← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 14386–14425 · переход к 14391.

стр. 14386

كتابه المذكور، وكذا تضعيف من ضعّفه بنسيان كثير أيضًا، لا يُلتفت إليه، كما أشار إلى ردّه الحافظ ابن القطّان أيضًا في كتابه المذكور. والحاصل أن الظاهر صحّة الحديث مرفوعًا، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١١/ ٣٤٣٨ - وفي "الكبرى" -١٢/ ٥٦٠٣. وأخرجه (د) في "الطلاق" ٢٢٠٤ (ت) في "الطلاق" ١١٧٨. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم فيمن قال لامرأته: أمرك بيدك: قال الإمام الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "جامعه": وقد اختلف أهل العلم في "أمرك بيدك"، فقال بعض أهل العلم، من أصحاب النبيّ ﷺ ، منهم: عمر بن الخطّاب، وعبد اللَّه بن مسعود: هي واحدة، وهو قول غير واحد من أهل العلم، من التابعين، ومن بعدهم. وقال عثمان بن عفّان، وزيد بن ثابت: القضاء ما قضت. وقال ابن عمر: إذا جعل أمرها بيدها، وطلّقت نفسها ثلاثًا، وأنكر الزوج، وقال: لم أجعل أمرها بيدها إلا واحدة، استُحلف الزوج، وكان القول قوله، مع يمنه. وذهب سفيان، وأهل الكوفة إلى قول عمر، وعبد اللَّه. وأما مالك بن أنس، فقال: القضاء ما قضت، وهو قول أحمد. وأما إسحاق، فذهب إلى قول عمر ﵁. انتهى كلام الترمذيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قول عبد اللَّه بن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - أعدل الأقوال عندي، وحاصله أن القول قول الزوج مع يمينه، فإذا طلّقت ثلاثًا، ونواه الزوج، كان ثلاثًا، وإن أنكر ذلك، وقال: لم أجعل أمرها بيدها إلا بواحدة، فالقول قوله مع يمينه، وذلك لأن الزوج هو الذي جعل الشارع له الطلاق، ولا حقّ للمرأة فيه، وإنما غاية ما في قوله: "أمرك بيدك" توكيلها في أن تطلّق نفسها، فيكون القول في ذلك قول الموكّل في الكمّ والكيف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في نسيان الشيخ الحديث بعد ما حدّث به: إذا روى ثقة عن ثقة حديثًا، ثم نفاه الشيخ، فالمختار عند المتأخّرين أنه إن كان جازمًا بنفيه، بأن قال: ما رويته، أو كَذّب عليّ، ونحوه وجب ردّه لتعارض قولهما،

стр. 14387

مع أن الجاحد هو الأصل، ولكن لا يقدح ذلك في باقي روايات الراوي عنه، ولا يثبت به جرحه؛ لأنه أيضًا مكذّب لشيخه في نفيه لذلك، وليس قبول جرح كلّ منهما أولى من الآخر، فتساقطا، فإن عاد الأصل، وحدّث به، أو حدّث فرعٌ آخر عنه، ولم يُكذّبه، فهو مقبول، صرّح به القاضي أبو بكر، والخطيب، وغيرهما. ومقابل المختار في الأول عدم ردّ الماورديّ، واختاره السمعانيّ، وعزاه الشاشيّ للشافعيّ، وحكى الهنديّ الإجماع عليه، وجزم الماورديّ، والرويانيّ بأن ذلك لا يقدح في صحّة الحديث، إلا أنه لا يجوز للفرع أن يرويه عن الأصل، فحصل ثلاثة أقوال. وثمّ قول رابع: أنهما يتعارضان، ويرجّح أحدهما بطريقه، وصار إليه إمام الحرمين. فإن قال الأصل: لا أعرفه، أو لا أذكره، أو نحوه، مما يقتض جواز نسيانه، لم يَقدح فيه. ذكره في "تقريب النواوي"، مع شرحه "تدريب الراوي" (١). وإلى هذا أشار السيوطيّ في "ألفية الحديث"، حيث قال: وَمَنْ نَفَى مَا عَنْهُ يُرْوَى فَالأَصَحُّ … إِسْقَاطُهُ لَكِنْ بِفَرْعٍ مَا قَدَحْ أَوْ قَالَ: لَا أَذْكُرُهُ وَنَحْوَ ذَا … كَأَنْ نَسِي فَصَحَّحُوا أَنْ يُؤْخَذَا قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الراجح عندي في المسأدة الأولى عدم ردّ مرويه، كما اختاره السمعانيّ، وغيره، وهو الذي اختاره السيوطيّ في "الكوكب الساطع" في الأصول، حيث قال: الْمُرتَضَى كَمَا رَأَى السَّمْعَانِي … وَصَاحِبُ الْحَاوِي مَعَ الرُّيَانِي وَخَالَفَ الأَكْثَرُ أَنَّ الأَصْلَا … إِنْ كَذّبَ الْفَرْعَ وَرَدَّ النَّقْلَا لَا يَسْقُطُ الَّذِي رَوَى وَمِنْ هُنَا … لَوْ شَهِدَا شَهَادَةً لَمْ يُهنَا أَوْ شَكَّ أَوْ ظَنَّ وَفَرْعُهُ يَقُولُ … جَزْمًا وَلَا جَرْحَ فَأَوْلَى بِالْقَبُولْ وَوَافَقَ الأَكَثَرُ ثُمَّ الأُولَى … إِنْ عَادَ لِلإِقْرَارِ خُذْ قَبُولَا راجع "الكوكب الساطع" بشرحي عليه ص٢٨٢ - ٢٨٣. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 14388

١٢ - (بَابُ إِحْلَالِ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاَثًا، وَالنِّكَاحِ الَّذِي يُحِلُّهَا بِهِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذه الترجمة بمعنى الترجمة السابقة في -٤٣/ ٣٢٨٤ - حيث قال هناك:، (النكاح الذي تَحِلُّ به المطلّقة ثلاثًا لمطلّقها"، والحديث الأول هنا هو الحديث الذي أورده هناك سندًا ومتنًا، فكان الأولى له عدم تكراره، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٤٣٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) سُفْيَانُ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ, إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ , فَقَالَتْ:: إِنَّ زَوْجِي طَلَّقَنِي, فَأَبَتَّ طَلَاقِي, وَإِنِّي تَزَوَّجْتُ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ, وَمَا مَعَهُ إِلاَّ مِثْلَ هُدْبَةِ الثَّوْبِ, فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , وَقَالَ «لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ, لَا, حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ, وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم آنفًا أن الحديث سبق في -٤٣/ ٣٢٨٤ - وَسَبَقَ هناك شرحه مستوفًى، وكذا بيان مسائله، فراجعه تستفد. و"سفيان": هو ابن عُيينة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٤٤٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنِي (٢) عُبَيْدُ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ رَجُلاً طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا, فَتَزَوَّجَتْ زَوْجًا, فَطَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا, فَسُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , أَتَحِلُّ لِلأَوَّلِ, فَقَالَ: «لَا, حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَهَا, كَمَا ذَاقَ الأَوَّلُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "يحيى": هو ابن سعيد القطّان. و"عبيد اللَّه": هو ابن عمر العمريّ. و"القاسم": هو ابن محمد بن أبي بكر الصدّيق. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق الكلام عليه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 14389

٣٤٤١ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) هُشَيْمٌ, قَالَ: أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ الْغُمَيْصَاءَ, أَوِ الرُّمَيْصَاءَ, أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ , تَشْتَكِي زَوْجَهَا, أَنَّهُ لَا يَصِلُ إِلَيْهَا, فَلَمْ يَلْبَثْ (٢) أَنْ جَاءَ زَوْجُهَا, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ, هِيَ كَاذِبَةٌ, وَهُوَ يَصِلُ إِلَيْهَا, وَلَكِنَّهَا تُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى زَوْجِهَا الأَوَّلِ, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَيْسَ ذَلِكَ, حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عليّ بن حُجر) السعديّ المروزيّ، ثقة حافظ، من صغار [٩] ١٣/ ١٣، ٢ - (هُشيم) بن بَشِير السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقة ثبت كثير الإرسال والإرسال الخفيّ [٧] ٨٨/ ١٠٩. ٣ - (يحيى بن أبي إسحاق) الحضرميّ مولاهم البصريّ النحويّ، صدوق ربما أخطأ [٥] ١/ ١٤٣٨. [تنبيه]: وقع في النسخة المصريّة: "أنبأنا يحيى عن أبي إسحاق، بتصحيف "ابن" إلى "عن"، وهو تصحيف فاحش. فتنبّه. ٤ - (سليمان بن يسار) الهلاليّ مولاهم المدنيّ، ثقة فقيه فاضل، من كبار [٣] ٢٢/ ١٥٦. ٥ - (عبيد اللَّه -مصغّرًا- ابن العبّاس) بن عبد المطّلب بن هاشم الهاشميّ، أبو محمد المدنيّ، أمه أم الفضل. رأى النبيّ ﷺ ، وروى عنه حديث الْعُسلية، وعن أبيه العبّاس. وعنه ابنه عبد اللَّه، وسليمان بن يسار، وعطاء بن أبي رباح، ومحمد بن سرين. قال ابن سعد: كان أصغر سنًّا من عبد اللَّه بسنة، وقد رأى النبيّ ﷺ ، وسمع منه، وكان سخيًّا جوادًا، وكان تاجرًا، ومات بالمدينة. قال محمد بن عمر: بَقِيَ إلى أيام يزيد بن معاوية. وقال البخاريّ، ويعقوب بن سفيان: مات زَمَنَ معاوية. وذكره البخاريّ في "الأوسط" في فصل: من مات بين الستّين إلى السبعين. وقال يعقوب بن شيبة: يُعدّ في آخر الطبقة الذين رأوا النبيّ ﷺ ، ولم يحفظوا عنه شيئًا، وكان سخيًّا جَوَادًا، استعمله عليّ على اليمن، وحجّ بالناس سنة (٣٦)، وسنة (٣٧)، ومات بالمدينة سنة (٨٧)، فكأنه عاش بضعًا وثمانين سنة. وكذا أرّخه أبو عبيد، وأبو حسّان الزياديّ، وقال خليفة: مات سنة (٥٨). وقال الزبير: حدّثني عبد اللَّه بن إبراهيم الْجُمَحِيّ، عن أبيه، قال: دخل أعرابي دار العبّاس، وفي جانبها عبد اللَّه بن عباس، لا يرجع في شيء،

стр. 14390

يُسأل عنه، وفي الجانب الآخر عُبيد اللَّه يُطعم كلّ من دخل، فقال الأعرابيّ: كلُّ من أراد الدنيا والآخرة، فعليه بدار العبّاس. وقال ابن حبّان، وابن عبد البرّ: له صحبة. وقال أبو حاتم الرازيّ: حديثه عن النبيّ ﷺ مرسلٌ، ليست له صحبة. وقد ذكره الدارقطنيّ في كتاب "الإخوة" أنه كان أصغر من أخيه عبد اللَّه بسنة. قال الحافظ: فعدى هذا يكون عمره حين مات النبيّ ﷺ اثنتي عشرة سنة على الصحيح، وروى عليّ بن عبد العزيز في "مسنده" بسند رجاله ثقات، عن عبيد اللَّه أنه كان رَدِيف النبيّ ﷺ ، فذكر قصّة. تفرّد به المصنّف بحديث الباب فقط. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: يتبيّن مما سبق أن الأصحّ إثبات الصحبة له. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: وقع في جميع نسخ "المجتبى"، و"الكبرى" التي بين يديّ: "عبد اللَّه بن عبّاس، مكبّرًا، وهو تصحيفٌ عجيب، تواردت عليه النسخ، والصواب الأول، كما أورد الحافظ أبو الحجّاج المزيّ -رحمه اللَّه تعالى- حديثه هذا في ترجمة "عبيد اللَّه بن عباس بن عبد المطّلب، أبي محمد الهاشميّ، عن النبيّ ﷺ "، وليس له عنده سوى هذا الحديث عند المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. [تنبيه آخر]: نبه الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في "الفتح" جـ١٠ صـ٥٨٣ على أن هذا التصحيف وقع عند شيخه الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذيّ"، وبناء على ذلك تعقّب على ابن عساكر، والمزّيّ أنهما لم يذكرا هذا الحديث في "الأطراف". ولا تعقّب عليهما، فإنهما ذكراه في "مسند عبيد اللَّه" بالتصغير، وهو الصواب. وقد اختُلف في سماعه من النبيّ ﷺ ، إلا أنه وُلد في عصره، فذكر لذلك في الصحابة. انتهى كلام الحافظ (١). واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير الصحابيّ، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن صحابيه من المقلّين من الرواية، فليس له إلا هذا الحديث عند المصنّف فقط. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ الْغُمَيْصَاءَ، أَوِ الرُّمَيْصَاءَ) بضم،

