيّ، ثقة حافظ، من صغار [٩] ١٣/ ١٣، ٢ - (هُشيم) بن بَشِير السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقة ثبت كثير الإرسال والإرسال الخفيّ [٧] ٨٨/ ١٠٩. ٣ - (يحيى بن أبي إسحاق) الحضرميّ مولاهم البصريّ النحويّ، صدوق ربما أخطأ [٥] ١/ ١٤٣٨. [تنبيه]: وقع في النسخة المصريّة: "أنبأنا يحيى عن أبي إسحاق، بتصحيف "ابن" إلى "عن"، وهو تصحيف فاحش. فتنبّه. ٤ - (سليمان بن يسار) الهلاليّ مولاهم المدنيّ، ثقة فقيه فاضل، من كبار [٣] ٢٢/ ١٥٦. ٥ - (عبيد اللَّه -مصغّرًا- ابن العبّاس) بن عبد المطّلب بن هاشم الهاشميّ، أبو محمد المدنيّ، أمه أم الفضل. رأى النبيّ ﷺ ، وروى عنه حديث الْعُسلية، وعن أبيه العبّاس. وعنه ابنه عبد اللَّه، وسليمان بن يسار، وعطاء بن أبي رباح، ومحمد بن سرين. قال ابن سعد: كان أصغر سنًّا من عبد اللَّه بسنة، وقد رأى النبيّ ﷺ ، وسمع منه، وكان سخيًّا جوادًا، وكان تاجرًا، ومات بالمدينة. قال محمد بن عمر: بَقِيَ إلى أيام يزيد بن معاوية. وقال البخاريّ، ويعقوب بن سفيان: مات زَمَنَ معاوية. وذكره البخاريّ في "الأوسط" في فصل: من مات بين الستّين إلى السبعين. وقال يعقوب بن شيبة: يُعدّ في آخر الطبقة الذين رأوا النبيّ ﷺ ، ولم يحفظوا عنه شيئًا، وكان سخيًّا جَوَادًا، استعمله عليّ على اليمن، وحجّ بالناس سنة (٣٦)، وسنة (٣٧)، ومات بالمدينة سنة (٨٧)، فكأنه عاش بضعًا وثمانين سنة. وكذا أرّخه أبو عبيد، وأبو حسّان الزياديّ، وقال خليفة: مات سنة (٥٨). وقال الزبير: حدّثني عبد اللَّه بن إبراهيم الْجُمَحِيّ، عن أبيه، قال: دخل أعرابي دار العبّاس، وفي جانبها عبد اللَّه بن عباس، لا يرجع في شيء،

стр. 14390

يُسأل عنه، وفي الجانب الآخر عُبيد اللَّه يُطعم كلّ من دخل، فقال الأعرابيّ: كلُّ من أراد الدنيا والآخرة، فعليه بدار العبّاس. وقال ابن حبّان، وابن عبد البرّ: له صحبة. وقال أبو حاتم الرازيّ: حديثه عن النبيّ ﷺ مرسلٌ، ليست له صحبة. وقد ذكره الدارقطنيّ في كتاب "الإخوة" أنه كان أصغر من أخيه عبد اللَّه بسنة. قال الحافظ: فعدى هذا يكون عمره حين مات النبيّ ﷺ اثنتي عشرة سنة على الصحيح، وروى عليّ بن عبد العزيز في "مسنده" بسند رجاله ثقات، عن عبيد اللَّه أنه كان رَدِيف النبيّ ﷺ ، فذكر قصّة. تفرّد به المصنّف بحديث الباب فقط. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: يتبيّن مما سبق أن الأصحّ إثبات الصحبة له. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: وقع في جميع نسخ "المجتبى"، و"الكبرى" التي بين يديّ: "عبد اللَّه بن عبّاس، مكبّرًا، وهو تصحيفٌ عجيب، تواردت عليه النسخ، والصواب الأول، كما أورد الحافظ أبو الحجّاج المزيّ -رحمه اللَّه تعالى- حديثه هذا في ترجمة "عبيد اللَّه بن عباس بن عبد المطّلب، أبي محمد الهاشميّ، عن النبيّ ﷺ "، وليس له عنده سوى هذا الحديث عند المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. [تنبيه آخر]: نبه الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في "الفتح" جـ١٠ صـ٥٨٣ على أن هذا التصحيف وقع عند شيخه الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذيّ"، وبناء على ذلك تعقّب على ابن عساكر، والمزّيّ أنهما لم يذكرا هذا الحديث في "الأطراف". ولا تعقّب عليهما، فإنهما ذكراه في "مسند عبيد اللَّه" بالتصغير، وهو الصواب. وقد اختُلف في سماعه من النبيّ ﷺ ، إلا أنه وُلد في عصره، فذكر لذلك في الصحابة. انتهى كلام الحافظ (١). واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير الصحابيّ، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن صحابيه من المقلّين من الرواية، فليس له إلا هذا الحديث عند المصنّف فقط. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ الْغُمَيْصَاءَ، أَوِ الرُّمَيْصَاءَ) بضم،
следующие страницы →