стр. 14391

ففتح، ومدّ فيهما، زوج عمرو بن حَزْم، أخرج أبو نعيم من طريق حمّاد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن عمرو بن حزم طلّق الْغُمَيصاء، فنكحها رجلٌ، فطلّقها قبل أن يمسّها، فأتت رسول اللَّه ﷺ ، تسأله أن ترجع إلى زوجها الأول، فقال: "لا حتى يذوق الآخر من عُسيلتها" … الحديث. قال أبو موسى المدينيّ: هي غير أم سُليم. وأرود ابن منده حديث ابن عباس هذا في ترجمة أم سليم. قال ابن الأثير: والصواب مع أبي موسى. يعني أن الصواب أن صاحبة القصّة في حديث الباب غير أم سليم والدة أنس - رضي اللَّه تعالى عنهم -. (أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، تَشْتَكِي) وفي رواية أحمد: "تشكو" (زَوْجَهَا) وقوله (أَنَّهُ لَا يَصِلُ إِلَيْهَا) في تأويل المصدر مجرور بحرف مقدّر، أي في كونه لا يصل إليها، وهو كناية عن عدم جماعها، وإنما كنت عنه لكونه مما يُستحيى عن ذكره، ولا سيّما في مجلس النبيّ ﷺ (فَلَمْ يَلْبَثْ) من باب تَعِب، وجاء في مصدره السكون للتخفيف، واللَّبْثة بالفتح المرّة، وبالكسر الهيئة والنوع، والاسم اللُّبْثُ بالضمّ، واللَّبَاثُ بالفتح. قاله الفيّومّي. ثم هو بالياء التحتانيّة، والضمير للزوج: أي لم يتأخّر، وفي نسخة: "فلم تلبث" بالمثئاة الفوقيّة، والأول أوضح. وفي رواية أحمد: "فما كان إلا يسيرًا، حتى جاء زوجها … ". وقوله (أَنْ جَاءَ زَوْجُهَا) في تأويل المصدر فاعل "يلبث"، على الأول، أي لم يتأخّر مجيء زوجها عن مجيئها إلى رسول اللَّه ﷺ . (فَقَالَ) الزوج (يَا رَسُولَ اللهِ، هِيَ كَاذِبَةٌ) أي في دعوى عدم الوصول إليها (وَهُوَ يَصِلُ إِلَيْهَا) فيه التفات، إذ الظاهر أن يقول: وأنا أصل إليها، يعني أنه يُجامعها (وَلَكِنَّهَا تُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى زَوْجِهَا الأَوَّلِ) أي لمحبّتها له أكثر منه (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَيْسَ ذَلِكِ) وفي رواية أحمد: "ليس لك ذلك"، والإشارة إلى رجوعها إلى زوجها الأول، أي لا يجوز الرجوع إليه بعد طلاق هذا الزوج لك (حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ) أي حتى يجامعك، وفي رواية أحمد المذكورة: "حتى يذوق عُسيلتكِ رجلٌ غيرُه". والمراد به الجماع، لا إنزال المنيّ؛ فقد ثبت عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنه -، مرفوعًا: "العسيلة الجماع" (١)، فلا يشترط في التحليل، عند الجمهور، وما نُقل عن بعض السلف من اشترط ذلك، فمردودٌ، كما سبق البحث عنه مستوفًى في -٤٣/ ٣٢٨٤. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه

стр. 14392

التكلان. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث عبيد اللَّه بن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف، أخرجه هنا-١٢/ ٣٤٤١ - وفي "الكبرى" ١٣/ ٥٦٠٦. وأخرجه (أحمد) في "مسند بني هاشم" ١٨٤٠. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٤٤٢ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ, قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ رَزِيرٍ (١) , يُحَدِّثُ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , فِي الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الْمَرْأَةُ يُطَلِّقُهَا, ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا رَجُلٌ آخَرُ, فَيُطَلِّقُهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا, فَتَرْجِعَ إِلَى زَوْجِهَا الأَوَّلِ, قَالَ: «لَا, حَتَّى تَذُوقَ الْعُسَيْلَةَ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير: ١ - (سَلْم بن زَرِير) هكذا هو في نسخ "المجتبى"، و"الكبرى": "سَلْم بن زرير" "سلم" -بفتح السين المهملة، وسكون اللام، و"زرير" بزاي مفتوحة، وراءين بينهما ياء، وهو تصحيف (٢)، والصواب في رواية شعبة سالم بن رزين (٣)، وفي رواية الثوري، "رزين بن سليمان"، كما في الرواية التالية، انظر "تحفة الأشراف" ٥/ ٣٤٣ - ٣٤٤ و ٤٣٢ - ٤٣٣. ورواية الثوري سيأتي أنها الصحيحة. قال في "التقريب": رزين بن سليمان الأحمريّ، ومنهم من قلبه، وقيل: سالم بن رزين مجهول [٣]. وقال في "تهذيب الكمال" ٩/ ١٨٧ - ١٨٩: رزين بن سليمان الأحمريّ، عن عبد اللَّه ابن عمر "في الرجل يُطَلِّقُ امرأته ثلاثًا، فيتزوّجها الرجل" … الحديث، وعنه علقمة بن مرثد، قاله وكيع بن الجرّاح، عن سفيان الثوريّ، عن علقمة، وتابعه يحيى بن يعلَى المحاربيّ، عن أبيه، عن غيلان بن جامع، عن علقمة بن مرثد، وقال غندر عن شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن سالم رزين، عن سالم بن عبد اللَّه بن عمر، عن سعيد بن المسيّب، عن ابن عمر. قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: هذه الزيادة التي زاد غندر، عن شعبة في الإسناد ليست بمحفوظة. قال: وسمعت أبا زرعة يقول: الثوريّ أحفظ. وأما الثوريّ فيروي عن علقمة بن مرثد، رواه وكيع عنه مرّة عن رزين بن

стр. 14393

سليمان، ومرة عن سليمان بن رزين، عن ابن عمر. ورواه أبو أحمد الزبيريّ، وحسين ابن حفص، ومحمد بن كثير، والفريابيّ، عن الثوريّ، عن سليمان بن رزين، عن ابن عمر. وقال البخاريّ: قال محمد بن كثير، وأبو أحمد الزبيريّ، عن سفيان، عن سليمان بن رزين. وقال وكيع مرّة: عن سليمان بن رزين الأحمريّ، ثم قال: رزين بن سليمان، قال البخاريّ: ولا تقوم الحجّة بسالم بن رزين، ولا برزين؛ لأنه لا يُدرى سماعه من سالم، ولا من ابن عمر انتهى (١). وهو من أفراد المصنّف، وله عنده حديث الباب فقط. وشرح الحديث واضحٌ. وهو حديث ضعيفٌ؛ لجهالة سالم بن رزين، أو رَزِين بن سليمان، أو سليمان بن رزين، كما سبق عن البخاريّ آنفًا، وهو من أفراد المصنّف، أخرجه هنا-١٢/ ٣٤٤٢ - وفي "الكبرى" ١٣/ ٥٦٠٧. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٤٤٣ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ, عَنْ رَزِينِ بْنِ سُلَيْمَانَ الأَحْمَرِيِّ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ, يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا, فَيَتَزَوَّجُهَا الرَّجُلُ, فَيُغْلِقُ الْبَابَ, وَيُرْخِى السِّتْرَ, ثُمَّ يُطَلِّقُهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا؟ , قَالَ: «لَا تَحِلُّ لِلأَوَّلِ, حَتَّى يُجَامِعَهَا الآخَرُ». قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا أَوْلَى بِالصَّوَابِ). قال الجامع عفا اللَّهَ تعالى عنه: رجال هَذا الإسناد رجال الصحيح، غير رَزين بن سليمان، فإنه من أفراد المصنّف، وهو مجهول، كما تقدّم في الذي قبله. و"سفيان": هو الثوريّ. وقوله: "الرجل" "أل" في الموضعين للجنس. وقوله:، "فيُغلق" بضمّ الياء، من الإغلاق. وقوله: "ويرخي الستر" بضمّ الياء أيضًا، والإرخاء، وهو الإسبال، و"الستر" بكسر السين، وسكون التاء: الشيء الساتر، جمعه سُتُور بضمتين. والمراد به الخلوة، يعني أن ذلك الرجل الثاني خلا بتلك المرأة، ثم طلّقها قبل أن يجامعها. وقوله: "قَالَ أَبو عَبْد الرحْمَنِ: هَذَا أَوْلَى بِالصَّوَابِ" يعني أن هذا الإسناد، وهو رواية سفيان الثوريّ، عن علقمة بن مرثد، عن رزين بن سليمان الأحمريّ، عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أحقّ أن يكون صوابًا من الإسناد الأول الذي قبله، عن شعبة، عن علقمة، عن سالم بن زين، عن سالم بن عبد اللَّه، عن ابن المسيّب، عن ابن عمر

стр. 14394

- رضي اللَّه تعالى عنهما -. وقد وافق المصنّف على ترجيح رواية الثوري على رواية شعبة أبو حاتم، وأبو زرعة، فقال أبو حاتم: وهذه الزيادة (١) ليست بمحفوظة. وقال أبو زرعة: الثوريّ أحفظ. وقال المزّي في "تحفة الأشراف" ٥/ ٣٤٤: زعم أبو القاسم -يعني ابن عساكر- أن هذه الرواية -يعني رواية الثوريّ- وَهَمٌ، وليس كذلك، فإن جماعة رووه عن سفيان هكذا، وهو أحفظ من شعبة، وتابعه غيلان بن جامع، عن علقمة بن مَرْثَد. انتهى. وقال الحافظ في "الفتح": ما نصّه: قال ابن المنذر: أجمع العلماء على اشتراط الجماع لِتَحِلّ للأول، إلا سعيد بن المسيّب، ثم ساق بسنده الصحيح، عنه قال: يقول الناس: لا تحلّ للأوّل حتى يُجامعها الثاني، وأنا أقول: إذا تزوّجها تزويجًا صحيحًا، لا يُريد بذلك إحلالها للأول، فلا بأس أن يتزوّجها الأوّل. وهكذا أخرجه ابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور. وفيه تعقّبٌ على من استبعد صحّته عن سعيد. قال ابن المنذر: وهذا القول لا نَعلَم أحدًا وافقه عليه إلا طائفة من الخوارج، ولعلّه لم يبلغه الحديث، فأخذ بظاهر القرآن. قال الحافظ: سياق كلامه يُشعر بذلك، وفيه دلالة على ضعف الخبر الوارد في ذلك، وهو ما أخرجه النسائيّ من رواية شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن سالم بن رزين، عن سالم بن عبد اللَّه، عن سعيد بن المسيّب، عن ابن عمر، رفعه في الرجل تكون له المرأة … الحديث. قال: وقد أخرجه النسائيّ أيضًا من رواية سفيان الثوريّ، عن علقمة بن مرثد، فقال: عن رزين بن سليمان الأحمريّ، عن ابن عمر نحوه. قال النسائيّ: هذا أولى بالصواب. وإنما قال ذلك؛ لأن الثوريّ أتقن، وأحفظ من شعبة، وروايته أولى بالصواب من وجهين: [أحدهما]: أن شيخ علقمة شيخِهما هو رزين بن سليمان، كما قال الثوريّ، لا سالم ابن رزين، كما قال شعبة، فقد رواه جماعة عن علقمة كذلك، منهم غيلان بن جامع أحد الثقات. [ثانيهما]: أن الحديث لو كان عند سعيد بن المسيّب عن ابن عمر، مرفوعًا ما نسبه إلى مقالة الناس الذين خالفهم انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما تقدّم أن رواية الثوريّ: "عن علقمة، عن

стр. 14395

رَزِين بن سليمان، عن ابن عمر" هي المحفوظة؛ لما ذُكر آنفًا، وأن حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ضعيف؛ لجهالة سالم بن رزين، أو رزين بن سليمان، وأن تصويب المصنّف لرواية الثوريّ إنما هو لمجرّد كون اسم شيخ علقمة رزينَ بنَ سليمان، لا سالم بن رزين، كما قال شعبة؛ لمخالفته ما رواه الثوريّ، وغيلان بن جامع، وليس لتصحيح الحديث، فليُتفطّن. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٣ - (بَابُ إِحْلَالِ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاَثًا، وَمَا فِيهِ مِنَ التَّغْلِيظِ) ٣٤٤٤ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ أَبِي قَيْسٍ, عَنْ هُزَيْلٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , الْوَاشِمَةَ, وَالْمُوتَشِمَةَ, وَالْوَاصِلَةَ, وَالْمَوْصُولَةَ, وَآكِلَ الرِّبَا, وَمُوكِلَهُ, وَالْمُحَلِّلَ, وَالْمُحَلَّلَ لَهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عمرو بن منصور) أبو سعيد النسائيّ، ثقة حافظ [١١] ١٠٨/ ١٤٧. ٢ - (أبو نعيم) الفضل بن دُكين التيميّ مولاهم الأحول الكوفيّ، ثقة ثبت [٩] ١١/ ٥١٦. ٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ الكوفيّ الإمام الثبت الحجة [٧] ٣٣/ ٣٧. ٤ - (أبو قيس) عبد الرحمن بن ثروان الأوديّ الكوفيّ، صدوق ربّما خالف [٦] ٩٧/ ١٢٥. ٥ - (هُزَيل) -مصغّرًا- ابن شُرَحبيل الأوديّ الكوفيّ، ثقة، مخضرم [٢] ٩٧/ ١٢٥. ٦ - (عبد اللَّه) بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - ٣٩/ ٣٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه أيضًا، فإنه نسائيّ. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 14396

شرح الحديث (عَنْ عَبدِ اللَّهِ) بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: "لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، الْوَاشِمَةَ) فاعلة من الوشم، وهو أن يُغْرَزَ الجلد بإبرة، ثم يُحْشَى بكُحْل، أو نِيلٍ، فَيَزْرَقَّ أَثَرُهُ، أو يَخْضَرَّ. قاله ابن الأثير (١) (وَالْمُوتَشِمَةَ) هي التي يُفعل بها ذلك، وهي راضيةٌ. وفي نسخة: "والمتوشّمة" من التفعّل، وفي أخرى: "والمؤتشمة" بالهمز، والظاهر أنه تصحيف (وَالْوَاصِلَةَ) هي التي تصل الشعر بشيء آخر، سواء كان لنفسها، أو لغيرها. وأخرج مسلم من حديث جابر ﵁: "زجر رسول اللَّه ﷺ أن تصل المرأة بشعرها شيئًا". وبهذا أخذ الجمهور في منع وصل الشعر بشيء آخر، سواء كان شعرًا أم لا. وذهب الليث، ونقله أبو عبيد عن كثير من الفقهاء أن الممتنع من ذلك وصل الشعر بالشعر، وأما بغير الشعر من خرقة وغيرها، فلا يدخل في النهي، والأول أصحّ؛ لحديث جابر ﵁ المذكور، وسيأتي تمام البحث في ذلك في محله من "كتاب الزينة، إن شاء اللَّه تعالى (وَالْمَوْصُولَةَ) هي التي يُفعَل بها ذلك عن رضاها. وفي نسخة: و"الْمُوصَلَة"، من أوصله رباعيًّا (وَآكِلَ الرِّبَا) أي آخذ الربا، سواء أكله بعد ذلك، أو لا، وإنما خصّ الأكل؛ لأنه أعظم أنواع الانتفاع، كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ الآية (وَمُوكِلَهُ) بالهمز، ودونه: أي معطيه لمن يأخذه، وإن لم يأكل منه؛ نظرًا إلى أن الأكل هو الأغلب، أو الأعظم كما تقدّم (وَالْمُحَلِّلَ) اسم فاعل من التحليل، ويجوز أن يكون من الإحلال (وَالْمُحَلَّلَ لَهُ) اسم مفعول من التحليل، ويجوز أيضًا أن يكون من الإحلال. قال ابن الأثير -رحمه اللَّه تعالى-: "لعن اللَّه المحَلِّلَ، والمحلَّلَ له"، وفي رواية: "الْمُحِلَّ، والْمُحَلَّ له". قال: وفي هذه اللفظة ثلاث لغات: حَلَّلتُ، وأحلَّلتُ، وحَلَلْتُ، يقال: حَلَّلَ، فهو مُحَلِّلٌ، ومُحَلَّل له، وأحلّ، فهو مُحِلٌّ، ومُحَلٌّ له، وحَلَلْتُ، فأنا حالٌّ، وهو محلولٌ له. قال: والمعنى في الجميع: هو أن يطلّق الرجل امرأته ثلاثًا، فيتزوّجها رجلٌ آخر على شَرِيطة أن يطلّقها بعد وطئها؛ لتحِلَّ لزوجها الأول. وقيل: سمي مُحَلِّلاً بقصده إلى التحليل، كما يُسمَّى مُشتريًا إذا قصد الشراء. انتهى باختصار (٢). وقال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: "والْمُحِلُّ، والمُحَلّل له" (٣)، الأول من الإحلال،

стр. 14397

والثاني من التحليل، وهما بمعنى واحد؛ ولذا روي "الْمُحِلُّ والْمُحَلُّ له، بلام واحدة مشددة، و"الْمُحَلِّلُ والمُحَلَّل له" بلامين، أولاهما مشدّدةٌ، ثم المُحَلَّلُ من تزوّج مطلّقة الغير ثلاثًا؛ لتحلّ له، والمُحلَّلُ له هو المطلِّقُ، والجمهور على أن النكاح بنية التحليل باطلٌ؛ لأن اللعن يقتضي النهي، والحرمةُ في باب النكاح تقتضي عدم الصحّة. وأجاب من يقول بصحّته أن اللعن قد يكون لخسّة الفعل، فلعلّ اللعن لأنه هَتْكُ مروءةٍ، وقلّة حَمِيّةٍ، وخِسّة نفس، أما بالنسبة إلى المحلَّل له فظاهرٌ، وأما المحلِّلُ فإنه كالتيس يُعير نفسه بالوطء لغرض الغير، وتسميته مُحلّلاً يؤيّد القول بصحّته، ومن لا يقول بها يقول: إنه قصد التحليل، وإن كانت لا تحلّ انتهى كلام السنديّ (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه الجمهور من البطلان هو الحقّ، وسيأتي تمام البحث في ذلك في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٣/ ٣٤٤٤ وفي "الكبرى" ١٤/ ٥٦٠٩. وأخرجه (ت) ف ١١٢ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٤٢٧٢. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان تغليظ الوعيد على من قصد بنكاح امرأة تحليلها لغيره، وهو يدلّ على تحريم ذلك، وبطلان النكاح، كما سيأتي تحقيقه في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): تحريم الْوَشْم، وهو غرزُ الإبرة، أو نحوها في العضو حتى يَسيل الدم، ثم يُحشَى بنورة، أو غيرها، فيخضرّ، وهو حرام على الفاعلة، والمفعول بها إذا كانت راضية، وسيأتي تحقيق ذلك في محلّه من "كتاب الزينة"، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): تحريم وصل الشعر بغيره، والجمهور على تحريمه، سواء كان بشعر، أو بشيء آخر، وسيأتي تحقيقه في الكتاب المذكور، إن شاء

стр. 14398

اللَّه تعالى. (ومنها): تحريم أكل الربا، وإعطاؤه، وسيأتي تمام البحث فيه في محلّه، من "كتاب البيوع"، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم التحليل: قال الإمام الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى- بعد أن أخرج الحديث: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبيّ ﷺ ، منهم عمر بن الخطّاب، وعثمان بن عفّان، وعبد اللَّه بن عمرو، وغيرهم، وهو قول الفقهاء من التابعين، وبه يقول سفيان الثوريّ، وابن المبارك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وسمعت الجارود يذكر عن وكيع أنه قال بهذا، وقال: ينبغي أن يرمَى بهذا الباب من قول أصحاب الرأي (١)، قال وكيع: وقال سفيان: إذا تزوّج المرأة ليُحللها، ثم بدا له أن يمسكها، فلا يحلّ له أن يمسكها حتى يتزوّجها بنكاح جديد. انتهى كلام الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى- (٢). وقال الحافظ في "التلخيص": استدلّوا بهذا الحديث على بطلان النكاح، إذا اشتَرَطَ الزوجُ إذا نكحها بانت منه، أو شرط أنه يطلّقها، أو نحو ذلك، وحملوا الحديث على ذلك، ولا شكّ أن إطلاقه يشمل هذه الصورة، وغيرهلالكن روى الحاكم، والطبرانيّ في "الأوسط" عن عمر ﵁ أنه جاء إليه رجلٌ، فسأله عن رجل طلّق امرأته ثلاثًا، فتزوّجها أخ له عن غير مؤامرة؛ ليحلّها لأخيه، هل تحلّ للأول؟ قال: لا، إلا بنكاح رغبة، كنّا نعُدّ هذا سِفَاحًا على عهد رسول اللَّه ﷺ . قال: وقال ابن حزم: ليس الحديث على عمومه في كلّ محلّل، إذ لو كان كذلك لدخل فيه كلّ واهب، وبائع، ومزوّج، فصح أنه أراد به بعض المحلّلين، وهو من أحلّ حرامًا لغيره بلا حجّة، فتعيّن أن يكون ذلك فيمن شرط ذلك؛ لأنهم لم يختلفوا في أن الزوج إذا لم ينو تحليلها للأول، ونوته هي أنها لا تدخل في اللعن، فدلّ على أن المعتبر الشرط. واللَّه أعلم انتهى كلام الحافظ (٣). وقال العلامة ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى-: نكاح المحلّل حرام باطلٌ في قول عامّة أهل العلم، منهم الحسن، والنخعيّ، وقتادة، ومالكٌ، والليث، والثوريّ، وابن

стр. 14399

المبارك، والشافعيّ، وسواء قال: زوّجتكها إلى أن تطأها، أو شرط أنه إذا أحلّها، فلا نكاح بينهما، أو أنه إذا أحلّها للأول طلّقها. وحكي عن أبي حنيفة أنه يصحّ النكاح، ويبطل الشرط. وقال الشافعيّ في الصورتين الأوليين: لا يصحّ، وفي الثانية على قولين. ولنا ما روي عن النبيّ ﷺ أنه قال: "لعن اللَّه المحلّل، والمحلّل له". رواه أبو داود، وابن ماجه، والترمذيّ، وقال: حديث حسنٌ صحيحٌ. والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، منهم: عمر بن الخطّاب، وعثمان، وعبد اللَّه بن عمر. وهو قول الفقهاء من التابعين. وروي ذلك عن عليّ، وابن مسعود، وابن عباس. وقال ابن مسعود: المحلّل والمحلّل له ملعونون على لسان محمد ﷺ . وروى ابن ماجه عن عقبة بن عامر ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: "ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ " قالوا: بلى يا رسول اللَّه، قال: هو المحلّل، لعن اللَّه المحلّل، والمحلّل له" (١). وروى الأثرم بإسناده عن قبيصة بن جابر، قال: سمعت عمر، وهو يخطب الناس، وهو يقول: "واللَّه لا أوتى بمحلّ، ولا محلّل له إلا رجمتهما" (٢). ولأنه نكاح إلى مدّة، أو فيه ما يمنع بقاءه، فأشبه نكاح المتعة. قال: فإن شرط عليه التحليل قبل العقد، ولم يذكره في العقد، ونواه في العقد، أو نوى التحليل من غير شرط، فالنكاح باطلٌ أيضًا. قال إسماعيل بن سعيد: سألت أحمد عن الرجل يتزوّج المرأة، وفي نفسه أن يُحلّلها لزوجها الأول، ولم تعلم المرأة بذلك؟ قال: هو محلّل، إذا أراد بذلك الإحلال، فهو ملعون، وهذا ظاهر قول الصحابة ﵃. وروى نافع، عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - أن رجلاً قال له: امرأة تزوّجتها، أحلّها لزوجها لم يأمرني، ولم يعلم؟ قال: لا، إلا نكاح رغبة، إن أعجبتك أمسكها، وإن كرهتها فارقها، قال: وإن كنّا نعُدّه على عهد رسول اللَّه ﷺ سفاحًا، وقال: لا يزالان زانيين، وإن مكثا عشرين سنة، إذا علم أنه يريد أن يُحلّها (٣). وهذا قول عثمان بن عفّان ﵁. وجاء رجل إلى ابن عباس، فقال له: إن عمي طلّق امرأته

стр. 14400

ثلاثًا، أيحلّها له رجلٌ؟ قال: من يُخادع اللَّه يَخدعه. وهذا قول الحسن، والنخعيّ، والشعبيّ، وقتادة، وبكر المزنيّ، والليث، وما لك، والثوريّ، وإسحاق. وقال أبو حنيفة، والشافعيّ: العقد صحيح. وذكر القاضي في صحّته وجهًا مثل قولهما؛ لأنه خلا عن شرط يفسده، فأشبه ما لو نوى طلاقها لغير الإحلال، أو ما لو نوت المرأة ذلك، ولأن العقد إنما يبطل بما شُرط، لا بما قُصد بدليل ما لو اشترى عبدًا بشرط أن يبيعه، لم يصحّ، ولو ثوى ذلك، لم يبطل، ولأنه روي عن عمر ﷺ ما يدلّ على إجازته، فروى أبو حفص بإسناده، عن محمد بن سيرين، قال: قدم مكة رجلٌ، ومعه إخوةٌ له صغارٌ، وعليه إزارٌ، من بين يديه رقعة، ومن خلفه رقعة، فسأل عمر، فلم يُعطه شيئًا، فبينما هو كذلك إذ نزغ الشيطان بين رجل، من قريش، وبين امرأته، فطلّقها، فقال لها: هل لك تُعطي ذا الرقعتين شيئًا، ويُحلّك لي؟ قالت: نعم إن شئت، فأخبره بذلك، قال: نعم، فتزوّجها، ودخل بها، فلما أصبحت أدخلت إخوته الدارَ، فجاء القرشيّ يحوم حول الدار، ويقول: يا ويله، غُلبت على امرأتي، فأتى عمر، فقال: يا أمير المؤمنين، غُلبت على امرأتي، قال: من غلَبك؟ قال: ذو الرقعتين، قال: أرسلوا إليه، فلما جاء الرسول، قالت له المرأة: كيف موضعك من قومك؟ قال: ليس بموضعي بأس، قالت: إن أمير المؤمنين يقول لك: طَلِّق امرأتك، فقل: لا، واللَّه لا أطلّقها، فإنه لا يُكرهك، وألبسته حلّةً، فلما رآه عمر من بعيد قال: الحمد للَّه الذي رزق ذا الرقعتين، فدخل عليه، فقال: أتطلّق امرأتك؟ قال: لا، واللَّه لا أطلّقها، قال عمر: لو طلّقتها لأوجعت رأسك بالسوط. ورواه سعيد، عن هشيم، عن يونس بن عُبيد، عن ابن سيرين نحوًا من هذا، وقال من أهل المدينة، وهذا قد تقدّم فيه الشرط على العقد، ولم ير به عمر بأسًا (١). ولنا قول النبيّ ﷺ : "لعن اللَّه المحلّل، والمحلّل له"، وقول من سمّينا من الصحابة، ولا مخالف لهم، فيكون إجماعًا، ولأنه قصد به التحليل، فلم يصحّ، كما لو شرطه. أما حديث ذي الرقعتين، فقال أحمد: ليس له إسناده. يعني أن ابن سيرين لم يذكر إسناده إلى عمر. وقال أبو عبيد: هو مرسلٌ، فأين هو من الذين سمعوه يَخْطُبُ به على المنبر: "لا أوتى بمحلّل، ولا محلّل له، إلا رجمتهما". ولأنه ليس فيه أن ذا الرقعتين قصد التحليل، ولا نواه، وإذا كان كذلك لم يتناول محلّ النزاع انتهى كلام ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى- (٢).

стр. 14401

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يترجح عندي في هذه المسألة هو الذي ذهب إليه الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى-، من بطلان نكاح التحديل مطلقًا، سواء اقترن الشرط بالعقد لفظًا، أم لم يقترن؛ لإطلاق النصّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٤ - (بَابُ مُوَاجَهَةِ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ بِالطَّلَاقِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا الإشارة إلى إثبات مشروعيّة الطلاق، وأنه لا يمنع عند الحاجة. وقد ترجم الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" بقوله: "باب من طلّق، وهل يواجه الرجل امرأته بالطلاق؟ ". فقال الحافظ في "الفتح": كذا للجميع حذف ابن بطّال من الترجمة قوله: "من طلّق"، فكأنه لم يظهر له وجهه، وأظنّ المصنّف قصد إثبات مشروعيّة جواز الطلاق، وحمل حديث: "أبغض الحلال إلى اللَّه الطلاق" على ما إذا وقع من غير سبب، وهو حديث أخرجه أبو داود، وغيره، وأُعلّ بالإرسال، وأما المواجهة، فأشار إلى أنها خلاف الأولى؛ لأن ترك المواجهة أرفق، وألطف، إلا إن احتيج إلى ذكر ذلك. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٤٤٥ - (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ, قَالَ: سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ عَنِ الَّتِي اسْتَعَاذَتْ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ , فَقَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ الْكِلَابِيَّةَ, لَمَّا دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ , قَالَتْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَقَدْ عُذْتِ بِعَظِيمٍ, الْحَقِي بِأَهْلِكِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (الْحُسَينُ بْنُ حُرَيْثٍ) الخزاعيّ مولاهم، أبو عمار المروزيّ، ثقة [١٠] ٤٤/ ٥٢.

стр. 14402

٢ - (الْوَلِيِدُ بْنُ مُسْلِم) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس المدمشقيّ، ثقة لكنه كثير التدليس والتسوية [٨] ٥/ ٤٥٤. ٣ - (الأوزاعيّ) عبد الرحمن بن عمرو، أبو عمرو الدمشقيّ، ثقة فاضل حجة [٧] ٤٥/ ٥٦. ٤ - (الزهريّ) محمد بن مسلم المدنيّ الإمام الحجة الثبت [٤] ١/ ١. ٥ - (عروة) بن الزبير بن العوام المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٤٠/ ٤٤. ٦ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه عروةَ أحد الفقهاء السبعة. (ومنها): أن فيها عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث عن الأوزاعيّ -رحمه اللَّه تعالى- أنه (قال: سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ) -رحمه اللَّه تعالى- (عَنِ الَّتِي استَعَاذَتْ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟) وفي رواية البخاريّ: "أيُّ أزواج النبيّ ﷺ استعاذت منه؟، (فَقَالَ) الزهريّ (أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ) بن الزبير (عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (أَنَّ الْكِلَابيَّةَ) هكذا عند المصنّف، وسيأتي أن الصواب "الكندية". وهي أُميمة بنت النعماَن بن شراحيل، وقيل: أسماء بنت النعمان بن شَرَاحيل بن الأسود بن الجَوْنِ الكنديّة. وفي رواية البخاريّ: "أن ابنة الْجَوْن (١) لَمّا أُدخلت على رسول اللَّه ﷺ ، ودنا منها قالت: أعوذ باللَّه منك … ". قال في "الفتح": قوله "ابنة الجون" زاد في نسخة الصغانيّ "الكلبية"، وهو بعيد على ما سأبيّنه. ووقع في "كتاب الصحابة" لأبي نعيم من طريق عُبيد بن القاسم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن عمرة بنت الجون تعوّذت من رسول اللَّه ﷺ حين أدخلت عليه، قال: لقد عُذتِ بمعاذ … " الحديث. وعُبيد متروك. والصحيح أن اسمها أميمة بنت النعمان بن شراحيل، كما في حديث أبي أُسيد، وقال مرّة: أُميمة بنت شَراحيل، فنُسبت لجدّها. وقيل: اسمها أسماء. وروى ابن سعد عن الواقديّ عن ابن أخي الزهريّ، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة،

стр. 14403

قالت: "تزوّج النبيّ ﷺ الكلابيّة … "، فذكر مثل حديث الباب. وقوله: "الكلابيّة" غلطٌ، وإنما هي "الكنديّة"، فكأنما الكلمة تصحّفت. نعم للكلابيّة قصّة أخرى، ذكرها ابن سعد أيضًا بهذا السند إلى الزهريّ، وقال: فاطمة بنت الضّحّاك بن سفيان، فاستعاذت منه، فطلّقها، فكانت تلقط البعر، وتقول: أنا الشقيّة، قال: وتُوفّيت سنة ستّين. ومن طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه: "أن الكنديّة لَمَا وقع التخيير اختارت قومها، ففارقها، فكانت تقول: أنا الشَقيّة". ومن طريق سعيد بن أبي هند أنها استعاذت منه، فأعاذها. ومن طريق الكلبيّ: اسمها العالية بنت ظبيان بن عمرو. وحكى ابن سعد أيضًا أن اسمها عمرة بنت يزيد بن عُبيد. وقيل: بنت يزيد بن الْجَوْن. وأشار ابن سعد إلى أنها واحدة، اختُلف في اسمها، والصحيح أن التي استتعاذت منه هي الْجَوْنية. وروى ابن سعد من طريق سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، قال: لم تستعذ منه امرأةٌ غيرها. قال الحافظ: وهو الذي يغلب على الظنّ؛ لأن ذلك إنما وقع للمستعيذة بالخديعة المذكورة، فيبعد أن تُخدع أخرى بعدها بمثل ما خُدعت به بعد شيوع الخبر بذلك. قال ابن عبد البرّ: أجمعوا على أن النبيّ ﷺ تزوّج الْجَونيّة، واختلفوا في سبب فراقه، فقال قتادة: لَمّا دخل عليها دعاها، فقالت: تعال أنت، فطلّقها. وقيل: كان بها وَضَحٌ، كالعامريّة، قال: وزعم بعضهم أنها قالت: أعوذ باللَّه منك، فقال: قد عُذتِ بمعاذ، وقد أعاذك اللَّه منّي، فطلّقها. قال: وهذا باطلٌ، إنما قال له هذا امرأة من بني العنبر، وكانت جميلةً، فخاف نساؤه أن تغلبهنّ عليه، فقلن لها: إنه يُعجبه أن يقال له: نعوذ باللَّه منك، ففعلت، فطلّقها. قال الحافظ: كذا قال، وما أدري لم حَكَم ببطلان ذلك مع كثرة الروايات الواردة فيه، وثبوته في حديث عائشة في "صحيح البخاريّ"، وسيأتي مزيد لذلك في الحديث الذي بعده. قال: والقول الذي نسبه لقتادة، ذكر مثله أبو سعيد النيسابوريّ عن شرقيّ بن قطاميّ. انتهى ما في "الفتح". قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحديث الذي أشار إليه الحافظ بقوله: في الحديث الذي بعده هو ما أخرجه الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" بعد حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - المذكور في الباب، فقال: حدثنا أبو نعيم، حدثنا عبد الرحمن بن غَسِيل، عن حمزة بن أبي أُسَيد، عن أبي أسيد، ﵁، قال: خرجنا مع النبي ﷺ ، حتى انطلقنا إلى حائط، يقال له الشَّوْط، حتى انتهينا إلى حائطين، فجلسنا بينهما، فقال النبي ﷺ : "اجلسوا ههنا"، ودخل وقد أُتِي بالْجَوْنِيّة، فأُنزلت في بيتٍ، في نخلٍ، في بيتٍ، أُمَيمَةُ بنتُ النعمان بن

стр. 14404

شراحيل، ومعها دايَتُها (١)، حاضنة لها، فلما دخل عليها النبي ﷺ ، قال: "هبي نفسك لي"، قالت: وهل تهب الملِكَة نفسها للسُّوقة (٢)، قال، فأهوى بيده (٣)، يضع يده عليها؛ لتسكن، فقالت: أعوذ باللَّه منك، فقال: "قد عُذتِ بمعاذ"، ثم خرج علينا، فقال: "يا أبا أسيد، اكسُهَا رازِقيَّتَينِ (٤)، وألحقها بأهلها". قال في "الفتح": قوله: "فأنزلت في بيت الخ" هو بالتنوين و"أُميمة" بالرفع إما بدلاً عن الجونيّة، وإما عطف بيان. قال ابن المنيّر: قولها: "وهل تهب الملكة الخ" هذا من بقيّة ما كان فيها من الجاهليّة، والسُّوقة عندهم من ليس ملكًا كائنًا من كان، فكأنها استبعدت أن يتزوّج الملكة من ليس بملك، وكان ﷺ قد خُيّر أن يكون ملكًا نبيًّا، فاختار أن يكون عبدًا نبيًّا تواضعًا منه ﷺ لربّه. ولم يؤاخذها النبيّ ﷺ بكلامها معذرة لها لقرب عهدها بجاهليّتها. وقال غيره: يحتمل أنها لم تعرفه ﷺ ، فخاطبته بذلك. قال الحافظ: وسياق القصّة من مجموع طرقها يأبى هذا الاحتمال. نعم سيأتي في أواخر الأشربة من طريق أبي حازم، عن سهل بن سعد ﵁، قال: ذَكَر النبيّ ﷺ امرأةً من العرب، فأمر أبا أُسيد الساعديّ أن يُرسل إليها، فقدمت، فنزلت في أُجُم بني ساعدة، فخرج النبيّ ﷺ حتى جاء بها، فدخل عليها، فإذا امرأة منَكّسة رأسها، فلما كلّمها قالت: أعوذ باللَّه منك، قال: "لقد أعذتك منّي"، فقالوا لها: أتدرين من هذا؟ هذا رسول اللَّه ﷺ جاء ليخطبك، قالت: كنت أشقى من ذلك. فإن كانت القصّة واحدةً، فلا يكون قوله في حديث الباب: "ألحقها بأهلها"، ولا قوله في حديث عائشة: "الحقي بأهلك" تطليقًا لها، ويتعيّن أنها لم تعرفه. وإن كانت القصّة متعدّدة، ولا مانع من ذلك، فلعلّ هذه

стр. 14405

المرأة هي الكلابيّة التي وقع فيها الاضطراب. وقد ذكر ابن سعد بسند فيه العرْزميّ الضعيف، عن ابن عمر، قال: "كان في نساء النبيّ ﷺ سنا بنت سفيان بن عوف بن كعب بن أبي بكر بن كلاب، قال: وكان النبيّ ﷺ بعث أبا أُسيد الساعديّ يخطب عليه امرأة من بني عامر يقال لها: عمرة بنت يزيد بن عبيد بن رؤاس بن كلاب بن ربيعة بن عامر. قال ابن سعد: اختُلِف علينا اسم الكلابية، فقيل: فاطمة بنت الضحّاك بن سفيان. وقيل: عمرة بنت يزيد بن عبيد. وقيل: العالية بنت ظبيان بن عمرو بن عوف، فقال بعضهم: هي واحدة، اختُلف في اسمها. وقال بعضهم: بل كنّ جمعًا، ولكن لكلّ واحدة منهنّ قصّة غير قصّة صاحبتها، ثم ترجم الْجَونية، فقال: أسماء بنت النعمان. ثم أخرج من طريق عبد الواحد بن أبي عون، قال: قدم النعمان بن أبي الجون الكنديّ على رسول اللَّه ﷺ مسلمًا، فقال: يا رسول اللَّه ألا أزوّجك أجمل أيّم في العرب، كانت تحت ابن عمّ لها، فتُوفّي، وقد رغبت فيك؟ قال: نعم، قال: فابعث من يحملها إليك، فبعث معه أبا أسيد الساعديّ، قال أبو أسيد: فأقمت ثلاثة أيام، ثم تحملت معي في مِحَفّة، فأقبلت بها حتى قدمت المدينة، فأنزلتها في بني ساعدة، ووجّهت إلى رسول اللَّه ﷺ ، وهو في بني عمرو بن عوف، فأخبرته … " الحديث. قال ابن أبي عون: وكان ذلك في ربيع الأول سنة تسع. ثم أخرج من طريق أخرى عن عمر بن الحكم، عن أبي أُسيد، قال: "بعثني رسولَ اللَّه ﷺ إلى الجونيّة، فحمدتها حتى نزلت بها في أُطُم بني ساعدة، ثم جئت رسول اللَّه ﷺ ، فأخبرته، فخرج يمشي على رجليه حتى جاءها … " الحديث. ومن طريق سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، قال: اسم الجونيّة أسماء بنت النعمان ابن أبي الجون، قيل: لها: استعيذي منه، فإنه أحظى لك عنده، وخُدِعت لما رؤي من جمالها، وذكر لرسول اللَّه ﷺ من حملها على ما قالت، فقال: "إنّهنّ صواحب يوسف، وكيدهن". قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: فهذه تتنزّل قصّتها على حديث أبي حازم، عن سهل بن سعد. وأما القصّة التي في حديث الباب من رواية عائشة، فيمكن أن تنزّل على هذه أيضًا، فإنه ليس فيها إلا الاستعاذة، والقصة التي في حديث أبي أُسيد فيها أشياء مغايرة لهذه القصّة، فيقوى التعدّد، ويقوى أن التي في حديث أبي أُسيد اسمها أُميمة، والتي في حديث سهل اسمها أسماء. واللَّه أعلم. وأُميمة كان عقد عليها، ثم فارقها، وهذه لم يعقد عليها، بل جاء ليخطبها فقط انتهى كلام الحافظ (١).

стр. 14406

(لَمَّا دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَت: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَقَدْ عُذْتِ) بضمّ العين، من عاذ يعوذ، من باب قال: أي اعتصمت، والتجأت (بِعَظِيمٍ) أي بمُعتَصَم عظيم، وهو اللَّه . وفي حديث أبي أُسيد: "قد عُذت بمَعاذ" وهو بفتح الميم،: ما يُستعاذ به، أو اسم مكان العوذ. وفي رواية ابن سعد: فِقال بكمّه على وجهه، وقال: "عُذت معاذًا"، ثلاث مرّات. وفي أخرى له: فقال: "أَمِنَ عائذُ اللَّه" (الْحَقِي بِأَهْلِكِ) بفتح الحاء المهملة، أمر من لَحِق يَلْحَق لَحْقًا، ولحَاقًا، بكسر العين في الماضي، وفتحها في المضارع، فالهمزة فيه همزة وصل، بخلافها في حديث أبي أُسيد الماضي، بلفظ: "وأَلْحِقها بأهلها"، فإنها همزة قطع؛ لأنها أمر من أُلْحَقَ رباعيّا. ثم إن قوله: "الحَقي بأهلك" كناية عن طلاقها، وهذا محلّ الشاهد للترجمة، حيث واجهها النبيّ ﷺ بالطلاق، فدلّ على أن مواجهة الرجل امرأته بالطلاق جائز. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٤/ ٣٤٤٥ - وفي "الكبرى" ١٥/ ٥٦١٠. وأخرجه (خ) في "الطلاق" ٥٢٥٤ (ق) في "الطلاق" ٢٠٥٠. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان جواز مواجهة الرجل زوجته بالطلاق، إذا دعت الحاجة إلى ذلك، وأما حديث: "أبغض الحلال إلى اللَّه الطلاق"، وهو حديث مختلف في وصله، وإرساله، والصحيح أنه مرسل، فإن صحّ فمحمول على ما إذا لم يوجد هناك حاجة لطلاقها، بل طلّقها بدون سبب، (ومنها): أن من قال لامرأته: الحقي باهلك، وأراد به الطلاق طُلّقت، وأما إذا لم يُرد به الطلاق، فلا؛ لحديث كعب بن مالك ﵁ الآتي بعد ثلاثة أبواب، إن شاء اللَّه تعالى، فإنه قال لها: "الحقي بأهلك، فكوني فيهم، حتى يقضي اللَّه في هذا الأمر"، فلم يعدّ ذلك طلاقًا، وسيأتي اختلاف العلماء فيمن قال لامرأته: الحقي بأهلك هناك، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 14407

١٥ - (بَابُ إِرْسالِ الرَّجُلِ إِلَى زَوْجَتِهِ بِالطَّلَاقِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا بيان مشروعيّة إرسال الزوج إلى امرأته بطلاقها؛ لحديث فاطمة بنت قيس - رضي اللَّه تعالى عنها - المذكور في الباب، كما أنه بين في الباب الماضي جواز مواجهته لها به، لقصّة الْجَوْنيّة، فلا فرق في جوازه، ووقوعه بين مخاطبتها به مواجهةً، وبين إرساله به إليها من بعيد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٤٤٦ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ أَبِي بَكْرٍ, وَهُوَ ابْنُ أَبِي الْجَهْمِ, قَالَ: سَمِعْتُ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ, تَقُولُ: أَرْسَلَ إِلَيَّ زَوْجِي بِطَلَاقِي, فَشَدَدْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي, ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ , فَقَالَ: «كَمْ طَلَّقَكِ؟» , فَقُلْتُ: ثَلَاثًا, قَالَ: «لَيْسَ لَكِ نَفَقَةٌ, وَاعْتَدِّي فِي بَيْتِ ابْنِ عَمِّكِ, ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ, فَإِنَّهُ ضَرِيرُ الْبَصَرِ, تُلْقِينَ ثِيَابَكِ عِنْدَهُ, فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُكِ, فَآذِنِينِي …». مُخْتَصَرٌ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا. و"عبد الرحمن": هو ابن مهديّ. و"سفيان": هو الثوريّ. و"أبو بكر بن أبي الْجَهْم": هو ابن عبد اللَّه بن أبي الجهم العدويّ، نُسب لجدّه، ثقة [٤] ١٧/ ١٥٣٣. وقولها: "ثلاثًا" أي طلّقني ثلاث تطليقات، وقد تقدّم أن المراد آخر ثلاث تطليقات، لا أنه طلّقها ثلاثًا بكلمة واحدة؛ لما بينته الروايات الأخرى، فتنبّه. وقوله: "مختصرٌ" بالرفع خبر لمحذوف، أي هو مختصر، ووقع في بعض النسخ مختصرًا بالنصب على الحال. يعني أن هذا الحديث مختصر من حديث فاطمة - رضي اللَّه تعالى عنها - المطوّل، وقد تقدّم بيانه في "كتاب النكاح" برقم -/ ٨/ ٣٢٢٢ - " تزويج المولى العربيّة" والحديث صحيح، تقدّم للمصنّف بالرقم المذكور، وتقدّم هناك شرحه، وبيان مسائله، فراجه هناك تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٤٤٧ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ مُجَاهِدٍ, عَنْ تَمِيمٍ, مَوْلَى فَاطِمَةَ, عَنْ فَاطِمَةَ نَحْوَهُ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "منصور": هو ابن المعتمر. و"مجاهد": هو ابن جبر.

стр. 14408

و"تميم مولى فاطمة" بنت قيس، أبو سلمة الفِهْريّ الكوفيّ، مقبول [٣]. روى عن فاطمة قصّة طلاقها، وروى عنه مجاهد. تفرّد به المصنّف بحديث الباب فقط. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٦ - (بَابُ تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ﴾ [التحريم: ١] ٣٤٤٨ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَوْصِلِيُّ (١) , قَالَ: حَدَّثَنَا مَخْلَدٌ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ سَالِمٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: أَتَاهُ رَجُلٌ, فَقَالَ: إِنِّي جَعَلْتُ امْرَأَتِي عَلَيَّ حَرَامًا, قَالَ: كَذَبْتَ, لَيْسَتْ عَلَيْكَ بِحَرَامٍ, ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ عَلَيْكَ أَغْلَظُ الْكَفَّارَةِ, عِتْقُ رَقَبَةٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَليٍّ الْمَوْصِليُّ) الأسديّ، صدوقٌ [١١] ١٩/ ١٦٥٥. ٢ - (مخلد) بن يزيد القرشيّ الحرّانيّ، صدوق، له أوهام، من كبار [٩] ١٤١/ ٢٢٢. ٣ - (سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقة حافظ فقيه عابد إمام حجة، من رءوس [٧] ٣٣/ ٣٧. ٤ - (سالم) بن عجلان الأفطس الأمويّ مولاهم، مولى محمد بن مروان، أبو محمد الْجَزَريّ الحرّانيّ، يقال: إنه من سبي كابُل، ثقة رمي بالإرجاء [٦]. قال أحمد: ثقة، وهو أثبت من خُصيف. وقال ابن معين: صالح. وقال أبو حاتم: صدوق، وكان مرجئًا نقيّ الحديث. وقال العجليّ: جزريّ ثقة. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، قتله عبد اللَّه بن عليّ بِحَرّان سنة

стр. 14409

(١٣٢). وقال السعديّ: كان يُخاصم في الإرجاء داعية، وهو متماسك. وقال الحاكم، عن الدارقطنيّ: ثقة، يُجمع حديثه. وقال العجليّ: كان صالحًا. وقال ابن حبّان: كان ممن يرى الإرجاء، ويقلب الأخبار، ويتفرّد بالمعضلات عن الثقات، اتّهم بأمر سوء، فقُتل صبرًا. أخرج له البخاريّ، وأبو داود، والمصنّف، وابن ماجه، وله عند البخاريّ حديثان، وعند المصنّف حديث الباب فقط. ٥ - (سعيد بن جبير) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢٨/ ٤٣٦. ٦ - (ابن عباس) عبد اللَّه البحر الحبر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (قَالَ) الظاهر أن الضمير لسعيد، لا لابن عباس؛ لأنه يلزم فيه الالتفات (أَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: إِنِّي جَعَلْتُ امْرَأَتِي عَلَيَّ حَرَامًا، قَالَ) ابن عباس (كَذَبْتَ) أي لأن التحريم والتحليل ليس إلا للَّه تعالى، فما حرّمه، فهو الحرام، وما أحلّه فهو الحلال، ولا يجوز لأحد أن يتولّى ذلك، فقد نهى اللَّه تعالى ذلك، فقال في محكم التنبزيل: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ الآية [النحل: ١١٦]، (لَيْسَتْ عَلَيْكَ بِحَرَامٍ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]) هذا بظاهره يدلّ أن هذه الآية نزلت في تحريم المرأة، كما جاء أن النبيّ ﷺ حرّم جاريته مارية رضي اللَّه تعالى عنها، فنزلت، والحديث الآتي في الباب التالي يدلّ على أنها نزلت في شربه ﷺ العسل عند زينب بنت جحش - رضي اللَّه تعالى عنها -، وقد تقدّم في "كتاب عشرة النساء" تحقيق ذلك، وأن الأصحّ أن الآية نزلت في الأمرين جميعًا، فراجعه تزدد علمًا (عَلَيْكَ أَغْلَظُ الكَفَّارَةِ) قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: لعلّه أُغلظ في ذلك لينزجز الناس، ويرتدعوا عن ذلك، وإلا فظاهر الآية يقتضي كفّارة اليمين، فقد قال اللَّه تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، فيُتأمّل انتهى (١).

стр. 14410

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ليس المراد من قول ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أنه يتعيّن عليه عتق الرقبة، بل ذلك من الحكم بالنظر لحال الرجل، حيث رآه موسرًا، فأراد أن يغلّظ عليه، زجرًا له، لا لتعيّنه عليه، قال الحافظ في "الفتح": كأنه أشار عليه بالرقبة لأنه عرف أنه موسرٌ، فأراد أن يكفّر بالأغلظ، من كفّارة اليمين، لا أنه يتعيّن عليه عتق الرقبة، ويدلّ عليه ما تقدّم عنه من التصريح بكفّارة اليمين انتهى. وأشار بقوله: "ما تقدّم عنه" إلى ما أخرجه البخاريّ في "كتاب التفسير" عن سعيد بن جبير، عنه قال: "في الحرام يُكفّر". ووقع في رواية ابن السكن: "يمينٌ تُكفّر"، ووقع في بعض حديث ابن عباس، عن عمر: "فعاتبه اللَّه في ذلك، وجعل له كفّارة يمين". (عِتْقُ رَقَبَةٍ) بالرفع بدل من "أغلظُ"، أو خبر لمبتدإ محذوف، أي هو عتق رقبة، ويحتمل النصب، أي أعني عتق رقبة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٦/ ٣٤٤٨ - وفي "الكبرى" ١٧/ ٥٦١٣. وأخرجه (خ) في "التفسير" ٤٩١١ (م) في "الطلاق" ١٤٧٣ (ق) في "الطلاق" ٢٠٧٣. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم فيمن قال لامرأته: أنت عليّ حرام: قال أبو عبد اللَّه القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "تفسيره": اختلف العلماء في الرجل يقول لزوجته: "أنت عليّ حرام" على ثمانية عشر قولاً: (أحدها): لا شيء عليه. وبه قال الشعبيّ، ومسروق، وربيعة، وأبو سلمة، وأصبغ، وهو عندهم كتحريم الماء والطعام، قال اللَّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية. والزوجة من الطيّبات، ومما أحلّ اللَّه. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا﴾ الآية. وما لم يُحرّمه اللَّه فليس لأحد أن يُحرّمه، ولا يصير بتحريمه حرامًا، ولم يثبت عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال لما أحلّ اللَّه: هو عليّ حرام، وإنما امتنع من مارية ليمين تقدّمت منه، وهو قوله: "واللَّه لا أقربها بعد اليوم"، فقيل له: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، أي لم تمتنع منه بسبب اليمين؟، يعني أقدِمْ عليه، وكفّر. (وثانيها): أنها يمين يُكفّرها. قاله أبو بكر الصّدّيق، وعمر بن الخطّاب، وعبد اللَّه

стр. 14411

بن مسعود، وابن عباس، وعائشة - رضي اللَّه تعالى عنهم -، والأوزاعيّ، وهو مقتضى الآية. قال سعيد بن جبير، عنِ ابن عبّاس: إذا حرّم الرجل عليه امرأته، فإنما هي يمين يُكفّرها. وقال ابن عبّاس: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، يعني أن النبيّ ﷺ كان حرّم جاريته، فقال اللَّه تعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ الآية. فكفّر عن يمينه، وصيّر الحرام يمينًا. أخرجه الدراقطنيّ. (وثالثها): أنها تجب فيها كفّارة، وليست بيمين. قاله ابن مسعود، وابن عبّاس أيضًا في إحدى روايتيه، والشافعيّ في أحد قوليه، وفي هذا القول نظر، والآية تردّه على ما يأتي. (ورابعها): هي ظهار، ففيها كفّارة الظهار. قاله عثمان، وأحمد بن حنبل، وإسحاق. (وخامسها): أنه إن نوى الظهار، وهو ينوي أنها محرّمة كتحريم ظهر أمه، كان ظهارًا، وإن نوى تحريم عينها عليه بغير طلاق، تحريمًا مطلقًا، وجبت كفّارة يمين، وإن لم ينو شيئًا، فعليه كفّارة يمين. قاله الشافعيّ. (وسادسها): أنها طلقةٌ رجعيّةٌ. قاله عمر بن الخطاب، والزهريّ، وعبد العزيز بن أبي سلمة، وابن الماجشون. (وسابعها): أنها طلقة بائنةٌ. قاله حمّاد بن أبي سليمان، وزيد بن ثابت، ورواه خُوَيز مَنْدَاد عن مالك. (وثامنها): أنها ثلاث تطليقات. قاله عليّ بن أبي طالب، وزيد بن ثابت أيضًا، وأبو هريرة ﵃. (وتاسعها): هي في المدخول بها ثلاث، ويُنَوَّى في غير المخول بها، قاله الحسن، وعليّ بن زيد، والحكم، وهو مشهور مذهب مالك. (وعاشرها): هي ثلاث، ولا يُنوَّى بحال، ولا في محلّ، وإن لم يدخل بها. قاله عبد الملك في المبسوط، وبه قال ابن أبي ليلى. (وحادي عشرها): هي في التي لم يدخل بها واحدة، وفي التي دخل بها ثلاثٌ. قاله أبو مصعب، ومحمد بن عبد الحكم. (وثاني عشرها): أنه إن نوى الطلاق، أو الظهار كان ما نوى، فإن نوى الطلاق، فواحدةٌ بائنةٌ، إلا أن ينوي ثلاثًا، فإن نوى ثنتين فواحدة، فإن لم ينو شيئًا كانت يمينًا، وكان الرجل موليًا من امرأته. قاله أبو حنيفة وأصحابه، وبمثله قال زُفر، إلا أنه قال:

стр. 14412

نوى اثنتين ألزمناه. (وثالث عشرها): أنه لا تنفعه نيّة الظهار، وإنما يكون طلاقًا. قاله ابن قاسم. (ورابع عشرها): قال يحيى بن عمر: يكون طلاقًا، فإن ارتجعها لم يجز له وطؤها حتى يكفر كفّارة الظهار. (وخامس عشرها): إن نوى الطلاق فما أراد من أعداده، وإن نوى واحدةً، فهي رجعيةٌ. وهو قول الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-، وروي مثله عن أبي بكر، وعمر، وغيرهم من الصحابة، والتابعين. (وسادس عشرها): إن نوى ثلاثًا فثلاثًا، وإن نوى واحدة فواحدة، وإن نوى يمينًا فهي يمين، وإن لم ينو شيئًا فلا شيء عليه. وهو قول سفيان، وبمثله قال الأوزاعيّ، وأبو ثور، إلا أنهما قالا: إن لم ينو شيئًا فهي واحدةٌ. (وسابع عشرها): له نيّته، ولا يكون أقلّ من واحدة. قاله ابن شهاب. وإن لم ينو شيئًا لم يكن شيء. قاله ابن العربيّ. ورأيت لسعيد بن جبير، وهو: (ثامن عشرها): أن عليه عتق رقبة، وإن لم يجعلها ظهارًا. ولست أعلم لها وجهًا، ولا يبعد (١) في المقالات عندي. قال القرطبيّ: قال علماؤنا: سبب الاختلاف في هذا الباب أنه ليس في كتاب اللَّه، ولا في سنّة رسول اللَّه ﷺ نصّ، ولا ظاهرٌ يُعتمد عليه في هذه المسألة، فتجاذبها العلماء لذلك. فمن تمسّك بالبراءة الأصليّة، فقال: لا حكم، فلا يلزم بها شيء. وأما من قال: إنها يمين، فقال: سماها اللَّه يمينًا. وأما من قال: تجب فيها كفّارة، وليست بيمين، فبناه على أحد أمرين: أحدهما: أنه ظنّ أن اللَّه تعالى أوجب الكفّارة فيها، وإن لم تكن يمينًا، والثاني: أن معنى اليمين عنده التحريم، فوقدت الكفّارة على المعنى. وأما من قال: إنها طلقة رجعيّةٌ، فإنه حمل اللفظ على أقلّ وجوهه، والرجعيّة محرّمة الوطء كذلك، فيُحمل اللفظ عليه. وهذا يلزم مالكًا؛ لقوله: إن الرجعيّة محرّمة الوطء. وكذلك وجه من قال: إنها ثلاث، فحمله على أكبر معناه، وهو الطلاق الثلاث. وأما من قال: إنه ظهار؛ فلأنه أقلّ درجات التحريم، فإنه تحريم، لا يرفع النكاح. وأما من قال: إنه طلقةٌ بائنةٌ، فعوّل على أن الطلاق الرجعيّ لا يُحرّم المطلّقةَ، وأن الطلاق البائن يحرّمها. وأما قول يحيى بن عمر، فإنه احتاط بأن جعله طلاقًا، فلما ارتجعها احتاط بأن

стр. 14413

ألزمه الكفّارةَ. قال ابن العربيّ (١): وهذا لا يصحّ؛ لأنه جمع بين المتضادّين، فإنه لا يجتمع ظهار وطلاقٌ في معنى لفظ واحد، فلا وجه للاحتياط فيما لا يصحّ اجتماعه في الدليل. وأما من قال: إنه يُنَوَّى في التي لم يدخل بها؛ فلأن الواحدة تُبينها، وتحرّمها شرعًا إجماعًا، وكذلك قال من ليم يَحْكُمْ باعتبار نيّته: إن الواحدة تكفي قبل الدخول في التحريم بالإجماع، فيكفي أخذًا بالأقلّ المتَّفَق عليه. وأما من قال: إنه ثلاث فيهما، فلأنه أخذ بالحكم الأعظم، فإنه لو صرّح بالثلاث لنفذت في التي لم يدخل بها نفوذها في التي دخل بها، ومن الواجب أن يكون المعنى مثله، وهو التحريم. وهذا كلّه في الزوجة، وأما في الأمة فلا يلزم فيها شيء من ذلك، إلا أن ينوي به العتق عند مالك. وذهب عامّة العلماء إلى أن عليه كفّارة يمين. قال ابن العربيّ: والصحيح أنها طلقة واحدة؛ لأنه لو ذكر الطلاق لكان أقلّه، وهو الواحدة إلا أن يعدّده، كذلك إذا ذكر التحريم يكون أقلّه إلا أن يقيّده بالأكثر، مثل أن يقول: أنت عليّ حرام إلا بعد زوج، فهذا نصّ على المراد. انتهى كلام القرطبيّ (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أقرب الأقوال القول الثاني، وهو أنه يمين يكفّرها؛ لأنه مقتضى الآية، كما أشار إليه ترجمان القرآن عبد اللَّه بن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، كما بينه الحديث الذي أورده المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في هذا الباب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٧ - (تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ) ٣٤٤٩ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, عَنْ حَجَّاجٍ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, عَنْ عَطَاءٍ, أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ, قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ, زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ,

стр. 14414

وَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلاً, فَتَوَاصَيْتُ وَحَفْصَةَ, أَيَّتُنَا مَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ , فَلْتَقُلْ: إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ, فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا, فَقَالَتْ: ذَلِكَ لَهُ, فَقَالَ: "بَلْ شَرِبْتُ عَسَلاً عِنْدَ زَيْنَبَ" وَقَالَ: "لَنْ أَعُودَ لَهُ", فَنَزَلَ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ , ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ, ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ لِقَوْلِهِ: «بَلْ شَرِبْتُ عَسَلَا» , كُلُّهُ فِي حَدِيثِ عَطَاءٍ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم سندًا، ومتنًا في "كتاب عشرة النساء" - "باب الْغَيْرَةِ"، رواه هناك عن شيخه الحسن بن محمد الزعفرانيّ، عن حجّاج به، وتقدّم شرحه مستوفًى، وكذا بيان مسائله، فراجعه تستفد. ودلالته لما ترجم له هنا واضحة، حيث إنه يدلّ على أن الآية نزلت بسبب قصّة شربه ﷺ العسل عند أم المؤمنين زينب - رضي اللَّه تعالى عنها -، وقد تقدّم في الباب الماضي أن الأصحّ أنها نزلت فيها، وفي قصّة مارية - رضي اللَّه تعالى عنها -، ولا مانع من تعدّد سبب آية واحدة. وحجاج: هو ابن محمد الأعور. و"عطاء": هو ابن أبي رباح. وقولها: "فتواصيت": أي توافقتُ. وقولها: "وحفصة" قال السنديّ: بالنصب أقرب، أي مع حفصة حتى لا يلزم العطف على الضمير المرفوع بلا تأكيد، ولا فصل انتهى. يعني أن العطف على الضمير المرفوع بلا فاصل ضعيف، كما قال في "الخلاصة": وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ أَوْ فَاصِلٍ مَا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ وقوله: "ما دخل" "ما" زائدة، وسقطت من بعض النسخ. وقوله: "مغافر" هو شيء حُلْوٌ، له ريحٌ كَرِيهةٌ، وكان ﷺ لا يُحبّ الرائحة الكريهة، فلذلك ثقل عليه ما قالتا، وعزم على عدم العود. وقد تقدّم الكلام على ضبطه ومعناه مستوفًى في "كتاب عشرة النساء"، وللَّه الحمد والمنّة. وقوله: "على إحديهما" هكذا النسخ بالياء التحتانيّة، والقاعدة في مثل هذا أن يكون بالألف؛ لأن "إحدى" مقصور، والمقصور لا تُقلب ألفه ياء عند إضافته إلى الضمير، بل يبقى على حاله، وإنما تقلب ألف "على"، و"إلى"، "لَدَى"، فيقال: عليه، وإليه، ولديه. ويحتمل أن يكون مما كُتب على صورة الإمالة، فتكون قراءته بالألف. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 14415

وقوله: "كلّه في حديث عطاء" يعني أن هذا الحديث كلّه مذكور في حديث عطاء بن أبي رباح، عن عُبيد بن عُمير. ولم يظهر لي فائدة تنصيصه على هذا، فاللَّه تعالى أعلم. وعبارة "الكبرى": "هذا الكلام كلّه في حديث عطاء. قال أبو عبد الرحمن: هذا الحديث إسناده جيّد، غاية صحيحٌ، حديث عائشة هذا في العسل انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٨ - (بَابُ الْحَقِي بِأَهْلِكِ) ٣٤٤٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ نُعَيْمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَكِّىِّ بْنِ عِيسَى, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ, قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ, يُحَدِّثُ حَدِيثَهُ, حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ , فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ, وَقَالَ فِيهِ: إِذَا رَسُولُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَأْتِينِي, فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ … ح وَأَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ, عَنْ يُونُسَ, قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ, أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ, قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ, يُحَدِّثُ حَدِيثَهُ, حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ … وَسَاقَ قِصَّتَهُ, وَقَالَ: إِذَا رَسُولُ رَسُولِ اللهِ ﷺ , يَأْتِي, فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ, فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا, أَمْ مَاذَا؟ قَالَ: لَا, بَلِ اعْتَزِلْهَا, فَلَا تَقْرَبْهَا, فَقُلْتُ لاِمْرَأَتِي: الْحَقِي بِأَهْلِكِ, فَكُونِي عِنْدَهُمْ, حَتَّى يَقْضِىَ اللَّهُ فِي هَذَا الأَمْرِ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم للمصنّف في "كتاب الصلاة" - "الرخصة في الجلوس فيه -أي المسجد- والخروج منه بغير صلاة"، وهو حديث طويلٌ جدًّا، وقد ساقه الشيخان بطوله في "صحيحيهما"، وقد أوردته في شرحي هذا في الباب المذكور، وأورده المصنّف في عدّة أبواب مقطّعًا حسبما يريد الاحتجاج به في الأحكام المختلفة، فقد أورده هنا مستدلاًّ على أن قول الرجل لامرأته:

стр. 14416

الحقي بأهلك" لا يكون طلاقًا إلا إذا نوى الطلاق، كما سبق في الباب الماضي، وسأبّين أقوال أهل العلم فيه قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى. و"محمد بن حاتم بن نُعيم": هو المروزيّ، ثقة [١٢] ١/ ٣٩٧ من أفراد المصنّف. و"سليمان ابن داود": هو المَهْريّ، أبو الربيع المصريّ، ابن أخي رِشْدين بن سعد، ثقة [١١] ٧٩/ ٣٦ من أفراد المصنّف وأبي داود. و"محمد بن مكيّ بن عيسى": هو المروزيّ، مقبول [١٠] ٦٦/ ١٨٠٠ من أفراد المصنّف، وأبي داود أيضًا. والباقون كلهم رجال الصحيح، و"عبد اللَّه": هو ابن المبارك. و"يونس": هو ابن يزيد الأيليّ. و"عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك" الأنصاريّ السلميّ، أبو الخطّاب المدنيّ، ثقة [٣]. روى عن أبيه، وجدّه، وعمّه عُبيد اللَّه، وأبي هريرة، وجابر، وسلمة بن الأكوع على خلاف فيه. وعنه الزهريّ، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى. قيل: إنه كان أعلم قومه، وأوعاهم. وقال النسائيّ: ثقة. وقال خليفة بن خيّاط: مات في خلافة هشام بن عبد الملك. ووقع في "صحيح البخاريّ" في "الجهاد" تصريحه بالسماع من جدّه. وقال الذهليّ في "العلل": ما أظنّه سمع من جدّه شيئًا. وقال الدارقطنيّ: روايته عن جدّه مرسل. وقال أبو العبّاس الطَّرْقيّ: إنما روى عن جدّه أحرفًا في الحديث، ولم يمكّنه بطوله، فاستثبته من أبيه. روى له الجماعة، سوى مسلم، والترمذيّ. [تنبيه]: (اعلم): أن الزهريّ -رحمه اللَّه تعالى- روى هذا الحديث عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك، عن جدّه كعب، كما في السند الأول، فقد صرّح بسماعه من عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب، عن كعب، وهي الرواية التي أخرجها البخاريّ في "كتاب الجهاد" - (٢٩٤٨) "باب من أراد غزوًا، فورّى بغيرها"، قال: وحدثني أحمد بن محمد، أخبرنا عبد اللَّه، أخبرنا يونس، عن الزهريّ، قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك، قال: سمعت كعب بن مالك، ﵁، يقول … " الحديث. قال الحافظ في "الفتح": نعم توقّف الدارقطنيّ في هذه الرواية التي وقع فيها التصريح بسماع عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك من جدّه. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أحمد بن محمد شيخ البخاريّ هو السمسار المروزيّ، المعروف بمردويه، وهو ثقة حافظ، ولم ينفرد بهذه الرواية، فقد تابعه محمد بن مكيّ بن عيسى عند المصنّف هنا، فلا يُرتاب في سماع عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب، من جدّه كعب، فيحتمل أنه سمعه منه، فثبّته أبوه، فكان في أكثر أحواله يرويه

стр. 14417

عن أبيه، عن جدّه، وربما رواه عن جدّه، كما أشار إليه الحافظ في "هدي الساري" ص ٣٨١. والحاصل أن السند من الطريقين ثابتٌ صحيح. واللَّه تعالى أعلم. ورواه الزهريّ أيضًا عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك، عن أبيه، عن كعب، كما في السند الثاني، والروايتين اللتين بعد هذا، وهذه هي الرواية المشهورة عن عبد الرحمن. ورواه أيضًا عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعبُ بن مالك، عن عمّه عُبيد اللَّه بن كعب، عن كعب، كما في الرواية الرابعة، وهي التي أخرجها البخاريّ في "الجهاد" أيضًا -٣٠٨٨ - لكن قرنه بأبيه. وعن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه كعب، كما في رواية معمر، عن الزهريّ الآتية آخر الباب ٣٤٥٣ - وهي التي أخرجها البخاريّ في "الجهاد أيضًا" -٢٩٥٠ - . وعن عبد اللَّه بن كعب بن مالك، عن أبيه، كما في الرواية الآتي في "كتاب الأيمان والنذور" -٣٦/ ٣٨٥٠ - . قال المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-: يُشبه أن يكون الزهريّ سمع هذا الحديث من عبد اللَّه بن كعب، ومن عبد الرحمن، عنه في هذا الحديث الطويل، توبةِ كعبٍ انتهى (١). والحاصل أن طرق حديث الزهريّ -رحمه اللَّه تعالى- كلها صحيحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. وقوله: "حين تخلّف" متعلّقٌ بـ "حَدِيثَهُ" أي يُحدّث ما وقع له حين التخلُّف. وقوله: "فلا تقربها" بفتح الراء، وضمها، من بابي تعب، وقتل، قال الفيّوميّ: وقربتُ الأمرَ أَقرَبه، من باب تعب، وفي لغة من باب قتل قِرْبانًا بالكسر: فَعَلتُهُ، أو دانيته، ومن الأول قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ الآية، ومن الثاني: "لا تَقْرَب الحِمَى": أي لا تدنُ منه انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تقدّم بيان المسائل المتعلقة بهذا الحديث في "كتاب الصلاة"، كما أسلفته قريبًا، وإنما أتكلّم هنا فيما ترجم له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو بيان حكم قول الرجل لامراْته: "الحقي بأهلك"، فأقول:

стр. 14418

[مسألة]: إذا قال الرجل لزوجته: "الحقي بأهلك"، ولا يريد طلاقها بذلك، فلا شيء عليه؛ لحديث كعب بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - المذكور في الباب، وأما إذا قال لها ذلك، مريدًا به الطلاق، فقد اختلف فيه أهل العلم: قال الإمام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: اختلفوا في قوله: "الحقي بأهلك"، وشبهه من كنايات الطلاق، فقالت طائفة: يُنَوَّى (١) في ذلك، فإن أراد طلاقًا كان طلاقًا، وإن لم يُرده لم يلزمه شيء. هذا قول الثوريّ، وأبي حنيفة، قالا: إذا نوى واحدةً، أو ثلاثًا، فهو ما نوى، وإن نوى ثنتين فهي واحدة. وقال مالك: إن أراد به الطلاق فهو ما نوى، واحدة، أو ثنتين، أو ثلاثًا، وإن لم يرد شيئًا، فليس بشيء. وقال الحسن، والشعبيّ: إذا قال: الحقي بأهلك، أو لا سبيل لي عليك، أو الطريق لك واسعٌ، إن نوى طلاقًا، فهي واحدة، وإلا فليس بشيء. ذكره العلامة العينيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "عمدته" (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما قاله الإمام مالك -رحمه اللَّه تعالى- أقرب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٤٥٠ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَبَلَةَ, وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدٍ, قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ أَعْيَنَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاشِدٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي, كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ, قَالَ: -وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ- يُحَدِّثُ, قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ , وَإِلَى صَاحِبَيَّ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْتَزِلُوا نِسَاءَكُمْ, فَقُلْتُ لِلرَّسُولِ: أُطَلِّقُ امْرَأَتِي, أَمْ مَاذَا أَفْعَلُ؟ قَالَ: لَا, بَلْ تَعْتَزِلُهَا, فَلَا تَقْرَبْهَا, فَقُلْتُ لاِمْرَأَتِي: الْحَقِي بِأَهْلِكِ, فَكُونِي فِيهِمْ, فَلَحِقَتْ بِهِمْ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن جَبَلَة": هو الرافقيّ، خراسانيّ الأصل، صدوق [١١] ١٩٠/ ١٦٧ من أفراد المصنّف. و"محمد بن يحيى بن محمد": الحرّانيّ الكلبيّ، لقبه لؤلؤ، ثقة، صاحب حديث [١١] ٤/ ٤٠ من أفراد المصنّف. و"محمد بن موسى بن أعين" الجزريّ، أبو يحيى الحرّانيّ، صدوق، من كبار [١٠] ٤/ ٤٠٣ من رجال البخاريّ، والمصنّف. و"موسى بن أعين": هو القرشيّ مولاهم، أبو سعيد الجزريّ، ثقة عابد [٨] ١١/ ٤١٥.

стр. 14419

و"إسحاق بن راشد": هو أبو سليمان الجزريّ، ثقة في حديثه عن الزهريّ بعض الوهم [٧] ٣٩/ ٢١٩٢. وقوله: "وهو أحد الثلاثة الخ": هم هلال بن أمية الواقفيّ، ومُرارة بن الربيع الْعَمْريّ، وكعب بن مالك ﵃. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٤٥١ - (أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ (١) , أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ, قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبًا, يُحَدِّثُ حَدِيثَهُ, حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ , فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ, وَقَالَ فِيهِ: إِذَا رَسُولُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَأْتِينِي, وَيَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ, فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا, أَمْ مَاذَا أَفْعَلُ؟ , قَالَ: بَلِ اعْتَزِلْهَا, وَلَا تَقْرَبْهَا, وَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبَيَّ بِمِثْلِ ذَلِكَ, فَقُلْتُ لاِمْرَأَتِي: الْحَقِي بِأَهْلِكِ, وَكُونِي عِنْدَهُمْ, حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِي هَذَا الأَمْرِ. خَالَفَهُمْ مَعْقِلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "يوسف بن سعيد": هو الْمِصِّيصيّ، ثقة حافظ [١١] ١٣١/ ١٩٨ من أفراد المصنّف. و"حجّاج": هو ابن محمد الأعور. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وقوله: "خَالَفَهُمْ مَعْقِلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ" يعني أن معقل بن عبيد اللَّه خالف يونس بن يزيد، وإسحاق بن راشد، وعُقيل بن خالد في إسناد هذا الحديث، فجعله عن الزهريّ، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب، عن عمه، عبيد اللَّه بن كعب، وهم جعلوه عن الزهريّ، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه، عن أبيه، عن كعب، لكن هذه المخالفة لا تضرّ بصحّة الحديث، ولذا أخرجه أصحاب الصحاح من الطريقين. ثم أورد طريق معقل بن عبيد اللَّه التي أشار إليها بقوله: ٣٤٥٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْدَانَ بْنِ عِيسَى, قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ, عَنْ عَمِّهِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ, قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي كَعْبًا يُحَدِّثُ, قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ , وَإِلَى صَاحِبَيَّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْتَزِلُوا نِسَاءَكُمْ, فَقُلْتُ: لِلرَّسُولِ: أُطَلِّقُ

стр. 14420

امْرَأَتِي, أَمْ مَاذَا أَفْعَلُ؟ , قَالَ: لَا, بَلْ تَعْتَزِلُهَا, وَلَا تَقْرَبْهَا, فَقُلْتُ لاِمْرَأَتِي: الْحَقِي بِأَهْلِكِ, فَكُونِي فِيهِمْ, حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ , فَلَحِقَتْ بِهِمْ, خَالَفَهُ مَعْمَرٌ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن معدان بن عيسى": هو الْحَرَّانيّ، ثقة [٢] ١٦/ ٦٤٩ من أفراد المصنّف. و"الحسن بن أعين": هو الحسن بن محمد بن أعين -نسب لجدّه- أبو عليّ الحرّانيّ، ولد أخي موسى بن أعين الماضي قبل حديث، صدوقٌ [٩] ١٦/ ٦٤٩. و"مَعْقِل": هو ابن عُبيد اللَّه، أبو عبد اللَّه العبْسيّ، مولاهم الْجَزَريّ، صدوقٌ يُخطىء [٨] ٣٨/ ٩٤٠. وقوله: "إن رسول اللَّه ﷺ … " يحتمل كسر همزة "إنّ" على أن المعنى أسل إلينا هذا الكلام، ويحتمل فتحها على أن يكون المصدر المؤول مفعولاً به لقوله: "أرسل". والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وقوله: "خالفه معمر" يعني أنه خالف معمرُ بن راشد مَعقِلَ بنَ عُبيد اللَّه في إسناد هذا الحديث، وذلك لأنه جعله عن الزهريّ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه كعب ﵁. ثم ذكر رواية معمر التي أشار إليها بقوله: ٣٤٥٣ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -وَهُوَ ابْنُ ثَوْرٍ- عَنْ مَعْمَرٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ فِي حَدِيثِهِ: إِذَا رَسُولٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ , قَدْ أَتَانِي, فَقَالَ: اعْتَزِلِ امْرَأَتَكَ, فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا؟ قَالَ: لَا, وَلَكِنْ لَا تَقْرَبْهَا, وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ: الْحَقِي بِأَهْلِكِ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن عبد الأعلى": هو الصنعانيّ البصريّ. و"محمد بن ثور": هو أبو عبد اللَّه الصنعانيّ العابد الثقة [٩] ١٠٢/ ٢٠٣٥. و"معمر": هو ابن راشد الصنعاني الحجة الثبت المشهور. و"عبد الرحمن بن كعب بن مالك": هو الأنصاريّ، أبو الخطاب المدنيّ، ثقة، من كبار التابعين، ويقال: ولد في عهد النبيّ ﷺ ، مات في خلافة سليمان بن عبد الملك ٣٨/ ٧٣١. وقد تقدم أن هذه الاختلافات على الزهريّ لا تضرّ بصحة الحديث، فقد أخرج معظم هذه الطرق الشيخان، في "صحيحيهما". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 14421

١٩ - (بَابُ طَلَاقِ الْعَبْدِ) ٣٤٥٤ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ, عَنْ عُمَرَ بْنِ مُعَتِّبٍ, أَنَّ أَبَا حَسَنٍ, مَوْلَى بَنِي نَوْفَلٍ أَخْبَرَهُ, قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَامْرَأَتِي, مَمْلُوكَيْنِ, فَطَلَّقْتُهَا تَطْلِيقَتَيْنِ, ثُمَّ أُعْتِقْنَا جَمِيعًا, فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ, فَقَالَ: إِنْ رَاجَعْتَهَا كَانَتْ عِنْدَكَ عَلَى وَاحِدَةٍ, قَضَى بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . خَالَفَهُ مَعْمَرٌ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عمرو بن عليّ) الفلاّس، أبو حفص البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/ ٤. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطّان البصريّ الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/ ٤. ٣ - (عليّ بن المبارك) الْهُنَائيّ البصريّ، ثقة، كان له عن يحيى بن أبي كثير كتابان: أحدهما: سماع، والآخر إرسال، فحديث الكوفيين عنه فيه شيء، من كبار [٧] ٢٨/ ١٤١١. ٤ - (يحيى) بن أبي كثير الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقة ثبت، لكنه يدلّس ويرسل [٥] ٢٣/ ٢٤. ٥ - (عمر بن مُعَتِّب) -بمهملة مثنّاة مكسورة، ثقيلة، ويقال: ابن أبي مُعَتِّب المدنيّ، ضعيف [٦]. روى عن أبي الحسن مولى بني نوفل. وعنه يحيى بن أبي كثير. قال الميمونيّ: قال لنا أحمد: أما أبو الحسن فمعروف، ولكن لا أعرف عمر. وقال مسلم، عن أحمد: روى عنه محمد بن أبي يحيى، قيل له: أثقة هو؟ قال: لا أدري. وقال ابن المدينيّ: منكر الحديث. وقال أبو حاتم: لا أعرفه. وقال النسائيّ: ليس بالقويّ. وقال ابن عديّ: قليل الحديث. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وذكره العقيليّ في "الضعفاء". روى له المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وله عندهم حديث الباب فقط. ٦ - (أبو الحسن مولى بني نوفل) ثقة (١) [٤]. روى عنه الزهريّ، وعمر بن مُعَتِّب، ويزيد بن عبد اللَّه بن قُسيط. قال أبو داود: قد

стр. 14422

روى عنه الزهريّ، وكان من الفقهاء، وأهل الصلاح، وأبو الحسن هذا معروفٌ، وليس العمل على ما روى. وقال الزهريّ في بعض رواياته عنه: أبو الحسن مولى عبد اللَّه بن الحارث بن نوفل. وكذا نسبه أبو حاتم الرازيّ، وقال: ثقة. وقال أبو زرعة: مدنيّ ثقة. وقال ابن عبد البرّ: اتفقوا على أنه ثقة. روى له المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه. ٧ - (ابن عباس) - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غيرَ عُمَرَ، وأبي الحسن، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى عليّ ابن المبارك، والباقون مدنيون، ويحيى بن أبي كثير، وإن كان يماميًا إلا أنه سكن المدينة عشر سنين يطلب العلم. (ومنها): أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عُمَرَ بْنِ مُعَتِّبٍ) بصيغة اسم الفاعل المضغف (أَنَّ أَبَا حَسَنٍ) هذا هو الصواب، فما يأتي في السند التالي من قوله: "عن الحسن" غلطٌ سيأتي التنبيه عليه هناك (مَوْلَى بَنِي نَوْفَلٍ) وقد سبق أنه قيل: مولى عبد اللَّه بن الحارث بن نوفل (أَخْبَرَهُ، قَالَ) هذا تفسير لـ "أخبره" (كُنْتُ أَنَا وَامْرَأَتِي، مَمْلُوكَينِ، فَطَلَّقْتُهَا تَطْلِيقَتَيْنِ، ثُمَّ أُعْتِقْنَا) بالبناء للمفعول (جَمِيعًا، فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسِ) وفي الرواية التالية: "سُئل ابن عبّاس عن عبد طلّق امرأته تطليقتين، ثم عَتَقا، أيتزوّجها؟ ". وفي رواية أبي داود: "أنه استفتى ابن عباس في مملوك كانت تحته مملوكة، فطلّقها تطليقتين، ثم عَتَقَا بعد ذلك، هل يصلح له أن يخطبها؟ قال: نعم". (فَقَالَ: إِنْ رَاجَعْتَهَا) ظاهر هذه الرواية أنه يجوز له أن يراجعها، والرواية التالية تدلّ على أن له أن ينكحها نكاحًا جديدًا، فبينهما تعارض، إلا أن يحمل قوله: "إن راجعتها" على معنى: إن تزوّجتها بنكاح جديد (كَانَتْ عِنْدَكَ عَلَى وَاحِدَةٍ) قال السنديّ: ظاهره أن العبد إذا أُعتق يملك ثلاث طلقات، وإن صار حرًّا بعد طلقتين، فله الرجوع بعدهما؛ لبقاء الثالث الحاصل بالعتق، لكن العمل على خلافه، فيمكن أن يقال: إن هذا كان حين كانت الطلقات الثلاث واحدةً، كما رواه ابن عبّاس، فالطلقتان للعبد حينئذ كانتا واحدةً، وهذا أمر قد تقرّر أنه منسوخٌ الآن، فلا إشكال انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد عرفت أن دعوى النسخ غير صحيحة، وأن

стр. 14423

الصواب أن الحديث يُعمل به، فلا مانع من العمل بمقتضاه في الطلقتين للعبد. واللَّه تعالى أعلم. وقال الخطّابيّ -رحمه اللَّه تعالى-: لم يذهب إلى هذا أحدٌ من العلماء فيما أعلم، وفي إسناده مقال، ومذهب عامة الفقهاء أن المملوكة إذا كانت تحت مملوك، فطلّقها تطليقتين أنها لا تصلح له إلا بعد زوجٍ انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: دعواه أنه لم يقل به أحد إنما هو بحسب علمه، وإلا فسيأتي في المسألة الثالثة من قال به من السلف، ثم إنك قد عرفت أنه إن كانت التطلقتان بكلمة واحدة، فهي كتطليق الحرّ ثلاثًا بكلمة، وقد تقدّم أنها تعتبر طلقة واحدة، فلا تغفُل. (قَضَى بذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أي حكم بجواز نكاحه لها بعد الطلقتين، إذا أُعتقا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا ضعيف؛ لأن في سنده عمر بن مُعتّبٍ، وهو ضعيف. واللهَ تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٩/ ٣٤٥٤ و٣٤٥٥ - وفي "الكبرى" ٢٠/ ٥٦٢٠ و٥٦٢١. وأخرجه (د) في "الطلاق" ٢١٨٧ (ق) في "الطلاق" ٢٠٨٢. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم فيما إذا طلّق العبد زوجته ثنتين، ثم عَتَقَ: قال الإمام ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى-: إذا طلّق العبد زوجته اثنتين، ثم عَتَقَ لم تحلّ له زوجته حتى تنكح زوجًا غيره؛ لأنها حَرُمت عليه بالطلاق تحريمًا لا يحلّ إلا بزوج، وإصابة، ولم يوجد ذلك، فلا يزول التحريم. وهذا ظاهر المذهب. وقد روي عن أحمد أنه يَحِلّ له أن يتزوّجها، وتبقى عنده على واحدة، وذكر حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -يعني حديث الباب- وقال: لا أدري شيئًا يدفعه، وغير واحد يقول به: أبو سلمة، وجابرٌ، وسعيد بن المسيّب. ورواه الإمام أحمد في "المسند"، وأكثر الروايات عن أحمد الأول، وقال: حديث عثمان، وزيد في تحريمها عليه جيّد، وحديث ابن عباس يرويه عُمر بن معتّب (١)، ولا أعرفه. وقد قال ابن المبارك: من أبو

стр. 14424

الحسن هذا؟ لقد تحمّل صخرة عظيمة، منكرًا لهذا الحديث، قال أحمد: أما أبو حسن فهو عندي معروف، ولكن لا أعرف عمر بن معتّب. قال أبو بكر: إن صحّ الحديث فالعمل عليه، وإن لم يصحّ فالعمل على حديث عثمان وزيد، وبه أقول انتهى (١). قال العلاّمة ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-: وحديث عثمان وزيد الذي أشار إليه هو ما رواه الأثرم في "سننه" عن سليمان بن يسارة "أن نُفيعًا، مكاتب أم سلمة طلّق امرأته حرّة بتطليقتين، فسأل عثمان وزيد بن ثابت عن ذلك؟ فقالا: حَرُمت عليك" انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أنه إن كان الطلقتان بكلمة واحدة، فكالطلاق الثلاث من الحرّ، وقد سبق أنها تعتبر طلقة واحدة، وإن لم تكن بكلمة واحدة، فالمذهب الأول هو الأرجح؛ لأنه حينما طلّقها طلّقها طلاقًا تحرم به الرجعة، فلا يُرفع هذا التحريم بعتقه، ولو صحّ حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - لقلنا به، لكنه لم يصحّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم، هل الطلاق يعتبر بالرجال، أم بالنساء؟: قال العلامة ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى-: إن الطلاق معتبر بالرجال، فإن كان الزوج حرًّا، فطلاقه ثلاث، حرّة كانت الزوجة أو أمةً، وإن كان عبدًا، فطلاقه اثنتان حرّة كانت زوجته أو أمة، فإذا طلّق اثنتين حَرُمت عليه، حتى تنكح زوجًا غيره. روي ذلك عن عمر، وعثمان، وزيد، وابن عبّاس. وبه قال سعيد بن المسيّب، ومالكٌ، والشافعيّ، وإسحاق، وابن المنذر. وقال ابن عمر: أيهما رَقَّ نقص الطلاق برقّه، فطلاق العبد اثنتان، وإن كان تحته حرّة، وطلاق الأمة اثنتان، وإن كان زوجها حرًّا. وروي عن عليّ، وابن مسعود، أن الطلاق معتبرٌ بالنساء، فطلاق الأمة اثنتان، حرًّا كان الزوج أو عبدًا، وطلاق الحرّة ثلاث، حرًّا كان زوجها، أو عبدًا. وبه قال الحسن، وابن سيرين، وعكرمة، وعَبيدة، ومسروق، والزهريّ، والحكم، وحمّاد، والثوريّ، وأبو حنيفة؛ لما روت عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، عن النبيّ ﷺ ، أنه قال: "طلاق الأمة تطليقتان، وقرؤها حيضتان". رواه أبو داود، وابن ماجه. ولأن المرأة محلّ للطلاق، فيُعتبر بها كالعدّة. ولنا أن اللَّه تعالى خاطب الرجال بالطلاق، فكان حكمه معتبرًا بهم، ولأن الطلاق خالص حقّ الزوج، وهو مما يختلف بالرقّ والحريّة، فكان اختلافه به كعَدَد المنكوحات. وحديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، قال أبو داود: راويه مظاهر بن أسلم، وهو منكر الحديث. وقد أخرجه الدارقطنيّ في "سننه" عن عائشة - رضي اللَّه

стр. 14425

تعالى عنها، قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "طلاق العبد اثنتان، فلا تحلّ له حتى تنكح زوجًا غيره، وقرء الأمة حيضتان، وتتزوّج الحرّة على الأمة، ولا تتزوّج الأمة على الحرّة" (١). وهذا نصّ. ولأن الحرّ يملك أن يتزوّج أربعًا، فملك طلقات ثلاثًا، كما لو كان تحته حرّةٌ، ولا خلاف في أن الحرّ الذي زوجته حرّةٌ طلاقه ثلاث، وأن العبد الذي تحته أمة طلاقه اثنتان، وإنما الخلاف فيما إذا كان أحد الزوجين حرًّا، والآخر رقيقًا انتهى كلام ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى- (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر لي أن ما ذهب إليه الأولون من أن اعتبار الطلاق بالرجال هو الأقرب؛ لإسناد الشارع الطلاق إليهم حينما خاطبهم في غير ما آية، كقوله تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ الآية، ولأنه خالص حقّ الرجل، لا حقّ للمرأة فيه، فاعتباره به أولى، وأما حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - المذكور، فإنه ضعيف؛ لضعف مُظاهر بن أسلم، فلا يصلح دليلاً للفريقين، فتبصّر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وقوله: (خالفه معمر) يعني أن معمر بن راشد خالف عليّ بن المبارك في رواية هذا الحديث، حيث قال: "عن الحسن مولى بني نوفل"، وهو وهَمٌ، والصواب "عن أبي الحسن"، كما في رواية عليّ بن المبارك، لكن سيأتي قريبًا أن هذا الوهم ليس من معمر، فليُتنبّه. ثم ساق رواية معمر بقوله: ٣٤٥٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ, عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ, عَنْ عُمَرَ بْنِ مُعَتِّبٍ, عَنِ الْحَسَنِ, مَوْلَى بَنِي نَوْفَلٍ, قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ, عَنْ عَبْدٍ, طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَتَيْنِ, ثُمَّ عُتِقَا, أَيَتَزَوَّجُهَا؟ , قَالَ: نَعَمْ, قَالَ: عَمَّنْ؟ , قَالَ: أَفْتَى بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ لِمَعْمَرٍ: الْحَسَنُ هَذَا مَنْ هُوَ؟ لَقَدْ حَمَلَ صَخْرَةً عَظِيمَةً). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بيان مخالفة معمر لعلي بن المبارك حيث قال: "عن الحسن مولى بني نوفل"، والصواب "عن أبي الحسن مولى بني نوفل" كما قال علي بن المبارك، لكن نسبة الوهم إلى معمر محل نظر، قال الحافظ أبو الحجّاج المزيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "تحفة الأشراف": ما نصّه: ونسبة الوَهم في ذلك إلى معمر، أو عبد الرزاق غير مستقيم؛ فإن أحمد بن حنبل، ومحمد بن عبد الملك بن زنجويه، وغير واحد قد رووه عن عبد الرزّاق، عن معمر، فقالوا: "عن أبي الحسن" على الصواب، وإنما وقع عند النسائيّ وحده "عن الحسن"، فالسهو في
следующие страницы →